![]() |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (59) - باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة - باب ترك الوضوء من القبلة من الأمور التي لا تنقض الوضوء مس الرجل زوجته من غير شهوة، أو تقبيلها بشهوة ما لم يمذ، وقد ثبت مثل هذا من فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه. ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وأني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة.ومقصود النسائي رحمه الله بهذه الترجمة: هو أن الرجل إذا مس امرأته بغير شهوة، فإن ذلك المس لا ينقض الوضوء، وهذه الترجمة التي عقدها، وأورد أحاديث تدل على مقتضاها؛ لأن الذي أورده تحتها هو حصول لمس في الصلاة، ومن المعلوم أن اللمس في الصلاة بعيد عن أن يكون بشهوة أو بقصد شهوة.إذاً: فهو غير ناقض للوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فبذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن ليس معنى هذه الترجمة أن المس إذا حصل بشهوة أنه ينقض الوضوء، فالمسألة خلافية؛ من العلماء من قال: مس الرجل المرأة مطلقاً ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أو بغير شهوة، ومنهم من يقول: إنه ينقض إذا كان بشهوة، وإذا كان بغير شهوة فإنه لا يكون ناقضاً للوضوء، والترجمة التي ذكرها المصنف أتى بها على هذا الموضع من أجل أن ما جاء في الأحاديث مطابق لها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام مس أم المؤمنين وهو في الصلاة، ومن المعلوم أن المس في الصلاة بعيد عن أن يكون فيه شهوة أو إرادة شهوة، لكن هذا لا يدل على أن المس بشهوة يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن الأصل هو عدم النقض حتى يأتي ما يدل على النقض إذا كان بشهوة، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل قد جاء ما يدل عليه كما في التقبيل كما سيأتي؛ لأن التقبيل مظنة الشهوة، ومع ذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن إذا خرج مذي بسبب هذا اللمس بشهوة، فإن النقض ليس من أجل المس بشهوة، وإنما من أجل المذي الذي خرج من السبيل الذي هو ناقض للوضوء.وقد عرفنا -فيما مضى- في باب: الوضوء من المذي، والحديث الذي جاء عن علي رضي الله عنه من طرق متعددة أن المذي فيه الوضوء، وأن الإنسان يستنجي، ويغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة، فإذا حصل المس بشهوة، ووجد المذي بسبب ذلك، فإنه يكون ناقضاً للوضوء مطلقاً، سواء كان بمس بشهوة أو بتفكير.إذاً: فالمس بشهوة ليس هناك ما يدل على النقض به، وهو غير ناقض إلا إذا حصل بسبب اللمس خروج مذي، فإن النقض يكون بسبب المذي الذي خرج، أما مجرد اللمس بشهوة فإنه لا يكون ناقضاً؛ لأنه لم يرد دليلٌ يدل على حصول النقض به.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديثين عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أحدهما: يتعلق بكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمزها وهو في الصلاة برجله إذا جاء في آخر صلاته؛ يوقظها لتقوم فتصلي وتوتر. وكذلك ما جاء في الحديث الآخر الذي جاء من طريقين أنها تكون معترضة، والمكان ضيق، وهي في قبلته، وهو يصلي، وإذا أراد أن يسجد غمزها، فتكف رجليها عن مكان سجوده، ثم إذا سجد وفرغ من السجود، وصار إلى القيام، ترجع رجليها إلى مكانها في قبلته عليه الصلاة والسلام، ويغمزها الرسول صلى الله عليه وسلم غمزات متعددة في الصلاة، فكلما نزل من القيام إلى السجود غمزها بيده أو غمزها برجله فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها، فدل هذا على أن المس لا ينقض الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو في صلاته، ولم يكن ذلك ناقضاً للوضوء. وقوله: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضةٌ بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله).والحديث يدل على أن عائشة رضي الله عنها كانت معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي؛ وذلك لضيق المكان، فكان إذا أراد أن توتر غمزها برجله، حتى تقوم وتتهيأ لصلاة الليل، أو للوتر الذي تختم به صلاة الليل.وفي هذا بيان ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من دعوة أهله إلى الصلاة، وتنبيههم إلى ذلك، وهو يدل على أن الزوجين يعين أحدهما صاحبه على فعل الخير، وينبهه على ما يحتاج إليه من الأمور التي ينبه عليها في التقرب إلى الله عز وجل. وفيه دليل على أن الجنازة عندما يصلى عليها تعرض أمام الذي يصلي عليها؛ أي: أنها تعرض وتكون معترضة، وقد جاءت السنة بأن المصلى عليه إذا كان رجلاً فإن الإمام يقوم عند رأسه، وإذا كانت امرأة فإنه يقوم عند وسطها، وهذه من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء؛ لأنه يوقف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، فالحكم في الجنازة عندما يصلى عليها أنها تعرض؛ ولهذا قالت عائشة: (معترضةٌ اعتراض الجنازة)، ومعناه: أنها في قبلته كالجنازة التي يصلى عليها حيث تكون في القبلة.وفيه أيضاً: دليل على أن الإنسان إذا صلى وأمامه شخصٌ نائم فإنه لا يؤثر ذلك على صلاته؛ لأن عائشة كانت نائمة، وكانت ممتدة بين يديه عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن كون الإنسان يصلي، وأمامه شخصٌ نائم قريبٌ منه، فإن ذلك لا يؤثر عليه.وفيه أيضاً: دليل على أن الاعتراض غير المرور، فالمرور يمنع منه، فالمرأة إذا مرت أمام المصلي جاء ما يدل على أنها تقطع الصلاة. ومثل ذلك الكلب، والحمار، فقد جاء في ذلك حديث صحيح. وإن كان قد اختلف في معنى القطع، إلا أنه يختلف عن الاعتراض؛ لأن الاعتراض والامتداد أمام المصلي وإن كان في مكان سجوده لا يؤثر في ذلك، وهو يختلف عن المرور، فالمرور يمنع منه، وكون الرجل أو الأرجل تكون ممتدة، أو النائم يكون ممتداً أمام المصلي ولو كان امرأة، أن ذلك لا يؤثر على صلاته، ففيه فرقٌ بين المرور وبين الاعتراض، وسبب وجود فرق بين المرور بين يدي المصلي؛ لأن المصلي يمنع منه، والمار يجب عليه أن يمتنع من ذلك، وأما الاعتراض فإنه يختلف عنه؛ لأن عائشة رضي الله عنها تكون معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام فتكف رجليها، لكن الحديث الذي هنا فيه أنه كان يغمزها وهو في الصلاة برجله؛ لتقوم للوتر، وهو دال على ما ترجم له المصنف من أن لمس الرجل للمرأة وهو في الصلاة لا يؤثر. تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم]. هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، وهو من شيوخ النسائي وحده.[عن شعيب، عن الليث]. هو ابن الليث بن سعد، وهو ثقة، وخرج حديثه الإمام مسلم، وأبو داود، والنسائي.فهو يروي عن أبيه الليث بن سعد، والليث بن سعد هو المصري، المعروف، المشهور، فقيه مصر ومحدثها، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا ابن الهاد].هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويقال له: ابن الهاد؛ لأن جده كان يوقد النيران في الطريق للدلالة على الطريق، ولإرشاد الناس، فكان يوقد النار ليهدي الناس إلى الطريق.[عن عبد الرحمن بن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه ابن عيينة: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن أبيه القاسم.[عن القاسم ].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وأن المدينة فيها في عصر التابعين سبعة معروفين بالفقه والحديث، وأحد السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وقد ذكرتهم مراراً، وذكرت أن ابن القيم ذكرهم في أول كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، بدأه ببيان الفقهاء في الأمصار في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولما جاء إلى ذكر المدينة، وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة، ثم الفقهاء في زمن التابعين، ذكر أن من الفقهاء في زمن التابعين الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، الذين صار هذا علماً عليهم، عندما تأتي مسالة اتفق عليها الفقهاء السبعة يقولون: وقال بها الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، أو بالأخص البيت الثاني يشملهم والأول تمهيد، يقول فيه ابن القيم ولا أدري الشعر هل هو له أو لغيره: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوقاسم هذا الذي معنا هو أحد هؤلاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. يعني: يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأنه القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهي عمته وهو يروي عنها، وهو كثير الرواية عنها، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ليس في الصحابيات من هي مثلها، وهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فضممتها إليّ ثم يسجد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة وهو غير الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول يتعلق بغمزها لتقوم للوتر، وهنا يغمزها لتكف رجليها المعترضة في مكان سجوده؛ ليسجد مكان رجليها، والمقصود منه: أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فلو كان ذلك ينقض الوضوء ما فعله رسول الله، فدل فعله للغمز وأنه مستمر في الصلاة أن اللمس غير ناقض للوضوء، وعائشة تقول: إنها كانت معترضة في مكان سجوده، فإذا سجد غمزها، فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها.وفيه ما في الذي قبله من جهة أن الإنسان كونه يصلي وأمامه شخص نائم أنه لا بأس به، وأيضاً يدل على أن العمل في الصلاة إذا كان يحتاج إليه ولو كان متكرراً فإنه لا يؤثر؛ لأنه كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من السجود غمزها، وإذا قام مدت رجليها، فيتكرر ذلك منه، فإذا كان هناك ما يدعو إليه فإنه لا يؤثر على الصلاة شيئاً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغمزها إذا أراد أن يسجد، وهي إذا قامت مدت رجليها، وإذا غمزها كفت رجليها، وهكذا. تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ البخاري، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن هناك ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة 252، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي هذا، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وهم من صغار شيوخ البخاري؛ معناه: أن وفاتهم كانت قريبة من وفاته، وسنهم كان قريباً من سنه، إلا أنهم أقدم منه، أما شيوخ البخاري الكبار فهم الذين أدركهم في أول بدئه للطلب، وماتوا في حال صغره، هؤلاء يقال لهم: شيوخ البخاري الكبار، أما الشيوخ الذين هم يقاربون له في السن والوفاة، فهؤلاء يقال لهم: شيوخه الصغار، ويعقوب بن إبراهيم هو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور الذي مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وهو أحد الشخصين اللذين قال الذهبي عنهما: إنهما إذا جرحا شخصاً لا يكاد يندمل جرحه، هو وعبد الرحمن بن مهدي، فهذان الشخصان إذا جرحا شخصاً يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فكلامهما معتبر، وكلامهما معول عليه، فـيحيى بن سعيد القطان هذا هو أحد العلماء الأثبات المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي يقال له: عبيد الله المصغر؛ تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر، والمصغر ثقة، ثبت، والمكبر ضعيف، فيقال: عبيد الله المصغر، وعبد الله المكبر، وهما أخوان.وهذا الرجل الذي معنا أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.[سمعت القاسم بن محمد].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو يروي عن عائشة أم المؤمنين. شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلاي، فإذا قام بسطهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)].هنا أورد النسائي حديث عائشة المتعلق بمتدادها في قبلته وهو يصلي، وهو أنه إذا أراد أن يسجد غمزها، وأنها تكف رجليها، أورده من طريق أخرى، تقول: إنه كان يصلي وهي معترضة في قبلته فإذا سجد غمزها؛ يعني: إذا أراد أن يسجد غمزها؛ لأنه يغمزها قبل السجود ليسجد، وليس بعد السجود؛ لأنه يسجد في مكانها، فإنه يغمزها فتكف رجليها، فإذا قام بسطتهما؛ مدتهما وأعادتهما إلى مكانهما، وهو دال على ما دل الذي قبله.وفيه: زيادة اعتذار من عائشة لكونه يغمزها ويكرر غمزها بأن البيوت يومئذ ليس لها مصابيح، فهي ظلام؛ يعني: ما كانت هناك إضاءة بحيث أنها تنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسجد، وبسبب الظلام وكونه ليس هناك مصابيح فيحتاج إلى أن يكرر غمزها كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من قيام فيريد السجود فيغمزها، فهي تعتذر لكونه يتكرر ذلك منه في كل ركعة؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح، وقولها: (يومئذ)، يعني: يشعر بأن الأمر تغير، وأنه كان هناك مصابيح فيما بعد؛ لأن قولها: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)، يشعر بأنه قد حصل بعد ذلك وجود المصابيح، ووجود ما يحصل الاستضاءة به.وفي هذا دليل على إبطال ما يذكره بعض الذين يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقولون: إنه لا ظل له، وأنه إذا ظهر في الشمس فلا يطلع له ظل؛ لأنه نور يعكس من الشمس، فإن هذا من الغلو ومن الإفراط، ومن الكلام بغير علم، فـعائشة كانت لا تراه إذا أراد أن يسجد، فلو كان له إضاءة أشد من إضاءة الشمس -كما يقولون- لما احتاجت عائشة إلى أن تقول هذا الكلام: (والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح)، وتعتذر بذلك، بل ستكون هناك إضاءة شديدة، ولا يحتاج الأمر إلى مصابيح.ومما يدل عليه أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر كان هناك امرأة أو رجل كان فقده، فقالوا: إنه مات، وأنهم دفنوه في الليل، ولامهم على ما حصل منهم، فقالوا: كانت ليلة مظلمة فكرهنا أن نشق عليك؛ يعني: في ظلام، وما أرادوا أن يشقوا على الرسول عليه الصلاة والسلام بكونه يذهب معهم للمقبرة في ليلة مظلمة، فلو كان الأمر كما يقوله هؤلاء المفرطون الغالون الواصفون للرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف -وهو من الغلو والإفراط- ما كان هناك حاجة إلى أن يقولوا: الليلة مظلمة؛ لأنه إذا مشى معهم ستكون الأرض كلها ضياء أشد من نور الشمس، فهذا من الإفراط، ومن الكلام بغير علم، ويعتبر هذا من المجاوزة في الحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأوصاف التي ما جاءت عنه، ولم يأت ما يدل عليها، وإنما هي إفراط وغلو فيه عليه الصلاة والسلام، فما خصه الله تعالى به من الخصائص، وما أكرمه الله تعالى به من الكرامات ففيه الكفاية، وفيه الغنية عن كذب الكذابين، ووضع الوضاعين، واختلاق المختلقين، وإفك الأفاكين، ليس بحاجة إلى أن يختلق له، وأن يتقول عنه أقوال ما هناك ما يدل عليها، ويكون فيها غلو وإفراط، وهو عليه الصلاة والسلام قد حذر من الغلو فيه والإفراط، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).والله تعالى على كل شيء قدير، والرسول أهلٌ لكل إكرام، ولكل خير، لكن هذا ما ثبت، ولو ثبت أنه لا ظل له، وأنه يعكس الشمس لوجب القول به، ولوجب اعتقاده، لكن ما دام ليس هناك ما يدل عليه، فإن هذا من القول بغير علم، وهو من الرجم بالغيب. تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف المشهور، الذي هو معروف بالفقه، ومعروف بالحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي النضر].أبو النضر، هذه كنية لـسالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ لأن الفقهاء السبعة ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع: اختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو سالم بن عبد الله بن عمر، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم السابع، أما الستة الباقون فهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة.إذاً: فـأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي صاحبة الأحاديث الماضية، ومر ذكرها كثيراً. شرح حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج واللفظ له قالا: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)].هنا أورد النسائي حديثاً آخر لـعائشة، وفيه أن اللمس حصل للرسول صلى الله عليه وسلم منها وهو في الصلاة، واستمر في صلاته، وقد لمسته ولمست رجليه وهما منصوبتان، وهو ساجد لله عز وجل في الليل، وهو دال على ما ترجم له النسائي من جهة أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، والأحاديث التي مضت المس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهذا فيه المس من عائشة له وهو في الصلاة، واستمر في صلاته وقد لمسته، فسواء كان اللمس من الرجل للمرأة، أو من المرأة للرجل في الصلاة فذلك لا ينقض الوضوء، ولا يؤثر على الصلاة شيئاً، سواء كان ذلك بشهوة أو بغير شهوة، أما بالنسبة بغير شهوة فإن هذه الأحاديث دالة عليه، وأما بشهوة فإن الأصل عدم النقض، ولم يأت ما يدل على النقض، إلا إذا خرج بسبب الشهوة مذي، فإن النقض يكون للمذي كما ذكرت ذلك من قبل.وعائشة رضي الله عنها وأرضاه، قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني: قامت واستيقظت من الليل، فلم تجده في فراشه، فصارت تبحث عنه، (فوقعت يدها عليه وهو يصلي)، وطبعاً كان هناك ظلام -وهو يصلي- ولعل ذلك كان في المسجد؛ لأن المسجد متصل بالبيت، ولا يفصل بينهما إلا الباب، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خرج من الحجرة، وجعل يصلي في المسجد قريباً من الباب، وهي لما لم تجده صارت تبحث وتتلمس في الظلام (حتى وقعت يدها على رجلي النبي صلى الله عليه وسلم وهما منصوبتان وهو ساجد)؛ يعني: يصلي من الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على أن المصلي ينصب رجليه في حالة السجود، ولا يجعلهما معترضتين، بل جاء ما يدل على أنه يجعل بطون أصابعهما إلى القبلة، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.إذاً: فالسجود يكون على الأعضاء السبعة، ومنها: القدمان، ولا بد من تمكينهما، والسنة أن تكونا منصوبتين، وأن تكون بطون أصابعهما إلى القبلة.وفيه أيضاً: مشروعية هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سجوده، والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في هذا الحديث، ومن المعلوم أن السجود هو أحد المواطن التي يكثر فيها الدعاء؛ لأنه قد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وإذا حرص الإنسان على أن يدعو بأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام التي ثبتت عنه في سجوده -كما في هذا الحديث- فإن هذا من أفضل ما يدعى به؛ لأن هذا دعاء دعا به الرسول عليه الصلاة والسلام في سجوده، وهو الذي ينبغي أن يختار وأن يحرص عليه.ثم هذا الحديث فيه استعاذة؛ فيه مستعاذ به ومستعاذ منه، وفيه التعوذ بصفة من صفة، وبفعل من فعل، وبالله من الله، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، استعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، واستعاذ بفعل العفو من فعل العقوبة، واستعاذ بالله من الله؛ لأن كل شيء هو من الله عز وجل، لا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهو بقضاء الله وقدره، وبخلق الله وإيجاده، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما يكون من مخلوق؛ حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر إلا وهو بخلق الله وبإرادته وبمشيئته؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح؛ حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالكل من الله، والكل بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن قضاء الله شيء، ولا يخرج عن خلق الله شيء، ولا يوجد في ملك الله عز وجل إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث وهذه الاستعاذة هي من جنس: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ولا مفر منك إلا إليك)، فالفرار إلى الله منه، ويلجأ إليه منه؛ لأن كل شيء فهو بقضائه وقدره، وبخلقه وإيجاده، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بتقديره وبخلقه وإيجاده سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.ومن المعلوم أن الكلام في هذا الحديث وجد بعض الناس يزل فيه، ويغلط فيه، ويتكلف في تفسيره، وقد جاء في الحواشي الموجودة في شرح هذا الحديث كلام لا يليق ولا ينبغي أن يذكر، ولا أن تسود به الأوراق؛ مثل ما نقله السيوطي أو السندي -لعله السيوطي- قال عن كتاب في أخبار العارفين الذي يقول: إن طلب الاستغاثة من الله نقص في التوكل، هذا كلام ساقط لا قيمة له، فإن الاستغاثة بالله، والاستعانة بالله هذه عبادة وتوحيد وصرف العبادة لمن يستحقها، فكيف يقال: إن طلب الاستغاثة من الله أنه نقص في التوكل؟! هذا كلام باطل، وكلام لا ينبغي أن يقال.ومن أحسن من شرح هذا الحديث شرحاً حسناً سليماً واضحاً جلياً ابن القيم في كتابه شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهذا كتاب نفيس من أحسن الكتب التي ألفت في القضاء والقدر، وقد عقد فيه ثلاثين باباً، مسائل القضاء والقدر أحد هذه الأبواب الثلاثين، وهو الباب السادس والثلاثون شرحٌ لهذا الحديث الذي معنا، وبيان لفقهه، وحكمه وأسراره، ودلالته على القضاء والقدر، وأن كل شيء من الله، وكل شيء بقضاء الله، وأن الله عز وجل هو الذي يفر منه إليه، وأنه لا يحصل إلا ما قدره وقضاه، ولا يوجد في ملك الله إلا شاءه الله.وفيه: أنه يستعاذ بصفات الله كما يستعاذ بالله عز وجل، فمنها ما يستعاذ به، ومنها ما يستعاذ منه؛ لأن صفة الرضا يستعاذ بها، وصفة الغضب يستعاذ منها؛ يعني: يستعيذ الإنسان برضا الله من غضب الله، ومن عفو الله من عقوبة الله، وبالله من الله؛ لأن كل شيء هو بخلقه وإيجاده، فلا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا بقضاء الله، والسحر الذي هو من أعظم الأشياء ضرراً قال الله فيه: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]؛ يعني: السحرة ما يحصل منهم الضرر إلا إذا شاء الله، فإذا شاء الله عز وجل يوجد السبب ولا يوجد المسبب، مثل: إيراد المريض على الصحيح، فإيراد المريض على الصحيح سبب للعدوى، لكن قد يوجد السبب وقد لا يوجد المسبب، فإذا شاء الله أنه لا ينزل فلا ينزل، فقد يكون أمراض مع أصحاء ثم لا يحصل للأصحاء شيء؛ لأنه لا يحصل الضرر إلا بإذن الله، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك في قوله: (من أعدى الأول؟) فلو كان القضية كلها عدوى، وأن المريض يعدي الصحيح، فالمريض الذي أصابه المرض لأول مرة من الذي أعداه؟! فليس هناك مريض يعديه الذي قبله، وإنما الله تعالى هو الذي أوجد هذا المرض، وهو الذي خلق فيه المرض.فإذاً: هذا حديث عظيم، ودعاء عظيم، ومن أحسن ما يرجع إلى فقهه، وفهم معناه كلام ابن القيم في شفاء العليل. تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج].محمد بن عبد الله بن المبارك هذا ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.ونصير بن الفرج هو أيضاً ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا أبو أسامة].هو حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وأبو أسامة، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عمر].هو المصغر الذي مر ذكره قريباً، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن يحيى بن حبان].هو محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره بلقبه وباسمه، وهنا جاء ذكره باللقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.[عن عائشة].هي أم المؤمنين، وهي أكثر الصحابيات حديثاً، وإذاً: فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، والصحابيان اللذان في الحديث الرجل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والمرأة هي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق. ترك الوضوء من القبلة شرح حديث: (إن النبي كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من القبلة.أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان أخبرني أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)، قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قال: قال يحيى القطان: حديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء من القبلة.لما ذكر النسائي في الترجمة السابقة، وهي ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة، وأن المس إذا حصل في الصلاة أنه لا ينقض الوضوء، وكذلك إذا حصل في غير الصلاة، لكن الأحاديث التي أوردها النسائي كلها مس في الصلاة، وهو بعيد عن أن يكون بشهوة، ولهذا قال: بغير شهوة، لكن -كما عرفنا- ليس التقييد بقوله: (بغير شهوة) بمعنى أنه إذا كان بشهوة أنه ينقض الوضوء؛ لأنه ما جاء دليل يدل على نقض الوضوء بالمس بشهوة، اللهم إلا إذا حصل مذيٌ بسبب المس بشهوة، فإن النقض يكون بسبب خروج المذي، وليس بسبب المس بشهوة.ولما ذكر النسائي في الترجمة السابقة وذكر الأحاديث التي تحتها، وكل الأحاديث التي أوردها دالة على عدم النقض، وكله لم تكن في الصلاة، والأصل هو عدم النقض إلا إذا جاء دليل يدل على النقض، ولم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب هذا بترجمة هي: ترك الوضوء من القبلة، ومن المعلوم بأن تقبيل المرأة إنما يكون غالباً مع الشهوة، فهذه الترجمة وهي: ترك الوضوء من القبلة هي مماثلة للترجمة السابقة؛ لأن الكل فيه ترك، فمس المرأة بشهوة ومس المرأة بغير شهوة كل هذا لا ينقض الوضوء، لكن إذا حصل التقبيل بشهوة ووجد مذي، فإنه يحصل النقض بسبب المذي، لا بسبب التقبيل ولا بسبب اللمس بشهوة.وهنا أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مسنداً، وحديثاً أشار إليه دون أن يذكره مسنداً، ودون أن يذكر لفظه، فهو أورد الإسناد أولاً عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ).وهو واضح مطابق لما ترجم له؛ من حيث حصول التقبيل وعدم النقض، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ولم يتوضأ، فدل على أن التقبيل غير ناقض للوضوء.ثم أشار إلى حديث من طريق أخرى؛ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، لكن النسائي لما ذكر حديث عائشة الذي ساق إسناده عن طريق إبراهيم التيمي قال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب وإن كان مرسلاً، ومن المعلوم أن المرسل ليس حجة عند المحدثين؛ لأن فيه انقطاع، والمراد بالإرسال الذي أشار إليه هو كون إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فحديثه عنها مرسل، ولكن ذكر المرسل هنا ليس على اصطلاح المعروف عند المحدثين، وإنما هو جار على استعمالهم، لكن المعروف والمشهور بالمرسل عندهم ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فلا يذكر الصحابي، أي: ما كان السقوط فيه من أعلاه -من فوق- وذلك بأن يسقط الصحابي، وقد يسقط معه غيره، لكن ليست العلة في سقوط الصحابي؛ لأنه لو لم يسقط إلا الصحابي فليس فيه إشكال، فالصحابة علموا أو جهلوا فما يحتاجون إلى أن يتعرف عليهم، ولا إلى أن يبحث فيهم؛ لأنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن احتمال أن يكون الساقط تابعياً أيضاً، واحتمال أن يكون التابعي أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، والتابعي هذا يحتمل أن يكون ثقة وأن يكون ضعيفاً، من أجل هذا صار المرسل عندهم من قبيل المردود، وليس من قبيل ما يحتج به، لكن هناك اصطلاح آخر عند الأصوليين؛ وهو أن المرسل ما حصل فيه سقوط؛ يعني: كون الإنسان يروي عمن لم يسمع منه، أو يروي عمن لم يلقه، أو لم يدركه فهذا هو المرسل، والمرسل الذي أشار إليه النسائي هنا في الإسناد هو من هذا القبيل؛ لأن إبراهيم التيمي أرسل عن عائشة؛ يعني: لم يرو عنها، فروايته عنها مرسلة، والمحدثون يستعملون كلمة أرسل، وفلان يرسل، فالمشهور عندهم أنه ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.وإذا كان السقوط في أثناء الإسناد -سواء كان واحداً أو اثنين- فكل هذا منقطع، وإذا كان السقوط اثنين متواليين فيقال له: معضل، سواء في أعلى السند أو وسطه، وإذا كان في أسفله يقال له: معلق، فكل هذا يسمى مرسلاً عند الأصوليين.فقول النسائي: هذا أحسن شيء ورد في الباب وإن كان مرسلاً، ثم أشار إلى حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، ولكنه أشار إلى علته، وهو أن يحيى بن سعيد القطان قال عن هذا الحديث وحديث آخر بهذا الإسناد، قال: لا شيء؛ يعني: هذان الحديثان أو هذان الإسنادان لا شيء.وفي بعض الألفاظ عند الترمذي وعند أبي داود: (شبه لا شيء)، بدل (لا شيء)، فهنا قال: (لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهذين الحديثين، وعند الترمذي وأبي داود: (شبه لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهما، لكن حديث ترك الوضوء من القبلة ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ليس من هذه الطريقة المرسلة فقط، والطريقة المرسلة لو لم تكن إلا هي لما ثبت به الحديث لوجود الانقطاع، لكن جاء في الطريق الأخرى التي أشار إليها النسائي وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة التصريح بأن عروة هو ابن الزبير، فهو حديث متصل، فيكون ثابتاً؛ لأن الذين ضعفوا الحديث قالوا: إن عروة هذا لم ينسب، والمراد به عروة المزني، لكن جاء في بعض الطرق تسميته، وأنه عروة بن الزبير، وعلى هذا يكون الإسناد صحيحاً، ويكون الإسناد ثابتاً، ويكون مقوياً لهذا المرسل الذي أسنده النسائي، والذي قال: إنه أحسن شيء في الباب.إذاً: فالحديث ثابت، وقد صححه الشيخ الألباني، وكذلك صححه أحمد شاكر، وبين الشيخ أحمد شاكر أن المراد بـعروة هو ابن الزبير، كما جاء في بعض الطرق، فعلم أنه ليس عروة المزني، وإنما هو عروة بن الزبير، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً، ثم إن الأصل هو عدم النقض، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد الأصل، وهو عدم النقض، ولو لم يأت الحديث لكان الأصل هو عدم النقض؛ لأنه لا يثبت النقض إلا بدليل، والآن جاء الدليل مطابق للأصل الذي هو عدم النقض، فصارت القبلة أو مس المرأة بشهوة غير ناقض للوضوء، اللهم إلا أن يحصل بسبب اللمس، أو التقبيل مذيٌ، فيصير النقض بسبب المذي، كالذي مرت أحاديثه سابقاً عن علي رضي الله عنه: (أنه كان رجلاً مذاء فطلب من المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استحيا من أن يسأله لمكانة ابنته فاطمة منه، فقال عليه الصلاة والسلام: يغسل ذكره ويتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، فدل هذا على أن المذي إذا حصل بسبب المداعبة، أو اللمس، أو التقبيل، وكذلك أيضاً التفكير فإنه يكون ناقضاً للوضوء.إذاً: فالصحيح هو القول بعدم النقض، والأصل هو عدم النقض، لو لم يأت بذلك حديث، وقد جاء الحديث بذلك وهو ثابت، فيكون مؤيداً للأصل، ومطابقاً للأصل الذي هو البراءة من التكليف بالوضوء، فصار ما جاء في الحديث مؤيداً له ومطابقاً له، ولا يقال بالنقض إلا بدليل ولا دليل، بل قد جاء الدليل بعدم النقض، وهو حديث عائشة الذي أشار إليه النسائي، ولكنه أشار إلى تضعيفه في كلام يحيى بن سعيد القطان، لكن الحديث ثابت، وعروة الذي فيه هو ابن الزبير، فلا إشكال فيه حينئذ. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (60) - باب الوضوء مما غيرت النار أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرت النار أو مسته، ثم نسخ هذا الحكم تخفيفاً على العباد. الوضوء مما غيرت النار شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مما غيرت النارأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله ترجمة وهي باب: الوضوء مما غيرت النار يعني: مما طبخ في النار من الأكل ففيه الوضوء، هذا هو المقصود بالترجمة، وقد أورد النسائي فيها أحاديث عديدة، لكن الأحاديث التي وردت فيه صحيحة، ولكن الحكم نسخ بترك الوضوء مما مست النار، كما جاء عن جابر أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: هذا ناسخ، وهذا منسوخ، فالأحاديث التي في هذا الباب الذي معنا، والتي تدل على الوضوء مما مست النار هي منسوخة.وناسخها ما جاء من الأحاديث في ترك الوضوء مما مست النار، وكون الصحابي نفسه أشار إلى الأول والآخر، وإلى المتقدم وإلى المتأخر، فقال: (كان آخر الأمرين من رسول الله عليه الصلاة والسلام ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: فما مسته النار وما طبخ وأكل فهو غير ناقض للوضوء إلا فيما يتعلق في لحم الإبل، فقد جاء حديث صحيح في صحيح مسلم وغيره يدل على الوضوء من لحم الإبل، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، ولما سئل عن الوضوء من لحم الإبل، قال: (نعم)، أي: توضؤوا من لحوم الإبل، فدل على أن لحم الإبل ناقض للوضوء، وأن من أكله فعليه أن يتوضأ، وهذا الحديث وهو حديث الوضوء من لحم الإبل هو من الأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وقد قال بعض أتباعه: وقد صح الحديث وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فهذا الحديث هو مذهب الشافعي، وإن لم يقل الشافعي: إن الحديث صح عنده، لكنه علق القول به على صحته.إذاً: فالوضوء مما مست النار نسخ إلا فيما يتعلق بالوضوء من لحم الإبل فإنه قد جاء ما يخصه، وما يجعل حكمه خاصاً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام (سئل عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: (نعم)، فدل على أنه يتوضأ من لحم الإبل، وأن لحم الإبل ناقض للوضوء إذا أكل، وأما اللحوم الأخرى والمطبوخات الأخرى إذا مستها النار فإن الحكم فيها منسوخ كما سيأتي.قوله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)].فأورد النسائي حديث أبي هريرة يقول فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، فهو أمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام بالوضوء مما مسته النار؛ أي: مما طبخ بالنار فإنه ينتقض به الوضوء، إلا أن هذا -كما أشرت- حكم منسوخ ليس باقياً، بل قد نسخ كما سيأتي الناسخ بعد هذا؛ لأنه سيأتي بباب: ترك الوضوء مما مست النار، وهو الناسخ، والوضوء هو المنسوخ.وطريقة الإمام مسلم رحمه الله لما أورد الأحاديث في الوضوء مما مست النار، رتبها كترتيب النسائي الموجود هنا، أتى أولاً بالأحاديث المتعلقة بالوضوء مما مسته النار، ثم أتى بالأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مسته النار، قال النووي في شرحه في صنيعه: هو تقديم المنسوخ وتأخير الناسخ، أورد الأحاديث المنسوخة، ثم أورد الأحاديث الناسخة، فكان طريقته أنه قدم المنسوخ وأخر الناسخ، وهذه الطريقة أيضاً هي طريقة النسائي هنا، وقد مر بنا في الدرس السابق في الوضوء من مس الذكر، أورد الأحاديث التي فيها حديث بسرة في الوضوء من مس الذكر، ثم أورد حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر، وقال السندي في تعليقه عليه: إن صنيع المؤلف يشعر بأنه يرجح عدم النقض؛ لأنه أخر الحديث المتعلق بعدم النقض، فيكون لمعنى أخره، وقلت لكم إن هذه الطريقة لا ندري هل هي طريقة النسائي، لكن هذا الحديث الذي معنا في هذا الباب والذي يتعلق بالوضوء مما مست النار، وكونه قدم الأحاديث المنسوخة؛ ثم أخر الأحاديث الناسخة، يعني: هذا يشعر بأنه قد يكون يرى أن المعول عليه، وأن العمل عنده على ما جاء في حديث طلق من أنه إذا مسه الإنسان لا يتوضأ، وقد ذكرت لكم فيما مضى أن القول الراجح هو القول بالنقض، وهو الأحوط في الدين، ومر الكلام على ذلك، لكن أشرت إليه هنا من أجل حصول الترتيب الذي حصل عند النسائي هنا، وأن العمل هو على المتأخر الذي فيه ترك الوضوء مما مست النار. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هذا هو: ابن راهويه الحنظلي، الإمام، المحدث، الفقيه، وهو ثقة ثبت، حجة من رجال الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا إسماعيل].إسماعيل هو: ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهي أمه، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[وعبد الرزاق].وهو ابن همام الصنعاني، الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً، وهو راوي صحيفة همام بن منبه؛ لأن صحيفة همام تشتمل على 140 حديثاً كلها من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وهي كلها صحيحة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً مراراً وتكراراً.[حدثنا معمر].وهو معمر بن راشد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو الإمام، المشهور محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمر بن عبد العزيز].وهو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الخليفة الذي تولى الخلافة على رأس المائة الأولى، تولاها بعد سليمان بن عبد الملك؛ لأن الذين تولوا الخلافة من بني أمية، من أولاد عبد الملك أربعة. وأما عمر بن عبد العزيز فقد توسط بينهم؛ لأن فيه الوليد، ثم سليمان، ثم جاء بعده عمر، ثم بعد عمر: يزيد، وهشام، والجميع أولاد عبد الملك، وتوسط بينهم عمر بن عبد العزيز.وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم الخليفة أمير المؤمنين، وقد وصف بأنه أحد الخلفاء الراشدين، وقد اشتهر عدله، واشتهر علمه، واشتهر ورعه فصار الكلام فيه حسناً، وسيرته حسنة ومحمودة، بل من العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن التعبير بكونه خامس الخلفاء الراشدين؛ يعني: مع أن معاوية بن أبي سفيان قبله، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعلوم ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام في حق أصحابه: (وإن الواحد لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقد قال بعض العلماء، وقد أحسن فيما قال: ومعاوية أول ملوك المسلمين وهو خير ملوك المسلمين؛ لأن الملك بعد الخلفاء الراشدين صار ملكاً، لكن هو خير ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والصحابة أفضل ممن جاء بعدهم، فالقول بأنه خامس الخلفاء الراشدين، وعدم ذكر معاوية، أو كونه يأتي بعد الخلفاء الراشدين، مع أن معاوية أفضل منه، وخير منه؛ لصحبته رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كاتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وما حصل له من شرف الصحبة يفوق ما حصل لـعمر من الفضل، ومن المعلوم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فالعمل القليل من معاوية يفوق العمل الكثير من غيره ممن جاء بعد الصحابة رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.وعمر بن عبد العزيز لا شك أنه خليفة راشد، وأنه من خيار ملوك المسلمين وخلفاء المسلمين، وهو بعد معاوية، لا شك أنه أولى من غيره، وأفضل من غيره، والثناء عليه كثير، وسيرته مشهورة رحمة الله عليه، وهو محدث، فقيه من حملة الفقه، ومن حملة حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورحم الله تعالى عمر بن عبد العزيز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهو الذي أمر الزهري بأن يجمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي قال فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرفهو الذي أمر بتدوين السنة، وكلف الزهري بأن يقوم بهذه المهمة.[عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ].إبراهيم بن عبد الله بن قارظ صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي شيئاً.وأحياناً يقال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ، يقول الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، ووهم من قال: إنهما اثنان؛ يعني: أحياناً يقلب اسمه واسم أبيه، فيقال: هو إبراهيم بن عبد الله، ويقال: هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ؛ يعني: إذا جاء عبد الله بن إبراهيم بن قارظ.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، هو الصحابي الجليل الذي مر ذكره مراراً وتكراراً. شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد يعني: ابن حرب حدثني الزبيدي عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عبد الله بن قارظ أخبره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].وهذا طريق آخر عن أبي هريرة، وهو بلفظ الحديث السابق: (توضئوا مما مست النار). وإسناد الحديث بعضه مطابق للإسناد الذي قبله من الزهري ومن فوقه، هؤلاء مروا في الإسناد الأول. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية قوله: [حدثنا هشام بن عبد الملك].المعروف عن النسائي أنه يقول: أخبرنا، وما دام أن بعض النسخ فيها: أخبرنا، فهي الموافقة للجادة والطريقة الكثيرة الاستعمال، وهشام بن عبد الملك صدوق ربما وهم، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه ؛ يعني: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الترمذي شيئاً، وكذلك لم يخرج له الشيخان شيئاً.[حدثنا محمد؛ يعني: ابن حرب].هو محمد بن حرب الخولاني الحمصي الأبرش، وهو ثقة، أخرج له الجماعة.[حدثني الزبيدي].وهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي، وهذا من أثبت أصحاب الزهري. شرح حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].فالترجمة كما سبق في الدرس الفائت: الوضوء مما غيرت النار، وذكرت أن النسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة في الوضوء مما مست النار، والترجمة التي بعدها، وهي ترك الوضوء مما مست النار، وأن أحاديث ترك الوضوء مما مست النار ناسخة لأحاديث الوضوء مما مست النار، وقد جاء في حديث جابر، وغيره ما يدل على ذلك، ولفظ حديث جابر كما سيأتي (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، أي: إن الترك للوضوء ناسخ للأمر بالوضوء.وذكرت في الدرس الفائت أن هذا النسخ للوضوء مما غيرت النار، أو مما مست النار، أن ذلك في غير لحوم الإبل، فلحوم الإبل جاء ما يدل على أن أكلها ناقض، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام، عن الوضوء من لحم الغنم؟ فقال: إن شئتم، وعن الوضوء من لحم الإبل؟ فقال: نعم، توضؤوا من لحوم الإبل)، فدل على أن مما مسته النار سواء كان لحماً أو غير لحم، فإن آكله لا ينتقض وضوءه، بل وضوءه باق على ما هو عليه، اللهم إلا إذا كان المأكول لحم إبل فإنه ينتقض الوضوء بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، لما سئل أرشد إلى الوضوء من أكل لحوم الإبل.ثم ذكر التغيير أو المس بالنسبة للنار يشمل ما إذا كان مطبوخاً، أو مشوياً؛ لأنه كله يقال له: مسته النار، وكله غيرته النار، فالحكم للمطبوخ أو للمشوي فيه واحد، ولكن الأمر كما قلت: هو منسوخ إلا فيما كان من لحم الإبل، فإن الحكم باقٍ، وهو أن من أكل لحم إبل سواء كان مطبوخاً، أو مشوياً فإنه يلزمه الوضوء؛ لأنه قد ورد الحديث في ذلك في صحيح مسلم، وهو ما أشرت إليه. بيان معنى قول الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، وتعظيم الأئمة الأربعة للدليل وقد ذكرت في الدرس الفائت أن الإمام الشافعي رحمة الله عليه علق القول به على صحته، وقال: إن صح الحديث قلت به؛ لأنه ما بلغه من طريق صحيح، وقد قال بعض أصحاب الإمام الشافعي: إن الحديث قد صح، فهو مذهب الشافعي؛ لأنه علق القول به على صحته، والإمام الشافعي رحمة الله عليه قال في مسائل عديدة: إن صح الحديث في هذه المسألة قلت به، وهذا يدل على أن مذهب وطريقة الإمام الشافعي وغيره من الأئمة هو التعويل على السنة، والتعويل على ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه إذا صح الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد كلامُ مع كلام رسول الله، والإمام الشافعي نفسه هو الذي جاءت عنه المقولة المشهورة التي يقول فيها: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائن من كان، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرح حديث الاشتراط في الحج، حديث ضباعة بنت الزبير التي قالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية، قال: اشترطي)؛ أي: قولي: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، فإن الإمام الشافعي قال: إن صح الحديث قلت به، وقد قال بعض أصحابه: إنه قد صح، والحديث في الصحيحين، ثبت في صحيح البخاري، وقال الحافظ ابن حجر عند شرح هذا الحديث: وقد جمعت المسائل التي قال فيها الشافعي: إن صح الحديث قلت به، وذكرت ما ورد فيها من الأحاديث، ودرجة تلك الأحاديث. أشار الحافظ إلى هذا المصنف الخاص بالأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وذكر أنه قد بين درجة تلك الأحاديث التي وردت في تلك المسائل، التي قال عنها الإمام الشافعي: إن صح الحديث قلت به، ولا أعلم وجوداً لهذا الكتاب الذي ألفه الحافظ ابن حجر في المسائل التي قال عنها الإمام الشافعي رحمة الله عليه: إن صح الحديث قلت به.وهذا الكلام الذي قاله الإمام الشافعي في أن التعويل على الحديث، هو المأثور عن الأئمة جميعاً، عن الإمام أبي حنيفة، وعن الإمام مالك، وعن الإمام أحمد، كلهم جاء عنهم أن التعويل هو على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا صح الحديث تترك أقوالهم، ويؤخذ بما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من نصحهم وإنصافهم وإحسانهم إلى الناس، إذ أرشدوهم إلى مسلكهم، ونبهوهم إلى أن يسلكوا مسالكهم، بأن يكون المعول عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يصار إلى قول أحد إذا كان قوله مخالفاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب الروح: أن هذه الطريقة التي سلكها الأئمة هي من إخلاصهم، وإحسانهم، ونصحهم، وإرشادهم إلى عدم الأخذ بأقوالهم إذا وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفها، فالمعول عليه هو حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أخذ بالسنة إذا وجد عنهم أقوال جاءت في السنة، أو جاءت الأحاديث بخلافها، فإنه آخذ بتوجيهاتهم، وآخذ بنصائحهم، وآخذ بإرشادهم، فهو الممتثل حقاً لما أرادوه ولما أحبوه، وهو اتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وترك أقوالهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الطريقة المثلى هي أن يستفاد من علم الأئمة، وألا يهضم حقهم، وألا يتكلم فيهم بما لا ينبغي، بل يتكلم فيهم بما يليق، فيستفاد منهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا تبين أن الحق وأن الدليل مع غير ذلك الإمام الذي يستفيد الإنسان من علمه، والذي يحرص الإنسان على معرفة كلامه، فإنه لا يجوز له أن يأخذ بقوله الذي وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه، بل الواجب هو اتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه تحقيق لرغبتهم التي أرشدوا إليها، والتي رغبوا فيها وحثوا عليها، وهي أن تترك أقوالهم، وتتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. بيان الفرق بين احترام الأئمة والتعصب لهم وذكر كلام ابن القيم وغيره في ذلك إذاً: فهناك فرق بين من يتعصب للأئمة، وبين من يحترم الأئمة، ويعتبر أن أقوالهم دائرة بين الأجر والأجرين، وأنهم مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور، ولكنهم ليسوا بمعصومين، وهذا لم يحصل لأحد ممن قبلهم، وهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقال في حق أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في أي واحد منهم أن الحق معه لا يتعداه، بل إن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم عندما تأتي المسائل والنوازل، فإنهم يسألون أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هل عندهم سنة فيها؟ فها هو أبو بكر رضي الله عنه، تأتي جدة تريد أن تبحث عن ميراث، وتريد ميراثاً، فقال: لا أعلم لك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، لكن أسأل الناس، فذهب يبحث ويسأل الناس حتى جاءه بعض الصحابة، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فأعطاها السدس، فهذا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأفضل الصحابة، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يكن يعلم بهذا الحكم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم يلتقي به الناس في مناسبات مختلفة، ويحدث بالأحاديث بمناسبات مختلفة، ويحضر هذا ويغيب هذا، وقد عرفنا فيما مضى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يتناوب مع صاحبه في النزول للرسول عليه السلام، والبقاء في العمل في زرعه وفي فلاحته، فيوم ينزل أحدهما وصاحبه يبقى في عمله، وإذا جاء الذي نزل للرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الذي جلس بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء الغد فالذي لم ينزل بالأمس فإنه ينزل اليوم، ثم يخبر الذي لم ينزل بما سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.فهذه السنن يأتي بيانها في مناسبات، ولهذا لا يقال عن شخص من الناس: أنه يحيط بها علماً، وأنه لا يخفى عليه شيء من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل عند هذا ما ليس عند هذا، وهذا يحضر ما يغيب عنه هذا، وإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف في حق الأئمة الأربعة وغيرهم؟!فالواجب هو احترام الجميع وتوقيرهم ومحبتهم ومولاتهم، واعتقاد أنهم مجتهدون، وأن المصيب منهم له أجران: أجرٌ على إصابته، وأجر على اجتهاده، والمخطئ له أجر واحد من أجل اجتهاده، وخطؤه مغفور، ومن عرف قدرهم، وأنزلهم منازلهم، وأخذ بتوصياتهم التي أوصوا بها، فهذا هو الذي أصاب الحق، وهو الذي حقق رغباتهم.أما من يتعصب لهم، بحيث لو ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه قد صح، وأن الحديث رواه فلان وفلان، وأنه موجود في الصحيحين أو في غيرهما، ثم لا يقبله هذا المتعصب الذي يلازم مذهب إمام معين، ولا يتعداه ولا يحيد عنه، ويقول: لو كان ثابتاً لعلمه الإمام، ولم يخف عليه، فهذا من الظلم ومن الجور ومن الشطط، بل العدل والإنصاف هو أن يعتقد أن أي واحد من الناس لا يقال فيه: إنه أحاط بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يترك شاردة ولا واردة إلا وقد أحاط بها، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين لا يدعى في حق واحد منهم ذلك، بل كل واحد منهم تحصل له قضية فيسأل عنها أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين عندهم علم فيها، وقد يحضر المفضول مناسبة، فيتحمل فيها علماً لم يعلم به ذلك الفاضل، وقد يكون في مجلس من المجالس، فمجالس الرسول صلى الله عليه وسلم قد يحضر فيه شخص من آحاد الناس ومن أفراد الصحابة، ويغيب عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فتكون تلك السنة التي حضرها ذلك الرجل علمها، ولم تبلغ هؤلاء الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، بل عندما تأتي حادثة أو نازلة يسألون من عنده علم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيرجعون إلى قوله.إذاً: فالعدل والإنصاف هو محبة العلماء، ومولاتهم، وتوقيرهم، واحترامهم، وحسن الأدب معهم، وأن الإنسان لا يتعصب لهم، ولا يجفوا في حقهم، لا يكون لا غالياً ولا جافياً، لا يكون غالياً فيقول: والله إن الحق مع فلان وفلان؛ يعني: عنده العلم يحيط بالسنة، فتابعه يتابع ولا يحاد عنه، ولا يكون جافياً ويقول: والله ما لنا حاجة لأن نقرأ كلامهم، ولا أن نطلع على كتبهم، وإنما نحن ننظر في الأحاديث فنعرض عن كلام العلماء، بل العدل، والإنصاف، والإحسان هو الاطلاع على الأحاديث والبحث فيها، والبحث في كلام العلماء، والاستفادة من علمهم. وقد قال ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه الروح: إن العلماء يستفاد منهم، وأنهم مثل النجوم التي يستدل بها إلى القبلة؛ لأن الإنسان عندما يبحث عن القبلة يستدل عليها بالنجوم؛ أي: مطالعها ومخارجها، وأن النجم الفلاني في الجهة الفلانية، فيستدل بها على جهة القبلة، فيقول إن العلماء يستفاد منهم في الوصول إلى معرفة الحق، لكن إذا وقف الإنسان على الحق وظهر له الدليل فإنه لا يحتاج إلى دليل يدله عليه، قال: وهم مثل النجوم يستدل بها إلى القبلة، لكن الإنسان إذا كان عند الكعبة ووصل إليها، فما يحتاج ليبحث عن شيء يدله على القبلة، فإذا وصل للمدلول عليه وانتهى إليه، فليس فيه حاجة إلى دليل، ما دام الإنسان ما اهتدى إلى القبلة، ولا يمكن أن يستدل عليها بالأدلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وانتهى إلى الكعبة، وصارت الكعبة أمامه، أيحتاج إلى أحد يدله إلى الكعبة؟ لا يحتاج؛ لأن الكعبة قدامه.إذاً: فهذا هو العدل والإنصاف، وهذا هو الإحسان، ولهذا يقول الطحاوي رحمة الله عليه في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ومن المعلوم أن ذكرهم بالغلو سوء، وهم لا يرضون هذا الغلو، وكذلك الجفاء أيضاً هو تفريط وجفاء، ولا يليق بهم، بل الواجب العدل والإنصاف والاعتدال والتوسط في الأمور، وعدم الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء.إذاً: بعد هذا الاستطراد أرجع إلى المسألة التي نحن فيها وهي أن الوضوء مما مسته النار جاء فيها أحاديث صحيحة، وهي منسوخة بالأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست النار؛ لأن الحديث الذي جاء في ذلك فيه الناسخ والمنسوخ؛ لأن جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء، يعني: الوضوء وعدم الوضوء، آخره كان الترك، ترك الوضوء مما مسته النار فيكون ناسخاً، ويستثنى من ذلك -كما قلت- الوضوء من لحم الإبل، فإنه باق والحديث فيه خاص، والرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا وهذا، وكلها مما تمسه النار، فأرشد إلى الوضوء من لحوم الإبل، وقال في حق من أكل لحم غنم أنه رد ذلك إلى مشيئته فقال: (إن شئتم).والنسائي رحمه الله أورد عدة أحاديث، وقد مر في الدرس الفائت حديثان، وهذا حديث لـأبي هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، (أنه رآه يتوضأ على ظهر المسجد، وقال: إني أكلت أثوار أقط، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)، يعني: أنه أكل أقط، والأقط كما هو معلوم مطبوخ، فهو لبن طبخ على النار حتى تجمد وتكاثف، والتحم بعضه ببعض، فجمع بعضه إلى بعض، فيبس وصار كالحجارة في شدته، يقول: أنه كان يأكل أثوار أقط؛ أي: قطع من الأقط، إذاً: الأصل أنه مطبوخ على النار؛ لأن الأقط لا يكون إلا بعد الطبخ، وقد توضأ رضي الله عنه، لكن هذا كما عرفنا جاء ما يدل على نسخه، وأن الوضوء مما مست النار منسوخ إلا في ما يتعلق بالنسبة للحوم الإبل فإن الحكم باق.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].وأبو هريرة رضي الله عنه كان قد أكل أثوار أقط، وهي قطع من الأقط، وبين أن وضوءه كان بسبب هذا الأكل، وقال: (إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بالوضوء مما مست النار)، فهو يتوضأ.وفيه بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الاتباع والملازمة لما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله: (يتوضأ على ظهر المسجد)، في هذا دليل على أن الوضوء في المسجد جائز؛ لأن وضوء أبي هريرة رضي الله عنه كان على ظهر المسجد، وظهر المسجد هو من المسجد، فيدل على جواز مثل ذلك، لكن هذا كما هو معلوم يكون في الوضوء الذي لا استنجاء معه؛ لأن الاستنجاء فيه إزالة نجاسة، ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد، وأما الوضوء الذي هو غسل الوجه واليدين والرجلين وما تساقط منه من الماء، فهذا لا بأس به، وهو جائز؛ لأنه طاهر وليس بنجس، لكن هذا مشروط بألا يحصل فيه تلويث، وألا يحصل به مضرة، ولا يحصل فيه امتهان للمسجد، لكنه إذا احتيج إلى ذلك في بعض الأحيان وفعل فإن العمل صحيح، وفعل أبي هريرة رضي الله عنه هذا يدل عليه. يتبع |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (60) تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].هو: الربيع بن سليمان بن داود، وهو الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. وللنسائي شيخ آخر من طبقة الربيع بن سليمان هذا، وهو أيضاً مصري، وهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي المشهور، فهو غير هذا، وأما الربيع بن سليمان بن داود، فقد جاءت تسميته في آخر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، وقد ذكر هذا الإسناد مرة أخرى في آخر حديث، أو قريباً من آخر حديث في هذا الباب، فقال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: الربيع بن سليمان بن داود فسماه في طريق أخرى، فإذاً: يكون هو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، وليس الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي، وكلٌ منهما روى عنه النسائي، وهما في طبقة واحدة، في الطبقة الحادية عشرة، وهم من شيوخ النسائي، لكن هذا الذي معنا هو ابن داود الذي سماه النسائي في إسناد آخر في نفس الباب، وهو الربيع بن سليمان بن داود، وهو مصري ثقة، وحديثه عند أبي داود، والنسائي.[حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر].كلمة (هو ابن مضر) هذه يقولها من كان دون التلميذ الذي روى عن الشيخ؛ أعني: أن إسحاق بن بكر بن مضر تلميذه هو الربيع بن سليمان، فـالربيع بن سليمان لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسب شيخه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، لكن التلميذ إذا ذكر شيخه بصورة معينة، ثم جاء من بعده وأراد أن يوضح هذا الشخص الذي ذكره التلميذ بصيغة محددة، أو بصيغة مختصرة، فعندما يضيف شيئاً يأتي بكلمة (هو)، أو يأتي بكلمة (يعني: فلان)، أو (يعني: ابن فلان)، هذا هو المقصود منها، وقد جاء هذا مراراً، ونبهت عليه مراراً، وهذا من حسن العمل؛ لأنهم لو أضافوا إلى اسمه وذكر الإسناد، فقال: إسحاق بن بكر بن مضر لكان التلميذ كأنه قال: إسحاق بن بكر بن مضر، وهو ما قال: ابن مضر في هذا الموضع، وإنما قال: إسحاق بن بكر فقط، وهو معلوم، لكن من جاء بعده وأراد أن يوضح، أو يأتي بما يوضح ذلك فيقول: هو ابن مضر كما جاء في الإسناد هنا، فنفهم من كلمة (هو ابن مضر)، أن هذا الاسم ليس من كلام التلميذ، بل هو من كلام النسائي، أو من دون النسائي، أو من بعد النسائي، فهو أراد أن يوضح هذا الشخص بزيادة في نسبه توضحه وتبينه.وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة مسلم.قوله: [حدثني أبي].وهو: بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جعفر بن ربيعة].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].وهو بكر بن سوادة بن ثمامة، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم].وهو الزهري، ومجيء الزهري باسمه واسم أبيه، هذا قليل جداً، بل هو نادر، ولعله أول موضع يأتي فيه ذكر محمد بن مسلم؛ يعني باسمه، واسم أبيه؛ لأن الغالب أن يقال: الزهري، أو يقال: ابن شهاب، أما أن يؤتى باسمه واسم أبيه كما هو هنا فهذا قليل جداً.وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وكلاب هو الذي يلتقي نسبه مع نسب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلى جده شهاب وهو جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو جد الجد، فهو يُنسب إلى جد من أجداده، وليس جداً قريباً، لكنه اشتهر بالنسبة إليه، والإمام الزهري رحمة الله عليه مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات الأثبات، ومن أوعية العلم، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وهو الذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمر ترجمة عمر بن عبد العزيز وبيان فضل الصحابة على من عداهم [عن عمر].هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وهو الخليفة أمير المؤمنين، وهو خليفة راشد، وقد ذكرت بالأمس أنه معروف ومشهور بالصلاح، والزهد، والعبادة، والعلم، والفقه، ومن العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن قلت: إن هذا التعبير ليس بدقيق؛ لأن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه صحابي، وقد تولى الخلافة، فكونه يقال: الخامس، فمعناها أن فيه تجاوزاً لـمعاوية، ومعاوية خير من عمر بن عبد العزيز، وخير من كل تابعي، ومن جاء بعد التابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ممن سواهم، ومن المعلوم أن التفضيل للصحابة إنما هو تفضيل للفرد على الأفراد، فكل فرد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من أي فرد من أفراد من جاء بعدهم، هذا هو التفضيل المشهور عند العلماء، إلا أنه جاء عن ابن عبد البر رحمة الله عليه أن التفضيل إنما هو في الجملة، وأنه قد يكون في من بعد الصحابة من يكون أفضل من بعضهم، لكن المعروف عن العلماء والمشهور عنهم أن التفضيل لكل فرد من أفراد الصحابة، يعني: أنه أفضل من كل فرد من أفراد من بعده، والتفضيل للأفراد لا يعني في الجملة، وأن التفضيل إنما هو لبعضهم، وأنه قد يكون فيمن بعدهم من يكون أفضل من بعضهم، بل كل واحد من الصحابة أفضل من كل من جاء بعد الصحابة؛ لأنهم حصلوا شرفاً، وحصلوا فضلاً، وحصلوا ميزة ما حصلها أحد من هذه الأمة، ولا حصلها أحد من البشر؛ لأن الله تعالى اختار هذا الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، واختار له أصحاباً جعلهم في زمانه، فالله تعالى أوجد هؤلاء الأصحاب في زمانه، وأكرمهم بذلك فصاروا أصحابه، وصاروا حملة سنته، وأوعية علمه، وكانوا الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عرف حق ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، وما عرف الكتاب والسنة إلا عن طريق الصحابة، ولم يستفد الناس فائدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الصحابة، ولهذا كان لهم من الفضل ما ليس لغيرهم، وقال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا الجبل الضخم الذي هو قريب منا لو كان مثل هذا الجبل ذهباً وتصدق به واحد من الناس، وتصدق واحد من الصحابة بمد الذي هو ثلث الصاع لكان هذا الجبل لا يعادل هذا المد، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [المائدة:54].إذاً: ما جاء عن بعض العلماء في أن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين غير صواب، يعني: لو قيل: أنه خليفة راشد، أو أنه من الخلفاء الراشدين، فكلامٌ جيد، لكن كلمة خامس معناه يجيء بعد الخلفاء الراشدين، وقبله معاوية، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير ممن جاء بعد الصحابة، وقد قال شارح الطحاوية - أو صاحب لمعة الاعتقاد: عندي شك في الذي قال- هذا المعنى، لكن نقول: إن معاوية هو أول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين؛ لأنه تولى الملك وهو صحابي، والباقون تولوا بعد معاوية وليسوا بصحابة، لكن معاوية رضي الله عنه لكونه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو أفضل.ولهذا جاء عن بعض السلف آثار فيها العتب على من يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: لتراب في منخر معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز؛ لأن الذي حصل من الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يماثله شيء، ولا يدانيه أي عمل من الأعمال التي يعملها من جاء بعدهم، ولا يساوي ما حصل لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ].وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ يأتي أحياناً باسم إبراهيم بن عبد الله، وأحياناً عبد الله بن إبراهيم، وقد قال الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، وقد وهم من ظن أنهما شخصان، فيعني: يحصل تقديم وتأخير، والشخص واحد، يقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ.وعمر بن عبد العزيز حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه ، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي.وقوله: [رأيت أبا هريرة ... ].وأبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.وهذا الإسناد الذي مر معنا هو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تساعي، فهو إسناد تساعي مكون من تسعة أشخاص، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة، أولهم: الربيع بن سليمان بن داود المصري الجيزي، ثم بعد ذلك إسحاق بن بكر بن مضر، ثم أبوه بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابن قارظ، ثم أبو هريرة، فهؤلاء تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها؛ لأن هناك ما هو أطول منه، ويوجد هناك عشاريات عند النسائي، ولم يمر بنا حتى الآن.وقد ذكرت فيما مضى أن أعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، والنسائي توفي سنة 303؛ يعني: بين وفاته ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من 290 سنة، وأعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا هو أعلى أسانيده، وليس عنده ثلاثيات، كل ما عنده هو رباعيات، بخلاف البخاري، فإن عنده ثلاثيات كثيرة تزيد عن العشرين، ومسلم لا يوجد عنده ثلاثيات، وإنما عنده رباعيات، وأبو داود كذلك عنده رباعيات، ولا يوجد عنده ثلاثيات، والترمذي عنده ثلاثيٌ واحد، وابن ماجه عنده خمسة ثلاثيات، وأما مسلم، والنسائي، وأبو داود فهؤلاء أعلى ما عندهم الرباعيات، وعند مسلم، والنسائي أسانيد نازلة، وأسانيد طويلة، منها هذا الإسناد الذي معنا، وهو تسعة أشخاص، وعنده ما هو أطول من ذلك، ولكن لم يمر بنا شيء من هذا حتى الآن. شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبي عن حسين المعلم حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؛ لأن النار مسته؟ فجمع أبو هريرة حصاً فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه قول أبي هريرة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهنا أكد هذا بقوله عندما عقد مجموعة من الحصى ورمى بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهذا يدل على ضبطه، وإتقانه؛ لأن مثل هذا الكلام الذي يقوله الراوي: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كذا، فهذا يدل على الضبط والإتقان لما رواه الراوي، وهذا من الأشياء التي يقولون أنها تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وقد مر قريباً شيء من هذا، مثل: عمرو بن عبسة عندما يؤكد على سماعه للحديث يقول: (فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وقد كبر سني، وضعف بدني...). وهذا فيه تأكيد وضبط وإتقان، ومثله أبو شريح الخزاعي قال مثل هذه المقالة كما هي في الصحيحين، لما كان عمرو بن سعيد الأشدق يجهز الجيوش لغزو ابن الزبير، وكان قد جاءه أبو شريح الخزاعي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح؛ يعني: ذكر أولاً كلام تأدب، وقوله: قام به الغد من يوم الفتح؛ يعني: من بكرة فتح مكة، أي من اليوم الثاني، ثم قال: هذا الكلام سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، وهو يتكلم به؛ يعني: كلام مضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، محقق لا شك فيه ولا ريب أنه قال: (إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإن الله تعالى أحلها لي ساعة من النهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وإنها حرام، لا يقتل صيدها، ولا يقطع شجرها ولا ... إلى آخره)؛ يعني: فينبهه على خطورة هذا الأمر الذي هو مقدم عليه، وهو أن يجهز الجيوش لقتال ابن الزبير في مكة، وقوله: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي) أيضاً هذه من الألفاظ التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه.فهنا يقول: أشهد عدد هذا الحصى، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، إذاً: فالحديث يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، وكذلك اللاحقة بعده من الوضوء مما مست النار، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، لكن هذا الحكم نسخ، وجاء ما يدل على نسخه، وهي الأحاديث التي ستأتي بعد هذا الباب. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هو الجوزجاني السعدي، وهو ثقة، وهو صدوق، ولكنه في شعبة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبي].هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، وقد سبق أن مر، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حسين المعلم].هو حسين بن ذكوان الملقب بالمعلم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني يحيى بن أبي كثير].هو اليمامي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أيضاً ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي].هو أبو عمرو، وقد مر ذكره فيما مضى، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو عمرو، وأبوه اسمه عمرو، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو فقيه أهل الشام ومحدثها، وهو معروف بالفقه والحديث، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب ...].هو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، وهذا سبق أن مر، وهو صدوق، وربما وهم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وعند أصحاب السنن الأربعة.[قال ابن عباس].وقد مر ذكره.قال ابن عباس: أتوضأ إذا أكلت لحماً حلالاً؛ لأن النار مسته؟ وكان هذا الكلام بحضور أبي هريرة رضي الله عنه؛ يعني: كأنه يتوقف، أو يعترض على الوضوء مما مسته النار، فبيّن أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا، فأخذ أبو هريرة حصى، ورما بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار). فإذاً إما أن يكون ابن عباس رضي الله عنه ما بلغه الحديث في هذا، أو أنه بلغه ولكن بلغه الناسخ، وهو أنه لا يتوضأ منه، وقد نسخ، فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه أبدى ما عنده من العلم، وما بلغه من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: أشهد عدد هذا الحصى أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، وعلى هذا فقد يكون المطلب بن حنطب لم يرو عن ابن عباس، وأنه قد حضر القصة، وسمع أبا هريرة، فيكون بهذا يروي عن أبي هريرة، لكن ذكر السبب الذي قيل فيه ذلك الكلام، لأن الكلام حصل فيه مناسبة، وهي كلام جرى من ابن عباس بحضور أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا فتكون الرواية عن المطلب عن أبي هريرة، ويحتمل أن يكون أيضاً قد بلغه عن ابن عباس، وأن ابن عباس أخبره بأنه حصل كذا وكذا، وأن أبا هريرة قال كذا وكذا. شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله تحت باب: الوضوء مما غيرت النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من الأحاديث في هذا الباب، وكلها في الوضوء مما مست النار، وذكرت فيما مضى أن الوضوء مما مست النار كان أول الأمر، ولكنه قد جاء نسخه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصار ما اشتملت عليه هذه الأحاديث منسوخاً؛ أي: أن أكل شيء غيرته النار، أو مسته النار لا يوجب الوضوء، ولا يترتب عليه نقض الوضوء، فيلزم الوضوء من ذلك، وإنما ذلك الحكم منسوخ بالأحاديث التي أوردها النسائي في الباب الذي بعد هذا الباب، وذكرت فيما مضى أنه استثنى من ذلك الوضوء من أكل لحم الإبل، فإنه يتوضأ منه كما جاءت في ذلك السنة من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الذي معنا حديث أبي هريرة من جملة أحاديث أبي هريرة المتعددة التي جاءت عنه بالوضوء مما مست النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في الوضوء مما مست النار، ويقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (توضئوا مما مست النار)؛ يعني: سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، ولكن الحكم -كما عرفنا- قد نسخ إلا فيما يتعلق بأكل لحم بالإبل، فإنه يتعين الوضوء، ويجب الوضوء للحديث الذي ورد في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم وغيره. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو بندار الذي يأتي ذكره كثيراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كل أصحاب الكتب الستة رووا عنه، فهو شيخ لهم، يروون عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد توفي في سنة 252، وتوفي معه في تلك السنة اثنان من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم: رفيقه محمد بن المثنى، الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد توفوا جميعاً في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ثقة ثبت، الذي هو محمد بن بشار، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا، وأنه بل هو من شيوخهم، بل هو شيخ لهم جميعاً، الذين هم: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا ابن أبي عدي].هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].هو ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، كما وصفه بذلك بعض العلماء، وهو من العلماء العارفين بالجرح والتعديل، له كلام كثير في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن جعدة].وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه ؛ أي: خرج له أصحاب السنن الأربعة في سننهم إلا الترمذي فإنه لم يخرج له في سننه، وإنما خرج له في كتاب الشمائل المحمدية.[عن عبد الله بن عمرو].هو عبد الله بن عمرو بن عبد القاري بتشديد الياء، والقاريِّ نسبة إلى القارة، وهم بطن من بطون مضر، وأما القارئ فهي نسبة إلى من يقرأ القرآن ويعتني بالقرآن، أو صاحب حسن الصوت بالقرآن، فيقال له: القاريِّ، ويقال له: القارئ، بالهمزة، وقد تحذف الهمزة تخفيفاً، وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري، جده عبد، وقد ينسب إلى جده فيقال: عبد الله بن عبد.قال عنه الحافظ: إنه مقبول، وذكر أن حديثه عند مسلم، وأبي داود، وهو أيضاً عند النسائي كما في هذه الأحاديث التي معنا؛ لأنها ثلاثة أسانيد متوالية فيها ذكره، ففي الإسناد الأول: عبد الله بن عمرو، وفي السند الذي بعده: عبد الله بن عمرو روى ذلك النسائي عن شيخين، وأحد شيوخه أضاف القاري.وأما الإسناد الثالث فيقول: عبد الله بن عمرو القاري.وهو مقبول، حديثه عند مسلم، وأبي داود، وكذلك هو عند النسائي.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والسبعة المكثرون من رواية الحديث من الصحابة هو أكثرهم، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (61) - تابع باب الوضوء مما غيرت النار أمر الشارع بالوضوء مما مست النار، ومما غيرت النار، وذلك في بداية الأمر، ثم نسخ هذا وبقي الأمر بالوضوء من لحم الإبل لورود ما يخصه. تابع الوضوء مما غيرت النار حديث أبي أيوب: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: أنبأنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو قال محمد : القاري عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضؤوا مما غيرت النار)]. هنا أورد النسائي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤوا مما غيرت النار). وهو بمعنى الأحاديث المتقدمة، وكما عرفنا أن هذا الحكم هو منسوخ.قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار].عمرو بن علي هو الفلاس، الإمام، الناقد، الكثير كلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن بشار هو الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـبندار.[أنبأنا ابن أبي عدي].ابن أبي عدي، وهو في الإسناد الذي قبله.[عن شعبة].وشعبة في الإسناد الذي قبله.[عن عمرو بن دينار].وعمرو بن دينار كذلك هو في الإسناد الذي قبله.[عن يحيى بن جعدة].ويحيى بن جعدة أيضاً في الإسناد الذي قبله.[عن عبد الله بن عمرو].ثم قال: قال محمد : القاري. وعمرو بن علي الفلاس عندما ساق الإسناد قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وما قال: القاري؛ أما محمد بن بشار، فإن في إسناده أضاف إلى ما ذكره عمرو بن علي كلمة: القاري، التي هي نسبته، فقوله: قال: محمد؛ يعني: شيخه في الإسناد، أو أحد الشيخين في الإسناد، اللذين روى عنهما النسائي فإنه ساق الإسناد مساقاً واحداً، ولكنه ذكر أن أحد الشيخين أضاف في التعريف بـعبد الله بن عمرو هذا, بأن قال: القاريِّ؛ يعني: أن هذا الإسناد رواية عمرو بن علي الفلاس مثل الإسناد الذي قبله، وليس فيه القاريِّ.وأما محمد بن بشار فهنا قال: القاريِّ، مع أن محمد بن بشار في الإسناد الأول؛ أي: ليس فيها ذكر: القاري، والرواية هنا اشترك فيها مع عمرو بن علي، والتي جمع بينهم النسائي قال: إن محمداً قال: القاري؛ يعني: أضاف كلمة: القاريِّ، فقوله: قال محمد، فهذه كلمة من النسائي، قالها مشيراً إلى شيخه محمد بن بشار, زاد في التعريف بـعمرو بن علي أن قال: القاريِّ.قوله: [عن أبي أيوب].هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي نزل النبي عليه الصلاة والسلام في داره لما قدم مهاجراً إلى المدينة، وقد جاء الحديث في صحيح مسلم: (أنه لما نزل في داره، وكانت مكونة من دورين، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في الدور الأسفل, وأبو أيوب صار في الدور العلوي، ثم جاء وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول إلى الدور العلوي، وأن يكون هو في الدور الأسفل، وقال: إنه لا يحب أن يكون فوق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا)، والحديث في صحيح مسلم.وأبو أيوب الأنصاري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. حديث أبي طلحة: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حرمي وهو ابن عمارة بن أبي حفصة حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث عن عبد الله بن عمرو القاري عن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما غيرت النار)]. ثم أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا مما غيرت النار)، وهو مثل الذي قبله، مثل حديث أبي أيوب المتقدم، وبلفظه: [(توضئوا مما غيرت النار)]، فهي كلها أحاديث في موضوع واحد، وهو الوضوء مما مست النار، والحكم -كما عرفنا- منسوخ.قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري، وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ثقة, مأمون, سني، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب: إنه أظهر السنة في سرخس بلده، فهو سرخسي، فلهذا يقال له: سني؛ لأن كلمة سني تستعمل في من كان يتبع السنة، أو أظهر السنة، أو يحارب البدع، فيقولون عنه: سني، فلكونه أظهر السنة في بلده سرخس، قيل له: سني، ويقال له: صاحب سنة؛ يعني: اتباع السنة، وابتعاد عن البدع.[وهارون بن عبد الله].هو أبو موسى الحمال، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حرمي].هو ابن عمارة بن أبي حفصة.حرمي هو اسم على صيغة النسب، مثل مكي، وقوله: (هو: ابن عمارة بن أبي حفصة)، هذا هو زيادة تعريف، لكنه ليس من تلاميذه في الإسناد؛ لأن الذين رووا عنه في الإسناد هم: عبيد الله بن سعيد اليشكري، وهارون بن عبد الله، هؤلاء هم الذين رووا عنه، لكن ذكروه بكلمة: حرمي، وما أضافوا إليها شيئاً آخر، والنسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بكلمة ابن عمارة بن أبي حفصة، لكن أتوا بكلمة: (هو) حتى يتبين بأنها زيدت ممن دون التلاميذ؛ لأنها لو لم تزد هذه لفهم أن التلاميذ هم الذين قالوا هذا الكلام، لكن لما كانت الزيادة ممن دون التلاميذ أتي بكلمة: (هو) حتى يعرف أنها زيدت في الإسناد ممن دون التلاميذ، إما من النسائي، أو ممن دون النسائي من أجل التعريف بهذا الشخص، وهو حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي البصري.وأبو حفصة الذي هو جده؛ لأنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، اسمه: نابت، بالنون، ذكر هذا في التقريب، وقال: بالنون، وبالتاء المثناة، ثم قال: وقيل كالجادة، والمراد بقوله: الجادة في اللغة هي: الطريق المسلوك، الذي من كثرة المشي عليه وكثرة السير عليه صار أثراً في الأرض، فهذا يقال له: الجادة، فهنا قال: وقيل: كالجادة، يعني: ثابت؛ لأن ثابتاً لفظ مشهور، ويسمى فيه كثير، وهو لما قال: نابت بالنون وبالتاء؛ لأن هذا اسم غريب, واسم نادر، ثم قال: وقيل: كالجادة، يعني: وقيل: اسم أبيه ثابت، فهو بدلاً من أن يقول: ثابت، قيل كالجادة؛ لأن ثابتاً اسم مشهور، يطلق عليه, أو على مثل هذا يقال له: الجادة.ولهذا فإن الإنسان إذا قرأ مثلاً في كتاب: تبصير المنتبه لـابن حجر أو غيره من الكتب التي تعنى بالمؤتلف والمختلف، والألفاظ التي تتفق في الرسم، عندما يأتي اسم يقول وهو كثير، أو يقول: وهو الجادة كذا، ثم يأتي بالألفاظ التي هي قليلة في الاستعمال، وهي على ذلك قريبة من ذلك الوزن؛ لأن الوزن في نابت، وثابت هو واحد، يعني: الرسم, إلا أن الفرق النقط، هذا فيه ثلاث نقط على الثاء، وهذا نون بدل الثاء، فثابت هذا مشهور الاسم، وهذا هو معنى الجادة، وهذا هو الذي يراد بالجادة، معناه: الكثير في الاستعمال المشهور، ونابت اسم قليل في الاستعمال، ونادر أن يسمى أحد (نابت) فيؤتى بعبارة الجادة.وحرمي بن عمارة هذا هو صدوق يهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا عند الترمذي، أي: خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي.[حدثنا شعبة عن عمرو قال: سمعت يحيى بن جعدة , عن عبد الله بن عمرو القاري].وشعبة هو ابن الحجاج، وهنا اتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.وهذان الشيخان وهما: هارون بن عبد الله، وعبيد الله بن سعيد في روايتهما نسبة عبد الله بن عمرو وأنه القاري؛ يعني: في إسنادهما جميعاً ذكر النسبة، وهي نسبة عبد الله بن عمرو حيث قالوا: القاري بالتشديد نسبة إلى القارة.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، وفي بعض الكتب كثيراً ما يأتي الخطأ، بدل النجاري يقال: البخاري؛ لأن رسم النجاري والبخاري واحد، فيحصل التحريف، والتصحيف, فيقال بدل النجاري: البخاري، وهذا كل ما جاء كلمة الأنصاري، وبعدها النجاري، فيقال: البخاري فهو خطأ؛ لأن الأنصاري لقب عام، والنجاري اسم يطلق على جماعة من الأنصار، فهنا: أبو طلحة الأنصاري النجاري، في نسخة التقريب المصرية: الأنصاري البخاري؛ يعني: تصحيف عن النجاري، وهو من بني النجار، وهو صحابي مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله اثنان وتسعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديث؛ أي: الأحاديث التي له في الصحيحين أربعة. حديث أبي طلحة: (توضئوا مما أنضجت النار) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن شهاب عن ابن أبي طلحة عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما أنضجت النار)].أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى، ويقول فيه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(توضئوا مما أنضجت النار)]، وهو كالذي قبله.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هارون بن عبد الله هو أحد شيخي النسائي في الإسناد المتقدم.[حدثنا حرمي بن عمارة].وحرمي بن عمارة هو في الإسناد المتقدم.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً متقدم.[عن أبي بكر بن حفص].هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات الأثبات، والأئمة الأجلة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله على الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي ذكروا في ترجمته رحمة الله عليه: أنه كان إذا دخل منزله عكف على كتبه، وعلى ما عنده من الحديث، فكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر، معناه: أنه ينشغل بها كثيراً، وأنها أشد عليها من أن يكون له أربع زوجات هي إحداهن؛ لكثرة انشغاله بكتبه وبعلمه رحمة الله عليه.[عن ابن أبي طلحة].هو عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وهو الذي لما ولد أخذه أنس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحنكه ودعا له، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم, والنسائي.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا. شرح حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد حدثنا الزبيدي أخبرني الزهري أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي تحت باب: الوضوء مما غيرت النار. وهي أحاديث عديدة مر جملة منها في الدروس الثلاثة الماضية، وكلها تدل على الوضوء مما مست النار، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وقد ذكرت -فيما مضى-: أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الأحاديث التي في الباب الذي بعده ناسخة له، وأن العمل على تلك الأحاديث المتأخرة، والتي فيها ما يدل على النسخ، ومنها حديث جابر رضي الله عنه: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)؛ يعني: فيكون ترك الوضوء ناسخاً للوضوء.وقد ذكرت أنه يستثنى من ذلك لحم الإبل، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: نعم توضئوا من لحوم الإبل)، فدل على أن الوضوء من لحم الإبل حكم باق، ولهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أورد الأحاديث المنسوخة التي فيها الوضوء مما مست النار، ثم الأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مست النار، ثم أورد الحديث المتعلق بالوضوء من لحم الإبل.والحديث الذي معنا حديث: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا مما مست النار)، وهو كغيره من الأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة، وعن أبي أيوب، وعن أبي طلحة، وعن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو الوضوء مما مست النار. تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار) قوله: [أخبرنا هشام بن عبد الملك].هو ابن عمران الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، أي: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي , وقد تقدم في أول هذا الباب ذكر هذا الرجل، وأنه جاء في إسناد حديث، وكذلك شيخه، وشيخ شيخه، فكلهم جاءوا في إسناد متقدم يروي بعضهم عن بعض.[حدثنا محمد].محمد هنا غير منسوب، وقد مر في الإسناد المتقدم وهو ذو الرقم (172)، قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، فهناك جاء بيان هذا المهمل، وهنا بقي على الإهمال؛ لأنه قد بين هذا المهمل قريباً في إسناد متقدم، وفي الإسناد الذي بعده قال: حدثنا ابن حرب؛ يعني: ذكر نسبته، ولم يذكر اسمه، وهو: محمد بن حرب، وفي الإسناد المتقدم قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، هو مثل هذا, إلا أن فيه إضافة توضيح ممن دون تلميذه الذي هو: هشام بن عبد الملك شيخ النسائي وتلميذ هذا الشخص.إذاً: فذكر ابن فلان من النسائي ومن دونه، فهو أحياناً يأتي محمد, وأحياناً يأتي ابن حرب، وهو حمصي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الزبيدي].هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.وقد مر ذكره في الإسناد المتقدم الذي هو برقم: (172)، فالثلاثة الذين ورد ذكرهم هنا قد مر ذكرهم في ذلك الإسناد وهم: هشام بن عبد الملك، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الزبيدي. والزبيدي هو من أثبت أصحاب الزهري.[أخبرني الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده الزهري، فينسب إلى جده شهاب, فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب, فيقال: الزهري، وزهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، فهو زهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، وهو من الأئمة الأجلة والحفاظ من أهل الحديث والفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، والذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: عمر بن عبد العزيز الخليفة.[أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره].هو عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبوه أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك هذا ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن خارجة بن زيد أخبره].هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وهو أحد الفقهاء المشهورين في المدينة الذين أطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وقد جُمعوا في بيتين ذكرهما ابن القيم، ولا أدري هل البيتان لـابن القيم أم لغيره، وهو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـخارجة هذا الأخير هو الذي معنا في الإسناد، وهو خارجة بن زيد بن ثابت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[زيد بن ثابت].هو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي أسند إليه أبو بكر جمع القرآن، وله اثنان وتسعون حديثاً اتفق البخاري, ومسلم على أربعة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث واحد، وأحاديثه اثنان وتسعون حديثاً. شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا ابن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته، فسقته سويقاً، ثم قالت له: توضأ يا بن أختي! فإن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث بعد حديث زيد بن ثابت، وهو: عن أم حبيبة أم المؤمنين ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، دخل عليها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس، فسقته سويقاً، وقالت له: توضأ يا ابن أختي! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، فأرشدته إلى الحكم، وهو: أن يتوضأ، وذكرت الدليل على ذلك، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار).فإذاً: فهذا الحديث كغيره من الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء مما مست النار، وهو حكم منسوخ كما ذكرت ذلك مراراً. تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) أما إسناد الحديث فأربعة منهم رجال الإسناد الذي قبله، هشام بن عبد الملك الحمصي، وشيخه محمد بن حرب الحمصي، وكذلك شيخ شيخه محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، ثم الزهري.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم أو عد كل واحد منهم السابع من الفقهاء السبعة، لأن الستة متفق على عدهم، والسابع مختلف فيه، هل هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ؟ وهو ثقة، وحديثه وعند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أخبره].هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن أخنس، قال عنه في التقريب: مقبول، ورمز لكونه من رجال أبي داود , والنسائي، يعني: ما خرج له الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه ، وإنما خرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي.[أنه دخل على أم حبيبة].يروي عن خالته وهي أم حبيبة، أم المؤمنين، ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها. شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت له وشرب سويقاً: (يا ابن أختي! توضأ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي حديث أم حبيبة من طريق أخرى، والإسناد الذي أورده يتفق مع الذي قبله في آخره، أما أوله فهو يختلف، وأكثر هذا الإسناد من أوله جاء في (173) في أول الباب الذي معنا، والحديث متنه هو متن الحديث الذي قبله، أم حبيبة قالت لابن أختها -أبي سفيان بن سعيد- وقد شرب سويقاً: (توضأ يا ابن أختي! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)، فهو نفس الذي قبله. تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود].الربيع بن سليمان، وهنا قال: ابن داود، وفي ذلك الحديث قال: الربيع بن سليمان فقط، فهنا جاء ذكر ابن داود، وابن داود قلنا -فيما مضى- أنه الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وذكرت -فيما مضى- أن النسائي له شيخان كل منهما يقال له: الربيع بن سليمان، أحدهما هذا، وهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، والثاني: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري صاحب الشافعي، فهو هنا الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري.[حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر].وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، وحديثه عند مسلم، والنسائي. [حدثني بكر بن مضر].هو بكر بن مضر، وهو ثقة، وأخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه.[عن جعفر بن ربيعة].هو ابن شرحبيل بن حسنة الكندي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].هو بكر بن سوادة بن ثمامة، وقد مر ذكره، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم بن شهاب].وفي الإسناد المتقدم قال: محمد بن مسلم فقط، وهنا قال: محمد بن مسلم بن شهاب، وهو الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً، وأكثر ما يأتي ذكره بلفظين: ابن شهاب، أو الزهري، أما كونه يأتي باسمه محمد بن مسلم فهذا قليل، وهنا جاء ذكر اسمه، واسم أبيه، وجده ابن شهاب، وليس هو جده القريب, وإنما هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب جد عبيد الله، وعبيد الله هو جد محمد بن مسلم الأول، فهو جد جده، وقد نسب إلى جد من أجداده، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس].وأبو سفيان بن سعيد هو الذي مر ذكره في الإسناد المتقدم.وأبو سلمة وأبو سفيان مر ذكرهما في الإسناد المتقدم، وهذا الذي هو أبو سفيان مقبول، وحديثه عند أبي داود, والنسائي.[أن أم حبيبة].وهي خالته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضها.وهذا الإسناد رجاله أولاً: الربيع بن سليمان بن داود، ثم إسحاق بن بكر بن مضر، ثم بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم أبو سلمة، ثم أبو سفيان، ثم أم حبيبة، تسعة أشخاص، فهو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها، لأن النسائي عنده أسانيد عشارية؛ يعني: عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يمر بنا حتى الآن شيء يزيد على التساعيات التي منها هذا الحديث الذي معنا, والحديث الذي برقم: (173) الذي سبق أن مر ذكره قريباً، وهو الذي أكثر رجاله هم رجال هذا الإسناد، فذاك الإسناد وهذا الإسناد تساعيات، وهي متفقة في أول السند لكنها في أعلى السند تختلف. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (62) - باب ترك الوضوء مما غيرت النار أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرته النار، ثم نسخ هذا الحكم، وكان آخر الأمرين ترك الوضوء منه. ترك الوضوء مما غيرت النار شرح حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء مما غيرت النار.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً، فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.لما أورد الترجمة السابقة لهذه الترجمة وهو قوله: باب: الوضوء مما غيرت النار، وأورد فيه جملة من الأحاديث عن عدد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وعرفنا أن تلك الأحاديث كانت في أول الأمر، وأن هذا الحكم نسخ إلى الترك وعدم الوضوء مما مست النار؛ لأنه جاء حديث جابر بن عبد الله الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة وهو قوله: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، وهو دال على النسخ، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة أحاديث، لكن أصرحها وأوضحها في النسخ هو أن ترك الوضوء هو الحكم الناسخ بحديث جابر الأخير الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.وقد أورد النسائي أحاديث ليست واضحة في النسخ، ولكنها واضحة فيما ترجم له، وذكرت الوضوء مما مست النار، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً، ولم يتوضأ، وأكل طعاماً، ولم يتوضأ، فكانت تلك الأحاديث دالة على ترك الوضوء مما مست النار، وأول هذه الأحاديث حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل كتفاً -كتف شاه- ثم جاءه بلال فآذنه بالصلاة، فخرج وصلى، ولم يتوضأ) يعني: لم يتوضأ بعد هذا الأكل، فهو كان متوضئاً، ثم أكل ذلك اللحم من كتف الشاة، ثم خرج إلى المسجد بعد أن جاءه بلال، وآذنه وأعلمه بحضور وقت الصلاة، فخرج، ولم يتوضأ، فدل هذا الحديث: على ترك الوضوء مما مست النار، لكن هذا لا يدل على النسخ؛ لأن هذا الحديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث أخرى دلت على فعل الوضوء، لكن الدال على النسخ هو حديث جابر الأخير: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) يعني: أن الوضوء كان أولاً، وترك الوضوء كان آخراً، وكانوا يأخذون أي: الصحابة بالأحدث فالأحدث من فعله عليه الصلاة والسلام، فيكون ترك الوضوء هو الحكم الناسخ، والوضوء هو الحكم المنسوخ. تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء) قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم روى عنهم مباشرة، وهو قرين محمد بن بشار بندار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفق معه في الشيوخ والتلاميذ، وفي البلد وفي أمور متعددة، حتى قال الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان، يريد محمد بن بشار ومحمد بن المثنى الزمن؛ يعني: لا واحد يسبق الثاني.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان الإمام، الحجة، الثبت، المشهور، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي وهو الذي يلقب بـالصادق، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو من الأئمة الإثني عشرية الإمامية الذين يجعلون الولاية والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر إماماً، ويدعون لهم العصمة، بل ويصفونهم بأوصاف تفوق أوصاف الأنبياء، وهذا من الخذلان. وأوضح دليل على وصفهم إياهم أنهم يفضلونهم على الأنبياء والملائكة، والذي قال هذا ليس شخصاً مغموراً، أو يقال أنه شخص جاهل عند الرافضة، بل هو إمام، وزعيم كبير، هلك قبل ثلاث سنوات، ويعتبرونه آيتهم العظمى، ومرجعهم الأعلى، حيث يقول الخميني: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. فهذا الكلام هو مكتوب ومدون ومطبوع، وموجود في كتابه الحكومة الإسلامية في (ص:52)، فهذا الكلام الساقط الباطل هو من أبطل الباطل، فيغلون في الأئمة الاثني عشر.والصادق رحمة الله عليه من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، يعرفون له فضله وقدره، ولكنهم لا يرفعونه فوق منزلته كما لا يرفعون غيره من الأئمة، وإنما طريقهم في هذا هو الاعتدال بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، بل يعرفون لهم فضلهم.ومن كان من أهل البيت وهو من أولياء الله المتقين فقد جمع بين شرف الإيمان وشرف النسب، وإذا كان من أهل العلم والفضل فجمع شرف العلم، ولكن الأساس هو التقوى، فمن وجدت منه التقوى منهم وكان من أهل البيت فقد جمع بين الفضلين وبين الشرفين، ومن كان بخلاف ذلك، ولم يكن من أهل الإيمان والتقوى فالأمر فيه كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والحديث في صحيح مسلم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسووضع الشرك النسب أبا لهبفالإسلام رفع شأن سلمان الفارسي وهو ليس من العرب، ولكن رفعه الإسلام والإيمان وصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأما أبو لهب عم الرسول وهو عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو لهب، وقد أنزل الله فيه سورة من سور القرآن: تَبَّتْ يَدَا أَبِي [المسد:1] فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو أبيه عبد الله، فهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الشرك والكفر وضعه، والإسلام هو الذي رفع الله به سلمان وغير سلمان ممن أكرمه الله بالإيمان.فـجعفر الصادق رحمة الله عليه هو من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه، روى حديثه مسلم، والبخاري في الأدب المفرد، وروى له أصحاب السنن الأربعة، وهو فقيه ومحدث صدوق.[عن أبيه محمد].وهو محمد بن علي المعروف بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة الذي يعرف أهل السنة فضله وقدره ومنزلته، وهو إمام من أئمة الرافضة الذين يزعمون إمامتهم، ويصفونهم بصفات لا يصفون بها الأنبياء والمرسلين كما هو واضح من العبارة التي ذكرتها آنفاً.إذاً: فـمحمد بن علي بن الحسين الملقب الباقر هو إمام من أئمة أهل السنة، رووا حديثه، وحديثه في الكتب الستة عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو -كما قلت- من أئمة أهل السنة، وممن تزعم الرافضة أنه من أئمتهم الذين يغلون فيهم، ويصفونهم بصفات تجاوزوا فيها الحدود.ومما يتبين به ما عند الرافضة من الغلو أن من أصح كتبهم كتاب الكافي، وهو من أشهرها، وهذا الكتاب مشتمل على أحاديث تنتهي إلى أئمة أهل البيت، وهم براء منها بلا شك، وإنما هي كذب وافتراء عليهم وما قالوها، ولا يقولونها رحمة الله عليهم، ولكن هذا من الافتراء عليهم، وفي ذلك الكتاب أبواب منها قوله: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنزلته عندهم كمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.ومن الأبواب التي فيه: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالحق هو ما خرج من عند الأئمة الاثني عشر، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالذي خرج من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وعائشة، وأمهات المؤمنين، وبقية الصحابة فهذا باطل، والحق هو ما كذبوه وأضافوا إلى الأئمة الاثني عشر، والأئمة الاثني عشر براء منه.ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الأبواب باب: أن الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها عند الأئمة، وأنهم يعلمون على اختلاف لغاتهم، فكل ما نزل من السماء من كتاب هو موجود عند الأئمة الاثني عشر، وهم يعلمونها على اختلاف لغاتها، وهذا كاف في بيان ما اشتمل عليه كتاب الكافي من الباطل، ومن الكذب والافتراء على أهل البيت، وهم منزهون عن ذلك.ومن ذلك حديث موجود في الكافي ينسبونه إلى الحسين بن علي يقول: الناس ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، ونحن العالمون؛ يعني: الأئمة، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء. فهذا حديث من أحاديث الكافي، والإنسان إذا عرف مثل هذه الأحاديث، ومثل هذه الأبواب يستشعر نعمة الله عليه بالهداية، وأن الله تعالى من عليه، ولم يزغ قلبه، ولم يجعله من هؤلاء الضائعين، وهؤلاء الهالكين الذين بعدوا عن الحق والصواب، وقالوا ما قالوا من الكذب، والافتراء، ونسبوه إلى جماعة من أئمة أهل السنة، وهم من يزعمون أن أئمتهم المعصومون الذين لا يحصل الحق إلا عن طريقهم، وكل شيء لم يأت من طريقهم فهو باطل.فـمحمد بن علي هذا هو الباقر، وهو إمام من أئمة أهل السنة رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبيه].وهو علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أئمة أهل السنة، ومن الأئمة الاثني عشر الذين غلا فيهم الرافضة، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن زينب بنت أم سلمة].وعلي بن الحسين يروي عن زينب بنت أم سلمة، وبنت أم سلمة نسبها إلى أمها. وأبوها هو أبو سلمة، وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صحابية تروي عن أمها أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وزينب بنت أم سلمة صحابية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أم سلمة].وأمها أم المؤمنين وهي أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أيضاً حديثها عند أصحاب الكتب الستة. شرح حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فحدثتني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)، قال: وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: (أنها قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].هنا أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق سليمان بن يسار التابعي أنه دخل على أم سلمة، وحدثته بحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصبح وهو جنباً من غير احتلام، ثم يصوم)، يعني: أنه كان تصيبه الجنابة في الليل، ثم يدركه الفجر وهو لم يغتسل، فيصوم ويغتسل بعد دخول الفجر، أي: بعد دخول وقت الصيام، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أصبح جنباً سواء كان عن طريق جنابة اختيارية، وهي عن طريق جماع الأهل، أو عن طريق جنابة اضطرارية كالذي يحصل في النوم من الاحتلام، ثم يصبح جنباً ففي الحالين الحكم واحد وأن الصيام صحيح.فـأم سلمة تقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام فيصوم)، يعني: لا يمنعه ذلك من الصيام، فدل على أنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر فعل الجماع في وقت الصيام، وأما كون الإنسان يكون عليه جنابة، وجامع في وقت حل الجماع له وهو الليل، ثم يصبح جنباً لم يغتسل، فلا يؤثر ذلك على صيامه، وليس هذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذا الباب، وإنما المقصود منه الحديث الثاني الذي بعده، وهو أنه قدم إليه جنب مشوي فأكل منه، وصلى ولم يتوضأ. هذا هو محل الشاهد لإيراد الحديث في هذا الباب الذي هو باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.فالحديث الأول لا علاقة له بهذا الباب، ولكنه جاء لأنه حصل التحديث به، وبالحديث المتعلق بهذا الباب.وقوله: (أنه كان يصبح جنباً من غير احتلام).أي: أن الاحتلام إذا كان من الإنسان في المنام وهو من تلاعب الشيطان، فلا يحصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشيطان لا سبيل له إليه، ولا يحصل ذلك عن طريق تلاعبه به في المنام، وهو بريء من ذلك، وسلمه الله من ذلك، أما إذا كان الاحتلام لا يحصل عن طريق الشياطين، ولكن يحصل عن طريق القوة فيحصل خروج ذلك منه في المنام، فهذا ممكن أن يكون قد يحصل بالنسبة للأنبياء، لكن إذا كان الاحتلام يتم ويحصل عن طريق الشياطين، فالأنبياء منزهون من هذا، ومبرءون من هذا، ولا يحصل للشياطين تسلط عليهم.وقوله هنا: (من غير احتلام) كما قال السندي أن هذا للتنصيص على أن الجنابة الاختيارية لا تفسد الصوم، ولا تؤثر في الصوم شيئاً؛ يعني: إذا كانت الجنابة حصلت أو الجماع حصل في وقته المشروع، وأدركه وقت الصيام وهو جنب، فوجود الجنابة لا تؤثر ولو كانت الجنابة اختيارية، فضلاً عن الاضطرارية، فإن الاضطرارية من باب أولى؛ لأن الإنسان في منامه كما هو معلوم غير مختار ومضطر، فحصول شيء من ذلك لا يؤثر عليه شيئاً لا في صيام ولا في غير صيام، ولو أن الإنسان جامع في الحج يعني: قبل التحلل الأول فإن هذا يفسد حجه وعليه بدنة، ويلزمه أن يحج من قابل، وأمور تترتب على هذا، لكن لو احتلم فليس عليه شيء؛ لأن الاحتلام اضطراري ليس للإنسان فيه دخل.وكما قلت: فإن محل الشاهد من إيراد الحديث هو الحديث الثاني المتعلق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم له جنب مشوي وأكل منه، وصلى ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار، ولم يتوضأ بعد ذلك الأكل، فهو مثل الذي قبله إلا أنه لا يدل على النسخ؛ لأن هذا حديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث قبله فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، فليس فيه شيء يدل على النسخ، وهذا يعارض تلك الأحاديث؛ لأن الأحاديث متعارضة، لكن جاء حديث جابر فبين أن ترك الوضوء هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فيكون ناسخاً. تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].هو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ابن جريج وهو ثقة، وهو يدلس، ويرسل، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن محمد بن يوسف].وهو الكندي الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب إلا أبا داود، وابن ماجه .[عن سليمان بن يسار].وسليمان بن يسار هو التابعي المشهور، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، ومن الذين جاء ذكرهم كثيراً في كتاب النسائي، وقد مر ذكر سليمان بن يسار وغيره من الفقهاء السبعة، وهو واحد منهم، وأحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أم سلمة].وهي راوية الحديث الذي قبل هذا، والتي روته عنها ابنتها زينب بنت أبي سلمة.[وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته].يعني: الذي هو محمد بن يوسف الذي روى عنها، (وحدثنا) يعني: سليمان بن يسار أنها حدثته. شرح حديث ابن عباس: (شهدت رسول الله أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج حدثني محمد بن يوسف عن ابن يسار عن ابن عباس أنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. هنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في أنه أكل شيئاً مسته النار، أكله أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ، لكنه لا يدل على النسخ؛ لأنه مجرد إخبار عن أكل وأنه صلى، ولم يتوضأ، ففيه المطابقة لما ترجم له، وهو ترك الوضوء لما مسته النار، لكن كونه ناسخاً فليس فيه ما يدل على ذلك، وإنما الذي يدل على النسخ هو الحديث الذي بعده، وأما الإسناد فهو نفس الإسناد المتقدم إلا ابن عباس؛ لأن الصحابي هو ابن عباس والذي قبله الصحابية أم سلمة، وابن عباس سبق أن مر ذكره، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. شرح حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث جابر الذي هو واضح في النسخ، والذي يقول فيه جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار). وقوله: (الأمرين) أي: الوضوء، والترك، وقوله: (كان آخر الأمرين) أي: الوضوء مما مست النار، وترك الوضوء مما مست النار، وآخرهما كان الترك، فيكون الترك ناسخاً للوضوء مما مست النار، وهذا هو الدليل الواضح على النسخ، فيكون الوضوء مما مست النار ليس بلازم؛ لأن آخر الأمرين من الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فهو ناسخ لما تقدم من الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء؛ وكما هو واضح ففيه الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ، وهو واضح في النسخ، وأن الترك كان متأخراً عن الفعل الذي هو الوضوء.وحديث جابر هذا أخرجه النسائي عن شيخه عمرو بن منصور. تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله الوضوء مما مست النار) قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور هو النسائي يعني: من بلد النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].وهو علي بن عياش الحمصي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة، وهو حمصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].ومحمد بن المنكدر، هو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى. قوله: [عن جابر].وهو: ابن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جابراً واحداً من السبعة، وهم الذين قال فيهم السيوطي:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر هو أحد السبعة المكثرين الذين زاد حديثهم على ألف حديث، وهذا هو آخر الأحاديث التي أوردها النسائي في باب ترك الوضوء مما مست النار، وهو الواضح في النسخ، والذي قبله ليس فيه ما يدل على النسخ، وإنما الدال على النسخ هو هذا الحديث الأخير. الأسئلة منزلة المجدد لسنة الرسول السؤال: هل يمكن أن يقال: إن المجددين على رأس كل مائة بمنزلة الأنبياء؟ لأن كل منهم إنما يجدد شريعة من قبله.الجواب: لا يكونون بمنزلة الأنبياء، لكنهم وارثو الأنبياء، ووارثو الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمجددون لسنته هم وراثه، وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) فهم طبعاً ليسوا بمنزلة الأنبياء، لكن منزلتهم تفوق منزلة غيرهم، ولكنهم من أتباع الأنبياء، وعلى منهاجهم، وعلى طريقتهم، وهم وراثهم الذين أكرمهم الله عز وجل بحمل ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام. حكم حبس العصافير السؤال: ما الحكم فيمن يشتري العصافير ويجعلها في قفص أو يستعملها لغير ذلك؟ وهل يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).الجواب: لا يؤخذ هذا من حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) لأن هذا ما جعله في قفص وحبسه في هذا المكان، وإنما يلعب به مثل الدجاج الذي يكون في البيوت وهو طليق يذهب ويجيء، وأما وضعه في قفص فهذا لا ينبغي أن يفعل؛ لأنه وإن أحسن إليه، وأعطي الطعام والشراب فقد يحصل منه غفلة، أو يحصل منه نسيان، وقد يحصل لهذا الحيوان برد، أو حر، ثم يترتب على ذلك هلاكه بسبب حبسه؛ لأنه لا يستطيع أن يذهب، فالذي ينبغي ألا يفعل هذا وألا يصار إليه، وإنما يترك حبس الطيور، وإذا كانت تتخذ في بيوت وهي تروح وتجيء حرة طليقة فلا بأس في ذلك. وجه استنباط أولوية العلم من سورة العصر السؤال: من أين استنبط بعض أهل العلم أولوية العلم في سورة العصر؟الجواب: نعم، الإيمان كما هو معلوم هو مبني على علم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فالإيمان الحقيقي هو الذي ينبني على علم؛ يعني: يؤمن على علم، ويعمل بما علم، ويدعو غيره إلى هذا الذي عمل به، ويصبر على ما يناله في هذا السبيل، فهو مأخوذ من الإيمان وأن الإيمان يكون مبنياً على علم. السنة بعد الرجوع من سفر وقبل الذهاب إلى البيت السؤال: هل من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين؟ وهل هذا يكون في القدوم على بلد الإنسان الأصلي؟ أم يشمل أي قدوم من أي سفر؟الجواب: الإنسان إذا قدم من بلد إلى بلده، فالسنة أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، أو إذا قدم إلى بلده، وأما إذا وصل لأي بلد فلا أعلم فيه شيئاً يدل عليه، لكن الحديث جاء في أن الإنسان إذا قدم من سفر إلى المدينة، فإنه يبدأ بالمسجد، ويصلي فيه ركعتين، وهذه من السنن المهجورة التي هجرها الناس، وكونه يأتي من سفر ويذهب إلى المسجد على طول فيصلي ركعتين، ثم يذهب إلى بيته فهذا مما هجره الناس. مشروعية السفر يوم الخميس السؤال: هل السفر يوم الخميس من الأمور المستحبة؟ لأنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس؟الجواب: ينظر إلى اللفظ الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ورد عنه أنه كان يحب الخروج يوم الخميس، فهذا لا شك الأمر فيه واضح، وأن هذا اللفظ يدل على أوليته، وعلى استحباب الخروج فيه؛ لأن الرسول ما دام يحب هذا الشيء فالناس يحبون ما يحبه الرسول، وهو كونه يسافر يوم الخميس، لكن كونه يستحب أو أنه فيه شيء فما أدري، والله تعالى أعلم. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (63) - (باب المضمضة من السويق) إلى (باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم) لا يلزم من أكل سويقاً أو شرب لبناً أن يتوضأ، وإنما يكتفي بالمضمضة، ويجب الاغتسال لمن أسلم عند بعض العلماء، وهو من أوائل ما يفعله الكافر إذا أسلم. المضمضة من السويق شرح حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من السويق.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة أن سويد بن النعمان رضي الله عنه أخبره: (أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فتمضمض وتمضمضنا، ثم صلى، ولم يتوضأ)].النسائي رحمه الله لما أورد الترجمتين السابقتين وهما: الترجمة الأولى: الوضوء مما مست النار، والترجمة الثانية: ترك الوضوء مما مست النار، أتى بعد ذلك بترجمة وهي: المضمضة من السويق، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أكل سويقاً تمضمض، ولم يتوضأ، وصلى، ولم يتوضأ.والسويق قيل: هو الشعير أو البر، أو الحب، أو الحنطة التي تقلى على النار ثم تتخذ زاداً في السفر أو غيره، فإذا احتيج إليها دقت، ثم صب عليها ماء أو سمن، ثم أكلت، فهي طعام يعتبر جاهزاً؛ بمعنى: أنه لا يحتاج إلى عناء وإلى كلفة؛ لأنه قد هيئ، ولهذا يقال فيه: إنه قوت المسافر، وبلغة المريض، وطعام العجلان، فالذي يريد أن يأكل بسرعة، ولا يحتاج إلى عناء ومشقة في الطبخ؛ كجمع الحطب وما إلى ذلك، فإن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قد حمس على النار، وقلي، ثم يدق، ويصب عليه الماء أو السمن، ثم يؤكل، فهو لا يحتاج إلى كبير مؤنة.والرسول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، عن سويد بن النعمان رضي الله عنه، أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، وأنهم لما كانوا بالصهباء، وهو أدنى مكان من خيبر، (دعا بالأزواد)، يعني: طلب من أصحابه الذين كانوا معه أن يحضروا أزوادهم ليشتركوا فيها، وذلك أن المسافرين أو الجيش عندما يكون مع بعضهم طعام، فإنهم يجمعون أزوادهم، فإذا لم يكن هناك زاد مشترك يغذى منه الجميع وكل يحمل زاده، فإنهم يجمعون أزوادهم، ثم يأكلون منها جميعاً؛ فالذي منه الزاد والذي ليس منه يشتركون فيه، ويجتمعون عليه، فالرسول عليه الصلاة والسلام طلب الأزواد، يعني: أمرهم بأن يحضروا ما معهم من الزاد.قال: (فلم يؤت إلا بالسويق) يعني: أنه ما وجد معهم شيئاً إلا هذا الطعام، وإلا فإنهم يأتون به ولا يتأخرون، وهذا فيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم من قلة ذات اليد، وشدة الحاجة، وأنهم وهم في هذا السفر، وهم في هذا الغزو، لما طلب منهم الأزواد، ما وجد معهم إلا السويق.قال (فأمر به فثري)، يعني: بل بالماء ورش بالماء حتى يؤكل بعد ذلك، وهذا هو معني الفري، وكان هذا بعد صلاة العصر، ثم إنه لما جاء وقت صلاة المغرب قام وتمضمض وتمضمضوا معه، وصلى ولم يتوضأ. والسويق كما هو معلوم مسته النار، فهو دال على ما دل عليه أحاديث الباب الذي قبله، وهو ترك الوضوء مما مست النار.وإنما تمضمض رسول الله عليه الصلاة والسلام ليزيل أثر ذلك الطعام من فمه، حتى لا يبقى منه بقية تشغله في صلاته، والأمر لا يحتاج إلى وضوء، وإنما يحتاج إلى التنظيف بالماء مما علقه، ومما بقي فيه من آثار هذا الطعام الذي هو السويق.إذاً: هذا فيه التنبيه والإرشاد إلى أن من حصل منه أكل شيء -وهو لا يحتاج الأمر فيه إلى وضوء- أنه يتمضمض إذا كان سيبقى في فمه أثر؛ حتى لا يشغله آثار ذلك التي بقيت في الفم عن صلاته، فبحصول المضمضة يحصل التخلص من ذلك. تراجم رجال إسناد حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].محمد بن سلمة هو: المرادي، المصري، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه .أما الحارث بن مسكين، فهو أيضاً ثقة، وهو ممن خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وقد مر ذكر هذين الشخصين.[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].وهذا كثيراً ما يحصل من النسائي، إذ أنه إذا قرن الحارث بن مسكين مع غيره، أنه يجعل اللفظ المسوق من لفظ شيخه الحارث بن مسكين.[عن ابن القاسم].ابن القاسم هو: عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وراوي الحديث والمسائل، فهو يروي الحديث، ويروي المسائل الفقهية عن الإمام مالك، وهو من أصحابه المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في كتاب المراسيل، والنسائي.[حدثني مالك].هو الإمام مالك إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، العلم، أحد الفقهاء، والمحدثين، مشهور بالحديث والفقه، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي: مذهب أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد، فهو صاحب مذهب مشهور، حصل له أتباع وأصحاب نشروه وأظهروه، وغير هؤلاء الأربعة لكن ما حصل لهم ما حصل لهؤلاء من وجود أصحاب وأتباع يظهرون فقههم، ويعنون بتدوينه ونشره، منهم مشهورون بالفقه، ومشهورون بالحديث، لكن هذه المذاهب الأربعة انتشرت لوجود أتباع وأصحاب عنوا بها، وقاموا بتدوينها، وجمع مسائلها، ونشرها، والتأليف فيها، فصار لها ذلك الانتشار والظهور.فثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة بعضهم تلميذ لبعض، فـأحمد تلميذ لـلشافعي، والشافعي تلميذ لـمالك، وقد سبق أن ذكرت: أن في مسند الإمام أحمد حديثاً رواه الإمام أحمد عن شيخه الشافعي، والشافعي رواه عن شيخه الإمام مالك، والإمام مالك رواه عمَّن فوقه، ولكن محل الشاهد من ذكره والإشارة إليه: هو أن فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، والحديث هو: (نسمة المؤمن على صورة طير يعلق بالجنة)، والحديث أورده الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله في سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فأورد هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: إن هذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المعروفة يروي بعضهم عن بعض، وهؤلاء الثلاثة كل منهم كنيته: أبو عبد الله.وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن البخاري قال: إن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، كالإمام مالك، هو من أهل المدينة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بشير بن يسار].هوبشير بن يسار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو بالتصغير بشير، وفي التقريب لما ذكر: بَشير وبُشير، بشير ذكر فيه عشرون شخصاً يقال لهم: بشير، وأما بُشير فلم يذكر إلا شخصان، أحدهما هذا، وذلك أن بشير المسمى به كثير، وأما بشير بالتصغير فهذا قليل، وهذا مثل ما أشرت سابقاً أو قريباً عندما جئنا عند ذكر: حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، فقلنا أن أبا حفصة اسمه: نابت، وقيل: كالجادة؛ يعني: ثابت؛ لأن كلمة نابت قليل التسمية، وكلمة ثابت كثير التسمية، فقيل لثابت: الجادة؛ يعني: أنه الطريق المسلوك، فهذا مثل بشير وبشير، بشير يقال له: الجادة، أو التسمية ببشير أو كذا، يطلق عليه الجادة؛ لأن الذي يسمى به كثير، بخلاف بُشير فإنه قليل التسمية، ولهذا في التقريب: بشير اثنان، وبشير عشرون شخصاً، فهذا يصدق عليه أن يقال فيه: الجادة، وهذا هو الذي كما أشرت يفعله ابن حجر في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، عندما يأتي بَشير وبُشير، هذا هو المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في الصيغة لكن يختلفان في النقط والشكل، فهنا يختلفان بالشكل وإلا الصيغة والهيئة واحدة: (ب ش ي ر)، إلا أن هذا بَشير وهذا بُشير، فهذا يسمى في المصطلح: المؤتلف والمختلف، أو المتشابه.وعندما يأتون ويتكلمون على المشتبه، وأن هذا يكون بهذا كذا، يقولون عن الذي تكثر فيه التسمية: الجادة، ثم يذكر الذي على خلاف الجادة الذي هو قليل، ولهذا فبَشير وبُشير يخلص أن يقال فيه ما قيل في هذا الموضوع، بأن بَشير هو الجادة، وأنه كثير التسمية به، وأما بُشير فهو قليل التسمية.[أن سويد بن النعمان].سويد بن النعمان هذا صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه البخاري، والنسائي، وابن ماجه ، وله سبعة أحاديث، وهو مقل من الحديث، ولم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، وهذا يسمونه الوحدان، يعني: من لم يرو عنه إلا واحد يسمى الوحدان، وهذا سويد بن النعمان لم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، شخص واحد، ما عرف بالرواية عنه إلا بشير بن يسار. المضمضة من اللبن شرح حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض) قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من اللبن.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً)].هذه الترجمة وهي: المضمضة من اللبن، أورد النسائي تحتها حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه شرب لبناً، ثم دعا بماء، فتمضمض، وقال: (إنه له دسماً)، يعني: أن هذه المضمضة من أجل الدسومة التي فيه، فهو يريد أن يذهب آثار الدسومة عن فمه، وهذا من النظافة، وعدم وجود أثر الطعام في الفم، الذي قد يشغل الإنسان بطعمه وبوجوده في فمه، أو قد يترتب على ذلك مضرة، حيث يبقى في الفم مثل هذه الآثار، فهو يدل على الإرشاد والتنبيه. تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض) قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذي أكثر من الرواية عنهم، ولهذا يأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي يروي عنه، وهو أول شيخ روى عنه في سننه. [حدثنا الليث].الليث هو: ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور في مصر، محدث مصر وفقيهها، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الأشخاص المعروفين أنه إذا روى عن مدلسين، فإنه لا يروي عنهم إلا ما ثبت سماعهم له، فهذا هو الليث بن سعد رحمة الله عليه.[عن عقيل].عقيل هو: عقيل بن خالد، أبو خالد الأيلي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فعقيل هو أيضاً من الأسماء القليلة، وعقيل مما يسمى به كثيراً، ولهذا في التقريب ورد أسماء عديدة لعلها ستة أسماء باسم عقيل، وأما عقيل بالتصغير ما فيه إلا شخص واحد، وهو: عقيل بن خالد الأيلي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن كنيته: أبو خالد، وأبوه: خالد، فهذا مما عدوه من أنواع علوم الحديث؛ لأن معرفة هذا النوع قالوا فيها: إن فيها الأمن من التصحيف، فالإنسان إذا عرف أن كنيته أبو خالد، وأن اسم أبيه خالد، فلو جاء مرة بكنيته ومرة باسمه، يكون كله صواباً، لكن الذي لا يعرف إلا أنه عقيل بن خالد، لو رواه مرة عقيل أبو خالد، ممكن يقول: (أبو) هذه مصحفة عن (ابن)، لكن من عرف أن كنيته أبو خالد، فإنه إذا جاء عقيل أبو خالد فهو صواب، وإن جاء عقيل بن خالد فهو صواب، ولذلك أمثلة عديدة مرت بنا، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وغيره من الأسماء الكثيرة التي تأتي يتفق اسم أب الراوي مع كنيته.[عن الزهري].الزهري، هو الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أول من قام بجمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب، وأيضاً مشهور بنسبته إلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب أحياناً، ويقال له: الزهري أحياناً، وأحياناً قليلة يأتي اسمه: محمد بن مسلم، وهذا قليل جداً، وإنما الكثير ابن شهاب أو الزهري.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، والذين أشرت سابقاً إلى أن ابن القيم جمعهم في بيتين ذكرهما في أول كتابه إعلام الموقعين، ولا أدري هل البيتان له أو لغيره؟ والبيتان هو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجهفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةسبعة في البيت الثاني، هؤلاء الفقهاء يقال لهم: الفقهاء السبعة في المدينة، وهم محدثون وفقهاء، وستة منهم متفق عليهم أنهم من السبعة، والسابع مختلف فيه، فقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو الذي ذكره ابن القيم، فهذا هو السابع على أحد الأقوال، وقيل: إنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بدل أبو بكر بن عبد الرحمن، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأما الستة الباقون فهم متفقون على عدهم، وهم الموجودون في هذا البيت: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عروة بن الزبير بن العوام، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، سعيد بن المسيب، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم.[عن ابن عباس].هو ابن عباس رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي وعمره خمسة عشر عاماً؛ لأنه في حجة الوداع يقول: كنت ناهزت الاحتلام، وجاء على حمار أتان، وقال: كنت غلاماً، قد ناهزت الاحتلام، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بأشهر قليلة؛ ثلاثة شهور، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العبادلة الأربعة في الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو. وفي الصحابة كثيرون يقال لهم: عبد الله، لكن اشتهر هؤلاء الأربعة بأنهم العبادلة، وليس فيهم ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود متقدم عنهم، وهو أكبر منهم، وكان من كبار الصحابة، وممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة 32 للهجرة، وأما هؤلاء فوفاتهم بعده بمدة طويلة، وهم متقاربون بالسن، ولهذا يقال لهم: العبادلة.وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين يقول فيهم السيوطي في ألفيته: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوحديثه عند أصحاب الكتب الستة. يتبع |
| الساعة الآن 05:03 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي