![]() |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (90) - باب الصلوات بتيمم واحد - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد بين الشرع أنه إذا عدم الماء فهناك ما ينوب عنه، وهو التيمم، وهو يقوم مقام الماء، فكما يصح فعل الصلوات بوضوء واحد فكذلك جاز فعل الصلوات بتيمم واحد؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه. الصلوات بتيمم واحد شرح حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلوات بتيمم واحد.أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين)].يقول النسائي رحمه الله: باب الصلوات بتيمم واحد.المقصود من هذه الترجمة: أن التيمم الواحد يصلى به صلوات متعددة إذا كان الإنسان لم يحدث بعد التيمم، فإنه يستمر على طهارته، وذلك أن التيمم رافع للحدث كالوضوء على القول الصحيح من أقوال العلماء، فمنهم من قال: إنه مبيح لا رافع، ولكن الأظهر أنه رافع، وثمرة الخلاف: أن من قال: أنه رافع فإن حكمه حكم الوضوء، فلو تيمم، واستمر ولم يحدث بعد ذلك، فإنه يصلي الصلوات المتعددة بذلك التيمم، كما يكون بالنسبة للوضوء، ومن يقول أنه مبيح، فإنه لا يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، بل إذا دخل الوقت فإنه يتعين عليه أن يتيمم للصلاة التي دخل وقتها، لكن الصحيح: أن التيمم رافع للحدث؛ لأنه قائم مقام الماء، فيكون رافعاً كما أن الماء رافع.وقد أورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فهذا هو لفظ حديث أبي ذر الذي أورده النسائي، ووجه الدلالة منه قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين)، بمعنى: أنه يصلي صلوات متعددة، لكن الاستدلال بالحديث على هذا غير واضح تماماً؛ لأن المقصود من قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين) معناه: أنه يتيمم ما لم يجد الماء، وله وجه لم يذكره المصنف، لكنه غير واضح؛ معناه: وإن طال الزمن، فإنه يستمر على التيمم.لكن الأظهر من كونه يصلي الصلوات الخمس، أو الصلوات المتعددة بتيمم واحد، لأنه بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل، فيمكن أن يستمر عليه إذا لم يجد الماء، ويمكن أيضاً أن يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، كما أنه يصلي صلوات متعددة بوضوء واحد.وقوله عليه الصلاة والسلام: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين) وفي بعض روايات الحديث عند بعض الأئمة: (فإذا وجد الماء، فليتق الله وليمسه بشرته) معناه: أنه إذا وجد الماء فإنه يمسه بشرته، بمعنى: أنه يغتسل، فإن هذه الفترة الطويلة التي مضت والماء لم يأت على جسده، فإنه يبادر إلى أن يمس جسده بالماء؛ لأنه مضى عليه وقت طويل وهو لم يمس بشرته الماء، فليغتسل ليزيل ما علق به من أوساخ، وأيضاً لإزالة آثار الجنابة إذا كان عليه جنابة، وكذلك أيضاً عندما يجد الماء فإنه يتعين عليه أن يتوضأ، وينتهي مفعول التيمم؛ لأن التيمم بدل عن الماء، فإذا وجد المبدل فإنه يسقط البدل.إذاً الأصل أن التيمم يقوم مقام الماء، فمتى لم يجد الإنسان الماء يتيمم، وإن مضى وقت طويل، فلا إشكال فيه، ما دام أن المبدل غير موجود الذي هو الماء، فإن البدل الذي هو التيمم يقوم مقامه، ولم يأت ما يدل على توقيته وأنه إذا مضى كذا فالحكم يختلف، بل الذي جاء في القرآن وجاء في السنة هو أن التيمم يقوم مقام الماء عند عدم وجود الماء وهو مطلق، فالأصل فيه: أنه حكم مستمر حتى يوجد الماء. تراجم رجال إسناد حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) قوله: [أخبرنا عمرو بن هشام].وعمرو بن هشام هذا هو الحراني، وهو ثقة خرج له النسائي وحده.[حدثنا مخلد].ومخلد هو ابن يزيد الحراني، وهو صدوق له أوهام، فقد خرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام، المحدث، الفقيه، المشهور، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين مثل: سفيان الثوري هذا، ومثل: شعبة بن الحجاج، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، والدارقطني، وأمثال هؤلاء هم الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع.[عن أيوب].وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي قلابة].وهو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن بجدان].عمرو بن بجدان قال عنه الحافظ: أنه لا يعرف حاله، وخرج له أصحاب السنن الأربعة.وقوله: (لا يعرف حاله) هكذا؛ جاء عن الإمام أحمد وعن بعض العلماء أنه قال: مجهول لا يعرف حاله، ومنهم من قال: بأنه ثقة، فقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه العجلي: أنه ثقة، وصحح حديثه الترمذي، فقال عن حديثه هذا: حديث حسن صحيح، وكذلك صححه جماعة من أهل العلم، وله شاهد من حديث أبي هريرة، فيكون عاضداً له ومؤيداً.إذاً: فالحديث ثابت، وعمرو بن بجدان منهم من وثقه، ومنهم من قال: إنه مجهول، وتصحيحه له يدل على الاحتجاج به، وممن صحح حديثه أيضاً من العلماء: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، وأبو حاتم، والنووي وجماعة من أهل العلم، كما ذكر ذلك الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل، فإنه ذكر سبعة من العلماء صححوا هذا الحديث، وقال: إنه صحيح، وله شاهد من حديث أبي هريرة.إذاً: عمرو بن بجدان منهم من جهل حاله، وهذا قول بعض أهل العلم، وقد وثقه بعض أهل العلم، وأيضاً له شاهد يقويه، ويزيده قوة، ويصير بذلك ثابتاً.[عن أبي ذر].أبو ذر هو الغفاري، وهو مشهور بكنيته، وأشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه أنه: جندب بن جنادة، وهو صحابي مشهور، له مائتان وواحد وثمانون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر أو تسعة عشر حديثاً. فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد شرح حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد.حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير وناساً يطلبون قلادة كانت لـعائشة نسيتها في منزل نزلته، فحضرت الصلاة، وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية التيمم، قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً)].أورد النسائي رحمه الله باب: فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد، يعني: ما وجد الماء، ولا البدل من الماء الذي هو الصعيد الذي يتيمم به، وهذا هو المقصود من الترجمة، لكن فيما يتعلق بالتراب، والصعيد الذي هو: التراب، اختلف هل يتعين التيمم بالتراب وما يتصاعد منه، أم أنه يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كان تراباً أو غير تراب؟اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن التيمم لا يكون إلا بالصعيد وهو التراب الذي يتصاعد منه الغبار، ومنهم من قال: إن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض، فالإنسان إذا كان في أي مكان سواء كانت ترابية، أو حجرية، فإنه يتيمم، ولا يترك ذلك حتى يجد التراب، والذين ذهبوا إلى تخصيص ذلك بالتراب استدلوا بما جاء في بعض الأحاديث: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) وبما جاء من ذكر الصعيد في الآية وفي بعض الأحاديث.والذين قالوا بأن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كانت تراباً، أو غير تراب، استدلوا على ذلك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الخصائص الخمس التي قال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)؛ لأنه قال: الأرض، فمعنى هذا: أن الإنسان في أي مكان من الأرض سواء كان عنده تراب، أو ليس عنده تراب فإنه يتيمم على الأرض التي هو فيها عندما يأتي وقت الصلاة، سواء كانت ترابية أو حجرية، فإنما عليه أن يضرب بيديه الأرض، ويمسح وجهه وكفيه، ولا يتعين التراب. وعلى هذا، فيكون التيمم بالتراب وغير التراب من أجزاء الأرض، كل ذلك سائغ وكل ذلك جائز، لكن الشيء الذي يمكن للإنسان هو أن يصلي على حسب حاله حيث لا يتمكن من التيمم على الأرض بأن يكون مثلاً الإنسان محبوساً، أو مصلوباً، أو ربط بسارية، ولم يتمكن من التصرف لا بالماء، ولا بالتيمم، فإنه يصلي على حسب حاله، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه) ويقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].فالحاصل: أن التيمم اختلف العلماء فيه هل يكون بالتراب أو أنه يكون بجميع أجزاء الأرض، والذي يظهر من عموم هذا الحديث الذي هو حديث الخصائص أنه يتيمم في أي جزء من أجزاء الأرض إذا حان وقت الصلاة وأراد أن يصلي؛ لأن هذا هو مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) يعني: بعد أن يتيمم.ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها لما كانت في سفر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام أنها فقدت عقداً لها، وأن أسيد بن حضير الأنصاري ومعه جماعة ذهبوا يبحثون عنه، ثم إنهم أدركهم وقت الصلاة، ولم يكونوا على وضوء، ولم يكن معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فأنزل الله آية التيمم فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] فمحل الشاهد من إيراد النسائي للحديث: أنه نزل منزلة عدم الماء منزلة قبل مشروعية التيمم، فمن لم يتمكن من الصعيد الذي يتيمم عليه فإن حاله مثل حال من كان قبل مشروعية التيمم؛ لأنه صلى على حسب حاله، والصلاة لا تسقط، بل الصلاة متعينة، وإن لم يجد الإنسان الماء، أو لم يستطع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتيمم، فالصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال، فلما كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم صلوا بغير وضوء، لأنه قبل ذلك لم يشرع التيمم، فكان الحال بعد فرض التيمم، وأن الإنسان إذا ما وجد الماء، ولا وجد التيمم، فإنه يكون حاله كحال هؤلاء الذين صلوا بغير وضوء قبل أن يشرع التيمم، هذا هو وجه إيراد النسائي لهذا الحديث بهذه الترجمة.والحديث ليس فيه فقد الاثنين معاً وإنما فيه أنهم فقدوا الماء، ومحل الشاهد: (وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء).قوله: (قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً).قول أسيد بن حضير: (جزاك الله خيراً)، يعني: يخاطب بذلك عائشة (فإنه ما نزل أمر تكرهينه إلا وجعل الله لك وللمسلمين منه خيراً) من المعلوم: أن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: لما حصل الانحباس بسبب عقدها، وأنهم ليسوا على ماء، وعاتبها أبو بكر، ولامها، وشدد عليها، ولا شك أن هذا فيه غضاضة عليها، وهو أمر تكرهه، ولكن صارت النتيجة بعد ذلك أن فرض الله تعالى التيمم، ولهذا قال أسيد بن حضير رضي الله عنه هذا الكلام، وقال كما سبق أن مر: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر) يعني: بل هي مسبوقة ببركات، وحصل بسببكم خير كثير، وهنا قال: جزاك الله خيراً يا عائشة، فلا يمتنع أن يقول هذا وهذا، وذلك الخير الذي حصل هو: مشروعية التيمم وكونهم عندما يعدمون الماء، أو لا يستطيعون استعماله لمرض أو لعدم قدرة عليه، فإنهم يتيممون، والتيمم يقوم مقام الوضوء. تراجم رجال إسناد حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وهو محدث، فقيه، مشهور، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأشخاص القلائل الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، والوصف العالي، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[أخبرنا أبو معاوية].أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي معاوية.[حدثنا هشام بن عروة].وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو عروة بن الزبير وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، الذين يأتي ذكرهم كثيراً في الأسانيد، وكثيراًيأتي ذكر عروة بن الزبير يروي عنه ابنه هشام ويروي عنه غيره.[عن عائشة].وعائشة هي خالة عروة لأن عروة هو ابن أسماء وأسماء هي أخت عائشة، وعائشة هي الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها التي روت عن النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير من الأحاديث، وهي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ستة من الرجال وواحدة من النساء وهي: عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالمقصود بزوجة النبي هي عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. شرح حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أن مخارقاً أخبرهم عن طارق (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: أصبت، فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر، يعني: أصبت)].ذكر النسائي حديث طارق، وهو ابن شهاب ذكره بهذه الترجمة وهي: باب إذا لم يجد الماء، ولا الصعيد. أورد فيه حديث طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه، أنه حكى (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أصبت، ثم جاءه آخر وقال: إنه تيمم، فقال له: أصبت)، مثلما قال للآخر. والمقصود من ذلك: أن الذي تيمم بسبب الجنابة قاس على حالة الوضوء، والذي لم يصل لم يستعمل القياس، فكونه (لم يصل)، ليس معنى ذلك أنه ما صلى أصلاً، وإنما أخر الصلاة مثلما حصل لـعمر عندما لم يصل لما كان مع عمار، أي: أخر الصلاة، لأن عمر قال: لا أصلي حتى أجد الماء، ومعنى هذا: أنه اجتهد وأخر الصلاة، وليس معنى ذلك أنه تركها وأنها سقطت عنه، فإن الصلاة لا تسقط، ولكنه اجتهد، ورأى أنه إذا لم يجد الماء فعليه أن يؤخر الصلاة حتى يجد الماء، فكل منهما أصاب من حيث الاجتهاد وحصول الأجر، لكن الذي أصاب السنة هو الذي اجتهد وتيمم، فإن هذا أدى ما عليه، وأما الذي لم يصل، وكونه اجتهد، فهو مأجور على الاجتهاد وإن كان مخطئاً، إلا أن المجتهد المخطئ مأجور على اجتهاده، والمجتهد المصيب مأجور على اجتهاده وإصابته. تراجم رجال إسناد حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر، يعني لم يخرج له في السنن.[حدثنا خالد].وهو ابن الحارث وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا شعبة].وشعبة هو ابن الحجاج، الثقة الثبت، الذي وصف بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد المحدثين القلائل الذين ظفروا بهذا الوصف الرفيع، واللقب المتميز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مخارق].مخارق هو ابن خليفة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، واختلف في اسم أبيه وهو: الأحمسي وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي.[عن طارق بن شهاب].وهو أيضاً الأحمسي وهو قد رأى النبي عليه الصلاة والسلام وروايته عنه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه شيئاً، ومن المعلوم أن رواية صغار الصحابة محمولة على الاتصال. المياه شرح حديث (إن الماء لا ينجسه شيء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المياه.قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقال عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وقال تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6].أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها، فذكرت ذلك له، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء)].أورد النسائي بعدما فرغ من الطهارة وما يتعلق بها، بدأ بهذا الباب الذي هو: كتاب المياه، وهو الذي تحصل به الطهارة الذي هو الماء، وقد أورد فيه بعض الآيات القرآنية التي فيها ذكر الماء والتطهير به، وذلك قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقوله: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11] وقال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6]، فإنه ذكر الماء في هذه الآيات الثلاث، وذكر في الآيتين الأوليين حصول التطهير به، ففي الآية الأولى: أنه طهور، وفي الثانية: أنه أنزله ليطهرنا به، وفي الثالثة: أنه قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] وهذا معناه: أن التطهر بالتيمم إنما يكون عند فقد الماء الذي هو الأصل فيما يتطهر به، والتيمم إنما هو بدل عنه عند عدمه، ولهذا قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] يعني: أنه إذا وجد الماء فإنه يحصل به التطهر، ولا ينتقل إلى التيمم إلا عند عدمه، وكذلك عند عدم القدرة على استعماله.ثم أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام اغتسلت من الجنابة، فتوضأ رسول الله عليه الصلاة والسلام بفضلها، فذكرت له ذلك فقال: (إن الماء لا ينجسه شيء) بمعنى: أن كون أثر الجنابة حصلت له، وأن المرأة في حال تطهرها من الجنابة تغمس يدها فيه، فإنه لا يؤثر ذلك على الماء شيء، لأن الماء لا ينجسه شيء.وهذه الجملة التي هي قوله: (إن الماء لا ينجسه شيء)، سيأتي في الأحاديث القادمة فيما يتعلق ببئر بضاعة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن التطهر بها، وهي يلقى فيها نتن وشيء من الجيف، ومع ذلك يتوضأ منها، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) لكن هذه الجملة، وهذه القاعدة العامة في الحديث جاء في بعض الروايات الضعيفة: (إلا ما غلب على لونه، أو طعمه، أو ريحه) وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أن العلماء أجمعوا على معناها، وهو: أن الماء إذا تغير بالنجاسة، سواء كان تغير الطعم، أو اللون، أو الريح، فإنه يكون نجساً، ولا يجوز استعماله، وقد أجمع العلماء على ذلك، وهذا بالنسبة للكثير والقليل.أما إذا كان الماء قليلاً فإن النجاسة تؤثر فيه، وإن لم تغير له لوناً، أو طعماً، أو ريحاً، كما سبق أن عرفنا ذلك في حديث القلتين، وكما سيأتي أيضاً حديث القلتين مرة أخرى. تراجم رجال إسناد حديث: (إن الماء لا ينجسه شيء) قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر هو: المروزي الذي يأتي ذكره كثيراً يروي عن عبد الله بن المبارك وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه .[حدثنا عبد الله بن المبارك].عبد الله بن المبارك وهنا نسبه وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد غير منسوب، فيقال: أخبرنا عبد الله وحدثنا عبد الله، والمقصود به: ابن المبارك، وإن لم ينسبه، لأنه معروف بالرواية عنه، بل يقال: هو راويته، وهو مروزي أيضاً، يعني: الاثنان مروزيان: سويد بن نصر مروزي، وعبد الله بن المبارك المروزي.وعبد الله بن المبارك قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة ثبت، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سماك].وهو سماك بن حرب وهو صدق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهذا الحديث من روايته عن عكرمة، لكن قد جاءت عدة أحاديث في معناه، وهي شواهد له، وهي ستأتي في الباب الذي بعد هذا، فيما يتعلق ببئر بضاعة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).إذاً: فهذا الحديث الذي في إسناده سماك وروايته عن عكرمة خاصة فيها اضطراب، يعني: هذا الحديث مما شهد له الأحاديث الأخرى في معناه، فهو ثابت، والحكم على ثبوته ليس من هذا الحديث وحده، بل لما جاء في أحاديث أخرى، فإذاً هو ثابت، وإن كانت رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب. __________________ |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (91) - (باب صلاة المغرب) إلى (باب فضل صلاة الجماعة) لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم للأمة ما افترض الله عليها من الصلوات، سواء في الحضر أو في السفر، ومما بيّنه أن المغرب ثلاث ركعات في السفر والحضر، كما بيّن أوقات كل صلاة. صلاة المغرب شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي المغرب ثلاث ركعات بجمع قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة المغرب.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: (رأيت سعيد بن جبير بجَمْعٍ أقام فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أقام فصلى -يعني: العشاء- ركعتين، ثم ذكر أن ابن عمر صنع بهم مثل ذلك في ذلك المكان، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك في ذلك المكان)].يقول النسائي رحمه الله: باب صلاة المغرب وأنها ثلاث ركعات، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بجمع، وهي المزدلفة المغرب ثلاث ركعات: (فقام وصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أقام وصلى العشاء ركعتين)، والمقصود من ذلك: أن الحديث اشتمل على أن المغرب ثلاث ركعات، وذكر سعيد بن جبير -الراوي عن عبد الله بن عمر- أن عبد الله بن عمر فعل في هذا المكان هذه الصلاة التي هي المغرب ثلاثاً، وبعدها العشاء ركعتين جمعاً وقصراً للعشاء، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام فعل في ذلك المكان، يعني: هذا العمل الذي هو الجمع مع القصر للعشاء، وأن المغرب على ما هي عليه في الحضر والسفر لا تقصر؛ لأنها وتر النهار، ولا يدخلها القصر، بل هي ثلاث ركعات، والرباعية هي التي تقصر وترجع إلى اثنتين بالقصر كما سبق أن مر ذلك في الأحاديث الماضية.وقبل أن نتكلم على إسناد الحديث نشير إلى رجل سبق أن مر في الأحاديث القريبة، وهو الوليد بن مسلم ذكرت، فيما مضى أنه الوليد بن مسلم الدمشقي، وهذا خطأ، وإنما هو الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري، وهو ثقة خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأبو داود والنسائي، هذا هو الراوي في الإسنادين الماضيين اللذين في أحدهما الوليد بن مسلم، وفي ثانيهما الوليد أبي بشر، فهو الوليد بن مسلم وكنيته أبو بشر، وأما الوليد بن مسلم الدمشقي فكنيته أبو العباس وهو ليس هذا، وما قلته فيما مضى هو خطأ، والصواب: أنه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري. تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي المغرب ثلاث ركعات بجمع قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو: الصنعاني، الذي يأتي ذكره كثيراً، يروي عن خالد بن الحارث، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ولا أبو داود في كتاب السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.[حدثنا خالد بن الحارث].شيخ محمد الصنعاني الذي يروي عنه في هذا الإسناد وفي أسانيد كثيرة مضت، فهو ثقة أيضاً، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وشعبة هو ابن الحجاج، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع، ولقب عال لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سلمة بن كهيل].سلمة بن كهيل هو الحضرمي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة؛ أصحاب الكتب الستة.[رأيت سعيد بن جبير الكوفي].وهو ثقة، ثبت، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن ابن عمر ].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، فإذا قيل العبادلة الأربعة، فالمراد بهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وممن يسمى عبد الله في الصحابة كثير، فإذا أطلق لفظ العبادلة فالمراد بهم هؤلاء الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، والذين عاشوا واستفاد الناس من علمهم وحديثهم، وعبد الله بن عمر أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي فضل صلاة العشاء شرح حديث: (أعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة العشاء.أخبرنا نصر بن علي بن نصر عن عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر رضي الله عنه: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم، ولم يكن يومئذ أحد يصلي غير أهل المدينة)].أورد النسائي: باب فضل صلاة العشاء، وأورد فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم بصلاة العشاء، يعني: أخرها عن أول وقتها، وهذا هو الإعتام، ويأتي في بعض الأحاديث إطلاق العتمة عليها؛ لأنها تؤخر، والرسول عليه الصلاة والسلام أخر العشاء حتى ناداه عمر وقال: (نام النساء والصبيان)، وهو يشير بذلك إلى الرغبة في أدائها، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم).وليس أحد يصلي غير أهل المدينة، والمقصود من فضلها أنها إذا أخرت فإن من كان في انتظارها فهو في صلاة ما دام ينتظرها، والرسول عليه الصلاة والسلام بين في بعض الروايات أنه لولا المشقة لأخرها، فدل هذا على فضلها، وأن انتظارها فيه أجر عظيم؛ لأن منتظر الصلاة هو في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، وتأخير صلاة العشاء مستحب إذا لم يترتب عليه مضرة، وإلا فإن الصلوات في أول وقتها أفضل، والرسول صلى الله عليه وسلم بين أن تأخير صلاة العشاء أفضل لولا ما يترتب عليه من المضرة بالتأخير على بعض الناس الذين يحتاجون إلى النوم والذين يغلبهم النوم. تراجم رجال إسناد حديث: (أعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان...) قوله: [أخبرنا نصر بن علي بن نصر بن علي].اسمه واسم أبيه مكرر مع اسم جده وجد أبيه؛ لأن جده أيضاً هو نصر بن علي، لكن إذا قيل: نصر بن علي بن نصر تبين بأنه الحفيد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الأعلى].هو ابن عبد الأعلى، واسمه مثل اسم أبيه، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثنا معمر].هو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وكلاب هو الذي يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب، وهنا قال: الزهري، وهو محمد بن مسلم، وهو محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، والذين هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأما عروة بن الزبير فهو أحد الفقهاء السبعة باتفاق؛ لأنه لا خلاف في عده في الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة رضي الله عنها].وهي: خالته؛ لأن عروة بن الزبير هو ابن أسماء بنت أبي بكر، وعائشة خالته، وهو يروي عن خالته رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي: الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى، وهي من أوعية العلم، وروت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هي الوحيدة من النساء التي هي ضمن السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ستة رجال وواحدة من النساء، وهم الذين ذكرتهم في بيتي السيوطي عند ذكر ابن عمر.والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوزوجة النبي هي: عائشة، فهي الوحيدة من النساء التي عُرفت بكثرة الحديث، وأما الرجال، فالستة الذين ذكرهم السيوطي في البيتين هم من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. صلاة العشاء في السفر شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة العشاء في السفر.أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة أخبرني الحكم قال: (صلى بنا سعيد بن جبير بجمع المغرب ثلاثاً بإقامة، ثم سلم، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم ذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فعل ذلك، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك)].وهنا ذكر النسائي باب صلاة العشاء في السفر، يعني: وأنها ركعتان تقصر، فقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر الذي مر قريباً، لكنه أورده من طريق أخرى، وفيه: أن ابن عمر صلى المغرب ثلاثاً بإقامة، وصلى بعدها العشاء، فقام وصلى العشاء ركعتين، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وهذا يعني: إضافة الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وابن عمر فعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث جمع في المزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وقصر الرباعية التي هي العشاء، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث؛ صلاة العشاء في السفر، أي: أنها ركعتان تقصر، حيث قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة في المزدلفة وهو مسافر، وصلاها ركعتين قصراً، مع جمعها مع المغرب بأذان واحد وإقامتين. تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].وهو الجرمي، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[حدثنا بهز بن أسد].وهو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، وقد مر ذكره قريباً.[أخبرني الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[صلى بنا سعيد بن جبير ... أن عبد الله بن عمر].وقد مر ذكرهما. حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع من طريق أخرى وبيان ما في إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة حدثنا سلمة بن كهيل سمعت سعيد بن جبير قال: (رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صلى بجمع، فأقام فصلى المغرب ثلاثاً، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في هذا المكان)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله في معناه، وكذلك في إسناده إلا في الحكم بن عتيبة فإنه جاء بدله سلمة بن كهيل، وسلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي هو الذي مر ذكره قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأما بقية رجاله فهم رجال الإسناد المتقدم، فـعمرو بن يزيد يروي عن بهز بن أسد العمي عن شعبة، ثم بعد ذلك سعيد بن جبير، وعبد الله بن عمر، والفرق بين الإسنادين إنما هو بـالحكم بن عتيبة في الإسناد الأول، وسلمة بن كهيل في الإسناد الثاني. فضل صلاة الجماعة شرح حديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الجماعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب فضل صلاة الجماعة، وفي بعض النسخ باب فضل صلاة الفجر، والأقرب أنها الفجر، وليست الجماعة؛ لأن الجماعة سيأتي لها أبواب تخصها، وهنا في هذا الكتاب الذي معنا، وفي هذه الأبواب ذكر الصلاة كلها إلا صلاة الفجر فإنه بدأ بالظهر، ثم أتى بالعصر، ثم أتى بالمغرب، ثم أتى بالعشاء، ثم الفجر، ولهذا في بعض النسخ: الفجر بدل الجماعة، وهي أقرب؛ لأن هذا مقتضى هذه الأبواب المتعددة التي شملت الصلوات كلها.فإذاً: الفجر هي واحدة منها.وإذا لم يكن هذا الباب لصلاة الفجر معناه أنها أهملت صلاة الفجر من بين الصلوات. ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون)، وهو يدل على صلاة الجماعة، ويدل على صلاة الفجر؛ لأن قوله: (ويجتمعون في صلاة العصر والفجر) يتعلق بصلاة الفجر، ويدل على فضلها؛ وذلك لأن الملائكة الذين يعرجون والذين ينزلون يجتمعون في هاتين الصلاتين، يلتقي القادمون، والذاهبون، والعارجون، فهذا يدل على فضل صلاة الفجر وعلى عظم شأنها.قوله: (يتعاقبون)، قيل: إن هذه الواو هي المعروفة بالكلمة المشهورة عند أهل اللغة لغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه يجمع بين الضمير والاسم الظاهر، مع أنه إذا جاء الاسم الظاهر يغني عن الضمير، ووجهوا ذلك بعدة توجيهات منها: (يتعاقبون)، ثم جاء البيان بقوله: (ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وقيل: إن الملائكة بدل من يتعاقبون، وأن الفاعل في يتعاقبون، وقيل: إنها على لغة: أكلوني البراغيث، والتي يجمع فيها بين الضمير وبين الاسم الظاهر.وجاء في بعض الروايات: (إن لله ملائكة يتعاقبون؛ ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وعلى هذا يكون كأن فيه رواية بالمعنى.ومن أمثلة ذلك في القرآن: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظلموا [طه:62]، فإن في هذا جمع بين الضمير والاسم الظاهر، وهذا يوضح أن ما جاء في الحديث مطابق لما جاء في الآية من ذكر الضمير والاسم الظاهر. تراجم رجال إسناد حديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...) قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد].وهو عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأبو الزناد هو لقب له على صيغة الكنية.[عن الأعرج].وهو عبد الرحمن بن هرمز، مشهور بلقبه الأعرج، ويأتي ذكره باسمه أحياناً، ولكنه يأتي كثيراً باللقب الذي هو الأعرج؛ لأنه مشتهر به، وسبق أن ذكرت فيما مضى أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر مرة بلقبه ومرة باسمه، فإن من لا يعرف يظن أن الأعرج غير عبد الرحمن بن هرمز وذلك إذا جاء هذا في إسناد وهذا في إسناد، ولكن من يعرف لا يلتبس عليه الأمر، يعرف أن هذا هو هذا، ذكر أحياناً بلقبه وأحياناً باسمه ونسبه، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً. شرح حديث: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر، واقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78])].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه اجتماع الملائكة في صلاة الفجر، وهنا الاقتصار على صلاة الفجر، وتلا الآية: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، يعني: القراءة في صلاة الفجر، وأنهم يشهدون هذه الصلاة التي تطول فيها القراءة، ونص عليها في القرآن: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، يعني: تشهده الملائكة، والقرآن المراد به القراءة، والتنصيص على صلاة الفجر وحدها يوضح أن الترجمة معقودة لفضل صلاة الفجر، وإن كان يدل على فضل صلاة الجماعة كما جاء في أوله: (تفضل صلاة الجمع على صلاة المنفرد بخمسة وعشرين جزءاً، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر، واقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78])، فهو يدل على أن الترجمة لصلاة الفجر، وليس فيه ذكر العصر، وقد جاء في الرواية الأخرى أن الاجتماع يكون في الفجر وفي العصر. تراجم رجال إسناد حديث: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً...) قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].كثير بن عبيد وهو: الحمصي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: خرج له أصحاب السنن إلا الترمذي، ولم يخرج له الشيخان البخاري، ومسلم.[حدثنا محمد بن حرب].هو الخولاني الحمصي أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، من أكبر أصحاب الزهري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن الزهري].وقد تقدم ذكره.[عن سعيد بن المسيب].وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، والذين ذكرتهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد تقدم ذكره. شرح حديث: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل حدثني أبو بكر بن عمارة بن رويبة عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)].أورد النسائي حديث عمارة بن رويبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)، والمقصود من ذلك قوله: (قبل طلوع الشمس) وهي: الفجر، والحديث سبق أن مر في فضل صلاة العصر، وهذا يوضح أن الترجمة هي لصلاة الفجر؛ لأن هذا الحديث نفسه سبق أن مر إيراده للاستدلال به على فضل صلاة العصر، وهنا جاء في فضل صلاة الفجر، والمقصود منه قوله: (قبل طلوع الشمس) التي هي الفجر؛ لأن المقصود بالصلاة قبل غروبها العصر، وقبل طلوعها الفجر، وهو يوضح أيضاً أن الأقرب، والأولى أن الباب هو باب صلاة الفجر كما ذكرته. تراجم رجال إسناد حديث: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب) قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ويعقوب بن إبراهيم].عمرو بن علي هو الفلاس، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويعقوب بن إبراهيم، هو الدورقي، وهو ثقة، وحديثه أيضاً عند أصحاب الكتاب الستة.[قالا: حدثنا يحيى بن سعيد].يحيى بن سعيد هو القطان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إسماعيل].إسماعيل هو ابن أبي خالد، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثني أبو بكر بن عمارة].هو أبو بكر بن عمارة بن رويبة، وهو مقبول، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أبيه].أبوه عمارة بن رويبة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني: بالإضافة إلى الذين خرجوا لابنه خرج له الترمذي. الأسئلة حكم الحديث الذي يسكت عنه الحافظ في الفتح السؤال: ما حكم ما سكت عنه ابن حجر في الفتح؟ وهل صرح بشرطه في ذلك؟الجواب: نعم، أشار إلى هذا في أول الفتح، أو في المقدمة؛ أن ما يورده للاحتجاج ويسكت عليه فإنه لا يقل عن الحسن. ترك صورة الصليب الموجود على السيارة السؤال: يوجد في مقدمة بعض السيارات الصليب واضحاً كاللواء، فما هو حكم ترك هذا الصليب على تلك السيارات؟الجواب : إذا كان الصليب واضحاً فلا يجوز تركه وإبقاؤه، ولكن ليس كل ما يظن أنه صليب هو صليب؛ لأن بعض الناس يظن أن كل خطين متقاطعين -مثل علامة زائد في الحساب- صليب، وهذا ليس بصحيح، يعني: استعمال مثل هذا لا يقال له: صليب، وإنما الصليب له هيئة معينة، وهي: أنه له أطراف أربعة، والطرف الأعلى هو أقصرها، والطرفان الأيمن والأيسر أقصر منه، والأسفل أطول، وأطرافها مدببة، يعني: أطراف هذه الرءوس مدببة.فليس كل ما يظن أنه صليب هو صليب، وليس كل خطين متقاطعين يقال له: صليب، وإذا كان على هيئة الصليب الواضح البين فلا يجوز إبقاؤه وتركه. المعنى الذي من أجله صار أبو الزناد لقباً وليس كنية السؤال: يا شيخنا! ذكرتم أن أبا الزناد لقب لـعبد الله بن ذكوان، وأهل اللغة يعرفون اللقب بأنه ما أشعر بذم أو مدح، والكنية ما تصدر بأب أو أم، فهل أبو الزناد أشعر بالذم أو بالمدح، أم أن هذا يخرج من القاعدة؟الجواب: ما أدري هل فيه مدح أو ذم، لأنه كما هو معلوم الألقاب بعضها يكرهها صاحبها ويشعر بنقص، وبعضها مدح، وهذا هو لقب على صيغة الكنية وليس بكنية. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول السؤال: هل نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول؟الجواب: التشهد الأول يخفف، والتشهد الأخير هو الذي يطول ويصلى فيه على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الإنسان إذا تأخر الإمام وأنهى الإنسان التشهد فله أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام. موضع سكن أهل الصفة السؤال: من هم أصحاب الصفة؟ هل كانوا يسكنون في المسجد النبوي أم خارجه؟الجواب: كانوا يسكنون في المسجد، يعني: في حجرة متصلة بالمسجد، يعني: كحجر الرسول عليه الصلاة والسلام.وليس الناس في حاجة إلى معرفة هذا المكان وتعيينه. حكم النوم في المسجد السؤال: ما حكم النوم في المسجد؟الجواب: النوم في المسجد جائز، ولكن لا يتخذ مسكناً، وإنما النوم به سائغ، وحديث علي رضي الله عنه في قصة تلقيبه بـأبي تراب دليل على ذلك، وهذا أيضاً لقب، أي: أبو تراب لقبه الرسول بـأبي تراب، وهو بلفظ الكنية، وكنيته أبو الحسن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان يحب ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (قم أبا تراب)، وكان نائماً في المسجد، وقد حصل له العرق، وعلق التراب بجسده رضي الله عنه وأرضاه عندما حصل بينه وبين فاطمة شيء من الكلام، فحصل أن غضب وخرج ونام في المسجد، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فاطمة، وقالت: إنه خرج، فذهب ووجده في المسجد نائماً، وإذا التراب قد علق في جسده، وقال له: (قم أبا تراب قم أبا تراب)، فالنوم في المسجد إذاً جائز، سواء كان معتكفاً، أو كان غير معتكف؛ لأن علياً رضي الله عنه نام هذه النومة التي نامها وليس بمعتكف. المحارم اللاتي يجوز مصافحتهن السؤال: من المحارم اللائي تجوز لنا مصافحتهن، ومن اللائي تحرم علينا مصافحتهن؟الجواب : المحارم اللاتي تحل مصافحتهن، وغيرهن لا تحل مصافحتهن، هن من تحرمن عليه على التأبيد: بنسب أو سبب مباح، فهذا هو المحرم.إذاً: المحرم للمرأة الذي له أن يسافر بها وتكشف له، ويصافحها هي التي تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، فإذا كانت الحرمة ليست على التأبيد، وإنما هي مؤقتة، كأخت الزوجة فليس بمحرم لها؛ لأن الرجل لا يجوز له أن ينكح أخت زوجته ما دامت أختها في عصمته، ولو طلقها، وخرجت العدة فله أن يتزوج أختها، فهي حرمة ليست على التأبيد، وإنما هي مؤقتة، وكذلك عمة المرأة وخالتها، يعني: اللاتي لا يجمع بينهن في النكاح فهذه حرمة مؤقتة وليست مؤبدة.وقولنا: بنسب كأخت وخالة وعمة، وقولنا: أو سبب كالرضاع والمصاهرة، وهن خمس عشرة من النساء، جاء ذكرها في القرآن في آية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، وقبلها: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، والآية التي بعدها: وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24]، يعني: هؤلاء هن اللاتي يحرم على الإنسان نكاحهن، ومن المعلوم أن المحصنات من النساء من المحارم التي يحرم على الإنسان أن يتزوجها، وإلا فهي أجنبية، ولكن لا يتزوجها وهي ذات زوج؛ لأن المزوجة لا تتزوج، فيحرم على الإنسان أن يتزوج مزوجة، فهؤلاء المحارم بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع -الأسباب الثلاثة- ومنها ما هو من المحارم، ومنها ما ليس من المحارم. نسبة تصحيح الحديث إلى ابن خزيمة بمجرد إخراجه للحديث في صحيحه السؤال: هل يكفي مجرد إخراج ابن خزيمة الحديث في صحيحه يقال: صححه ابن خزيمة، أم لابد أن يصرح فيه بالتصحيح؟الجواب : لا يحتاج إلى أن يصرح بالتصحيح؛ لأنه ما يصرح بالتصحيح، والكتاب اسمه الصحيح، لكنه أحياناً يقول: (إن صح الخبر)، يعني: يتردد، فإذا كان في صحيحه يقال: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. رأي الشيخ العباد في السيوطي وكتبه السؤال: فضيلة الشيخ! وفقكم الله ورعاكم، ما رأيكم في الحافظ السيوطي ومؤلفاته؟الجواب : السيوطي جَمّاع، يعني: صاحب جمع وعناية في الجمع، ومؤلفاته كثيرة، وعنده أمور منكرة، يعني: في بعض مؤلفاته، وغالبها فائدتها كبيرة، والذي فيه عليه مؤاخذات وفيه أغلاط من ذلك، ما جاء عنه في كتابه الحاوي للفتاوي -هذا الكتاب الحاوي فيه أشياء طيبة وأشياء غير طيبة، ومن ذلك قوله أو ما جاء عنه- أن الله أحيا أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهما آمنا به، فصارا مسلمين، ومعلوم أنه ما ثبت في ذلك شيء أصلاً، وكتبه كثيرة جداً، وغالبها سليمة. صحة القول بأن السيوطي قبوري السؤال: هل السيوطي قبوري؟الجواب: لا أعرف، وما أتذكر عنه شيئاً حول مسألة القبور، أو كلامه فيها، أو كونه من الذين عندهم غلو أو مخالفات. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (92) - (باب فرض القبلة) إلى (باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد) لقد كان الصحابة أشد الناس امتثالاً واتباعاً لما جاء عن الرسول الكريم، وتجلى ذلك عند تحولهم من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة وهم في الصلاة حين أخبروا بأن القبلة قد حولت، واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ومن اليسر الذي جاءت به الشريعة جواز التنفل على الراحلة في السفر وعدم استقبال القبلة في السنن والرواتب خلافاً للفرائض. فرض القبلة شرح حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض القبلة.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثنا أبو إسحاق عن البراء رضي الله عنهما قال: (صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، شك سفيان، وصرف إلى القبلة)].يقول النسائي رحمه الله: باب: فرض القبلة، المقصود من ذلك: هو إيجاب استقبال الكعبة المشرفة، التي وجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قدم المدينة، وكان عليه الصلاة والسلام، لما فرضت عليه الصلوات الخمس بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات يصلي إلى بيت المقدس، ثم لما هاجر إلى المدينة صلى سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً، ثم إنه حول وصرف إلى الكعبة المشرفة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة، صلى إلى بيت المقدس نحواً من ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم إنه صرف إلى الكعبة المشرفة فاستقبلها، وصارت هي قبلة المسلمين التي حولوا إليها بعد أن كانوا قبل ذلك يتجهون إلى بيت المقدس، وصارت الكعبة المشرفة في مكة المكرمة هي قبلة المسلمين يستقبلها الناس من كل مكان، فالذين هم عندها يستديرون حولها، والذين هم في أقطار الأرض يتجهون إليها. تراجم رجال إسناد حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].ومحمد بن بشار، هو الملقب بـبندار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأن وفاته قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، حيث توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، القدوة، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسبق أن ذكرت الكلمة التي قالها الذهبي عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص، فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما معتبر، ولا يكاد يخطئ، بل هما مصيبان إذا اتفقا على جرح شخص، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].وسفيان هنا مهمل غير منسوب، وهذا يسمى عند المحدثين في أنواع علوم الحديث المهمل، أي: الذي يذكر اسمه ولا يذكر نسبه ولا اسم أبيه، أو يذكر اسمه واسم أبيه، ولكن يشترك معه أشخاص في الاسم واسم الأب ويفترقون فيما وراء ذلك، هذا يسمى المهمل، ومعرفة تمييز المهمل ونسبته تعرف: بالتلاميذ والشيوخ بكون الإنسان مكثراً عنه إذا اتفق في الأخذ عنه، فينظر من له به اختصاص ومن له ميزة، وهنا سفيان يحتمل: ابن عيينة ويحتمل: الثوري، ويحيى بن سعيد القطان روى عن سفيان بن عيينة، وعن سفيان الثوري كليهما، وأبو إسحاق السبيعي روى عنه السفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، فروى السفيانان عن أبي إسحاق السبيعي، وروى يحيى القطان عن السفيانين.وإذاً: فكيف يميز أحدهما وقد اتفقا في أن يحيى القطان أخذ عنهما، وأنهما أخذا عن أبي إسحاق السبيعي؟ ينظر لمن له اختصاص من حيث القرب والاتصال.فإذا نظرنا إلى الثوري وجدنا أنه كوفي، ووجدنا أن أبا إسحاق السبيعي كوفي، ويحيى القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخ سفيان في الإسناد هو أبو إسحاق السبيعي وهو كوفي، وسفيان بن عيينة مكي، معنى هذا: أن يحيى بن سعيد القطان يروي عن سفيان في حال سفر، وأما بالنسبة للثوري فإنه عنده؛ لأن البصرة قريبة من الكوفة، ثم أيضاً من ناحية أن سفيان الثوري هو من أهل الكوفة، وشيخه أبو إسحاق السبيعي من أهل الكوفة، فإذاً: الأقرب أن يكون سفيان الثوري، لكن كما عرفنا: إذا تردد الأمر بين شخصين وهما ثقتان فلا يؤثر لو جهل تعيين أحدهما فإن الإسناد صحيح، سواء كان هو هذا أو هذا؛ لأن كلاً من السفيانين من الثقات الأثبات الأجلاء، لكن من حيث الاحتمال الأقرب، وقد اتفقا في أن القطان أخذ عنهما، وأنهما أخذا عن أبي إسحاق السبيعي، يكون من كان من أهل البلد أو قريباً من البلد أولى، فإذاً: الأولى أن يكون سفيان الثوري وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، المحدث، الفقيه، وهو ممن وصف بأمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، منهم: سفيان الثوري، وسفيان الثوري خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع بطن من همدان، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة يدلس، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن البراء].وهو البراء بن عازب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن أبيه؛ لأنه صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وقد قال في آخر الحديث: شك سفيان، الذي قلنا: إن الأرجح أن يكون الثوري، هو الذي شك وتردد بين سبعة عشر أو ستة عشر، يعني: المدة التي صلاها رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمون معه بعدما هاجروا إلى المدينة إلى بيت المقدس، وبعدها حولوا إلى الكعبة المشرفة. شرح حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا إلى الكعبة)].أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، ولكن لا يوجد شك بين الستة عشر والسبعة عشر شهراً وإنما هي ستة عشر، وهذا من طريق أبي إسحاق السبيعي، لكن من غير طريق سفيان، وإنما من طريق زكريا بن أبي زائدة الكوفي، ففيه الجزم بأنها ستة عشر شهراً، فهذا يقوي أحد الاحتمالين اللذين شك فيهما سفيان، وهو الستة عشر شهراً.ثم ذكر في آخر الحديث أنه ذهب رجل إلى جماعة من الأنصار وهم يصلون، فأخبرهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل عليه القرآن وأنه وجه إلى الكعبة، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم في صلاتهم، فكانوا ابتدءوها إلى جهة بيت المقدس، وأكملوها إلى جهة الكعبة؛ وذلك باستدارتهم من جهة الشمال إلى جهة الجنوب، والإمام كما هو معلوم كان في جهة الشمال، ولا شك أنه اتجه وخرق الصف وتقدمهم، وأكمل بهم الصلاة إلى جهة الكعبة، وهذا يدل على أن فعلهم الذي فعلوه من كونهم استداروا واتجهوا إلى الكعبة، يدل على سرعة امتثالهم واتباعهم لما جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن قيامهم بذلك، إنما حصل بعد تحققهم من حصول ذلك الخبر بواسطة ذلك الشخص الذي جاء وأخبرهم. وفيه دليل على الأخذ بأخبار الآحاد، وأن الشخص الواحد إذا أخبر بخبر، أو حدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يعتمد ويعول عليه، وكان هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه علم بذلك، وأنه قد أقره، فحصول ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وبفعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، يدل على اعتبار خبر الواحد وقبوله، وأنه حجة يعول عليه؛ لأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبلوا خبره واتجهوا إلى الكعبة، وكانوا قبل ذلك في أول صلاتهم متجهين إلى بيت المقدس.وفيه دليل على أنه إذا جاء الحكم الشرعي فإنه يعتبر بعد العلم به وليس قبل ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى وهم صلوا متجهين إلى بيت المقدس بعدما حصل النسخ، لكنهم ما علموا إلا في أثناء الصلاة، ومن أجل ذلك استداروا، فكان جزء من صلاتهم التي كان أولها إلى بيت المقدس، ولكنه بعدما حصل النسخ، لكن علمهم بالناسخ هو الذي تأخر، فهذا يدل على أن الذي أخذ بالمنسوخ وعمل به، ثم جاء الناسخ؛ فإنه معذور في عدم عمله بالناسخ بعد ثبوته وقبل علمه، أي: علم ذلك الشخص الذي بلغه الخبر فاستدار إلى الكعبة، ولو كان الأخذ بالمنسوخ أو الأخذ بالناسخ من حيث ثبوته، لكان عليهم أن يعيدوا الصلوات التي صلوها قبل ذلك، وأن يستأنفوا تلك الصلاة التي هم في آخرها، لكن لما استداروا في آخرها، وكان أولها إلى بيت المقدس، وكان النسخ قد حصل قبل صلاتهم، دل ذلك على أن المعتبر هو وقت علمهم بالناسخ. تراجم رجال إسناد حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر من طريق أخرى قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، أبوه إسماعيل وهو المشهور بـابن علية؛ لأن هذا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، والمعروف بـابن علية وهو إسماعيل، يعني: معروف بنسبته إلى أمه، يقال له: ابن علية، وهو مشهور بهذه النسبة، فابنه هذا هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. ومحمد هذا ثقة خرج له النسائي وحده، لكن هناك شخص آخر ابن لـإسماعيل، وهو سيئ وجهمي ومنحرف عن مذهب أهل السنة، وهو: إبراهيم بن إسماعيل، ذاك لما ترجم له الذهبي في الميزان قال: جهمي هالك، وهو الذي عرف بالشذوذ في مسائل الفقه، حيث يقال: قال فيها ابن علية، وليس المقصود ابن علية الذي هو الأب؛ الذي هو إسماعيل؛ فهو إمام من أئمة أهل السنة، ثقة، ثبت، وأما الذي يقال له: ابن علية، وله في مسائل الفقه شذوذ، فهو إبراهيم بن إسماعيل أخو محمد هذا الذي معنا.ومن المسائل التي شذ فيها هو وأبو بكر الأصم، أن الإجارة حرام لا تجوز. وكيف يستغنى عن الإجارة؟ ما أحد يستغني عن الإجارة أبداً؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الناس، والناس ما يقومون ببذل ما عندهم بالمجان. والقرآن جاء أيضاً في شرع من قبلنا في قصة الخضر وموسى: قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله، وكذلك المسلمون اتفقوا عليها، ولم يخالف فيها إلا ابن علية الجهمي، وأبو بكر الأصم المعتزلي، وهما من أهل البدع، فقد أنكرا الإجارة وقالا: إنها لا تصح ولا تجوز، وهذا شذوذ واضح.[حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق].إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زكريا بن أبي زائدة].هو زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتبة الستة.[عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا. الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة.أخبرنا عيسى بن حماد زغبة وأحمد بن عمرو بن السرح والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أيِّ وجهٍ تتوجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة، يعني: كون الإنسان يصلي إلى غير جهة الكعبة، والمقصود منه هو: لما ذكر أن استقبال الكعبة فرض، وأنه واجب؛ وأن الناس يستقبلون القبلة، لكن جاءت السنة ببعض الحالات التي يجوز فيها استقبال غير القبلة، فأورد النسائي في ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه تتوجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)، يعني: على الراحلة، ويتجه إلى غير القبلة، فدل هذا الحديث على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتنفل، وهو على راحلته، ويسبح بمعنى يتنفل؛ لأن السبحة هي صلاة النافلة، ولهذا جاء في أثر ابن عمر: (لو كنت مسبحاً لأتممت) يعني: بدلاً ما أصلي ركعتين في السفر أصلي أربعاً.ثم أيضاً قضية الصلاة في مزدلفة، فإنه لم يسبح بين المغرب والعشاء، يعني: التسبيح هو النافلة، وجاء في بعض الأحاديث: سبحة الضحى، يعني: نافلة الضحى، فالسبحة هي النافلة، والتسبيح هو صلاة النافلة، هو يسبح يعني: يصلي النافلة، هذا هو المقصود بالتسبيح هنا، (كان يسبح على راحلته أينما توجهت)، يعني: في النوافل، وهذا فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتنفل في سفره النوافل المطلقة، وكان يستقبل غير الكعبة، لكن جاء في بعض الأحاديث: أنه في البداية يتجه إلى الكعبة، ثم يتجه إلى الجهة التي هو متجه إليها، ويصلي أينما توجهت راحلته على وجهتها، هذه هي السنة التي جاءت في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم كان يسبح ويوتر، يعني: ويصلي الوتر عليها، أما الفريضة فإنه كان ينزل، إذا جاء الفرض نزل وصلى، ولهذا جاء في الحديث: (غير أنه لا يصلي عليها الفريضة)، يعني: على راحلته، وإنما ينزل بالأرض، ويصلي متجهاً إلى القبلة، وهذا مما تتميز فيه الفرائض عن النوافل، الفرائض لا يجوز التنفل فيها متجهاً إلى غير القبلة، ولا يجوز الصلاة على الراحلة، وإنما عليه أن ينزل، وأما بالنسبة للنافلة فيجوز أن يصلي على الراحلة، ويجوز أن يصلي متجهاً إلى أي جهة كانت، يعني: غير الكعبة، فهذه من الأحكام التي تختلف فيها الفرائض عن النوافل؛ لأن الفريضة من شرطها أن يتوجه فيها إلى القبلة، وأما النافلة ليس من شرطها، بل يجوز أن يتوجه إلى غير القبلة.ثم قوله: (ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها الفريضة)، يدل على أن الوتر ليس بفرض ولا واجب، وإنما هو سنة مؤكدة أنه لا يصلي عليها الفريضة، هو وركعتا الفجر، وقد كان يحافظ عليهما عليه الصلاة والسلام في الحضر والسفر، وما كان يتركهما لا في حضر ولا في سفر، بل كان يحافظ عليهما، وهذا يدل على تأكدهما، والتساهل بالنوافل قد يكون ذريعة إلى التساهل في الفرائض، والمحافظة على النوافل هو وقاية للفرائض، وهو تكميل للفرائض لحديث: (أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن وجدت ناقصة قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به). تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد زغبة].عيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، هؤلاء ثلاثة شيوخ للنسائي روى عنهم هذا الحديث، وجمعهم في هذا الإسناد، وكلهم مصريون، عيسى بن حماد زغبة وهو مصري ثقة، خرج حديثه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[وأحمد بن عمرو بن أبي السرح].هو أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أيضاً مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، فالذين خرجوا لـعيسى بن حماد زغبة، هم الذين خرجوا لـأحمد بن عمرو بن أبي السرح المصري. [و الحارث بن مسكين].هو الحارث بن مسكين المصري، ثقة، فقيه، وحديثه خرجه أبو داود، والنسائي فقط، ما خرج له البخاري، ولا مسلم، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه.(قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له).يعني: اللفظ الموجود الذي هو متن الحديث لفظ الحارث بن مسكين، وأما لفظ عيسى بن حماد زغبة وأحمد بن عمرو بن أبي السرح فهو لفظ آخر، فيه اختلاف.[عن ابن وهب].هو ابن وهب، وهو: عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يونس].هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، محدث، فقيه، معروف بكثرة رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة وتدوينها، ولهذا يقول فيه السيوطي: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمراً له عمر وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سالم].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هو ثقة فاضل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن ستة متفق عليهم، والسابع مختلف فيه، فأحد الأقوال: أنه سالم بن عبد الله بن عمر هذا، والقول الثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والقول الثالث: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، هؤلاء فقهاء سبعة في المدينة، مشهورين في عصر التابعين، اشتهروا بالفقه والحديث، وأطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وسالم هذا هو أحدهم، وهو السابع على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن أبيه].وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهم في زمن متقارب، وهم من صغار الصحابة، وإذا أطلق لفظ: العبادلة في الصحابة فالمراد به هؤلاء الأربعة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفقوله: أبو هريرة يليه ابن عمر، فـابن عمر هو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم. شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى عن يحيى عن عبد الملك حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة، وفيه أنزلت: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115])].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنه، من طريق أخرى وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته، وهو مقبل من مكة إلى المدينة)، معناه أن مكة وراءه، ومتجه إلى المدينة، فهو يصلي إلى جهة المدينة؛ لأنه مسافر إليها، ومن المعلوم أن الصلاة التي يصليها هي النافلة وليست الفريضة، كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث؛ لأن الفريضة لا يجوز صلاتها على الراحلة، ولا يجوز صلاتها إلى غير القبلة، بل يجب النزول عند أدائها إلى الأرض لمن كان راكباً، وأن يتجه إلى الكعبة المشرفة، وهنا ما ذكر من إطلاق الصلاة، محمول على النافلة، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عبد الله بن عمر. قال: وفيه أنزل قوله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، ومعناه: أن الإنسان أينما صلى بالنسبة للنافلة فهو مصيب الوجهة التي يتجه إليها، وهذه الآية فيها خلاف بين العلماء، هل هي من آيات القبلة؟ أو أنها ليست من آيات القبلة؟! بل وهل هي من آيات الصفات؟ فمن العلماء من قال: إنها من آيات الصفات، والمراد الوجه هو وجه الله، ومنهم من قال: إن المقصود من ذلك الوجهة هي الكعبة، القبلة. تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثانية قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس، وهو ثقة، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ومحمد بن المثنى، هو: العنزي أبو موسى الملقب بـالزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، مثل محمد بن بشار، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى].يحيى هو ابن سعيد القطان. [عن عبد الملك].هو ابن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سعيد بن جبير].هو سعيد بن جبير المكي، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].ابن عمر قد مر ذكره. شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثالث قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به)، قال مالك: قال عبد الله بن دينار: وكان ابن عمر يفعل ذلك].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي النافلة على راحلته أينما توجهت به)، يعني: معناه أنه يصلي إلى غير القبلة، وهذا إنما هو في النافلة كما هو واضح، وكما يدل عليه الحديث، بخلاف الفريضة، فقد جاء بيانها في الرواية السابقة، وهو (أنه كان لا يصلي عليها الفريضة) على الراحلة. تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثالث قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أبو عبد الله، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن دينار].وهو المدني مولى عبد الله بن عمر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].وهذا الحديث من الرباعيات، من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي هو الرباعي، الذي فيه بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وهم قتيبة، ومالك، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن عمر، أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو رباعي، والإسناد الرباعي هو أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي ثلاثيات، بل أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا منها.والأئمة الذين عندهم ثلاثيات هم:البخاري، وابن ماجه ، والترمذي، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً، والترمذي، عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات وليس عندهم ثلاثيات. استبانة الخطأ بعد الاجتهاد شرح حديث ابن عمر في تحول الناس بقباء عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة في صلاة الصبح قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبِلوُها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب: استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، هذه الترجمة لا أفهم المراد منها مع الحديث الذي أورده؛ لأن الحديث الذي أورده: (أن أهل قباء كانوا يصلون الصبح، وبينما هم في أثناء صلاتهم، إذ أتاهم آتٍ وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد وجه إلى القبلة، فاستقبلوها، فانحرفوا إلى الكعبة)، يعني: استداروا إليها، بدل ما كانت وجوههم إلى الشام، في أول الصلاة، صارت وجوههم في آخر الصلاة إلى الكعبة، فلا أدري إذا كان يقصد النسائي بإيراد هذا الحديث: كونهم قبل ذلك كانوا يصلون بعدما وجد الناسخ، ولكنه ما بلغهم، ثم بعدما بلغهم تحولوا، فيكون استبانة الخطأ على اعتبار أن صلاتهم كان أولها إلى قبلة منسوخة، لا أدري هل مراده هذا، أو ما هو وجه إيراده الحديث؟ لأن كونه حصل خطأ، معناه أن العمل غير مطابق للسنة بعدما وجد الناسخ، لكن ما وجد عندهم العلم إلا في أثناء الصلاة، فالذي حصل منهم أولاً كان مبنياً على الأصل، وهو الأخذ بالمنسوخ، والناسخ جاء بعد ذلك فتحولوا حين بلغهم ذلك.والحديث دل على تعيين أن الصلاة التي حصل فيها التحول من جهة الشام إلى جهة الكعبة في قباء، وهو ثابت في الصحيحين، فكما جاء في حديث عبد الله بن عمر هنا، والحديث الذي هو إتيان الخبر إلى أهل قباء وهم في صلاتهم، وأنهم اتجهوا إلى الكعبة، هذا خرجه البخاري، ومسلم.وأما الإسناد هو نفس الإسناد الذي قبل هذا، وهو إسناد رباعي: قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، وهو رباعي أيضاً، كما هو واضح. والله أعلم. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب المواقيت (93) - (من أول الكتاب) إلى (باب تعجيل الظهر في السفر) من فضل الله على عباده أن شرع لهم الصلاة، وخففها من خمسين صلاة إلى خمس صلوات، وجعل أجر الخمس كأجر خمسين، ولها مواقيت معلومة بينها جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أمَّ به في بداية وقت كل صلاة ونهايته، وخففت عن المسافر وغيره من أهل الأعذار بجمعها تقديماً وتأخيراً وقصراً. كتاب المواقيت شرح حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي لتعليمه مواقيت الصلوات قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب المواقيت.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئاً، فقال له عروة: أما إن جبريل عليه السلام قد نزل فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: اعلم ما تقول يا عروة، فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات )].يقول النسائي رحمه الله: كتاب المواقيت, أي: مواقيت الصلاة، والمراد من ذلك: أن كل صلاة من الصلوات الخمس لها وقت محدد, لا تتقدم عنه ولا تؤخر عنه، ولو قدمت عن وقتها فإنها لا تصح، وتكون باطلة، إلا إذا كان الجمع جمعاً سائغاً ومشروعاً، كالجمع في السفر، وجمع المريض، وما إلى ذلك مما جاءت به السنة في أن الصلاتين يجمع بعضهما إلى بعض، وذلك بالنسبة للظهر والعصر، وللمغرب والعشاء، والصلوات الخمس لها مواقيت محددة، لها بداية ولها نهاية، وقد جاء ذلك مبيناً من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن قوله، وجاء في هذا الحديث الذي أورده النسائي: أن جبريل أمه في الصلوات الخمس كلها، وكان ذلك في يومين، فأمه في يوم وكانت كل صلاة تصلى في أول وقتها، وأمه في يوم وكانت كل صلاة تصلى في آخر وقتها، فبين له أن الصلاة تكون بين هذين الوقتين، البداية والنهاية، وكل صلاة فإن وقتها ينتهي بدخول وقت الصلاة التي بعدها، إلا الفجر فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى الزوال ليس وقتاً من أوقات أداء الصلاة، ولكن الظهر وقتها يبدأ من الزوال وينتهي بدخول العصر، ويبدأ وقت العصر، ويكون الوقت الاختياري إلى اصفرار الشمس، أو صيرورة ظل كل شيء مثليه، ووقت الاضطرار إلى غروب الشمس، والمغرب وقتها من الغروب إلى دخول وقت العشاء، ووقت العشاء يبدأ من انتهاء وقت المغرب وهو غيبوبة الشفق ثم يستمر اختياراً إلى نصف الليل، وبعد نصف الليل إلى طلوع الفجر هذا وقت اضطراري.وقد جاء في بيان الوقت الاضطراري, قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة التي بعدها)، فهذا يدل على أن كل صلاة يمتد وقتها إلى أول وقت الصلاة التي بعدها، ويستثنى من ذلك الفجر، فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، والصلاة التي بعدها الظهر تبدأ بزوال الشمس، والمدة التي بين طلوع الشمس وبين زوالها ليس وقتاً من أوقات الصلوات، وأما الصلوات التي لها أوقات اختيارية واضطرارية، فهي العصر والعشاء، العصر إلى اصفرار الشمس، أو بلوغ ظل كل شيء مثليه، والعشاء إلى نصف الليل اختياري، وإلى طلوع الفجر هو الوقت الاضطراري.فالصل� �ات لها أوقات قد جاء تحديدها في السنة المطهرة، فلا يجوز تقديمها عن أوقاتها، ولا يجوز تأخيرها عن أوقاتها، وإذا أخرت عن أوقاتها وكان ذلك عمداً فيحصل الإثم، ويكون الإتيان بها بعد ذلك قضاء، وأما قبل وقتها فإذا أديت فإن ذلك لا يصح؛ لأن من شرطها أن تكون في وقتها، وأداؤها لا يتقدم وإن وقع قبل ذلك فلا يصح, وإن تأخر عن ذلك يكون قضاء وليس أداء؛ لأن الأداء إنما هو في الوقت.وقد أورد النسائي حديث أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمه جبريل في الصلاة، قال: فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، حتى عد خمس صلوات)، يعني: أنه صلى الصلوات الخمس مع جبريل، وكان ذلك في يومين، يوم يكون في ابتداء الوقت ويوم يكون في انتهائه، والصلاة تكون بين الوقتين، الابتداء والانتهاء.وقد جاء في إسناد الحديث: أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخر الصلاة بعض الشيء، فقال له عروة: إن جبريل نزل وصلى إماماً برسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له: اعلم ما تقول، يعني: أن الذي تقوله يجب أن يكون مبنياً على علم، فبين له وساق له الحديث الذي رواه عن ابن أبي مسعود عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه، وذكر إمامة جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، وبيان أول الأوقات وآخرها له عليه الصلاة والسلام.فمقصود عروة: أن شأن الصلاة وأوقاتها شأن عظيم، وأن جبريل نزل وحدد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بالفعل، حيث صلى في يوم من الأيام كل صلاة في أول وقتها، وصلى في اليوم الثاني كل صلاة في آخر وقتها وقال: (الصلاة بين هذين الوقتين).فالمقصو د منه: أن شأن الصلاة عظيم، وأن التنبه للأوقات، ومراعاة الأوقات، والاحتياط فيها أمر مهم؛ لأن جبريل نزل لهذه المهمة وهي تحديد المواقيت. تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي لتعليمه مواقيت الصلوات قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].هو المصري، الفقيه, المحدث, المشهور, فقيه مصر, ومحدثها، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده شهاب، وينسب إلى جده زهرة، فيقال: الزهري، ويقال: ابن شهاب، وهو فقيه محدث مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين.(أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر).عمر بن عبد العزيز ليس راوياً في الإسناد، وإنما جاء ذكره؛ لأن التحديث بالحديث كان بمناسبة تأخيره الصلاة يوماً من الأيام، فهو ليس من الرواة في الإسناد، وعمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد، المعروف بتقواه وبعلمه وفضله وحديثه، وهو من رواة الحديث وأهل الفقه، ويذكر رأيه في المسائل الفقهية في كتب الفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من الرواة في الإسناد الذي معنا، وإنما من رواته الزهري يروي عن عروة؛ لأن عروة هو الذي حدثه.[عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[بشير بن أبي مسعود].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا الترمذي.[عن أبيه].عقبة بن عمرو الأنصاري, وهو صحابي مشهور, رضي الله تعالى عنه وأرضاه.الصحابة لا يحتاج إلى أن يقال فيهم: ثقات، وإنما يكفي أن يقال عنه: إنه صحابي، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي مسعود، ويأتي في بعض الأحيان أبو مسعود فقط، وهو يلتبس بـابن مسعود، وابن مسعود يأتي ذكره، وأبي وابن متقاربة، وأحياناً يحصل التصحيف بين ابن وأبي.ومما حصل فيه التصحيف بين ابن مسعود وأبي مسعود، حديث: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، هذا حديث رواه أبو مسعود هذا، ولما ذكره في سبل السلام، قال: عن ابن مسعود، فحصل التصحيف أو الخطأ في الطباعة، فهو أبو مسعود لكن للتقارب بين اللفظين أبي وابن، وكل منهما مشهور, فيحصل أحياناً في المطابع الخطأ بين: أبي مسعود وابن مسعود, وأبو مسعود الأنصاري هو صحابي, حديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أول وقت الظهر شرح حديث أبي برزة الأسلمي في وقت صلاة الظهر قال المصنف رحمه الله تعالى: [أول وقت الظهر.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة حدثنا سيار بن سلامة قال: ( سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: أنت سمعته؟ قال: كما أسمعك الساعة، فقال: سمعت أبي يسأل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان لا يبالي بعض تأخيرها -يعني: العشاء- إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها، قال شعبة: ثم لقيته بعد فسألته، قال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية، والمغرب لا أدري أي حين ذكر، ثم لقيته بعد فسألته، فقال: وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ) ].أورد النسائي حديث: أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه, الذي يبين فيه صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عنها، سأله سلامة أبو سيار، وسلامة ليس من رواة الحديث، وإنما الذي من الرواة هو سيار، وأبوه كان يسأل أبا برزة، وأبو برزة يحدثه: فذكر أبيه لكونه السائل، لا لكونه من الرواة، وإنما الراوي هو سيار, يروي عن أبي برزة، وهو الذي سمع أبا برزة يجيب أباه، عندما سأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.فكان من جواب أبي برزة رضي الله تعالى عنه: أنه كان لا يبالي بتأخيرها -يعني: العشاء- إلى نصف الليل، الذي هو نهاية الوقت الاختياري، وهذا فيه أن صلاة العشاء وقتها يمتد ويصل إلى نصف الليل, ولكن هذا في الاختيار، أما في الاضطرار فلا تؤخر عن نصف الليل إلا لضرورة، وإذا جعلت بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر، ففعلها أداء وليس بقضاء؛ لأنه إلى طلوع الفجر هو وقت لها، لكنه من نصف الليل إلى طلوع الفجر اضطراري، ما يؤخرها الإنسان إلا إذا كان مضطراً، وتأديتها في ذلك الوقت هو أداء وليس قضاء.قوله: (ولا يحب النوم قبلها).يعني: ما كان يحب النوم قبل صلاة العشاء؛ لأن ذلك يؤدي إلى فواتها؛ لأن الوقت بين المغرب والعشاء قصير، وإذا نام الإنسان قد تفوت عليه صلاة العشاء، فكان يكره ذلك لما يترتب عليه التعريض لفوات صلاة العشاء.قوله: (ولا الحديث بعدها).يعني: الاشتغال بعدها والسمر بعدها؛ وذلك لما يترتب عليه من النوم عن صلاة الليل إذا كان من عادته أن يصلي الليل, أو عن صلاة الفجر بحيث يكون سهره في أول الليل سبباً في نومه وقت صلاة الفجر فتفوته الصلاة، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا كان هناك أمر يقتضي هذا، كما جاء عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسمر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر هذا في كتاب العلم من صحيح البخاري.والمقصو� �: أن كراهية النوم بعدها لما يترتب عليه من فوات، ولكن هذا مخصوص بما إذا كان لمصلحة تنفع المسلمين، ولا يترتب على ذلك مضرة فوات صلاة الفجر؛ لأن كون الإنسان يشتغل بأمور مستحبة، ثم يترتب على ذلك تفويت فرض لازم، هذا من الخطأ، فلا يتشاغل بالنوافل وتتعرض الفرائض للفوات, أو تأخيرها عن وقتها؛ لأن أداء الفرائض أهم من فعل النوافل، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).. الحديث، فلا يتشاغل بالأمور المستحبة إذا كان ذلك يؤدي إلى فوات ما هو واجب، وما هو فرض لازم.قوله: ( فقال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس ).يعني: يصليها في أول وقتها حين تزول الشمس، والمراد بالزوال هو كونها تتحرك، يعني: تميل الشمس من جهة الشرق إلى جهة الغرب، والله عز وجل لما جعل المواقيت جعلها في أمور مشاهدة معاينة، يعرفها الخاص والعام، يعرفها العالم والجاهل، يعرفها الحضري والبدوي، ما يحتاج إلى أمور خفية، ولا يحتاج إلى أمور دقيقة، وإنما الله سبحانه وتعالى جعل الأوقات أموراً محسوسة, مشاهدة, معاينة؛ لأنها أمور ما تحتاج إلى دقة فهم وذكاء وفطنة، وإنما هي أمور طبيعية, إذا زالت الشمس، وذهبت من جهة الشرق إلى جهة الغرب، وراحت عن وسط الرأس، فإنه يبدأ وقت الظهر, والفجر أوله عند طلوع الفجر والانتهاء عند طلوع الشمس، والمغرب بعد غروب الشمس، وكلها أمور مشاهدة معاينة، وكذلك بالنسبة للصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم)، أمور حسية، كذلك بالنسبة للحج، جعله الله عز وجل أيضاً مبنياً على الزمن, وعلى الشهور القمرية التي هي مبنية على الحس والمشاهدة.قوله: (والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية).والعصر كان يصليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يذهب الذاهب بعد فراغ الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته إلى أقصى المدينة والشمس حية، معناه: أن حرارتها موجودة وما حصل اصفرارها وكونها قربت من الغروب, معناه: أنه يبكر بصلاة العصر.قوله: ( والمغرب لا أدري أي حين ذكر ).يعني: اللفظ الذي قاله، هذا كلام شعبة يحكيه عن سيار بن سلامة.قوله: (ثم لقيته بعد فسألته، فقال: وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل، فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه).وكان يصلي الصبح، ثم بعد انصرافه ينظر الشخص إلى جليسه الذي كان يعرفه فيعرفه، فمعنى هذا - إذا كان هذا في وقت الفراغ من الصلاة، والقراءة تطول فيها- أنه يصليها بغلس؛ لأنه يدخل فيها في وقت مبكر، ويفرغ منها بعد أن يقرأ فيها من الستين إلى المائة، والإنسان ينظر إلى وجه جليسه فيعرفه، فمعناه: أنه حصل شيء من اتضاح الوجوه، ومعرفة الوجوه عندما ينظر الإنسان إلى الشخص. تراجم رجال إسناد حديث أبي برزة الأسلمي في وقت صلاة الظهر قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وهو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو: ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، ثقة, ثبت, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سيار بن سلامة].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال سمعت أبي يسأل أبا برزة].وأبو برزة الأسلمي هو نضلة بن عبيد صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. شرح حديث أنس: (إن رسول الله خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري قال: أخبرني أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر)].هنا أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم الظهر)، يعني: (خرج حين زالت الشمس فصلى بهم الظهر)، وهذا فيه بيان أول وقت الظهر، وأنه عند زوال الشمس. تراجم رجال إسناد حديث أنس: (إن رسول الله خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر) قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].وهو الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا محمد بن حرب].وهو محمد بن حرب الخولاني الحمصي، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي أيضاً، وهو ثقة ثبت، وهو من أكبر أو أشهر أصحاب الزهري، وحديثه خرجه أصحاب الكتب, إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن الزهري].وقد تقدم ذكره.[أخبرني أنس].وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بطول العمر وكثرة الولد فحصل ذلك له، وكان من المعمّرين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. شرح حديث خباب: (شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب رضي الله عنه أنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء، فلم يشكنا، قيل لـأبي إسحاق في تعجيلها؟ قال: نعم )].أورد النسائي حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه, أنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا، قيل لـأبي إسحاق: في تعجيلها؟ قال: نعم)، يعني: أنه كان يصلي الصلاة في أول وقتها، وكانوا يذهبون إليها في شدة الرمضاء، وطلبوا منه أن يؤخرها, فلم يشكهم، يعني: فلم يجبهم إلى ما طلبوا.وقد جاءت أحاديث صحيحة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) فيحمل على أن هذا كان في أول الأمر، يعني: كونه لم يشكهم بأن يؤخروا، أو أنهم أرادوا أن يؤخروا زيادة على الوقت الذي كان يبرد به، وبهذا يوفق بينه وبين ما جاء في حديث الإبراد، وأنه إذا اشتد الحر يبرد بالصلاة. تراجم رجال إسناد حديث خباب: (شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا) قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو الدورقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد بن عبد الرحمن].وهو حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا زهير].وهو زهير بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة, مدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن وهب].وهو الهمداني, ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, والنسائي فقط.[عن خباب].وهو خباب بن الأرت, صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السابقين إلى الإسلام، والذين عذبوا في سبيل الله عز وجل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. تعجيل الظهر في السفر شرح حديث: (كان النبي إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر ... وإن كانت بنصف النهار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تعجيل الظهر في السفر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني حمزة العائذي سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً, لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر، فقال رجل: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: وإن كانت بنصف النهار)].تعجيل الظهر في السفر, وأورد فيه حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً, لم يرحل منه حتى يصلي الظهر، قال: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: وإن كانت بنصف النهار)، يعني: بعد الزوال، والمقصود من ذلك: أنه إذا كان نازلاً ودخل وقت الظهر؛ فإنه لا يرتحل حتى يصلي الظهر، لكنه إذا كان نازلاً قبل الزوال, فإنه يرتحل، وإنما الكلام فيما إذا كان نازلاً، يعني: جاء وقت الظهر وهو نازل، فإنه لا يرتحل إلا وقد صلى الظهر في أول وقتها ثم يرتحل بعد ذلك، لكنه إذا كان سائراً فإنه يستمر في سيره. تراجم رجال إسناد حديث أنس: (كان النبي إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر ... وإن كانت بنصف النهار) قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي. وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو القطان، المحدث, الناقد, المشهور، الثقة, القدوة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني حمزة].وهو حمزة بن عمرو العائذي أبو عمرو الضبي، صدوق، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أنس]. الأسئلة العلة من الجمع بين الصلاتين السؤال: ما هي العلة في الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر؟الجواب: العلة في الجمع بين الصلاتين في السفر هي التخفيف على الناس؛ لأن كونهم ينزلون لكل صلاة, قد يكون عليهم مشقة، فإذا جمعوا بينهما فإنهم يمكنهم أن يواصلوا المدة الطويلة لا يقطعوها بنزول من أجل الصلاة، فهي رخصة رخص الله تعالى لهم بها، وجاءت السنة بها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما في الحضر فإن الجمع يكون إذا كان هناك مطر شديد ودحض، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء لهذا السبب، وكذلك لو حصل خوف فإنه يمكن الجمع، وكذلك المريض يجمع بين الصلاتين إذا كان يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، وكذلك إذا حصل أمر طارئ يقتضي ذلك، فإن حديث ابن عباس الذي جاء في صحيح مسلم يدل على هذا. مدة الخلافة الراشدة ومدى ارتباطها بخلافة عمر السؤال: متى انتهت الخلافة الراشدة؟ وهل خلافة عمر بن عبد العزيز خلافة راشدة، أم هي خلافة ملك؟الجواب: مدة الخلفاء الراشدين التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، مدتها ثلاثون سنة، مدة الخلفاء الراشدين الأربعة، لكن من جاء بعدهم ممن يسير على منهاجهم، ويلتزم بما جاء في الكتاب والسنة, هو أيضاً خليفة راشد، ولهذا قيل لـعمر بن عبد العزيز: إنه خليفة راشد، وكذلك معاوية رضي الله عنه هو خليفة راشد، لأنه صاحب رسول الله فيكون أفضل من عمر بن عبد العزيز، فخلافة النبوة هي ثلاثون سنة، وما بعدها هي خلافة راشدة.ولهذا جاء في الحديث ذكر الخلافة لغير الخلفاء: ( لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فأطلق عليهم أنهم خلفاء. كيفية الجمع بين شرب النبي قائماً ونهيه عن ذلك السؤال: كيف يجمع بين الحديث الذي فيه النهي عن الشرب قائماً، والحديث الوارد بأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائماً؟الجواب: يجمع بينهما بأن الأصل والأولى هو الجلوس، وإذا شرب الإنسان قائماً فإنه جائز، والأولى أن يشرب الإنسان جالساً، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز، وما عرف من كثرة فعله وإرشاده يدل على أن الجلوس هو الأصل في الشرب. حكم الاجتماع لقراءة القرآن السؤال: ما حكم الاجتماع في المسجد، أو في البيت لتلاوة كتاب الله بصوت مرتفع؟الجواب: لا بأس بذلك، كونه يجتمع جماعة ويقرأ واحد القرآن والباقون يسمعون، أو يتناوبون القراءة، وإذا كان أيضاً فيهم من عنده علم ويفسر لهم شيئاً من القرآن، أو يعلمهم شيئاً من أحكام القرآن، فهذا طيب. صرف الزكاة بين الإسرار بها والجهر السؤال: هل تصرف زكاة المال سراً أو جهراً؟ وإذا كانت تصرف جهراً فهل أخبر من أعطيته أنها زكاة مالي؟الجواب: الواجب إخراج الزكاة، سواء حصل ذلك سراً أو جهراً، وليس بلازم أن الإنسان عندما يعطي الفقير يقول: هذه زكاة، يعطيه إياها ولو ما قال: هي زكاة، ولا يلزم أن يعلمه بأن هذه زكاة. حكم من نام عن العصر ولم يقم إلا في المغرب السؤال: شخص نام عن صلاة العصر، ولم يستيقظ إلا في صلاة المغرب، فماذا يفعل؟الجواب: يصلي العصر أولاً، ثم يصلي المغرب؛ لأن العصر قضاء والمغرب بعدها أداء، تلك فات وقتها، وهذه في وقتها. أحسن كتاب يتحدث عن التابعين السؤال: ما هو أجمع وأحسن كتاب يتحدث عن التابعين؟الجواب : ما أذكر كتاباً معيناً, لكن ابن حبان له كتاب الثقات في التابعين، وكذلك في طبقات ابن سعد، لكن كتاب معين خاص ما أذكر الآن، ما يحضرني كتاب معين خاص بالتابعين. موضوع كتاب الإتمام لابن ماكولا السؤال: ما هو موضوع كتاب الإتمام لـابن ماكولا؟الجواب: طبعاً هو في الرجال، لكن ما هو موضوعه ما أتذكر. السنة في لبس الخاتم للرجال السؤال: ما هي السنة في لبس الخاتم للرجال، أهو في اليمين أم في اليسار؟ وفي أي أصبع يكون؟الجواب: الأمر في ذلك واسع بالنسبة لليمين أو اليسار، يعني: الخنصر في اليسار أو اليمين، والتختم ليس بلازم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله إلا لما كتب كتاباً للروم أو لقيصر؟! فقيل: إنهم لا يقرءون الكتاب إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً، قال أنس: (فكنت أرى وبيصه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم). والخواتم قد بحثها العلماء، ومن أحسن ما كتب فيها كتاب لـابن رجب اسمه: (كتاب الخواتم)، جمع فيه المباحث المتعلقة بالخواتم من جميع الوجوه، وهو: كتاب واسع كبير خاص بالخواتم وأحكامها، فيمكن الرجوع إليه، ومعرفة ما قاله العلماء، وما جاء فيه من الآثار والأحاديث. الجمع بين قوله: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون..) وبين قول النبي: (لا يزيد في العمر إلا البر ...) السؤال: كيف الجمع بين قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يزيد العمر إلا البر)؟الجواب: لا تنافي بين ما جاء في الآية والحديث؛ لأن الأجل الذي كتبه الله عز وجل في اللوح المحفوظ لا يتأخر عنه إنسان ولا يتقدم عليه إنسان، ولكن هذا الأجل الذي قدره الله عز وجل قدر له أسباباً، ومن الأسباب: البر، فالله عز وجل قدر أن يكون هذا عمره طويلاً، وقدر أن يكون من أسبابه البر، أن يكون باراً، وليس معنى ذلك أنه كان عمره قصيراً، ثم بر فغير الأجل وزاد، لا، الأجل هو الأجل، لكن الله قدر المسبب الذي هو الأجل، وقدر السبب الذي هو البر، مثلما يجري في الدنيا وجود المسببات والأسباب؛ لكن الأسباب تفضي إلى المسببات، وتنتهي إلى المسببات.فإذاً: هذا هو الجمع بين ما جاء في الآية والحديث، الذي جاء في الآية وهو الذي في اللوح المحفوظ, والأجل لا يتقدم ولا يتأخر، لكن الله قدر أن هذا يكون باراً فيكون عمره طويلاً، وقدر البر منه، وقدر طول العمر، قدر السبب والمسبب، فلا إشكال ولا تنافي. حكم دعاء الرسول أو الاستغاثة به عند قبره أو بعيداً منه السؤال: رأى شخص ما يدور حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع والشركيات، فقال: هذه الأعمال تجوز، فقال له شخص: وما دليلك؟ قال: أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، والنبي صلى الله عليه وسلم مستجاب الدعوة، فإن كل هذه الأعمال جائزة، فكيف يرد على هذا؟الجواب: نقول: نعوذ بالله من الجهل، إذا وجد الشرك ووجد أحد يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم يقال: هذا جائز؟! أبداً، الرسول صلى الله عليه وسلم استجاب الله دعاءه؛ لأن قبره محفوظ، ما أحد يصل إليه فيعمل أعمالاً له أو يسجد عليه، أما قضية عبادة الرسول، فيمكن أن يعبده وهو في المغرب، أو في المشرق في أقصى الدنيا، إذا دعا الرسول واستغاث بالرسول فهذا شرك بالله عز وجل، سواء كان عند قبره أو في أقصى الدنيا في أي مكان، ما هي المسألة خاصة عند القبر، الحرام حرام في أي مكان كان. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب المواقيت (94) - (باب تعجيل الظهر في البرد) إلى (باب آخر وقت الظهر) جاءت الشريعة بمواقيت خاصة للصلاة، إلا أنه رُخص في صلاة الظهر أن تؤخر إلى آخر وقتها، وذلك عند اشتداد الحر، تيسيراً من الله ورحمة بعباده. تعجيل الظهر في البرد شرح حديث: (كان رسول الله إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تعجيل الظهر في البرد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل ) ].يقول النسائي رحمه الله: باب: تعجيل الظهر في البرد, المقصود من هذه الترجمة: أن صلاة الظهر في وقت الشتاء تعجل وتصلى في أول وقتها، وهذا هو الأصل؛ أن الصلاة تصلى في أول وقتها، لكن جاء في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث: أنه إذا اشتد الحر فإنها تؤخر عن أول وقتها, ويحصل الإبراد بها، ولكن النسائي أورد الترجمة في تعجيلها بالبرد، وإن كان الحديث الذي أورده يشمل تعجيلها في البرد وتأخيرها في الحر، وهو دال على الاثنين، وتعجيلها إنما هو على الأصل, الذي هو صلاتها في أول وقتها.وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على الصلاة في أول وقتها، وأن ذلك عظيم عند الله عز وجل، وجاء في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث, أنها في وقت الحر تؤخر، كما في هذا الحديث وفيما بعده من الأحاديث التي فيها تأخير الصلاة، أي: صلاة الظهر في شدة الحر. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل) قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، وحديثه خرجه البخاري, ومسلم, والنسائي، وقد أظهر السنة في بلده فقيل له: سني.[حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم].وهو عبد الرحمن بن عبد الله البصري, وهو صدوق, ربما أخطأ، خرج له البخاري, وأبو داود في كتاب فضائل الأنصار، والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا خالد بن دينار].وهو أبو خلدة, صدوق خرج له البخاري, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.[سمت أنس بن مالك].وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـأنس بن مالك رضي الله عنه, هو أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، وهذا الإسناد رباعي, من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى أسانيد عند النسائي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، وإنما أعلى ما عنده هي الرباعيات، وهذا منها.وسبق أن مر إسناد واحد فيه حديثان، وهو رباعي، وهذا رباعي، وكما أشرت من قبل أن الثلاثيات هي عند البخاري, وعند الترمذي, وعند ابن ماجه, من أصحاب الكتب الستة، فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية إسنادها واحد.وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي فأعلى ما عندهم هي الرباعيات، وليس عندهم شيء من الثلاثيات، وهذا الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية عند النسائي. الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر شرح حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر, والحديث الذي قبل هذا يدل على الإبراد، يعني: أنه في شدة الحر يبرد بها، معناه: أنه يؤخرها، وذاك من فعله عليه الصلاة والسلام، وأما هذا فهو من قوله، والحديث الذي قبل هذا فيه الإبراد من فعله؛ لأنه إذا كان في البرد عجل، وإذا كان في الحر أبرد، أخرها إلى وقت الإبراد، وهو: انكسار حدة الشمس، وخفة حرارتها، وفي هذا الحديث الذي معنا من قوله وتوجيهه وإرشاده عليه الصلاة والسلام.قوله عليه الصلاة والسلام: (فأبردوا عن الصلاة).يعني: يبردون بصلاة الظهر، أي: أنهم يؤخرونها عن أول وقتها، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا اشتد الحر فأبردوا )؛ هذا يفيد بأن الأصل هو التعجيل، ولكن الإبراد يحصل لأمر يقتضي ذلك، وهو شدة الحرارة، فتؤخر الصلاة حتى تنكسر حدة الشمس وتخف الحرارة، وقد قال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: (فإن شدة الحر من فيح جهنم)، يعني: مما يظهر من حرارتها، وقيل في معناه: إنه على بابه، وقيل: إن معنى ذلك أنه مثل حرارة جهنم وشدة حرارة جهنم، لكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن ذلك من حرارة جهنم، حيث جاء في الحديث: (أن الله تعالى أذن للنار بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحرارة إنما هو من حرها)، يعني: في الصيف، ومن العلماء من قال: إن المقصود من ذلك أن هذا يشبه حرارة النار وحرارة جهنم، والمقصود من توجيهه وإرشاده عليه الصلاة والسلام أنهم يؤخرونها حتى تخف الحرارة، وحتى تذهب الحرارة الشديدة وتخف، ولا يحصل لهم ضرر من مجيئهم إليها في شدة الحر، وذلك في أول وقت الظهر، فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى أن يؤخروها، وأن يبردوا بها. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة...) قوله: [قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو ابن سعد المصري المحدث الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، الثقة, المحدث, الفقيه، المكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن].وابن المسيب هو: سعيد بن المسيب، وهو ثقة, من الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وهو أحد السبعة بلا خلاف.وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فهو أحد السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن في السابع منهم ثلاثة أقوال، أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والثاني: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة المكثرين حديثاً. شرح حديث: (أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي، ح وأخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا يحيى بن معين حدثنا حفص ح، وأخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم عن يزيد بن أوس عن ثابت بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه يرفعه قال: ( أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو بمعنى الحديث الذي قبله, فقوله عليه الصلاة والسلام: ( أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم )، هو بمعنى الحديث الذي قبله, حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن الذي قبله أيضاً كذلك أمر منه بالإبراد، وفيه من المعنى ما في الذي قبله من أن شدة الحر من فيح جهنم، أو الذي تجدونه من الحر من فيح جهنم. تراجم رجال إسناد حديث: (أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم) قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].وهو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة حافظ، رمي بالنصب، خرج حديثه: أبو داود, والترمذي, والنسائي. خرج له أصحاب السنن الأربعة, إلا ابن ماجه.[حدثنا عمر بن حفص].وهو ثقة, ربما وهم, أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه.[حدثنا أبي].وهو: حفص بن غياث, ثقة, فقيه، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هنا أتى بالتحويل، حاء التحويل، وهذه طريق أخرى، عن طريق شيخه الأول؛ إلا أنه بإسناد آخر، يعني: أن شيخ شيخه إبراهيم, هو غير شيخ شيخه في الإسناد الأول، فالإسناد الأول هو عمر بن حفص، وأما الإسناد الثاني فشيخ إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني هو يحيى بن معين، وحاء التحويل أتى بها للإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، ويشعر ذكرها بأنه رفع إلى الإتيان بإسناد جديد يبدأ من شيخ المصنف، وهنا شيخه في الإسناد الثاني هو شيخه في الإسناد الأول، إلا أن شيخ شيخه يختلف عن الإسناد الأول.[حدثنا يحيى بن معين].وشيخه في هذا الإسناد يحيى بن معين، وهو ثقة حافظ، إمام في الجرح والتعديل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعنده اصطلاح خاص، وهو أنه إذا قال: لا بأس به فتعني التوثيق؛ فقول: لا بأس به عند يحيى بن معين يعتبر توثيقاً، فلا يؤثر، أو لا يظن أن الشخص الذي يقول فيه: لا بأس به أنه دون الثقة، بل هو ثقة؛ لأن هذه العبارة في اصطلاح يحيى بن معين يراد بها الثقة، وهذه من الاصطلاحات الخاصة لبعض المحدثين، وهي مما يحتاج إلى معرفتها؛ لأن معرفة الاصطلاح يتبين المراد. ومن المعلوم أن قول: لا بأس به درجتها نازلة، وأما عند يحيى بن معين فهو بمنزلة ثقة.[أخبرنا حفص].شيخ يحيى بن معين هنا هو شيخ ابنه، وهو حفص بن غياث، وفي الإسناد الأول يروي عنه ابنه عمر بن حفص، وهنا: يروي إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن يحيى بن معين, عن حفص بن غياث، ثم ذكر طريقاً ثالثة وهي قوله: [ح وأخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة ثبت, خرج حديثه النسائي وحده، وهو من بلد النسائي.[حدثنا عمر بن حفص].وهو ابن غياث، قال: [حدثنا أبي]، وهذا مثل الإسناد الأول عن إبراهيم بن يعقوب؛ لأن الواسطة أو الذي بعده عمر بن حفص عن أبيه حفص بن غياث.[عن الحسن بن عبيد الله].يعني: أن حفص بن غياث في تلك الأسانيد الثلاثة كلها يروي فيها عن الحسن بن عبيد الله, فكل الطرق الثلاث التي انتهت إلى حفص بن غياث شيخه فيها هو: الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي وهو ثقة فاضل, أخرج له مسلم, والأربعة.[عن إبراهيم].وهو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي, الفقيه, المحدث، يأتي ذكره كثيراً في مسائل الفقه، ويأتي ذكره كثيراً في أسانيد الحديث، وهو الذي سبق أن ذكرت فيما مضى أن ابن القيم قال في كتابه (زاد المعاد): إن أول من عرف عنه أنه عبر بالعبارة المشهورة عند الفقهاء: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)، قال: وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أوس].وهو النخعي، وهو مقبول, خرج له أبو داود, والنسائي.] عن ثابت بن قيس[.وهو مقبول, خرج له النسائي وحده.] عن أبي موسى[.وهو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والذي فيه اثنان مقبولان، لكن هو بمعنى الحديث الذي قبله، فهو شاهد له حديث أبي هريرة. آخر وقت الظهر شرح حديث أبي هريرة في آخر وقت الظهر قال المصنف رحمه الله تعالى: [ آخر وقت الظهر.أخبرنا الحسين بن حريث أنبأنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا جبريل عليه السلام جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد, فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله، ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم ) ].ذكر النسائي رحمه الله باب: آخر وقت الظهر. وهو: أن يكون ظل كل شيء مثله، فعند ذلك ينتهي وقت الظهر، ويدخل مباشرة وقت العصر؛ لأنه لا فاصل يفصل بين وقت العصر ووقت الظهر، فمتى خرج هذا دخل هذا, ولا فاصل بينهما, والترجمة معقودة لبيان آخر وقت الظهر، وأنه حيث يبلغ ظل الشيء مثله، عند ذلك ينتهي وقت الظهر، وأول وقتها -كما مر- عندما تزول الشمس، وعندما تذهب الشمس إلى جهة الغرب يبدأ وقت الظهر، ويستمر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فالترجمة معقودة لهذا.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، وصلى العصر حيث صار ظل الشيء مثله، وصلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، وصلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله ).وهذا هو محل الشاهد: (فصلى الظهر حين كان الظل مثله)، يعني: حين وقت دخول العصر؛ لأن في الحديث أنه صلى اليوم الأول العصر, حيث كان ظل الشيء مثله، وهذا أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلى الظهر حيث كان ظل الشيء مثله، يعني: في آخر وقتها، فآخر وقتها هو أول وقت دخول العصر، ليس بينهما وقت فاصل، بل وقت هذه متصل بهذه، فحيث انتهى وقت هذه دخل وقت هذه، فآخر وقت الظهر حيث يكون ظل الشيء مثله، وأول وقت العصر حيث يكون ظل الشيء مثله.قوله: (ثم صلى العصر حين رأى الظل مثليه).وهذا هو آخر وقتها الاختياري، أما الاضطراري فإنه إلى غروب الشمس، كل ذلك يعتبر أداء، لكنها لا تؤخر عن بلوغ الظل مثليه؛ إلى اصفرار الشمس، وإنما تصلى قبل دخول الوقت الاضطراري، وإذا كان الإنسان معذوراً، كأن يكون نائماً ثم استيقظ بعدما جاء وقت الاضطرار، فإنه يصليها ويكون أداء وليس بقضاء.ثم صلى المغرب في الوقت الذي صلى فيه المغرب في اليوم الأول، يعني: حين غربت الشمس وحل الفطر للصائم، والعشاء بعد ساعة من الليل، وجاء في بعض الأحاديث: ( أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى المغرب عندما غاب الشفق)، يعني: عند أول وقت العشاء؛ لأنه ليس هناك فاصل بين أول وقت العشاء وآخر وقت المغرب، فهما متصلان، مثل وقت صلاتي الظهر والعصر، فهما متصلان، وهذه إذا غاب الشفق يبدأ وقتها التي هي العشاء.وفيه أيضاً: ما جاء في بعض الأحاديث أنه صلاها عند نصف الليل، وهذا هو آخر وقتها الاختياري، وأما وقتها الاضطراري فهو إلى طلوع الفجر، وفي هذا الحديث ذكر فيه أن وقت المغرب لا فرق بين اليوم الأول ولا اليوم الثاني، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه صلى المغرب عند مغيب الشفق، أو في آخر الوقت الذي يغيب فيه الشفق، وصلى العشاء بعد ذلك، وهذا هو الذي يتفق مع قوله: (الصلاة بين هذين الوقتين)؛ لأنه إذا كانت صلاة المغرب هي في وقت المغرب، ما كان هناك وقتان يكون بينهما، يعني: أوقاتاً تصلى فيها الصلاة، لكن جاء في بعض الأحاديث بيان البداية والنهاية لكل وقت من أوقات الصلوات، وهو الذي يتفق مع قوله: ( الصلاة بين هذين الوقتين )، يعني: في كل صلاة من الصلوات الخمس تكون بين وقتين، يعني: في الوقت الذي صلى فيه اليوم الأول، والوقت الذي صلى فيه في اليوم الثاني؛ لأنه في اليوم الأول صلى به في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلى به في آخر الوقت الاختياري، هذا بالنسبة للصلوات التي لها وقت اختياري. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في آخر وقت الظهر قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].وهو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه، خرج له أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه.[أنبأنا الفضل بن موسى].وهو الفضل بن موسى المروزي أيضاً، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن عمرو].وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره قريباً.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره أيضاً. شرح حديث: (كان قدر صلاة رسول الله الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأدرمي حدثنا عبيدة بن حميد عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( كان قدر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام ) ].هنا أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهو يتعلق بتأخير صلاة الظهر في الصيف، وأنه يكون في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام, وفي الشتاء من خمسة إلى سبعة أقدام، وهذا يتعلق بتأخيرها، وهذا ليس في كل البلدان، وإنما يكون في بعض البلدان، يعني: هذا المقدار؛ لأن البلدان تختلف باختلاف الظل, وتقدم الأوقات وتأخرها، وكذلك في الحرارة والبرودة تختلف.وهنا أورد النسائي الحديث في ذكر آخر وقت الظهر، وكأنه فيه الإشارة إلى التأخير إلى آخر وقت الظهر. تراجم رجال إسناد حديث: (كان قدر صلاة رسول الله الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام...) قوله: [أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأدرمي].وهو ثقة، خرج له أبو داود, والنسائي.[حدثنا عبيدة بن حميد].وهو عبيدة بن حميد الضبي الكوفي، وهو صدوق, ربما أخطأ، وحديثه عند البخاري وأصحاب السنن الأربعة.عبيدة بفتح العين، وليس بضمها.[عن أبي مالك الأشجعي].وهو سعد بن طارق، وهو ثقة, خرج له البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن كثير بن مدرك].وهو ثقة أيضاً، خرج له مسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن الأسود بن يزيد].وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة مخضرم, خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن مسعود].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من فقهاء الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. الأسئلة حكم الجلوس في المسجد بدون وضوء السؤال: هل يجوز الجلوس في المسجد بدون وضوء؟الجواب: نعم يجوز، لكن كون الإنسان يكون على طهارة فهذا هو الذي ينبغي، وإذا حصل له الحدث, فلا يلزمه أن يقوم لكونه حصل منه الحدث، وإنما له أن يبقى، لكن كونه يكون في المسجد على طهارة, فهذا هو الذي ينبغي. مدى صحة القول بعدم وجود دليل يمنع الحائض من قراءة القرآن السؤال: قال بعض العلماء: ليس هناك دليل بمنع الحائض من قراءة القرآن، وإنما منع ذلك العلماء إجماعاً؟الجواب: لا، ليس هناك إجماع، بل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن, فإذا خافت على نفسها من النسيان فلتقرأ من حفظها؛ لأن حيضتها وانتهاءها ليس بيدها، بخلاف الجنابة؛ فإن الجنابة بيد الإنسان, يستطيع أن يتخلص منها، وأن يرفعها متى شاء، فإن كان الماء موجوداً يغتسل، وإن كان غير موجود يتيمم، وأما بالنسبة للحائض فانتهاء الحيض ليس بيدها, وهذا الكلام إنما هو بالنسبة للحفظ، أما بالنسبة لمس المصحف فمن دون الحائض، وهو الذي ليس على طهارة، يعني: ليس متوضئاً فلا يمس القرآن، كما جاء في الحديث: ( لا يمس القرآن إلا طاهر )، وإنما المقصود من القراءة بالنسبة للحائض القراءة عن ظهر قلب. حكم رواية الصحابي الحديث بالمعنى السؤال: هل يجوز للصحابي أن يروي الحديث بالمعنى دون بيان هذا المعنى؟الجواب: نعم، يجوز للصحابي وغير الصحابي؛ لأن تبليغ ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا أمر لا بد منه، فإذا كان متمكناً من اللفظ فالأولى أن يقتصر على اللفظ وألا يتجاوز اللفظ، لكن إذا لم يضبط اللفظ ولكن ضبط المعنى، فالإنسان يأتي بالمعنى، وبالعبارة التي تؤديه، وهذا هو الرواية بالمعنى. بيان بداية الوقت لقراءة سورة الكهف يوم الجمعة السؤال: متى يبدأ وقت قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟الجواب: ما أعلم له تحديداً، لكنه يكون من أول النهار، يعني: يمكن أن يبدأ من أول النهار. حكم صرف خمسة ريالات ورق بأربعة ريالات معدنية السؤال: ما حكم لو أعطى إنسان الصراف خمسة ريالات ورق، فأعطاه أربعة ريالات حديد؟ الجواب: الأولى اجتناب هذا العمل، وأن يكون الورق بما يقابله من الحديد، بمعنى: أن تكون خمسة مع خمسة، وهذا هو الذي لا إشكال فيه، وبعض العلماء يفتي بالجواز، ولكن الأولى للإنسان أن يبتعد عما فيه شبهة: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ). المراد بكون القصاص كفارة عن القتل السؤال: القصاص كفارة للقاتل، فما معنى هذه الكفارة؟الجواب: المراد بالكفارة أنه قتل فقتل، وهذا معناه أن الشيء الذي حصل منه حصل له شيء يقابله، لكن هل يكون ذلك كفارة؟ وهل يكون بذلك انتهى؟ وأنه يؤاخذ على ذلك في الآخرة؟ الله أعلم لا ندري، لكن بالنسبة لأوليائه فقد حصل لهم ما يريدون إذا أرادوا القصاص، لكن هل العلاقة تنتهي بين القاتل والمقتول؟ لا أدري والله أعلم. حكم الأكل من طعام من يتكسب من الخمر السؤال: رجل زار عمته في بيتها، فهل يجوز له تناول شيء من الطعام أو الشراب إذا كان زوجها يشتغل ببيع الخمر؟الجواب: الذي يجب هو نصح هذا الزوج, الذي هو زوج عمته، نصحه وبيان خطورة ما هو واقع فيه، وأن المكاسب التي يحصلها من وراء الخمر أنها حرام؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة، ومنهم بائعها، فالواجب هو تنبيهه، لكن إذا كان هذا هو الغالب على مكاسبه، أو أن مكاسبه من هذا القبيل فلا ينبغي له أن يأكل من طعامه إذا كان مكاسبه من الخمر، أما إذا كان الغالب هو من غير الخمر، فإذا تركه تعففاً فهو الأولى، وإن أكل فلا بأس. المقصود بقول: انفرد به النسائي كما في تحفة الأشراف السؤال: ما معنى ما يرد في الحاشية: انفرد به النسائي، تحفة الأشراف؟الجواب: المقصود من ذلك أنه ما رواه أحد من أصحاب الكتب الستة الباقين؛ لأن (تحفة الأشراف) هي لأصحاب الكتب الستة, ولرواياتهم، فإذا كان الحديث موجوداً عند غير النسائي، فإنه يذكر أنه خرجه فلان وخرجه فلان، ثم يشير إلى تحفة الأشراف التي جمعت فيها الأطراف لهذه الكتب، فقد يكون الحديث عند النسائي وحده، وعند ذلك يقول: انفرد به النسائي، وقد يكون أيضاً عند أبي داود، فيقول: أخرجه أبو داود في كتاب كذا، وفي آخر هذا التخريج يقول: تحفة الأشراف رقم كذا، يعني: هذا الحديث الذي انفرد به النسائي، أو رواه النسائي، وغيره معه ممن ذكروا في التعليق، بأنه أخرجه فلان وفلان وفلان، فإنه أشير في تحفة الأشراف إلى من خرجوه من أصحاب الكتب الستة، فإذا كان الحديث ممن انفرد به النسائي قال: انفرد به النسائي، ثم قال: تحفة الأشراف، والإنسان إذا رجع إلى تحفة الأشراف ما وجد أنه أخرجه إلا النسائي من أصحاب الكتب الستة. مدى خصوصية مضاعفة الصلاة بمسجد الكعبة على غيره في محيط الحرم السؤال: هل الصلاة في أي مكان بمكة تعدل الصلاة في المسجد الحرام؟الجواب: فيها خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن الصلاة التي تضاعف بمائة ألف ضعف هي في المسجد المحيط بالكعبة، ومن العلماء من يقول: إن مكة كلها يقال لها المسجد الحرام، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، قوله: (المسجد الحرام)، يعني: يصلي في مكة كلها، والقول بأن مكة كلها مسجد حرام، جاء في الآيات والأحاديث ما يدل عليه.ومما ورد في الآيات: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، والمقصود بالمسجد الحرام هو مكة كلها، وليس المقصود منه المسجد فقط ومكة لهم أن يدخلوها، لا، وإنما لا يدخلون مكة كلها، ومعنى الآية أي: لا يقربوا مكة، فكلها يطلق عليها أنها المسجد الحرام، وكذلك أيضاً جاء في غير هذه الآية، فمن العلماء من قال: إن التضعيف يكون في مكة كلها، لكن على هذا القول الذي قال به بعض العلماء، ليسوا سواء من يصلي عند الكعبة، ومن يصلي في أي مكان من مكة، كما أن من يصلي في الصف الأول ليس مثل الذي يصلي في أواخر الصفوف، فبينهما فرق. معنى ما ورد في الحديث: (من ثلاثة إلى خمسة أقدام) السؤال: ما معنى ما ورد في الحديث الأخير: (ثلاثة إلى خمسة أقدام، خمسة إلى سبعة أقدام)؟الجواب: يعني: كأن هذا في الشتاء, وهذا في الصيف، وهذا في بعض البلدان وليس مطرداً في كل مكان، والنسائي أورد هذا في آخر وقت الظهر، لكن هل يكون ظل كل شيء مثله في هذا المقدار؟ معلوم أن الثلاثة الأقدام لا تأتي مثل الشيء، يعني: ظلها مثله، لكن كأن المقصود بذلك إبراد وتأخير، لكن يشكل عليه ما قال: (وأنه في وقت الشتاء من خمسة إلى سبعة). مدى جواز قول الرجل لأخيه: ما أحوال إيمانك السؤال: هل يجوز للرجل أن يقول لأخيه إذا لقيه: ما أحوال إيمانك؟الجواب: أنا ما أعلم له أثراً، يعني: الإنسان يسأل عن حال الإنسان، وأما عن إيمانه وأحوال إيمانه, فالإنسان هنا يزكي نفسه! وإنما يمكن أن يقول: تعال نزداد إيماناً، يعني: يعملون أعمالاً صالحة تزيد في إيمانهم، أو يتذاكرون مثلما كان الصحابة يطلب بعضهم من بعض أن يجلسوا إلى بعض، وأن يزدادوا إيماناً. |
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب المواقيت (95) - باب أول وقت العصر - باب تعجيل العصر للصلاة وقتان: اضطراري، واختياري، ووقتها الاختياري موسع بين أول الوقت وآخره، منها صلاة العصر، ويستحب تعجيلها أول وقتها؛ عندما تكون الشمس بيضاء نقية لم يذهب ضياؤها ولم تصفر. أول وقت العصر شرح حديث جابر في أول وقت العصر قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أول وقت العصر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا ثور حدثني سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة، فقال: صل معي، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، والعصر حين كان فيء كل شيء مثله، والمغرب حين غابت الشمس، والعشاء حين غاب الشفق، قال: ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، والعصر حين كان فيء الإنسان مثليه، والمغرب حين كان قبيل غيبوبة الشفق)، قال عبد الله بن الحارث: ثم قال في العشاء: أُرى إلى ثلث الليل ].يقول النسائي رحمه الله: باب: أول وقت العصر، أورد فيه حديث: جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام رجل وسأله عن مواقيت الصلوات، فقال: (صل معي)، ثم إنه صلى يوماً من الأيام الصلوات من أول الوقت، ثم في اليوم الثاني في آخر الوقت، أي: الوقت الاختياري، وأرشده عليه الصلاة والسلام، وبين له فعلاً وعملاً, حيث جعله يشاهد ويعاين الصلوات في أوائل أوقاتها، وفي أواخر أوقاتها، وعلم بذلك البداية والنهاية، وقد اشتمل على أوقات متعددة، ولكن النسائي أورده للاستدلال به على أول وقت العصر، وأنه عندما يكون ظل الشيء مثله، أي: عند انتهاء وقت الظهر يأتي مباشرة ابتداء وقت العصر؛ لأنه لا فاصل بين الوقتين؛ وقت الظهر ووقت العصر، بل بمجرد انتهاء هذا يدخل هذا، ولا فاصل ولا وقت بينهما، بل الوقتان متصلان. قوله: (فصلى الظهر حين زاغت الشمس).يعني: صلى الظهر في أول وقتها. قوله: (والعصر حين كان فيء كل شيء مثله).يعني: وصلاها في أول وقتها، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة؛ لأن أول وقت العصر هو عندما يكون ظل كل شيء مثله، معناه: أن هذا هو نهاية وقت الظهر, وعند ذلك يبدأ وقت العصر.قوله: (والمغرب حين غابت الشمس).وهذا هو وقتها الأخير.قوله: (والعشاء حين غاب الشفق).وهذا هو أول وقتها.قوله: (ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله).يعني: صلى في اليوم الثاني الظهر حيث كان فيء الشيء مثله، يعني: آخر وقتها، فهذا هو آخر وقت صلاة الظهر، وبعده مباشرة يأتي وقت صلاة العصر.قوله: (والعصر حين كان فيء الإنسان مثليه).يعني: عندما يكون ظل الشيء مثليه، يعني: ضعفه, مثله مرتين، هذا هو نهاية وقت العصر، والمراد بذلك: الوقت الاختياري الذي يمكن للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت، ولكن كما عرفنا أن الصلاة في أول وقتها قد رغب فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحث على أن يكون أداء الصلوات في أوائل أوقاتها؛ لأن في ذلك مبادرة إلى الخيرات، ومسابقة إلى الإتيان بالشيء في أول وقته بعد تحقق دخول الوقت، ففيه المبادرة والإتيان بالصلاة في أول وقتها، لكن للإنسان أن يؤخرها وهو مختار إلى أن يكون ظل كل شيء مثليه، وعند ذلك ينتهي الوقت الاختياري لصلاة العصر، ويبدأ الوقت الاضطراري وهو إلى غروب الشمس، يعني: الإنسان لو نام، أو حصل له أمر جعله ينشغل من غير أن يكون هناك غفلة عن الصلاة، وإنما جاءه ما يقهره عن أن يصلي الصلاة في وقتها المختار، فإنه يصليها في الوقت الاضطراري، وهو أداء وليس بقضاء؛ لأنه إلى غروب الشمس هو وقت لصلاة العصر، ولكن من بلوغ الشيء مثليه إلى الغروب، فهذا يعتبر وقتاً اضطرارياً، ومن بلوغ ظل الشيء مثله إلى بلوغه مثليه، هذا وقت اختياري.قوله: (والمغرب حين كان قبيل غيبوبة الشفق).لأنه إذا غاب الشفق يأتي أول وقت العشاء، فإذاً: قبيل الغيبوبة، هذا هو آخر وقتها، فصلاها في آخر وقتها، وذلك قبل صلاة العشاء مباشرة؛ لأن وقت المغرب ووقت العشاء متصلان ليس بينهما فاصل، كالظهر والعصر ليس بينهما فاصل، فبمجرد ما يخرج وقت هذه يدخل وقت هذه، فالمغرب صلاها قبيل غيبوبة الشفق، والعشاء كان قد صلاها كما في اليوم الأول عندما غاب الشفق، يعني: هذه صلاها في أول وقتها، وهذه صلاها في آخر وقتها.قوله: (قال عبد الله بن الحارث: ثم قال في العشاء: أرى إلى ثلث الليل).ثم قال عبد الله بن الحارث وهو أحد رجال الإسناد: أُراه إلى ثلث الليل، وهذا شك وعدم جزم، ولكن جاءت أحاديث تدل على أن نهاية وقتها -أي: الاختياري- نصف الليل، وليس إلى ثلث الليل فقط، بل إلى نصفه، هذا هو الوقت الاختياري، وبعد ذلك يبدأ الوقت الاضطراري من نصف الليل إلى طلوع الفجر، ولم يأت في الحديث ذكر صلاة الصبح، ولعل ذلك إما أنه وقع اختصاراً من الراوي، أو عدم ضبطٍ له، وأما الأوقات الأربعة فقد ذكرت في أوائل أوقاتها وفي أواخر أوقاتها، أي: الأواخر الاختيارية بالنسبة لما كان له وقت اختياري ووقت اضطراري. تراجم رجال إسناد حديث جابر في أول وقت العصر قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، قد تكرر ذكره، وهو ثقة خرج حديثه البخاري, ومسلم, والنسائي.[حدثنا عبد الله بن الحارث].وهو ابن عبد الملك المخزومي، وهو ثقة, خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا ثور].وهو ثور بن يزيد الحمصي، وهو ثقة ثبت, خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني سليمان بن موسى].وهو سليمان بن موسى الدمشقي، صدوق, فقيه, في حديثه بعض لين، وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، فهو مثل: عبد الله بن الحارث في الإسناد؛ لأن كلاً من عبد الله بن الحارث وسليمان بن موسى خرج لهما مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن عطاء بن أبي رباح].وهو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة, يرسل كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن جابر وعن الصحابة أجمعين، وهو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر رضي الله عنه هو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعجيل العصر شرح حديث عائشة: (إن رسول الله صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تعجيل العصر.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها) ].أورد النسائي رحمه الله: تعجيل صلاة العصر. يعني: في أول وقتها، فإنه بعدما ذكر في الباب الذي قبله: بيان أول الوقت، وأنه عندما يكون ظل الشيء مثله، أي: أول وقت العصر، بعد ذلك أتى بالترجمة التي تدل على التعجيل، وأنها تصلى في أول وقتها، وقد أورد في ذلك عدة أحاديث، أولها حديث عائشة رضي الله عنها.قولها رضي الله عنها: (لم يظهر الفيء من حجرتها).المقصود من ذلك: أنه بكر بها، وأنه عجلها وصلاها في أول وقتها.قالت: (والشمس في حجرتها).يعني: لم تخرج من الحجرة, ومن المعلوم أن ذلك إنما يكون في أول الوقت. وقولها: (لم يظهر الفيء من حجرتها)، بمعنى: أنه ما حصل ذهاب الشمس بحيث يأتي الظل, ويغطي مكان ذلك الضياء الذي دخل في الحجرة، وهذا تنبيه وإشارة؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام إنما صلاها في وقتها، والمراد من ذلك: هو تعجيلها في أول وقتها. تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن رسول الله صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها...) قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو الليث بن سعد المصري، المحدث, الفقيه, الثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة, فقيه, محدث، عرف بكثرة رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].وهو عروة بن الزبير بن العوام، وهو تابعي, ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر.[عن عائشة].وهي عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وعن الصحابة أجمعين، وهي الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى من سورة النور، وهي المكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي أحد السبعة الذين مر ذكرهم، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم ستة من الرجال وواحدة من النساء، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. شرح حديث: (إن رسول الله كان يصلي العصر ... والشمس مرتفعة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن مالك قال: حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فقال أحدهما: فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: والشمس مرتفعة )].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم وهم يصلون)، وهم صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعلوم أنهم يصلون في الوقت، ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة في أول وقتها، حيث ذهب الذاهب بعد صلاة النبي عليه الصلاة والسلام هذه المسافة، ووجد أهل قباء يصلون، ولكون أنس بن مالك يروي عنه الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فأحدهما قال: (وهم يصلون)، والثاني قال: (والشمس مرتفعة)، معناه: أنه صلى الصلاة في أول وقتها، ففيه: تعجيل الصلاة، أي: صلاة العصر في أول وقتها. تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يصلي العصر ... والشمس مرتفعة) قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، وهو ثقة, خرج حديثه الترمذي, والنسائي.قوله: [أخبرنا عبد الله ].وهو عبد الله بن المبارك المروزي.وهو ثقة ثبت, إمام، حجة، جواد، مجاهد، لما ذكر ابن حجر في التقريب جملة من صفاته، قال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديث عبد الله بن المبارك خرجه أصحاب الكتب الستة، ولم ينسب عبد الله، ولكن كون الراوي عنه سويد بن نصر يدل على أنه عبد الله بن المبارك؛ لأن سويد بن نصر هو راوية عبد الله بن المبارك، يعني: راوي أحاديثه، والمكثر من رواية حديثه وكل منهما مروزي.[عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أبو عبد الله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله].الزهري قد مر ذكره. أما إسحاق فهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الله بن أبي طلحة هو أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أبا طلحة تزوج أم أنس وأتت بـعبد الله، وإسحاق يروي عن عمه أنس بن مالك رضي الله عنه؛ لأنه أخو أبيه لأمه، وهو ثقة حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنين، وخدمه عشر سنين منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله، فكان عمره يومئذ عشرين سنة رضي الله عنه، فهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من المعمرين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن أنس وعن الصحابة أجمعين. شرح حديث: (أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، ويذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة )].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية), يعني: أنها في شدة ضوئها, ولم يحصل تغير لونها, لكونها قربت من الغروب، وإنما هو في حال شدة ضوئها، وهي مرتفعة في السماء، يعني: ما اتجهت إلى الغروب، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة، وهذا هو المقصود بالتعجيل؛ لأن كونه يصلي الرسول صلى الله عليه وسلم العصر، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة، يعني ذلك أنها ما مالت إلى الغروب، وتغير لونها، وهذا دليل على تعجيله إياها. تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية...) قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد، وقد مر ذكره.[حدثنا الليث].والليث قد مر ذكره.[عن ابن شهاب].وابن شهاب قد مر ذكره.[عن أنس بن مالك].وأنس بن مالك قد مر ذكره. وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية عند النسائي، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي كما ذكرت فيما مضى؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، فأعلى ما عنده هي الرباعيات، وهذا الإسناد منها، والزهري من صغار التابعين؛ لأنه أدرك الذين تأخرت وفاتهم من الصحابة، يعني: أدرك أواخر الصحابة، فهو يعتبر من صغار التابعين. شرح حديث: (كان رسول الله يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي الأبيض عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك أيضاً: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)، معناه: أنها مرتفعة في السماء، وهذا يدل على التبكير فيها؛ لأنه كونه يصليها وهي بيضاء، وهذا هو معناه كونها حية في الحديث الذي قبل هذا، معناه: أنه ما تغير لونها إلى الاصفرار، بل هي بيضاء كهيئتها وحالتها لم تتغير في اتجاهها إلى الغروب، وهذا يدل على التبكير، ويدل على تعجيلها في أول وقتها، كونه يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة، يعني: أنها مرتفعة؛ لأن التحليق معناه: أنها مرتفعة في السماء لم يحصل ذهابها كثيراً إلى جهة الغروب، وذلك لأنه قد بكر بها؛ لأنها بيضاء حية مرتفعة. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، المحدث, الفقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأحد الأشخاص الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى صيغ التعديل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا جرير].وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].وهو ابن المعتمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ربعي بن حراش].وهو ثقة, عابد, مخضرم، خرج حديثه الجماعة.[عن أبي الأبيض].وهو الشامي، وهو ثقة, خرج حديثه النسائي وحده.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره. شرح حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق رابعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، قلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف صلى مع عمر بن عبد العزيز الظهر، وكان ذلك في آخر وقتها، ثم إنهم جاءوا إلى أنس بن مالك في بيته وهو قريب من المسجد، ووجدوه يصلي، قالوا: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر، فمعناه, أنه صلاها في أول وقتها، وقال: (وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي)، يعني: نصلي معه في هذا الوقت، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله أخر الصلاة، ولعل ذلك قبل أن يعلم السنة في تعجيلها والمبادرة بها، أو أنه حصل عنده ما يشغله حتى صلاها في آخر وقتها، ومعلوم أن وقت صلاة الظهر الاختياري هو من الزوال إلى بلوغ كل شيء مثله، ولكن تعجيلها هي السنة، ولعل ذلك أن عمر بن عبد العزيز لم يكن يعلم أن السنة التعجيل. وفي قول أبي أمامة بن سهل بن حنيف لـأنس بن مالك: يا عم, هذا من الألفاظ التي يخاطب فيها الصغار الكبار، وهي من الأدب، وإن لم يكن عمه في النسب، يعني: يقول الصغير للكبير: يا عم, وهنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف يقول لـأنس بن مالك: يا عم, وهو ليس عمه في النسب، يعني: سأله عن هذه الصلاة، وأخبرهم أنه صلى العصر، وأن هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانوا يصلونها مع النبي عليه الصلاة والسلام.والمقصو� � من ذلك: هو تعجيل صلاة العصر؛ لأن الترجمة هي: تعجيل صلاة العصر، وأنس بن مالك رضي الله عنه عجلها، وقال: إنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت، وهذا هو محل الشاهد، وهو كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أول الوقت، وهو الدليل على تعجيلها في أول وقتها. تراجم رجال إسناد حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق رابعة قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله].وهما سويد بن نصر المروزي, وعبد الله بن المبارك المروزي وقد مر ذكرهما.قال: [عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف].وهو أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، وهو مقبول، خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي.[سمعت أبا أمامة].وشيخ أبي بكر بن عثمان هو عمه أبو أمامة بن سهل، يعني: أن أبا أمامة هو أخو عثمان.وأبو أمامة مشهور بكنيته، واسمه أسعد، وقيل: سعد، وهو معدود في الصحابة؛ لأنه له رؤية، ولكنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره.وعمر بن عبد العزيز ليس من رجال الإسناد، وإنما جاء ذكره لأنهم صلوا معه ثم ذهبوا، والإسناد كله بين أبي أمامة وأنس، ولكن عمر بن عبد العزيز كان صلى بهم وخرجوا معه إلى أنس بن مالك، ولم يكن هذا في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز، وإنما في زمن ولايته على المدينة وإمارته عليها في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ لأن عمر كان أميراً على المدينة، وعندما صلوا معه ذهبوا إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. شرح حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق خامسة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبو علقمة المدني حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: (صلينا في زمان عمر بن عبد العزيز، ثم انصرفنا إلى أنس بن مالك فوجدناه يصلي، فلما انصرف قال لنا: صليتم؟ قلنا: صلينا الظهر، قال: إني صليت العصر، فقالوا له: عجلت؟ فقال: إنما أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه تعجيل صلاة العصر، وهي مثل القصة السابقة، يعني: أبو سلمة يقول: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم أتينا أنس بن مالك فوجدناه يصلي، قلنا: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر، قالوا: عجلت، قال: إنما أصلي كما رأيت أصحابي يصلون)، يعني: أصحاب رسول الله، يعني: هذه طريقتهم التي تلقوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي كانوا عليه. تراجم رجال إسناد حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق خامسة قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وقد مر ذكره وهو ابن راهويه.[حدثنا أبو علقمة المدني].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة المدني، وهو ثقة, صدوق, خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن محمد بن عمرو].هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق له أوهام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: إن سابعهم هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهو أحد السبعة على أحد الأقوال، ليس محل الاتفاق في عده منهم؛ لأن من العلماء من يعد مكانه سالم بن عبد الله، ومنهم من يعد مكانه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.[أنس بن مالك].وقد مر ذكره. الأسئلة الفرق بين قول: (أخرجه البخاري) و(خرجه البخاري) السؤال: ما هو الفرق بين أن يقال: خرجه البخاري, وأخرجه البخاري؟الجواب: خرجه, وأخرجه لا أعلم بينهما فرقاً. حكم الصلاة على رسول الله بصيغة النداء السؤال: هل إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: اللهم صل وسلم عليك يا رسول الله، هل يعتبر هذا نداء؟الجواب: هو من جنس: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، لكن العبارات المشهورة أنها تأتي بالغيبة، يعني: بضمير الغيبة, وليس بضمير الخطاب، فيقال: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام، أو اللهم صل وسلم وبارك عليه. حكم تملك كتاب سنن النسائي من الشيخ مع عدم حضور للدرس السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيمن أخذ نسخاً من عندكم من سنن النسائي لأجل الحضور والالتزام، ثم هو بعد ذلك لم يلتزم ولم يحضر، فهل يحق له أخذ ذلك؟الجواب: الإنسان الذي أخذ النسخة وهو يريد أن يدرس ولم يتمكن من الدراسة، من المناسب أن يعطيها لمن هو ملازم للدراسة. حكم تأخير الصلاة إلى وقتها الاضطراري السؤال: هل إيقاع الصلاة في الوقت الاضطراري يلحق صاحبها الإثم؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يؤخر؛ لأنه لا يصل إليه إلا عن طريق الاضطرار، ولا يصل عليه عن طريق الاختيار؛ لأنه لو أخرها عمداً فلا شك أنه يأثم؛ لأن هذا ليس وقتاً اختيارياً فيه مجال له، بل لا مجال له إلا أن يكون مضطراً، كإنسان كان نائماً، فإنه يصلي إذا استيقظ، والصلاة عندئذ تكون في وقتها، وهو مضطر إلى ذلك؛ لأن النوم غلبه. معنى الإبراد والتهجير السؤال: ما معنى الإبراد والتهجير؟الجواب : الإبراد هو: تأخير الصلاة عن أول وقتها، أي: حتى تنكسر حدة الشمس، وتخف حرارتها قليلاً، وأما التهجير فهو التبكير بها، والإتيان بها في الهاجرة. حكم التيمم للجنب عند الخوف من خروج وقت صلاة الفجر السؤال: شخص استيقظ من نومه ووجد أنه محتلم قبيل طلوع الشمس، هل يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس أم يتيمم ويصلي قبل طلوع الشمس؟الجواب: لا يجوز له أن يتيمم، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي إن أدرك شيئاً قبل طلوع الشمس، وإلا فإنه يصلي بعد طلوع الشمس. سبب عدم تبويب النسائي لكتاب مواقيت الصلاة السؤال: لم يذكر النسائي رحمه الله في كتاب المواقيت أبواباً للتراجم، فما السبب في ذلك؟الجواب: لا أدري؛ لأنه هذا شأنه، يعني: أحياناً يأتي بباب، وأحياناً بدون باب، والكثير بدون باب. إمامة حاسر الرأس السؤال: هل يصح أن يُؤتم بمن لا يغطي رأسه في الصلاة وخارجها؟الجواب: نعم تصح إمامته وإن كان كاشف الرأس، فليس من شرط الصلاة أن يكون الإنسان مغطياً رأسه، لكن لا شك أن هذا أكمل. إمامة المتهاون بالسنن المؤكدة السؤال: هل يصح أن يؤتم بالمعرض عن السنن المؤكدة؟الجواب: الإنسان الذي يتساهل في النوافل لا شك أن غيره أولى منه، ومن المعلوم أن من السنن المؤكدة هي ركعتا الفجر والوتر، فقد جاء عن بعض العلماء أنه شدد فيمن يترك الوتر، قيل عن الإمام أحمد أنه قال: إن الذي لا يصلي الوتر رجل سوء، ومن المعلوم أن التساهل في النوافل يكون سبباً ووسيلة إلى التساهل بالفرائض، فإن من يتساهل في النوافل من السهل عليه أن يتساهل في الفرائض، فصلاته تصح، ولكن عند الاختيار للإمامة يختار غيره ممن يكون محافظاً على النوافل. حكم تبرج المرأة وتعطرها عند الخروج وتشبهها بالكافرات السؤال: ما حكم تبرج المرأة وتعطرها عند الخروج، وتشبهها بالكافرات وبلبس الكافرات؟الجواب : لا يجوز للمرأة أن تتعطر عندما تخرج، ولا يجوز لها أن تتبرج، ولا يجوز لها أن تتشبه بالكافرات، كل ذلك حرام على النساء. حكم التصوير الفوتوغرافي السؤال: ما رأي فضيلتكم في التصوير الفوتوغرافي؟الج واب: التصوير الفوتوغرافي اسمه تصوير، والصورة التي تخرج منه يقال لها: صورة، والذي يقوم بهذه المهمة يقال له: مصور، فالتصوير الفوتوغرافي مثل غيره، ولكن يجوز ذلك للضرورة، يعني: مثل: الجواز، ومثل: الأشياء التي يضطر إليها الإنسان كرخصة القيادة، وما إلى ذلك من الأشياء التي يضطر إليها الإنسان. |
| الساعة الآن 12:21 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي