![]() |
(20) اسم الله الوهَّــاب وهب أي أعطى، يقال الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، أي يعطي بلا عوض ولا مقابل ولا غرض ودون استحقاق وإنما يعطيك لمصلحتك. المعنى في اللغة : وهب أي أعطى، يقال الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، أي يعطي بلا عوض ولا مقابل ولا غرض ودون استحقاق وإنما يعطيك لمصلحتك. وفي محاضرة عن أحكام المولود قلت أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر شأن الولد في القرآن إلا بصفة الهبة: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا...} [الأنعام:84 ]، {...يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى:49 ]، قال يهب ولم يقل يُنعم أو يُعطى، لأن الولد محض فضل من الله سبحانه وتعالى يعطيه لا لعوض ولا لغرض. وهذه الهبات يتودد الله بها إليك حتى تُطيعه. ورود الاسم في القرآن: "الوهَّاب" ورد في الكتاب العزيز ثلاث مرات.. 1- مرة في سورة آل عمران {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]. 2- ويقول الله سبحانه وتعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [ص:9] سبحانه وتعالى يفيض برحمته على عباده بمحض تَفَضُلِهِ. 3- وقال على لسان نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص:35]. فهذا يقتضي الذل والانكسار لله سبحانه وتعالى وذم النفس، فهو يدعو ويقول أعطني وأنا لا أستحق.. لذا نقول في مواسم الطاعات تواصوا بهذا الدعاء {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8] فمعه لا ترى نفسك ولا ترى العمل، ولا ترى أنك قمت رمضان وصمته، ولا ترى اجتهادك في العشر الأوائل من ذي الحجة، ولا ترى أنك أنهيت كتاب كذا وعملت كذا وحفظت كذا فأنت لا ترى نفسك بل ترى أنك لا تستحق...وحينها تكون الدعوة أقرب للإجابة. كلام العلماء في معنى اسم الله "الوهَّاب": يقول الطبري: "أي المُعطي عباده التوفيق والسداد للثبات على الدين وتصديق الكتاب وتصديق المرسلين". وفي زمن الفتن هذا نحتاج أن نتواصى بهذا المعنى ولذلك ذكره الله في مقام {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا...} لأنه سيمُدُك بالثبات، وقال: "الوهَّاب أي يهب لمن يشاء ما شاء من مُلكٍ وسلطان ونبوة" ولذلك دعا سيدنا سليمان عليه السلام بهذا الدعاء، محض رحمة تستوجب أن تذل وتخضع له وتُحبه. وقال الخطابي: "الوهَّاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استفادة" أي من غير طلب للثواب ولا مصلحة، ويقول الحُليني: "وهو المُتفضل بالعطايا المُنعم بها لا عن استحقاق عليه". ويقول النسفي: "الوهَّاب هو الكثير المواهب، المُصيب بها مواقعهم، الذي يقسمها على من تقتضيه حكمته"؛ أي يفيض بالخير على الكل على وفق الحكمة. قال ابن القيم في النونية: "وكذلك الوهَّاب من اسمائه فانظر مواهبه مدى الأزمان أهل السماوات العلا والأرض عن تلك المواهب ليس ينفكان". يقول بعضهم في بيان هبات ربه سبحانه وتعالى: "انظر إلى هباته سبحانه تتابعت نعمه وفاض كرمه وزاد، يغفر ذنبك، يفرج كربك، يُجبر كسيرًا، يُغني فقيرًا، يشفي سقيمًا، يُخصِب عقيمًا، ويُعلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويُرشد حيرانًا، ويفك أسيرًا، ويكسوعاريًا، ويُسَّلي صابرًا، ويزيد شاكرًا، ويقبل تائبًا، ويُجزي محسنًا، ويعطي محرومًا، وينشر مظلومًا، ويقصد ظالمًا، ويقيل عثرةً، ويستر عورةً، ويؤمن روعةً، ويُزيد لوعةً، ما للعباد عليه حق واجب، ولا سعيٌ لديه ضائع، إن نُعموا فَبفضلهِ أو عُذبوا فبعدلهِ، وهو الكريم الواسع سبحانه وتعالى...". فهو الوهاب سبحانه: يهب الولد الصالح {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30]. والزوجة هبة {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74] ويقول جل في عُلاه عن نبي الله زكريا: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ...} [الأنبياء:90] هبة منه سبحانه وتعالى. والأهل هبة يقول الله في حق نبي الله أيوب: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا...} [ص:43] كذلك الأخ الصالح هبة، فعندما يرزقك الله سبحانه وتعالى بأخ صالح يكون عونا لك على طاعة الله فذلك هبة منه سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى عن نبى الله موسي حين أرسل معه أخوه هارون: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} [مريم:53]. والنبوة هبة، يقول الله عن نبي الله موسى: {...فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:21] وقال وهب لي لأنه يشعر أنه لا يستحق النبوة، لذا لم يقل أعطاني لأن العطاء قد يكون عن استحقاق. والأخلاق الطيبة هبة، يقول النبي في دعائه: «اللهم أهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت» (صححه الألباني) فالأخلاق الطيبة هبة من هبات الله سبحانه وتعالى ولذلك قال تعالى عن بعض أنبيائه: {وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} [مريم:50] فهذا هو الوهَّاب سبحانه وتعالى. ثمرة معرفة الله الوهاب: ثمرة معرفة الله تعالى بهذا الإسم أن تتقرب إليه وتحبه، فأول الأمر أن يزيد العبد في تقربه إلى ربه سبحانه وتعالى فمن نظر إلى واسع كرمه وجليل نعمه طمع في رحمته لذلك يُكثر من دعائه سبحانه وتعالى لأنه وهَّاب فسيعطيه. واعلم أن العطاء لا يكون هبة حتى يكون مقرونا بطاعة وخير وبركة في الدنيا والآخرة. لذلك كان الصالحون لا يسألون الله تعالى فيقولون مثلا اللهم زوجني، وإنما كانوا يقولون ارزقني بزوجة صالحة تكون عون لي على أمر ديني ودنياي {...رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...} [الفرقان:74] أي تقر أعيننا بهن في الدنيا والآخرة فيكونون عونًا لنا على أمور ديننا ودنيانا ،ولا يسألون الله مجرد الولد والذرية ولكن يسألون الله تعالى الولد الصالح العابد الذي يكون خيرا لهم لا فتنة عليهم. ويقتضي ذلك لا شك حمد الله تعالى على هباته. تأمل حمد خليل الرحمن إبراهيم حين وهبه الله تعالى إسماعيل وإسحاق قال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم:39] فيكون من الأشياء الأساسية شكر الله على هذه النعم. وتقتضي كذلك الزُهد، هل رأيت هبة من هبات الدنيا قد بقيت لصاحبها؟ فليعلم كل من وهبه الله تعالى شيئا من الدنيا أنه زائل وأنه لابد أن يذهب عنه، فلا ينشغل بالنعمة عن المنعم ولا يشتغل بالخلق عن خالقهم ولا بالرزق عن رازقه ولا ينشغل بالهبة عن واهبها فلا يُفتن بولده وزوجه وماله وبأي هبة يعطيها الله إياه. وكذلك يقتضي الرضا، أن يرضى بما يهبه الله سبحانه وتعالى له، لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه برحمته من غير استحقاق فإن منعه الله فليعلم أن منعه عطاء، فقد يمنع ليعطي وقد يعطي ليمنع، فأحيانًا يمنع عنك كي يزيدك وأحيانًا يعطيك لأنك لو لم تأخذ الآن ستُفتح عليك أبواب أخرى فيتودد إليك بالنعم ليمنع عنك انصراف القلب واليأس والإحباط وهذه المعاني. فلا شك أن هذا الأمر يقتضي الرضا به سبحانه وتعالى وبقدره إذا أعطى وإذا منع. ويقتضي كذلك الصبر إذا ضاعت هذه النعم والهبات، فقد يكون المنع هو عين العطاء كما قلنا فإذا ابتلاك الله بالحرمان من النعمة بأن صرفها عنك أو أخذها بعد أن وهبك إياها فلابد أن هناك حكمة.. فاصبر لحكم الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى صاحب النعم ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وإنما دائما أبدا نقول إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى. وعلينا فقط الصبر والاحتساب فمن أعظم ما يُسلي العبد ويُصبره أن يرجع أمره كله إلى ربه سبحانه وتعالى ،يقول النبي حاكيا عن رب العزة في الحديث القدسي: «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة. يريد : عينيه» (صحيح البخاري). الفرق بين هبة الخالق وبين هبة المخلوق: قال الخطابي : "كل من وهب شيئًا من عرض الدنيا لصاحبه فهو واهب ولا يستحق أحد أن يُسمى وهَّابا إلا من تصرفت مواهبه في أنواع العطايا فكَثُرَت أفضاله وزادت، أما المخلوقون فإنما يملكون أن يهبوا مالا أو أن يهبوا نوالاً في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاءًا ولا يستطيعون أن يهبوا ولدًا ولا هدى ولا عافية، فالله الوهَّاب سبحانه يملك جميع ذلك وسع الخلق جوده فدامت مواهبه واتصلت مننه وعوائده...فهبات العباد محدودة وإن كانت هذه الهبات مطلوبة ". لذا قال النبي صلى اله عليه وسلم : «تهادوا تحابوا» لأنه سبب لتأليف القلوب. ويقتضي كذلك أن يُكثر العبد من هباته ليعامله الله تعالى بهذه الصفة فيهبه، لأن الله أكرم الأكرمين. المصدر: موقع الكلم الطيب |
(21) اسم الله الفتاح أ*. معناه لغة: الفتح لغةً: نقيض الإغلاق، والفتح: النصر، والاستفتاح طلب النصر. المعنى الأول: النصر: قال الله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال:19] أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. المعنى الثاني: القضاء والحكم بين الخصوم: قال الأزهري: الفتح أن تحكم بين قوم يختصمون إليك كما قال الله تعالى مخبراً عن شعيب: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]؛ فمعنى الفتح ها هنا أي (اقض بيننا). المعنى الثالث: نقيض الإغلاق يقول الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} [الأعراف:40]. معنى ذلك أن أبواب السماء تغلق أمام أرواحهم فلا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم بعكس المؤمنين، ومن هذا أيضا المفتاح فهو كل ما يُتَوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، يقول النبي: «أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي» (صحيح)، فالشاهد ها هنا قوله أعطيت أو أُتيت مفاتيح الكَلِم، أي أن الله تعالى يسر للنبي من البلاغة، والفصاحة، والوصول إلى غوامض المعاني، وبدائع الحِكم، ومحاسن العبارات والألفاظ التي أُغلقت على غيره. ب*. معنى الاسم في حق الله تعالى: - قالوا: الفتاح هو الذي يفتح أبواب الرحمة، ويفتح أبواب الرزق لعباده أجمعين، ويفتح أبواب الامتحان والبلاء للمؤمنين الصادقين، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96] أي إنهم لو امتثلوا لأمرنا وراعوا قدرنا في السر والعلانية، لكان من جزاء ذلك أن اُفَتِح لهم من رحمتي، وأن أنزل عليهم من فيض رزقي، لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون. ومنه قول الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2] فإذا أراد الله عز وجل أن يفتح على عباده فلا راد لقضائه سبحانه وتعالى، مهما اجتمع الناس على أن يضروا إنسانًا لن يضروه إلا إذا شاء الله له ذلك، وإن اجتمعوا على أن ينفعوه لن ينفعوه إلا بما قدره الله له. المعنى الثاني: يفتح أبواب البلاء والامتحان {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام:44] هذه عقوبة الذين لا يذَّكرون برسائل الله تعالى المتتالية. فالله عز وجل يرسل إليك في كل ثانية من عمرك رسالة فإما أن تفهمها وإما أنك تغفل عنها، فلما تنسى -ولا أقول تجحد أو لا تريد، بل تنسى.. تسمع وتُذكَّر ثم تنسى، تغفل- تكون العقوبة شديدة أن تزداد عليك المحن والابتلاءات لكي تفِيق {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:44] وتأتي لك الابتلاءات والامتحانات من كل الطرق، تبتلى في بيتك، تبتلى في عملك، تبتلى في نفسك... تُبتلى حتى تعود، وقد يكون من هذا الابتلاء أن يزاد لك في النعم زيادة في إقامة الحجج حتى إذا فرحت واستمرئت {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بغْتَةً} [الأنعام:44] يأخذ مرة واحدة، يموت فجأة، يحدث له بلاء ليس على البال ولا على الخاطر، حادثة سيارة، {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون} [الأنعام:44] أي حائرون، تائهون... سلم يارب سلم. المعنى الثالث: هو الذي يحكم بين العباد فيما هم فيه يختلفون كما تقدم معنا {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]. وقيل أيضًا الفتاح هو الذي يفتح خزائن جوده وكرمه لعباده الطائعين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين. إذًا الخلاصة: أن صفة الفتاح صفة جمال وجلال، بمعنى أن ربنا يتنزل برزقه وخيره ورحمته على الطائعين، لكن قد يفتح أبواب الهلاك والبلاء على الكافرين، وهو سبحانه وتعالى الذي يفتح على خلقه ما انغلق عليهم من أمورهم، فإذا ضاقت عليك الطُرق وضاقت عليك الأرض بما رحبت فالجأ إلى ربِّك الفتاح، يفتح لك كل عسير وييسر لك أمرك. يقول ابن القيم: وكذلك الفتاحُ من أسمائه *** والفتح في أوصافه أمران فتح بحكم وهو شرع إلَهِنا *** والفتح بالأقدار فتحٌ ثاني والربُّ فتّاح بزين كليهما *** عدلاً وإحسانًا من الرحمن ورود الاسم في القرآن: ورد هذا الاسم مفردًا مرة واحدة في قول الله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ:26]، وورد بصيغة الجمع مرة واحدة أيضًا في سورة الأعراف: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:8]. حظ العبد من اسم الله تعالى الفتاح: أ*. الأمر الأول: أعمال الجوارح والقلوب قلنا الله سبحانه وتعالى هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة، يحكم بينهم بالعدل والقسط، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل وأنزل من الكتب، وهذا يتضمن من الصفات كل ما لا يتم الحكم إلا به. بمعنى إنه طالما يحكم بينهم إذن فهو حكم عدل على أعمال العبيد سواء أعمال الجوارح أو أعمال القلوب. فالله عز وجل يعلم السر ويعلم العلن، أما العبيد فلا يعرفون إلا العلن، لا يعرفون إلا هيئتك، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» (صحيح) لماذا؟ لأن الرجل كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى للناس، كان يتشبه بهم في ظاهرهم أما الباطن فخرب. ولذا قال يعمل (ب) عمل، وليس عمل أهل الجنة! فمن ها هنا يكون حُكْمَه العدل على أعمال العبيد، ويقضي ويفصل بينهم بالقسط. الأمر الثاني: الصبر في الدعوة الله سبحانه وتعالى يحكم بين عباده في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويفتح بينهم بالحق والعدل، لذلك توجهت الرسل إلى الله الفتاح أن يفتح بينهم وبين قومهم المعاندين فيما حصل بينهم من الخصومة، وهذه رسالة إلى الدعاة أن ينهجوا بمنهج الأنبياء في معاملةِ قومِهم. أحيانا يصل الحال بالداعية بعد أن استنفذ كل الطرق مع قومه أن يقول لا فائدة، وربما يعرض عنهم إلى آخرين، والأصل في منهج الدعوة أن يلجأ إلى الله بالدعاء كما جاء عن نوح عليه وعلى نبينا قال {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ . فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:117- 118] احكم بيني وبينهم... هل استمر معهم أم لا؟ لا يُهم أنهم يُكَذبون أو أنهم يَتّبِعون المهم أنت راضٍ عني؟ هل أنا مقصر في شيء لذلك لا تصل الدعوة؟ الأمر الثالث: مراقبة خطرات النفوس يوم القيامة الله الفتاح يحكم بين عباده فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فالله جل وعلا لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا فالله سبحانه وتعالى يعلم كما قلنا يعلم سرَّنا ويعلم علانيتنا {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف:7]. ويقول الله {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ} [يونس:61] لا شيء يخفى على الله سبحانه وتعالى {عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس:61] حتى أن خطرات النفوس تُسَجل لكن لا يُحكم فيها، بمعنى أن كل ثانية في حياتك تسجل عليك حتى حديث نفسك، لكن الحساب على إرادة السيئة، من بداية إرادته السيئة يبدأ الحساب، إنما الهم: إنه يهِم مثلا أن يخرج مع امرأة كان يعرفها.. فهذا خاطر، ثم يسترسل في الحديث مع نفسه: أين هذه الأيام؟ وأين ذهبت الآن؟.. فهذا حديث نفس، ثم يبدأ أن يهِم بالأمر فيبحث عن رقم التليفون ويوشك الاتصال، ثم يفيق ويستعيذ ويحجم. هنا همَّ بالسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة، بمجرد أن يأخذ القرار ويُمسك بالتليفون وينظر إلى الرقم ويرفع السماعة ويبدأ بالكلام من هنا بدأت السيئات، أراد السيئة فبدأ يُحسب عليه، وكل هذا إذا رجع عنه لا شك يُبدَّل إن شاء الله إلا أن يتلبس بالفعل والعياذ بالله تعالى. سمَّى الله تعالى يوم القيامة يوم الفتح لهذا المعنى فهو يوم القضاء بين العباد {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} [السجدة:29] انتهى الأمر، لم يعد يُنتظر من أحد أن يأتي بشيء لأن الأعمال انتهت بذلك. الأمر الرابع: تفرد الله تعالى بمفاتيح الغيب ومنه أنَّ الله سبحانه وتعالى متفرد بعلم مفاتح الغيب، قال الله جل جلاله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام:59]، وقد عددها الله تعالى في سورة لقمان في قوله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]. وليأتي أشد المعاندين ببيان في هذه الأمور الخمس، عنده علم الساعة فهل من أحد يعلم ساعته؟، هل من أحد يعلم ميعاد الساعة الكبرى؟ ولا النبي الذي آتاه الله علمَ الأولين والآخرين. استأثر الله تعالى نفسه بهذا الأمر فلا يعلم به نبي مُرسل ولا مَلَك حافظ. {عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان:34]. وهذه آية من آيات ربنا، فقد يتنبأ علماء الأرصاد بنزول المطر ولا ينزل وقد يتنبئوا بعدم نزوله وينزل بقدره سبحانه وتعالى، فمهما بلغ الإنسان من العلم هو سبحانه وتعالى مُنزل الغيث. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} يعلم ما في الأرحام ابتداءً، يعلم هل هو شقي أم سعيد، ليس النوع فحسب {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34] كل هذه أمور تفرد الله تعالى بعلمها وهي من أمور علم الغيب. الأمر الخامس: الفتح والنصر من الله تعالى أنَّ الفتح والنصر من الله تعالى، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، يُعز من يشاء ويذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه لينبه عباده إلى طلب النصر والفتح منه لا من غيره لذلك قال الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح:1] وقال جل ثناؤه {فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة:52] وقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]. إذن ليس علينا إلا اتخاذ الأسباب فقط أما النصر فهو من عند الله سبحانه وتعالى {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران:126] وليس من واجباتي قطف الثمار هذا ليس عملي، عملي يقتصر على الاجتهاد وإيصال الخير للناس وفقط أما الفتح فهذا أمر يختص بسُنة الله الكونية. أسباب النصر أولها ولا شك أن يتحقق في الأمة معاني الإيمان والتوحيد؛ أن يُوحِّدوا الله تعالى فلا ولاء ولا براء إلا لله سبحانه وتعالى، يوالي من يواليه الله سبحانه، ويعادي من يعادي الله سبحانه وتعالى، يحب في الله ويُبغض في الله لكن الذي يحدث أننا نوالي في جماعة أو في تيار أوفي حزب وتكون محبتنا للأشخاص على هذا، ونعادي المختلف معنا، ولربما يكون في القلب من الكُره والبغض لأخينا المسلم ما لا تجده في تجاه الكافر والفاجر والمنافق فلا يكون الاجتماع على معاني التوحيد. فأول مفتاح من مفاتيح النصر: التوحيد؛ أن يُخلِص الجميع لله سبحانه وتعالى ولا يبغون إلا ذلك.ثَّم تتوالى بعد ذلك مفاتيح النصر الأُخر كالصدق، التخلق بأخلاق الإسلام، علو الهمة وكذلك الأخذ بالأسباب والاجتهاد فيها. وإذا نظرت فوجدت انهزامًا وذلاً وصغارًا فاعلم أنَّ المعادلة لم تأت على الوجه المطلوب لأنَّ الأسباب تؤدي الى نتائج و النتائج تدل على أنَّ الأسباب بها خلل. الأمر السادس: الفتح بالعلم والحكمة ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده الحكمة والعلم والفقه في الدين يقول الله {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}[البقر:282] ويقول جل وعلا: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22]. يقول القرطبي رحمه الله: "وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ ففاز الأنبياء بالقسم الأعلى ثم من بعدهم الأولياء ثم العلماء ثم عوام المؤمنين ولم يخيِّب الله منه سوى الكافرين فهم الذين لم ينالوا شيء من هذا الشرح" (شرح الصدر). كان النبي يقول لأصحابه إذا دخل أحدهم يقول: إ «ذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي اللهم صلي على محمد النبي وأزواجه وأمهات المؤمنين وذريته وآل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم صلِّ على محمد وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي وليقل: اللهم باعدني من الشيطان» (حسن، واللفظ عند النَّسائي في عملِ اليوم والليلة وعند ابن ماجه باسناد حسن). الأمر السابع: دوام التوكل أن تعتمد على الله سبحانه وتعالى قبل الأخذ بالأسباب وأن تطلب منه وحده مفاتيح الخير. قام النبي على المنبر فَقَالَ: «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ» (صحيح) وفي لفظ آخر عند البخاري أيضًا: «إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» (صحيح البخاري). وتلك المعاني مقلوبة عندنا تمامًا، فالمرء أول ما يوسع له في الرزق ويفيض الله عليه يزداد فرحًا، ويقول هذه علامة المحبة ويظن بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد أغدق عليه من نعمه ومنع غيره فهذا دليل على أنَّ ربنا سبحانه وتعالى يحبه ويريده وهو غير منتظم في الصلاة، ومقصر في أحواله بشكل عام، ويظن أنَّ له مكانة خاصة عند ربنا سبحانه وتعالى أو كأنَّ له دلالًا، فلا يوجد مشكلة إذا فرَّط في الصلاة أو فرَّط في شيء، وهذا من بقايا -وللأسف- فكر بعض المتصوفة. وهذا باطل، فالنبي كان يخشى على أمته مثل هذا.. انفتاح الدنيا عليهم لما فيه من فتن واستدراج. الأمر الثامن: أن تكون مفتاح خير مفتاح الخير هذا معناه أن تكون مُبارك حيثما كنت، أنك تمكث طوال الوقت تُفكِّر في أفكار وأشياء يكون من نتاجها هداية الناس، أن تكون أول من صلَّى من أصحابه وأخذ بهم إلى المسجد، أول من بدأ يُحافظ على دروس العلم ويدعو الناس وأصحابه لنفس الشيء. أن تكون هي أول من تحجب في وسط أقرانها وفي وسط عائلتها وبدأت تدعو إلى هذا بسمتها وأخلاقها، وهكذا. نُفكِّر في فكرة يكون من نتاجها أن تُفتح أبواب الخيرات أمام الناس، فيكون مفتاح خير، وفي نفس الوقت مغلاق شر. أعظم مفاتيح الخير: التوحيد والمُتابعة للنبي؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبد الله ورسوله إلا فُتِّحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» (صحيح). فالجزاء من جنس العمل، لما تلبس بأعظم مفاتيح الخير تتفتح له أبواب الجنة. قال: فُتِّحت له أبواب لجنة، ولم يُقل: أُدخِلَ من أبواب الجنة. فكأنه لما تلبس بالتوحيد أمسك بالمفتاح. ومنه كذلك ما رواه الترمذي وحسنه الألباني من حديثِ أبي هريرة رضي اللهُ عنه أنَّ النبيَّ قال: «ما قال عبدٌ لا إله إلا الله قط مُخلِصًا إلا فُتحت له أبواب السماء ما اجتنب الكبائر» (حسنه الألباني). فأعظم أسباب الرزق التوحيد لو أنَّه لهج بها خالصًا من قلبه فتحت له أبواب السماء، وكذلك أعظم أسباب الحرمان الذنوب لا سيِّما الكبائر، فبعد ما لهج بالدعاء وفُتحت أبواب السماء، قام بذنب، وقع في كبيرة تحجب عنه: «إنَّ العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يُصيبه» (صحيح). دعاء الله باسمه الفتاح ما روى مسلم من حديثِ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنَّا لليلة الجمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار فقال: إن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جعلتموه أو قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ واللهِ لأسألنَّ عنه رسول الله فلما كان من الغد أتى رسولَ الله فسأله فقال: لو أنَّ رجلاً وجد مع امراته رجلاً فتكلم جعلتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت، سكت على غيظ؟ فقال: «اللهم افتح» وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور:6] إلى آخر الآيات التي في سورة النور. فجاء الرجل بعدها وامرأته إلى رسول الله فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات باللهِ إنَّه لمن الصادقين، ثمَّ لعن الخامسة {أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7] فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله: «مه» فأبت فلعنت فلما أدبرا قال: «لعلها أن تجيء به أسودَ جعدًا» فجاءت به أسودًا جعدًا (صحيح). الشاهد: أنَّه لما التبس عليه الأمر صلى الله عليه وسلم أخذ يقول: اللهم افتح، اللهم افتح فأنزل اللهُ تعالى آيات اللعان. وفائدة أخرى في الحديث هي أنَّ الصحابي لما اعترض على الحكم في بدايته أُخِذَ بكلامه وابتُلِيَ فيه، فما كان بعد نزول آيات اللعان إلا أن اتهم امرأته وجاءا إلى النبي يتلاعنان.. فانتبه: حينما يكون بداخلك شيء تتزعزع فيه ويقينك فيه مهزوز فكن على وجل من أن تبتلى فيه ليخرج الله ما في قلبك.. {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101]. فنسأل الله باسمه الفتاح أن يفتح لنا من أبواب فتحه ورحمته ولطفه ما يقينا مساوئ ذلك. |
(22 ) اسم الله الرزاق
اسم الله الرزاق: الرزقُ في اللغة: مايُنتفع به، يُقال رزق الخلقَ رَزقًا ورِزقًا. فالرَزقُ بفتح الراء هو المصدر من رَزْق. والرِزق بكسر الراء هو اسم يُعبَّر به عن المصدر. ويُقال: رِزقًا اسم المصدر ويستخدم أحيانا موضع المصدر الأصلي. ويُجمع رِزق ورَزق على أرزاق، والرزاق من أبنية المبالغة على صيغة فعَّال. ورود الاسم في القرآن والسنة: ورد اسم الله الرزاق مفردًا مرة واحدة في قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:58]. وقد قُرِئ الرازِق ها هنا في في قراءة ابن مُحيصن وغيره {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّازِقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:58]. وورد بصيغة الجمع خمس مرات منها قول الله تعالى {وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة:114] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11] هكذا في سورة الجمعة. وورد قول النبي لإثبات هذا الاسم في الحديث أنه قال: «إن اللهَ هو المسعر القابض الباسط الرازق» (صححه الألباني). اسـم الله الرزاق: نبدأ باسم الله الرزاق ثم نعرج بعد ذلك على اسمه تعالى الرازق لبيان الاختلافات الواردة. ورد في الحديث الذي (رواه الترمذي وصححه الألباني) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «أقرئني رسول الله إني أنا الرزاق ذو القوة المتين» (صححه الألباني) وورد الحديث الذي مر بنا في رواية الترمذي والتي صححها الألباني كذلك أن النبي قال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق» (صححه الألباني). حقيقة الرزق قلنا ماينتفع به، وهو العطاء المتجدد الذي يأخذه صاحبه في كل تقديرٍ يومي أو سنوي أو عمري فينال ما قسم الله له في التقدير الأزلي والميثاقي. يعني هذا الرزق عطاء يتجدد من الله سبحانه وتعالى للعبد على حسب أقدار، منها تقدير يومي، أي يكتب له رزق اليوم، وهناك تقدير سنوي، وهناك تقدير عُمُرِي وهو أرزاقه التي كُتبت لهُ على مدى عُمُرِهِ. والرزاق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تنفيذ المقدر في عطاء الرزق المقسوم والذى يخرجُه في السموات والأرض. فإخراجه في السموات يعنى أنه مقضيٌّ مكتوب، وإخراجه في الأرض يعنى أنه سينفذ لا محالة. فالرزق أولاً مكتوب في اللوح المحفوظ ثم بعد ذلك ينزل في السموات لتعرفه الملائكة وتنزل به إلى صاحب الرزق في الأرض فينفذ على صاحبه. ولذلك قال الله تعالى في شأن الهدهد الموحد ومخاطبته سليمان {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل:25] الخبء: أي الشيء الخفي المخبوء. فهنا أدرك الهدهد أن الرزق مكتوبٌ في السماء قبل أن يكون واقعًا مقدرًا في الأرض. وقد قال الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22] وقال عن تنفيذ ماقسمه لكل مخلوق {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:6] وقال {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود:6]. إذًا فالرزاق سبحانه هو الذي يتولى تنفيذ العطاء الذي قدرهُ لأرزاق الخلائق لحظةً بلحظة، فهو المفيضُ بالأرزاقِ رزقًا بعد رزق ومبالغةً في هذا الإرزاق وهذا الإنفاق، ولذلك ليس من أحدٍ يُسمى بهذا الاسم إلا الله جل في علاه ولا ينبغي أن يوصف به بشر فلا يقال عن أحد أنه رزاق أبدًا لأن هذه صفه استأثر الله سبحانه وتعالى بها لنفسه. ويروى عن امرأة أنه لما هددها زوجها بمنع النفقة قالت: "إنما أنت أكال" أي تأتي لنا بالأكل أما الرزاق فهو الله سبحانه وتعالى. كلام العلماء على اسم الله الرزاق ودلالاته في حق الله تعالى: قال ابن جرير: هو المتكفل بأقواتهم {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:79-80] قال الخطابي: هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمُها من قوتها فليس يختص بذلك مؤمنًا دون كافر ولا وليًا دون عدو. ويعجبني قول لأحد الأخوة خاص باسم الله الرزاق إذ يقول: "إذا كان الله يرزق فلان الكافر كيف لا يرزقني؟". فمهما ضاقت به السبل وقُدّر عليه رزقه دائمًا عنده يقين وحسن ظن بالله سبحانه وتعالى أن الله سيعطيه. يقول الحُليني: هو المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به. فالصحة رزق والعافية رزق، والمال رزق. وقال: "هو الرزاق رزقًا بعد رزق والمكثر الموسع على عبيده سبحانه وتعالى". قال السعدى: الرزق نوعان: رزق عام يشمل البر والفاجر والأولين والأخرين وهذا رزقُ الأبدان، ورزق خاص وهو رزق القلوب. وهذا معنى هام جدًا في اسم الله الرزاق، فمتى تحدثنا عن "الرزاق" سبحانه تجد الناس انصرفت قلوبهم وعقولهم إلى رزق الأبدان فقط من المال وغيره. ولكن أعظم الرزق هو رزق القلب، وهو بأن يُغذيه الله تعالى بالعلم والإيمان هذا هو الرزقُ الحلال الذي يعين على صلاح الدين وهذا خاصٌ بالمؤمنين على مراتبهم بحسب ما تقتضيه حكمة الله تعالى ورحمته. يقول النبي: «إن الله قسم بينكُم أخلاقكُم كما قسم بينكُم أرزاقكُم وإن الله عز وجل يعُطى الدنيا من يُحب ومن لايُحب ولا يُعطى الإيمان إلا من أحب» (صححه الألباني) هذا الحديث من حديث ابن مسعود (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني). أثر الإيمان باسم الله الرزاق: الدرس الأول:التوكل أول شيء يتعلمه العبد من اسم الله الرزاق أن يزداد ثقةً ويقينًا في ربه فلا يتوكل إلا عليه. مشكلتنا أننا في مجتمع مادي تحكمه فلسفة مادية الكل متعلق فيه بالأسباب والنتائج، فمن يذاكر 3 ساعات سيحصل على تقدير جيد، ومن يذاكر 6 ساعات يحصل على تقدير جيد جدًا، وهكذا في كل أمورنا. وتناسينا دور المعاني الإيمانية وتقوى الله في زيادة الرزق وفي التوفيق للمعالي. وتناسينا أن الأسباب ما هي إلا وسائل وأن أرزاقنا في السماء قد قدرت من قبل إقدامنا على هذا السبب أو غيره وتناسينا أن هذه الأسباب نفسها ما هي إلا رزق يساق إلينا ليسوق غيره وركنّا إليها وتعلقت بها قلوبنا. فأول شيء لتحقيق الإيمان بمعنى اسم الله الرزاق: التوكل، أن تسعى في اتخاذ الأسباب دون اعتماد عليها و تعلم تمامًا أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا كان. وإذا رزقت فانفق تزدد رزقًا.. ولا تعتمد على الادخار سببًا في حفظ الرزق..فإن هذا مما ينافي التوكل أيضًا. روى (البزار وصححه الألباني) من حديث ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بلال وعنده صُبرة من تمر فقال ماهذا يا بلال؟ قال: شيء ادخرته لغد أو أعد ذلك لأضيافك قال: أما تخشى أن يفور له بخار في نار جهنم يوم القيامة أنفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً» (صححه الألباني). صبرة من تمر: أي حفنة من التمر، ادخرها سيدنا بلال رضي الله عنه لأضياف النبي صلى الله عليه وسلم، فوجهه النبي إلى الإنفاق. وهذا المعنى يكاد يكون مفقود في في زماننا، زمن الثلاجات.. يأتي الواحد منا باحتياجات الشهر في بيته ويقول ادخر للزمن. بل أنفق أخي ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، واترك أهل الحرص وحرصهم، ألا ترى الطير لا تملك خزائن لقُوتها ولا تملك ثلاجات ولا شيء ولكن تغدو خماصًا وتعود بطانًا كما قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا» (السلسلة الصحيحة :620). وقد وكل الله ملكين ينزلان من السماء أحدهما يدعو لكل منفق والآخر يدعو على كل ممسك فيقول النبي صلى اللهُ عليه وسلم في الحديث الذي (رواه البخاري) «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفاً ويقول الأخر اللهم أعطِ ممسكًا تلفاً» (صحيح البخاري). وتأمل في سورة الليل كيف ربط الله بين البخل والاستغناء عنه سبحانه فقال: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} [الليل:5] يبخل حين يحب المال ويصفه الله أنه إذا فعل فإنه بهذا يستغني عنه، لأنه يركن إلى ماله ويرى فيه الأمان والمستقبل والعزة فهل وجد في ماله ما يريد..كلا {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5]. إنفاق الشيخ ابن باز: يروى عن الشيخ ابن باز رحمه الله أنه كان ينفق ما يقارب 68 مليون ريال سعودى في السنة كلها في سبيل الله. وروى أن امرأة مشلولة أرسلت له تشكو الله زهد الرجال في الزواج منها وأنها تتمنى بناء منزل يرغب الناس في الزواج منها.. فأرسل لها الشيخ 400 ألف ريال وأمر أن يبنى لها المنزل عسى أن يتقدم أحد للزواج منها. الدرس الثاني: توحيد الله باسمه الرزاق. صفة الرزق من صفات الربوبية التي لا يتصف بها سوى الرب الخالق وهذا معناه أن تعلقك بالأسباب يوقعك في شرك وقدح في توحيدك.. يقول الله تعالى {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم من الآية:40] فكما أن الله هو الخالق المحي المميت فكذلك هو وحده الرزاق، فلا أحد يستطيع أن ينسب الخلق إلا لله، وكذلك الإحياء والإماتة، فكذلك عليك ألا تنسب الرزق لغيره.. أن تتودد إلى مديرك وتتقرب إليه لأنه هو الذي يرزقك لا شك أن في هذا مخالفة، ومن تتنازل عن دينها مقابل بقائها في عمل تحتاج رزقها منه لا شك أن في هذا مخالفة..وهي ليست بالمخالفة الصغيرة بل الأمر متعلق بالتوحيد..فلا شك أنه يحتاج منّا لوقفات واستدراك. الدرس الثالث: كلما زادك الرزق قربًا من الله وازددت به إيمانًا فهو بشارة بزيادة محبة الله لك، ففي الحديث «وإن الله عز وجل يعُطى الدنيا من يُحب ومن لايُحب ولا يُعطى الإيمان إلا من أحب» (صححه الألباني). فانظر لرزقك ماذا فعل فيك؟ الدعاء باسم الله الرزاق: ورد بالوصف كثيرًا عن النبي دعائه باسم الله الرزاق، من ذلك: ما (رواه البخاري) من حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت، ليعزم مسألته إنه يفعل مايشاء لا مكره له» (صحيح البخاري). فدلنا النبي أن ندعو الله تعالى ونوقن بالإجابة ونعزم في المسألة اللهم ارزقنا. ومنها ما (رواه البخاري) أيضًا من حديث عمر قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك» وكان من دعائه والحديث (رواه مسلم) «أن كان يقول اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً» (رواه مسلم) أعطهم قدر احتياجهم لا توسع عليهم فيطغوا ولا تقدر عليهم فيضيق عليهم فيجزعوا وإنما أعطهم ما يكفيهم وقنعهم بذلك. أن النبي كان يعلم صحابته هذا الدعاء كان الرجل إذا أسلم علمه النبي الصلاة. ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» (رواه مسلم) خمس جمعت الخير كله في الدنيا والآخرة. أن يغفر له تعالى ويرحمه ويكتُب له الهداية هداية التوفيق وكذلك يعافيه في الدنيا. الفرق بين الاسمين بين اسم الله تعالى الرزاق وبين اسم الله الرازق يقول: الرازق سبحانه هو الذي يرزق الخلائق أجمعين وهو الذي قدر أرزاقهم قبل خلق العالمين وهو الذي تكفل باستكمالها ولو بعد حين فلن تموت نفسا إلا باستكمال رزقها يقول النبي «أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم» (صححه الألباني). في لفظ آخر عن أبى أمامة في مسند الشهاب من حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي قال: «إن روح القدس نفث في روعي أنَّ نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإنَّ الله تعالى لا يُنال ماعنده إلا بطاعته». إذن فالرازقُ فيه معنى الرزق المطلق، فهو يفيد ثبوت صفة الرزق لله عز وجل أما الرزاق فتفيد التكثير، أنه يرزق رزقا بعد رزق. ولعلنا نذكر الآن بعض مفاتيح الرزق كأسباب يأخذ بها العبد لزيادة رزقه، منها: 1_ الاستغفار والتوبة {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:12]. 2_ التبكير في طلب الرزق يقول النبي: «اللهم بارك لأمتى في بكورها» (صحيح) ووقت البكور هو وقت ما بعد الفجر. 3_ التقوى {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2] قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96]. 4_ اجتناب المعاصي قال الله {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] ، وفي الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (رواه السيوطي في الجامع الصغير رقم: 4262). 5_ التوكل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق:3]. 6_ التفرغ للعبادة: عكس مايقوله الناس والدليل عليه قول الله تعالى في الحديث القدسى «يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسدُّ فقرك وأملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً» وهذا اللفظ في (الحاكم) «يابن آدم تفرغ لعبادتي أملا قلبك غنى وأسدُّ فقرك وأملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا» 7_ المتابعة بين الحج والعمرة فإنها سبب للرزق لأن النبي قال «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» 8_ كثرة الإنفاق في سبيل الله قال الله: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39] أنفق ينفق عليك. 9_ الإنفاق على من تفرغ لطلب العلم الشرعي: النفقة على طلبة العلم سبب للرزق، ففي الحديث أنه كان ثمة أخوان على عهد رسول الله وكان أحدهما يأتي النبي والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى النبي فقال له النبي: «لعلك تُرزق به». ونفصل هنا: بأن ليس المعنى أن يتفرغ الجميع لطلب العلم ، لا وإنما كل ميسر لما خلق له.. فطالب العلم لا نأمره بالعمل وخوض ميدان الحياة وما فيه من أوحال لأن طبيعته التي جبل عليها لا تناسب ذلك، فغالباً ما تجد من هذه صفته يحب الجلوس في البيت والعزلة والقراءة ولا يحب الاختلاط بالناس، فيكون في خروجه إلى العمل والحياة تبديد لقدراته التي لا يناسبها هذا المجال. وقد تجد آخر لا يناسبه جو الطلب، بل يحب الخلطة والخروج وخوض غمار الحياة والحركة والتجريب ولا يصبر على الجلوس في المنزل أو تصفح كتاب، فهذا خلق ليكون في مجال آخر كالدعوة، فيدفعه حبه للحركة والخلطة وكراهيته للسكون والعزلة إلى التحرك بين الناس وملاطفتهم وبسط الحديث معهم ومجادلتهم.. فيكون ناجحًا في دعوته على عكس الأول. إذا فالمقصود أن كلٌ ميسر لما خلق له، وأن الأحكام عامة على الجميع ولكلٍ فرصته في التخصص فيما يناسب مؤهلاته وقدراته التي جبل عليها لذا قال النبي للرجل لعلك ترزق به ، فلم يقلل من عمل أحدهما ولم يلم أحدهما لمعرفته بطبائع النفوس. 10_ صلة الرحم سببٌ لسعة الرزق «من سره أن يبسط له في رزقه وينسَأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه البخاري) 11_ إكرام الضعفاء والإحسان إليهم النبي قال: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم» (رواه البخاري) 12_ الهجرة في سبيل الله .. يترك مكان الضيق إلى غيره ما فيه سعة في الرزق ولكن بضوابط الهجرة، وليس كما يحدث الآن بأن يهاجر أحدهم بالسنوات تاركًا زوجته وأولاده بحجة تأمين المستقبل مما يفتح أبواب الابتلاءات والفتن والفواحش على الزوجات. قال الله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء:ها100]. المصدر: موقع الكلم الطيب |
شرح وأسرار الأسماء الحسنى - (23) اسـم الله البـارئ
ورد اسم الله تعالى البارئ في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم منها في سورة الحشر ورد مُطلقًا، معرفًا، مُرادًا به العلانية، دالاً علي كمال الوصفية. وهذه هي الشروط التي وضعها العلماء حتي يُدخل هذا الاسم في أسماء الله تعالى: 1- أن يكون مطلقًا ليس مقيدًا كقوله تعالى:{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر:24] فذكر الاسم مطلقًا، إنما ورد مقيدًا في قول الله تعالى{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة:54]. 2- وأن يكون مُعرَّفا (البارئ) هكذا جاء معرفًا ليس نكرة. 3- مُراداً به العلانية ..أي أنه علم علي ذاته سبحانه. 4- دالاً علي كمال الوصفية ..بمعني أنَّ تكون الصفة صفة كمال لا تعتريها أي شائبة. {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24] معنى اسـم الله البـارئ: المعنى لغة:
أعذر الله سبحانه وتعالى عباده كما يقول النبي "فما أحدٌ أحب إليه المدح من الله وما أحدٌ أكثرَ معاذير من الله" [صححه الألباني في صحيح الترمذي وغيره ] يعني يخطئ العبد ولوشاء الله –عز وجل- أن يعجل عليه العقوبة لكن يعذره، ويأمرنا من باب آخر أن نتلمس الأعذار للناس، (أعذر ثم أنذر) فبدأ بصفة الجمال (الإعذار) ثم صفة الجلال (الإنذار).
أي خير البرية: من حقق معنى الإيمان والعمل الصالح وفي الناحية الأخرى{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ }[البينة:6] هذا في المعنى اللغوي للاسم. معنى الاسم في حق الله سبحانه وتعالى البارئ :الذي أوجد الخلق بقدرته.
الفرق بين اسم الله البارئ واسم الله الخالق:
قال الخطابي: "البارئ هو الخالق إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من الخلق وقلما يُستعمل في خلق السماوات والأرض والجبال". المقصود أن اسم الله الخالق هذا اسم عام يشمل جميع الخلق، وكلمة الخلق هنا تشمل كل مخلوقات الله سبحانه وتعالى، واسم الله الخلّاق نفس الأمر، أما برأ فتختص بعالم الحيوان.
قال: "الخلق هو التقدير، والبرء هو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود" أي أن الله سبحانه وتعالى في مراحل إيجاده للشيء:. المرحلة الأولى: يقدر الله الشيء في قدره سبحانه وتعالى وفي علمه السابق. المرحلة الثانية: مرحلة تنفيذ هذا التقدير وإبرازه وتقريره إلى الوجود وهي مرحلة البرء، وليس كل من قدر شيئًا ورتَّبه يقْدِر على تنفيذه وإيجاده.
يقول اسم الله البارئ يحتمل معنيين أحدهما: الموجد لما كان في معلومه، وهو الذي يشير إليه الله جل وعلا في قوله {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } [الحديد /22] لم يقل من قبل أن نخلقها أو من قبل أن نصورها.."من قبل أن نبرأها" ولا شك أن إثبات الإبداع للباري جل وعز لا يكون على أنه أبدع بغتة من غير سبق علم بل هو على سبق في علم الله. يعني عندما يحدث زلزال أو بركان أو أي حادثة كونية بغتة مفاجئة للبشر، هذا الشيء الذي برأه الله فأصبح موجودا منفذا أمامنا، كان قبل حدوثه معلوما عند الله..كان مفاجئا لنا فقط له سبق علم عند الله. وهذا يعطينا إشارة إلى ضرورة أن تكون حياة المؤمن مبنية على علم، فلا يمشي في الأرض سدىً ولا عبثًا، و لا يكون أهوجا طائشا يتصرف من غير دراسة ولا تخطيط..بل يجب أن يكون له حظ من اسم ربه البارئ. المعنى الثاني: يُشير أنَّ المُراد بالبارئ قالب الأعيان، أي أنه أبدع الماء والتراب والنار والهواء لا من شيء، ثم خلق منها الأجسام المختلفة كما قال جل وعلا : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الانبياء: 30] وقال: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ }[ص:71] وقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ }[النحل: 4] وقال:{ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } [الروم: 20] وقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن :14-15]وقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون:12-14] وبذلك نخلص في معنى البارئ الى أربعة معاني: 1 – البارئ هو: الموجد، المبدع، من برأ الله الخلق أي خلقه. وبهذا يكون مرادف ومشابه لاسم الله (الخالق). 2 – البارئ: الذي فصل بعض الخلق عن بعض، أي: ميَّز بعضهم عن بعض، وهذا مثل ما قلنا برأ الشيء بمعنى قطعه وفصله. ميَّز الخلق هذا أبيض وهذا أسود، هذا عربيّ وهذا أعجمي، 3 –البارئ يدل على أنه تعالى خلق الإنسان من التراب، قال {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55] لأنه في لغة العرب يقولون: البرىّ هو التراب. 4 – البارئ هو: الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت، { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}[الملك:3] أي خلقهم خلقًا مستويًا، ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، فهم أبرياء من ذلك كله. وهنا قد تعرض شبهه: كيف مع كون الله هو الخالق البارئ وله الكمال المطلق في ذلك ويكون في خلقه نقصان؟ كمن خلق أعمى لا يبصر أو أصم لا يسمع أو به شلل أو أي عيب خلقي؟ نقول ابتداء أنه { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] يعني السؤال من البداية خطأ، لكن هذا جواب لأهل الإيمان الذين يعرفون أن الله سبحانه حكيم عليم، أنَّ الله سبحانه وتعالى يُحال في حقه الظلم "إني حرمت الظلم على نفسى" فهم يعرفون تماما كما في حديثِ النبي أن "من فقد حبيبتيه فإن الله عز وجل يبدله بهما الجنة يصبر على ذلك " [ مسند أحمد بن حنبل] ، ويكون هذا مفتاح دخوله الجنة، لا تحتاج أكثر من أنك فقط تصبر على هذه البلية- المؤمن يفهم ذلك-. أما الملحدون والمتكلمة أهل الشبهات فنقول لهم: أن الأرزاق قُسِّمَت ما بين الناس جميعًا بالسوية، لكن الرزق تفاوت في كيفيته بالنسبة لكل شخص، فشخص كان الرزق بالنسبة له مال، وآخر كان الرزق له صحة، وثالث كان الرزق له تيسير أمور من نحو تيسير زواج وأولاد ونحو ذلك، وشخص آخر رزق ملكات وذكاء فيستغل ملكاته وذكاؤه ويصبح به مرموقا فكل يأخذ رزقه من ناحية. فقانون العدل الإلهي يقتضى ذلك، وهذا دليله الحس قبل أن يكون دليله الايمان، فالواقع يشهد أن الذي يفقد شيء يُعوَّضه الله بأشياء، فمثلاً الإنسان الضرير من أكثر الناس في ملكة الحفظ وييسر له ما لا ييسر للإنسان العادي الصحيح. ونفس الحال بالنسبة للغنى والفقير، فالفقير له راحة البال، والله يدخل الفقراء قبل الأغنياء الجنة، وكم من غني أغبط فقيرا على رضاه وراحة باله وصلاح حياته .. فكل إنسان أخذ جزء من الكعكة ولم يأخذها كلها، ولكن كل منا ينظر إلى القطعة التي لم يأخذها. حظ المؤمن من اسم الله البارئ:
المؤمن – كما قلنا- لا بد أن تكون له دراسة جدوى في حياته بشكل عام، يخطط لحياته ولا يعيشها عبثا. فأول ما يستيقظ من نومه يأخذ بكلام العلماء في القيام بـ:..(المشارطة، والمحاسبة، والمعاتبة، والمعاقبة) التي هي مراتب المحاسبة.
يخطط ليومه من بدايته، يسجل ما يريد إنجازه في يومه ويحاسب نفسه بعد ذلك.
بعد انتهاء اليوم وقبل أن ينام، يبدأ ينظر في تنفيذ ما اشترطه على نفسه..ويحاسبها فإن وجدها قصرت تأتي مرحلة.. 3. المعاتبة: يعاتب نفسه على تقصيرها ويذكرها بالموت والآخرة وأن العمر رأس ماله.
ثم يعاقب نفسه بأن يحرمها من نزهة مع الأصدقاء، أو يحرما من شراء شيء تحبه..يعاقبها فيما تحب. وهكذا في كل يوم..فيصل مع الوقت إلى إحكام نفسه وتأييدها.
قلنا برأ الشيء بمعنى تخلص..ومنها يسعى المؤمن في تنزيه نفسه من العيوب والنقائص والآفات..وهي التزكية وسوف نفصل فيها لاحقا إن شاء الله.
الإعذار: فقلنا أن المؤمن لكي يُعذر عند الله عز و جل عليه تلَمُّس الأعذار لغيره.
قلنا البري بمعنى التراب، فتشير لمعنى الذل والانكسار فأي مخلوق من تراب هذا الذي يتكبر وعلامَ؟
تحقيق مبدأ الولاء والبراء: يبرأ فيها معنى البراءة.. أنه يبرأ من أشياء ويُوالي أشياء، والولاء والبراء يتحقق في عدة معاني منها: أولا أن يبرأ إلى الله عز وجل من كل دين يخالف دين الإسلام. ويبرأ في خاصة نفسه من كل شهوة تخالف أمر ربه. ويبرأ من كل شبهة تخالف النص الذى ورد عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله. يبرأ من كل ولاء لغيرِ دين الله وشرعه ومن كل بدعة تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم يبرأ من كل معصية تؤثر على محبته لربه وقربه منه..
|
(24)اسم الله تعالى المصور
وروده في القرآن وفي السنة: ورد هذا الاسم مرة واحدة في القرآن وهو قوله تعالى { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24] وجاء بصيغة الفعل مرات { هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ }[آل عمران:6] { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ} [الأعراف:11] {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }[التغابن:3] المعنى لغة: يُقال: المصوِّر صَوْر الشيء بمعنى الميل. قال: رجل أصور أي مائل، وصُرتُ إلى الشيء أي أملته إليك ومنه قول الله تعالى {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } [البقرة:260]أي أمِلهن وأجمعهن إليك ويقال تصور الشيء أي تخيله وتوهمه. والتصاوير أي التماثيل وصورة الأمر كذا وكذا: أي صفته، وضربه فتصور :أي سقط. يُقال صوّر الشيء: أي جعل له شكلا معلوما، قطعه وفصله وميزه وهذا قريب أيضًا من اسم الله البارئ فهو فيه معنى التمييز للشيء. وفيه معنى الخلق وتصويره: جعله على شكل متصور وعلى وصف متعين أو وصف معين . هكذا ذهب اللغويين فى شرح هذا الاسم. والصورة لغة: هي الشكل والهيئة والذات المتميزة بالصفات. قال الراغب الأصفهاني في المفردات: "الصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز بها غيرها وذلك ضربان أحدهما محسوس يدركه الخاصة والعامة، بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوان بالمعاينة كصورة الإنسان والفرس والحمار والثاني معقول يدركه الخاصة دون العامة كالصورة التي اختص الإنسان بها من العقل والروية والمعاني التي خص بها شيء بشيء" فالمصور في حق الله سبحانه وتعالى: هو الذى صور الأشياء بشتى أنواع الصور الجلية، والخفية، والحسية، والعقلية، فلا يتماثل جنسان أو يتساوى نوعان بل لا يتساوى فردان {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة:4] فالصور تتميز بألوان وأشكال في ذاتها وصفاتها، في خارجها وداخلها. والله جل وعلا أبدع صور المخلوقات وزينها بحكمته وأعطى كل مخلوق ٍ صورة على مقتضى مُشيئته وحكمته، فهو الذي صور الناس في الأرحام أطورا ونوعهم أشكالا. قال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِين } [الأعراف:11] ومرحلة التصوير هي المرحلة الثالثة من مراحل الإيجاد بعد الخلق والبرء، فبعد تقدير الشيء وإنفاذه في الوجود تأتي مرحلة إضفاء الملامح والسمات التي يتميز بها كل مخلوق عن غيره. ومثله - ولله المثل الأعلى- إذا أراد إنسان أن يبنى بناءً يأتي بمهندس يضع له تصورا للبناء أولا ثم تبدأ مرحلة تنفيذ البناء بالمواد الأولية ثم المرحلة الأخيرة مرحلة التزيين وتجميل البناء حتى يتميز عن غيره من الأبنية، ولله المثل الأعلى. وإذا كان هذا البناء – وهو أمر هين- يحتاج إلي عدة أشخاص لإخراجه إلى الوجود والفراغ منه. فكيف بخلق السموات والأراضين السبع والشمس والقمر والكون على ما فيه من خلائق وأعاجيب .. فسبحان من خلق وصور وحده بلا معين ولا وزير..فهو وحده الخالق البارئ المصور. وحده قدر الشيء من قبل ثم أنفذه في وجوده ثم أعطاه من الملامح والقدرات ما يجعل له كيانا مميزا مستقلا..فسبحان الرب الإله. المعنى في حق الله سبحانه وتعالى كما ذكر أهل العلم الطبري يقول: "المصور أي الذي صور خلقه كيف شاء وكما شاء" وقال في تفسير قول الله تعالى {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }[الانفطار:7-8] أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء. يعني وكأن الخلق في البداية يكون كقطعة طين ثم يميله إلى جنس معين، فهذا من جنس عربي وآخر من جنس أعجمي، وهذا أبيض وذاك اسمر، وهذا أماله إلى صوره حسنة وذاك إلى صورة قبيحة أو إلى صورة بعض القرابات مثلا، فهذا يشبه أباه وهذا يشبه أمه وهذا يشبه خاله وآخر يشبه عمه وهكذا. قال الزجاج: "المصور هو مصور كل صورة لا على مثال احتذاه ولا على رسم ارتسمه بل يصوره كيفما شاء سبحانه وتعالى". قال ابن كثير: "الخالق البارئ المصور أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار". · ويقول الخطابي: "هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها قال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}[التغابن:3]" لأنه لو وجد شخصين يتشابهان تماما لن يتمكن الناس من التفريق بينهما، وهذه الحكمة تغلق باب الاستنساخ لأنه يناقضها. إذا فمعنى المصور على أمرين الأول: الذي أمال خلقه وعدلهم إلى الأشكال والهيئات التي توافق تقديره وعلمه ورحمته التي تتناسب مع مصالح الخلق ومنافعهم. والثاني: أنه الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة وهيئات متباينة من الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة والأنوثة كل واحد بصورته الخاصة. @شبـهـه: يقولون أن الله قد خلق آدم على صورته، إذا فالصفات واحدة. ونرد فنقول: أن المصور هو الذي صور الإنسان وأكرمه بأعظم تكريم وهو أن خلقه على صورته في المعنى المجرد ليستخلفه في الأرض ويستأمنه في ملكه. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال :"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس, فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال : السلام عليكم، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن." [صحيح] والعلماء قالوا :الحديث ظاهر المعنى في أن الله تعالى صور آدم وجعل له سمعا وبصرا وعلما وحكمة وخلافة وملكا وغير ذلك من الأوصاف المشتركة عند التجرد والتي يصح عند إطلاقها استخدامها في حق الخالق والمخلوق،فالله رحيم وفي خلقه رحمه يوصفون بها لكن الرحمة في حق الله متفاوتة ومختلفة.. رحمة تليق به سبحانه وتعالى لا يعتريها أي معنى من معاني النقصان ولا تشبه رحمة البشر. وقالوا: أن لفظ الصورة عند التجرد لا يعنى التماثل قط ..فالله ليس كمثله شيء ولا نشبّهه بشيء ، لكن هناك معاني مشتركة قضى الله بها ليكون العباد ربانيين يسعون إلى الارتقاء إلى رب العالمين في سلوك طريقهم إليه وأن يتحلوا بما يحب من هذه الصفات وأن يتخلصوا ويتبرءوا ويتنزهوا عن صفات لا يحبها وأن لا يتكلفوا صفات استأثر الله عز وجل نفسه بها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق فمن نفى القدر المشترك فقد عطل ومن نفى القدر الفارق فقد مثل " وهذا من أصول الاعتقاد في باب الأسماء والصفات، فما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق. فالذي ينفي القدر المشتَرك يُعطِّل صفات الله..فيقول: (الله يسمع وأنا أسمع فكيف ذلك؟ إذا فالله يسمع بلا سمع)..فيعطل الصفة لنفي التشابه. وهو ليس ثمة تشابه أصلا، فسمع الله تعالى على الوجه الذي يليق به وليس على الوجه الذي خلقنا عليه. وكذلك من نفى القدر الفارق فقد شبه فيقول لا فرق بين رحمة الله ورحمة البشر..نعوذ بالله. حظ المؤمن من اسم الله المصور: توحيد الله سبحانه وتعالى قلنا أن اسم الله المصور يوجد فيه معنى التمييز. إذا فأول شيء يُراعيه العبد في العمل بهذا الاسم هو تحقيق التوحيد, فلا يتشبه بما انفرد به ربه من صفات الربوبية، ولا يقع في شركِ التمثيل ولا يشبه الله سبحانه وتعالى بصفاتِ البشر على الوجه المذموم . 2. قضية التصوير: والحديث رواه مسلم والإمام أحمد من حديث سعيد بن أبي الحسن أنه قال جاء رجل الى ابن عباس فقال: "إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها"، فقال ادنُ مني فدنى منه ثم قال ادنُ مني فدنى حتى وضع يده على رأسه فقال أنبئك بما سمعت من رسول الله : سمعت رسول الله يقول "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا تعذبه في جهنم"[ مسلم والإمام أحمد] وفي رواية الامام أحمد "قال فربى لها الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه فقال له ابن العباس: "ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح "وفي رواية الإمام أحمد (إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له). هذا الأمر يشير إلى خطورة قضية التصوير وأنها من جملةِ الكبائر ويدل عليه كذلك الحديث الذي رواه الطبراني وحسنه الألباني من حديث عبد الله بن مسعود أنَّ النبي قال: " أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتل نبيًا أو قتله نبي أو رجلٌ يُضِّلُ الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل" [حسنه الالباني] مصطلح الصورة في زماننا أصبح متشعبا، فلدينا التماثيل والرسم والتصوير الفوتوغرافي والرقمي والفيديو . لكن الجماهير من العلماء على أن مصطلح الصورة هو التماثيل وهي التي تدخل في هذا النهي الشديد الذي ورد عن النبي . والخلاف بين العلماء على باقي الأنواع غير أن الرسم باليد يدخل تحت نطاق النهي إلا أن تبتذل وتمتهن كأن تكون سجادة على الأرض تداس بالأقدام أو وسادة كما صنعت عائشة رضي الله عنها حين اتخذت التصاوير التي كانت معلقة على الجدار وسادة أما أن تعلق هذه الرسوم فهذا يدخل تحت نطاق النهي والدليل عليه حديث عائشة. يسعى في تحسين ظاهره وكذلك في تحسين باطنه: إذ قلنا أن التصوير فيه معنى تزيين الشيء وتمييزه، وقلنا مثال ذلك البناء الذي يُبنى، فيذكّر هذا بمعنى : الله جميل يحب الجمال ويحب أن تكون على أحسن صورة، فحقها وحظ المؤمن فيها أن يكون هو كذلك جميلا، أن يكون على صورة حسنة طول الوقت لما قال النبي :"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقالوا :أفرأيت الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وسمته حسنا ( شكله جميل ) قال: ليس ذاك. إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ". لكن في نفس الوقت ينبغي أن لا يأخذ هذا التحسين الظاهري منه جل وقته, كأن يقف أمام المرآة مثلا نصف ساعة ليسرح شعره بطريقة معينة ويلبس بشكل معين، لا, قال : "البذاذة من الإيمان" [ أخرجه أحمد في مسنده] يعني أحيانا لا يهمه مظهره الخارجي فلا يكون عبدا للصورة. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : "تعس عبد الخميصة" والخميصة هي الثوب، فبعضهم لا يقدر أن يتخلى عن مظهر ألفه الناس عليه فيعطل صلوات وعبادات لأنه يجب أن يظهر طول الوقت بمظهر معين أمام الناس. وهذا مذموم بل المهم أن يسعى في تحسين باطنه مع الحفاظ على حسن المظهر وأن يسعى في تهذيب نفسه وتطهيرها من آفاتها.. ألم نقل أنهما صورتان: خارجية وداخلية..فلا يهمل أحدهما. نختم اسم الله المصور بقول الله تعالى:{يَا أَيُّها الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ ِبِرِّبِكَ َاْلَكَرِيم الَِّذِي خِلَقَكَ َفَسّواكَ فَعَدَلَك فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَّك} [لانفطار: 6-8] كأن الله عز وجل يقول إذا راعيت أنك خلقت في أحسن صورة, فإن المصور حقها عدم الغرور، والغرور يحدث من أن لا يوافق ظنه بربه عمله ثم يقول هذا حسن ظن بالله. ولكن من أحسن الظن أحسن العمل، لذا قالوا في تفسير الآية: ما غرك، قال السلف: غره حلمه وغره ستره فاجترأوا على المعاصي، فهو يقول :{يَا أَيُّها الإِنْسَانُ مَاغَرَّكَ ِبِرِّبِكَ َاْلَكَرِيم} [الانفطار : 6] هل غرك أنه أغدق عليك هذه النعم ظاهرة و باطنه؟ إن حق الكريم سبحانه وتعالى أن يعبد ويطاع لا أن يخالف ثم بعد ذلك يجُترأ عليه ويغتر بستره وحلمه!!, إذن حقها أن لا يغتر بل يحُسن الظن بإحسان العمل |
(25)اسـم الله الخـالـق أولاً: ورد اسم الله تعالى الخالق في القرآن مُطلقًا ومُقيدًا، مُعرفًا ومُنونًا، قال اللهُ جلّ وعلا: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر:24]، وقال جل شأنه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }[فاطر:3]. لابد في البداية أن نشير إلى أنَّ هذا الاسم الشريف يشير إلى صفة من صفات ربوبية الرب جل وعلا، فإنَّ صفات الربوبية تؤول إلى معانٍ خمس: الصفة الأولى: صفة الخلق والصفة الثانية: صفة المُلك والصفة الثالثة: صفة التدبير والهيمنة والصفة الرابعة: صفة الإحياء والصفة الخامسة: صفة الإماتة والبعث والنشور فلا يكون ربًا من لم يتصف بهذه الصفات، وأضف إليها كذلك صفة الرزق. فصفة الخلق بإحياءِ الموتى وإيجادِ الشيء من العدم وفي نفس الوقت هو سبحانه وتعالى الذي يرزقهم ويتولى أمورهم. أفلا يستحق من اتصف بذلك أن يكون هو الإله فلا يُعبد إلا هو ولا يحب ولا يُجَلُ إلا هو سبحانه وتعالى على هذا الاعتبار. فهو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي يحي ويميت، وهو سبحانه وتعالى له صفة المُلك وله صفة الهيمنة، إذا كان الله سبحانه وتعالى تفضل على عباده بكل ذلك. ألا يستحق بعد هذا أن يكون هو الإله؟ وقد ورد اسم الله تعالى الخالق مُقيدًاكقوله تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62] خلق سبحانه وتعالى كل شيء فأوجد هذه الأشياء بعد أن كانت في عالم العدم، هو سبحانه وتعالى الذي قدر وجودها وأوجدها وهو على كل شيء وكيل. اسم الله الخالق في السنة وقد ورد في السنة إثبات هذا الاسم كذلك، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وصححه الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر، فسعر لنا سعرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المُسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله ، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال) [صححه الألباني] هذا الحديث يشير إلى قضية التسعير.. فالأصل أن يترك الأفراد لبعضهم البعض في أمر التسعير ولا يتدخل الحاكم ولا يسعر، لكن إن وجد احتكار لسلعة من السلع الضرورية أو وصل الأمر إلى حد التضييق على عباد الله تعالى بأن غَلَوا جدًا في الأسعار بحيث لا يستطيعها أفراد المجتمع فهنا رخص الفقهاء للحاكم أن يتدخل لكن الأصل ألا يسعر وأن يدع الناس كل منهم يكون له حظ من أخيه. الشاهد قول النبي (إنَّ اللهَ هو الخالق) وقد ورد كذلك أن النبي قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) [صححه السيوطي في الجامع الصغير] معنى اسم الله الخالق في اللغة: الخلق في اللغة يدور حول معنيين: المعنى الأول: هو إيجاد الشيء من الشيء، أو إيجاد الشيء من العدم. أي يأتي الخلق بمعنى الإنشاء والإبداع، ويأتي بمعنى تقدير الشيء. فمن ذلك قولُ الله جل وعلا {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة:7]، وقول الله تعالى {هذَا خَلْقُ اللَّهِ } [لقمان: 1] أي هذه مخلوقات الله {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11] فالمعنى هنا أصله التقدير وإبداع الشيء من غير أصل.
{ هَلْ مِنْ خَالِقٍ} أي هل من مُبدع؟ هل من مُنشئ؟ هل من مُوجد للأشياء؟ من العدم غير الله المعنى الثاني:.هو تقدير الشيء أو تركيبه وترتيبه يدل عليه قوله تعالى{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي قدرناها كذلك{ثم خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]. وقفة مع مسألة مهمة في القضاء والقدر: كل مخلوق مهما عظم شأنه أو دق حجمه لابد أن يمر بأربعِ مراحل أو مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة التقدير، المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد والتكوين. أي شيء قدره الله تعالى لابد أن يمر بهذه المراتب الأربعة. أول مرحلة: مرحلة التقدير وحساب المقادير: وهذه تعني أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى في علمه السابق قدَّر كل شيء قبل تصنيعه. ذكرنا عندما تدارسنا اسم الله تعالى العليم أنه جل وعلا يعلم قبل إيجاد الشيء وصف هذا الشيء وما سيكون وحاله. فالله سبحانه وتعالى يعلم جميع خلقه قبل أن يخلقهم ، وفي نفس الوقت قدر لهم كل شيء قبل أن يُوجدوا. إذًا أول شيء قبل أن يوجد ذلك الشيء كان في علم الله مُقدَّر ثم.. المرحلة الثانية: كُتب في اللوحِ المحفوظ: هذه هي المرحلة الثانية التي هي مرحلة الكتابة، فكُتِب فيه تفصيل هذا الخلق وما يلزم لنشأته وإعداده وهدايته وإمداده وجميع ما يرتبط بتكوينه. ثم بعد ذلك.. المرحلة الثالثة: وهي المشيئة : ونعني بذلك أن الله سبحانه وتعالى شاء لهذا الشيء أن يوجد في هذا الزمان وهذا المكان فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن. وبعدها جاءت مرحلة التنفيذ والخلق: وهي المرتبة الأخيرة أن وجد هذا الشيء وقُدَّرَ له كل تفاصيل حياته ، فكانت المرحلة الرابعة، مرحلة خلق الأشياء وتكوينها وتصنيعها وتنفيذها وفق ما قُدر له بمشيئة الله في اللوح المحفوظ. وقد علق ابن القيم على هذه المراتب في كتابه الماتع شفاء العليل فقال: "مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها، لم يؤمن بالقضاء والقدر" وانتبه..فهذه جملة خطيرة.. فأنت حين تقول "أؤمن بالقدر خيره وشره" يجب أن تكون مؤمنا بهذه المراحل إيمانا جازما..تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قبل أن يقدر الشيء كان يعلمه، وتؤمن بأن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وتعلم علم اليقين أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وتؤمن بقدرة الله على التقدير ومرحلة الإيجاد. تؤمن بهذه الأربعة إيمانًا جازمًا لا نقاش فيه ولا جدال وإن لم يدركها عقلك وأن تسلم بترتيب هذه المراحل وتدرجها ولا تعمل فيها عقلك لأنه قاصر عن إدراك مثلها-كما ذكرنا من قبل-. إذًا معنى الخلق يدور حول معنيين شريفين عظيمين. المعنى الأول معنى الإنشاء وإيجاد الشيء من العدم، والمعنى الثاني معنى تقدير الشيء وتكوينه على هذه الصفة التي تقدمت معنا. دلالة هذا الاسم على صفة الرب سبحانه وتعالى اسم الله الخالق يدل على ذاتِ الله المُتصف بصفة الخالقِ. ويدل باللزوم –أي يلزم من كونه خالقًا- أن يكون هو ابتداءً حي وإلا كيف يخلق وهو ليس بحي ؟!. ويلزم أن يكون هو القيوم الذي به قيام كل شيء ومن ذلك إيجاده من العدم، يقوم به كل شيء ولا يقوم هو سبحانه وتعالى على شيء. ويلزم من ذلك أن يكون سميعًا بصيرًا، فكيف يخلق وهو سبحانه وتعالى لا يكون سميعًا لما يخلق، بصيرًا بكل شيء، عليمًا بكل شيء. وكذلك صفة المشيئة والحكمة والقدرة والغنى والقوة إلى غير ذلك من هذه الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الخالق. الدعاء باسم الله تعالى الخالق: دعاء مسألة ودعاء عبادة ورد هذا الاسم بهذه الصفة في كثير من نصوص الكتاب والسنة، من ذلك قول الله جل وعلا {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } [آل عمران: 190-191]. هنا محل الشاهد {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فجعل هذه الصفة في مقام دعاء الثناء، يا رب ما خلقت هذا باطلاً سبحانك أنت الخالق، ثم ثناه بدعاء المسألة فقال فقنا عذاب النار. ومن هذا أيضا ما ورد في سنن النسائي وصححه الألباني من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلاً من أصحاب النبي قال: إن رجلا من أصحاب النبي قال : قلت - وأنا في سفر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله لأرقبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة ، حتى أرى فعله ، فلما صلى صلاة العشاء - وهي العتمة - ، اضطجع هويًا من الليل ، ثم استيقظ فنظر في الأفق ، فقال : ربنا ما خلقت هذا باطلا -{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) } [آل عمران: 191-194] حتى بلغ إلى - : إنك لا تخلف الميعاد ، ثم أهوى رسول الله إلى فراشه ، فاستل منه سواكا ، ثم أفرغ في قدح - من إداوة عنده - ماء فاستن ، ثم قام فصلى ، حتى قلت : قد صلى قدر ما نام ، ثم اضطجع ، حتى قلت : قد نام قدر ما صلى ، ثم استيقظ ، ففعل كما فعل أول مرة ، وقال مثل ما قال ، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات قبل الفجر الراوي: رجل من أصحاب النبي المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 1166 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم الشاهد أنه صلى الله عليه وسلم أول ما فتح عينيه تعبد الله سبحانه وتعالى بعبادة التفكر وهذا سيجعلنا نتوقف عند هذا المعنى مليًا في حظ المؤمن من اسم الله تعالى الخالق وكذلك الدعاء حال النوم كان صلى الله عليه وسلم ربما يقول: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها. اللهم إني أسألك العافية) [صحيح مسلم] وكذلك جاء أيضًا في أذكار الصباح والمساء قال أبو صالح رضي الله عنه سمعت رجلاً من أسلم قال كنت جالسًا عند رسول الله فجاء رجل من أصحابه فقال يارسول الله لدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت ,قال ماذا؟ قال عقرب. قال: (أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق, أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله) [إسناده صحيح] حظ المؤمن من اسم الله تعالى الخالق
كما قلنا سنتوقف عند معنى التفكر قليلا مع اسم الله الخالق، فقد جاء في تفسير ابن كثير لآيات التفكر التي أوردناها أن رجلا في الصحراء ليلا نظر إلى السماء فوجدها مُتلألئة بالنجوم فقال "أشهدُ أن لكِ ربًا. اللهم اغفر لي، فغفر الله له". امتلأ قلبه باليقين في هذه اللحظة فنطقها صادقا متعبدا فغفر له. وكانت أم الدرداء تقول "كان جُلٌُّ عبادة أبي الدرداء التفكر" على إنَّ أبا الدرداء –رضي اللهُ عنه-كان معروفًا بكثرة صلاته وتسبيحه لكن لعله كان يسبح في إثر التفكر. عبادة التفكر عبادةٌ عظيمة الشأن –كما ذكرنا قبل ذلك- و نحتاج حين نتدارس اسم الله الخالق أن نحيي هذه السنة، سنة التفكر. فاختلِ بالله سبحانه وتعالى وناجه لتشعر بالرهبة العظيمة وأنت تنظر للسماء وتحدثه وتكلمه جل وعلا، فيكون هناك نوع من الذكر والفكر والشكر يملأ القلب فيتولد اليقين بالله سبحانه وتعالى.
في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] . فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله سئل عنها ، فقال رسول الله : إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون . فقال الرجل : ففيم العمل يا رسول الله ؟ قال : فقال رسول الله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار الراوي: عمر بن الخطاب المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3075 الحديث في الرواية الأخرى، أنَّ الرجل لما قال للنبي ذلك قال ( اعمل فكلٌ مُيسَّر لِما خُلِقَ له) فالرجل تداخلت عليه المسألة، فنالله عدل حكم.. لمَ يدخل أناس النار وأناس الجنة؟ الأمر التبس على الرجل. فلم يجيبه النبي في المسألة بإجابة عقلية، إنما أرشده إلى ما ينبغي عليه أن يُشغلَ ذهنه فيه، ألا وهو أن يعمل عملاً يُختَم له به، طالما هو لا يستطيعُ أن يعلمَ أو يفهم مقادير الله، ولا يستطيعُ أن يعلمَ ما هو مُقدَّرٌ له ، فلِمَ يُشغِل ذهنه بهذه القضية؟ قال له: أن الله عندما خلق العباد وقال أنَّ هؤلاء أهل الجنة فإنه ييسر لهم عمل الجنة... فاعمل بعملِ أهلِ الجنة إن كنت تريدها، وإن وجدت من نفسك نزوحا ناحية المعاصي فهذا عمل أهل النار. إذا فالنبي بإجابته على سؤال الرجل أثبت أمرين: أول شيء أثبت له أنَّ له إرادة، وطالما أنَّ له إرادة، فهذه هي التي تشغل باله، تشغل نفسك بها لأن هذه هي التي عليها التكليف. وثاني شيء أغلق مسألة دخول الشيطان عليه بأنه يقول أصل أنا مُقدَّر لي أن أكون من أهلِ النار. قال له: لا. أنت لو خُتِمَ لك بعملِ أهل الجنة تدخل الجنة، فركِّز الآن في أنك تعمل عمل يدخِلُك اللهُ به الجنة، ولا تفكر في شيء آخر. لا تُفكر في أنَّ ذنوبك هذه ستكون أنها سبب والعياذُ بالله تهلك في النار، أو... أو... ، فجعله ما بين الترغيبِ والترهيبِ وما بين الأمرين تتولد إرادة العباد ما بين الخوف والرجاء.
أن يشكر العبدُ لخالقه أن منَّ عليه بمثل هذه المنن، هذا الخالق سبحانه وتعالى خلق فسوى، وقدر فهدى لذلك سبح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)} [الأعلى: 1-2] فأول شيء أن يشكر الله سبحانه وتعالى أن منَّ عليه بهذه النعم العظيمة، ويسرّها له. كما في الحديث الذي رواه مُسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي يقول: إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل . فمن كبر الله ، وحمد الله ، وهلل الله ، وسبح الله ، واستغفر الله ، وعزل حجرًا عن طريق الناس ، أو شوكة أو عظمًا من طريق الناس ، وأمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى . فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار و يُغني عن هذا كله ركعتين يركعهما من الضحى، لذلك صلاة الضحى لها مقام عظيم جدًا، صلاة الأوابين فإن لم يُصلَّها فعليه أن يسبح الله تعالى، ويحمده ، ويهلله، ويستغفره ، أقل شيء عدد الثلاثمائة وستين مفصل. يقسمهم يستغفر مائة مرة ، ويسبح خمسين مرة، وهكذا. فقال يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار. لأنه شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه هذه.
المعنى الرابع: أن يؤمن بأنَّ الله سبحانه وتعالى مُخالِفٌ لجميعِ خلقه. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] يقول النبيُّ ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا : الله خلق كل شيء . فمن خلقه ؟ صحيح مسلم وقال: "يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول من خلقك؟ فتقول خلقني الله فما زال به حتى يقول: فمن خلق الله؟ قال: فإذا وجدتم ذلك، فليستعذ بالله، ولينتهِ." [صحيح البخاري] الأمر الأول: يلجأ إلى اللهِ عزّ وجل ويستعيذ به من شرِّ همزات الشياطين والأمر الثاني: ينتهي. لا يتمادى مع الشيطان في ذلك يُغلِق الباب فورًا.
ذكرنا {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)} [الأعلى: 1-2] حقه انه ما دام خلق أن تسبحه وتذكره.
فلا ينبغي لك أن تدَّعي لنفسِك أي صفة من صفات الربوبية التي انفرد الله بها، ومن هنا يأتي تشنيع العلماء على المصورين . فالتصوير هو النحت بالصلصال وغيره بما يضاهي خلق الله، فالنبي قال: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون.) [رواه البخاريّ] وفي رواية الامام أحمد قال: (أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم.) ألم تدعوا الخلق؟ هي صنع الله ولا يصح أن يضاهيها ويقول هواية. فبالتالي هذا الأمر باتفاق العلماء هو حرام بلا خلاف. ورخص منهم في غير التماثيل. وفي صحيح البخاري من حديثِ أبي زُرعة البجلي قال دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورًا يصور فقال سمعت رسول الله يقول يعني عن رب العزة أنه قال – عز وجل- (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة.) [صحيح البخاري] فهذا فعل فيه منازعة لله عزوجل يحرم القيام به باتفاق. الخلاصـة: إذا اسم الله الخالق يعلمك التفكر وكثرة ذكر ربك الذي خلقك ودبر لك أمرك، وشكره على نعمائه التي امتن بها عليك، وليس أكبر من نعمة الوجود..ومما ينافي هذا الشكر أن تنازعه في صفة الخلق تلك فتدعي لنفسك ما ليس لك أو تضاهيه في خلقه. |
| الساعة الآن 03:28 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي