ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:47 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(19)

- باب البول في الإناء - باب البول في الطست

ينبغي للإنسان أن يتحرز من البول قدر استطاعته، فإذا كان يشق عليه أن يذهب لقضاء حاجته في مكان مناسب فإنه بإمكانه أن يبول في طست ونحوه، فهو أدعى للمحافظة على الطهارة والنظافة.
البول في الإناء

شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البول في الإناء.أخبرنا أيوب بن محمد الوزان حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب البول في الإناء، أي: عند الحاجة إلى ذلك، وقد أورد في هذه الترجمة حديث أميمة بنت رقيقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير)، وجاء في سنن أبي داود: ( أن ذلك كان بالليل ).وفي الحديث: جواز مثل ذلك عند الحاجة، وفيه اتخاذ السرير؛ لأنه هنا قال: (يضعه تحت السرير)، ففيه اتخاذ الأسرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ السرير، وجاء ذلك في أحاديث غير هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)

قوله: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان].هذا أحد الثقات، خرج له أبو داود, والنسائي, وابن ماجه , وأيوب بن محمد الوزان يروي عن شيخه أزهر.قوله: [حدثنا حجاج].حجاج جاء ذكره هنا غير منسوب، وفي المصطلح إذا جاء الرجل غير منسوب, يسمى هذا النوع من أنواع علوم الحديث: المهمل؛ يعني: مهمل من النسبة، وهو غير المبهم؛ لأن المبهم مثل إذا قيل: رجل, أو: عن رجل، هذا يقال له: مبهم، وأما إذا سمي ولم ينسب, فهذا يقال له: مهمل، والمهمل يحتاج إلى معرفته لا سيما إذا كان هناك من يماثله، ومن يسمى بهذا الاسم حجاج. وعند النسائي وعند غيره عدد يقال لهم: حجاج، وهم في طبقات مختلفة، وفيهم من هو في هذه الطبقة، لكن الطريق إلى معرفة الرجل المهمل، ومعرفة نسبته وتمييزه عن غيره ممن يشاركونه في الاسم بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، معرفة كونه روى عنه فلان الفلاني، وروى هو عن فلان، وفي ترجمة تلميذه الذي روى عنه, وهو أيوب بن محمد الوزان، ذكر أنه روى عن حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد تعين هذا المهمل، وكذلك في ترجمة ابن جريج ذكروا في ترجمته أنه روى عنه حجاج بن محمد المصيصي، وما ذكروا في ترجمته من اسمه حجاج ممن روى عنه إلا حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد عرف هذا المهمل واتضح بمعرفة الشيوخ والتلاميذ.و حجاج بن محمد المصيصي من رجال الجماعة، وهو من الثقات الأثبات.وبالمناسبة: سبق أن مر في الحديث السابع عشر؛ وهو حديث المغيرة بن شعبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)، والذي قال فيه هناك: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، ويروي عن محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو يوجد في طبقة واحدة اثنان: محمد بن عمرو بن حلحلة, ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وسبق أن قلت لكم: إنه ابن حلحلة ؛ لأنه في ترجمة إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، قيل: إنه يروي عن محمد بن عمرو بن حلحلة، وعن محمد بن عمرو بن علقمة، ولكن في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه روى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وما ذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن حلحلة، فإذاً: يكون محمد بن عمرو بن علقمة وليس محمد بن عمرو بن حلحلة؛ لأنه ما ذكر في تهذيب الكمال من تلاميذ أبي سلمة بن عبد الرحمن: محمد بن عمرو بن حلحلة، وإنما ذكر محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن عمرو بن حلحلة كما عرفنا سابقاً هو ثقة، وأما محمد بن عمرو بن علقمة فهذا قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق له أوهام، وقد خرج أحاديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. قلت هذا بمناسبة الكلام على حجاج بن محمد المصيصي.[ قال ابن جريج ].هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة.[ أخبرتني حكيمة بنت أميمة ].هي حكيمة بنت أميمة، تروي عن أمها أميمة بنت رقيقة، وهذه الأسماء الثلاثة كلها مصغرة، كلها على صيغة فعيلة: حكيمة , وأميمة , ورقيقة، كلها على صيغة واحدة, وعلى صيغة فعيلة.أما حكيمة بنت أميمة التي يروي عنها ابن جريج، فقد روى لها أبو داود , والنسائي. والحافظ في التقريب في ترجمتها قال: لا تعرف، وفي تهذيب التهذيب ذكر أن ابن حبان أوردها في كتابه الثقات، وجاء أيضاً أن ابن حبان خرج حديثها في صحيحه، لكن ابن حبان كما هو معلوم من طريقته في الثقات أنه قد يذكر في الثقات من يذكره في الضعفاء، ولهذا فإن توثيقه وحده فيه نظر عند بعض العلماء، وإن كان بعضهم يعتبره.أما أمها أميمة فهي صحابية، والصحابة كما هو معلوم لا يسأل عنهم، ولا يحتاج إلى معرفتهم، بل الرجل المبهم, أو المرأة المبهمة إذا ذكر أنه من الصحابة فذلك كاف في قبول حديثه؛ لأن الصحابة لا يسأل عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأن الله تعالى عدلهم، وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون إلى تعديل المعدلين بعد ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم، وغيرهم هم الذين يحتاجون إلى التوثيق والتعديل والتجريح، وأما الصحابي فيكفيه نبلاً وشرفاً وفضلاً أن يوصف بأنه صحابي.والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود, وفي صحيح النسائي، وقال عنه: حسن صحيح ، ولا أدري وجه حكمه عليه بالصحة، هل هو لكونه له طرق وشواهد أخرى لا ندري عنها أو أنه اعتبر توثيق ابن حبان؟!وهذه أول شخص يمر بنا في سنن النسائي, يقال: إنه لا يعرف، ويقال فيه: إنه مجهول.
البول في الطست

شرح حديث عائشة في البول في الطست

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في الطست.أخبرنا عمرو بن علي أخبرنا أزهر أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي، لقد دعا بالطست ليبول فيها, فانخنثت نفسه وما أشعر، فإلى من أوصى؟).أزهر هو: ابن سعد السمان ].هنا أورد النسائي هذا الباب، وهو: باب البول في الطست، والطست: إناء، وجاء حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرض الذي توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، وأنها انخنثت نفسه؛ بمعنى: أنه ارتخى وحصل الموت وما تشعر بأنه مات؛ يعني: رأت حصول الارتخاء في جسده، وخرجت نفسه عليه الصلاة والسلام وهو على صدرها، ومقصودها من هذا: أنها كانت على علم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وأنها لا يخفى عليها شيء من أحواله في مرضه، وقد قالت هذا الكلام بمناسبة أنها سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لـعلي، وذلك بعدما وجد الشيعة والمتشيعون، ووجد منهم الكلام، ومن المعلوم أن هذا حصل في زمن علي، ومعلوم أن عائشة رضي الله عنها عاشت بعد علي مدة طويلة، وعلي توفي سنة أربعين، وهي عاشت بعده ما يقرب من ثمانية عشرة سنة، فمعنى ذلك: أنه وجد في ذلك الزمان الشيعة، فهي لما سمعت أنه أوصى لـعلي، ولعل ذلك كان في مرض موته؛ بينت الحالة التي كان عليها في مرض موته، وأنها كانت على علم به، وأنها كانت ملازمة له، وأنه في الوقت الذي خرجت روحه كان على صدرها، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، فانخنثت نفسه؛ أي: ارتخت أعضاؤه بسبب الموت, وما تشعر أنه مات، كما جاء في بعض الروايات: ( وما أشعر أنه مات )، قالت: فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! تنكر على هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة. ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أوصى لا لـأبي بكر ولا لـعلي ولا لغيرهما، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا، مثل ما جاء في حديث عمر في قصة وفاته لما قيل له: استخلف، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني؛ يعني: أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير؛ يعني: رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرسول لم يستخلف؛ يعني: ما عين أحداً بالاسم، ولم يقل: فلان الخليفة بعدي، ولكنه جاء عنه ألفاظ، وأمور مشعرة وموضحة بأن الأحق بالأمر من بعده أبو بكر، بل قد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـعائشة: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب له كتاباً فإني أخشى أن يقول قائل أو يتمنى متمن، ثم قال: ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر )؛ يعني: ما أنا بحاجة إلى الكتاب، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم، ولا يحتاج الأمر إلى كتاب.فهذه إشارة واضحة جلية بأن الله تعالى قدر بأنهم سيجتمعون على هذا الرجل، وأنه يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ولم يقل: الخليفة بعدي أبو بكر، ولكنه جاء عنه شيء يدل على أنه الأولى، وأن هذا الأمر سيتم برضا من المسلمين، وباتجاه من المسلمين، وباجتماع من المسلمين عليه دون أن يكون هناك نص؛ لأنه لو كان هناك نص فليس هناك مجال للرأي ولا للاختيار، لكن لما لم يكن هناك نص، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم؛ فمعنى هذا: أنه برضا وباتجاه منهم، وبرغبة منهم.وكذلك في مرض موته عليه الصلاة والسلام أمر أبا بكر بأن يصلي بالناس، ولما راجعت حفصة, وعائشة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولهذا اعتبروا هذا دليلاً وإشارة قوية إلى أنه الأحق من بعده بالأمر، ولهذا قال له عمر: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟!).وكذلك أيضاً ما جاء عنه في مرض موته، وقبل أن يموت بخمس، كما جاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -خمس ليال فقط- يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).فكونه صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة في حق أبي بكر قبل أن يموت بخمس، هذا فيه إشارة إلى أنه الأولى من بعده بالأمر.وكذلك الحديث الذي فيه: ( أنها جاءته امرأة وواعدها أن تأتيه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئتك فلم أجدك؟ تريد: الموت. فقال: ائتي أبا بكر ).والحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر )، كل هذه أدلة، لكن ليس هناك نص يقول: الخليفة بعدي فلان بن فلان، ولما وجد من يقول هذه المقالة من الشيعة في زمن الصحابة، وأن هذا حصل في مرض الموت، قالت: كيف هذا والرسول صلى الله عليه وسلم دعا بالطست ليبول فيه في مرضه، فانخنثت نفسه فما أشعر؛ يعني: ما أشعر أنه مات، وقد مات بهذا الانخناث، وهو ارتخاء الأعضاء، فمات عليه الصلاة والسلام فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! ومعناه أنه لم يحصل شيء من ذلك.ثم أيضاً من ما يدل دلالة واضحة: أن علياً رضي الله عنه وأرضاه ما قال: إنني صاحب الأمر، وأن الرسول أوصى إلي، وما أظهر هذا للناس، وما قال هذا للناس، ولما تولى الخلافة ما قال: إنني أنا كنت وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حصل لي ما أستحق إلا الآن، وقبل ذلك أخذ مني، ولم تنفذ وصية رسول الله.ثم أيضاً الرافضة الذين قالوا هذا الكلام في حق علي, هم ذموه من حيث أرادوا أن يثنوا عليه؛ لأنهم وصفوه بأنه غير شجاع، مع أنه معروف بالشجاعة والقوة، ووجه ذلك: أنه سكت وما تكلم، وما طالب بحقه، وما أظهر وصيته، وما قال: إنني أنا الوصي، فكيف تولون غيري؟ فهل الرجل الشجاع المعروف بشجاعته وقوته، وأنه لا تأخذه في الحق لومة لائم يسكت عن شيء أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذا فيه ذم لـعلي رضي الله عنه من الرافضة؛ لأنه لو كان هناك شيء من ذلك لطالب به ولم يسكت.وفي وقت اجتماع السقيفة لما ذهبوا يتفاوضون -الأنصار والمهاجرون- ما قال أحد منهم: ليس هناك حاجة للكلام، الرسول وصى لـعلي.فكل هذه أدلة تدل على بطلان هذا الكلام الذي يقوله الرافضة في حق علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.المقصود من الحديث: ذكر الطست، وأنه كان يريد أن يبول فيه لمرضه، وهذا هو المقصود من إيراد النسائي الحديث في: باب البول في الطست.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في البول في الطست

قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ]. هو: الفلاس, الذي مر ذكره في مرات عديدة، ومعرفة الرجال بالمناسبة تحصل بالتكرر، كونه يتكرر الإنسان مثل: عمرو بن علي الفلاس مر بنا كثيراً؛ يعني: ما أخذنا إلا تقريباً ثلاثين حديث ومع ذلك جاء ذكره في عدة مواضع، وكلها يقول فيها النسائي: حدثنا عمرو بن علي؛ يعني معناه: أنه من طبقة النسائي، وكذلك هو من شيوخ البخاري، وهو من رجال الجماعة، وهو من الأئمة النقاد، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[ أخبرنا أزهر ].أزهر هاهنا غير منسوب، لكن نسبه النسائي في آخر الحديث قال: قال الشيخ، وهذه العبارة في الغالب أنها من تلاميذ النسائي.قال الشيخ: أزهر هو: ابن سعد السمان؛ لأن أزهر مهمل غير منسوب، فـالنسائي في آخر الحديث نسبه مثلما فعل في حديث السابع عشر -الذي أشرت إليه قبل قليل- حيث قال: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، فرجل مهمل نسبه، فهذه إحدى الطرق التي يوضح بها الشخص: إما يذكر في آخر الحديث، أو في أوله، لكن يقول: هو ابن فلان، إذا أتى به في الإسناد فيحتاج إلى أن يقول من دون التلميذ: هو ابن فلان، لا يصلح أن يقول: فلان بن فلان، والتلميذ ما قال هذا الكلام.فهنا طريقتان: إحداهما: أن يؤتى بالتوضيح في السند، لكنه يؤتى به (هو) أو بكلمة: هو ابن فلان, أو فلان بن فلان. الطريقة الثانية: بعدما ينتهي الحديث يقول فيه مثلاً المصنف: فلان هو ابن فلان، كما فعل النسائي هنا.وأزهر بن سعد السمان هذا من الثقات، وهو بصري، وخرج له أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه .[ أخبرنا ابن عون ].هو: عبد الله بن عون البصري أبو عون، كنيته أبو عون، وهذه مثل ما سبق أن ذكرت في هناد بن السري أن كنيته أبو السري، فهو نوع من أنواع علوم الحديث التي ذكرها ابن الصلاح، وهي أن منها: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذكرتُ أن فائدة معرفة ذلك: حتى لا يظن التصحيف. فمثلاً: هناد بن السري لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري يقول: (ابن) صحفت إلى (أبو) لكن الذي يعرف أن كنيته أبو السري، وأبوه اسمه السري إن جاء ابن السري صواب، وإن جاء أبو السري صواب، والذي لا يعرف هذا يظن أن الموضع الآخر تصحيف، فالذي لا يعرف أن كنيته أبو السري، لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري، قال: (أبو) هذه غلط مصحفة عن (ابن). فمثله ابن عون، هو أبو عون، وافقت كنيته اسم أبيه، وهذه فائدة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وعبد الله بن عون بصري، وهو من الثقات الأثبات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
ترجمة إبراهيم والأسود النخعيان

قوله: [ عن إبراهيم ].إبراهيم هذا يروي عن الأسود، وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الفقيه, المشهور, الثقة, الحافظ، مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث، ولم ينسب، وإن وجد من يوافقه؛ لأنه معروف بالرواية عن الأسود، وهو ابن أخته؛ لأن الأسود الذي هو شيخه خاله، فـإبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي يروي عن خاله الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وإبراهيم من الثقات, ومن الفقهاء المعروفين بالفقه.
أول من أتى باصطلاح: (ما لا نفس له سائلة)

ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) فائدة تتعلق بـإبراهيم النخعي وفقهه؛ فمن المعلوم أن الفقهاء عندما يأتي ذكر الحيوانات التي ليس فيها دم يعبرون عنها: بما لا نفس له سائلة؛ يعني: ليس فيه دم، مثل الذباب والجراد وغيرها من الأشياء التي ليس فيها دم، فيعبرون عنها: ما لا نفس له سائلة، لا ينجس الماء إذا مات فيه، ويأتون بذلك عند حديث غمس الذباب الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).واستنبطوا من هذا: أن الذباب قد يكون الماء حاراً، وإذا غمس يموت الذباب، والذباب لا دم له، فإذاً: لا ينجس الماء؛ لأن الرسول أرشد إلى استعماله، وأنه لا يراق ويشرب؛ يعني: أنه يغمس, والمقصود من الغمس: الإصلاح، حتى ما إن يضع الداء يأتي الدواء حتى يقضي على الداء؛ (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، فيذكرون عند هذا هذه الفائدة.ابن القيم قال عن إبراهيم النخعي، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء؛ يعني: هذا التعبير عن الجراد والذباب وغيرها مما لا دم فيه بأنه يقال فيه: ما لا نفس له سائلة، أول من عبر هذا التعبير: إبراهيم النخعي.وبعض الناس يقول: إن هذا حديث -أي: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه- بل ابن القيم نفسه وقع فيه في كتاب (الروح)؛ لأنه لما جاء عند ذكر الروح والنفس والفرق بينهما، وهل الروح هي النفس، والنفس هي الروح؟ قال: إن الروح تطلق على النفس، وتطلق إطلاقات أخرى.والمقصود بالروح والنفس هي: هذا الجسم الذي يكون في الإنسان فتكون به الحياة، وإذا قبض مات، يقال له: روح إذا له نفس، قال: خرجت روحه وخرجت نفسه، لكن كلمة النفس تأتي لمعاني أخرى لا تأتي لها الروح، ومن ذلك: الدم؛ لأنه يقال للدم: نفس ولا يقال له: روح.والروح تأتي لمعاني أخرى مثل: الوحي ومثل كذا، وهي لا تطلق عليها النفس، فلما ذكر النفس قال: وفي الحديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إن مات فيه. هذا في كتاب الروح، فالوصف الذي قاله في كتاب (زاد المعاد): أول من حفظ عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهذا يستدل به على أن تأليفه لكتاب الروح متقدم، وقبل أن يكون عنده التمكن من التحقيق الذي هو معروف عنه؛ لأن كتاب (الروح) فيه أشياء غريبة على ابن القيم، والكلام موجود في كتاب الروح، فكونه يذكر في كتاب الروح أن هذا حديث، وفي كتاب زاد المعاد يقول: إنه من أوليات إبراهيم النخعي، وأنه أول من عبر بهذه العبارة، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، هذا يدل على أن كتاب (الروح) متقدم، وأنه فيه أشياء تدل على كونه في بداية التأليف، وبداية الاشتغال بالتأليف، فتكون الكتب الأخرى التي فيها التحقيق مثل: كتاب (زاد المعاد) وغيره تختلف؛ لأن ذاك لا شك أنها خطأ، لأنه لا يوجد حديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات.. لا وجود لهذا الحديث أصلاً، وهو نفسه قال: إن هذا من أوليات إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي مات بعد التسعين بقليل.الحاصل أن إبراهيم النخعي هذا فقيه, وهو كوفي، كما أن خاله الأسود كوفي، وهو من رجال الجماعة، وهو محدث فقيه، ثقة حافظ.[ عن الأسود ].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي, وهو خال إبراهيم كما ذكرت، وهو من المخضرمين، ومن كبار التابعين، ومعلوم أن المخضرمين هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومنهم: قيس بن أبي حازم الذي يقال: إنه اتفق له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة، فـالأسود بن يزيد هذا من المخضرمين، وهو ثقة فقيه, من رجال الجماعة.قوله: [ عن عائشة ].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة ويليه ابن عمروأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي



ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:50 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(20)

- (باب كراهية البول في الجحر) إلى (باب السلام على من يبول)

من آداب قضاء الحاجة ألا يقضي الإنسان حاجته في جحر أو في ماء راكد، أو مستحم، ولا يسلم على غيره، ولا يرد السلام.

كراهية البول في الجحر

شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كراهية البول في الجحر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قالوا لـقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهة- قال: يقال: إنها مساكن الجن) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: كراهية البول في الجحر، وأورد فيه حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قيل لقتادة -وهو راوي الحديث عن عبد الله بن سرجس - : وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهية؟- قال: يقال: إنها مساكن الجن).هذا الحديث أورده النسائي تحت هذه الترجمة, وهي قوله: كراهية البول في الجحر، ومن المعروف أن التراجم التي مضت يصرح فيها النسائي بلفظ النهي: النهي عن كذا، وهنا في هذه الترجمة قال: كراهية البول في الجحر، فلعل ذلك إما لكون الحديث لا يخلو من مقال، أو لكون المقصود من ذلك: أن هذا من الآداب التي ينبغي التأدب بها، ولا يكون المقصود منه التحريم، أو أنه جرى على طريقة المتقدمين الذين يطلقون المكروه على كل ما كان ممنوعاً ولو كان محرماً، كما جاء في القرآن بعد ما ذكر الله عز وجل في سورة الإسراء أموراً من الكبائر، وفي آخرها قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38]، والحديث يدل على النهي، أو على كراهية البول في الجحر، وما ذكره قتادة أنه يقال: إنها مساكن الجن، فهذا تعليل.وهناك تعليل آخر: أن الجحر إذا بال فيه الإنسان قد يحصل فيه إيذاء لبعض الهوام والحيوانات التي فيه؛ فيكون قد آذاها، وأيضاً عرَّض نفسه للضرر؛ بأن يخرج عليه ما كان في ذلك الجحر بسبب بوله فيه، وقد يكون حية وقد يكون غير ذلك، فيفزعه ذلك فيقوم ويصيب البول ثيابه وجسده بسبب فزعه, فيتأذى بذلك هو، ويؤذي تلك الدواب بفعله ذلك.والحديث فيه كلام من حيث إن قتادة اختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، وأيضاً مع كونه مختلفاً في سماعه منه هو أيضاً مدلس، وقد عنعن في روايته عن عبد الله بن سرجس ، لكن وإن كان الحديث فيه مقال إلا أنه لا ينبغي أن يبول الإنسان في الجحر؛ لما يترتب على ذلك من الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار)، فالإنسان لا يعرض نفسه للضرر، ولا يجلب الضرر لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بال في جحر فإنه يؤذي تلك الدواب التي فيه، وأيضاً هو يتسبب في جلب الضرر لنفسه، فالكراهية -وإن كان في الحديث مقال- هي من حيث ما يترتب على ذلك من المضرة له ولغيره.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

قوله: [ حدثنا عبيد الله بن سعيد ].هو شيخ النسائي، وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر ، وقد خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي ، ولم يخرج له الباقون من أصحاب السنن.[حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي].الدستوائي ، سبق أن مرَّ بنا قريباً، وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وأما هذا فهو ابنه معاذ بن هشام ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق كما قال ذلك الحافظ ابن حجر ، وربما وهم, أو له أوهام، يروي عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة ثبت, من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب كما سبق أن مرَّ بنا ذكره فيما مضى.[عن قتادة].هو: ابن دعامة السدوسي ، وهو ثقة حافظ، وهو يدلس، وهو من رجال الجماعة، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن عبد الله بن سرجس ، والمقال الذي في الإسناد من حيث روايته عن عبد الله بن سرجس ؛ لأن سماعه منه مختلف فيه، ومع ذلك أيضاً هو مدلس، وقد عنعن، فالحديث فيه مقال من أجل هذا.[عن عبد الله بن سرجس].أما عبد الله بن سرجس فهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يروي عنه هذا الحديث، وحديثه عند مسلم والأربعة، وله سبعة عشر حديثاً في الكتب، انفرد مسلم بحديث منها، وليس له في البخاري شيء.
النهي عن البول في الماء الراكد

شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البول في الماء الراكد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن البول في الماء الراكد)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: النهي عن البول في الماء الراكد، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد)، والحديث رواه مسلم في صحيحه. والنسائي عبر بالنهي بخلاف الترجمة السابقة، ولعل الفرق في ذلك هو ما ذكرته من قبل: أن الحديث هناك فيه مقال، أما الحديث هنا فهو صحيح وثابت، وقد رواه مسلم في صحيحه، فهناك عبر بالكراهية، وهنا عبر بالنهي.والحديث يدل على تحريم البول في الماء الراكد؛ ذلك لأنه يفسده، أو يجعله قذراً في حق من يعلم أنه بيل فيه، ثم أيضاً إلف البول في الماء الراكد واعتياد ذلك إلف لما هو أمر سيء, ولو كان الماء كثيراً؛ لأن من اعتاد أن يبول في الماء الكثير الذي لا تضره النجاسة فقد يبول في الماء القليل الذي تضره النجاسة، وكون الماء الراكد مستقراً فإنه يتأثر بما يقع فيه، بخلاف الماء الجاري، كمياه الأنهار التي تجري فإن الماء يذهب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يبول فيه إلا إذا اضطر إلى ذلك، أما أن يكون في سعة وعنده اليابسة, ثم يذهب ويبول في الماء، ولو كان جارياً فلا ينبغي للإنسان أن يفعله، أما إذا اضطر إلى ذلك فلا مانع، والماء الجاري ليس كالماء الراكد، فلا يتأثر بالبول فيه كما يتأثر به الماء الراكد إلا إذا كان الماء قليلاً؛ فإن النجاسة تؤثر في الماء القليل والماء الكثير، في الراكد والجاري إذا كان قليلاً جداً.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].وهو الذي مر ذكره مراراً وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني .[ حدثنا الليث ].والليث يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الليث بن سعد الفهمي المصري ، وهو ثقة ثبت, فقيه، إمام مشهور معروف بالفقه, ومعروف بالحديث، وهو من رجال الكتب الستة، خرج له الجماعة، وقد أفرد الحافظ ابن حجر له ترجمة في رسالة خاصة موجودة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية , ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وكتب الفقه؛ لأنه محدث فقيه، رحمة الله عليه.[ عن أبي الزبير ].أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق يدلس.[ عن جابر ].هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو أحد الصحابة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين يأتي ذكرهم مراراً في الكتب، وقد ذكر صاحب الخلاصة: أن له ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين، فهو مكثر .
كراهية البول في المستحم

شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية البول في المستحم. أخبرنا علي بن حجر أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)].ذكر النسائي رحمه الله: كراهية البول في المستحم، وأورد فيه حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)، عبَّر النسائي هنا بالكراهية، ولعل ذلك أيضاً مثل ما ذكرت من قبل؛ لأن إسناد الحديث فيه كلام من جهة أن الحسن مدلس، ومعروف بالتدليس والإرسال، وقد روى عن عبد الله بن مغفل بالعنعنة، فقال: عن عبد الله بن مغفل، فالإسناد فيه مقال، لكن عند أبي داود حديث آخر, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول أحد في مستحمه)، ولهذا الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي صحح الجملة الأولى, وهي: (لا يبولن أحد في المستحم)، دون قوله: (فإن عامة الوسواس منه)؛ لأن الجملة الأولى جاءت في حديث في سنن أبي داود ، ولم تأت الجملة الثانية التي هي التعليل: (فإن عامة الوسواس منه) فرواية الحسن هنا جاء ما يؤيدها، وما يدل على ثبوتها وصحتها من طريق أخرى غير طريق الحسن ، لكنها ليست بطول رواية الحسن ، وإنما هي في جزئه الأول دون الجزء الثاني.والنهي عن البول في المستحم, قال بعض العلماء: إن المقصود من ذلك: ما إذا كان المستحم يستقر فيه البول لكون المكان صلباً، أو فيه شيء لا يذهب معه البول، أو يكون رخواً بأن يكون تراباً يشرب البول، ولا يبقى للبول أثر إلا رطوبة ذلك التراب، أو ليس فيه منفذ يجري فيه البول، فإذا كان المكان رخواً وشرب البول, وذهب البول ولم يبق له وجود، أو كان هناك منفذ كالبالوعة يذهب فيه البول ولا يستقر، فإن هذا لا مانع منه، قالوا: لأن المحذور من ذلك أنه إذا كان البول موجوداً ثم استحم؛ فإن هذا البول المجتمع يتطاير ويحصل منه الرشاش إلى جسده؛ فيؤدي ذلك إلى الوسواس، هل وقع عليه بول أم لا؟! ففسروا الحديث بما كان من هذا القبيل، أما إذا ذهب البول ولم يبق له وجود؛ فإن هذا لا يؤثر؛ لأن المحذور هو انتقال البول، والبول لا ينتقل إلا إذا كان موجوداً، أما إذا ذهب مع المنفذ أو الأرض الترابية وذهب البول فيها, ولم يبق للبول وجود؛ فإن هذا المحذور قد زال.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

قوله: [ حدثنا علي بن حجر ].وهو: السعدي، وقد سبق ذكر علي بن حجر مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وفي نسخة التقريب المصرية بدل الترمذي أبو داود ، وهذا ليس موجوداً في الخلاصة, ولا تهذيب التهذيب، بل لم ينص عليه في تهذيب الكمال؛ لأن في تهذيب الكمال ذكر الذين رووا عنه وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي، ولم يذكر أبا داود ، فما في ذلك من الرمز لـأبي داود في نسخة التقريب المصرية خطأ، والصواب: الترمذي . وعلي بن حجر ثقة, حافظ. [ أنبأنا ابن المبارك ].وابن المبارك يأتي لأول مرة، وهو: عبد الله بن المبارك المروزي ، وهو إمام، جليل, ثقة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت, إمام, جواد, مجاهد, جمعت فيه خصال الخير، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن معمر ].وهو: ابن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة.[ عن الأشعث بن عبد الملك ].قال هنا: ابن عبد الملك ، وفي رجال النسائي أشعث بن عبد الملك , وأشعث بن عبد الله ، وفي بعض نسخ النسائي في هذا الإسناد: أشعث بن عبد الله ، وفي نسخ الآخرين الذين هم أصحاب السنن الباقون: الترمذي, وأبو داود , وابن ماجه قالوا في الإسناد: أشعث بن عبد الله، وفي إحدى نسخ النسائي : أشعث بن عبد الله ، وفي تهذيب الكمال لما ترجم لـمعمر بن راشد ذكر: أنه روى عن أشعث بن عبد الله ، ولم يذكر: أشعث بن عبد الملك ، وكل هذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، أولاً: كون إحدى النسخ فيها أشعث بن عبد الله ، وكون الكتب الأخرى التي فيها هذا الحديث نفسه, ومن هذا الطريق, كلهم ينصُّون على أنه أشعث بن عبد الله ، وفي ترجمة معمر بن راشد في تهذيب الكمال ذكر: أن من شيوخه أشعث بن عبد الله ؛ فهذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، فمعنى ذلك أن الذي في النسخة الموجودة معنا ليس صواباً، وإنما الصواب كما في النسخة الثانية من جهتين: من جهة أن معمر بن راشد ما ذكر المزي في شيوخه أشعث بن عبد الملك ، وثانياً: أن الذين رووا الحديث مع النسائي, وهم أصحاب السنن الباقون كلهم نصوا في الإسناد على أنه ابن عبد الله ، والحديث مخرجه واحد، فإذاً: هو ابن عبد الله . وابن عبد الله هذا ذكر الحافظ ابن حجر: أنه من رجال الأربعة، ومن رجال البخاري تعليقاً.فالصحيح: أنه ابن عبد الله وليس ابن عبد الملك ، وهو صدوق.[ عن الحسن ].وهو ابن أبي الحسن ، وأبوه اسمه يسار ، ولكنه مشهور بكنيته، ولهذا يقال له: الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو إمام مشهور, ثقة حافظ، وكان يدلس ويرسل، معروف بالتدليس والإرسال، وهنا الحديث عنعنه عن عبد الله بن مغفل ، فهو محتمل الضعف، بل لا يعتبر ثابتاً لمجرد هذا، ولكن كما ذكرت: أن في سنن أبي داود حديثاً آخر صحيحاً؛ فيعتبر المقدار الذي يوافقه من حديث الحسن ثابتاً، أما ما جاء في آخره فهذا مما لم يأت إلا في هذا الحديث، ولهذا كما قلت: اعتبر الألباني الجملة الأولى صحيحة من أجل الحديث الثاني، والجملة الثانية ضعيفة؛ لأنها ما جاءت في الحديث الآخر.[ عن عبد الله بن مغفل ].أما عبد الله بن مغفل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج له أصحاب الكتب الستة، وفي الخلاصة ذكره على طريقته، وذكر عدد ما له, وما اتفق عليه من أحاديثه, وما انفرد البخاري به, وما انفرد به مسلم.
السلام على من يبول

شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السلام على من يبول.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة قالا: أخبرنا سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام)]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: السلام على من يبول، يعني: ما ورد في السلام على من يبول، وذكر الأمر مطلقاً، ما ذكر نهياً ولا كراهية ولا أمراً، وإنما قال: السلام على من يبول، مقصوده من ذلك: ما ورد فيه، وبيان حكمه، وقد أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام). وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عليه ليبين له أن السلام على من يبول لا ينبغي، فتركه الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي أن يسلم على من يبول؛ لأن من يبول ليس له أن يذكر الله عز وجل، ومن المعلوم أن السلام فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، وهو من الذكر والدعاء، والإنسان الذي يبول يسكت ولا يتكلم، إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى أن يتكلم من أجل حاجة اقتضت ذلك، أما أن يدعو وأن يذكر الله عز وجل -ومن ذلك السلام ورد السلام- فإنه لا يفعله، قالوا: وعدم إجابته له إنما هي تأديب له, وتنبيه له على ألا يعود.والحديث رواه مسلم وبعض الأئمة.

تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].محمود هذا يأتي ذكره لأول مرة في شيوخ النسائي ، وهو من شيوخه, وشيوخ أصحاب الكتب إلا أبا داود ، فإنه لم يخرج له, ولم يرو عنه شيئاً، فهو شيخ لأصحاب الكتب الخمسة، وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وأما الإمام أبو داود فلم يخرج له شيئاً، ولم يرو عنه في كتبه، وهو ثقة. [ حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة ].زيد بن الحباب هو صدوق يخطئ في حديثه عن سفيان الثوري ، وشيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد هو سفيان الثوري ، وقد قالوا: إنه يخطئ في حديثه عن الثوري ، وهذا منه، لكنه مقرون بـقبيصة ، وقبيصة صدوق ربما خالف، لكن اجتماعه مع زيد بن الحباب الذي في حديثه شيء عن سفيان يجعل الشيء الذي في حديثه عنه لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد بالرواية عنه، وإنما شاركه غيره فيها وهو قبيصة . وقبيصة هنا مهمل لم ينسب، وقبيصة يطلق على جماعة، ومن المعلوم أن الطريقة التي يعلم بها تعيين المهمل وتمييزه: أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، ومن خرجوا له، وإذا رجعنا إلى ترجمة محمود بن غيلان في تهذيب التهذيب فنجد أنه روى عن قبيصة بن عقبة ، وما ذكر أنه روى عن شخص آخر يقال له: قبيصة، إذاً: فقد عرف المهمل، وذلك بالرجوع إلى الشيوخ والتلاميذ، لكن يبقى لو أنه روى عن قبيصة وهما اثنان مثلاً، فأيهما هو هذا أو هذا؟ هذا يحتاج إلى تمييز، يمكن أيضاً أن ينظر فيمن هو أكثر ملازمة، ومن هو أكثر أخذاً، وهذه الطريقة التي يميز بها أحد الاثنين المشتبهين اللذين لا يدرى أيهما هو أهذا أم هذا؟ لكن هنا ليس هناك تعدد فيمن روى عنه محمود بن غيلان ممن يقال له: قبيصة، لا يوجد إلا واحد، وهو قبيصة بن عقبة.وقبيصة بن عقبة من رجال الجماعة، وربما وهم.أما زيد بن الحباب فهو من رجال مسلم والأربعة.[ أخبرنا سفيان ].سفيان غير منسوب، ما قيل: سفيان الثوري ولا سفيان بن عيينة ، لكن زيد بن الحباب ذكروا بأنه يروي عن سفيان الثوري ، وفي حديثه عنه شيء، إذاً: عرف هذا المهمل الذي هو سفيان, وأن المقصود به الثوري ، وليس المقصود به ابن عيينة ؛ لأن زيد بن الحباب إنما روى عن سفيان الثوري . والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي ، وهو ثقة كما ذكرت سابقاً عند ذكر سفيان بن عيينة: أن ابن حجر لما ذكر كلاً منهما ذكر فيه عدة صفات، فقال: ثقة, حافظ, فقيه, إمام, حجة، فذكر خمس صفات، وزاد في الثوري أنه قال: عابد، وسفيان الثوري إمام في الحديث والفقه، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث، وشعبة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وبعض العلماء جعل سفيان أعظم وأقوى وأمكن من شعبة ؛ وذلك بسبب أنهم عدوا ما أخطأ به هذا وما أخطأ به هذا؛ فكان ما أخطأ به سفيان أقل مما أخطأ به شعبة ، فصار سفيان أرجح من شعبة وإن كان كل منهما في القمة، لكن يميزون الشخص على الشخص بقلة خطئه في حديثه، ويقارنون بين الخطأ عند هذا وهذا، فإذا رأوا واحداً منهما أقل اعتبروه أمكن، وإذا كان أكثر من الثاني وإن كان قليلاً اعتبروه دونه.وحديث الثوري هو عند الجماعة, وحديثه عندهم كثير.[ عن الضحاك بن عثمان ].وهو: الضحاك بن عثمان أبو عثمان ، وهو من رجال مسلم والأربعة , كـزيد بن الحباب، وهو صدوق ربما يهم. [ عن نافع ].ونافع هو: مولى ابن عمر ، وهو الإمام المشهور الذي مر ذكره، وهو من الثقات, الحفاظ, المتقنين، بل هو أحد رجال السلسلة الذهبية عند البخاري حيث يقول: أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـنافع هو أحد السلسلة التي يقول عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد ، فهو في القمة، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[ عن ابن عمر ].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب المعروف بكثرة الحديث، وهو أحد السبعة المكثرين من الصحابة الذين تجاوز حديثهم الألف، والذين يعتبرون أكثر من غيرهم حديثاً في الكتب، وقد قال في الخلاصة: إن له ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً في الكتب الستة، اتفق البخاري ومسلم على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بواحد وثمانين ، وانفرد مسلم بواحد وثلاثين حديثاً، فهو مكثر، وهو من صغار الصحابة، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) يعني: أذن له بأن يكون في جملة المقاتلين، وهذا يدلنا على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حب الخير، والحرص على الجهاد، وأن الواحد الصغير يأتي ويرجو أن يؤذن له، فيعرض في المرة الأولى ويقال له: صغير, فيرجع، وفي المرة الثانية يكون قد بلغ فيؤذن له، وكانوا يحرصون على الجهاد في سبيل الله، وكانوا يقدمون أنفسهم وهم لم يصلوا إلى أن يكونوا ممن يؤذن لهم، فابن عمر لم يؤذن له؛ لأنه لم يبلغ الخامسة عشرة، وفي الخندق بلغ الخامسة عشرة فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم.وهو من صغار الصحابة، فإذا كان عمره يوم الخندق خمس عشرة سنة، والرسول عاش بعدها خمس سنين فمعناه: أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة رضي الله عنه، وهو من المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وإذا قيل العبادلة الأربعة فالمراد بهم صغار الصحابة: ابن عمر , وابن عمرو , وابن الزبير , وابن عباس ، هؤلاء هم العبادلة وليس فيهم ابن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي قبلهم بمدة طويلة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هم فتأخرت وفاتهم، فمنهم من توفي في حدود الستين، ومنهم من توفي بعد ذلك فوق السبعين.قد يقال: من المعلوم أن رد السلام واجب من الواجبات وهنا ما رد عليه.فالجواب أشرت إليه، وهو: أنه أراد التنبيه إلى أنه لا يسلم على من يبول، ولو سلم عليه لا يرد؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، ورد السلام من ذكر الله؛ والسلام من أسماء الله عز وجل، وهو دعاء للمسلم، وهو لا يدعو لنفسه ولا لغيره وإنما يسكت، ولا يذكر الله وهو يقضي حاجته.



ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:52 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(21)

باب رد السلام بعد الوضوء - باب النهي عن الاستطابة بالعظم

لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى آداب كثيرة، ومن ذلك: أنه أرشدهم إلى تجنب الاستطابة بالعظم؛ لأنه طعام إخواننا من الجن، وكذلك مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله عدم رد السلام أثناء قضاء الحاجة؛ لكونه ذكراً، ولا يجوز الذكر أثناء قضاء الحاجة.

رد السلام بعد الوضوء

شرح حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [رد السلام بعد الوضوء.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول؛ فلم يرد عليه حتى توضأ، فلما توضأ رد عليه) ].هنا أورد النسائي ترجمة أخرى وهي: رد السلام بعد الوضوء، والمقصود من ذلك: ما جاء في رد السلام بعد الوضوء، وأورد فيه حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول, فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه السلام).وهذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء من جهة أنه من رواية الحسن وهو البصري ، فقد رواه بالعنعنة، وهو يدلس ويرسل، وتكلم فيه بعض العلماء لهذه العلة، والشيخ الألباني قال: إن الكلام في رواية الحسن إنما هو عن الصحابة، أما روايته عن التابعين - وهنا يروي عن حضين أبي ساسان وهو تابعي - فلا تكون من هذا القبيل، وقال: إن للحديث شاهداً من طريق آخر فيه كلام، ولكنها تشهد لهذه الطريق التي جاءت من طريق الحسن، واعتبر الحديث صحيحاً، وقال: إنه يدل على أن رد السلام على غير طهارة مكروه، أو أنه خلاف الأولى، ومن باب أولى أن تكون قراءة القرآن كذلك، ومن المعلوم أن قراءة القرآن جائزة وسائغة إلا في حال الجنابة، فهو الذي يمنع من قراءة القرآن، أما غيره فإنه يقرأ القرآن وإن كان على غير وضوء ما دام أنه ليس جنباً، فله أن يقرأ القرآن وله أن يذكر الله عز وجل.فهذا الحديث أولاً فيه كلام في ثبوته، وإذا ثبت فيكون المراد منه: الإشارة إلى أن الأولى في السلام وفي ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن أن يكون على طهارة، ولكنه لا يدل على التحريم، وأن ذلك غير سائغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يرد وهو على غير طهارة، واتبع ما هو الأولى, وإلى ما هو الأفضل، وأما أن يكون حراماً والإنسان لا يذكر الله إلا على طهارة، أو لا يقرأ القرآن إلا وهو على وضوء؛ فهذا ليس بواضح.إذاً: فالحديث إذا ثبت ليس فيه إلا الإشارة إلى الأولوية وإلى الأفضل والأكمل، لا على التحريم والمنع، وقد عرفنا الحديث الذي مضى الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، وقالوا: إن هذا فيه تأديب له، وفيه تنبيه له إلى أن الذي يبول لا يسلم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه وهو يبول لما سلم عليه؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، والسلام فيه ذكر لله عز وجل، والحديث هذا لا يتعارض مع ذاك إلا من ناحية أن الفرق بينهما: أن الكل فيه سلام إلا أن الأول ما فيه رد والثاني فيه رد بعد الوضوء وبعد الفراغ من البول، ولا شك أن ذكر الله عز وجل وكون الإنسان يكون على طهارة أولى، لكن كونه ممنوعاً, وكونه لا يسوغ فهذا ليس بواضح من الحديث إذا صح الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].ومحمد بن بشار هو بندار ، وقد مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى: أن محمد بن بشار الملقب بندار ، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة وهي :سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري -الذي هو أول أصحاب الكتب موتاً- بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخه الذين كانت وفاتهم قريبة من وفاته، وأما كبار شيوخه الذين أدركهم في صغره وفي كبرهم وماتوا في وقت مبكر, مثلاً: سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشرة, أو ما كان قريباً من ذلك؛ فهؤلاء شيوخه الكبار، وأما شيوخه الصغار الذين هم مقاربون له في الطلب، ووفاتهم قريبة من وفاته؛ لأن أكثر حياته وهو مدرك لهم، أو كل حياته وهو مدرك لهم؛ لأنه ما بينه وبينهم إلا أربع سنوات، وأما الكبار الذين ماتوا سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشر, فهؤلاء بينه وبينهم عشرات السنين في الوفاة.فـمحمد بن بشار لقبه بندار ، وهو شيخ لأصحاب الكتب، وهو من الثقات الحفاظ. [ حدثنا معاذ بن معاذ ].وهو: معاذ بن معاذ البصري ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة. [ حدثنا سعيد ].وفي بعض النسخ: شعبة بدل سعيد ، لكن إذا رجعنا إلى ترجمة معاذ بن معاذ في تهذيب التهذيب، واستعرضنا شيوخه نجد أن فيهم: سعيد بن أبي عروبة , وليس فيهم شعبة ، فعرفنا أنه سعيد وليس شعبة الذي جاء ذكره في بعض النسخ.وفي شيوخ معاذ بن معاذ ممن يسمى سعيداً واحد، وهو: سعيد بن أبي عروبة , وهو ثقة, حافظ, إلا أنه كثير التدليس, واختلط أيضاً, وهو من رجال الجماعة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث قتادة ، وهذا معناه: أنه متمكن في حديث قتادة .[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي الذي مر بنا قريباً في حديث البول في الجحر، وقيل له: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنه يقال: إنها مساكن الجن. وهو من رجال الجماعة، وهو حافظ متقن، وهو من الحفاظ المتقنين، وهو مدلس. [ عن الحسن ].وهو الحسن البصري بن أبي الحسن ، وهو ثقة, إمام, إلا أنه يرسل ويدلس، وهو من أصحاب الكتب الستة.فعندنا في هذا الإسناد: محمد بن بشار , ومعاذ بن معاذ, وسعيد بن أبي عروبة، وقتادة، والحسن البصري ،كل هؤلاء من رجال الجماعة، والخمسة كلهم من رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن حضين أبي ساسان ].وأبو ساسان هذا لقب وليست كنيته، يقال: كنيته أبو محمد , ولقبه أبو ساسان ، وهو على صيغة الكنية، وهذا مثل أبي الزناد الذي يروي عن الأعرج فهو لقب وليس بكنية، وهذا مثله فـأبو ساسان لقب وليس بكنية، يعني: ليس له ابن اسمه ساسان، وإنما يلقب أبا ساسان ، وهو ثقة من الثانية، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.وكونه لا يوجد إلا في مسلم فهذا غلط واضح؛ لأن الحديث في النسائي ، فهو من رجاله، فأنا كنت أظن أن رمز الميم هذه أربعة، يعني: أنه من رجال الأربعة، ولكن بعدما رجعت إلى الكتب الأخرى التي تترجم له في الخلاصة وفي غيرها وإذا هي: ميم دال سين قاف، يعني: مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، فالنسبة أو الرمز له هنا بالميم وحدها هذا لا شك أنه غلط، وهذا في الحقيقة من معايب الرموز في بعض الأحيان، وكما قلت لكم: المزي رحمة الله عليه لا يرمز للشخص الذي يترجم له، وإنما يذكر بعدما يدخل في الترجمة الذين خرجوا له بأسمائهم، فلان وفلان وفلان، فهذه طريقة المزي، ولكنه يرمز للشيوخ والتلاميذ عندما يقول: روى عن فلان وفلان وفلان فيذكر فوق الاسم رمز من خرج له، ولكن الشخص الذي يترجم له لا يرمز له، وإنما يأتي في آخر ترجمته ويقول: روى عنه فلان وفلان وفلان، ويذكر أصحاب الكتب الذين خرجوا حديثه بأسمائهم، بالألفاظ لا بالرموز، فالرمز خطأ واضح؛ لأن الحديث في النسائي فالإنسان عندما يجد الميم يعرف أن الأمر غلط واضح. [ عن المهاجر بن قنفذ ].والمهاجر بن قنفذ صحابي، ويقال: إن المهاجر وقنفذ لقبان، وأنهما ليسا اسمين، لكنهما مشهوران، ولهذا يذكرون الترجمة باسم المهاجر بن قنفذ ؛ لأنه مشتهر بذلك، سواء كان لقباً أو اسماً، لكن يقال: إنهما لقبان, واسمه عمرو بن خلف ولكنه مشهور بـالمهاجر بن قنفذ ، ويذكرون ترجمته في حرف الميم في المهاجر ولا يذكرونه بـعمرو بن خلف، وهو الصحابي الذي يروي الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
النهي عن الاستطابة بالعظم

شرح حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالعظم. أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ].يقول النسائي رحمة الله عليه: النهي عن الاستطابة بالعظم.الاستطاب� � المراد بها: الاستنجاء أو الاستجمار، وهي: إزالة النجاسة وتطييب محلها وتطييب موضعها، فقيل لها الاستطابة؛ لأن فيها إزالة النجاسة, وجعل محلها نزيهاً نظيفاً، فهذه هي الاستطابة، وهي تكون بالحجارة وتكون بالماء.وهذه الترجمة هي النهي عن الاستطابة بالعظم، وقد أورد النسائي فيها: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ، وهو مشتمل على النهي عن الاستطابة بالعظم والاستطابة بالروث، وقد عقد ترجمة أخرى تتعلق بالاستطابة بالروث وأتى بحديث آخر يدل على ما دل عليه هذا الحديث، وهذا من طريقة النسائي رحمة الله عليه في إيراده الأحاديث المختلفة التي تشتمل على موضوعات، ويستدل على كل موضوع منها بالحديث، إما أن يكون الحديث واحدا ويأتي من طريقين، أو يكون الحديث جاء عن جماعة من الصحابة, فيورده عن صحابي في موضع ويورده عن صحابي آخر في موضع آخر.والنهي عن الاستطابة بالعظم عللها بعض العلماء بأن العظم قد يكون نجساً فتكون الاستطابة به بنجاسة، وهذا على أنه عظم ميتة، وهذا على القول بأن عظم الميتة تحله النجاسة، وفيه خلاف بين العلماء.ومنهم من قال: إنما نهي عنه لملاسته وكونه أملس -أي: العظم- فلا يحصل منه الإنقاء والتنظيف.ولكن التعليل الأوضح هو: الذي جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما سئل عنها قال: (إن العظم طعام إخوانكم من الجن) فهذا هو الذي يدل على الحكمة, وعلى وجه المنع أنه طعام إخواننا من الجن، فالاستنجاء به أو الاستطابة به تقذره عليهم، فنهي عن الاستنجاء به، وقد جاء ذلك مبيناً في بعض الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)

قوله: [ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ]. وهذا يأتي لأول مرة، اسم هذا الرجل الذي هو من شيوخ النسائي لم يسبق ذكره في الأحاديث الماضية، وهو مصري، وكنيته أبو الطاهر ، وقد روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً، وكثيراً ما يقول مسلم : حدثنا أبو الطاهر بن السرح، فكثيراً ما يذكره مسلم بكنيته، وأحياناً ينسبه مع كنيته، وهو مصري, ثقة, أكثر عنه الإمام مسلم كما ذكرت، وقد خرج حديثه مسلم, والنسائي كما هو موجود عندنا، وكذلك أبو داود وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي ، وهو شيخ لهؤلاء الأربعة الذين هم: مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، فهو شيخ لهم رووا عنه وأخذوا عنه.[ أنبأنا عبد الله بن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، المشهور الذي هو محدث وفقيه، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأحاديث، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الفقه، فهو ثقة ثبت، وهو محدث وفقيه، وهو مصري أيضاً كتلميذه أحمد بن عمرو بن السرح، فهما مصريان، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [ أخبرني يونس ].وهو: يونس بن يزيد الأيلي هذا أيضاً مر بنا ذكره، وهو ثقة ومن رجال الجماعة أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وابن شهاب مر ذكره مراراً، وهو المحدث, الفقيه, المعروف بجلالته وإمامته، وهو أول من جمع السنن بتوجيه وأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروذكرت فيما مضى: أن ابن شهاب مشهور بنسبتين: بنسبته إلى شهاب وهو من أجداده وليس هو جده القريب، وإنما هو جد من جملة أجداده الذين هم في عمود نسبه، وكذلك أيضاً الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب بن مرة بن غالب بن لؤي ، يجتمع مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، وزهرة أخو قصي ، وهذا زهرة بن كلاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وسبق أن ذكرت لكم نسبه إلى زهرة، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، فهذا هو النسب الذي ينسب إليه بالنسبة الأولى. فهو ينسب إلى زهرة, ويقال له: الزهري، وينسب إلى جده, فيقال: ابن شهاب ، فأكثر ما يأتي ذكره ولا يكاد يعرف في الأسانيد إلا بهذين اللفظين: ابن شهاب, أو الزهري ، وهو محمد بن مسلم، ويوافقه في هذا الاسم من المحدثين: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس ، وهو مكي يوافقه في اسمه واسم أبيه، هذا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله وهذا محمد بن مسلم بن تدرس.[ عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي ].وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي ، وأبو عثمان بن سنة هذا روى عنه الزهري كما هو هنا، وقد ذكر عنه الحافظ في التقريب أنه مقبول، ورمز بأن حديثه خرجه النسائي, وابن ماجه في التفسير، ورمز له بـ(س) للنسائي , وبفاء وقاف لـابن ماجه في التفسير؛ لأن القاف لـابن ماجه والفاء للتفسير، فإذا رمز له بالفاء والقاف معاً مقرونتان فهو ابن ماجه في التفسير.وكونه مقبولاً، فمن يوصف بأنه مقبول لا يقبل حديثه إلا إذا اعتضد، وإذا توبع أو شاركه غيره. ومن المعلوم أن الاستنجاء بالعظم والروث جاء فيه أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما، فإذاً الحديث ثابت؛ لأنه لم يتفرد به، بل جاء من طريق غيره فيكون الحديث ثابتاً, فإنه لم ينفرد، بل جاء عن جماعة من الصحابة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عن أن يستطاب بالعظم والروث، ومن ذلك الحديث الذي بعد هذا.وما أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن, لأنهم لا يرمزون له بالفاء والقاف إلا إذا كان ليس في السنن، لأنه إذا كان في السنن فإنهم يكتفون به عنده، ولو كان عنده في خارجها، ولكن إن لم يرو له في السنن أتوا بالرمز له، وأنا لا أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن.[ عبد الله بن مسعود ].أما عبد الله بن مسعود فهو: ابن غافل الهذلي ، وهو من هذيل، ومن المهاجرين ومن السابقين الأولين، وهو من أهل العلم من علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وقد خرج حديثه الجماعة، وقد ذكر في الخلاصة أن له ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، وانفرد مسلم بخمسة وثلاثين، فهو قد روى الكثير، ولكنه ما عد من السبعة المكثرين؛ لأنه دونهم وإن كان قد روى الكثير من الأحاديث، لأن ثمانمائة حديث شيء كثير، ولكن ذكر السبعة الذين تكرر ذكرهم لكونهم قد زاد حديثهم على الألف، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فقد روى هذه الأحاديث الكثيرة, ولكنه ما عد فيمن بلغوا الغاية في الكثرة، حيث جاوز حديثهم الألف.



ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:54 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(22)


باب النهي عن الاستطابة بالروث - باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند قضاء الحاجة ألا يستجمر بالروث والرمة، لأنها لا تطهر موضع النجاسة؛ ولأنها طعام دواب الجن. ومن الآداب كذلك ألا يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن بها يكون الإنقاء والإيتار.
النهي عن الاستطابة بالروث

شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالروث.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن سعيد عن محمد بن عجلان أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) ].أورد النسائي هذه الترجمة: باب النهي عن الاستطابة بالروث؛ لأن الترجمة السابقة: النهي عن الاستطابة بالعظم، وهنا النهي عن الاستطابة بالروث، وكان بإمكانه أن يقول: النهي عن الاستطابة بالعظم والروث ثم يأتي بالأحاديث التي وردت في هذا وفي هذا، لكنه أراد أن يعدد المسائل الفقهية، والمسائل التي يستدل عليها، وأن يفرد كل مسألة بحديث، فمن أجل هذا فعل هذا، وإلا كان بإمكانه أن يضم، لكنه هذه طريقته -كما قلت لكم سابقاً- وهي مثل طريقة البخاري , وكتابه كتاب دراية كما أنه كتاب رواية: ففيه فقه وحديث، فيه سنة وما يستنبط من السنة الذي هو الفقه، والفقه في التراجم، ويقولون عن البخاري : إن فقهه في تراجمه، وكذلك يقال في النسائي أيضاً: إن فقهه في تراجمه، بل إنه يشبه البخاري في الدقة في التعبير, وفي الدقة في وضع الترجمة، ومما يدل عليه ما سبق أن مر من الأمثلة، وأوضحها الترجمة التي سبق أن مرت: الرخصة في الاستياك بالعشي للصائم، ويورد تحتها حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، النسائي أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الترجمة وحديث أبي هريرة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما بعده من بيانه للأمور التي هي آداب قضاء الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد) بل هو أعظم من الوالدين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يجب أن يكون أحب إلى كل مسلم من والديه وأولاده والناس أجمعين؛ لما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، فهو عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهو عليه الصلاة والسلام أحرص وأعظم من الوالدين في التعليم والبيان؛ لأنه أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً, وأكملهم بياناً, وأفصحهم لساناً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكنه قال هذا التمهيد؛ لأن من شأن الوالد أن يكون حريصاً على تعليم ولده كل شيء، حتى الأمور التي يحتاج إليها مما يستحيا من ذكرها.فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يبين لهم كل ما يحتاجون إليه، وأن الوالد هذا شأنه أن يحرص على تعليم ولده كل ما يحتاج إليه، ولو كان من الأمور التي يُستحيا منها، ومن ذلك: ما يتعلق بقضاء الحاجة, وما إلى ذلك.ثم بين عليه الصلاة والسلام ما بهذا التمهيد، فقال: ( إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، يعني: عند قضاء الحاجة لا يستقبل القبلة -أي: لا يتجه إلى الكعبة وهو يقضي حاجته- ولا يستدبرها، وقد مرت الأبواب في موضوع الاستقبال والاستدبار، لكن المقصود من إيراد الحديث هو ما يأتي من ذكر الروث والرمة.( ولا يستنجي بيمينه )؛ أي: لا يستعمل اليمين وهو يستنجي، وإنما يستعمل اليسار، وهذا سبق أن مر في أبواب عدم الاستنجاء باليمين والنهي عن ذلك.( وكان يأمر بثلاثة أحجار عند الاستنجاء )؛ أي: أمر بأخذ ثلاثة أحجار يستنجي بها عندما ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالحجارة، ويكون ذلك ثلاثاً، والأمر بالثلاثة ليكون جامعاً بين الإيتار والإنقاء؛ لأن الثلاثة تنقي وأيضاً هي وتر، وقد جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الإيتار في الاستنجاء، وهنا ذكر أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار؛ لكونها وتراً، ولكونها تنقي ويحصل بها الإنقاء والتنظيف والتطهير والتطييب الذي عبر عنه بالاستطابة. (ونهى عن الروث والرمة) هذا هو محل الشاهد من النهي عن الاستطابة بالروث والرمة.والرمة: هي العظم، وقيل أن المراد بها: العظم البالي، قالوا: وإذا كان النهي ورد وإن كان بالياً فإن غيره من باب أولى، وقد جاء الحديث بالإطلاق في ذكر العظم، فسواء كان موصوفاً بأنه بالٍ أو غير بال كل ذلك يدخل تحت العظم المنهي عنه في الاستعمال، وقد عرفنا ما يتعلق بالاستنجاء بالعظم في الباب الذي قبل هذا، أما ما يتعلق بالروث -وهو الذي ترجم له في هذا الحديث- فقد جاءت أيضاً السنة في بيان الحكمة في المنع منه في الحديث الذي ورد فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فقال: ( إن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث طعام دوابهم ).فإذاً: التعليل الواضح الذي جاء به الحديث الصحيح أن النهي لحكمة وهي: عدم إفساد الطعام على الجن وكذلك عدم تلويث وتقذير الطعام الذي هو لدواب الجن, كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والعظم البالي هو: العتيق القديم الذي يؤكل ومضى عليه مدة طويلة حتى صار يتفتت. أما الاستقبال والاستدبار في غير قضاء الحاجة ما أعلم أن شيئاً يمنع منه، لا عند النوم ولا عند الجلوس، فكون الإنسان يمد رجله إلى القبلة لا أعلم شيئاً يمنع منه.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد ذكرت لكم قبل مدة: أن الدورقي يعقوب بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، وذكرت لكم: أن هناك شخصين يماثلانه بكونهم شيوخ لأصحاب الكتب، وبكونهم ماتوا معه في سنة واحدة -وهي سنة مائتين واثنين وخمسين- وهما: محمد بن بشار الملقب بـبندار، ومحمد بن المثنى الملقب بـالزمن ، فإن هذين مع هذا الذي هو يعقوب كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنين وخمسين، بل إن الاثنين الآخرين -وهما: محمد بن المثنى , ومحمد بن بشار- اتفقا في شيء أكثر من هذا؛ فإنهما اتفقا في سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وهم في طبقة واحدة من البداية حتى النهاية، حتى قال الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان؛ أي: لا أحد منهما يسبق الآخر، فكل واحد منهما بجوار الآخر.[ حدثنا يحيى يعني: ابن سعيد ].يحيى بن سعيد ، هو: ابن سعيد القطان الإمام, المحدث, الناقد الذي هو إمام في الجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة، وقد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به عن الذهبي, ومعه شخص آخر يشاركه فيها؛ وهو عبد الرحمن بن مهدي ، يقول الذهبي عنهما في كتاب من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: إنهما إذا جرحا شخصاً؛ فإنه لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما إذا جرحاه؛ فإن جرحهما أصاب الهدف، وهذا يدل على تمكنهما، وأنهما إذا اجتمعا على شخص فمعنى ذلك: أنه يتمسك بكلامهما؛ لأن جرحهما لا يكاد يندمل إذا جرحا شخصاً واتفقا على جرحه.وذكرت أيضاً: أن هذا الشخص يأتي في طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد؛ لأنه من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة, وهو يحيى بن سعيد الأموي ولكن الإكثار من الرواية هو عن القطان . ثم أيضاً من علامة الأموي أنه يروي عنه ابنه سعيد ، فإذا جاء في الإسناد: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي؛ فالمقصود به: الأموي ، أو قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن سعيد؛ فالمقصود به الأموي ، أما يحيى بن سعيد القطان فهو أكثر رواية وأكثر شهرة. وقوله: (يعني) هذا مثل (هو) الذي ذكرته فيما مضى، فإن هذه اللفظة (هو) و(يعني) يأتون بها؛ لأن التلميذ الذي هو يعقوب بن إبراهيم عندما روى عن شيخه يحيى اكتفى بكلمة (يحيى) ما قال: يحيى بن سعيد، فالذين جاءوا بعده -النسائي ومن دون النسائي- أرادوا أن يوضحوا يحيى فقالوا: (يعني ابن سعيد) فكلمة (يعني) قالها من دون الدورقي ، وفاعلها الدورقي ؛ لأن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الدورقي، والذي دون الدورقي أتى بكلمة (يعني) فهو قائلها، وليس قائلها الدورقي؛ لأن الدورقي لا يحتاج أن يقول: (يعني)، بل يقول: فلان بن فلان ويذكر اسمه إلى عشرة أجداد، فكلامه لا يحتاج إلى كلمة (هو) ولا يحتاج إلى كلمة (يعني).[ عن محمد بن عجلان ].محمد بن عجلان، هذا يأتي لأول مرة؛ ما سبق أن جاء ذكره في الأحاديث الماضية، ومن الأشياء اللطيفة التي ذكروها في ترجمته، قالوا: إن أمه حملت به أكثر من ثلاث سنوات؛ أي: بقي في بطنها أكثر من ثلاث سنوات. وهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة وهذا منها، وقد روى له البخاري تعليقاً, ومسلم, والأربعة رووا عنه. لكن -كما عرفنا- حديث العظم والروث جاء في أحاديث ثابتة، فلا يؤثر كونه اختلط في حديث أبي هريرة.

ترجمة القعقاع بن حكيم وأبي صالح

[ أخبرني القعقاع ].القعقاع هذا أيضاً يأتي لأول مرة ذكره في رجال النسائي، والقعقاع في رجال النسائي شخصان هما: القعقاع بن حكيم، والقعقاع بن اللجلاج، وهما في طبقة متقاربة، إلا أن ابن اللجلاج مجهول، وانفرد بالإخراج له النسائي. وأما ابن حكيم فهو ثقة. فكيف نعرف الاسم المبهم المهمل الذي ما نسب هنا؟ نقول: الحديث رواه أبو داود ورواه ابن ماجه ، وفي أسانيد ابن ماجه ذكر مرتين، وعند أبي داود من طريقه كلها يقول: القعقاع بن حكيم، ففي هذه الطرق الثلاث: طريق عند أبي داود، وطريقان عند ابن ماجه يقولون فيها: القعقاع بن حكيم، إذاً: عرف المقصود والمعني هنا بأنه القعقاع بن حكيم.والقعقاع بن حكيم ثقة، روى عنه البخاري في الأدب المفرد، وروى عنه مسلم والأربعة، فهو مثل ابن عجلان إلا أن ابن عجلان في الصحيح تعليقاً، وهذا روى عنه في الأدب المفرد. وكتاب الأدب المفرد كتاب مستقل، قيل: إنه سمي بالأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن في داخل الصحيح كتاباً اسمه كتاب الأدب، وخارج الصحيح كتاباً اسمه الأدب المفرد، إذاً: فهو كتاب مستقل سماه: الأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن جملة كتب البخاري في صحيحه سبعة وتسعين كتاباً، وأحد هذه الكتب السبعة والتسعين كتاب الأدب، فسمي كتاب الأدب المفرد لكي لا يلتبس بكتاب الأدب في داخل الصحيح.[عن أبي صالح ]. أبو صالح هو: السمان، ويقال له: الزيات، واسمه ذكوان الزيات, أو ذكوان السمان، وأحياناً يأتي ذكره باسمه فيقال: ذكوان، وأحياناً يأتي ذكره بكنيته -وهو كثير كما هنا- أبو صالح، وسمي بـالسمان؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, وكثيراً ما يروي عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، لكن البخاري ما خرج لـسهيل بن أبي صالح، فليس من رجاله؛ لكن روى عن أبيه كثيراً. أما مسلم فقد أكثر من الرواية عن سهيل عن أبيه، فـسهيل بن أبي صالح عن أبيه موجود بكثرة في صحيح مسلم .[عن أبي هريرة ].أبو هريرة جاء ذكره كثيراً فيما مضى، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فالمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة هو نفسه جاء في صحيح البخاري عنه يقول: (لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب). لكن أجاب العلماء عما وجد من كثرة حديث أبي هريرة وقلة حديث عبد الله بن عمرو -حيث كان دون ما رواه أبو هريرة- بأجوبة عديدة؛ منها: أن أبا هريرة كان مقيماً في المدينة، وكانت المدينة يرد إليها الناس فيصدرون منها، ومن المعلوم أن من كان في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء الناس من خارجها إليها أنفس ما عندهم أن يبحثوا عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويلتقوا بهم ويتلقوا عنهم العلم، فكثر الآخذون عنه، وهو أيضاً يأخذ عن الصحابة الذين يأتون، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، فهو إما أن يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان ملازماً من حين أسلم في عام خيبر للرسول صلى الله عليه وسلم في بقية حياته، وكان مقيماً في المدينة.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا له كان يحفظ كل ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يسمعه من غيره رضي الله عنه وأرضاه.
النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

شرح حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: ( قال له رجل: إنَّ صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟! قال: أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، هذه الترجمة عقدها النسائي بالرغم من أن الحديث الذي قبله مشتمل على ما استندت عليه هذه الترجمة، أو يدل على هذه الترجمة، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستنجى بثلاثة أحجار )، لكن هنا أورد هذه الترجمة المشتملة على النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأورد فيها حديث سلمان: (أنه قال له رجل: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟!) وهذا الرجل جاء في بعض الطرق عند ابن ماجه أنه من المشركين، وقال هذا على سبيل الاستهزاء, أو على سبيل العيب؛ لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما قابل ذلك الكلام بالذم أو التوبيخ، بل قابله بالإثبات, وأن هذه ممدحة ومحمدة، وهو أن ديننا كامل، وأن كل شيء علمناه حتى عند قضاء الحاجة، فما حصل تقصير في شيء ونقصان في شيء، بل الشريعة كاملة غاية الكمال، حتى أدب قضاء الحاجة علمنا إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما رد عليه سلمان (قال: نعم) فما قابله بالتوبيخ, أو السب, أو الشتم، أو قال: كيف تستهزئ؟ بل قال: نعم، علمنا كيف نقضي الحاجة؟! وكيف نجلس؟ ولا نفعل كذا ولا كذا.. إلى آخره، وكل هذه من آداب قضاء الحاجة. وهذا مما يستدل به أهل السنة -وكثيرا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- في بيان العقيدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه في أمور العقيدة، وقال: كيف يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الناس دون أن يبين لهم أمور العقيدة, وتركهم يخوضون ويتخرصون فواحد يقول: المراد كذا والمراد كذا، والرسول ما بين لهم المراد؟ فكيف يبين الرسول عليه الصلاة والسلام آداب قضاء الحاجة ولا يبين أمور العقيدة؟! هذا كلام يعقل؟! وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية وفي غيرها، وبين فيه كمال الشريعة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها في العقائد كما بينها في الأحكام، بل بيانها في العقائد أتم وأكثر.ثم قال: كيف يعقل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس أمور قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان, ثم لا يبين للناس أمور العقيدة؟ بل من باب أولى تبيينه، وهذا هو الذي وقع وحصل، فهذا المشرك أتى بهذه الكلمة يريد أن يستهزئ؛ ولكنه قوبل بعكس ما يريد، وأن هذه محمدة وليست مذمة؛ لأن شريعتنا كاملة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء، وهذا هو شأنه, وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم )، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة.( أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، يعني: أننا إذا جلسنا لقضاء الحاجة لا نتجه إلى الكعبة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.( أو نستنجي بأيماننا )؛ أي: أن ننزه اليمين عن أن تتعرض للنجاسات، وإنما نخص الشمال بذلك، فنجعل الشمال هي التي تتولى هذه المهمة، ولا نستنجي باليمين، وهذا من آداب قضاء الحاجة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم.( أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار )؛ لكي يكون هناك شيئان: الإنقاء -وهو: التنظيف , والتطهير, والتطييب- والإيتار؛ لأن الثلاثة وتر، ومن المعلوم أن الحجر الواحد وتر، لكن ذكرت الثلاثة الأحجار ليحصل مع الإيتار الإنقاء؛ وهو حصول التطهير والتنظيف.

تراجم رجال إسناد حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه عند المحدثين، وابن راهويه عند أئمة اللغة يعبرون براهويه, يقولون: إنه مختوم بـ(ويه)، يعني: الأسماء المختومة بـ(ويه)، كـ(نفطويه), (سيبويه), (راهويه)، أما المحدثون فإنهم ينطقون بها على أنها راهويه.و إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ويستدلون بها على تمييزه عمن يشابهه في الاسم، فالمعروف عن ابن راهويه أنه يقول: أخبرنا، ولا يستعمل حدثنا، وقد استعمل حدثنا لكنها بندرة، ويماثله في هذه الطريقة النسائي الذي معنا، فكل ما عندنا (أخبرنا).وبعض العلماء يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ فيجعلون (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ عندما يقرأ وهم يسمعون، فعند التعبير يقول: حدثنا، أما إذا كان الشيخ يسمع وواحد يقرأ فالسامعون عندما يتحملون عنه وعندما يروون عنه يقولون: أخبرنا، ومن العلماء من لا يفرق بينهما؛ مثل: النسائي , وابن راهويه، فهم يستعملون أخبرنا فيما سمعه وفيما قرئ على شيخه وهو يسمع.وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. فأصحاب الكتب الخمسة: الشيخان البخاري ومسلم، وأبو داود, والترمذي، والنسائي كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ للخمسة، أما ابن ماجه فلم يرو عنه شيئاً ولم يخرج له شيئاً، وهو ثقة, حافظ, كما عرفنا ذلك فيما مضى. [ أخبرنا أبو معاوية ].أبو معاوية هذا سبق أن مر ذكره، وقلنا: إنه مشهور باسمه ومشهور بكنيته؛ ولكن كنيته أكثر، واسمه محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير, وهو من رجال أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].الأعمش، هو سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وتأتي الرواية عنه باسمه، كما تأتي الرواية بلقبه، فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، ويقال: الأعمش؛ ولكن بكلمة الأعمش لا يلتبس بغيره، وهو من رجال الجماعة, وهو ثقة.[ عن إبراهيم ].إبراهيم أيضاً سبق أن مر بنا، وهو: ابن يزيد بن قيس بن أسود النخعي، وهو محدث, فقيه، وسبق أن ذكرت لكم فائدة معروفة مشهورة بالإضافة إليه، وقيل: إنها من أولياته، فهو أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فصاروا يتداولونها ويعبرون بها. وما لا نفس له مثل الذباب, والجراد, وهذه الحشرات, التي ليس فيها دم، و(ما لا نفس)، يعني: ليس له دم، فهذه كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, فقيه. [ عن عبد الرحمن بن يزيد ].سبق أن مر بنا أن إبراهيم النخعي يروي عن الأسود بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، وهما خالان له؛ لأنه يروي عن خاليه: الأسود , وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس النخعيين.وسبق أن مر بنا روايته عن خاله الأسود , وهنا يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد، فهما أخوان يروي عنهما ابن أختهما إبراهيم بن يزيد النخعي.وعبد الرحمن بن يزيد ثقة، خرج حديثه الجماعة مثل أخيه الأسود بن يزيد، كل منهما من رجال الجماعة، وكل منهما من الثقات الحفاظ. [ عن سلمان ].سلمان هو: الفارسي رضي الله عنه، وقد أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو الذي أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الخندق بحفر الخندق، وحديثه في الكتب الستة، وله في الكتب الستة ستون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة.




ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:56 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(23)


(باب الرخصة في الاستطابة بحجرين) إلى (باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها) -

الدين الإسلامي دين يسر، لم يقصد المشقة في التكليف، بل شرع الرخص والبدائل، فمن ذلك أنه يجوز للإنسان أن يستعمل الأحجار بدل الماء في الاستجمار، مع مراعاة طهارتها.ويصح الاستنجاء بحجر له ثلاثة أطراف بشرط الإنقاء، ويسن في ذلك أيضاً الإيتار.

الرخصة في الاستطابة بحجرين

شرح حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الاستطابة بحجرين.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله رضي الله عنه يقول: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، وأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيت بهن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس).قال أبو عبد الرحمن: والركس طعام الجن].يقول النسائي رحمه الله: الرخصة في الاستطابة بحجرين.بعد أن ذكر النسائي ما تقدم من الترجمة التي فيها النهي عن الاستنجاء أو الاستطابة في أقل من ثلاثة أحجار، أورد هنا هذه الترجمة: الرخصة في الاستطابة بحجرين، يعني: في النقصان عن الثلاثة، وأورد في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فجاء بحجرين ولم يجد الثالث، وأخذ روثة، وأتى بالحجرين والروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروث وقال: إنه ركس ) ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليه: والركس طعام الجن.ومحل الشاهد من إيراد الحديث: كون النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحجرين وألقى الروثة؛ يعني: أنه اكتفى بحجرين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه طلب الثالث بدل الروثة التي رماها وألقاها.وقول عبد الله بن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط)، أي: ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو: في الخلاء، وقد تقدم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ذهب أبعد المذهب )، يعني: يذهب بعيداً من أجل قضاء حاجته؛ حتى لا يكون في مرأى من الناس، وكان معه عبد الله بن مسعود في هذه المرة، فطلب منه أن يأتيه بثلاثة أحجار؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن الاستطابة لا تكون إلا بثلاثة أحجار، كما سبق أن تقدم ذلك في حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.وابن مسعود رضي الله عنه نفذ ما أمر به، إلا أنه لم يجد حجراً ثالثاً، فاجتهد وأخذ مكانه روثة وأتى بها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وعلى ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحجرين، فإذا صح أنه طلب الثالث لا يكون هناك وجه للاستدلال بهذا الحديث على الاكتفاء بحجرين.وقوله: (إنها ركس) فسرها العلماء: بأنها نجس، فقد قيل في بعض الروايات: (إنها روثة حمار) ومن المعلوم أن روث الحمار نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه بوله وروثه نجس، أما ما يؤكل لحمه كالإبل، والبقر، والغنم؛ فإن أبوالها وأرواثها طاهرة، وليست بنجسة.أما قول أبي عبد الرحمن: ( الركس طعام الجن )، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد أغرب النسائي ففسر الركس: بطعام الجن، يعني: أن هذا يتوقف على معرفته في اللغة، ولم يأت في اللغة: أن الركس يطلق على طعام الجن، فلو جاء شيء من هذا لكان له وجه، ولكن كما عرفنا في ما مضى أن العلة في عدم الاستنجاء بالروث: أنه طعام دواب الجن كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فالعظم طعام الجن، والروث طعام دواب الجن، فلعل أبا عبد الرحمن يريد هذا، ولكن التفسير بالركس وأنها طعام الجن هذا -كما قال الحافظ ابن حجر- يحتاج إلى ثبوت ذلك في اللغة.أما كون الروث منه ما هو طعام لدواب الجن فهذا قد جاء في الحديث، والمقصود من ذلك هو ما كان طاهراً، كأرواث الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها هي التي تكون طاهرة. أما الأرواث النجسة، فالنجس لا يستعمل، ولا يجوز استعماله لنجاسته، وأما هذه الأرواث التي هي أرواث الإبل، والبقر، والغنم التي يؤكل لحمها، وغيرها مما يؤكل لحمه؛ فإن العلة فيها، والحكمة فيها ما جاء في الحديث الصحيح: أنها طعام دواب الجن.

تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو: أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، نسبة إلى رها وهي بلد، وهو ثقة حافظ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وحديثه عند النسائي فقط، فهو أحد شيوخ النسائي فهو من رجال النسائي فقط.[حدثنا أبو نعيم].أبو نعيم هو: الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، حافظ، ثبت، من الحفاظ الأثبات، وهو من كبار شيوخ البخاري، ولهذا لم يدركه النسائي؛ لأن من الشيوخ من روى عنهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، مثل ما ذكرنا في ما مضى: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والثلاثة ماتوا سنة مائتين واثنين وخمسين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فأدركهم النسائي وغيره وروى عنهم، وأما أبو نعيم فهو من كبار شيوخ البخاري الذي أدركه البخاري في صغره؛ لأن أبا نعيم توفي سنة مائتين وثمانية عشر أو مائتين وتسعة عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، وكان عمره خمس أو أربع سنوات، فلم يدركه؛ لذلك يروي عنه بواسطة.وهناك من يشاركه في الشهرة بهذه الكنية؛ وهو: أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة، وصاحب الكتب الكثيرة، إلا أن ذاك متأخر جداً؛ لأنه توفي سنة أربعمائة وثلاثين، وهذا متقدم، وكلاً منهما يكنى بأبي نعيم، فالذي لا يعرف الأزمان يمكن أن يقع في باله هذا المعنى، فمعرفة الأزمان، ومعرفة الطبقات، ومعرفة المتقدم والمتأخر هذا يأمن معه من حصول الغلط الفاحش الذي قد يحصل، أو الظن الذي قد يحصل ممن لا يعرف.وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري ما عيب عليه شيء إلا أنه يتشيع، هذا هو الذي عيب عليه، ولهذا لما أورد الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري الأشخاص الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري -وقد ذكرهم على حروف المعجم- وأجاب عن الانتقاد الذي انتقد إليه بأنواع من الأجوبة، فقال: إما أن يكون الشخص مثلاً تكلم فيه في شخص، وهو حديثه في البخاري ليس عن الشخص المتكلم فيه، أو أنه شورك، وأنه لم ينفرد مثلاً بالرواية، أو لغير ذلك من الأسباب، ولكن الذي قاله عن الانتقاد في أبي نعيم الفضل بن دكين، لما ذكره وذكر الثناء عليه، فقال: الثناء عليه يذكر، قال: وما عيب عليه إلا أنه يتشيع، ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. أي: أنه حفظ لسانه عن أن يتكلم في معاوية.ومن المعلوم أن الرافضة والشيعة أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، فالكلام في معاوية سهل ميسور عندهم، حتى الزيدية -الذين يقال: إنهم أعقل الشيعة- من السهل عليهم القدح في معاوية والكلام في معاوية. وهذا الذي قُدح فيه بأنه يتشيع، جاءت عنه هذه العبارة الجميلة؛ وهي قول الحافظ ابن حجر عنه: ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. والحفظة: الملائكة التي تكتب الحسنات والسيئات، والذين يكتبون الأقوال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فقوله: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية يدلنا على سلامته من هذا الذي وصف به، وهو التشيع، ولكن لعل التشيع الذي وصف به من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه المسألة جاءت عن بعض السلف وعن أئمة كبار، ومثل هذا لا يقدح في الرجل، ولا يبدع من يقول به، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، قال: إن تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع من قال به؛ يعني: ليست من المسائل التي يبدع بها، وإنما الذي يبدع بها من قال: إنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على الصحابة الذين قدموا عثمان على علي.أما أن يقدم علي على عثمان في الفضل، فمن المعلوم أن الولاية لا يلزم فيها أن يقدم الفاضل على المفضول، بل يمكن أن يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه قد يقوم في المفضول من حيث تدبير الأمور، وسياسة الأمة؛ لخبرته ولمعرفته بالسياسة والإمارة أكثر من الفاضل، قيقدم من هو مفضول على من هو فاضل.أما العيب والقدح والذي يبدع من يقول به هو تقديم علي بالخلافة؛ لأن معنى ذلك: أن الصحابة الذين اتفقوا عليه أن فعلهم غلط، وأنهم مخطئون، وأنهم أجمعوا على الخطأ، وهذا لا شك أنه أمر قبيح، فلعل ما نقل عنه أو ما ذكر عنه من هذا القبيل، وهذه الكلمة التي ذكرها عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري كلمة عظيمة تدل على سلامته في هذا الباب؛ لأن الشيعة من السهل عليهم ومن أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، ولهذا يقولون: إن معاوية يعتبر كالوقاية لأصحاب الرسول، لأن من اجترأ عليه يجترئ على غيره؛ لأن من تكلم فيه يمكن أن يتكلم في غيره، ومن لم يتكلم فيه صان لسانه -من باب أولى- عن الكلام في الأشخاص الذين لا يُذكرون إلا بالجميل، وهم أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

ترجمة زهير بن معاوية وأبي إسحاق السبيعي

قوله: [عن زهير].هو: زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو من رجال الجماعة أيضاً، وهو ثقة، حافظ، وهو من الحفاظ المتقنين، إلا أنه قيل: إن روايته عن أبي إسحاق كانت في آخر حياة أبي إسحاق، وأبو إسحاق اختلط في آخر أمره، وفي آخر حياته، فالكلام الذي في زهير بن معاوية؛ أن في روايته عن أبي إسحاق شيئاً؛ لأنه روى عنه بآخره بعد ما اختلط، فروايته عن أبي إسحاق فيها كلام، والحديث الذي معنا من روايته عن أبي إسحاق السبيعي، ولكن زهيراً لم ينفرد بالرواية عن أبي إسحاق، بل تابعه غيره على هذه الرواية، حيث جاءت من طرق عن أبي إسحاق من غير طريق زهير.إذاً: لم ينفرد زهير بن معاوية في الرواية عن أبي إسحاق السبيعي، وإنما شاركه غيره، ولهذا البخاري أورد الحديث في صحيحه، فقال: حدثنا أبو نعيم ثم ساقه بإسناده إلى آخره بنفس اللفظ الموجود في النسائي.قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود.. إلى آخر الحديث بنفس اللفظ الذي ساقه به النسائي، إلا أن النسائي -كما هو معلوم- ما أدرك أبا نعيم، فرواه عنه بواسطة أحمد بن سليمان الرهاوي.فإذاً: ما ذكر من الوهن في رواية زهير عن أبي إسحاق زال بوجود من شاركه في الرواية عنه، وأنه لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه، وإنما رواه عن أبي إسحاق غيره من العلماء.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وهو ثقة حافظ ثبت، وهو من المكثرين من الحديث ومن رواية الحديث، وقد تغير بآخره، وكما عرفنا رواية زهير عنه بعد الاختلاط، ولكنه توبع، وأيضاً هو مدلس.[ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه].أبو عبيدة المراد به: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق يروي هذا الحديث من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود عن ابن مسعود.فإذاً: الطريقان التي روى بهما أبو إسحاق : إحداهما عالية، والثانية نازلة؛ لأن رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، ليس بينه وبين ابن مسعود إلا ابنه أبو عبيدة، وأما روايته عن عبد الرحمن بن الأسود فبينه وبين ابن مسعود اثنان: عبد الرحمن بن الأسود وأبوه الأسود، فالأولى: عالية، والثانية: نازلة، إلا أن الأولى منقطعة؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، على خلاف بين العلماء، ويقول الحافظ ابن حجر: الراجح أنه لم يسمع من أبيه، وعلى هذا تكون الرواية منقطعة، فلما كان أبو إسحاق يروي الحديث من طريقين ذكر الطريق الأولى ثم أضرب عنها بذكر رواية عبد الرحمن؛ لأن رواية أبي عبيدة منقطعة، مع أنها عالية الإسناد، وانتقل إلى الرواية التي هي متصلة ولا انقطاع فيها؛ وهي رواية أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود. قال: (ليس أبو عبيدة ذكره لي) يعني: في رواية هذا الحديث، وإن كان ذكره في طريق أخرى أو في حديث آخر أو من طريق آخر، ولكنه هنا لا يريد أن يروي الحديث من طريق أبي عبيدة وإن كانت عالية، وأضرب عنها إلى طريق عبد الرحمن بن الأسود المتصلة وإن كانت نازلة.فـأبو عبيدة هذا ثقة، وهو لم يسمع من أبيه، وحديثه في السنن الأربعة، وليس له رواية في البخاري، وإنما هنا ذُكر ذكراً؛ لأنه قال: (ليس أبو عبيدة ذكره) إذاً: هو ليس من رجال الإسناد الذين يسند إليهم الحديث هذا، وإنما الذي يسند إليه في الحديث هذا عبد الرحمن بن الأسود؛ لأن قوله: ( ولكن عبد الرحمن بن الأسود )، يعني: هو الذي ذكر لي هذا الحديث.وهنا الرواية ليست بالتحديث، ولكن البخاري رحمه الله لما ذكر الحديث أورد طريقاً أخرى من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق يروي عن أبيه عن أبي إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن، فصرح بالتحديث في الطريق الثانية التي أوردها البخاري بعدما أورد هذه الطريق، فالبخاري أورد طريقاً معلقة من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، ولكنه قال: حدثني عبد الرحمن، يعني: يقولها أبو إسحاق.فإذاً: صرح بالتحديث في هذه الطريق الأخرى التي ذكرها البخاري بعد هذه الطريق التي هي موافقة للطريق التي ذكرها النسائي هنا.

ترجمة عبد الرحمن بن الأسود

قوله: [عن عبد الرحمن بن الأسود].هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن الأسود بن يزيد الذي سبق أن مر بنا ذكره، الذي يروي عنه إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن الأسود، والأسود وعبد الرحمن هما خالان لـإبراهيم النخعي ويروي عنهما، والأسود يروي عنه أخوه عبد الرحمن أيضاً كما ذكروا في ترجمته.إذاً: عندنا عبد الرحمن اثنان: أخو الأسود، وابن الأسود، والذي معنا ابن الأسود، والذي سبق أن مر بنا عبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، والأسود بن يزيد يروي عنه أخوه عبد الرحمن، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن فهنا يروي عنه ابنه عبد الرحمن، ويروي عنه ابن أخته إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن خاليه الأسود، وعبد الرحمن، وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو يأتي لأول مرة، وهو يروي عن أبيه، وهو ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة.[عن أبيه].أبوه هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو من المخضرمين، وقد سبق أن مر ذكره، وهو محدث فقيه يروي عن كبار الصحابة؛ لأنه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً: هذا الإسناد: أحمد بن سليمان الرهاوي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، وهو كوفي، عن أبيه الأسود وهو كوفي، عن ابن مسعود وهو كوفي، فكل رجاله كوفيون إلا أحمد بن سليمان شيخ النسائي فإنه رهاوي.
الرخصة في الاستطابة بحجر واحد

شرح حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استجمرت فأوتر)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وأورد تحت هذه الترجمة حديث سلمة بن قيس: (إذا استجمرت فأوتر)، وأخذ من هذا أن أقل الوتر واحد؛ لأنه قال: (إذا استجمرت فأوتر).وقوله: (إذا استجمرت فأوتر) يعني: إذا أخذ الحجارة ليستجمر بها فإنه يوتر، يعني: بواحدة، أو ثلاثة، أو خمسة، وقد جاء في حديث سلمان المتقدم: ( وألَّا يستطيب بأقل من ثلاثة أحجار، ونهانا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ).وهنا النسائي استنبط من هذا الحديث: الاكتفاء بحجر واحد، ومن المعلوم أن المقصود هو الإنقاء مع الإيتار، وإذا حصل الإيتار بأن يكون حجراً كبيراً فيستعمله من جهات مختلفة ومن جهات متعددة؛ فإنه يحصل المقصود، ولكن كون الإنسان يحرص على أن يأتي بالثلاثة الأحجار، هذا هو الذي فيه قطع الشك باليقين، وإزالة الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، وإن كان يحصل الإنقاء بحجر كبير له شعب متعددة، كل شعبة بمثابة الحجر الصغير، ولكن كون الإنسان إذا كان في الخلاء واستنجى بالحجارة، فإنه يستعمل ثلاثة أحجار، وإن استعمل حجراً كبيراً يعادل ثلاثة أحجار، ويحصل به الإنقاء؛ فإن ذلك يكفي، ويدخل تحت عموم هذا الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال الجماعة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرة، وهو محدث فقيه، وإمام جليل، وله مسند، ومن طريقته -كما عرفنا- أنه يستعمل لفظ (أخبرنا) كما يستعملها النسائي.[ أخبرنا جرير].هو: جرير بن عبد الحميد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات.[عن منصور].هو منصور بن المعتمر، وهو من الثقات أيضاً، ومن رجال الجماعة، وقد سبق أن مر، وهو الذي يأتي ذكره مع الأعمش، وقد مر في بعض الأحاديث أنه يروي هو وإياه أحاديث يقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم) فقال سليمان: (أنه مسح على خفيه)، ولم يذكر منصور المسح. فهو من طبقة الأعمش، وقد جاء ذكرهما معاً في بعض الأحاديث المتقدمة.[عن هلال بن يساف].هو: هلال بن يساف وهو ثقة، روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سلمة بن قيس].هو صحابي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل عنهم، ويكفي كل واحد منهم أن يقال: إنه صحابي، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أن يتكلم فيه بشيء؛ لأنه ليس هناك وصف أفضل من هذا الوصف، ولهذا لا يحتاج معه إلى غيره بأن يقال: هو ثبت، أو حافظ أو ما إلى ذلك، إلا إذا كان له بعض الصفات التي يتميز بها يمكن أن تذكر، أما من ناحية التعديل فلا يحتاج أحدهم إلى تعديل بعد أن أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم.وله سبعة أحاديث، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء هم الذين خرجوا حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه.
الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها

شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها فإنها تجزي عنه)].يقول النسائي رحمة الله عليه: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.ومقصود النسائي من هذه الترجمة: أن الحجارة يمكن أن يستغنى بها عن غيرها، ويكتفى بها عن غيرها، وهو الماء، وأنه لا يتعين الماء لإزالة ما يخرج أو أثر ما يخرج، وإنما يمكن أن يكتفى بالحجارة، وإذا استعمل الماء فهو أولى؛ لأن الماء يزيل ما كان في محل الخروج أو ما تجاوز محل الخروج، بخلاف الحجارة فإنها تزيل ما كان في محل الخروج، أما لو انتشر الخارج إلى أماكن أخرى خارج محل الخروج؛ فإنه يحتاج في ذلك إلى الماء، ولا يستغنى عن الحجارة في ذلك.إذاً: الحجارة يمكن أن يكتفى بها عن الماء، ولكن إذا وجد الماء فاستعماله أولى من استعمال الحجارة؛ لأنه يزيل ما يكون على محل الخروج وما تجاوز محل الخروج، بخلاف الاستجمار؛ فإنه يمكن أن يكتفى به فيما إذا لم يتجاوز الخارج محل العادة، فلو انتشر عن محل الخروج فإنه لا بد فيه من الماء.إذاً: فمقصود هذه الترجمة أنه لا يتعين الماء، ولكن إذا وجد ما يقتضيه بأن تجاوز الخارج موضع العادة -أي: موضع الخروج- فعند ذلك لا بد من استعمال الماء، ولا يكفي استعمال الحجارة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، وليستطب بها، فإنها تجزي عنه)، يعني: فإنها تجزي عن الماء، وتغني عن الماء وتكفي، ولا يحتاج إلى غيرها، لكن إذا كانت النجاسة تجاوزت محل الخارج فلا بد من إزالة النجاسة، فالنجاسة إذا جاوزت محل الخروج فلا بد من إزالتها بالماء، وأما إذا لم يتجاوز الخارج موضع الخروج؛ فإنه لا يحتاج إلى الاستنجاء، ويكفي الاستجمار بالحجارة عن الماء.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

قوله: [أخبرنا قتيبة].هو: قتيبة بن سعيد الذي تكرر ذكره، وهو الذي جاء في أول حديث من سنن النسائي: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وكلهم رووا عنه، وأخرجوا حديثه بدون واسطة، فهو شيخ لهم جميعاً، وهو ثقة ثبت.[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم].وأبو حازم هو: سلمة بن دينار فـعبد العزيز هو: ابن سلمة بن دينار، ولكن أباه مشهور بالنسبة، وهو مشهور بالنسبة إلى أبيه مكنى، فهو عبد العزيز بن أبي حازم، وهو من رجال الجماعة خرجوا حديثه، وهو صدوق، وأبوه سلمة بن دينار أبو حازم ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة، خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.إذاً: فعندنا قتيبة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو حازم، هؤلاء كلهم من رجال الكتب الستة.[عن أبيه].هو: أبو حازم يروي عن مسلم بن قرط، ومسلم بن قرط هذا قال عنه ابن حجر في التقريب: إنه مقبول، وذُكر أن ابن حبان وثقه وذكره في الثقات، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي.ومن المعلوم أن المقبول لا يحتج بحديثه إلا إذا وجد ما يعضده ويساعده، والحديث ما جاء إلا من طريق مسلم بن قرط هذا، ولكن وجد له شواهد من حديث غير عائشة، منها ما هو بمعناه، ومنها ما هو بلفظه أو قريب من لفظه عن بعض الصحابة، فتكون هذه شواهد له، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً وحسناً باعتبار أن هذا المتن أو هذا المعنى لم ينفرد به، وإنما جاء عن غيره، فهو ثابت لا من هذه الطريقة وحدها؛ لأن من وصف بأنه مقبول لا بد من اعتماد روايته في وجود ما يساعده ويؤيده، وهنا وجد ما يساعده ويؤيده من الشواهد عن بعض الصحابة؛ عن أبي أيوب وسلمان، وقد ذكرها الشيخ الألباني في إرواء الغليل.فإذاً: الحديث ثابت لا من هذه الطريق، ولكن بضميمة غيرها إليها، وضم الشواهد عن بعض الصحابة، فقد رووا ما يشهد لهذا الحديث الذي جاء من طريق مسلم بن قرط، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عروة].هو: عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من المكثرين من الرواية عن خالته عائشة وعن غيرها، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين تقدم ذكرهم بمناسبات مختلفة عند ذكر جماعة منهم.



ابو الوليد المسلم 12-25-2025 11:59 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(24)

- باب الاستنجاء بالماء - النهي عن الاستنجاء باليمين

جاءت الشريعة المطهرة لترفع من مكانة الإنسان وقيمته، وترشده إلى الوسائل التي من خلالها يستطيع أن يطهر نفسه من النجاسات، وكيفية الاستنجاء من هذه الأدران، وعلمتنا بعض الآداب عند قضاء الحاجة وعند الشرب، وأن نستعمل اليد اليمنى في الأمور المحمودة والطيبة، واليد اليسرى في عكس ذلك، وتجنب التنفس في الإناء؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في تقذره وعدم الشرب منه.
الاستنجاء بالماء

شرح حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستنجاء بالماء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء)].ثم أورد النسائي الاستنجاء بالماء؛ لأنه هناك ذكر الاستطابة، والاستطابة كما سبق أن عرفنا: هي إزالة النجاسة وتطهير محلها؛ يعني: بحيث يكون محلها طيباً بعدما كان فيه قذر ونجاسة. وأما الاستنجاء فهو مأخوذ من النجو وهو القطع، ومن المعلوم أن الماء هو الذي يقطع النجاسة ويزيلها، بخلاف الحجارة؛ فإنها لا تقطع، ولكنها قد يُكتفى بها؛ وقد لا يكتفى بها، يعني: إذا تجاوز الخارج محل الخروج بأن انتشر البول على غير محله من الذكر فهذا لا بد له من الماء، وأما إذا كان مجرد مكان الخروج فإن الحجارة تكفي، أما الماء فهو الذي يقطع نهائياً ويزيل، ويغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره في إزالة النجاسة كلياً، ولكن الحجارة قد تجزئ فيما إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، كما في الترجمة السابقة: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها؛ يعني: دون الماء، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا تجاوز محل الخروج فلا بد من الماء.فالاستنجا� � هو: من النجو وهو القطع، وهو قطع أثر الخارج بالماء، بحيث يكون طاهراً ونظيفاً، وخالياً من النجاسة.ثم أورد النسائي حديث: أنس بن مالك وهو في الصحيحين -يعني جاء في الصحيحين وفي غيرهما- يقول: (كنت إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء).فقوله: (أحمل أنا وغلام نحوي)؛ يعني: مقارب لي، وكلمة نحوي؛ يعني: مشابه لي، ومقارب لي؛ يعني: أنه صغير مثله يقاربه في السن، والغلام قيل: إنه هو الصغير الذي يميز، وقيل: إنه إلى حد البلوغ، وقيل: إلى أن يلتحي؛ فهذه أقوال متعددة، ولكن قول أنس: (نحوي)، معناه: أنه مماثل له، ومعلوم أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة.قوله: (غلام نحوي)؛ يعني: أنه في حدود هذه السن؛ قد يكون في آخر أمره، وقد يكون في أول أمره.(إداوة)؛ يعني: إناء من جلد، أو وعاء من جلد.(من ماء)، يعني: مملوء بالماء، أي: فيه ماء، (إداوة من ماء)؛ أي: وعاء من جلد فيه ماء.(فيستنجي بالماء) هذا هو محل الشاهد؛ الاستنجاء بالماء، (فيستنجي بالماء)؛ يعني: يستعمله لإزالة ما يخرج، وما يحصل من أثر الخارج.فالحديث فيه: الاستنجاء بالماء، وفيه: خدمة الأحرار؛ لأن أنس بن مالك وهذا الذي معه كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم من الأحرار، ففيه: خدمة الأحرار.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم مر ذكره مراراً، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وقلت لكم: إن المحدثين يقولون: راهويَه، واللغويين يقولون: راهويْه؛ يعني: مختوم بويه، وهو من الثقات الأثبات، ومن الفقهاء، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كما عرفنا ذلك فيما مضى، وقد رووا عنه مباشرة، فكل واحد منهم خرج حديثه، وكل واحد منهم يعتبر إسحاق شيخاً له.فأصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه هم من تلامذته، أما ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً، وذكرنا فيما مضى أن من عادته وطريقته: أنه يستعمل (أخبرنا) كما هو موجود هنا، فيقول: أخبرنا. والنسائي هذه طريقته يقول: أخبرنا، وطريقة إسحاق بن راهويه كذلك يقول: أخبرنا؛ وهذه العادة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال: الذي عرف بالاستقراء أن من عادته أنه يستعمل أخبرنا، حتى إن الحافظ ابن حجر إذا روى ابن ماجه عن شخص اسمه إسحاق ولم ينسبه، يستدل على أنه ابن راهويه بتعبيره بـ(أخبرنا)، كما ذكر هذا في مواضع، أحد هذه المواضع كما في الجزء السادس صفحة أربعمائة وواحد وتسعين عند حديث نزول عيسى بن مريم من السماء؛ حيث ينزل حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ففي إسناد هذا الحديث ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث الذي جاء عن إسحاق غير منسوب، قال ابن ماجه : حدثنا إسحاق، وما قال: ابن راهويه، ولكن ابن حجر عندما شرح الحديث جزم بأنه ابن راهويه، وذكر الدليل على ذلك: أنه من عادته أن يستعمل أخبرنا، وذكر أدلة أخرى أيضاً تدل على أنه ابن راهويه، ولكن هناك بعض المواضع جاءت عنه -كما دونتها عندي- يقول فيها: (حدثنا) وهذا قليل ونادر، وأما الغالب عليه فهو استعمال (أخبرنا) كما ذكره الحافظ.قوله: [أخبرنا النضر].والنضر يأتي لأول مرة في رجال النسائي، والنضر يطلق على جماعة، ولكن المزي في تهذيب الكمال في الذين رووا عن شعبة ممن يقال لهم: النضر، لم يذكر إلا النضر بن شميل. فإذاً: الراوي عن شعبة في هذا الإسناد الذي لم ينسب هو النضر بن شميل.والنضر بن شميل ثقة ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ويطلقون على الرجل الذي يذكر ولا ينسب: المهمل، ومعرفة المهمل يكون بالرجوع إلى شيوخه وإلى تلاميذه.وكما ذكرت: الحديث في سنن النسائي، ورجال النسائي وغير النسائي من أصحاب الكتب وهم موجودون في تهذيب الكمال، وتهذيب الكمال يذكر الشيوخ، والتلاميذ، ويستقصيهم على حروف المعجم؛ فيذكر الشيوخ على حروف المعجم، والتلاميذ على حروف المعجم في كل ترجمة، فعندما ذكر الذين أخذوا عن شعبة لم يذكر فيهم ممن يسمى النضر إلا النضر بن شميل.فإذاً: النضر المهمل هنا هو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة[ أخبرنا شعبة]. وهو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الكتب الستة، فكلهم خرجوا حديثه.[عن عطاء بن أبي ميمونة].وعطاء بن أبي ميمونة هذا من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه الجماعة إلا الترمذي فإنه لم يخرج حديثه. وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فقد خرجوا حديثه. إذاً: عندنا في الإسناد إسحاق روى له الجماعة إلا ابن ماجه ، وعطاء بن أبي ميمونة روى له الجماعة إلا الترمذي، والباقون خرج حديثهم أصحاب الكتب جميعاً.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين.

شرح حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، التي تقول فيه للنساء: (مرن أزواجن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله). قولها: (إن النبي كان يفعله)؛ يعني: يستطيب بالماء، ويستنجي به، والمقصود من ذلك: إرشادها للنساء أن يذكرن أزواجهن بما هو الأفضل والأكمل، لا أن غيره لا يجزئ، بل إن هذا هو الأولى؛ الذي هو الماء، أما غيره فإنه يجزئ عنه، فهو يجزئ عن غيره، وغيره قد يجزئ وقد لا يجزئ، كما ذكرت ذلك من قبل فيما إذا تجاوز المحل الخارج فهنا لازم من الماء، وإذا لم يتجاوز فإنه تكفي الحجارة.وقولها: (إني أستحييهم منه) يعني: أنها تستحي أن تتكلم معهم، وأن تبدأهم بمثل ذلك، لكن كونها تأمر النساء بأن يذكرن أزواجهن، وأن يتحدثن مع أزواجهن، وأن يروين عنها هذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فليس فيه حياء، لكن ليس ذلك على سبيل اللازم، وأنه متعين، بل هو إرشاد إلى ما هو الأولى والأكمل.

تراجم رجال إسناد حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره كثيراً في الأسانيد بهذه الكنية: أبو عوانة، في الصحيحين وفي غيرهما، وهو ثقة، ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بعد المائة والسبعين؛ مائة وأربعة وسبعين أو خمسة وسبعين، وهناك شخص يقال له: أبو عوانة مشهور بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج، أو المسند أو الصحيح، يقال له: صحيح أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، وقد طبع منه بعض الأجزاء، وهو مشهور بكنيته، وهو شخص آخر غير هذا، وهو يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفي سنة ثلاثمائة وستة عشر، وهو صاحب هذا الكتاب الذي له ثلاثة أسماء، يقال له: مسند؛ لأنه مسند؛ حدثنا فلان إلى آخر الإسناد، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: صحيح؛ لأنه مبني على صحيح مسلم.إذاً: أبو عوانة الذي معنا هو من طبقة شيوخ ابن ماجه، ومسلم، وهو من طبقة شيوخ شيوخهم؛ لأنه يروي عن قتيبة، عن أبي عوانة، فـأبو عوانة في القرن الثاني الذي هو اليشكري، وهو من رجال الجماعة، أما أبو عوانة الإسفراييني صاحب المستخرج، فقد توفي في القرن الرابع سنة ثلاثمائة وستة عشر.ومعرفة الأسماء المتشابهة إذا تذكرها الإنسان يسلم من الخطأ الفاحش؛ لأن بعض الناس الذي لا يدري يمكن أن يقع في باله أبو عوانة الذي هو صاحب الصحيح، وصاحب الصحيح هو متأخر؛ يعني: وفاته كان في القرن الرابع الهجري بعد النسائي بثلاث عشرة سنة.[عن قتادة ].وهو: ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر، وحديثه في الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ. [عن معاذة].هي: معاذة بنت عبد الله العدوية، وهي ثقة، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، فهي من الراويات اللاتي خرج عنهن أصحاب الكتب، ولا نقول: من رجال الجماعة؛ لأنها امرأة، ولكن نقول: هي من الراويات اللاتي خرج لهن أصحاب الكتب الستة، وهي من الثقات، وهي التي جاءت في حديث في الصحيحين أنها سألت عائشة قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنتِ؟ قالت: لا، ولكني أسأل)، وكانت السائلة هي معاذة العدوية التي سألت عائشة هذا السؤال، فهي تروي عن عائشة، وحديثها في الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة تقدم ذكرها مراراً.

النهي عن الاستنجاء باليمين

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن الاستنجاء باليمين. وهذه الترجمة أوردها النسائي، وأورد تحتها أحاديث، ومقصوده من ذلك: بيان أن اليد اليمنى لا تستعمل عند قضاء الحاجة، وإنما التي تستعمل الشمال، فلا يمس الذي يقضي حاجته ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه؛ معناه: أنه لا يستعمل اليمين عند قضاء الحاجة، وإنما يستعمل الشمال.وقد أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه).فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه)، يعني: عندما يريد التنفس، يبعد الإناء عن فمه، ويزيحه عن فمه، ويتنفس خارج الإناء، وهذا من آداب الشرب: أن الإنسان لا يتنفس في الإناء، وإنما يشرب بدون تنفس يخرج على الماء، فإذا احتاج إلى التنفس فإنه يقطع الشرب ويزيل الإناء عن وجهه، ثم يتنفس، ثم يعود إلى الشرب.وإنما نهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه قد يخرج شيء من أنف الإنسان، فيكون سبباً في تقذره، وكذلك غيره إذا رآه يتنفس، ويخرج نفسه إلى الماء وهو بحاجة إلى الشرب بعده فإنه قد لا يقبل إذا حصل منه ذلك. وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه)، اليمنى لا تستعملها عند قضاء الحاجة، لا للاستنجاء ولا للمس، بحيث تكون بعيدة عن مس الذكر، والاستنجاء عند قضاء الحاجة، وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء، وبين النهي عن مس الذكر باليمين، والاستنجاء باليمين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر آداب الشرب، وذكر آداب الاستنجاء، فناسب الجمع بين هذه الأمور؛ لأنها عند دخوله وعند خروجه، وعند شربه لا يتنفس وهو عند الشرب، وعند خروجه لا يستعمل اليمين.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وإسماعيل بن مسعود هذا من شيوخ النسائي، وهو بصري ثقة، ويكنى بـأبي مسعود؛ يعني: وافقت كنيته اسم أبيه، ومن أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من الرواة هي كوننا نعرف الرجل إذا كانت وافقت كنيته اسم أبيه حتى لا يظن التصحيف؛ وسبق أن مر لهذا نظائر، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وكذلك عدد كبير يأتي ذكرهم من الرواة، وافقت كناهم أسماء آبائهم.وإسماعيل هذا من رجال النسائي فقط، خرج له النسائي وحده، ولم نخرج له أصحاب الكتب الباقين.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو بصري ثقة، وهو من رجال الجماعة. [عن هشام].وهو: ابن أبي عبد الله الدستوائي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة.[عن يحيى].وهو: ابن أبي كثير الذي سبق أن مر ذكره، والأحاديث كلها وهذا الحديث تدور عليه؛ يعني: طرق هذا الحديث -الذي هو حديث النهي- من حديث أبي قتادة عن ابنه عبد الله، عن يحيى كلها تأتي عن يحيى بن أبي كثير وتتفرع عنه، وقد سبق أن مر بنا الحديث فيما مضى عن أبي معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، وأما هنا عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير.ويحيى بن أبي كثير هذا ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن ذكرت لكم أنه قال كلمة عظيمة في بيان طلب العلم، والحث عليه، والصبر عليه، قد ذكرها مسلم عنه في صحيحه، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسد. هذه كلمة جميلة من كلمات هذا الرجل الذي هو يحيى بن أبي كثير.قوله: [ عن عبد الله بن أبي قتادة].وعبد الله بن أبي قتادة، ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن مر ذكره.قوله: [عن أبيه].وأبوه هو: أبو قتادة الأنصاري، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبق أن مر ذكره. وعلى هذا؛ فإن رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة إلا إسماعيل بن مسعود شيخ النسائي؛ فإنه من رجال النسائي وحده، والباقون من رجال الجماعة، وكلهم من الثقات، إسماعيل بن مسعود، ثم بعده خالد بن الحارث، ثم بعده هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثم يحيى بن أبي كثير، ثم عبد الله بن أبي قتادة، كل هؤلاء من الثقات، وكلهم خرج حديثهم الجماعة، إلا شيخ النسائي؛ فإنه لم يخرج له إلا النسائي.

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه)].ثم أورد النسائي هذا الحديث؛ حديث أبي قتادة من طريق أخرى، إلى يحيى بن أبي كثير، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه ).وهذه الرواية مطلقة؛ وهي قوله: (وأن يمس ذكره بيمينه)، ليس فيها: عند قضاء الحاجة، بخلاف الرواية السابقة، وكذلك الرواية التي سبقت فيما مضى.ومن العلماء من قال: إن المطلق محمول على المقيد؛ يعني: معناه أن النهي إنما هو عند قضاء الحاجة، ووجه هذا: أن الأحاديث كلها تدور على يحيى بن أبي كثير، وكل الطرق تأتي عنه، والقصة واحدة، والحديث واحد، إذاً: فالتي فيها التقييد وأن النهي عن مس الذكر عند قضاء الحاجة، تقيد الرواية المطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، فيكون النهي في هذا محمولاً على ما جاء من التقييد؛ لأن الحديث واحد، وهو جاء عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبي قتادة.وذكرت في ما مضى: أن السبب في هذا أن قضاء الحاجة تكون اليد اليمنى عرضة للنجاسة، ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بأن تُستعمل اليمين في الأمور المحمودة، والأمور الطيبة، والشمال تستعمل بخلافها، فالنهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة؛ لما فيه من التعرض للنجاسة.ومن العلماء من قال: إن النهي يكون على إطلاقه، وأنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة فهو عند غير قضاء الحاجة من باب أولى، وذكرت فيما مضى: أن هذه الأولوية ليست واضحة؛ لأن النهي عند قضاء الحاجة إنما هو لخوف النجاسة، وأما إذا لم يكن هناك قضاء حاجة فليس هناك ما يدل على الأولوية؛ يعني: أن مسه عند عدم الحاجة من باب أولى؛ لأن هناك مظنة نجاسة، وهنا ليس فيه مظنة نجاسة، ومن المعلوم أن الإنسان يستنثر بيساره، ولا يستنثر بيمينه؛ يعني: عندما يخرج ما في أنفه يخرجه باليسار، ولا يخرجه باليمين، لكن كونه يلمس أنفه بيمينه في غير حاجة الاستنثار ليس فيه مانع، فكذلك مس ذكره بيمنيه في غير قضاء الحاجة لا يكون ممنوعاً، فمن العلماء من حمل المطلق على المقيد، ومنهم من قال: إنه يكون مطلقاً، ويقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث طلق بن علي سأله عن مس الذكر؟ قال: (هل ينقضه؟ قال: هل هو إلا بضعة منك)؛ معناه: أن اللمس كما يكون بالشمال يكون باليمين، وأطلق هنا في السؤال، وأطلق في الجواب.وقوله: (وأن يستطيب بيمينه)؛ يعني: يستنجي بيمينه، أو يستجمر بيمينه، فكلها لا تكون باليمين، وإنما تكون بالشمال.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بصري، صدوق من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، يعني الخمسة رووا عنه مباشرة، وابن ماجه ما خرج له في صحيحه شيئاً.[حدثنا عبد الوهاب].هو: ابن عبد المجيد الثقفي، وهو من الثقات ومن رجال الجماعة.[عن أيوب].وهو: ابن أبي تميمة السختياني، وهو من الثقات الأثبات، ومن رجال الجماعة.[عن يحيى بن أبي كثير].وعند يحيى بن أبي كثير، التقى الإسناد مع الأسانيد السابقة ومع الطرق السابقة؛ لأنها كلها تدور على يحيى بن أبي كثير وهي أسانيد حديث أبي قتادة يرويه عن ابن أبي قتادة عبد الله، وعبد الله يرويه عن أبيه أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.




الساعة الآن 05:22 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009