ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:44 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(212)

- باب أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل - باب فضل السجود
إن أشرف المواطن في الصلاة هي السجود؛ لأن العبد في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى؛ لذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار فيه من الدعاء.
أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل

شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو يعني ابن الحارث عن عمارة بن غزية عن سمي: أنه سمع أبا صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)].
يقول النسائي: أقرب ما يكون العبد من ربه؛ أي: الحالة التي يكون عليها الإنسان أقرب ما يكون إلى ربه سبحانه وتعالى، والمراد من ذلك حالة السجود؛ لأنه في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى، وفي هذه الحالة شرع الإكثار من الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (فإنه قمن أن يستجاب لكم)، فهو من مواطن الدعاء، ومن مواضع قبول الدعاء، والمواضع التي حري أن يجاب بها الدعاء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [فأكثروا الدعاء]، يعني: فأكثروا الدعاء في هذا السجود؛ لأن هذه الحالة هي هيئة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى، أي: في حال السجود يكثر الإنسان فيها من الدعاء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث، وأمر به في حديث آخر، وبين أن هذا من أسباب قبول الدعاء، حيث قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، فقوله: (فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: أنه حري أن يستجاب لكم، فهي من الأحوال التي يكون فيها قبول الدعاء، ولهذا شرع للإنسان أن يكثر من الدعاء في هذه الحال التي هي حالة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم أن الإنسان تتفاوت أحواله في القرب من الله عز وجل، واتجاهه إليه سبحانه وتعالى، فإن الإنسان يكون في بعض الأحوال في حال غفلة وسهو ولهو، فلا يكون له ذلك الذي يربطه بالله عز وجل، ويجعله متعلقاً به سبحانه وتعالى، وفي بعض الحالات -مثل حالة السجود- يكون الإنسان مقبلاً على ربه، خاضعاً له في سجوده، يكثر من دعائه، ويبتهل إليه، ويعفر أشرف شيء فيه -وهو وجهه- بالأرض والتراب خضوعاً لله عز وجل واستكانة إليه، ولهذا شرع الإكثار من الدعاء.
ثم إن هذا القرب هو بالنسبة للعبد، ومن المعلوم أن هذا يختلف عن إضافة قرب الله عز وجل؛ لأن قرب الله صفة من صفاته، وصفاته مثل ذاته لا يعرف كنهها، وأما بالنسبة للإنسان فهو معلوم، يعني هيئته وصفته، وإذاً: فالمراد منها هو كون هذه الحالة -التي هي حالة سجوده- حالة إقبال على الله عز وجل وخضوع، وذل، واستكانة، وهي من مواطن قبول الدعاء، والإنسان يكثر من الدعاء فيها.
وبعض المتكلمين تكلم عند شرح هذا الحديث: بأن هذا فيه ذكر الجهة، وأن الجهة لا تضاف إلى الله عز وجل، وليس الكلام في الجهة عند هذا الحديث له وجه، ثم أيضاً الكلام في الجهة ليست من الألفاظ التي وردت في الكتاب والسنة، وهي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فالحق أن الجهة هل تضاف إلى الله عز وجل أو لا تضاف إلى الله عز وجل؟ فيها تفصيل، إذا أريد بالجهة الجهة الوجودية؛ أن يراد بها داخل المخلوقات، فالله عز وجل ليس في جهة بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحويه شيء مخلوق، وأن يكون حواه شيء مخلوق، فالسموات والأرض وما فيهما هي كالخردلة في كف أحد منا كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: (السموات والأرضين وما فيهن كالخردلة بيد أحدنا هي في كف الرحمن كالخردلة في يد واحد منا)؛ معناه: أنها حقيرة أمام عظمة الله عز وجل، وأمام جلاله سبحانه وتعالى، فإذا أريد بالجهة أمر وجودي وهو داخل السموات، فالله تعالى لا يحويه شيء مخلوق، وإن أريد بالجهة ما وراء العالم وما وراء العرش، وما فوق العرش، فإن ذلك عدم، وليس شيئاً موجوداً، والله عز وجل موجود فوق العرش، وهو بجهة في هذا الاعتبار، لكن إطلاق الجهة لكونه يحتمل حقاً وباطلاً لا ينبغي إضافته إلى الله عز وجل، ولكن إذا فسر فإنه يثبت المعنى، وهو أن الله عز وجل فوق العرش، وأنه فوق عباده، وأنه فوق المخلوقات سبحانه وتعالى، وهو مستو على عرشه سبحانه وتعالى، فإطلاق الجهة عليه بهذا الاعتبار حق، وإطلاق الجهة باعتبار أن الجهة يراد بها الموجودات، وما هو داخل الموجودات، فإن هذا لا يجوز إطلاقه على الله عز وجل؛ لأن الله أكبر وأعظم من أن يحويه شيء مخلوق حقير أمام عظمة الباري سبحانه وتعالى.
إذاً: فالحديث فيه إضافة القرب إلى العبد، وأنه يكون قريباً من الله عز وجل، ومن المعلوم أن الإنسان معروف ذاته وصفاته، وأما الله عز وجل لا تعلم ذاته ولا صفاته، فالقرب الذي يضاف إليه يليق به، والقرب المضاف للمخلوقين -كما هو معلوم- معروف هيئاتهم وصفاتهم، وإذاً: فمعنى هذا أن هذا فيه قرب العبد من ربه في خضوعه، واستكانته، والاتجاه إليه والالتجاء إليه، وهو من مواطن قبول الدعاء، ولهذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: [(فأكثروا الدعاء)]، وأما القرب المضاف إلى الله عز وجل، فالله تعالى هو فوق عرشه، وهو قريب من عباده، والقرب يكون عاماً، ويكون خاصاً، فهو قريب من المخلوقات كلها؛ بمعنى أنه سبحانه وتعالى كما جاء في القرآن الكريم: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ )[المجادلة:7]، فهو عال في دنوه، وقريب في علوه، هو عال في دنوه إذا دنى ونزل النزول الذي يليق به، الذي لا يعرف كنهه، فهو عالٍ، ما يقال: إنه لا يكون عالياً في حالة دنوه، ولا يقال: إنه لا يكون قريباً في حالة علوه، فهو في حالة علوه قريب، وفي حالة دنوه عالٍ، ولهذا من العبارات المشهورة عن السلف: أنه عال في دنوه قريب في علوه، لا يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا كما يليق به، تحويه المخلوقات، وأنه لا يكون عالياً، بل هو عال، والعلو وصف من أوصافه سبحانه وتعالى، وهو عال مطلقاً، لا يكون له خلاف ذلك الوصف، ولكنه كما جاء عن بعض السلف: عال في دنوه قريب في علوه، هذا هو القرب العام؛ الذي يعني (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ )[المجادلة:7]، وقرب خاص، وهو ما يكون لأوليائه سبحانه وتعالى، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )[الأعراف:56]، فهناك قرب عام وقرب خاص، والقرب كما يليق بالله عز وجل، وأما قرب المخلوق كما هو معلوم، فإنه يكون بخضوعه والتجائه إليه سبحانه وتعالى في تلك الحال التي يكون فيها مخبتاً مستكيناً إلى الله عز وجل، يعفر أشرف شيء فيه على الأرض؛ خضوعاً لله عز وجل واستكانةً له. هذا هو معنى الحديث، ولهذا جاء: [(فأكثروا الدعاء)]، والمراد من إكثار الدعاء أنه موطن من مواطن الإجابة كما جاء في الحديث الآخر: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: حري أن يستجاب لكم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد سبق أن ذكرت: أن ممن خرج لهم النسائي غير محمد بن سلمة هذا شخص آخر، ولكنه أعلى منه بطبقة، فهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهو محمد بن سلمة الباهلي، وأما محمد بن سلمة المرادي المصري فهذا من طبقة شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الباهلي، والذي معنا هو محمد بن سلمة المرادي .
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو يعني: ابن الحارث].
هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (يعني ابن الحارث)، المراد أن عبد الله بن وهب الذي هو الراوي عن عمرو بن الحارث ما زاد في ذكر شيخه على قوله: عمرو، قال: عن عمرو، والمراد به عمرو بن الحارث المصري، فمن دون عبد الله بن وهب وهو محمد بن سلمة أو النسائي أو من دون النسائي، أضافوا كلمة: ابن الحارث للتعريف والتمييز، وبيان أن هذا هو المقصود، وأتى بكلمة (يعني) -وأحياناً يؤتى بكلمة (هو)- التي تبين بأن هذا اللفظ ليس من التلميذ، بل هو ممن دون التلميذ، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها عبد الله بن وهب؛ لأن (يعني) فعل مضارع فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب، (يعني) قال من دون عبد الله بن وهب، لما ذكر عمرو بدون نسبة قال: (يعني)، أي: يعني ابن وهب ، فلها قائل ولها فاعل، قائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب.
[عن عمارة بن غزية].
لا بأس به، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سمي].
هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمع أبا صالح].
هو ذكوان السمان، مشهور بكنيته أبي صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان أو الزيات، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على أشهر الأقوال في اسمه واسم أبيه، الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عنه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لكثرة ملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكونه بقي في المدينة والناس يفدون فيها حتى توفي، وكان الناس عندما يفدون إلى المدينة ويصدرون عنها يلقونه ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، وأيضاً دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، وكانت هذه من الأسباب التي صار بها أبو هريرة أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وإن كان إسلامه إنما حصل في السنة السابعة من الهجرة، ولكن ملازمته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له، وكذلك أيضاً سكناه في المدينة وبقاؤه بها، وهي المكان الذي يرد إليه الناس ويصدرون، فيلتقون به ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، فكثر حديثه رضي الله عنه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:47 PM

فضل السجود

شرح حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل السجود.
أخبرنا هشام بن عمار عن هقل بن زياد الدمشقي حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: (كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي فضل السجود. والمقصود من ذلك: أنه يؤدي إلى الجنة، وأن ثوابه الجنة، والحديث الذي مر أيضاً يدل على فضل السجود؛ وهو قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، أيضاً هو دال على فضل السجود؛ لأنه موطن من مواطن الإجابة، وهو دال على فضله، وفضل هذه الهيئة التي يكون عليها الإنسان في إخباته إلى الله سبحانه وتعالى، والنسائي عقد الترجمة لهذا الحديث الذي أورده عن ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: [كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وحاجته].
قوله: [فقال: سلني، قال: أسألك مرافقتك في الجنة]، يعني أن يكون معه في الجنة، [قال: أو غير ذلك؟]؛ أو تريد شيئاً آخر غير هذا، [قال: هو ذاك]؛ يعني: هذا الذي أريد، يعني أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، [قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود]، يعني أرشده عليه الصلاة والسلام إلى سبب من الأسباب العظيمة التي توصل الإنسان إلى الجنة.
والمراد من ذلك كثرة الصلاة؛ لأن السجود وحده لا يفعل وحده، ولا يتقرب إلى الله عز وجل بالسجدة الواحدة، وإنما السجود المراد به الصلاة، ويطلق على مواضع الصلاة أنها مساجد؛ لأن الأرض يلامسها في حالات المصلي هذه الأعضاء السبعة: وهي الوجه، والأنف، والجبهة، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، فأطلق على مواضع الصلاة مساجد، مع أن أحوال المصلي جلوس وقيام وركوع، ما قيل: لها مجالس، ولا مراكع، ولا مواقف، وإنما قيل لها: مساجد، أخذاً من السجود، ومن مواضع السجود، وذلك أن حالة السجود يكون فيها هذه الهيئة التي هي تعفير الوجه الذي هو أشرف شيء في الإنسان على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، ووضعه على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، فالمراد بالسجود هنا الصلاة، وليس المقصود من ذلك أن الإنسان يسجد فقط ولا يصلي، وإنما يكون ساجداً يصلي، هذا هو المقصود بالسجود؛ كثرة السجود من كثرة الصلاة، الصلاة فيها قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، لكن أطلق على السجود؛ لأنها هي الهيئة التي فيها الخضوع لله عز وجل، وفيها قرب العبد من ربه، وهي من مواطن الإجابة، هذا هو المقصود بقوله: [أعني على نفسك بكثرة السجود].
ومعنى هذا: أن الإنسان ما يكون مهمته أن يكون سائلاً لغيره دون أن يعمل، بل الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى العمل الذي يؤدي إلى هذه الغاية، والذي يكون معه في الجنة، ويكون رفيقاً له في الجنة؛ أن يكثر من الصلاة، يأتي بالصلاة المفروضة على أكمل هيئة، ويأتي بالنوافل التي يتقرب إلى الله عز وجل بها، وذلك في الصلاة التي هي فيها تعفير الوجه الله عز وجل بالتراب، فتكون الصلاة والإقبال على الله عز وجل في الصلاة من أسباب دخول الجنة، وقد جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإذا كان التقرب إلى الله تعالى بالصلاة التي هي شأنها عظيم، وصلة العبد بربه وثيقة بها دائماً وأبداً في الصلوات الخمس، وفي النوافل يكون على صلة بالله سبحانه وتعالى، هذا يدل على عظم شأن الصلاة، وأنها من أسباب الوصول إلى الجنة؛ لأن كثرة النوافل، والمحافظة عليها، والمداومة عليها من أسباب دخول الجنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى فعل يحصل منه ما يكون مهمته أن يكون سائلاً دون أن يكون فاعلاً، بل أرشده إلى العمل وإلى الفعل الذي يؤدي به إلى تلك الغاية، ويوصله إلى ذلك الثواب؛ الذي هو كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
قوله: (آتي بوضوئه)، المراد بالوضوء -بفتح الواو- هو الماء الذي يتوضأ به؛ لأنه بالفتح اسم للماء المستعمل، وأما الوضوء بالضم فهو اسم للفعل؛ فالهيئة التي بها فعل الوضوء يقال لها: وضوء، وأما الماء الذي يتوضأ به فيقال له: وضوء، يعني فهذا اللفظ واحد، ولكنه بفتح الواو يكون للشيء المستعمل، وبضمها للفعل، ولهذا ألفاظ كثيرة تشابه هذا اللفظ، مثل: سحور وسحور، السحور -بالفتح- الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسحور -بالضم- هي عملية الأكل؛ كون الإنسان يأكل، هذا يقال له: سحور، وأما السحور فهو الطعام، وكذلك السعوط -بفتح السين- الشيء الذي يستطعم، والسعوط بالضم هو الجذب، يعني كون الإنسان يجذب بأنفه ذلك الشيء الذي يستطعم، وكذلك الوجور والوجور، الوجور هو ما يوضع في الفم، والوجور هو وضع الشيء في الحلق، ومثله الطهور والطهور؛ لأن كلمة (الوضوء) هذا هو معناها، والمراد بها الماء، وسبق أن مر بنا حديث عثمان بن عفان أنه دعا بوضوء ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا)، يعني الأولى وضوء والثانية وضوء، (نحو وضوئه)، يعني: العمل الذي فعله، فهو بالفتح اسم للماء، وبالضم اسم للفعل الذي هو التوضؤ والتطهر.
قال ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه: [(كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].
ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، وهذا يدل على حرص الصحابة على الخير، وتسابقهم إلى الخيرات، فهنا حرص ربيعة بن كعب، كما أنه ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا يخدمه، ويقرب له وضوءه، وحاجته، أراد أن يكون ملازماً له بالجنة، مثل ما كان ملازماً له في الدنيا، يريد أن يكون معه في الجنة؛ لأنه كان معه في الدنيا ملازماً له يقرب له حاجاته ووضوءه، وأراد أن تمتد هذه المرافقة، وأن تكون في الآخرة كما كانت في الدنيا؛ بأن يكون معه يخدمه ويقرب له وضوءه وحاجته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعلى تعلقهم بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وملازمته وخدمته، وفدائه بالنفس والنفيس، وأحب ما يكون عندهم أن يكونوا معه في الجنة كما كانوا معه في الدنيا.
والله عز وجل وعد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الحسنى، فقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )[الحديد:10]، يعني: الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا من قبله وقاتلوا، الكل وعدهم الله الحسنى، فهم خير الناس، وهم أفضل الناس، وكانوا أحرص الناس على الخير، وأسبق الناس إلى كل خير، وهم القدوة في الخيرات بعد رسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم هم المقتدون به، والمؤتسون به، فالذي يسير على منوالهم ويسير على نهجهم سائر على درب الخير وعلى طريق الخير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ثم أيضاً يدلنا -كما ذكرت- على أن الإنسان لا يكون مهمته أن يعتمد على غيره، وأن يعول على غيره، وعلى دعاء غيره، وإنما مهمته أن يعمل، ومن المعلوم أن الشفاعة تكون بأمرين: الشافع والمشفوع، أو تكون عند توفر أمرين: الرضا عن المشفوع، والإذن للشافع أن يشفع، وإذاً فالإنسان عليه أن يعول على المبادرة إلى الخيرات وفعلها، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )[الشعراء:214]، دعا أقرباءه وقال: (يا فلان، يا فلان، لا أغني عنكم من الله شيء)، معناه: اعملوا، ما تقولون: نحن أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم يكفينا أننا أقرباءه، ولا نعمل، لا، اعملوا؛ لأنه جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، أي: من أخره عمله عن دخول الجنة ليس نسبه هو الذي يقربه إليها، وإنما الإنسان يحرص على الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
قال: [(فأعني على نفسك بكثرة السجود)]، يعني: بكثرة الصلاة، ولهذا يقال للصلاة: سجود، ويقال: لها ركوع، ويقال: لها قيام، يطلق عليها هذا وهذا، إطلاق الجزء من الشيء على كله، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ )[ق:40]، (وأدبار السجود)، يعني: أدبار الصلوات، فالسجود يطلق على الصلاة أنها سجود، [(أعني على نفسك بكثرة السجود)]، بكثرة الصلاة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يروح يسجد وهو ما يركع ولا يقوم ولا يقرأ القرآن، المقصود أن يصلي، وإذا صلى الإنسان فهذا هو السجود، وإنما نص على السجود؛ لأنه الهيئة التي يكون الإنسان فيها في الصلاة، وهو أقرب ما يكون إلى الله عز وجل، وهو من مواطن الإجابة.
تراجم رجال إسناد حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)
قوله: [أخبرنا هشام بن عمار].هشام بن عمار صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن هقل بن زياد].
هو هقل بن زياد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الدمشقي، وهو فقيه، محدث، فقيه مشهور، ومحدث الشام وفقيهها، هو في الشام مثل الليث بن سعد في مصر، مشهور بالفقه والحديث، وهذا مشهور بالفقه والحديث، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أبوه عمرو وكنيته أبو عمرو، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من أنواع علوم الحديث؛ وفائدتها ألا يظن التصحيف لما لو ذكر بالكنية ولم يذكر بالنسب، فإن من لا يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يظن أن فيه تصحيف، وأن (ابن) صحفت وجاء مكانها (أبو). لكن من يعرف الأمر لا يلتبس عليه الأمر فيكون الكل صواب، إن جاء أبو عمرو وإن جاء ابن عمرو، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وهو مدني، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني ربيعة بن كعب].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.


ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:49 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(213)
- (باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة) إلى (باب التكبير عند الرفع من السجود)
ورد في السنة ما يدل على فضل السجود، وأنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، كما ورد بيان كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وبيان أن التكبير يكون في القيام والركوع والسجود إلا في الرفع من الركوع.
ثواب من سجد لله عز وجل سجدة
شرح حديث: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة.أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث أخبرنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا الوليد بن هشام المعيطي حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: دلني على عمل ينفعني أو يدخلني الجنة، فسكت عني ملياً، ثم التفت إلي فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله عز وجل بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء رضي الله عنه فسألته عما سألت عنه ثوبان، فقال لي: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)].
أورد النسائي حديث ثوبان، وحديث أبي الدرداء الذي هو دال على فضل السجود، وأنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنها بها خطيئة، وهو دال على ما كان عليه التابعون من الحرص على معرفة طرق الخير، وأنهم يسألون الصحابة عن طرق الخير وتفاضلها؛ حتى يعملوا تلك الأعمال التي تقربهم إلى الله عز وجل، فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يحرصون على معرفة ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والتابعون يحرصون على معرفة ذلك عن طريق الصحابة، ولهذا جاء معدان بن أبي طلحة إلى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: [دلني على عمل ينفعني أو يدخلني الجنة؟] فسكت ملياً، ولعله كان يفكر، ويتذكر الشيء الذي يجيبه به عن هذا السؤال؛ لأن وجوه الخير كثيرة، وطرق الخير كثيرة، فهو لعله سكت ملياً، أي: زمناً يسيراً، يفكر ما يدله عليه، ثم إنه قال: [عليك بالسجود]، أي: الصلاة، [فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)]، ثم ذهب إلى أبي الدرداء وقال له مثل ما قال لـثوبان، وأجابه بما أجابه به ثوبان، وعلى هذا فالحديث جاء عن طريق صحابيين يرويه عنهما معدان بن أبي طلحة التابعي، وهما، أي: الحديثان، عن أبي الدرداء وثوبان يدلان على فضل الصلاة، وعلى فضل التقرب إلى الله عز وجل بالصلاة، وعلى فضل السجود الذي هو من أجزاء الصلاة.
أورد النسائي حديث ثوبان وحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)]، والمقصود من ذلك كما عرفنا الصلاة، وليس المقصود مجرد السجدة، وسبق أن مر بنا في أبواب النسائي أن الركعة يطلق عليها سجدة، ليس المقصود أن وضع الجبهة والأنف على الأرض هو المراد، بل المراد الركعة، والركعة يطلق عليها سجدة، والتقرب إلى الله عز وجل لا يكون بالركعة الواحدة، إلا في حال الوتر، الوتر يكون ركعة، لكن الإنسان لا يصلي بأقل من ركعة أو ركعتين، (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ما يصلي ركعة واحدة، يعني أقل ما يصلى ركعتين إلا في حال الوتر، وفي حالة صلاة الخوف، جاء صلاة الخوف ركعة، أما أن يتقرب إلى الله عز وجل بركعات تقل عن اثنتين، فهذا ما جاء في السنة إلا في حال الوتر فإنه يؤتى بركعة بعد الركعات التي يصليها الإنسان، وكذلك في الخوف جاء في بعض الأحاديث أن (صلاة الخوف ركعة)، وأيضاً فالمراد بالسجدة هنا الصلاة، وليس المراد بها كون الإنسان جالس يسجد، وإنما المقصود بذلك يصلي، وكما ذكرت لكم أنه يطلق على الصلاة أنها سجود، ويطلق على أنها ركوع، (ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ )[آل عمران:43]، (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ )[الحجر:98]، يعني: المصلين.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)
قوله: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث].أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وهو مثل إسحاق بن راهويه الذي يمر ذكره علينا كثيراً، وكذلك مثل محمد بن رافع أيضاً؛ لأن هؤلاء الثلاثة من شيوخ النسائي، يروي عنهم النسائي ويأتي ذكرهم، وكلهم أخرج لهم أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[أخبرنا الوليد بن مسلم].
الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس، والتسوية، والتدليس عرفنا فيما مضى أنه: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع، وأما التسوية فهو أسوأ أنواع التدليس، وذلك أنه: يأتي الإسناد فيكون فيه ضعيف بين ثقتين فيحذف الضعيف، ويكون الحديث متصل ثقة عن ثقة، وهذا هو أعظم أنواع التدليس؛ لأنه ليس الأمر يتعلق به، بل أساء إلى غيره ممن هو فوقه، حيث حذف شيخه، وجعل الإسناد مسوىً بثقات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، الذي هو الوليد بن مسلم الدمشقي.
[حدثني الأوزاعي].
أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الوليد بن هشام المعيطي حدثني معدان بن أبي طلحة].
ثقة أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ثوبان].
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، الصحابيان ثوبان، وربيعة بن كعب، كل منهما حديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[وأبو الدرداء].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.
موضع السجود


شرح حديث: (إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع السجود.
أخبرنا محمد بن سليمان لوين بالمصيصة عن حماد بن زيد عن معمر والنعمان بن راشد عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال: كنت جالساً إلى أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما، فحدث أحدهما حديث الشفاعة والآخر منصت، قال: فتأتي الملائكة فتشفع وتشفع الرسل، وذكر الصراط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين خلقه، وأخرج من النار من يريد أن يخرج، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم من ماء الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)].
أورد النسائي: موضع السجود من الإنسان؛ لأن الحديث الذي أورده يتعلق بموضع السجود في جسم الإنسان ومن الإنسان، وأن النار لا تأكل مواضع السجود، وهو دال على فضل أو على عظم شأن الصلاة، وعلى المواضع التي لامست الأرض سجوداً لله عز وجل، وخضوعاً لله سبحانه وتعالى، هذا هو المقصود من الترجمة، وهي مواضع السجود، أي من جسم الإنسان، وليست مواضع السجود في الأرض، وإنما مواضعها من جسم الإنسان، وأنها لا تأكلها النار، والمراد من ذلك العصاة الذين يدخلون النار، ويؤاخذون، ويحاسبون، أو يعاقبون على ما اقترفوه من معاصي، فإن النار لا تأكل مواضع السجود، ومن عفا الله عنه وتجاوز وأدخله الجنة من أول وهلة، هذا لا يصل النار، ومن دخل النار وهو من الموحدين، لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهل النار، والذين لا يخرجون منها أبد الآباد، والحديث دال على عظم شأن هذه الأعضاء التي تباشر الأرض في السجود لله سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود)
قوله: [أخبرنا محمد بن سليمان].
هو: محمد بن سليمان لوين، ولوين لقب بالمصيصة، المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر والنعمان بن راشد].
هو معمر بن راشد الأسدي البصري نزيل، اليمن، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والنعمان بن راشد وهو صدوق، سيئ الحفظ، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ومن المعلوم أن الرواية، رواية حماد بن زيد يروي عن اثنين، يروي عن معمر بن راشد الذي خرج له أصحاب الكتب الستة، ويروي عن النعمان بن راشد هذا الذي هو صدوق سيئ الحفظ، ما وصف به من سوء الحفظ لا يؤثر؛ لأنه ليس مستقلاً بالرواية، بل معه من هو أرفع منه الذي هو معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق بن همام الذي يروي عبد الرزاق من طريقه صحيفة همام بن منبه، وهي في الصحيحين، وفي غيرهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، وإمام، مشهور، وتابعي من صغار التابعين، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يزيد].
هو عطاء بن يزيد الليثي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة وأبي سعيد].
أبو هريرة مر ذكره، وأبو سعيد هو سعد بن مالك بن سنان الخدري، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أن الصحابيين اللذين في هذا الإسناد هما من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:51 PM

مشروعية أن تكون سجدة أطول من سجدة
شرح حديث شداد بن الهاد: (... فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدةأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام حدثنا يزيد بن هارون حدثنا جرير بن حازم حدثنا محمد بن أبي يعقوب البصري حامل عن عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)].
أورد النسائي: هل تكون سجدة أطول من سجدة؟ ومن المعلوم أن السجود أو أن السجدات ليس هناك ما يدل على أن هذه السجدة تطول، أو أن هذه تقصر، مثل ما يفعل بعض الناس، تكون آخر سجدة من الصلاة يطولها، وليس هناك أساس يعتمد عليه بتطويل بعض السجدات، وهذه السجدة التي سجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك لأمر عارض، ولم تميز تلك السجدة بتطويلها، يعني: لأن سجدة من سجدات الصلاة تميز على غيرها، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم سجد وأحد أولاده الحسن، أو الحسين أولاد ابنته فاطمة (ارتحله)، أي: ركب على ظهره، فالرسول صلى الله عليه وسلم استمر يعني: حتى ينزل، بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضهم، أو الصحابة كلهم لاحظوا هذا الشيء، وفيهم هذا الرجل الذي هو راوي الحديث وهو شداد بن الهاد رفع رأسه، ينظر ماذا حصل؟ وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم ساجد وعلى ظهره الغلام، فرجع إلى مكان سجوده، أي: رجع على حالته، والصحابة سألوه بعد ذلك قالوا: إن سجدة من السجدات طولت فيها، قوله: [(ولكن ابني ارتحلني فأردت ألا أعجله)]، وهذا دال على شفقته عليه الصلاة والسلام ورحمته بالصغار، وعلى أن هذا التطويل هو من جنس ما جاء في بعض الأحاديث التي سبقت أن مرت والرسول صلى الله عليه وسلم يدخل في الصلاة يريد التطويل فيسمع بكاء الصبي، فيقصر في صلاته شفقة على أمه، أي: تقصير عارض، وهذا تطويل عارض، هذا تطويل للسجدة عارض، وذاك تقصير عارض، فلا يعني أن سجدة تطول على غيرها، وتميز على غيرها، أو بعض السجدات تطول على غيرها، وإنما السجدات تكون متقاربة، ومعلوم أن الركعات الأولى تكون أطول من الركعات الأخيرة.
تراجم رجال إسناد حديث شداد بن الهاد: (... فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها ...)
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام]. أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جرير بن حازم].
ثقة له أوهام فيما حدث به من حفظه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن أبي يعقوب البصري].
هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حامل عن عبد الله بن شداد].
هو عبد الله بن شداد بن الهاد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه شداد بن الهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند النسائي وحده.
على كل، هو إن وجد في كتب الألقاب أنه يلقب (بحامل) فجعل هذا لقب له فالأمر واضح، وإلا فإنه ما يبعد أن تكون تصحيف أي فيه نظر؛ لأنه وهو حامل وراءها، في السطر الذي وراءها، وهو حامل يعني: في قصة الغلام جاء وهو حامل، يعني قد يكون يعني مثلاً عند الطباعة يعني: حصل فيها تصحيف أن تقال: نظر كما يقولون، انتقال ذهن وانتقال نظر، لكن إن وجد بأن هذا الشخص يلقب بحامل، الأمر واضح، وإلا فإن المسألة كما قلت فيها: انتقال نظر؛ لأنه قد يكون عند الطباعة وإلا كذا تأتي كلمة من الكلام الذي وراءها، وفي الحديث نفسه: [(وهو حامل حسناً أو حسيناً)]، وهو حامل يعني بالسطر الذي بعدها مباشرة.
أنا ما رأيت لا في تحفة الأشراف ولا في غيرها ذكر كلمة حامل، ولا في ترجمته أنه يقال له: حامل، أو أنه يلقب بحامل، إن لم يوجد شيء من هذا، أي: أنه يطلق لقب عليه، فما يبعد أن يكون انتقال نظر.
التكبير عند الرفع من السجود


شرح حديث ابن مسعود: (رأيت رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [التكبير عند الرفع من السجود. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الفضل بن دكين ويحيى بن آدم، قالا: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده، قال: ورأيت أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما يفعلان ذلك)].
باب: التكبير عند الرفع من السجود، أي: أنه عند الرفع من السجود يكبر المصلي، وقد سبق أن مر أن التكبير عند الركوع يكبر، وعند السجود يكبر، والانتقالات كلها يكبر عندها إلا عند القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده، ولا يقال: الله أكبر، وعند الخروج من الصلاة يقال: السلام عليكم ورحمة الله، ما يقال: الله أكبر، وإلا فجميع أحوال الصلاة عند الانتقال قياماً أو قعوداً رفعاً أو خفضاً، كل ذلك يقال: الله أكبر، وإذاً فقوله: [(يكبر عند كل خفض ورفع)]، ما عدا الرفع من الركوع، فإنه مستثنى ويقال فيه: سمع الله لمن حمده، ولا يقال فيه: الله أكبر، وإنما هذا إشارة إلى غالب أفعال الصلاة؛ لأنها كلها كذلك عند الخفض والرفع.
ولهذا استدل بعض العلماء على أن السجود تلاوة في الصلاة إذا كان الإنسان في صلاة ثم سجد، فإنه يكبر عند السجود وعند الرفع من السجود؛ لأنه داخل تحت كل خفض ورفع، يكبر تكبيراً عند كل خفض ورفع، هذا خفض ورفع في الصلاة، فيكبر عنده، وقد أورد النسائي في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع.
وقيامٍ وقعودٍ، ويسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك).
قوله: [(حتى يرى بياض خده)].
معناه: أنه يلتفت يعني حتى يرى بياض خده، وكان أبو بكر، وعمر يفعلان ذلك، يعني يفعلان مثل هذا الذي رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (رأيت رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[أخبرنا الفضل بن دكين].
وهو أبو نعيم الفضل بن دكين، وهو حد شيوخ البخاري، من كبار شيوخ البخاري، النسائي ما أدركه يروي عنه بواسطة، وأما البخاري فإنه يروي عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من كبار شيوخه الذين لقيهم في أواخر حياتهم، وهو في أول حياته، وكانت وفاته سنة مائتين وثمانية عشر، والنسائي قيل: إنه ولد مائتين وخمسة عشر، معناه عمر النسائي لما مات الفضل بن دكين ثلاث سنوات، وهو يروي عنه بواسطة، وأما البخاري فإنه يروي عنه مباشرة، وهو من كبار شيوخه، الذي هو البخاري؛ لأنه أدرك ما لم يدركه النسائي.
وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي سبق أن ذكرت أنه يقال عنه: إن فيه تشيعاً، ولكن كان يقول كلمة وهي: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان وهذا يدل على أن التشيع الذي فيه لا يؤثر.
[و يحيى بن آدم].
يحيى بن آدم، وهو ثقة، حافظ، فاضل أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج المطبوع لـيحيى بن آدم هذا.
[حدثنا زهير].
هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهنا يروي عن أبي إسحاق، وقيل: إنه روايته عن أبي إسحاق بآخره، معناه أنه بعد التغير، وعلى هذا يكون في روايته عنه شيء، لكن كما هو معلوم الذي جاء في حديث ابن مسعود من كونه يكبر عند كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن شماله، هذا جاء في الأحاديث الكثيرة، وهذه هيئة الصلاة المعروفة عنها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو الأسود بن يزيد بن قيس، وهو تابعي، مخضرم، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وعلقمة].
هو ابن قيس النخعي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

اعتكاف النساء في المسجد وتعلق ذلك بالفتنة أو المضرة
السؤال: هل المرأة تعتكف في المساجد؟ الجواب: نعم لها أن تعتكف في المساجد إذا أمنت الفتنة، ولم يترتب على ذلك مضرة، ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم كن يعتكفن في المسجد كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
علاقة طلب الدعاء من الغير بالسؤال المذموم من الناس
السؤال: بعض الناس اعتاد أن يقول: لا تنساني بصالح الدعاء ونحو ذلك، هل ثبت شيء؟ الجواب: جاء في حديث عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه لما أراد أن يعتمر قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، لكن الحديث فيه كلام، ولكن كما ذكرت الإنسان يحرص على أن يكون سائلاً، وأن يكون متوجهاً إلى الله عز وجل ملتجئاً إليه، ويسأل الله عز وجل مباشرة، ولا يعول على أن يسأل الناس الدعاء، بل هو يدعو الله عز وجل، والله تعالى قريب ممن دعاه، ويتجه إليه سبحانه وتعالى، وما نقول: إن ذلك غير سائغ، يمكن الإنسان يسأل من غيره الدعاء، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعول على أن يكون سائلاً، وأن يكون غافلاً عن أن يكون داعياً، بل يكون داعياً.

ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:53 PM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(214)
- (باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى) إلى (باب كيف الجلوس بين السجدتين)
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى، كما ثبت عنه ترك ذلك ، مما يدل على جواز الأمرين.
رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
شرح حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك كله)].
يقول النسائي رحمه الله: باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى. ومقصوده من هذه الترجمة أنه عند الرفع من السجدة الأولى من السجدتين يرفع يديه عندما يكبر، وقد أورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: [أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حين يدخل في الصلاة، وحين يركع، وحين يرفع، وعند الرفع من السجود، في ذلك كله رفع اليدين]، فمحل الشاهد منه قوله: [عند الرفع من السجود]، أي: أنه يرفع يديه، وهذا إنما يحصل في بعض الأحيان؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ترك ذلك كما سيأتي.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي، كنيته أبو موسى، ولقبه الزمن، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ إذ توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، قبل البخاري بأربع سنوات، وهو من صغار شيوخ البخاري الذين أدركهم من بعد البخاري، وأما كبار شيوخ البخاري فهؤلاء لم يدركهم بعض أصحاب الكتب الستة، ومنهم من مر بنا بالأمس الفضل بن دكين أبو نعيم، فإنه من كبار شيوخ البخاري الذين روى عنهم، ولم يرو عنهم مثل النسائي؛ لأن النسائي لم يدرك من حياة أبي نعيم إلا ثلاث سنوات؛ لأن أبا نعيم توفي وعمر النسائي ثلاث سنوات، وأما البخاري فقد أدركه في حال صغره وعمره قريب من العشرين، وروى عنه، وأما محمد بن المثنى فهو من صغار شيوخه الذين عاشوا في حياة البخاري زمناً طويلاً، ولم يكن بينه وبين البخاري في الوفاة إلا أربع سنوات، وسبق أن ذكرت أن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وكذلك يعقوب بن إبراهيم الدورقي ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهم جميعاً شيوخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معاذ بن هشام].
هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق، ربما وهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبي].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم].
هو نصر بن عاصم الليثي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن مالك بن الحويرث].
هو مالك بن الحويرث الليثي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ترك ذلك بين السجدتين
شرح حديث عبد الله بن عمر: (كان النبي إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ... ولا يرفع بين السجدتين)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك ذلك بين السجدتين.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع، وبعد الركوع، ولا يرفع بين السجدتين)].
هنا أورد النسائي: ترك ذلك بين السجدتين؛ أي: رفع اليدين، والذي ورد في الحديث الذي قبله، وهو أنه كان يرفع، ورد في هذا الحديث أنه ما كان يرفع، ومعنى هذا أنه كان يرفع في بعض الأحيان ويترك، يفعل ويترك، ولم يكن مداوماً عليه، وإنما كان يحصل منه الفعل، ويحصل منه الترك، يحصل منه الفعل كما في حديث مالك بن الحويرث، ويحصل منه الترك كما حصل في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر الذي فيه أنه كان لا يفعل ذلك بين السجدتين، وهو الرفع، وهذا هو محل الشاهد من الحديث للترجمة، وهي ترك رفع اليدين بين السجدتين.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر: (كان النبي إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ... ولا يرفع بين السجدتين)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد بن راهويه المروزي الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، محدث، فقيه، ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا القليل من المحدثين مثل: البخاري، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: شعبة، وغيرهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن سفيان].
هو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو غير منسوب، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري فإنه يحمل على ابن عيينة، ولا يحمل على الثوري؛ لأن سفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وإن كان الزهري أقدم منه، وهو متقدم عليه، وكان الثوري توفي قبل وفاة الزهري بأكثر من ثلاثين سنة، إلا أن سفيان بن عيينة هو الذي كان يروي عن الزهري، وهو معروف بالرواية عنه، وأما الثوري فإنه لا يعرف بالرواية عنه مباشرة، بل ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أنه إنما يروي عنه بواسطة، وعلى هذا فإذا جاء سفيان غير منسوب، وهو يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، ولا يحمل على سفيان الثوري.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، وإمام مشهور، وهو من صغار التابعين، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بأن يجمع السنة ويدونها، وكانت قبل ذلك يجمعها العلماء من الصحابة ومن بعدهم يكتبون لأنفسهم، لكن كونها تكتب بتبني من الدولة، وبتكليف من الخليفة، هذا حصل في زمن عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وكان الزهري هو الذي أسند إليه ذلك، ولهذا يقول السيوطي في الألفية:
أول جامع للحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أنه قام بجمعه بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو محدث، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في زمن التابعين على أحد الأقوال في الثالث؛ لأن الفقهاء السبعة ستة اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة؛ وهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر هذا الذي معنا في الإسناد، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن أبيه].
أبوه هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي ابن الصحابي، صحابي جليل، وهو من صغار الصحابة، وقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مجاهداً مع المجاهدين في سبيل الله عز وجل وذلك يوم أحد فاستصغر، ولم يأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذن له بعد ذلك، أي: أنه من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في -الصحابة إذا قيل: العبادلة الأربعة- وهم: عبد الله بن عمر هذا، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام؛ وهم أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فهؤلاء قد عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم: عبد الله بن عمر، وهم الذين يقول فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-14-2026 11:55 PM

الدعاء بين السجدتين

شرح حديث: (... وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بين السجدتين.
أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة سمعه يحدث عن رجل من عبس، عن حذيفة رضي الله عنهما: (أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام إلى جنبه، فقال: الله أكبر ذو الملكوت، والجبروت، والكبرياء، والعظمة، ثم قرأ بالبقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحواً من قيامه، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، وقال حين رفع رأسه: لربي الحمد، لربي الحمد، وكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: الدعاء بين السجدتين، وأورد فيه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره فيما مضى، وفيه ذكر جملة من ذكره ودعائه في صلاته صلى الله عليه وسلم، وقد ختم الحديث بمحل الشاهد من الترجمة، وهو أنه يقول بين السجدتين: [(رب اغفر لي، رب اغفر لي)]، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا، وقد سبق ورد الحديث فيما مضى، ولكنه أورده هنا من أجل اشتماله على ما ترجم له، وهو الدعاء بين السجدتين، وكون المصلي يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي.
تراجم رجال إسناد حديث: (وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]
هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة الكوفي ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حمزة].
هو طلحة بن يزيد الأيلي، وقد وثقه النسائي، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن رجل من بني عبس].
سبق أن مر الحديث فيما مضى، وذكرت أن الأظهر فيه أنه صلة بن زفر العبسي، وذلك أن صلة بن زفر عبسي، وقد جاء الحديث عن حذيفة عند ابن ماجه ، وفي طرقه أو في بعض طرقه ذكر صلة بن زفر يروي عن حذيفة بن اليمان، فيكون هو هذا المبهم، أي: كونه صلة بن زفر؛ من جهة أن هذا الذي هو صلة عبسي، ومن جهة أن الحديث جاء في سنن ابن ماجه في بعض طرقه: صلة يرويه عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، والحديث سبق أن مر، ولعله برقم ألف وثمانية وستين، وصلة بن زفر ثقة، جليل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة بن اليمان].
صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه

حديث ابن عباس في رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
أخبرنا موسى بن عبد الله بن موسى البصري حدثنا النضر بن كثير أبو سهل الأزدي (صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف، فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك، فقلت لـوهيب بن خالد: إن هذا يصنع شيئاً لم أر أحداً يصنعه، فقال له وهيب: تصنع شيئاً لم نر أحداً يصنعه، فقال عبد الله بن طاوس: رأيت أبي يصنعه. وقال أبي: رأيت ابن عباس رضي الله عنهما يصنعه، وقال عبد الله بن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: رفع اليدين تلقاء الوجه بين السجدتين، وأورد فيه حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإضافته ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعله.
قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الله بن موسى البصري].
موسى بن عبد الله بن موسى البصري مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا النضر بن كثير أبو سهل الأزدي].
قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ضعيف، عابد، وفي ترجمته في تهذيب التهذيب لم يذكر توثيقه عن أحد، ولهذا اكتفى الحافظ بالتقريب بأن قال: ضعيف، ووصفه بأنه عابد مع ضعفه، ومن المعلوم أنه تكون العبادة مع الضعف؛ لأن الضعف يرجع إلى الحفظ، ويرجع إلى أمور أخرى، وأما العبادة قد لا تكون من الشخص الضعيف، ولا تنافي، بين هذا وهذا، فيكون ضعيفاً يعني في روايته، وفي حفظه، وفي تحمله، ويكون عابداً، مكثراً من العبادة لله عز وجل، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي.
[عبد الله بن طاوس].
ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة،
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم قريباً.
والشيخ الألباني صحح الحديث، ولعل ذلك لكونه جاء من طرق أخرى، وإلا فإن النضر بن كثير لم يوثقه أحد، بل كل الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب مما كان عند المزي، وما كان أضافه على المزي، كلهم ضعفوه، وتكلموا فيه بالضعف، ولم يوثقه أحد، وإنما الذي أشار إليه الفلاس، أشار إلى عبادته فقط، قال: حدثنا النضر بن كثير وكان يعد من الأبدال، يقصد بذلك أنه عابد، ولهذا الحافظ ابن حجر جمع بين اللفظين فقال: ضعيف، عابد.
كيف الجلوس بين السجدتين

شرح حديث: (كان رسول الله إذا سجد خوى بيديه ... وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الجلوس بين السجدتين. أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم حدثني يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة: كيف الجلوس بين السجدتين، والمراد من ذلك أنه يجلس مفترشاً رجله اليسرى كما جاء في هذا الحديث، [وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى]، ومعناه: أنه يجلس على رجله اليسرى، لا يتورك كما يحصل في التشهد الأخير، وإنما يفترش، وأورد النسائي فيه حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها وأرضاها أم المؤمنين: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه)]، ومعنى (خوى): أنه يرفع بطنه عن الأرض، ويجافي عضديه عن جنبيه حتى يكون ما بينهما خاوياً؛ أي: خالياً؛ حتى يكون هناك خلو وفراغ بين الجنبين والعضدين، وبين البطن والأرض، وذلك بأن يسجد على أعضائه التي هي الركبتان، واليدان، وأطراف القدمين، ولا يعتمد بيديه على فخذيه أو على جنبه، وإنما يضعهما على الأرض، ويجافي عضديه عن جنبيه، فيكون الاعتماد على أعضاء السجود، ولا يكون السجود كهيئة الكسلان الذي تسجد أعضاؤه بعضها على بعض، فتكون يديه على فخذيه وعلى جنبه، وبطنه على فخذيه والأرض، وفخذيه على ساقيه، فيكون راكباً بعضه فوق بعض، لم يكن معتمداً على أعضاء سجوده، [(وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)].
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا سجد خوى بيديه ... وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم].لقبه دحيم، جمع فيه بين الاسم والنسب واللقب، وكلمة دحيم مأخوذة من عبد الرحمن، وأحياناً تؤخذ الألقاب من الأسماء، وكثيراً ما تكون الألقاب مأخوذة من الأسماء، ويأتي ذكر ألقاب لا علاقة لها بالأسماء، لكن هذا مما كان اللقب مأخوذاً من الاسم، يعني دحيم مأخوذ من عبد الرحمن، ومثل عبدان مأخوذة من عبد الله بن عثمان المروزي لقبه عبدان، وهو من شيوخ البخاري، ويأتي ذكره كثيراً باللقب عبدان، وهكذا تأتي الألقاب أحياناً مأخوذة من الأسماء، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي ثقة، حافظ، متقن، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا مروان بن معاوية].
هو مروان بن معاوية الفزاري، وهو ثقة، حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، أي: أنه يذكر شيوخه عندما يروي عنهم بغير ما يشتهرون به، فيكون في ذلك تعمية وتوعير للطريق التي توصل إلى معرفة الشخص، وقد يبحث عن الترجمة بهذا الاسم الذي دلس فيقال: إنه لم يعثر له على ترجمة، مع أنه معروف، ولكنه ذكر بغير ما اشتهر به، ومروان بن معاوية الفزاري كان يدلس أسماء الشيوخ.
والتدليس ينقسم إلى تدليس إسناد، وتدليس شيوخ؛ وتدليس الإسناد أن يروي الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، وأما تدليس الشيوخ فهو أن يذكر شيوخه أو بعض شيوخه بغير ما اشتهر به، فيعمي ذلك على الناس عندما يبحثون في أسماء الشيوخ لا يجدون، كأن يذكر كنيته مع نسبته إلى جده، أو يذكر كنيته مع نسبته إلى بلده، ويذكره بغير ما اشتهر به، فإن هذا هو تدليس الشيوخ، ومروان بن معاوية هذا معروف بهذا، وقد سبق أن مر بنا في المصطلح أنه كان يدلس في روايته محمد بن سعيد المصلوب، وكان يذكره بصيغ مختلفة، وذكرت أن منهم الخطيب البغدادي، وكان يفعل ذلك في ذكر شيوخه، يأتي بهم على صيغ مختلفة منها ما يشتهرون به، ومنها ما لا يشتهرون به، وحديث مروان بن معاوية الفزاري خرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم].
مقبول، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني يزيد بن الأصم].
يقال: له رؤية ولا يثبت، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
قالوا: هو ابن أخت ميمونة، أي: فيه صلة بينه وبين ميمونة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

[عن ميمونة].
أم المؤمنين هي بنت الحارث الهلالية، حديثها عند أصحاب الكتب الستة.



الساعة الآن 11:07 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009