ملتقى أحبة القرآن

ملتقى أحبة القرآن (http://www.a-quran.com/index.php)
-   ملتقى الكتب الإسلامية (http://www.a-quran.com/forumdisplay.php?f=62)
-   -   شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (http://www.a-quran.com/showthread.php?t=30201)

ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:09 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(257)

- باب إيجاب الجمعة
فضائل هذه الأمة عظيمة وخصائصها كثيرة، منها أنها أسبق الأمم إلى الجنة وأكثرها ثواباً، ومنها أيضاً هداية الله لهذه الأمة ليوم الجمعة، واختلاف اليهود والنصارى عنه، فصاروا تبعاً لهذه الأمة، فأضل الله اليهود والنصارى عن هذا اليوم وعظمته وخصائصه.
كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة
شرح حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الجمعة. باب إيجاب الجمعة.أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ح وابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الجمعة. لما أورد كتاب الصلاة والكتب المتعلقة به، وهي الفرائض التي أوجبها الله عز وجل في اليوم والليلة خمس مرات، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك، انتقل إلى هذا الفرض الذي يأتي في الأسبوع مرة وهو الجمعة، فهذا هو وجه إيراد الجمعة بعد إيراد الكتب المتعلقة بالصلاة، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك؛ لأن الصلوات الخمس تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، والجمعة تأتي في الأسبوع مرة، وبعد ما فرغ مما يأتي، أو من الأحكام المتعلقة بالذي يأتي في اليوم والليلة خمس مرات، وهو الصلوات الخمس المفروضة، أتى بما يتعلق بيوم الجمعة، وهو أن الفرض في ذلك اليوم في وسط النهار الجمعة وليس الظهر، فتختلف عن بقية الأيام، فلهذا أورد كتاب الجمعة بعد الكتب المتعلقة بالصلاة.
ثم قال: باب إيجاب الجمعة، يعني: كونها واجبة على هذه الأمة، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه بعدهم، كتب الله عليهم الجمعة فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل إليه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم غد، والنصارى بغد غد)]، اليهود يعني يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.
والمقصود منه قوله: (كتب الله عز وجل عليهم)، يعني: فيه التعبير بالكتب، والكتب فيها الإيجاب، والفرض، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، وأبدلوه بغيره، وهذه الأمة هداها الله عز وجل إليه فقبلته، وثبتت عليه، واستقرت عليه، فصار لهذه الأمة التي هي خير الأمم، وهو خير أيام الأسبوع، وأفضل أيام الأسبوع، فجعله الله لهذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة خصائص كثيرة، أوصلها ابن القيم إلى ما يزيد عن أربعين خصيصة، وألف أيضاً فيه بعض المؤلفات التي تدل على فضله وعلى خصائصه، وما يتعلق بذلك اليوم الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، وخص به هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [(نحن الآخرون السابقون)]، أي: الآخرون من حيث الزمان والوجود، وغيرنا من الأمم تقدم علينا، فنحن آخر الأمم، ومع كوننا الآخرين، فنحن السابقون يوم القيامة، فيحشرون ويقضى بينهم قبل الناس، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو أول من ينشق عنه القبر كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع)، فتحشر هذه الأمة ويقضى بينها، وتدخل الجنة، فتكون متأخرة من حيث الزمان، ولكنها سابقة في المنزلة والدرجة، والسبق إلى الخير، والتقديم إلى الخير، [(نحن الآخرون السابقون)].
ثم إنه لما جاء ذكر السابقين قال: [(بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، يعني: اليهود، والنصارى، أهل الكتاب، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة، والإنجيل، كتابان وليس كتاباً واحداً، فالإفراد فيه ليس للوحدة وإنما هو للجنس، وكثيراً ما يأتي في القرآن ذكر الكتاب مراداً به الجنس، وليس مراداً به الوحدة أو الكتاب الواحد، كما في قول الله عز وجل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[البقرة:177]، فالكتاب المراد به: الكتب، يعني: والكتب والنبيين، فهو جنس، وكذلك قول الله عز وجل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ )[الحديد:25]، المراد بالكتاب: الكتب، لم ينزل الله على الأنبياء كتاباً واحداً، وعلى الرسل كتاباً واحداً، وإنما أرسل عليهم كتباً، وكذلك قول الله عز وجل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ )[المائدة:48]، أي: من الكتب، أي: مصدقاً لما بين يديه من الكتب، فيأتي لفظ (الكتاب) على لفظ الإفراد محلاً بالألف واللام، وكذلك يأتي مضافاً كما في قوله عز وجل عن مريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ )[التحريم:12]، فيأتي محلاً بالألف واللام، ويأتي مضافاً، وكل منهما يراد به الجنس، ولا يراد به الوحدة أو الكتاب الواحد، فأهل الكتاب، أي: التوراة والإنجيل، وهما كتابان، فالمراد من ذلك الجنس.
(وأوتيناه)، أي: الكتاب، وهو غير الكتابين، وإنما هو القرآن الذي أنزله الله على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يعني: أوتوا الكتاب الذي هو: التوراة والإنجيل، ونحن أوتينا القرآن، آتاه الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فجعل نبينا خير الأنبياء، وجعل كتابه خير الكتب والمهيمن عليها، وجعل لهذه الأمة ذلك اليوم الذي هو الجمعة الذي هو خير الأيام، وأفضلها.
قوله: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، بيد أي: مع أنهم، متقدمون في الزمان، ونحن متأخرون من حيث الزمان والوجود، إلا أننا نسبقهم يوم القيامة، ونتقدم عليهم يوم القيامة؛ لأن الله تعالى أكرم هذه الأمة بخير رسول، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، فهي الآخرة السابقة، الآخرة في هذه الدنيا، السابقة يوم القيامة، المتقدمة على غيرها يوم القيامة.
قوله: [(وهذا اليوم الذي كتبه الله عليهم)]، هذا اليوم الذي كتب الله عليهم، أي: على أهل الكتاب الذي هو الجمعة، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، فاليهود صار لهم السبت، والنصارى صار لهم الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة إليه.
قوله: [(فهدانا الله عز وجل)[، أي: لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة، فصار اليوم الذي لهذه الأمة يوم الجمعة، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فأيامهم تابعة ليومنا، وهي بعد يومنا، ونحن متأخرون عليهم في الزمان، ولكننا متقدمون عليهم في الرتبة، والمنزلة في يوم القيامة.
(فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد).
(فالناس لنا فيه تبع)، يعني: في هذا اليوم، فنحن يوم الجمعة، واليهود والنصارى بعدنا، اليهود يوم السبت الذي يلي يومنا، والنصارى يوم الأحد الذي يلي يوم النصارى.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قوله: [سعيد بن عبد الرحمن المخزومي].ثقة، أخرج حديثه النسائي، والترمذي.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، حجة، إمام، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يدلس، ولكنه لا يدلس إلا عن الثقات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو هنا غير منسوب، ويسمى المهمل في علم المصطلح، يعني: عندما يذكر الاسم ولا يذكر النسب، ويكون محتمل لأشخاص، فهو مهمل، يعني: غير منسوب، ومعرفة تعيينه يكون بالرجوع إلى الطرق الأخرى للحديث عند الأئمة، ويكون أيضاً بالرجوع إلى التلاميذ، والشيوخ، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري مقدار سبع وثلاثين سنة تقريباً في الوفاة، فـسفيان الثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، فهو متقدم، وأما سفيان بن عيينة فهو قريب من المائتين، مائة وسبع وتسعين، فبينهما مسافة طويلة، لكن من يكون معمراً فإنه يدرك، يعني سفيان الثوري، أو ممن كان في أوائل القرن الثالث يدرك سفيان الثوري.
وإذاً: فعلى هذا فالمسافة التي بين سفيان الثوري وبين سفيان بن عيينة، يكون في الغالب أنه إذا كان الشخص متأخر أنه ما أدرك سفيان الثوري، وهنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي توفي سنة مائتين وتسعة وأربعين، والثوري مائة وواحد وستين، أي: بين وفاة هذا وهذا تسع وثمانون سنة، فلا يدركه إلا إذا عمر فوق المائة، فهذا مما يعرف به كون الشخص مدرك أو ما يدرك، لكن قد نص على أنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق، ومن حيث الزمان واضح أن سعيد بن عبد الرحمن لم يدرك زمن الثوري؛ لأن بين وفاتيهما تسع وثمانون سنة، يعني: مسافة طويلة جداً، وحديث سفيان بن عيينة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هذا لقب بلفظ الكنية، واللقب يأتي أحياناً بلفظ الكنية، ويأتي والأصل فيه أنه كنية إذا قيل: أبو فلان، أم فلان، الغالب أن هذه كنية، لكن أحياناً تأتي لقباً وليست كنية، مثل: أبي الزناد، ومثل أم المساكين زينب بنت خزيمة، يقال لها: أم المساكين لعطفها على المساكين، فهذا لقب، وأبو الزناد لقب وكنيته أبو عبد الرحمن وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، وهو: مشهور بهذا اللقب الذي بلفظ الكنية أبو الزناد، اسمه عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هذا لقب، وصاحب اللقب هو عبد الرحمن بن هرمز المدني وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وألقاب المحدثين ومعرفتها لها أهمية، وهذه الأهمية يتضح بها أو يتبين بها أن الشخص الواحد قد يظن شخصين فيما إذا لم يعرف أن هذا اللقب لصاحب هذا الاسم، فمن لا يعرف أن عبد الرحمن بن هرمز لقبه الأعرج، يظن عبد الرحمن بن هرمز شخص والأعرج شخص، لو وجد لفظ الأعرج في إسناد، ووجد بعده في إسناد آخر عبد الرحمن بن هرمز، يظن أن عبد الرحمن بن هرمز شخص وأن الأعرج شخص آخر، لكن من عرف أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر، ولهذا فإن معرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، أكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر
أي: ابن عباس.
كالخدري وجابر وزوجة النبي
ثم هذا الإسناد الذي هو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذه نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وهي بإسناد واحد، ومشتملة على أحاديث كثيرة، أول الأحاديث هذا الحديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وهناك نسخة أخرى يقال لها: نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة، وأولها أيضاً حديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، ونسخة همام تبلغ مائة وأربعين حديثاً كلها بإسناد واحد يفصل بين كل حديث وحديث بجملة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ثم يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأتي: وقال رسول الله مائة وأربعين مرة، ونسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة متقاربة مع هذه النسخة، وبداية كل من النسختين هذا الحديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).
وطريقة العلماء في الرواية من النسخ: أن جمهورهم أو أن الكثير منهم على أن المحدث يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأي حديث من الأحاديث الكبيرة ويجعله وراء الإسناد، أي: بعد الإسناد مباشرة، وهذه طريقة البخاري وغيره، وبعض العلماء يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأول حديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) هذا، ثم يأتي بالحديث الآخر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي يريد من النسخة، سواء كان من وسطها، أو من آخرها، المهم أنه يأتي بالحديث الأول يلي الإسناد، ثم يأتي بالحديث الذي يريد، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
أما الإمام مسلم رحمة الله عليه، فإنه في صحيحه سلك مسلكاً تميز به عن غيره في الأخذ من الصحيفة، فإنه روى أحاديث كثيرة من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهي تتفق مع صحيفة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في كثير من الأحاديث، وفي البداية الذي هو حديث الجمعة: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، فكان من طريقته أن يسوق الإسناد، وإذا انتهى إلى آخره قال: فذكر أحاديث عن أبي هريرة، ثم يقول: فذكر أحاديث. هذه الجملة يأتي بها: فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي رقمه مائة أو مائة وعشرين، ويركبه على هذا الإسناد، لكنه أتى بهذه الجملة التي تبين أن الإسناد ما هو على هذه الطريقة، وإنما فيه أحاديث سابقة لهذا الذي قاله عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: فذكر أحاديث، منها: وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يريد أن يأتي به.
وصحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هي صحيحة وبإسناد واحد، والإمام البخاري، ومسلم اختاروا من هذه الصحيفة أحاديث، واختار البخاري أحاديث انفرد بها عن مسلم، واختار مسلم أحاديث انفرد بها عن البخاري، وكلها من الصحيفة وهي بإسناد واحد، وكلها صحيحة، وهذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم ما قصدا استيعاب الصحيح، وجمع الأحاديث الصحيحة كلها؛ لأنهم لو كانوا أردوا ما تركوا شيئاً من الصحيفة، مع كونها بإسناد واحد، وهم يأخذون ويتركون، يأخذون منها ويتركون منها، مع أنها كلها بإسناد واحد، يعني: في الثبوت هي كلها ثابتة، إلا أن البخاري اختار منها أحاديث، ومسلم اختار أحاديث، واتفقوا على اختيار أحاديث تلاقوا عليها، وتركوا أحاديث منها، فلو كان البخاري، ومسلم قصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ما تركا شيئاً من هذه الصحيفة، مع أنها بإسناد واحد، هذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم رحمة الله عليهما لم يقصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، لم يستوعباها، ولم يقصدا استيعابها، ولهذا فالاستدراك عليهما، أو كونه يقال: فاتهما كذا وهو صحيح، لا وجه له؛ لأنهم ما التزموا حتى يفوتهم، وأوضح دليل هذه الصحيفة، صحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبي الزناد عن أبي هريرة، فإنها بإسناد واحد، وقد أخذوا وتركوا.
[ح وابن طاوس].
كلمة (ح) هذه للتحويل، والغالب أن الإتيان بالتحويل يؤتى به بالنسبة لأسانيد المصنف، مثلما يأتي كثيراً عند مسلم، وعند البخاري، وعند النسائي، يعني يتحول الإسناد إلى إسناد، والإسناد الثاني هو للمصنف، لكن أحياناً يأتي التحويل في أعلى الإسناد، ولا يرجع إلى المصنف، ولهذا قال: وابن طاوس، وابن طاوس يعني معطوف على أبي الزناد، يعني: سفيان بن عيينة يروي عن أبي الزناد، ويروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، فالملتقى هو سفيان، أي: مبدأ الإسنادين من سفيان، وليس من أول الإسناد، وإنما هو من سفيان، وابن طاوس هو: عبد الله بن طاوس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن أبيه طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن أبي هريرة، وهو صحابي الحديث.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:12 AM

شرح حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة وعن ربعي بن حراش عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنه، وهو بمعنى الذي قبله: [(أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)]، وهذا فيه توضيح السبق والتأخر، (فنحن الآخرون في الدنيا)، أي: وجودنا متأخر عن وجودهم، ونحن السابقون يوم القيامة، يعني: نسبقهم ونتقدم عليهم، ففيه توضيح للسبق والتأخر الذي أُجمل في الحديث المتقدم، قال: (نحن الآخرون في الدنيا السابقون يوم القيامة).
قوله: [(المقضي لهم قبل الخلائق)].
وهذا أيضاً يوضح قضية السبق، وأن يوم القيامة أنه يقضى بينهم قبل الخلائق، فالخلائق يتأخرون عنهم في القضاء بينهم، وهذه الأمة هي التي تقدم على غيرها، وإذا قضي بينها فإنها تذهب إلى مكانها من الجنة أو النار، فتتقدم على غيرها، وتسبق غيرها إلى الجنة، من كان من أهل الجنة يسبق غيره من أهل الجنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قوله: [واصل بن عبد الأعلى].هو واصل بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي، ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن فضيل].
هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، وتكلم فيه من أجل التشيع، لكن جاء عنه عبارة ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح تدل على سلامته من البلاء الذي وقع فيه من وقع من الشيعة أو المتشيعين، وتلك العبارة هي قوله: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. معلوم أن الشيعة لا يترحمون على عثمان، والرافضة لا يترحمون على عثمان، وإنما يسبونه، ويشتمونه، ويصفونه بالظلم، ويصفون بخلافته وخلافة أبي بكر، وعمر بأنها جائرة، وأنها اغتصاب، فكون محمد بن فضيل الذي وصف بالتشيع، ورمي بالتشيع، وقدح فيه من أجل التشيع، كونه يقول هذه الجملة، ويقول هذه العبارة في حق عثمان، هذا يدل على سلامته، وعلى أنه على طريقة أهل السنة، وعلى منهج أهل السنة، فيقول: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. يدعو لـعثمان ويدعو على من لا يدعو لـعثمان، فهذا يدل على سلامته مما أضيف إليه ومما رمي به.
وممن رمي بالتشيع أيضاً الفضل بن دكين أبو نعيم شيخ البخاري؛ فإن الحافظ ابن حجر أيضاً نقل في ترجمته في مقدمة الفتح أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. ومن المعلوم أن سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عند الرافضة، مثل شرب الماء عندهم في السهولة، يسبونه ولا يترددون في سبه، ولهذا يعتبره بعض العلماء أنه هو المدخل إلى الصحابة، فالذي يسبه أو يجرؤ على سبه يجرؤ على سب الصحابة، وعلى سب غيره من الصحابة، فهو يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية.
الزيدية الذين هم أقل من الرافضة، وهم كلهم من أهل البدع، يتكلمون في معاوية، ويسبونه، ولا يسبون أبا بكر وعمر، لكن يسبون معاوية، وسب معاوية يكاد أن يكون قدر مشترك بين الذين حرموا أن يكونوا من أهل السنة، كل من لم يكون من أهل السنة ممن ابتلي بهذه المذاهب الخبيثة، سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عندهم، يكاد يكون قدراً مشتركاً بينهم، يقول به أدناهم وأبعدهم، من يكون أسهل ومن يكون أشد، كلهم يلتقون عند سب معاوية، ولهذا يقول الفضل بن دكين رحمة الله عليه: ما كتبت علي الحفظة، أي: الملائكة الذين يكتبون أقوال الإنسان، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )[ق:18]، يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية، وهذا يدل على سلامته مما رمي به ومما أضيف إليه، وهو من شيوخ البخاري، بل من كبار شيوخ البخاري.

[عن أبي مالك الأشجعي].
هو سعد بن طارق الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي حازم].
هو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] رضي الله عنه.
وقد تقدم.
ثم قال: وعن ربعي بن حراش، يعني: أن هذا إسناد آخر معطوف على الذي قبله، لأن الذي قبله.. الذي يروي عن أبي حازم أبو مالك الأشجعي، فأبا مالك الأشجعي يروي من طريقين: من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، والطريق الآخر من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، هذا طريق آخر، لكنه ما جاء بلفظ التحويل مثل الذي قبله، وهو مثله، يعني: اثنان تحويل أو التقاء إنما هو في أعلى الإسناد وليس في أوله، أي: ليس التحويل يرجع إلى أول الإسناد، وإنما إلى أعلى الإسناد أو قريب من أعلى الإسناد، وعن ربعي، يعني: أن أبا مالك الأشجعي كما أنه يروي هذا الحديث عن أبي حازم عن أبي هريرة، فهو أيضاً يرويه عن ربعي بن حراش عن حذيفة، وربعي بن حراش ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا المعافى عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جمعة بجواثى بالبحرين قرية لعبد القيس].أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في مسجد جواثى في البحرين في قرية لعبد القيس]، يعني: هذا الحديث ذكر في بعض النسخ نسخ النسائي وفي بعضها لم يذكر، وهو موجود في السنن الكبرى، وفيه: [أن أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة].
وقد اختلف العلماء في فرض الجمعة متى كان؟ هل كان في مكة أم كان في المدينة؟ فمنهم من قال: أنه في مكة، ومنهم من قال: أنه بالمدينة، وقال الحافظ ابن حجر: أنه مشهور أنه في المدينة، وهذا يدل على أنه بمكة، إن كان محفوظاً فهو واضح الدلالة على أنه بمكة. وعبد القيس، وهم ممن تقدم إسلامهم، وكانوا يسكنون البحرين، والبحرين هي جهة الأحساء وما حولها، يعني: في الاصطلاح المعروف سابقاً، وليس ما هو معروف في هذا الزمان، فإنها تشمل تلك الجهة كلها، يعني: كل ما كان قريباً من الساحل هناك يقال له: البحرين، الأحساء، وما حولها.
وقرية لبني عبد القيس، يعني: أول جمعة جمعت بعد تجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في تلك القرية التي اسمها جواثى، وهي اسم لقرية لبني عبد القيس، وبني عبد القيس هم من ربيعة أخو مضر بن نزار، وقد جاء في الصحيحين: مجيئهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإخبارهم بأن قولهم: بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتي إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونبلغه من وراءنا، فقال: (آمركم بالإيمان، أتردون ما الإيمان؟) ثم بين لهم تلك الأمور التي هي من الإيمان، ونهاهم عن أشياء، يعني تتعلق بآنية الخمر، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما، وهو مشهور بحديث وفد عبد القيس، فإسلامهم متقدم، وسبقهم إلى الإسلام متقدم، وتجميعهم، أو صلاتهم الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار].هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا المعافى].
هو ابن عمران الموصلي، وهو ثقة.
[عن إبراهيم بن طهمان].
ثقة، يغرب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن زياد الجمحي].
ثقة، ثبت، ربما أرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة

رواية البخاري عن الفضل بن دكين ومحمد بن الفضل مباشرة وأحدهما بواسطة
السؤال: فضيلة الشيخ، ذكرتم من شيوخ البخاري الفضل بن دكين، وذكرت أنه من أكبر شيوخ البخاري، تقصدون الفضل بن دكين أم ابن فضيل أيضاً؟الجواب: الفضل بن دكين، هذا ابن فضيل ما أدركه البخاري، كلامنا في الشخص الثاني الذي هو: الفضل بن دكين، أما محمد بن فضيل، أنا ذكرت الثاني من أجل التشابه في الكلمتين الجميلتين التي تدل على البراءة من الرمي بالبدعة، لكن الذي هو من شيوخ البخاري هو: أبو نعيم الفضل بن دكين، وأما محمد بن فضيل فهذا ما أدركه البخاري، يعني: البخاري يروي عنه بواسطة، وهو الذي يروي عنه البخاري حديث آخر في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقليتان في الميزان) فإنه يرويه عنه عن محمد بن فضيل بواسطة أحمد بن إشكاب؛ لأن شيخ أحمد بن إشكاب يروي عن محمد بن الفضيل هذا، فـالبخاري يروي عنه بواسطة، وأما الفضل بن دكين أبو نعيم فهو من شيوخه الكبار.
حكم قص الحواجب إذا طالت وليس فيها ضرر
السؤال: ما حكم قص الحواجب إذا طالت وأصبحت ملفتة للنظر؟الجواب: الحواجب لا يتعرض لها الإنسان في شيء، يتركها ولا يتعرض لحاجبه. لكن إذا كان الهدب نزل على العين ويترتب عليها مضرة، يزال الضرر.
كيفية معرفة اللقب إذ جاء بلفظ الكنية
السؤال: فضيلة الشيخ، عرفنا أن اللقب قد يأتي بلفظ الكنية، فكيف يعرف ذلك؟الجواب: يعرف ذلك بالتنصيص عليه؛ لأنهم ذكروا أن هذا كنيته أبو عبد الرحمن وقالوا: يعرف بـأبي الزناد، يعني: أنه لقب له وليس كنية، لأن التكنية بالكبير من الأولاد، وقد يكنى الإنسان وهو ليس له ولد، لكن قد يكون مشهوراً بلقب على صيغة الكنية كهذا.
مدى قبول الحديث الغريب
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يقبل الحديث الغريب الحسن؟الجواب: نعم، هو قد يجتمع في الحديث أن يكون صحيحاً، وأن يكون غريباً، والصحيح فيه غرائب، صحيح البخاري، ومن غرائب الصحيح التي جاءت بإسناد واحد أول حديث في البخاري، وآخر حديث البخاري، الفاتحة والخاتمة، أول حديث فيه، وآخر حديث فيه، هما حديثان غريبان، حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، يرويه عمر بن الخطاب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:15 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(258)

- باب التشديد في التخلف عن الجمعة
بيّن الشرع الحكيم خطورة من يترك صلاة الجمعة بلا عذر أو ضرورة، إذ إن من فعل ذلك فإن الله يطبع على قلبه، ومن طبع الله على قلبه فلا يكون في قلبه إلا الشر. التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)]. يقول النسائي رحمه الله: التشديد في التخلف عن الجمعة. والمقصود من هذه الترجمة بيان ما ورد من الوعيد، وما دلت عليه الأحاديث التي أوردها من خطورة شأن التخلف عن الجمعة، وأن ذلك خطير، وأنه يورث عقوبة كبيرة وعظيمة من الله عز وجل، ويترتب عليها أضرار لا حد لها. وأورد النسائي فيه حديث أبي الجعد الضمري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهذا واضح الدلالة على ما ترجم له؛ بأن هذا تشديد وتغليظ، وبيان خطورة هذا الفعل الخطير الذي هو التخلف عن الجمعة، ثم قال: [تهاوناً]، يعني: قلة مبالاة مع عدم الاهتمام، وإن كان مقراً بها، وإن كان لا يجحدها؛ لأن من تركها جحوداً، أو ترك صلاة واحدة جحوداً، فذلك ردة، وكفر واضح لا إشكال فيه؛ لأن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فقد كفر، فمن جحد الصلاة، وأنكرها فقد كفر، لكن من تركها تهاوناً، فهذا هو الذي فيه الخطورة. وترك الصلاة تهاوناً فيه خلاف بين العلماء في تكفير من حصل منه، أو عدم تكفيره، والحديث يدل على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، والطبع على القلب عقوبة شديدة؛ لأنه إذا طبع على قلبه لا يكون فيه مجالاً للخير، وإنما لا يحصل فيه إلا الشر. وهذا الحديث يدلنا على أن من خطورة السيئة أن يعاقب عليها بالطبع على القلب، والختم على القلب، فلا يكون فيه خير، ولا مجال فيه للخير، وإنما هو شر. ثم إن الذنب الذي يحصل من الإنسان سيء، ولكن من العقوبة عليه أن يترتب عليه ما هو أخطر منه؛ وهو الطبع على القلب الذي يكون لا مجال فيه للخير، ولهذا جاء في القرآن: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، فالزيغ هو: ميل عن الحق، وإعراض عن الحق، يترتب عليه الإزاغة، فيكون الأمر في ذلك أخطر، والأمر في ذلك أشد، زيغ يترتب عليه إزاغة عن الحق والهدى، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق، ويتقلب في الظلمات، ويحال بينه وبين الخير؛ لأنه طبع على قلبه، ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، وهذه من أعظم عقوبات الذنوب؛ أن يعاقب عليها بالختم على القلب. والله عز وجل يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))[النور:63]. وقد جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، أنه قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، (فقوله: لعله إذا رد بعض قوله)، يعني: بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك بسبب ذلك، فالذنب يورث ما هو أخطر من الذنب، وهو الطبع على القلب، والختم عليه، فلا يدخله خير، ولا مجال فيه إلا للشر والعياذ بالله، وقوله: أتدري ما الفتنة؟ هي التي في قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ))[النور:63]، يعني: العقوبة على مخالفة الأمر فتنة، فما هي الفتنة؟ قال: الفتنة الشرك، يعني: قد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من الذنب -الذي هو المعصية- وهو الشرك، قال: وذلك أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك بسبب ذلك؛ فإذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويقول الله عز وجل: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً))[الأحزاب:36]. فمن العقوبة على السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة أن يوفق لحسنة بعدها، الحسنة تجلب الحسنة، والسيئة تجلب السيئة، بل تجلب ما هو أخطر منها وأعظم منها والعياذ بالله. فالحاصل: أن الحديث دال على ما ترجم له المصنف من التشديد في التخلف عن الجمعة، وأن ذلك أمر خطير، وأنه أمر في غاية الخطورة؛ لأن هذا الذنب -الذي هو التخلف- يورث العقوبة عليه؛ بأن يطبع على قلب صاحبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي، محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فإن هؤلاء الثلاثة كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، فأصحاب الكتب الستة جميعاً رووا عن هؤلاء الثلاثة مباشرة، وبدون واسطة، فهؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو القطان، المحدث، الناقد، الثقة، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، يأتي ذكره كثيراً بأن يقال: ضعفه القطان، أو وثقه القطان، وقد ذكر الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقال: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما يصيبان في قولهما، وأنه يعول على كلامهما، ويعتمد على كلامهما؛ لأنهما يصيبان الهدف فيما يقولان، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عمرو].
هو ابن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة بن سفيان الحضرمي].
هو عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة بفتح العين، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الجعد الضمري].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن اسمه: أدرع، وقيل غير ذلك، وله هذا الحديث الواحد عند أصحاب السنن الأربعة، وليس له عند البخاري، ومسلم شيء، وعند أصحاب السنن الأربعة هذا الحديث الواحد؛ وهو الذي يتعلق بالتشديد في التخلف عن صلاة الجمعة، وبيان خطورة ذلك.
شرح حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد أنبأنا ابن وهب انبأنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)].هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى الحديث الذي قبله، فقوله: [من ترك ثلاث جمع من غير ضرورة طبع الله على قلبه]، وقوله هنا: [من غير ضرورة]، يعني: يبين عدم التهاون الذي ذكر في الحديث الذي قبله؛ لأن هناك تركها تهاوناً، وهنا تركها من غير ضرورة، يعني: أنه تركها تهاوناً؛ لأن هذا يفيد أنه إذا كان هناك ضرورة فإنه معذور، فيعتبر من أهل الأعذار، فيما إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، أما إذا كان من غير ضرورة، وإنما دفعه عليه التهاون، وعدم الاهتمام، وقلة المبالاة، فإنه يعاقب بهذه العقوبة العظيمة؛ وهي الطبع على قلبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه) قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أنبأنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أسيد بن أبي أسيد].
هو أسيد بن أبي أسيد البراد المديني، صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري وأبوه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو ابن صحابي، عبد الله بن أبي قتادة، فأبوه صحابي، وهو تابعي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المكثرين، والذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر هو واحد منهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا الحديث ذكر في بعض النسخ أو في هوامشها، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، ودال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من جهة بيان خطورة التخلف عن صلاة الجمعة.
شرح حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا حبان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن زيد عن أبي سلام عن الحكم بن ميناء: أنه سمع ابن عباس وابن عمر يحدثان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على المنبر: [لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا فيه: بيان خطورة التخلف عن الجمعة، وأنه يورث الختم على القلب، وهذا دال على ما دل عليه الذي قبله؛ لأن هناك (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهنا [أن من لم ينته عن ترك الجمعات، ليختمن الله تعالى على قلبه، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا يدلنا على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن أمره خطير، وأنه يورث أن يختم على قلبه، والختم على القلب هو الطبع على القلب، وهو من جنس الذي قبله.
ثم ينتج عن ذلك الطبع أن يكون من الغافلين عن الله عز وجل، وعن طاعته، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق والهدى، فيتخبط في الظلمات، ولا يكون له نصيب من النور الذي تكون به الحياة.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:17 AM

تراجم رجال إسناد حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].هو البصري البحراني، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حبان].
هو ابن هلال، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحبان بفتح الحاء وفيه حِبان، يعني: هنا ذكره حبان وغير منسوب وهو حبان بن هلال، وفيه حبان بن موسى، ومثل هذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في اللفظ ويختلفان في النطق، فالحروف واحدة ولكن النطق مختلف، هذا بفتح الحاء وهذا بكسر الحاء، فيقال له: المؤتلف والمختلف، يعني: مؤتلف خطاً مختلف نطقاً؛ لأن الخط واحد، والفرق التمييز بين اللفظين بالشكل، فهذا من أنواع علوم الحديث يسمى: المؤتلف والمختلف، وهو ما يتفق الاسمان فيه خطاً، ويختلفان نطقاً، فـحبان هو بفتح الحاء وليس بكسرها.
ثم إن ذكر الاسم بدون النسب يسمى في أنواع علوم الحديث المهمل؛ وهو كونه يسمى ولا ينسب فيقال له: المهمل، بخلاف المبهم فهو الذي لا يسمى، ولكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو امرأة، أو شخص، أو إنسان، أو رجل آخر، أو ما إلى ذلك، فهذا يقال له: المبهم، وأما إذا ذكر اسمه ولم ينسب فإنه يقال له: المهمل.
[حدثنا أبان].
هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. وأبان بن يزيد العطار هو من رجال البخاري، وتكلم فيه، ولكن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته أن الإسناد إلى الذي تكلم فيه غير ثابت، فالإسناد إلى المتكلم فيه غير ثابت، وهذا يوضح لنا ويبين لنا أن العلماء اعتنوا بالأسانيد إلى الرجال، وأن كلام الرجال يروى بالأسانيد، وأنه قد يضاف إلى الرجل شيء وهو غير ثابت، وقد يضاف إلى الرجل الذي تكلم في الرجل كلام ولا يكون ثابتاً؛ لأن في الإسناد إليه من لا يعتد بحديثه، فكما أنه لا يعتد بالرجل الذي لا يحتج به إذا روى حديثاً، فكذلك لا يحتج بكلامه إذا روى خبراً عن شخص، أو أخبر عن شخص بخبر ما، بأن قال عن فلان أنه كذا وكذا، وفي الإسناد من هو ضعيف لا يعول على كلامه، فيكون ذلك الكلام الذي قيل في الشخص، والذي قدح في الشخص من أجله، لا يعتبر ثابتاً؛ لأنه ما جاء عن ثقة، وما رواه ثقة.
وهذا من عناية العلماء في الأسانيد، والرجال، والمتون، وأنه حتى كلام الرجال إذا قال فلان ثقة، أو قال فلان ضعيف يروونه بالإسناد؛ حدثني فلان، قال: حدثني فلان، أن فلان قال: فلان ثقة، أو أن فلان قال: فلان ضعيف أو أن فلان قال: فلان فيه كذا وكذا، وكثيراً ما يأتي عند الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد الكلام في الرجال يأتي بالأسانيد؛ لأنه مسند -وهو الكتاب الواسع الكبير- ذكر الأسانيد إلى الرجال في كلامهم عن الرجال؛ في توثيقهم، وتجريحهم، وما إلى ذلك.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، واليمامي نسبة إلى اليمامة، وهو صاحب الكلمة العظيمة التي رواها مسلم عنه بإسناده؛ قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان أن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فإسنادها إليه فقال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، ومعنى هذا: أن من أراد العلم فليتعب، ولينصب، وليبذل في سبيل حصوله النفس، والنفيس، ويحرص على شغل وقته به ليحصل منه ما يفيده، ويفيد غيره، وما ينفعه، وينفع غيره، فهذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير؛ لأنها كلمة عظيمة، كلمة لها وزنها ولها أهميتها، ولها دلالتها، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، وعلى أن تحصيله لا يتم إلا بالعناء، والنصب، والمشقة، ويقولون في المثل: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، أي: ملء الراحة الذي هو راحة اليد -وهو كناية عن الشيء القليل- لا يدرك بالراحة، ولكن الأشياء تحصل بالتعب، والنصب، والمشقة. وقد قيل: (من جد وجد ومن زرع حصد)، (ومن سار على الدرب وصل).
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد
ويقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
أي: لو أن السيادة تحصل بلا شيء أصبح الناس كلهم سادة؛ لأن السؤدد ما دام أنه يحصل بدون مقابل، وبدون تعب، وبدون نصب، ليس هناك فرق بين أحد وأحد، لكن لما كان السؤدد لا يحصل إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ما كل يحصل السؤدد.. لكن ما كل يصبر على المشقة، وما كل يصبر على التعب، والنصب، فما يصبر على الشيء الذي يوصله إلى ما فيه الخير، وإلى ما يعود عليه بالخير.
والحاصل أن هذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير رحمة الله عليه، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، والعناية بالعلم، والاهتمام بالعلم، وأن الإنسان يشغل وقته فيه ليحصل شيئاً ينفعه، وينفع غيره.
[عن الحضرمي بن لاحق].
هو التميمي، لا بأس به، أخرج له أبو داود، والنسائي، وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق؛ لأنها في درجتها وفي معناها، وبعض العلماء عنده اصطلاح خاص في كلمة: (لا بأس به)، وهي أنه يطلقها على الثقة، وهو يحيى بن معين، فلا بأس به عند يحيى بن معين توثيق، فهي تعادل ثقة، فإذا قال في الشخص الذي هو في القمة، وفي الشخص الذي هو مشهور بالعدالة، والحفظ، والإتقان: (لا بأس به) فالمراد به أنه ثقة، فهو اصطلاح خاص به، لكن لا بأس به المشهور عند المحدثين، وعند العلماء أنها تقال عن الثقة، وأنه بمنزلة صدوق، وهو الذي يعتبر حديثه حسناً، لأنه قل ضبطه وخف عن درجة الثقة فيقال له: صدوق، ويقال: لا بأس به، أو ليس به بأس، وحديثه يعتبر من قبيل الحديث الحسن.
ثم أيضاً هذا من الأسماء التي هي على صيغة النسب؛ يعني: أحياناً تأتي الأسماء على صيغة النسب، فالحضرمي نسب ينسب به الشخص إلى حضرموت فيقال له: حضرمي، لكن هذا اسمه الحضرمي، ليست نسبة وإنما هذا اسمه، فأحياناً تأتي الاسم على صيغة النسب، مثل الحضرمي، ومثل المكي بن إبراهيم من كبار شيوخ البخاري، فاسمه على صيغة النسب، وعلى وزن النسب وعلى صفة النسب، أي: ليس نسبة إلى مكة، فهذا الذي اسمه مكي، ليس نسباً، وإنما النسب يأتي في الآخر فلان بن فلان المكي، وأما هذا اسمه مكي بن إبراهيم، وهذا اسمه الحضرمي بن لاحق، فاسمه الحضرمي بن لاحق اسم على لفظ النسب.
[عن زيد].
هو زيد بن سلام بن أبي سلام، وجده أبو سلام اسمه ممطور، ثقة يرسل، حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جده أبي سلام].
أبو سلام ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحكم].
هو الحكم بن ميناء، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود.
[أن ابن عباس وابن عمر].
هما عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومثله عبد الله بن عمر؛ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادة الأربعة هم من صغار الصحابة؛ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -وهما في هذا الإسناد- وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهذا الإسناد من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تسعة أشخاص، أي: ليس عند النسائي أطول منه إلا العشاري الذي مر في فضل سورة: قل هو الله أحد، فقال: إن هذا أطول إسناد، وهذا الإسناد قريب منه؛ لأنه تساعي؛ لأن الإسناد محمد بن معمر يروي عن حبان بن هلال، وحبان بن هلال يروي عن أبان بن يزيد العطار، وأبان بن يزيد العطار يروي عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن أبي كثير يروي عن الحضرمي بن لاحق، والحضرمي بن لاحق يروي عن زيد بن سلام بن أبي سلام، وزيد بن أبي سلام يروي عن جده أبي سلام، وأبو سلام يروي عن الحكم بن ميناء، والحكم بن ميناء يروي عن شخصين، والشخصان هؤلاء يعتبرون في درجة واحدة، ما يقال: إنه عشاري؛ لأن ابن عمر، وابن عباس في رتبة واحدة وفي درجة واحدة، والحديث عنهما جميعاً، فهو يعتبر حديثين؛ لأن الحديث هو باعتبار الصحابي، فيعتبرون الحديث حديثاً باعتبار الصحابي، ولهذا هو يعتبر حديثين؛ لأنه من مسند عبد الله بن عباس، ومن مسند عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذاً: فهو تساعي باعتبار الرواية، فلان عن فلان عن فلان، والحكم بن ميناء يروي عن اثنين في طبقة واحدة، وفي درجة واحدة، فيقال له: تساعي، وليس عشارياً، وكما قلت: هذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وقد سبق أن مر بنا مراراً وتكراراً أن أعلى الأسانيد عنده الرباعيات، وأطولها العشاري.
الأسئلة
بيان قول القائل: (من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كفر)
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو توضيح هذه العبارة: (من ترك معلوماً من الدين بالضرورة كفر) مع التمثيل؟الجواب: أولاً ليس من ترك، الصحيح من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، يعني: مثل كون الإنسان ينكر كون الخمر حراماً، ويقول: لا، الخمر حلال، فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه. أو ينكر مثلاً الزكاة، ويقول: الزكاة ليست واجبة، وهي معلومة من الدين بالضرورة أنها واجبة، وأنها ركن من أركان الإسلام، فهذا هو معنى قوله: (من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، فإنه يكون كافراً).
لكن الترك قد يترك ولا يكون كافراً، قد لا يخرج الزكاة ولا يكون كافراً ما دام أنه لم يجحد، ولم ينكر، فإذا كان الإنسان لا يخرج الزكاة بخلاً وتكاسلاً، فلا يقال: إنه كافر، بل تؤخذ منه قهراً، ولا يحكم بكفره، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث أنه قال: (ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة صفحت له صفائح من نار -ثم قال-: حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، والكافر لا يرى سبيله إلى الجنة، وليس له سبيل إلى الجنة؛ لأن من حكم بكفره فلا سبيل له إلى الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في حقه: (حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، فالذي يقال فيه: (إما إلى الجنة، وإما إلى النار) ما يقال: إنه كافر، لكن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، كوجوبه أو تحريمه فإنه يكون كافراً.
حكم الثمار التي تسقى بماء المجاري
السؤال: فضيلة الشيخ! لقد قمت بشراء ثمار مزرعة في منطقة الخليلي، وهذه المزرعة تسقى من مياه المجاري أكرمكم الله، فهل يؤثر ذلك على الثمار؟ وما حكم الأكل منها؟الجواب: لا يؤثر؛ لأن قضية كونه يشرب من ماء غير نظيف لا يؤثر على الثمرة، لكن كما هو معلوم النفوس تعافه، وإلا فإنه لا يكون حراماً.
مدى اعتبار الشخص عماً من الرضاعة إذا رضع من الجدة
السؤال: فضيلة الشيخ! أرضعت جدتي لوالدي طفلاً بعد وصولها سن اليأس، فهل يكون هذا الرجل عماً لي باعتباره أخو أبي من الرضاعة؟الجواب: على كل لم يكن هناك ولادة؛ يعني: بالرضاع ينتشر الحرمة، فإذا درت المرأة وهي غير ذات لبن، وليست عن ولادة، فإنه يحصل التحريم بذلك إذا رضع الرضعات المحرمة؛ وهي خمس رضعات فأكثر.
حكم خروج المرأة أثناء عدتها لقضاء الحاجات الضرورية
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة مات عنها زوجها وهي ما زالت في عدتها، فهل لها أن تخرج إذا اضطرت إلى ذلك، كأن تذهب إلى المدرسة لإجراء الاختبارات؟الجواب: نعم لها ذلك، فمثل هذه الأمور الضرورية لها أن تخرج إليها.
القول بعدم تكفير الرافضة المتوسلية بآل البيت إلا بعد مماتهم
السؤال: ما حكم الإسلام في الرافضة الذين يتوسلون بآل البيت، ويطلبون منهم قضاء الحوائج، فقد قال لي شخص طالب علم: إنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا ماتوا على ذلك؟الجواب: هو لا شك أن العبرة بالنهاية؛ لأن الإنسان قد يكون على حالة طيبة ثم يختم له بحالة سيئة والعياذ بالله، وقد يكون العكس؛ على حالة سيئة ثم يختم له بحالة طيبة؛ والناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام، يعني: من الناس من تكون بدايته طيبة ونهايته طيبة، يعني: ينشأ على خير.
ويستمر على خير، فيموت على خير، ومن الناس من يكون بخلاف ذلك؛ ينشأ على شر، ويعيش على شر، فيموت على شر.
ومن الناس من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، وهذا مثل السحرة الذين قتلهم فرعون، يعني: كان عمرهم كله وهم في السحر والكفر، ثم من الله عليهم بالإسلام في آخر العمر، وقتلوا وماتوا على خير، وعلى العكس من ذلك؛ من يكون عاش على خير وعلى هدى، ثم أدركه الخذلان فارتد عن دين الإسلام، ومات على الردة، فهذه هي أحوال الناس بالنسبة للبدايات والنهايات.
والعبرة هو بما يموت عليه الإنسان، ولهذا كان من طريقة ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: أنه إذا ذكر شخصاً عنده شيء يقتضي كفره، أو كلاماً يكون في شخص كافر معروف كفره ومعلوم كفره، فإنه إذا لعنه يقيد ذلك بالنهاية والموت على ذلك.
وأذكر مثالين في البداية والنهاية: أحدهما: أن نصرانياً أنشأ قصيدة طويلة يذم فيها الإسلام، ونبي الإسلام، وأهل الإسلام، وقد أوردها ابن كثير في البداية والنهاية، وأورد قصيدة لـابن حزم أطول منها رداً على النصراني في هذه القصيدة التي يتكلم فيها في الإسلام يذم هذا النصراني ويرد عليه بقصيدة طويلة، فلما ذكر ابن كثير قصيدة النصراني قال: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً. فأتى بهذا القيد؛ لأنه قد يكون على كفر، ولكن يختم له بخير، هذا المثال الأول.
المثال الثاني: لما جاء في ترجمة أبي نصر الفارابي في البداية والنهاية، قال: مما جاء عنه أنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول: بمعاد الأرواح، أي: الأرواح تعاد والأجساد لا تعاد، فعقب عليها بقوله: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين.


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:21 AM

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(259)

- (تابع باب التشديد في التخلف عن الجمعة) إلى (باب إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة)

تجب صلاة الجمعة على المكلف إذا بلغ، وكفارة من ترك الجمعة بدون عذر التصدق بدينار أو بنصفه، وللجمعة فضائل وأعمال لا سيما الإكثار من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فيها.
تابع التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا الوليد بن مسلم حدثني المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)].
هذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، أورده النسائي في التشديد في التخلف عن الجمعة، وقد مر بعض الأحاديث المتعلقة بالتشديد في التخلف عن الجمعة، وهي واضحة في الترجمة من جهة أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، وقوله: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وكلها واضحة الدلالة على الترجمة؛ لأن في ذلك تشديداً وفي ذلك ترهيباً، وبياناً لخطورة التخلف عن الجمعة.
وهنا أورد النسائي هذا الحديث؛ وهو: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، ومعنى ذلك أن الذهاب إلى الجمعة لازم متحتم على كل محتلم، فإذا أخل في ذلك، وتخلف عن الإتيان بهذا الواجب المتحتم فإنه يأثم، ويعرض نفسه لسخط الله ومقته، ففيه وجه لما ترجم له المصنف، لكن الأحاديث السابقة هي التي أوضح في التشديد، أو أوضح في الترجمة؛ لأن فيها بيان خطورة التخلف، وأنه يترتب عليها الختم على القلب، أو الطبع على القلب.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، المراد بالمحتلم: البالغ الذي بلغ الحلم، وهو التكليف وصار مكلفاً، ومن المعلوم أن الإنسان قد يبلغ الحلم قبل سن الخامسة عشرة، وذلك بأن يحصل له الاحتلام والإنزال، فيكون ذلك دلالة على وصوله سن البلوغ.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، يدل على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة، ومن المعلوم أن الجمعة والجماعة هي من خصائص الرجال من حيث الوجوب، والنساء إذا حضرت الجمعة والجماعة فإن لها أن تحضر، وتؤدي فرضها بهذا الحضور الذي حضرته، لكن ليست الجمعة ولا الجماعة واجبة عليها، وإنما الوجوب واللزوم على كل محتلم، ومفهومه أن الصغير لا تجب عليه الجمعة، ولكنه يؤمر بها كغيرها من الصلوات الأخرى التي قال عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، فالوجوب شيء، والأمر بها لكون الإنسان يعتادها ويألفها، ويكون على علم ومعرفة بها قبل أن يصل إلى سن التكليف، هذا شيء آخر، والوجوب إنما هو لمن بلغ الحلم.
وإذا بلغ الإنسان أو أكمل خمسة عشر سنة فإنه يكون بالغاً، وإذا حصل له الاحتلام قبل ذلك فإنه يكون بالغاً، وكذلك إذا حصل الإنبات في الشعر الخشن حول القبل، فإنه يكون بذلك بالغاً. فهذه من علامات البلوغ وأمارات البلوغ التي يكون بها التكليف، ويكون بها الإنسان قد خرج من كونه غير مكلف إلى كونه مكلفاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا الوليد بن مسلم].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، يعني: مدلس تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني المفضل بن فضالة].
هو ابن عبيد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عياش بن عباس].
هو عياش بن عباس المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن بكير بن الأشج].
هو بكير بن عبد الله بن الأشج ينسب إلى جده، فهنا هو منسوب إلى جده وإلا فأبوه عبد الله، وهو أيضاً مصري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عن الجميع، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
[عن حفصة].
هي أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وبنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها، وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
كفارة من ترك الجمعة من غير عذر
شرح حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد بن هارون حدثنا همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار)].
هنا أورد النسائي باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر، والمقصود من هذه الترجمة أن من تركها بعذر فهو معذور ولا شيء عليه، والحديث الذي مر قبل هذا: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)، عام في كل مكلف، إلا أنه يخص منه من كان معذوراً في ترك الجمعة، وفي التخلف عن الجمعة، وهذه الترجمة فيها بيان كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.
وقد أورد فيه حديث سمرة بن جندب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فمن لم يجد فبنصف دينار]، فالكفارة التي دل عليها هذا الحديث هي دينار إن كان واجداً، وإن كان غير واجد للدينار فإنه يتصدق بنصف الدينار، لكن الحديث الذي فيه هذا الحكم وهو الكفارة بحق من ترك صلاة الجمعة متعمداً غير ثابت؛ لأن في إسناده قدامة بن وبرة، وهو مجهول، فهو غير ثابت.
ويضاف إلى الجهالة في الإسناد النكارة في المتن، وهو كونه ترك أمراً خطيراً، وأمراً عظيماً؛ التي هي الجمعة يكفيه أن يتصدق بدينار، أو بنصف دينار، ويكون ذلك كفارة له، فهذا فيه نكارة من حيث المعنى، بالإضافة إلى الضعف في الإسناد، وكون فيه رجلاً مجهولاً وهو قدامة بن وبرة، ففيه: النكارة في المتن، وأن الإنسان إذا أتى بالكفارة أنها تكفر ذلك العمل الخطير الذي تركه، وهو كونه ترك الجمعة من غير عذر، مثل هذا لا يكفره دينار، ولا غير دينار، فالمتن فيه نكارة، والسند فيه رجل مجهول، فالحديث غير ثابت.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا همام].
هو ابن يحيى بن دينار البصري، وهو ثقة، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قدامة بن وبرة].
مجهول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن سمرة بن جندب].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نصر بن علي أنبأنا نوح عن خالد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك الجمعة متعمداً فعليه دينار، فإن لم يجد فنصف دينار)، وفي موضع آخر ليس فيه: متعمداً].هنا أورد النسائي حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله أن من ترك صلاة الجمعة متعمداً فيتصدق بدينار، وإن لم يجد يتصدق بنصف دينار، والحديث من الأحاديث التي وجدت في هامش بعض النسخ، وقد رواه ابن ماجه في سننه بهذا الإسناد نفسه الذي هو إسناد النسائي، وذكر الشيخ الألباني أنه ضعيف، وذكر أن فيه انقطاعاً كما قال المنذري، ولعل الانقطاع المراد به رواية الحسن عن سمرة، فإن رواية الحسن عن سمرة اختلف فيها، هل سمع الحسن من سمرة، أو أنه حديثه عنه مرسل؟ وفيه ثلاثة أقوال لأهل العلم، منهم من قال: إنه لم يسمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع حديث العقيقة دون غيره، وهذا هو الذي ذكره النسائي كما سيأتي بعد بابين أو ثلاثة، فإنه قال: إن الحسن لم يسمع من سمرة بن جندب إلا حديث العقيقة، ففيه الانقطاع، وقد ذكر هذا الشيخ الألباني في التعليق على المشكاة، والحديث في سنن ابن ماجه بنفس الإسناد الذي عند النسائي هنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، يعني: اسمه واسم أبيه يوافق اسم جده وجد أبيه، يعني: اسمان مكرران، نصر بن علي بن نصر بن علي، فهو حفيد للذي قبله؛ لأن من الرواة الذين خرج لهم نصر بن علي الجهضمي وحفيده نصر بن علي، فهو نصر بن علي بن نصر بن علي اسمان مكرران، ومثله خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، يأتي أحياناً بعض الأسماء تكرر، يعني: اسم الرجل واسم أبيه مع اسم جده وجد أبيه؛ فيتفق اسم الراوي مع اسم جده، واسم أبيه مع اسم أبي جده، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا نوح].
هو نوح بن قيس البصري، وهو صدوق، رمي بالتشيع، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن خالد].
هو خالد بن قيس، وهو أخو نوح بن قيس فيروي عن خالد بن قيس، وهو صدوق يُغرب، وقد أخرج حديثه مسلم، والترمذي في الشمائل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ولا الترمذي في السنن، وإنما خرج له في كتاب الشمائل.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، المحدث، المشهور، محدث، فقيه، ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمرة بن جندب].
قد مر ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع


ابو الوليد المسلم 02-18-2026 12:24 AM

ذكر فضل يوم الجمعة
شرح حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر فضل يوم الجمعة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري حدثنا عبد الرحمن الأعرج: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل يوم الجمعة، وأورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها]، فالحديث دال على الترجمة؛ لأنه قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة]، وهذا يدل على فضله، وأنه أفضل الأيام، وهذا بالنسبة لأيام الأسبوع، وأما بالنسبة لأيام العام فأفضلها يوم عرفة، وصوم يوم عرفة لغير أهل عرفة هو آكد صيام التطوع، وأفضل صيام التطوع، وهو يكفر السنة الماضية والسنة الآتية، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا وافق يوم عرفة يوم جمعة تجتمع الفضيلتان؛ فضيلة يوم عرفة الذي هو أفضل الأيام، وفضيلة يوم الجمعة الذي هو أفضل أيام الأسبوع.
والنبي عليه الصلاة والسلام بين شيئاً من خصائصه، فقال: [فيه خلق آدم]، فإن أبا البشر آدم عليه الصلاة والسلام خلق يوم الجمعة، ودخوله في الجنة كان يوم الجمعة، وإخراجه منها كان يوم الجمعة، وقيام الساعة يكون يوم الجمعة، ففيه: بداية خلق الإنسان، ونهاية الإنسان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة كما جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخصائص الجمعة كثيرة ذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد في أوله، وقد أوصلها إلى ما يزيد على أربعين خصيصة وفضيلة، وهي كلها تتعلق في هذا اليوم، وقد أُلف فيه بعض الكتب الخاصة بفضائل يوم الجمعة، والحديث دال على فضل الجمعة؛ لأنه قال: [إنه خير يوم طلعت عليه الشمس]، ومما يجري فيه أن خلق أبي البشر كان فيه، ونهاية وجود البشر في هذه الحياة الدنيا إنما يتم يوم الجمعة وينتهي يوم الجمعة، فالساعة تقوم يوم الجمعة، فلا تقوم في أيام الأسبوع الأخرى، ولكن في أي شهر؟ وفي أي عام؟ لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن الساعة، إما أن يجيب بعدم علمه بها، أو يجيب بأمارة من أماراتها، أو شيء من العلامات التي تكون قبلها، أو يصرف النظر إلى ما هو أهم من ذلك كما في الرجل الذي سأله قال: (متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب)، وإنما الذي جاء في يوم الجمعة أنها فيه تقوم الساعة، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق.
ولهذا كان من الأمور المشروعة في يوم الجمعة أنه يقرأ: ألم السجدة، وهل أتى على الإنسان في صبيحتها، وفي فجر يومها؛ وذلك لأنها مشتملة على بدء الخلق ونهاية الخلق، ففي ذلك تذكير بالمبدأ، والمعاد؛ لأن هذا اليوم كانت فيه بداية خلق البشر، وفيه نهاية البشر، فقراءة الإنسان لهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، فيه استذكار لما حصل في يوم الجمعة، ولما يحصل في يوم الجمعة في المستقبل، لما حصل في الماضي في يوم الجمعة من خلق آدم أبي البشر، ولما يحصل في المستقبل من قيام الساعة في يوم الجمعة، كما أخبر بذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قوله: [سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، ولقبه الشاه، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وهو يروي هنا عن عبد الله غير منسوب، والمراد به عبد الله بن المبارك المروزي، فكلما جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله مهمل غير منسوب، فالمراد به عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهما مروزيان.
وعبد الله بن المبارك المروزي ثقة، ثبت، حجة، إمام، مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب بعدما ذكر جملة من خصاله الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وبعض العلماء قال: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، يعني: أنه بلغ الغاية في التوثيق، يعني: ثقة قليلة في حقه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، فيلتقي نسبه مع نسب النبي عليه الصلاة والسلام بـكلاب الذي هو والد قصي.. الذي من سلالته النبي صلى الله عليه وسلم، وزهرة الذي منه الزهري، فينسب إليه يقال: الزهري، نسبة إلى جده زهرة بن كلاب.
وينسب أيضاً إلى جده شهاب الذي هو جد جده، الذي هو عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو إمام متفق على جلالته، وإمامته، وإتقانه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.
وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أمره بذلك عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته رحمة الله عليه.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج لقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، فأحياناً يذكر بلقبه فقط وهو الأعرج، وأحياناً باسمه ونسبته عبد الرحمن بن هرمز، وأحياناً يجمع بين اسمه ولقبه فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة
شرح حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي: يقولون: قد بليت، قال: إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام شرعت في مواضع؛ منها يوم الجمعة، وليلة الجمعة، ومنها بعد الأذان، ومنها عند دخول المسجد والخروج منه، وعند ذكره، فكلما يذكر صلى الله عليه وسلم يصلى ويسلم عليه، عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في بعض الأحاديث: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)، صلى الله عليه وسلم، فيصلى ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم دائماً وأبداً، ويكثر من الصلاة والسلام عليه، ولكن جاء في السنة في مواضع يصلي عليه فيها كما أشرت إلى بعضها.
فأورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وأورد فيها حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء].
ومحل الشاهد هنا قوله: (فأكثروا من الصلاة علي)، وهذا يدلنا على الأمر أو الحث على إكثار الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة، وليلة الجمعة، والحديث فيه ما في الذي قبله من جهة خيريته، إلا أن هنا قال: [من أفضل أيامكم]، والحديث الأول قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس)، وهو دال على فضل يوم الجمعة، ودال أيضاً على ما دل عليه الذي قبله من جهة أنه خلق فيه آدم، وفيه قبض، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، فكل ذلك حصل يوم الجمعة، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فالنفخة التي هي النفخ الذي يكون فيه البعث، وموت من كان على قيد الحياة في ذلك الزمان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة، وينفخ في الصور يوم الجمعة، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )[الزمر:68].
ففيه نفخة الموت التي هي نفخة الصعق، ونفخة البعث التي هي النفخة الثانية، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق، وهذه من الأمور التي تحصل في يوم الجمعة التي منها ما حصل، ومنها ما لم يحصل ولكنه سيحصل في المستقبل، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من الإيمان بالغيب؛ لأن الإخبار عن أمور ماضية، والإخبار عن أمور مستقبلة، كله من الإيمان بالغيب، والحديث دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً؛ لأن الحديث هذا فيه خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وهو قد مضى، وهو غيب لا نعلمه إلا عن طريق الوحي، وفي المستقبل فيه النفخة، وفيه الصعقة، وهذا أمر يحصل في المستقبل وهو غيب لا نعلمه إلا بالإخبار عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً، ففيه الاثنان.
ثم إن النبي عليه الصلاة السلام أرشد ورغب وحث على الصلاة عليه في يوم الجمعة، بل والإكثار من ذلك في يوم الجمعة وليلة الجمعة.
وقوله: [إن صلاتكم معروضة علي] يعني: أنه يبلغ إياها، وتصل إليه الصلاة والسلام، وذلك بواسطة الملائكة السياحين كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، فيصل إليه، ويبلغ الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، وكما جاءت بذلك الأحاديث.
وقوله هنا: [فإن صلاتكم معروضة علي] يفسره الحديثان الذين أشرت إليهما، وهو إبلاغ الملائكة إياه، حيث قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، والحديث الآخر: (ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
ولما قال: [فإن صلاتكم معروضة علي] وكانوا يعلمون أن الناس إذا قبروا أنهم يذهبون في التراب، وأنها تتلاشى أجسامهم، وتذهب في التراب، والله عز وجل قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعلم ما يذهب من أجسادهم من ذرات تختلط بالتراب، ونحن نعلم ذلك ونعيده؛ نعيد تلك الذرات التي راحت في التراب، ونستخرجها من التراب حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويبعث في الإنسان الذي كان في الدنيا، ليس جسداً جديداً يوجد لا وجود له في الدنيا، بل الجسد الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وتكون إعادته بأن ذراته التي راحت في التراب، الله تعالى يستخرجها ويعيدها حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويعود الإنسان على هيئته، فالجسم الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وهو الذي ينعم، ويعذب، وليس هو جسم جديد ينعم، ويعذب، وإنما الذي ينعم ويعذب هو الجسد الذي كان في الدنيا؛ لأنه هو الذي أحسن وأساء، وقد جاء ذلك مبيناً في القرآن: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[يس:65]، فما تشهد إلا التي كانت في الدنيا، لا يشهد جسد جديد يخلق، ويخرج من القبر مخلوقاً، لا وجود له في الدنيا، ولا يعرف شيئاً عن الدنيا، وإنما الجسد الذي يكون يوم القيامة، والذي يعاد بعثه، هو الجسد الذي كان في الدنيا، فيعاد ويثاب على إحسانه إن كان محسناً، ويعاقب على الإساءة إذا كان مسيئاً، ويصل الثواب والعقاب إلى من حصل منه الإساءة، وليس إلى جسد جديد.
قالوا: [وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟] فقد فهموا أن الإنسان إذا دفن أنه يتلاشى مع التراب، ويختلط بالتراب، ولكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن شأن الأنبياء يختلف عن الناس، قال: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، والله تعالى يقول مبيناً البعث وقدرته عليه، قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعيد ذلك.
وقصة الرجل الذي من بني إسرائيل الذي جاء في الحديث الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني في النار، واسحقوني ثم خذوا الرماد وذروه في الهواء، واجعلوا منه جزء في البحر، وجزء في البر، فإن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين، فالله عز وجل أمر البحر أن يخرج ما فيه، والبر أن يخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة إلى مكانها، وعاد نفس الجسد، وهذه كيفية البعث، فالجسد الذي في الدنيا هو الذي يبعث. وقصة إبراهيم حين قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ )[البقرة:260]؛ يأخذ أربعة من الطيور ثم يقطعهن قطعاً، ثم يخلطها مع بعض، ثم يجعل على كل جبل قطعة من هذه المجموعة، ثم الله عز وجل يأمرها بأن تخرج تلك القطع المتجمعة حتى ترجع الطيور على ما كانت على هيئتها، وعلى شكلها، وتلك القطع من اللحم التي خلطت، وجمع بعضها إلى بعض، وفرقت في أماكن متعددة، يأتي كل جزء منها حتى يركب في مكانه، ويستقر في مكانه الذي كان عليه قبل أن تذبح وتقطع، فهذه كيفية الخلق، وإعادة الخلق يوم القيامة؛ أن نفس الأجساد التي كانت في الدنيا هي التي تعاد.
وقوله: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، هذا يدل على أن أجساد الأنبياء في قبورهم كما كانوا، ولا يتأثرون، ولا تغيرهم البلاء وطول المكث، ولا يختلطون بالتراب.
وأما بالنسبة لغير الأنبياء، فإنه لم يأت نص يدل على بقاء أجسادهم بدون تأثر، وبدون تغير، والشهداء الذين أخبر الله عز وجل أنهم عند ربهم يرزقون، لا يجزم ببقاء أجسادهم على ما هي عليه دون أن تتأثر، ودون أن تتغير؛ لأنه لم يأت نص في ذلك، وهذه الأمور من أمور الغيب التي لا يتكلم فيها إلا بدليل، لكن قد وجد من بعض الشهداء بعد مدة على حاله التي دفن عليها لم يتغير، ولم يتأثر، وهو عبد الله بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فإنه استشهد يوم أحد، ودفن في أرض أحد، ثم إن الوادي قرب من قبره، فخشي أن يجترفه السيل، وأن يحمله من مكانه الذي هو فيه، فنبشه ابنه جابر رضي الله عنه، بعد ستة أشهر، ووجده كهيئته التي دفن عليها لم يتغير جسده، ولم تأكل الأرض شيئاً من جسده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا لا يدل على بقاء الشهداء دائماً وأبداً، وإنما يدل على أنه قد تبقى مدة كما حصل في قصة عبد الله بن حرام والد جابر، ولكن البقاء إلى يوم البعث والنشور لم يأت فيه نص يدل عليه، وإنما جاء النص في حق الأنبياء، فيثبت ما جاء في الدليل، ويسكت عما لم يأت به الدليل، والله تعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].هو الكوسج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[حدثنا حسين الجعفي].
هو حسين بن علي الجعفي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس].
هو صحابي سكن الشام، وقد أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة
حكم إسقاط المرأة للجنين إذا كان الحمل يتعبها
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة كشفت عن نفسها بالأشعة في مستشفى خاص، حيث أنها حامل في الشهر السادس، وقال لها الطبيب بأن الجنين بدون رأس، فذهبت إلى مستشفى حكومي فكشفت فقالوا لها مثل ذلك، فهل لها أن تسقط الجنين، علماً أنها متعبة جداً من الحمل؟الجواب: على كل أقول: الله تعالى أعلم، لكن ما دام أنه حي، والحياة موجودة فهي لا تسقطه وإنما تتركه، ويمكن أن كشفهم يكون خطأ.
التوفيق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يسترقون) وقوله: (تداووا عباد الله)
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف نوفق بين قوله: (لا يسترقون)، وبين قوله: (تداووا عباد الله)، وجزاكم الله خيراً؟الجواب: التداوي سائغ وجائز، وهو مباح وليس بلازم، لكن هناك بعض العلاجات التي منها الاسترقاء والاكتواء، والتي جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنه، في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فالاسترقاء جائز، وكذلك الكي، ولكن إذا تركه الإنسان توكلاً على الله عز وجل، فإنه يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لكن لا يعني هذا أن الإنسان يترك الدواء، ولا يستعمل الدواء، بل يستعمل الدواء، والرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى التداوي، وقال: (تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام).



الساعة الآن 02:15 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009