[1] وفي الصحيح أيضًا عنه أنَّه قال في خطبة الكسوف: "يا أمَّةَ محمَّد، ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يزنيَ عبدُه، أو تزنيَ أمَتُه". وفي الصحيح أيضًا عنه أنَّه قال: "لا أحدَ أغيرُ من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين. ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه".
فجمع في هذا الحديث بين الغيرةِ التي أصلُها كراهةُ القبائح وبغضُها، ومحبةِ العذرِ الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان. وأنَّه سبحانه مع شدَّة غيرته يحِبُّ أن يعتذر إليه عبدُه، ويقبل عذرَ من اعتذر إليه، وأنَّه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يَغار من ارتكابه حتى يُعذِرَ إليهم. ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا.
[2] وفيه تفسيران: أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنَّه يصنع ما شاء من القبائح؛ إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يزَعُه من القبائح، فإنَّه يواقعها. وهذا تفسير أبي عبيد. والثاني: أنَّ الفعلَ إذا لم تستح منه من الله فافعله، وإنما الذي ينبغي تركه ما يستحى منه من الله. وهذا تفسير الإِمام أحمد في رواية ابن هانئ.
فعلى الأول يكون تهديدًا؛ كقوله: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: 40]، وعلى الثاني يكون إذنًا وإباحةً.
والحياء مشتقٌّ من الحياة، والغيث يسمَّى "حيًا" بالقصر؛ لأنَّ به حياةَ الأرض والنبات والدوابِّ، وكذلك بالحياء حياةُ الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميِّتٌ في الدنيا شقيٌّ في الآخرة.
[3] فمنها: الأجر العظيم ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 146]. ومنها: الدفع عنهم شرورَ الدنيا والآخرة ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج: 38].
ومنها: استغفار حملة العرش لهم ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [غافر: 7].
ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذلُّ من والاه الله ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة: 257].
ومنها: أمر ملائكتَه بتثبيتهم ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الأنفال: 12].
ومنها: أنَّ لهم الدرجات عند ربهم، والمغفرة، والرزق الكريم ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: 4].
ومنها: العزة ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8].
ومنها: معية الله لأهل الإيمان ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 19].
ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].
ومنها: إعطاؤهم كِفْلَين من رحمته، وإعطاؤهم نورًا يمشون به، ومغفرةُ ذنوبهم ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28].
ومنها: الودُّ الذي يجعله سبحانه لهم، وهو أنَّه يحبُّهم ويحبِّبُهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96].
ومنها: أمانهم من الخوف يومَ يشتدُّ الخوف ﴿ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأنعام: 48].
ومنها: أنَّ القرآن إنَّما هو هدًى لهم وشفاء ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [فصلت: 44].
ومنها: أنهم المنعَم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهديَنا إلى صراطهم في كلِّ يوم وليلة سبعَ عشرةَ مرَّةً.
[4] وكل اثنين منها قرينان: فالهمُّ والحزنُ قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقَّعه أحدثَ الهمَّ، وإن كان من أمر ماضٍ قد وقع أحدثَ الحزَنَ. والعجز والكسل قرينان، فإنَّ تخلَّفَ العبد عن أسباب الخير والفلاح؛ إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل.
والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل.
وضلَع الدَّيْن وقهر الرجال قرينان، فإنَّ استعلاء الغير عليه؛ إن كان بحق فهو من ضلَع الدَّيْن، وإن كان بباطل فهو قَهْر الرجال.
شبكة الالوكة