١٢٤-وفي غير سبيل الله كم أُفسِد بالسماع من قلب، وكم سُلِب من نعمة، وكم جُلِب من نقمة، وكم رُكِب به من فرج حرام، وكم استُحِلَّ به من المحارم والآثام، وكم صَدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وكم قطع على السالكين طريق النجاة، وكم تهافتتْ به فَراشُ العقول والأحلام في الجحيم، وكم فاتها به من حظها من الله وجنات النعيم؟ تاللهِ ما نصبَ صياد بني آدم مثل هذا الشَّرَك لصيد النفوس، ولا أدار على الندامى بعد كؤوس الخمر مثل هذه الكؤوس، وما عَلِقَتْ حبائل هذا الشَّرك بقلبٍ إلا وعزَّ استنقاذُه على الناصحين، ولا أسرَ به من أسيرٍ إلَّا وتعذر فكاكُه على المخلصين.
بَرِئنا إلى الله من معشرٍ ... بهم مرضٌ من سماعِ الغنا
وكم قلتُ يا قومِ أنتم على ... شفا جُرُفٍ فاسْتَهانوا بنا
ولما استمرُّوا على غيِّهم ... رجعنا إلى الله في رُشْدنا
فعِشنا على ملة المصطفى ... وماتوا على تَاتِنا تَنْتَنا
الكلام على مسألة السماع ص٦٥-٦٥
١٢٥-فما اجتمع السماع والذكر والقرآن في موطن إلا وطردَ أحدهما الآخر، فلا يجتمعان إلا حربًا، لا يجتمعان سلمًا قط.
الكلام على مسألة السماع ص٦٧
١٢٦-ومعظم هذه اللذات التي يدعو إليها السماع لذة المنكح، وليست تمام لذته إلا في المتجددات، وإن كانت القديمات أجمل منهن، ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحلّ غالبًا، فيتقاضى السماع والطباعُ اجتلابَها من المحرمات.
الكلام على مسألة السماع ص٦٧
١٢٧-قال السلف الصالح : «الغناء رقية الزنا». وبين الغناء وشهوة الجماع ولذته أقربُ نسبٍ، من جهة أنَّ الغناء لذة الروح، والجماع أكبر لذات النفس، فيجتمع داعي اللذتين على طبع مستعد ونفس فارغة، فيجد الداعي القوي محلًّا فارغًا لا مدافع له، فيتمكن منه، كما قيل:
أتاني هواها قبلَ أن أعرِفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا فارغًا فتمكَّنا
الكلام على مسألة السماع ص٦٨
١٢٨-والعاقل العارف بالواقع يعلم أنَّ إفضاء هذا السماع إلى ما حرَّمه الله ورسوله إن لم يزد على إفضاء النظر فليس بدونه، بل كثيرًا ما يكون إفضاؤه فوق إفضاء الخمر، فإن سُكر الخمر إفاقةُ صاحبه سريعة وسُكر السماع لا يستفيق صاحبه إلا في عسكر الهالكين.
الكلام على مسألة السماع ص٧٠
١٢٩-فليتأمل اللبيب الفطن هذا الموضع حقَّ التأمل، وليدقِّق النظرَ في هذا الدوار الذي اختطف من شاء الله من العالمين-يقصد السماع المحرم-وما نجا منه إلا فرد مميَّز عن كثرة الهالكين، والله المستعان وعليه التكلان.
الكلام على مسألة السماع ص٧٢
١٣٠-فإن الطباع تنفعل للسماع والصورة والخمر، وتَسْكَر النفوسُ بها أتمَّ سُكْرٍ، ولهذا قال الله سبحانه في اللوطية لما أخذهم العذاب: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فلعشاق الصور سكرة لا يستفيقون منها إلا في عسكر الهالكين، إلا من تداركه الله برحمته.
والسماع يُسكِر الروحَ كما تقدم، وتزيد لذته أحيانًا على لذة الخمر، ولهذا تُؤثِّر الألحان في الأطفال والبهائم ما لا يؤثر غيرها فيها.
الكلام على مسألة السماع ص٧٥
١٣١-ولمّا تقادم العهد، وطال الأمد، ودَرَستْ معالم الدين، وأخذ الناس بُنَيَّاتِ الطريق، وصار الناس إلا الأقلّ كما قال الله عزوجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، فاستند كل قوم غير حزب الله ورسوله إلى ظُلَم آرائهم، وحكَّموا على السنة مقالات شيوخهم وطرائقهم وأهوائهم، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وصار الغالب على هذا الخلق الهوى المطاع، والرأي المعجَب به، والتقليد الذي ليس مع مقلِّده برهان من الله ولا بصيرة به، إنْ معه إلا قولُه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
الكلام على مسألة السماع ص٧٧
١٣٢-ميّت الأحياء، كما قال عبد الله بن مسعود: أتدرون ما ميت الأحياء؟ قالوا: لا، قال: هو الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن! هلك مَن لم يأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر، فقال: هلك مَن لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر.
الكلام على مسألة السماع ص٧٧
١٣٣-والسلف الصالح كانوا يجدون الأذواق الصحيحة المتصلة بالله في الأعمال الصحيحة المشروعة، وفي قراءة كتاب الله وتدبره واستماعه، وفي مزاحمة العلماء بالركب، وفي الجهاد في سبيل الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحب في الله والبغض فيه، وتوابع ذلك.
فصار ذوق المتأخرين إلا من عصمه الله في اليراع والدفّ والمواصيل، والأغاني المطربة من الصور المستحسنة، والرقص والزعقات، وتعطيل ما يحبه الله ويرضاه من عبوديته المخالفة لهوى النفوس.
الكلام على مسألة السماع ص٧٩
١٣٤-فشتان بين ذوق الألحان وذوق القرآن، وبين ذوق العود والطنبور، وذوق المؤمنين والنور، وبين ذوق الزَّمْر وذوق الزُّمَر ، وبين ذوق الناي وذوق «اقتربت الساعة وانشق القمر»، وبين ذوق المواصيل والشبابات وذوق يس والصافات، وبين ذوق غناء الشعر وذوق سورة الشعراء، وبين ذوق السماع للمكاء والتصدية وذوق الأنبياء، وبين الذوق على سماع تُذكر فيه العيون السود والخصور والقدود، وذوق سماع سورة يونس وهود، وبين ذوق الواقفين في طاعة الشيطان على أقدامهم صَوافَّ، وذوق الواقفين في خدمة الرحمن في سورة الأنعام والأعراف، وبين ذوق الواجدين على طرب المثالث والمثاني، وذوق العارفين عند استماع القرآن العظيم والسبع المثاني، وبين ذوق أولي الأقدام الصافات في حضرة سماع الشيطان، وذوق أصحاب الأقدام الصافات بين يدي الرحمن.
الكلام على مسألة السماع ص٧٩-٨٠
١٣٥-سبحان الله! هكذا تنقسم الأذواق والمواجيد، ويتميز خلق المطرودين من خلق العبيد، وسبحان المُمِدِّ لهؤلاء وهؤلاء من عطائه، والمفاوت بينهم في الكرامة يوم القيامة. فوالله لا يجتمع محبة سماع الشيطان وكلام الرحمن في قلب رجل واحد أبدًا، كما لا تجتمع بنتُ عدو الله وبنت رسول الله عند رجل واحد أبدًا .
أنتَ القتيلُ بكل من أحببتَه ... فاخترْ لنفسك في الهوى من تَصطفِي
الكلام على مسألة السماع ص٨٠
١٣٦-وكان عثمان بن عفان يقول: لو طهرتْ قلوبنا لما شبعتْ من كلام الله. وإي والله! كيف تشبع من كلام محبوبهم وفيه نهاية مطلوبهم؟ وكيف تشبع من القرآن وإنما فُتِحت به لا بالغناء والألحان؟
إذا مرِضْنا تداوينَا بذكرِكُمُ ... فإن تركناه زادَ السُّقْم والمرضُ
وأصحاب الأطراب والألحان عن هذا كله بمعزلٍ، هم في واد والقوم في واد.
الكلام على مسألة السماع ص٨١
١٣٧-فإن الغفلة التي تنزل بالقلب هي القحط والجدب، فما دام في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة واقع عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفلَ ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلةُ واستحكمتْ صارتْ أرضُه ميتةً، وسَنَتُه جرداءَ يابسةً، وحريقُ الشهوات فيها من كل جانبٍ كالسمائم.
وإذا تدارك عليه غيث الرحمة اهتزَّتْ أرضه ورَبَتْ وأنبتت من كل زوج بهيج.
الكلام على مسألة السماع ص٨٧
١٣٨-ولله في كل جارحة من جوارح العبد عبوديةٌ تخصُّه، وطاعة مطلوبة منها، خُلِقت لأجلها وهُيِّئتْ لها. والناس بعد ذلك ثلاثة أقسام:
أحدها: مَن استعمل تلك الجوارح فيما خُلِقتْ له وأريدَ منها، فهذا هو الذي تاجرَ الله بأربح التجارة، وباع نفسَه لله بأربح البيع، والصلاة وضعت لاستعمال الجوارحِ جميعِها في العبودية تبعًا لقيام القلب بها.
الثاني: مَن استعملها فيما لم تُخلَق له، ولم يُخلَقْ لها، فهذا هو الذي خاب سعيه وخسرت تجارته، وفاته رِضَى ربِّه عنه وجزيلُ ثوابه، وحصل على سخطه وأليم عقابه.
الثالث: مَن عطّل جوارحَه وأماتَها بالبطالة، فهذا أيضًا خاسرٌ أعظم خسارة، فإن العبد خُلِق للعبادة والطاعة لا للبطالة، وأبغض الخلق إلى الله البطَّال الذي لا في شغل الدنيا ولا في سعي الآخرة، فهذا كَلٌّ على الدنيا والدين.
الكلام على مسألة السماع ص٨٩
١٣٩-ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقراءةً كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وركوعًا كقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وسجودًا كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وقوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وذكرًا كقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.
الكلام على مسألة السماع ص١٠٥
١٤٠-فنقول لكم: كلامكم هذا قد تضمن شيئين:
أحدهما: إباحة سماع الألحان والنغمات المستلذة بشرط أن لا يعتقد المستمع محظورًا، ولم يسمع على مذموم في الشرع، ولم يتبع فيه هواه.
والثاني: أن ما أوجب للمستمع الرغبةَ في الطاعات والاحترازَ من الذنوب، وتذكُّرَ وعدِ الحق، ووصولَ الأحوال الحسنة إلى قلبه، فهو مستحب.
فعلى هاتين المقدمتين بنى من قال باستحبابه، وربما أوجبه بعضكم أحيانًا بناء على هاتين المقدمتين، إذْ رأوا أنه لا يؤدَّى الواجب إلا به، وعليهما بنى من فضَّله على سماع القرآن من عدة وجوه، لأنهم رأوا أنَّ ما يحصل به أنفعُ مما يحصل بالقرآن. وهاتان المقدمتان كلاهما غلط، مشتمل على كلام مجمل، من جنس استدلالهم بما ظنوه من العموم في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وبما وعد الله به في الآخرة من السماع الحسن.
ووُلِدَ بين هاتين المقدمتين اللتين لُبِّسَ فيهما الحقُّ بالباطل أولادُ سفاحٍ لا نكاحٍ، وتولد منهما قولٌ لم يذهب إليه أحد من السلف الصالح البتة، وهو أن هذا السماع طاعة وقربةٌ تُقرِّب إلى الله، فإنه وإن نقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم أنه يُرخِّص في الغناء واستماعه، فلم يقل: إنه طاعة وقربة ومستحب في الشرع، بل كان فاعله يراه مكروهًا وتركه أفضل، أو يراه من الذنوب التي يُتاب منها، أو يراه مباحًا كالتوسع في لذات المطاعم والمشارب والملابس والمساكن، فأما رجاء الثواب بفعله والتقرب إلى الله به، فهذا لا يُحفظ عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها.
الكلام على مسألة السماع ص١٤٤
١٤١-يُحكى عن إياس بن معاوية أن رجلًا قال له: ما تقول في الماء؟ قال: حلال، قال: فالتمر؟ قال: حلال، قال: فالنبيذ ماء وتمر، فكيف تُحرِّمه؟ فقال له إياس: أرأيتَ لو ضربتُك بكفّ من تراب أكنتُ أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بكفّ من تِبْنٍ أكنتُ أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب، فجعلته طينًا وتركته حتى يَجِفّ، وضربتك به أكنتُ أقتلك؟ قال: نعم. قال: كذلك النبيذ.
الكلام على مسألة السماع ص١٥٤
١٤٢-ولا إله إلا الله! كم زلَّت في هذا الموضع أقدام، وضلَّت فيه أفهام، ونُسِبَ إلى محبة الرب تعالى أسخطُ شيء إليه وأكرهُه عنده، ولزم من ذلك أن نُسِبَ إلى كراهته أحبُّ شيء إليه وأرضاه له، ولا سبيل إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا بوزنه بميزان الوحي، ونقدِه على محكِّ الأمر، وعرضِه على حاكم الشرع، وتلقِّيه من مشكاة النبوة، ثم اعتباره بدار الضَّرْب، فإن كان نقشُ سِكَّتِه: «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رد»، فهو المحبوب المرضيُّ لله، الذي يقبله من عبده ويكرمه عليه، وإن كان عليه ضرب السكك المحدثة الصادرة عن الآراء والأفكار والرسوم والأوضاع، فهو الزَّيْف المردود.
فإذا وقع التحاكم إلى هذا الأصل تقرَّبَ كل واحد من المتنازعين من صاحبه، وإلا
رفيقُك قَيسيٌّ وأنتَ يَمانِي.
الكلام على مسألة السماع ص١٥٨
١٤٣-ولا ريب أنَّ السماع المحدَث من أعظم المحركات للهوى، ولهذا سمى بعض الأئمة المصنفين كتابه في إبطاله وذمه بـ«الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح».
ولهذا يأمر المشايخ المستقيمون منهم باتباع العلم، ويَعْنُون به الشريعة، كقول أبي يزيد البسطامي: عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئًا أشدَّ عليَّ من العلم ومتابعته.
الكلام على مسألة السماع ص١٦١
١٤٤-ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق.
قال يونس بن عبد الأعلى : قلت للشافعي: تدري ما قال صاحبنا؟ يريد الليث بن سعد، كان يقول: لو رأيته ــ يريد صاحب البدعة ــ يمشي على الماء، لا تَثِقْ به ولا تعبَأْ به ولا تكلِّمْه، قال: قصَّر واللهِ. يريد أنَّ حاله أقبحُ من ذلك.
الكلام على مسألة السماع ص١٦٣
١٤٥-وقال عبد الله بن مسعود: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
وقيل لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر! من السُّنِّيّ؟ قال: الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يغضب لشيء منها.
الكلام على مسألة السماع ص١٦٥
١٤٦-قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
قال ابن القيم-رحمه الله-:فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله تضمنتها هذه الآيات الثلاث:
-فالآية الأولى تضمنت متابعةَ الحبيب في أقواله وأفعاله وهَدْيه وسيرته.
-والآية الثانية تضمنت إفرادَ الرب تعالى بالمحبة وإخلاص الدين له، وأنْ لا يُحَبَّ معه سواه، وكل محبوب فإنما تَسُوغ محبته تبعًا لمحبة الله، فيحبه لله وفي الله، لا مع الله، فمحبة المشركين مع الله، ومحبة المخلصين لله وفي الله.
-والآية الثالثة تضمنت الجهادَ في سبيل الله لإعلاء كلماته وإعزاز دينه، وترك الالتفات إلى اللُّوَّام.
فهذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس، وبها يُوزَن أهل الانحراف وأهل الصراط المستقيم.
الكلام على مسألة السماع ص١٦٧-١٦٨
١٤٧-وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله ،واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام:
-منافق،
-ومخذِّل مفتِّر للهمة،
-ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة.
الكلام على مسألة السماع ص١٧٠
١٤٨-وهم يجدون-يقصد السماعاتية-في نفوسهم استثقال سماع القرآن وقراءته، لمَّا اعتاضوا عنه بضدِّه وندِّه، وإن ارتاحوا إلى سماعه فللقدر المشترك الذي يكون بينه وبين سماعهم من الأصوات المطربة والألحان، ولهذا يرتاحون لذلك الشعر الكفري والفسقي والزنائي.
والمقصود أن هذا السماع الشيطاني من أكبر الأسباب المضادّة لأصول أولياء الله المقربين الثلاثة: الإخلاص، والمتابعة، والجهاد.
الكلام على مسألة السماع ص١٧٣
١٤٩-وهاهنا نكتة ينبغي التفطُّن لها، وهي أنَّ الله سبحانه لما سبق في قضائه وقدره وعلمه السابق أنَّ الأمة لابدّ أن تختلف، ويكون فيها من يستحلُّ بعضَ ما حرَّمه بالتأويل، جعل للمختلفين سلفًا صالحًا خفي عليهم بعضُ ما جاء به رسوله فخالفوه متأولين، وهم مطيعون لله ورسوله، وإن أخطأوا حكمَه في بعض ما اختلفوا فيه للاشتباه والخفاء، كما يكون من خفيت عليه القبلة فصلى بالاجتهاد إلى غير جهتها مطيعًا لله ورسوله، فلولا اختلاف المتقدمين لهلك المتأخرون.
ومن كمالِ نعمته وتمامِ رحمته أن جعل في الأمة من يعرف ما خفي على الآخر من الصواب، وكذلك هذا أيضًا قد يخفى عليه الصواب في شيء آخر، ويعرفه ذلك. فمجموع الحق عند مجموع الأمة.
الكلام على مسألة السماع ص٢٠٦
١٥٠-ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مَجْمَعُ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنَّهم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: «هو من إحداث الزنادقة»، وقال أحمد: «بدعة».
الكلام على مسألة السماع ص٢٠٨-٢٠٩ ١٥١-وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص:
فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ
الكلام على مسألة السماع ص٢١١
١٥٢-وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحَه يحكي عن بعض الملوك، أنه قال لشيخ رآه قد عمل مثل هذا السماع، وأحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أحضره: يا شيخ! إن كان هذا طريقَ الجنة فأين طريق النار؟
الكلام على مسألة السماع ص٢١٩
١٥٣-فإن مَن يُعظِّم القيناتِ المغنيات والمغنّين ويجعل لهم نوعَ رئاسة وعزّ لأجل ما يستمتع به منهن من الغناء وغيره، فقد تعرض من غضب الله ومَقْتِه وسَلْبِ نِعَمِه عنه إلى أمر عظيم. وللّهِ كم زالت بهؤلاء نعمة عمَن أنعم الله عليه فما رعاها حقَّ رعايتها، وقد شاهد الناس من ذلك ما يطول وصفه، وما امتلأت دار من أصوات هؤلاء وألحانهم وأصوات معازفهم ورَهَجِهم، إلا وأعقب ذلك من حزن أهلها ونكبتهم وحلولِ المصائب بساحتهم ما لا يفي بذلك السرور من غير إبطاء، وسَلِ الوجودَ يُنبِئْك عن حوادثه، والعاقل مَن اعتبر بغيره.
الكلام على مسألة السماع ص٢٢٥
١٥٤-فإن محبة الصور تعظم حتى تصير أندادًا وطواغيتَ يتدين بها أهلها، ويُشْرَبُ في قلوبهم أعظمَ من حب الذين أُشرِبوا في قلوبهم العجلَ.
وكم بين محبة عجلٍ إلى محبة غزالٍ أغيدَ تَسبِيْ محاسنُه القلوبَ وتَأسِرُ العقول؟ فهؤلاء أُشرِبوا في قلوبهم الخِشْفَ، كما أُشرِبَ أولئك في قلوبهم العجلَ.
الكلام على مسألة السماع ص٢٤٢
١٥٥-ومن كان له جمال وحسنٌ فعفَّ عما حرم الله، وخالف هواه، وكسا جمالَه وحسنَه لباسَ التقوى الذي هو خير اللباس، كان من هذا الوجه أفضلَ ممن لم يُؤتَ مثلَ هذا الجمال، ولم يُمتحَن بهذه المحنة، ولهذا تجد وجهَ المطيع لله قد كُسِيَ من الجمال والحسن والملاحة ما لم يُكْسَه وجهُ العاصي، فإن كان جميلَ الوجه ازداد جمالًا إلى جماله الخلقي، وأُلقِيَتْ عليه من المحبة والجلالة والحلاوة ما لم يُلْقَ على غيره، وإن حُرِمَ جمالَ الوجه وحُسنَه أُلبِسَ من جمال الطاعة وبهجتها ونورها وحلاوتها أحسنَ مما فاته من الجمال الظاهر، وكلّما كبر وطعن في السن ازداد حسنًا وحلاوة وملاحة.
وأمّا جميل الوجه إذا لم يَصُنْ جمالَه وحسنه، وبذلَه وتبذَّلَ به، فإنه كلّما كبر وطعن في السنِّ ازداد وحشةً وظلمة وقبحًا، وكلّما ازداد من الفواحش والمعاصي ازداد حتى تَكْسِفَ ظلمةُ المعصية شمسَ حسنهِ، وتَخْسِفَ قمرَها، ويعلو قبحُها وسوادُها الجمالَ الصوري، فتراه على السِّنّ لا يزداد إلا قبحًا ووحشةً ونفرةً عنده .
المرجع السابق ص٢٤٤-٢٤٥
١٥٦-واسمع قول المتوسمين من هذه الأمة: قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : «ما أضْمَرَ رجلٌ شيئًا إلا أظهره الله على صفحات وجهه، وفَلَتاتِ لسانه».
ودخل عليه رجل فقال له عثمان: يدخل أحدكم والزنا في عينيه، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَحْيٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: لا ولكن ما عَمِل آدمي عملًا إلا ألبسه الله رداءه«. أو كما قال .
وقال ابن عباس:"إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وزيادةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمةً في القلب، وسوادًا في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق" .
وهذا الأمر يكون كامنًا في القلب في الدنيا، ويَفِيضُ على صفحات الوجه، فيراه مَن له فراسة صادقة، فإذا كان يوم القيامة صار هو الظاهر ورآه كل أحد عيانًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
الكلام على مسألة السماع ص٢٤٦-٢٤٧
١٥٧-وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا التعريف داخل تحت المشيئة معلَّق بها، ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بُدوًّا خفيًّا يراه الله، ثمَ يقوى حتى يصير صفةً في الوجه يراها أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسَخ الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قردٍ أو خنزيرٍ، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
المرجع السابق ص٢٤٨-٢٤٩
١٥٨-فكل راكب في معصية الله فهو خَيَّالةُ الشيطان، وكل ماشٍ في معصية الله فمن رَجَّالتِه، وكل مالٍ أُخِذ من غير حلِّه وأُخرِج في غير حقه فهو شريك صاحبه فيه، وكل ولدٍ من نطفة زنا فهو شريك أبيه فيه.
الكلام على مسألة السماع ص٢٥٧
١٥٩-فليس لأحدٍ
-أن يحتجَّ لأحد القولين بمجرد قول أصحابه وفعلهم، وإن كانوا من أهل العلم والدين،
-وليس لعالمٍ أن يترك الإنكارَ عليهم وبيانَ ما بعث الله به رسوله لأجل محلهم من العلم والدين،
-ولا لأحدٍ أن يَقدَح فيهم ويُفسِّقهم لما هم عليه من العلم والدين، فلا يحتج بقولهم ولا يُؤثِّمهم ولا يترك الإنكار عليهم.
فهذا ميزان أهل العلم والاعتدال، والسالك الذي يريد الله ورسوله والدار الآخرة لا يُقنِعه في مثل هذا اتباعُ مَن ليس قوله بحجة، بل عليه أن يتبع الصراط المستقيم، وما دل عليه كتاب الله وسنّة رسوله، وكان عليه أصحاب نبيّه.
فهذه الأصول الثلاثة منها وصل السائرون إلى الله وبها تمسكوا، وما خالفها فهو من السبل التي على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه.
الكلام على مسألة السماع ص٢٦٦
١٦٠-قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، فحقيقة هذا أنه لا يمسُّ محلَّه إلا المطهَّرُ، وإشارته أنه لا يجد حلاوتَه ويذوق طعمَه ويُباشِر حقائقَه إلا القلبُ المطهَّر من الأنجاس والأدناس، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في "صحيحه"، فهذه من أصح الإشارات.
الكلام على مسألة السماع لابن القيم ص٢٧٠
١٦١-قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فذكر سبحانه أنَّ استماعَ القرآنِ سببُ الرَّحمةِ، فالرَّحمةُ تنزلُ على أهل استماعِهِ.
وفي «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله يتلونَ كتاب الله ويتدارسُونَه بينهم إلا غَشِيتْهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
وقد ذكر سبحانه وتعالى في غير موضعٍ من كتابِه أن الرحمةَ تحصُلُ بالقرآنِ، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
الكلام على مسألة السماع ص٣٤٧
١٦٢-وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فبكى وقال: لقد خاب وشَقِي من ضاقت عنه جنّةٌ عرضُها السماوات والأرض ولم يكن له فيها مقعدٌ!
الكلام على مسألة السماع ص٣٥٠
والله أعلم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
عبدالله سعيد أبوحاوي القحطاني
صيد الفوائد