عرض مشاركة واحدة
قديم 01-22-2026, 03:32 PM   #6

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 186 الى صـــ 205
الحلقة (60)





ومنها: وجوب الإيمان بهذِه المذكورات، وعظم مرتبة هذِه الأركان التي فسر الإسلام بها، وجواز قول: رمضان بلا شهر كما سلف، وعظم محل الإخلاص والمراقبة.
ومنها: لا أدري من العلم، ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعدم العلم، وأن ذَلِكَ لا ينقصه ولا يزيل ما عُرف من جلالته، بل ذَلِكَ دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تكثره وتبجحه بما ليس عنده.
وبيَّن البغوي ما أراده البخاري من التبويب، حيث قَالَ: جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بَطن من الاعتقاد، وجماعها الدين (١). وقد قدمنا ذَلِكَ عنه في أوائل كتاب الإيمان.

------
(١) «شرح السنة» ١/ ١٠.


٣٨ - باب
٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. [انظر:٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١/ ١٢٥]
ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَألْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
هذا الحديث سبق شرحه مبسوطًا أول الكتاب (١)، وبيان رجاله إلا إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله ابن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، روى عن جماعة من الكبار، وعنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وروى النسائي عن رجل عنه. قَالَ ابن سعد: ثقة صدوق. مات سنة ثلاثين ومائتين بالمدينة (٢).

-----------------
(١) سبق برقم (٧) كتاب: بدء الوحي، باب: (٥).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٢١، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٨٣ (٩١٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٩٥، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٦٠ «شذرات الذهب» ٢/ ٦٨.



ثم اعلم أن هذا الحديث وقع هكذا مفردًا بباب، وهو ظاهر، فإن مقصود البخاري به أنه سماه دينًا وإيمانًا، ووقع في بعض النسخ مدرجًا مع الحديث الذي قبله من غير تخصيصه بباب، وليس بجيد؛ إذ ليس مطابقًا للترجمة.
قَالَ ابن بطال: سماه مَرَّةً بالدّين، ومَرةً بالإيمان، فهي أسماء متعاقبة لمعنى واحد بخلاف قول المرجئة (١) وإنما اعْتُبِرَ قول هرقل وإن كان كافرًا لا يوثق بقوله؛ لأنه (يأثر) (٢) هذِه الأشياء عن الكتب المتقدمة، وتداولت الصحابة وسائر العلماء قوله ولم ينكروه بل استحسنوه.

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٥.
(٢) في (ج): باشر.



٣٩ - باب فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ». [٢٠٥١ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ١/ ١٢٦]
ثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّن وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع عن علي وعبد الله بن محمد، عن سفيان، عن أبي فروة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن (أبي) (١) عدي [عن ابن عون] (٢)، كلهم عن الشعبي.

--------------
(١) من (ج).
(٢) ساقط من (ف)، (ج): ومثبتة من «صحيح البخاري».



وقال فيه في البيوع: «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتتانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَتَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ» (١).
وأخرجه مسلم في البيوع، عن ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا، وعن أبي بكر، عن وكيع، عن زكريا. وعن إسحاق [عن] (٢) عيسى، عن زكريا.
وعن إسحاق، عن جرير، عن مطرف وأبي فروة الهمداني. وعن عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وعن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله.
وعن قتيبة، عن يعقوب، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد، كلهم عن الشعبي به (٣).
وفي الباب عن ابن عمر وواثلة.
أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن حذلم (٤) في «جزئه» من جهة عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «الحلال بين والحرام بين، وبين ذَلِكَ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥).

-----------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات.
(٢) في (ف)، (ج): بن، وهو خطأ، والمثبت من (مسلم).
(٣) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٤) هو الإمام العلامة، مفتي دمشق، وبقية الفقهاء الأوزاعية، القاضي أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حذلم الأسدي الدمشقي الأوزاعي. توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥١٤، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٤٠٥.
(٥) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٢٥٣، وابن الأعرابي في «معجمه» ٢/ ٧٥٤ (١٥٢٨)، =



وأما حديث واثلة فأخرجه (الجوزي) (١) من حديث العلاء بن ثعلبة الأسدي، عن أبي المليح، عن واثلة مرفوعًا: «لتفتك نفسك» قُلْتُ: وكيف لي بذلك؟ قَالَ: «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون» قُلْتُ: وكيف لي بذلكِ؟ قَالَ: «تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن إلى الحلال ولا يسكن إلى الحرام، وإن الوَرعَ المسلم يدع الصغيرة مخافة أن يقع في الكبيرة» (٢).
----------------
= والطبراني في «الأوسط» (٢٨٦٨)، و«الصغير» (٣٢)، والرامهرمزي في «الأمثال» ص ١٣ من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عبد الله بن رجاء بالسند المذكور.
قال الإمام أحمد كما في «ضعفاء العقيلي» ٢/ ٢٥٢: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء. اهـ.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٤: في إسناد «الأوسط» سعد بن زنبود، قال أبو حاتم: مجهول، وإسناد «الصغير» حسن. اهـ.
ورواه البيهقي في «الزهد الكبير» (٨٧٥) من طريق أبي حاتم الرازي، عن إبراهيم ابن محمد وأحمد بن شبيب، ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
قال البيهقي: يشبه أن تكون رواية أبي حاتم عنهما عن ابن رجاء، عن عبد الله بن عمر أصح من رواية من قال: عبيد الله. اهـ.
(١) كذا في (ج)، وغير واضحة ب (ف).
(٢) رواه أبو يعلى في «مسنده» ١٣/ ٤٧٦ (٧٤٩٢)، والطبراني ٢٢/ ٧٨ (١٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٤٤ بمعناه وضعفه الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٩٤، وقال: رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو متروك، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٩٨): هذا حديث حسن غريب أخرجه أبو يعلى في «مسنده» كذا ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء بن ثعلبة. فقال أبو حاتم الرازي: إنه مجهول، وإنما حسنته؛ لأن لجميع ما تضمنه المتن شواهد مفرقة. والله أعلم. اهـ.
قلت: والعلاء بن ثعلبة، قال ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١٧٥: كان ممن يروي المعضلات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب.



الوجه الثاني: في التعريف برواته:
أما النعمان فهو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن خَلّاس -بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام- الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - وعنها.
وُلد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلد للأنصار بعد الهجرة، والأكثرون يقولون: وُلد هو وعبد الله بن الزبير في العام الثاني من الهجرة.
وقال ابن الزبير: هو أكبر مني. روي له مائة حديث وأربعة عشر حديثًا. قُتِل بقرية عند حمص سنة أربعة وستين، وقيل: سنة ستين (١).
تنبيه: نقل عن يحيى بن معين وأهل المدينة أنه لا يصح للنعمان سماع من النبي - ﷺ -، وهو باطل يرده هذا الحديث، فإن فيه التصريح بسماعه، وكذا رواية مسلم: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه (٢).
وهو ما صححه أهل العراق.
فائدة:
ليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا فهو من الأفراد، وفيهم النعمان جماعات فوق الثلاثين.
وأما عامر فهو الشعبي، وقد تقدمت ترجمته (٣)، وكررها شيخنا قطب الدين في «شرحه».

--------------
(١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٥٨ (٢٨٥٨)، «الاستيعاب» ٤/ ٦٠ (٢٦٤٣)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٢٦، (٥٢٣٠)، «الإصابة» ٣/ ٥٥٩ (٨٧٢٨).
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) سبق ترجمته في حديث (١٠).



وأما زكريا فهو أبو يحيى زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين منهم الشعبي، والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق. مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومائة (١).
وأما أبو نعيم فهو الفضل بن دكين -بضم الدال المهملة ثم كاف مفتوحة- وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير القرشي التيمي الطلحي المُلائي. مولى آل طلحة بن عبيد الله، وكان يبيع المُلاء فقيل له: المُلائي -بضم الميم والمد- سمع الأعمش وغيره من الكبار، وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ الأعلام.
قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا، أو خمسين شيخًا.
واتفقوا على الثناء عليه ووصفه بالحفظ والإتقان، ومناقبه جمة. وُلِد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين.
وكان أتقن أهل زمانه، قاله ابن منجويه. قَالَ أبو نعيم: أدركت ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحدًا يقول بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رُمي بالزندقة. روى عنه البخاري بغير واسطة، وهو ومسلم (والأربعة) (٢) (بواسطة) (٣).

-------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢١ (١٣٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٩٣ (٢٦٨٥)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٣٣٤، «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٥٩ (١٩٩٢).
(٢) من (ف).
(٣) في (ف): بها، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١١٨ (٥٢٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٦١ (٣٥٣)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٣١٩، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ١٩٧ (٤٧٣٢).



ووقع للبخاري هذا الحديث رباعيًّا من جهة شيخه هذا، ووقع له من طريق غيره خماسيًّا كما أسلفناه، وكذا وقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيًّا كما سلف.
الوجه الثالث:
هذا الحديث حديث عظيم حفيل جليل، وهو أحد قواعد الإسلام بل هو مدارها وأُسّها، وإن جعله بعضهم ثلثها وبعضهم ربعها كما سلف في الكلام على حديث: «إنما الأعمال بالنيات» (١) فإنه متضمن لأحكام الشريعة لذكر الحلال والحرام والمتشابهات، وما يصلح القلوب وما يفسدها وتعلق أعمال الجوارح بها؛ فيستلزم معرفة تفاصيل الأحكام كلها أصلًا وفرعًا.
ولنذكر نبذة منه على وجه الاختصار، فإنا قد بسطنا شرحه في «شرح العمدة» (٢) و«شرح الأربعين».
الأولى: ذكر - ﷺ - أن الأشياء على أضرب: ضرب لا شك في حله، وضرب لا شك في تحريمه، وضرب ثالث مشكوك فيه مشتبه، فمن اجتنبه فقد برَّأ نفسه من المعصية، ومن خالطه وقع في الحرام، وفي هذا المشكوك فيه تفاصيل معروفة في كتب الفروع، فمنه ما يُرَدُّ إلى أصله من حِلٍّ وحرمة وغيرهما، ومنه ما يحكم فيه بالظاهر من ذَلِكَ، ومنه ما يغلب فيه الإباحة، ومنه ما يحكم فيه بالتحريم احتياطًا، فمعاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا مكروهة.
الثانية: قوله - ﷺ -: («وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ») كذا في البخاري هنا، وفيه

--------------------
(١) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي …
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٥٩ - ٧٣.



في البيوع: «أمور مشتبهة» (١)، وجاء أيضًا «مشتبهات» (٢) و«متشبهات»، وذلك كله بمعنى: مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين (مخالفين) (٣)، وتشتبه: تفتعل، أي: تشكل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وأما قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] فمعناه: في الصدق والحكمة غير متناقض.
الثالثة: اختلف في المراد بالمتشابهات التى ينبغى اجتنابها على أقوال:
أحدها: أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبه أمره، وبه جزم القرطبي ثم ذكر في حكمه أقوالًا:
أحدها: حرمته؛ لأنه يوقع في الحرام.
وثانيها: كراهته، والورع تركه.
ثالثها: يتوقف فيه. وصوب الثاني؛ لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها (٤)، وصح أنه - ﷺ - قَالَ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥). وهذا هو الورع.
وقول من قَالَ: إنها حلال يتورع عنها ليس بجيد؛ لأن أقل مراتب

---------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن».
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) في (ف): متخالفين.
(٤) «المفهم» ٤/ ٤٨٨.
(٥) رواه الترمذي (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٨/ ٣٢٧، ٣٢٨، أحمد ١/ ٢٠٠، والدارمي في «مسنده» ٣/ ١٦٤٨، ١٦٤٩ (٢٥٧٤)، والطبراني في «الكبير» ٣/ ٧٥ (٢٧٠٨)، ٧٦ (٢٧١١)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٣ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢).



الحلال استواء الفعل والترك؛ وهذِه الأقوال حكاها القاضي عياض (١) أيضًا عن أهل الأصول.
قَالَ النووي: والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه مذاهب: أصحها: لا يحكم بشيء، والثاني: الإباحة، والثالث: المنع (٢).
القول الثاني: أن المراد بها المكروهات، قاله الخطابي والمازري وغيرهما (٣).
الثالث: أنها المباح وهو مردود كما سلف، وزُهْدُ الأولين فيه محمول على موجب شرعي اقتضى ذَلِكَ خوف الوقوع فيما يُكره إما من الميل إلى الدنيا، وإما من الحساب عليه وعدم القيام بالشكر؛ (لأن) (٤) حقيقة المباح التساوي.
الرابعة: قوله - ﷺ -: («لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ») أي: بسبب اشتباهها على بعضهم دون بعض لا أنها في أنفسها مشتبهة مستبهمة على كل الناس لا بيان لها، فإن العلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ولكن كل أحد لا يقدر على تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا نفي علمها عن كثير من الناس، ولم يقل: لا يعلمها كل الناس أو أحد من الناس.
الخامسة: لما ذكر البخاري في البيوع، باب تفسير (المشتبهات) (٥)

-------------------
(١) «الإكمال» ٥/ ٢٨٤ - ٢٩٠.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٢٨.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٧٧ - ١٠٠٠، «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٣٣ بمعنى.
(٤) في (ج): لا.
(٥) في (ج): المتشبهات، والمثبت من «الصحيح»، ومن «الإعلام» ١٠/ ٧٢.



ذكر هذا الحديث عقبه بقول حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقال: «كيف وقد قيل؟» (١)، وحديث: «احتجبي منه» (٢)، وحديث عدي بن حاتم في الصيد: «لا تأكل» (٣).
ثم ترجم باب: ما يتنزه من الشبهات، وذكر فيه حديث التمرة الساقطة وتَرْكُهَا خشية الصدقة (٤)، عَقَّبَه بباب آخر فيما لا يُجتنب فقال: باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. ثم ذكر فيه حديث الرجل (الذي) (٥) يجد الشيء في الصلاة، وقوله: «لا ينصرف حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦) وحديث عائشة: إن قومًا يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا عليه (وَكلُوه) (٧)» (٨) وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى.
السادسة: اختلف أصحابنا في ترك الطيب وترك لبس الناعم. هل هو طاعة أم لا؟
فقال القاضي أبو الطيب: إنه طاعة لما علم من أمور السلف من
خشونة العيش، وخالف الشيخ أبو حامد واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٢).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٥٣).
(٣) سيأتي برقم (٢٠٥٤).
(٤) سيأتي برقم (٢٠٥٥) باب: ما يتنزه من الشبهات.
(٥) من (ج).
(٦) سيأتي برقم (٢٠٥٦) باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات.
(٧) في (ف): وكلوا.
(٨) سيأتي برقم (٢٠٥٧).



حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. وقال ابن الصباغ: يختلف ذَلِكَ باختلاف الناس وتفرغهم للعبادة، وقصحورهم، واشتغالهم بالضيق والسعة، وصوبه الرافعي.
السابعة: ما يخرج إلى الوسوسة من تجويز الأمر البعيد ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها بل وسواس شيطاني، وسبب الوقوع في ذَلِكَ عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وقد نبه الشيخ أبو محمد الجويني على جملة من ذَلِكَ منها غسل الثياب الجدد، وغسل القمح، وغير ذَلِكَ من التنطع البارد.
الثامنة: معنى («اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ») سلم دينه مما يفسده أو ينقصه، وعرضه مما يشينه، واستبرأ لنفسه طلب البراءة من الإثم فبرأها. فمن لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد به، كما نبه عليه ابن بطال (١).
التاسعة: معنى: «يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» وفي رواية أخرى: «وقع في الحرام» أي: يقع فيه ولا يدري، أو إذا اعتادها فأدته إلى الوقوع فيه متعمدًا فيتجاسر عليه ويواقعه غالبًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر به عنده، ولما قد ألفه من المساهلة.
العاشرة: («يُوشِكُ») -بكسر الشين- أي: يسرع ويقرب، وماضيه: أوشك، ولا عبرة بمن أنكره. وفي «الصحاح»: الكلمة بفتح الشين، وهي لغة رديئة (٢).

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٦١٥ (مادة: وشك).



الحادية عشرة: قوله فيما مضى: («فَمَنِ اتَقَى المُشَبَّهَاتِ»). قَالَ النووي في «شرحه»: ضُبط على وجهين: بفتح الباء المشددة، وبكسرها مع التخفيف والتشديد، وكله صحيح، فمعناه: مُشْبِهات أنفسها بالحلال أو مُشْبِهات الحلال، وعلى رواية الفتح فمعناه: (مُشَبهات) (١) بالحلال.
الثانية عشرة: قوله - ﷺ -: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى». هذا مثل ضربه - ﷺ - وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها، وتتوعد من يقربها؛ (فيبعد) (٢) عنها خوف ذَلِكَ، (ويحمي) (٣) أيضًا ما يحيط بها ويقاربها، والله تعالى ملك الملوك وله حمى، وهي المحرمات التي ورد الشرع بها كالزنا وغيره فهي حمى الله تعالى التي منع من في خوله والتعرض له ولمقدماته وأسبابه، فمن خالف شيئًا من ذَلِكَ استحق العقوبة. نسأل الله تعالى العفو والحماية عما يكره.
الثالثة عشرة: المضغة: القطعة من اللحم، سُميت به؛ لأنها تمضغ في الفم لصغرها. وجمعها: مُضَغ (٤).
الرابعة عشرة: قوله: («إِذَا صَلَحَتْ»، «وَإِذَا فَسَدَتْ») هو بفتح اللام والسين، ويضمان في المضارع، ويُقال صَلُح وفسُد -بالضم- إذا صار الصلاح والفساد هيئة لازمة كظرف وشَرُف والمعنى: صارت تلك المضغة ذات صلاح وفساد.
الخامسة عشرة: القلب سُميَّ بذلك؛ لتقلبه وسرعة الخواطر فيه

-------------
(١) في (ف): مشتبهات.
(٢) في (ج): وبعد.
(٣) في (ج): ويحتمي.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٥١ مادة: (مضغ).



وترددها عليه، وأصله المصدر ثم نقل إلى هذا العضو، والتزمت العرب
التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله، وقد قَالَ بعضهم: ليحذر اللبيب
سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
السادسة عشرة: قوله - ﷺ -: («إِذَا صَلَحَتْ») إلى قوله: («أَلَا وَهِيَ القَلْبُ») هذا أصل عظيم. فحق على كل مكلف السعي التام في إصلاح قلبه ورياضة نفسه وحملها على الأخلاق الجميلة المحصلة لطهارة قلبه وصلاحه. أعاننا الله تعالى على ذَلِكَ.
السابعة عشرة: استدل بهذا ابن بطال على أن العقل في القلب، وأن ما في الرأس فهو من سبب العقل (١)، وهو مذهب أصحابنا، وذهب آخرون إلى أنه في الرأس (٢)، ولا دلالة في الحديث لواحد من المذهبين كما نبَّه عليه النووي في «شرحه».
الثامنة عشرة: استدل به بعض أصحابنا على أحد الوجهين فيما إذا حلف لا يأكل لحمًا، فأكل قلبًا أنه يحنث به. وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي، والأصح أنه لا يحنث به؛ لأنه لا يُسمَّى لحمًا عرفًا.

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧.
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» ١١/ ٢٩.



٤٠ - باب أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْث أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسِ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ» أَوْ «مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إَلَّا فِي شَهْرِ الَحرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الَحيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُل بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأشرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الَحنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالُمْزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الُمقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». [٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٥٥٦ - مسلم:١٨ - فتح: ١/ ١٢٩]
ثنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ، فيُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَمهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ.
وَسَأَلهُ عَنِ الأَشرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ


أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إلة إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ».
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالمقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه، لبخاري في عشرة مواضع من «صحيحه» هنا كما ترى، وفي خبر الواحد: عن علي بن الجعد، عن شعبة، وعن إسحاق، عن النضر، عن شعبة (١).
وفي كتاب: العلم عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٢)، وفي: الصلاة عن قُتيبة، عن عبَّاد بن عبَّاد (٣)، وفي: الزكاة عن حجَّاج بن المنهال، عن حمَّاد (٤)، وفي الخمس عن أبي النعمان، عن حمَّاد (٥)، وفي مناقب قريش عن مسدد، عن حمَّاد (٦)، وفي المغازي عن سُليمان بن حَرْب، عن حماد، و(٧) عن إسحاق، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨)، وفي الأدب: عن عمران بن ميسرة، عن

----------------
(١) سيأتي برقم (٧٢٦٦) باب: وصاة النبي - ﷺ -، وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم.
(٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي - ﷺ - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٣) باب: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾.
(٤) سيأتي برقم (١٣٩٨) باب: وجوب الزكاة.
(٥) سيأتي برقم (٣٠٩٥) باب: أداء الخمس من الدين.
(٦) سيأتي برقم (٣٥١٠).
(٧) الواو: من (ف).
(٨) سيأتي برقمي (٤٣٦٨، ٤٣٦٩) باب: وفد عبد القيس.



عبد الوارِث، عن أبي التياح (١)، وفي التوحيد: عن عَمْرو بن علي، عن أبي عاصم، عن قُرَّة (٢).
وأخرجه مسلم في: الإيمان والأشربة: عن خَلَف بن هشام، عن حمَّاد، وعن يحيى بن يحيى، عن عباد (٣)، وفي: الإيمان وحده، عن أبي موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وبندار، عن غندر، عن شعبة (٤)، وعن ابن معاذ، عن أبيه، عن قرة، وعن نصر بن علي، عن أبيه، عن قرة، كلهم عن أبي جمرة به (٥)، ولم يذكر البخاري في شيء من طرقه قصة الأشج وذكرها مسلم في الحديث فقال - ﷺ - للأشج -أشج عبد القيس-: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وشعبة، وأما أبو جمرة فهو -بالجيم والراء- وليس في «الصحيحين» من (يكنى) (٧) بهذِه الكنية غيره ولا من اسمه جمرَة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضًا، ولا في «الموطأ»، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم -بالحاء والزاي- وذلك وهم (٨)، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع الضبعي البصري.

----------------
(١) سيأتي برقم (٦١٧٦) باب: قول الرجل مرحبًا.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٥٦)، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
(٣) مسلم (١٧/ ٢٣) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله …، (١٧/ ٣٩) بعد حديث (١٩٩٥) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت .. مختصرًا.
(٤) مسلم (١٧/ ٢٤).
(٥) مسلم (١٧/ ٢٥).
(٦) مسلم (١٧/ ٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله.
(٧) من (ف).
(٨) «تقييد المهمل» ١/ ١٥٧.



سمع: ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه: أيوب وغيره من التابعين وغيرهم. كان مقيمً بنيسابور ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها تُوفيَّ سنة ثمان وعشرين ومائة، وثَقِتُهُ مُتفقٌ عليها. والضبعي -بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة ثم عين مهملة- نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال أبو أحمد الحاكم: ليس في المحدثين أبو جمرة غيره وما عداه أبو حمزة بالحاء المهملة (١).
وقد روى مسلم عن أبي حمزة -بالحاء المهملة- (عمران) (٢) بن أبي عطاء القصاب -بياع القصب- الواسطي حديثًا واحدًا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية وإرسال النبي - ﷺ - ابن عباس خلفه (٣).
قَالَ بعض الحفاظ: يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة -بالحاء والزاي- إلا هذا ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن ابن عباس أبو حمزة فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب أو الوصف (٤) كأبي حمزة القصاب في

---------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٠٤ (٢٣٥٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٥ (٢١٣٠)، «الثقات» ٥/ ٤٧٦، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٣٦٢، ٣٦٥ (٦٤٠٨).
(٢) في (ف): عمر. والمثبت من (ج) وهو الصواب.
(٣) مسلم (٢٦٠٤) كتاب: البر والصلة، باب: من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه.
(٤) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» ص ٣٦٣، و«صيانة صحيح مسلم» ص ١٤٩.
قال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص ٣٩٤:
وفيه نظر من حيث أن شعبة قد يروي عن غير نصر بن عمران ويطلقه فلا يذكر اسمه ولا نسبه مثاله ما رواه أحمد في «مسنده» ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة سمعت ابن عباس يقول: مر بي رسول الله - ﷺ - وأنا ألعب مع الغلمان =



آخر «صحيح مسلم» في قصة معاوية كما أسلفناه.
وأما علي بن الجعد (خ، د) فهو: الإمام أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي، سمع: الثوري ومالكًا وغيرهما من الأعلام، وعنه: أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم.
قَالَ موسى بن داود: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يحض على الكتابة عنه. وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم ثقة (ثقة) (١) فقيل له: هذا الذي (قد) (٢) كان منه -يعني: أنه كان يتهم بالجهم- فقال: ثقة صدوق، وقيل: إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد، وأقوالهم في الثناء عليه والحفظ والإتقان مشهورة. وبقي ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، وُلِد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد (٣).
= فاختبأت من خلف باب .. الحديث فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة وليس هو نصر بن عمران وإنما هو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي القصاب واسمه عمران بن أبي عطاء.
ثم قال: وقد يروي شعبة أيضًا عن أبي جمرة، عن ابن عباس وهو نصر بن عمران وينسبه، مثاله ما رواه مسلم في الحج من رواية محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت أبا جمرة الضبعي يقول: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس … الحديث فهذا شعبة لم يطلق الرواية عن أبي جمرة بل نسبه بأنه الضبعي، وهذا لا يرد على عبارة المصنف ولكن أردت بإيراده أنه ربما نسب أبا جمرة الذي بالجيم وربما لم ينسب أبا حمزة الذي بالحاء كما تقدم من «مسند أحمد» والله أعلم. أهـ.

-----------

_________
(١) من (ج).
(٢) من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٦٦ (٢٣٦٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٧٨ (٩٧٤)، «الثقات» ٨/ ٤٦٦، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٤١ - ٣٥٢ (٤٠٣٤).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* محمد الطاهر بن عاشور
* ابن هشام النحوي
* صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها
* التضحية قبل الأضحية
* كتاب الحج والعمرة للشيخ فيصل مولوي
* معجم ألفاظ ومصطلحات الحج والعمرة

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس