عرض مشاركة واحدة
قديم 01-25-2026, 01:58 AM   #75

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 486 الى صـــ 505
الحلقة (75)





أما عمرو (ع): فهو أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو ميسرة، وميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي المدني.
عن أنس بن مالك وغيره. وعنه: مالك، والدراوردي.
قَالَ أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وأما يحيى بن معين فقال: ضعيف ليس بالقوي وليس بحجة. وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي إلا عن صدوق ثقة. مات في أول خلافة المنصور وكانت أول سنة ست وثلاثين ومائة وزياد بن (عبيد) (١) الله عَلَى المدينة (٢).
وأما شيخ البخاري فهو أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن (سعد) (٣) بن أبي سرح بن حذيفة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن فهر أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المديني الثقة.
روى عنه البخاري بغير واسطة، وأبو داود والترمذي عن رجل عنه، وروى البخاري في الإصلاح عن محمد بن عبد الله مقرونًا بالفروي عنه، عن محمد بن جعفر. قَالَ أبو حاتم: مديني صدوق. وعنه قَالَ: هو أحب إلي من يحيى بن بكير (٤).

--------------------
(١) في (ج): عبد.
(٢) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٨). «الكامل» لابن عدي ٦/ ٢٠٥ (١٢٨٢). «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٦٨ (٤٤١٨)، «ميزان الاعتدال» ٤/ ٢٠١ (٦٤١٤)، «جامع التحصيل» (٥٧٩).
(٣) في الأصل: سعيد، وهو خطأ. انظر ترجمته من «التعديل والتجريح» ٢/ ٨٩٨.
(٤) انظر ترجمته في «الثقات» ٨/ ٣٦٩. «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٨٧ (١٨٠٤). «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٦٠ (٣٤٥٧)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٨٩ (١٠٦)، «الكاشف» ١/ ٦٥٦ (٣٣٩٧).



ثالثها:
قوله: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ): كذا وقع في رواية أبي ذر، والصواب حذف قيل كما جاء عند الأصيلي والقابسي (١)؛ لأن السائل هو أبو هريرة نفسه، وقد أسلفنا أن البخاري رواه مرة بلفظ: (قُلْتُ: يا رسول الله).
رابعها:
قوله: «أَوَّلُ مِنْكَ» يجوز في أول الرفع عَلَى الصفة والنصب عَلَى الظرف، والرواية بالرفع. وذكر بعضهم أنه روي بالنصب أيضًا، أي: قبلك.
قَالَ سيبويه: معنى أول منك: أقدم منك. وقال السيرافي: يقال:
هذا أول منك، ورأيت أول منك، ومررت بأول منك، فإذا حذفوا منك قالوا: هو الأول، ولا يقولوا: الأول منك؛ لأن الألف واللام تعاقب منك.
وقال أبو علي الفارسي: أول تستعمل اسمًا وصفة، فإن استعملت صفة كانت بالألف واللام أو بالإضافة أو بـ (من) ظاهرة أو مقدرة، فإن كانت بـ (من) جرت في الأحوال كلها عَلَى لفظ واحد تقول: هذا أول من زيد. والزيدان أول من العمرين، ولا ينصرف لوزن الفعل والصفة.
قَالَ: وإن شئت نصبت أول عَلَى الظرف، وإن كان معناه الصفة تقول: رأيت زيدًا أول، تريد أول من عامنا، فأول بمنزلة قبل، كانك قُلْت: رأيت زيدًا عامًا قبل عامنا، فحكم له بالظرف، حتَّى قالوا: ابدأ بهذا أوله، وبنوه عَلَى الضم. كما قالوا: ابدأ به قبل. فصار كأنه

---------------------
(١) «اليونينية» ١/ ٣١.


قطع عن الإضافة، ومن النصب عَلَى الظرف قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كما تقول: الركب أمامك، وأصله الصفة، وصار أسفل ظرفًا، والتقدير: والركب في مكان أسفل من مكانكم، ثمَّ حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، فصار أسفل منكم بمنزلة تحتكم، ومن لم يجعل أولًا صفة صرفه، يقول: ما ترك لنا أولًا ولا آخرًا.
وأما أصله، فقال الجوهري: أَوْأَلْ بهمزة متوسطة فقلبت الهمزة واوًا وأدغمت، يدل عليه قولهم: هذا أول منك، والجمع الأوائل، والأوائل: عَلَى القلب، وهذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: وزنه فوعل أصله وَوْأَل فنقلوا الهمزة إلى موضع الفاء، ثمَّ أدغموا الواو في الواو، وهو من وَأَلَ إِذَا نجا، كأن في الأول النجاة.
خامسها: في فوائده:
الأولى: الحرص عَلَى العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض، ودقيق المعاني؛ لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها؛ لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ، فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليه أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
الثانية: تفرس العالم في متعلمه وتنبيهه عَلَى ذَلِكَ؛ ليكون أبعث عَلَى اجتهاده.
الثالثة: سكوت العالم عن العلم إِذَا لم يُسأل حتَّى يُسأل، ولا يكون ذَلِكَ كتمًا؛ لأن عَلَى الطالب السؤال، اللَّهُمَّ إلا إِذَا تعين عليه فليس لَهُ السكوت.


الرابعة: أن الشفاعة إنما تكون في أهل التوحيد، وهو موافق لقوله - ﷺ -: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وإني اختبأت دَعْوَتي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَة، فهي نائلة - إن شاء الله تعالى- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١).
الخامسة: ثبوت الشفاعة، والأحاديث جارية مجري القطع في ذَلِكَ، وهو مذهب أهل السنة، وأنها جائزة عقلًا وواجبة بصريح الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لمذنبي المؤمنين، وهو إجماع السلف ومن بعدهم منهم.
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث عَلَى زيادات الدرجات والثواب، واجتمعوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وهذا إنما جاء في الكفار، والأحاديث مصرحة بها في (الموحدين) (٢) المؤمنين.
ثمَّ هي أقسام:
أحدها: الإراحة من هول الموقف.
الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب.
الثالثة: عدم دخول النار لمن استوجبها بذنبه.
الرابعة: في إخراجهم منها، ويشفع في هذِه المؤمنون أيضًا.
الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
السادسة: في تخفيف العذاب كما في حق أبي طالب.

----------------
(١) سيأتي برقم (٧٤٧٤) كتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرداة. رواه مسلم برقم (١٩٩) كتاب: الإيمان، باب: اختباء النبي - ﷺ - دعوة الشفاعة لأمته.
(٢) من (ج).



السابعة: فيمن مات بالمدينة كما صح في الحديث.
وقد أوضحتُ هذِه الأقسام في كتابي «غاية السّوْل في خصائص الرسول» (١)، وقد عُرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة، ولا التفات إلى من كره سؤالها؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فقد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثمَّ كل عاقل معترف بالتقصير مشفق من الأمر الخطير، ويلزم هذا القائل أن لا يدعي بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب وهذا كله خارج عن المطلوب. اللَّهُمَّ لا تحرمنا شفاعة رسولك يا علام الغيوب.

----------------------
(١) ص ١٨٠: ص ١٨٤.


٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ؟ (١)
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْم وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلْتُفْشوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.

١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [٧٣٠٧ - مسلم: ٢٦٧٣ - فتح: ١/ ١٩٤]
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ الثهِ بْن عَمْرِو بْنِ العَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا،. فَأَفتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ.
الكلامُ عَلَى ذَلِكَ من وجوهٍ:

-------------------
(١) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الثاني بعد الثلاثين كتبه مؤلفه، غفر الله له.


أحدها:
حديث عبد الله بن عمرو أخرجه هنا كما ترى، وفي الاعتصام عن سعيد بن تليد، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة به (١).
وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة، عن جرير وغيره، عن هشام، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن أبي شريح، عن أبي الأسود به (٢). وفي بعض طرق البخاري: «فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ» (٣). وفي بعض طرق الحديث: «لكن يقبضُ العلماءَ فيرفع العِلم مَعَهم» (٤).
ثانيها:
قوله: (حَدَّثَنَا العلاء) إلى قوله: (ذِهاب العلماء). وقوله: (قَالَ الفربري) إلى قوله: (نحوه) سقط عند الكُشْمِيْهَني، وذكره البرقاني عن الإسماعيلي: حَدَّثنَا العلاء كما ذكره البخاري سواء.
ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما ابن حزم: فهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري المدني.
قَالَ الخطيب: إن اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد. ومثله أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، كنيته أبو عبد الرحمن. قَالَ: ولا نظير لهما. أي: ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من اشتهر بكنيته ولم يعرف لَهُ اسم غيره فكثير، ذكر ابن عبد البر وغيره

--------------------
(١) سيأتي برقم (٧٣٠٧) باب: ما يذكر من ذم الرأي.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٧٣) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل.
(٣) سيأتي برقم (٧٣٠٧).
(٤) رواه مسلم برقم (٢٦٧٣).



منهم جماعة كثيرة. وقد قيل في أبي بكر بن محمد: أنه لا كنية لَهُ غير أبي بكر اسمه. وقال ابن عبد البر: قيل اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا المغيرة. ولا يصح.
وَلِي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك. وعمر بن عبد العزيز، وكان يخضب بالحناء والكتم ويتختم في يمينه. مات سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك. ابن أربع وثمانين سنة.
سُئِلَ يحيى بن معين عن حديث عثمان بن حكيم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عرضت عَلَى النبي - ﷺ -، فقال: مرسل (١).
وأما عبد العزيز بن مسلم: فهو القسملي مولاهم أخو المغيرة بن مسلم الخراساني المروزي، نسبه إلى القساملة، وقيل لهم ذَلِكَ؛ لأنهم من ولد قسملة، واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان، وهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل، وقيل: نزل فيهم فنسب إليهم.
وكان عبد العزيز هذا من الأبدال (٢)، وثقه يحيى بن معين وغيره.
مات سنة سبع وستين ومائة (٣).

-------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ٠٦٩. «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٣٧ (١٤٩٢). «الثقات» ٥/ ٥٦١. «تهذيب الكمال» ٣٣/ ١٣٧ (٧٢٥٤)، «التقريب» (٧٩٨٨).
(٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٩٤ (١٨٣١). «الثقات» ٧/ ١١٦. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٠٢ (٣٤٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ١٩٢ - ١٩٣ (٣٠)، «التقريب» (٤١٢٢).
(٣) سئل شيخ الإسلام عن الأبدال وغيرها من الأسماء التي تسمى بها أقوام مثل غوث الأغواث، وقطب الأقطاب وغيرها. فقال: هذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي - ﷺ - بإسناد صحيح، ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال. «مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٣٣.



وأما العلاء (خ. ت. ق) فهو أبو الحسن العلاء بن عبد الجبار البصري العطار الأنصاري مولاهم، سكن مكة، روى لَهُ البخاري هنا عن عبد العزيز، عن إبن دينار هذا الأثر، لم يخرج عنه غيره. وثقه أبو حاتم والعجلي، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، روى الترمذي وابن ماجه، والنسائي في «اليوم والليلة» عن رجل عنه ولم يخرج لَهُ مسلم شيئًا (١).
رابعها:
معنى كتاب عمر بن عبد العزيز الحض على اتباع السنن وضبطها إذ هي الحجة عند الاختلاف والتنازع، وإنما يسوغ الاجتهاد عند عدمها، وإنه ينبغي للعالم نشر العلم وإذاعته.
ومعنى: «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا»: أن الله لا يهب العلم لخلقه ثمَّ ينتزعه بعد تفضله عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون انتزاعه بتضيعهم العلم فلا يوجد من يخلف من مضى فأنذر -ﷺ- بقبض الخير كله، قال الداودي: فالحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص كقوله - ﷺ -: «لا تزال طائفه من أمتي ظاهرين علي الحق حتَّى يأتي أمر الله» (٢) وقد تقدم الكلام عَلَى هذا الحديث مع الجمع بينه وبين ما خالفه في باب: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين.

--------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٥١٨ (٣١٧٣). «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٥٨ (١٩٧٧). «ثقات العجلي» ٢/ ١٥٠ (١٢٨١). «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥١٧ (٤٥٧٦)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٠٢ (٩٠).
(٢) رواه مسلم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، باب: قوله: (لا تزال طائفة).



٣٥ - باب هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فيِ العِلْمِ
١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شعْبَة قَالَ: حَدَّثَنِي ابن الأصبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: غَلَبَنَا عَلَيْكُ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكُ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُن، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأة تُقَدِّمُ ثَلَاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». [١٢٤٩، ٧٣١٠ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح: ١/ ١٩٥]

١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الُخدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاَثةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». [١٢٥٠ - مسلم: ٣٦٣٤ - فتح: ١/ ١٩٦]
حدثنا آدَمُ ثنا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي ابن الأَصْبَهَانِيِّ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَة: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ».


الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي الجنائز عن مسلم، عن شعبة به (١). وعن بُندار، عن غندر، عن شعبة به، وزاد غندر طريق أبي هريرة. قَالَ البخاري: وقال شَريك، عن ابن الأصبهاني: حَدَّثَنِي أبو صالحٍ، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قَالَ أبو هريرة: «ثَلَاَثَةَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ» (٢).
ورواه في كتاب الاعتصام عن مسدد، عن أبي عوانة، عن ابن الأصبهاني، عن أبي صالح، عن أبي سعيد (٣).
وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي كامل، عن أبي عوانة، وعن أبي موسى وبُندار، عن غندر، عن شعبة. وعن عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة كلاهما عن ابن الأصبهاني، عن أبي سعيد به، وزاد في حديث شعبة طريق البخاري عن أبي هريرة (٤).
وسيأتي في الجنائز من حديث أنس مرفي عًا: «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ» (٥). ورواه مسلم بلفظ: «لا يَمُوتَن ثلائةٌ من الولدِ فتحتسِبُهُ إلا دَخَلَتِ الجنَّةَ» (٦).

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٤٩) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٢) سيأتي برقم (١٢٥٠، ١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٣) سيأتي برقم (٧٣١٠) باب: تعليم النبي - ﷺ - أمته من الرجال والنساء.
(٤) رواه برقم (٢٦٣٤) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه.
(٥) سيأتي برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٦) برقم (٢٦٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه، من حديث أبي هريرة.



وفيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِم ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَتمسهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» (١).
وأخرج في الرقاق من حديثه أيضًا: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجَنَّةُ» (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به:
فأبو حازم (ع) اسمه: سلمان الأشجعي، مولئ عزة الأشجعية. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كوفي تابعي ثقة (٣).
قُلْتُ: وأبو حازم (ع) سلمة بن دينار الزاهد آخر يروي عن سهل بن سعد. وعنه: مالك وغيره، وهو ثقة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث. وقيل: بعد الأربعين (٤).

--------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد .. وفي مسلم برقم (٢٦٣٢) كتاب: البر والصلة.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٢٤) باب: العمل الذي يبتغي به وجه الله.
(٣) وثقه أبو داود، وابن معين، والعجلي، وابن حجر.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ١٣٧ (٢٢٤٠). «معرفة الثقات» ١/ ٤٢٣ (٦٥٢). «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٢٩٣). «التقريب» ٢٤٦ (٢٤٧٩).
(٤) سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم، مولى الأسود بن سفيان المخزومي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقد اختلف في وفاته، فقيل مات سنة ثلاث وثلاثين، وقيل فيما بين الثلاثين والأربعين، وقال يحيى بن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال خليفة: مات سنة خمس وثلاثين، وقال العجلي عنه: ثقة تابعي رجل صالح.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٧٨ (٢٠١٦). «معرفة الثقات» ١/ ٤٢٠ (٦٤١). «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٩ (٧٠١). «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٧٢ (٢٤٥٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٩٦، «شذرات الذهب» ١/ ٢٠٨.



وابن الأصبهاني (ع): عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي مولى لجديلة قيس- وهم بطن من قيس غَيْلان وهم: فهم وعدوان ابنا عمر بن قيس، أمهم جَديلة بفتح الجيم نُسبوا إليها، أصله من أصبهان، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعري. قَالَ أبو حاتم: لا بأس به. مات في إمارة خالد عَلَى العراق، قاله ابن منجويه (١).
ثالثها: في ألفاظه:
المراد بالحِنْث: الإثم، المعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف، فلم تكتب عليهم الآثام، وخص الحكم بالذين لم يبلغوا الحنث -وهم الصغار- لأن قلب الوالدين عَلَى الصغير أرحم وأشفق دون الكبير؛ لأن الغالب عَلَى الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه وعقوقهم.
وقوله: «إِلَّا كَانَ لَهَا» كذا جاء هنا: «كان» وفي كتاب الاعتصام ومسلم: «إلا كانوا لها». وفي البخاري في الجنائز: «إلا كن لها» وأتى بلفظ التأنيث عَلَى معنى النسمة والنفس كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٩].
وقوله: «وَاثْنَتَيْنِ» قاله بوحي عقب السؤال ويجوز أن يكون قبله.
والمراد: بالحِدَةِ في تبويب البخاري: الناحية، يعني: منفردات وحدهن، والهاء في آخر الكلمة عوض من الواو المحذوفة من أول الكلمة، كما فعلوا في عدة وزنة أصلها وعدة ووزنة من الوعد والوزن.

---------------------
(١) وقال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وابن حجر: ثقة. قال ابن حجر: مات في إمارة خالد القسرى على العراق، وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر ترجمته في: «معرفة الثقات» ٢/ ٨٠ (١٠٥١). «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٥٥ (١٢٠٧). «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٧٣٧٩). «التقريب» ٣٤٥ (٣٩٢٦).



رابعها: في فوائده:
الأولى: فضل تقديم الأولاد، وقد جاء في الترمذي وقال: غريب. وابن ماجه ذكر الواحد من حديثما ابن مسعود مرفوعًا: «من قدَّمَ ثلاثةً مِنَ الوَلَد لم يبلغوا الحِنْثَ كانوا لَهُ حصنًا حصينًا من النار» فقال أبو ذر: قدمت اثنين قَالَ: «واثنين». قَالَ أبي بن كعب: قدمت واحدًا قَالَ: «وواحدًا» (١).
واستنبط القابسي وغيره الواحد من حديث أبي هريرة السالف في الرقاق، وهذا صريح فيه.
الثانية: ما ترجم لَهُ وترجم عليه في الجنائز: فضل من مات لَهُ ولد فاحتسب. والاحتساب والحسبة والحسبان بالكسر: ادخار الأجر عند الله، وأن يعتبر بمصابه ويحتسبه من حسناته، فهذا الثواب حاصل لمن احتسب أجره عَلَى الله وصبر.
الثالثة: إن مفهوم العدد لا يدل عَلَى الزائد ولا عَلَى الناقص؛ لقولها: (واثنتين يا رسول الله؟) وهي من أهل اللسان، كذا قاله عياض (٢) وابن بطال (٣) وغيرهما، وفيه نظر.
الرابعة: أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه إِذَا أدخل الآباء الجنة بفضل رحمة الأبناء فالأبناء أولى بها.
قَالَ المازري: وهو إجماع في حق أطفال الأنبياء، وقول الجمهور في أولاد من سواهم من المؤمنين وبعضهم لا يحكي خلافا، ويحكي

----------------------
(١) رواه الترمذي (١٠٦١). وابن ماجه (١٦٠٦). وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٣٥١).
(٢) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ١١٥.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٦.



الإجماع عَلَى دخولهم الجنة، ويستدل بظاهر الأحاديث والآيات وبعض الآثار، قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا﴾ (١) [الطور: ٢١] الآية.
وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصًا مقطوعًا به بكونهم فيها ولم يثبت الإجماع (عندهم) (٢).
قُلْتُ: وما أبعده! فالصواب القطع بالإجماع.
الخامسة: سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذَلِكَ وفيما تمس الحاجة إليه، وقد أُخذ العلم عن أمهات المؤمنين وعن غيرهن من نساء السلف.

------------------
(١) قرأها كذلك أبو عمرو، انظر: «الحجة» للفارسي ٦/ ٢٢٤، «الكشف» لمكي ٢/ ٢٩٠.
(٢) ساقطة من (ج).



٣٦ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ
١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- كَانَتْ لَا تَسْمَع شَيْئَا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ». [٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧ - مسلم: ٢٨٧٦ - فتح: ١/ ١٩٦]
حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي التفسير والرقاق عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن عثمان بن الأسود (١)، وفي الرقاق أيضًا عن عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود (٢)، وفي التفسير عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب (٣)، وقال عقب حديث عمرو بن علي: تا ابعه ابن جريج،

----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٣٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾.
(٢) سيأتي برقم (٦٥٣٦) باب: من نوقش الحساب عذب.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).



ومحمد بن سليم، وأيوب، وصالح بن رستم، عن ابن أبي ملكية: سمعت عائشة (١).
وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب عن أبي بكر، وابن حجر، عن ابن عُلَية، عن أيوب، وعن أبي الربيع، وأبي كامل، عن حماد، عن أيوب، وعن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود كلاهما عن ابن أبي مليكة (٢).
وأخرجه في التفسير عن مسدد، عن يحيى (٣)، وفي الرقاق عن إسحاق بن منصور، عن روح (٤).
وأخرجه مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى كلاهما عن أبي يونس حاتم، عن ابن أبي ملكية، عن القاسم، عن عائشة، زاد فيه القاسم: بينهما (٥).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف بهم.
فأما نافع (ع) فهو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر (بن خثيم بن سعيد بن عامر) (٦) بن حذيم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح القرشي الجمحي المكي، وهو ثبت حجة، مات سنة تسع وستين ومائة (٧).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٦٥٣٦).
(٢) رواه برقم (٢٨٧٦) كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: إثبات الحساب.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).
(٤) سيأتي برقم (٦٥٣٧).
(٥) رواه مسلم (٢٨٧٦/ ٨٠).
(٦) كذا في الأصل، و(ج)، لكني لم أقف عليها في ترجمته.
(٧) قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ، صحيح الحديث، ووثقه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: ثقة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٤. «الجرح والتعديل» =



وأما سعيد: فهو أبو محمد (ع) سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي البصري.
سمع مالكًا وغيره، وعنه البخاري هنا وغيره، وروى مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، وروى البخاري في تفسير سورة الكهف عن محمد بن عبد الله عنه. قَالَ الحاكم: يقال: إنه الذهلي محمد بن يحيى، وكان فقيهًا مصريًّا ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
قَالَ أحمد بن عبد الله: كان لَهُ دهليز طويل، يأتيه الرجل يقف يسلم عليه فيرد عليه: لا سلم الله عليك ولا حفظك. فأقول: ما لهذا؟ فيقول: قدري. ويقول مثله لآخر، فأقول: ما لهذا؟ فيقول: رافضي خبيث. لا يظن إلا ردَّ عليه سلامه.
وكان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه. وأتاه رجل فسأله أن يحدثه فامتنع، وسأله آخر فأجابه، فقال لَهُ الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك فأجبته؟ فقال: إن كنتَ تعرف الشيباني من السيناني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك (١).

--------------------
= ٨/ ٤٥٦ (٢٠٨٨). «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٨٧ (٦٣٦٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (١٦٣)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٧٠.
(١) قال عنه الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد بن حنبل، عمّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم. وقال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: ولد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٦٥ (١٥٤٧). «ثقات العجلي» ١/ ٣٩٦ (٥٨١). «الجرح والتعديل» ٤/ ١٣ (٤٩). «تهذيب الكمال» ١٠/ ٣٩١ (٢٢٥٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٢٧ - ٣٣٠ (٨٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ٥٣.



ثالثها:
استدرك الدارقطني هذا الحديث عَلَى الشيخين وقال: اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة فروى عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم عنها (١).
والجواب أن هذا ليس علة لجواز أن يكون سمعه منها ومن القاسم عنها.
رابعها:
قوله: (كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ): انفرد به البخاري عن مسلم، وفي بعض طرقه: «ليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (٢). وذكره البخاري في التفسير بلفظ: «إلا هلك» (٣) قَالَ الهروي: انتقشت منه حقي: استقضيته منه، ومنه نقش الشوكة استخرجها (٤).
ومعنى الحديث: أنه مفض إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وبفضله وإقداره لَهُ عليها وهدايته لها، وأن الخالص من الأعمال قليل، ويؤيده قوله: «يهلك» مكان «يعذب».
ويحتمل كما قَالَ القاضي: أن نفس مناقشة الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف عَلَى قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ (٥). وسيأتي إيضاح هذا الحديث في سورة الانشقاق من التفسير إن شاء الله تعالى.

------------------
(١) انظر: «الإلزمات والتتبع» ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٩٠).
(٢) سيأتي برقم (٦٥٣٧).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩).
(٤) انظر: «غريب الحديث» ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٥) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٠٧.



٣٧ - باب لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ
قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَث البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأبِي شُرَيْحِ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيدُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [١٨٣٢، ٤٢٩٥ - مسلم ١٣٥٤ - فتح: ١/ ١٩٧]

١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّد: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّد يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَانَ ذَلِكَ «ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ. [انظر: ٦٧ - مسلم ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٩٩]
حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ -هو ابن أبي سَعِيد- عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا،





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* سمات دولة النبي صلى الله عليه وسلم
* مقارنة بين انتشار الإسلام وانتشار المسيحية
* خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحرب
* سقوط الأمم والدول
* ملامح الثلث الأخير من خير القرون
* ماذا تعرف عن الأقصى؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس