أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية:
وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به، فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكةً له، وله سبحانه الملك والحمد، وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأنبياء إلى محدثها، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق.
والصواب أن الأشياء مفتقرةٌ إلى الخالق لذواتها، لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غنى الرب وصفٌ لازمٌ له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غنيٌّ بنفسه لا بوصف جعله غنيًّا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها[16].
السعادة في معاملة الخلق معاملتهم لله:
فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكفّ عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم.
وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا))، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتَّقاه، وكان عبده الصالح والله يتولَّى الصالحين، وهو كافٍ عبده: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ [الفرقان: 27، 28]، وأما كون حامده ينقلب ذامًّا، فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداءً عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم[17].
في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7].
ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك ما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟))، وهو حديث صحيح. وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العُبَّاد ففيه شبه من النصارى، كما يُرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب والبخل بالعلم والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك[18].
الغلو في الأمة من طائفتين: الشيعة والمتصوفة:
والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضُلَّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهَّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهَّم في نبيِّنا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى، وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسُّنَّة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [المائدة: 12]، والتعزير: النصر والتوقير والتأييد. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [الفتح: 8، 9]، فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].
وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، وقال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 52]، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده؛ كما قال: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [النحل: 51] وقال: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44].
فقد بيَّن الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له ومحبته وتعزيره وتوقيره ونصره وتحكيمه والرضا بحكمه والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه وتقديمه على النفس والأهل والمال وردّ ما يتنازع فيه إليه، وغير ذلك من الحقوق، وأخبر أن طاعته طاعته، فقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، ومبايعته مبايعته؛ فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾ [الفتح: 10]، وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 24]، وفي الأذى فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 57]، وفي الطاعة والمعصية فقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [النساء: 13] ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [النساء: 14]، وفي الرضا فقال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي[19].
العبادة والاستعانة لله وحده:
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له؛ كما قال: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36] ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5]، وقد جمع بينهما في مواضع؛ كقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ [الفرقان: 58]، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، وكذلك التوكل؛ كما قال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12].
والدعاء لله وحده، سواءً كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة والاستعانة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18 - 20]، وذمَّ الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم، فقال: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 56، 57].
وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثيرٌ جدًّا، بل هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله))، وقال: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحًا)) وقال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ وجبت له الجنة))، وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه))، فبَيَّن بهذا أن النية عمل القلب، وهي أصل العمل، وإخلاص الدين لله وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله[20].
الخشية والإنابة من العبادة:
ويدخل في العبادة: الخشية، والإنابة، والإسلام، والتوبة؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 39]، وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [التوبة: 18]، وقال الخليل: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 80، 81]، وقال نوح: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ [نوح: 3]، فجعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن يطاع، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 64]، وكذلك قالت الرسل مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: 50]، فجعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا.
فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار؛ كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله، وأن تجعل له ندًّا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركًا؛ أي: نصيبًا في عبادتك وتوكُّلك واستعانتك[21].
في ألا يسأل العبد إلا الله:
قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8]، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))، وفي الترمذي: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر))، وفي الصحيح أنه قال لعدي بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: ((لا تسألوا الناس شيئًا))، فإن سوط أحدهم يسقط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، وفي الصحيح في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((هم الذين لا يسترْقُون ولا يكتوون ولا يتطيرون))، والاسترقاء: طلب الرقية، وهو نوعٌ من السؤال.
وأحاديث النهي عن مسألة الناس الأموال كثيرة؛ كقوله: ((لا تحل المسألة إلا لثلاثة))، وقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله))؛ الحديث، وقوله: ((لا تزال المسألة بأحدكم))، وقوله: ((من سأل الناس وله ما يغنيه)) وأمثال ذلك، وقوله: ((من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته))؛ الحديث.
وأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه؛ بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإن شفاء العيِّ السؤال))؛ ولكن من المسائل ما ينهى عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ [المائدة: 101]؛ الآية، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك[22].
العبادات مَبْناها على الشرع والاتباع:
العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبنيٌّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ [الجاثية: 18، 19] الآية، وقال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21]، فليس لأحدٍ أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، لا يعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي مسلم أنه كان يقول في خطبته: ((خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).
وعن ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد، وتوحيدٌ معه كذب خيرٌ من شرك معه صدق؛ ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثًا))، وقرأ قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]، وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك، فكيف الناذر لغير الله؟ والنذر أعظم من الحلف؛ ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين[23].
الفرق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية:
قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي؛ ولهذا يوجد كثيرٌ من الناس يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين، ومن هؤلاء من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات، إلى غير ذلك من واجبات الحج.
وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يُرى في اليوم الواحد ببلده ويُرى بعرفة، ومنهم من يتصوَّر الشيطان بصورته، ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفًا، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة، فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثَّل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ [طه: 123] إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طه: 126] ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس: ((تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألَّا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية))[24].
الشرك بالله أعظم الذنوب:
اعلم- رحمك الله- أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، وفي الصحيحين ((أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك))، والندُّ: المثل، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾ [الزمر: 8]، فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة، فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها؟[25]
في محركات القلوب إلى الله:
ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرِّك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به فتقل آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته، فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62]، والخوف المقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره.
فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به؛ ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42] الآية. والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 69]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا، وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر، والعرض والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو، وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع، وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله سبحانه وتعالى أعلم[26].
مسألة: من يجوِّز الاستغاثة بالنبي:
والتوسل إلى الله بغير نبيِّنا صلى الله عليه وسلم- سواء سُمِّي استغاثة أو لم يسم- لا نعلم أحدًا من السلف فعله ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ففيه حديث في السنن رواه النسائي والترمذي وغيرهما: ((أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: توضَّأ وصلِّ ركعتين ثم قل: اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيِّك محمد، يا محمد، إني أتشفع بك في رد بصري، اللهم شفع نبيَّك فيَّ، وقال: فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك، فردَّ الله بصره))، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به، وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال: ((كنا إذا أجدبنا نتوسَّل بنبيِّنا إليك فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعم نبيِّنا فاسقنا))، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسَّلوا بعمِّه العباس بعد موته، وتوسُّلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعًا لهم داعيًا لهم؛ ولهذا قال في حديث الأعمى: ((اللهم فشفِّعْه في)) فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه.
والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك[27].
مسألة: من يمنع الاستغاثة بالنبي:
قد ثبت بالسُّنَّة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم. ثم اتفق أهل السُّنَّة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحدٌ. وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضُلَّال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل.
وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمَّى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه. وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب: ((كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون)). وفي سنن أبي داود وغيره: ((أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك))، وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله، بل أقرَّه عليه فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضالٌّ مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.
وأما من أقرَّ بما ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله، وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب، وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 135]، وقال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، وكما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [فاطر: 3]، وكما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]. فالمعاني الثابتة بالكتاب والسُّنَّة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسُّنَّة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك، رُتب عليه حكمه وإلا رُجع فيه إليه.
وقد يكون في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا يرد عليه فهمه؛ كما روى الطبراني في معجمه الكبير: ((أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله))، فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون[28].
في الشفاعة المنفية في القرآن:
كقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ [البقرة: 48]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ [البقرة: 123]، وقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾ [البقرة: 254]، وقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ [الشعراء: 100، 101]، وقوله: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر: 18]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ [الأعراف: 53]، وأمثال ذلك. واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب.
ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار، وأيضًا ففي الصحيح: ((عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار))[29].
فيمن قال لا بد من واسطة بيننا وبين الله:
إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعدَّه لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك، إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زُلْفى، ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة.
وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ [السجدة: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ [الأنعام: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23].
وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقرَّبون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 79، 80]، فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر[30].
الدعاء للغير ينتفع به الداعي:
فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له. فمن قال لغيره: ادْعُ لي، وقصد انتفاعهما جميعًا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبَّه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببِرٍّ وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضًا يثاب مثل ثوابه لكونه دعا إليه، لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19]، فأمره بالاستغفار، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 64]، فذكر سبحانه استغفارهم واستغفار الرسول لهم؛ إذ ذاك مما أمر به الرسول؛ حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب، ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه وإنعامه عليه[31].
إثبات الوسائط كالتي بين الملوك والرعية شرك:
إن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عُبَّاد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقرَّبون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى؛ حيث قال: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].
وقد بيَّن الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحدٌ غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكَّل إلا عليه، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [المائدة: 44] ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [آل عمران: 175]؛ أي: يخوفكم أولياءه ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ [النساء: 77][32].
[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1 ص4-5.
[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص7.
[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص8-9.
[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص10-11.
[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص15-16.
[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص21-22.
[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص23.
[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص27-28.
[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص28.
[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص29-32.
[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص36.
[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص37-38.
[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص39-40.
[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص41-43.
[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص43-44.
[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص45-46.
[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص51-52.
[18] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص65.
[19] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص66-68.
[20] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص69-70.
[21] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص71-74.
[22] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص78-79.
[23] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص80-81.
[24] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص83-84.
[25] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص88.
[26] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص95-96.
[27] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص105-106.
[28] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص108-110.
[29] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص116-117.
[30] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص121-124.
[31] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص133.
[32] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص134-135.