عرض مشاركة واحدة
قديم 02-26-2026, 01:10 PM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(8)





الــــــــرجــــــــــــاء



الحمد الله الرؤوف الرحيم .. المؤمل بكشف الملمات .. والمرجو برفع الدرجات .. وأشهد أن لا إله إلا الله نرجو رحمته ونخاف من سوء أعمالنا .. وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما ً كثيرا .​
أما بعد ..​
فإن من عبادات القلوب ..رجاء رحمة علاّم الغيوب ، قال تعالى) أولئكَ الّذينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إلىَ رَبّهِمُ الوَسِيلَة أيّهُم أقَرَب وَيَرجُونَ رَحمَتَه وَيَخَافُونَ عَذَابَه ( وفي الصحيح يقول النبي صلّى الله عليه وسلم :{ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن

بربه }، ويقول :{ قال الله عزّ وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء }.​
قال ابن القيم :{ الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة }، أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل ، كرجاء المطيع لثواب ربه ، أو رجاء كائد لمغفرته وعفوه .​
الرجاء ضروري للمريد السالك ، والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد ، فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه ، وعيب يرجو إصلاحه ، وعمل صالح يرجو قبوله ، واستقامة يرجو حصولها ودوامها ، وقرب من الله وعلو منزلة عنده يرجو وصوله إليها.​
الرجاء من الأسباب التي ينال العبد بها ما يرجوه من ربه .. بل هو أقوى الأسباب ، وفي قوله تعالى ) إن الّذينَ آمَنُوا والّذينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا في سَبيلِ اللهِ أولئكَ يَرجُونَ رَحمَةَ الله ( دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بالقيام بالأعمال ، وأما الرجاء

المقارن بالكسل فهو غرور وأمن من مكر الله وهو دال على ضعف الهمّة ، ونقص العقل ، وفي الآية دلالة على أن العبد لا يعتمد على عمله ، ولا يعّول عليه ، بل يرجو رحمة ربه .​


حسن الظن وعظم الرجاء أحسن ما تزود به المؤمنون لقدومهم على ربهم جل وعلا، قوة الرجاء بالله أمان لكل خائف، ومما يدعو إلى زيادة الرجاء في الله وفي فضله التعرف على أسماء الله التي تجعل القلب يرجو رحمة الله جل وعلا، فهو سبحانه البر الرحيم، وهو سبحانه الغفور الرحيم، وهو سبحانه العفو الكريم، وهو سبحانه المحسن الحليم، وهو سبحانه المعطي الجواد، وهو سبحانه الوهاب الرزاق .
إذا علم العبد أن رحمة الله واسعة دعاه ذلك إلى أن يكون قلبه معلقًا برجاء الله، قال تعالى: ﴿ ۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن

رحمتي غلبت غضبي».
إن استشعار العبد لعبوديته لربه وفقره إليه وحاجته لما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضل الله وإحسانه طرفة عين، يدعوه ذلك كله إلى أن يملأ قلبه من رجاء الله تعالى.
إذا عرف العبد أن الله تعالى يحب العبد متى رجاه وسأله، فإنه سيكون من الراجين السائلين، وفي الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
من أسباب تحصيل الرجاء: أن يشاهد العبد عِظَمَ فضل الله عليه، وعموم إحسانه عليه في نفسه وعلى غيره، فكم من نعمة أنعمها عليك ربك أيها العبد؟ وكم من خير أوصله إلى غيرك؟ قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨].

ومن أسباب تحصيل رجاء الله تعالى: أن يستحضر المؤمن وعد الله للمؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقال سبحانه: ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢].
ومن أسباب تحصيل العبد لرجاء الله تعالى: أن يعلم أن الله تعالى يغفر ذنوب العباد التائبين مهما تعاظمت، قال تعالى: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] إذا لاحظ العبد سنة الله في الكون بنصر أوليائه المؤمنين ازداد قلبه رجاءً لله تعالى، ﭽﮄﮅﮆﮇﭼ [الزمر: ٣٦]، ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وإذا لاحظنا أن الله تعالى يجيب دعاء الداعين على اختلاف أزمانهم وأماكنهم، وعلى تنوع لغاتهم وألسنتهم زادنا ذلك رجاءً

في الله تعالى، ثم إن الثمرات العظيمة التي تحصل من رجاء الله تعالى تدعونا إلى أن نملأ قلوبنا من رجاء الله، فمِنْ ثَمَرَات الرجاء: أن الرجاء من أسباب مغفرة الذنوب، كما ورد في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
الرجاء من أسباب رضا الله عن العبد ومحبته له وقربه منه.
الرجاء يُنَشِّط النفس على طاعة الله، فإن من عرف قَدْرَ مطلوبه هان عليه ما يبذله فيه، قال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
الرجاء يجعل العبد يتلذذ بأنواع الطاعات، فكلما طالع القلب ثمرات الطاعات وحسن عاقبتها الْتَذّ بها.

الرجاء يبث الطمأنينة في النفس ويُبْعِدُ عنها الوساوس والخطرات، ويهون عليها المصائب؛ إذ النفس ترجو من الله زوال ما حَلَّ بها من مصيبة، وبذلك يَقْوَى العبدُ على أعداء الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤].
لولا التعلق بالرجاء تقطعت
نفس المحب تحسرًا وتمزقا
لولا الرجا يحدو المطي لما سرت
يحدو لهم لديارهم ترجو اللقا
رجاء الله، ورجاء ثوابه يحدو العبد إلى متابعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والسير على طريقة عباد الله الصالحين، ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ

فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ٦].
الرجاء من أكبر أسباب تحصيل الأجور العظيمة، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ – ٣٠].
الرجاء سبب لتحصيل منافع الدنيا والآخرة، وفي الحديث: أن النبي r دخل على شاب وهو في الموت قال: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله، إني لأرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال r: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنَهُ مِمَّا يخاف» وما أعظم ما ينتج الرجاء من انتظار رحمة الله، وتوقّع فضل الله الذي يُعَلِّق القلب بالله، ويجعل اللسان يكثر من ذكر الله!
وانظر من مواقف الرجاء: موقف نبي الله يعقوب لما أخذوا أبناءه منه بأعذار واهية﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ

هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].
وانظر في مواقف أنبياء الله وأوليائه في أوقات الأزمات، والمحسنون يتلقون ذلك بصدر مُنْشَرِح، يرجون من الله الفرج، بل يرجون أن يكون ما نزل بهم سببًا للخير العميم.
أسأل الله جل وعلا أن يملأ قلوبنا وقلوبكم من رجائه سبحانه.
هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* 6 أخطاء ابعد عنها عشان تحتفظ بحب وتقدير أولادك.. ابعد عن المثالية الزايدة
* رسالة إلى القادرين على التغيير
* حقوق الزوجة على زوجها
* 4 قواعد مهمة لتربية طفل واثق من نفسه ويتعامل بدون خوف
* السلوك العدواني عند الأطفال
* تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا...}
* إجابة الدعاء أسباب وأحوال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس