عرض مشاركة واحدة
قديم 03-12-2026, 11:55 AM   #22

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(22)





وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «وقد لبَّس على قوم بكثرة التلاوة، فهم يَهُذُّون هَذًّا، من غير ترتيل ولا تَثَبُّت، وهذه حالة ليست بمحمودة، وقد روى جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يوم، أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داوم عليه فإنه- وإن كان جائزًا- إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (1)» اهـ (2).


ب- اشتغال القلب بمخارج الحروف، والمُبَالَغة في ذلك، والتكلف في الإتيان بالمدود؛ فإن القلب يتوجه عندئذ إلى القوالب اللفظية دون أن يتجاوزها إلى المعاني (3).
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «ولا يجعل هِمَّتَه فيما حُجِبَ به أكثر الناس من العلوم
عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإِمالتها وَالنُّطق بالمدِّ الطَّويل والقصِير والمتوسِّط وغير ذلك؛ فَإن هذا حائلٌ للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرَّب من كلامه» اهـ (4).
جـ - قِلَّة الرغبة في تَفَهُّمِه، وتَوَفُّر الهمة في الاشتغال بغيره من العلوم، وهذا حال كثير من طلاب العلم وغيرهم، وكان شُعبة بن الحَجَّاج - رحمه الله - يقول لأصحاب الحديث: «يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث، تأخرتم في القرآن» (5).


وقال الشافعي - رحمه الله - عن القرآن: «حَقٌّ على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من عِلْمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك عِلْمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خير إلا بعونه؛ فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرَت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة» اهـ (6).


وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -: «وأما طلب حفظ القرآن، فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا: وهو إما باطل أو قليل النفع، وهو أيضًا مُقَدَّم في التعلم في حق من يريد أن يَتَعَلَّم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن؛ فإنه أصل علوم الدين ... والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه هِمَّة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» اهـ (7).
وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «ولو تفكروا لَعَلِموا أن المراد حفظ القرآن، وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يُصْلِح النفس ويُطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمُهِم من علوم الشرع، ومن الغَبْن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم»
اهـ (8).


د- قد يكون عدم حضور القلب لِتَفَرُّقِه لأمور عارضة من هَمٍّ بصاحبه، أو انفعال وتوتُّر، أو قلق مُزعج، أو فرح مُفْرِط، أو أَلَم يُعانيه، أو حَقْن أو حَقْب، أو غير ذلك من الأمور التي تعرض للإنسان، فينبغي أن يكون وِرْدُنا في التدبر في حالٍ تتهيأ فيها النفس، وتكون مستعدة للتدبر والتفهم.
ثالثًا: التصورات الذهنية القاصرة:

إن الإنسان- كما سبق- أَسِيرٌ لمعتقداته وتصوراته وأفكاره، فمن التصورات الفاسدة التي تَحُول دون التدبر:
1 - اعتقاد أن القرآن نزل لمعالجة أوضاع وأحوال كانت في عصر التنزيل، ولا تَعَلُّق
له بحياة الناس المعاصرة ومستجدَّاتها!
وقد مضى طرفٌ من الكلام الذي له تَعَلُّق بهذه القضية عند الكلام على شروط التدبر. وهكذا من ينظر إليه باعتبار أنه كتاب يُقرأ للبركة فحسب، أو للرقية، أو في المآتم
والأحزان.


قال ابن القيم - رحمه الله -: «أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتَضَمُّنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خَلَوْا من قبل ولم يُعْقِبُوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولَعَمْر الله إن كان أولئك قد خَلَوْا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شرٌّ منهم أو دونهم، وتَنَاوُل القرآن لهم كتناوله لأولئك» اهـ (9).
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله -: «وربما سمع بعضهم قول من يقول
من المفسرين: هذه نزلت في عُبَّاد الأصنام، هذه نزلت في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر أن ذلك مُخْتَصّ بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تَحُول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة» اهـ (10).
2 - الورع البارد:


وذلك أن بعضهم ربما ترك التدبر تورُّعًا من القول على الله بلا علم.
يقول عن ذلك ابن هُبيرة - رحمه الله -: «من مكايد الشيطان: تنفيره عِبَاد الله من
تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مُخَاطَرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تَوَرُّعًا» اهـ (11).
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله -: «ومن قال: إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما
نتلوه متعبِّدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج» اهـ (12).
وقال الشِّنقيطي - رحمه الله -: «قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبُّر هذا القرآن العظيم، وتفهمه والعمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة ... قول لا مُسْتَنَد له من دليل
شرعي أصلًا.
بل الحق الذي لا شك فيه أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما ...


مما يوضح ذلك: أن المُخَاطَبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مُسْتَكْمِلًا لشروط الاجتهاد المُقَرَّرة ... لو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالاصطلاح الأصولي لَمَا وبَّخ الله الكفار، وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، ولَمَا أقام عليهم الحجة به ...
ولْتعلمْ أن كتاب الله وسنَّة رسوله في هذا الزمان أيسر منه بكثير في القرون الأولى؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك ... فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من
النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين» اهـ (13).
والله تعالى أعلم، وصلى على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


-------------------------
(1) مضى تخريجه ص: 37.
(2) تلبيس إبليس ص: 128، وسيأتي نحوه قريبًا.
(3) للاستزادة راجع: الإحياء (1/ 284).
(4) مجموع الفتاوى (16/ 50).
(5) سير أعلام النبلاء (7/ 223)

(6) الرسالة ص: 19.


(7) مجموع الفتاوى (23/ 54 - 55).
(8) تلبيس إبليس ص: 101
(9) مدارج السالكين (1/ 343)

(10) تحفة الطالب والجليس (ص 65)، وضمن الدرر السنية (12/ 205).
(11) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 156).
(12) التبيان ص: 343
(13) الأضواء (7/ 459 - 460). وقد مضى ص: 77، وراجع بقية كلامه - رحمه الله - فإنه مفيد


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الاستئذان ... الأدب الضائع
* جرائم الإنترنت
* الذكر بالقلب والنفس والثواب المترتب عليه
* من ثقافة القول إلى حياة الامتثال
* عودة لطلب العلم
* وجعلنا نومكم سباتا
* قضاء راتبة الفجر إذا فاتت بعذر

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس