عرض مشاركة واحدة
قديم 04-14-2026, 07:48 PM   #4

 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

السليماني غير متواجد حاليا

افتراضي

      

٢ - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]

هذه الآية الكريمة لها شأن كبير؛ كان ﵊ يقرؤها كثيرا في الركعة الأولى من سنة الصبح، وقد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به، فإن الإيمان الشرعي هو تصديق القلب التام وإقراره بهذه الأصول، المتضمن لأعمال الجوارح ولأعمال القلوب؛ وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها؛ فهي إيمان، وهي من آثار الإيمان، فإذا أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك إذا أطلق الإسلام فإنه يدخل فيه الإيمان، فإذا قرن بين الإسلام والإيمان فسر الإيمان بما في القلب من العقائد الصحيحة والإرادات الصالحة، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة.

وكذلك إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح، الإيمان لما في الباطن، والعمل الصالح هو الظاهر، ومع إطلاق الإيمان يدخل فيه العمل الصالح،كما في كثير من الآيات؛ فقوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٨٤]) إلخ، أي: قولوا ذلك بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول التام الذي يترتب عليه الثواب والجزاء؛ فكما أن النطق باللسان بدون اعتقاد القلب ليس بإيمان، بل هو نفاق، فكذلك القول الخالي من عمل القلب عديم التأثير قليل الفائدة.

وفي قوله: (قُلْ) إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها؛ إذ هي أصل الدين وأساسه، وفي مثل قوله: (آمنا) - وما أشبهها من الآيات التي يضاف الفعل فيها إلى ضمير الجمع - إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعا، والحث على الائتلاف، والنهي عن الافتراق، وأن المؤمنين كالجسد الواحد، عليهم السعي لمصالحهم كلها جميعا، والتناصح التام.

وفيه دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد، بأن يقول: أنا مؤمن بالله؛ كما يقول: آمنت بالله، بل هذا الأخير من أوجب الواجبات، كما أمر الله به أمرا حتما، بخلاف قول العبد: أنا مؤمن، ونحوه، فإنه لا يقال إلا مقرونا بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس؛ لأن الإيمان المطلق يشمل القيام بالواجبات وترك المحرمات، فهو كقوله: أنا متق أو ولي أو من أهل الجنة، وهذا التفريق هو مذهب محققي أهل السنة والجماعة.

فقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: بأنه واجب الوجود، واحد أحد فرد صمد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، مستحق لإفراده بالعبودية كلها، وهو يتضمن الإخلاص التام.

﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤] يدخل فيه: الإيمان بألفاظ الكتاب والسنة ومعانيهما، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]

فيدخل في هذا الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله: من أسماء الله وصفاته وأفعاله، وصفات رسله، واليوم الآخر والغيوب كلها، والإيمان بما تضمنه الكتاب والسنة أيضا: من الأحكام الشرعية: الأمر والنهي وأحكام الجزاء، وغير ذلك.

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلخ: فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عموما، وخصوصا ما نص عليهم منهم في الآية الكريمة وغيرها، لشرفهم ولكونهم أتوا بالشرائع الكبار، فمن براهين الإسلام ومحاسنه، وأنه دين الله الحق: الأمر بالإيمان بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله مجملا ومفصلا؛ فكل من ادعى أنه على دين حق كاليهود والنصارى ونحوهم فإنهم يتناقضون، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، فيبطل كفرهم وتكذيبهم تصديقهم، ولهذا أخبر عنهم أنهم الكافرون حقا، وأنه لا سبيل يسلك إلى الله إلا سبيل الإيمان بجميع الرسل، وبجميع الكتب المنزلة على الرسل.

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] برهان على أن الأنبياء وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه، وأنه ليس لهم من الأمر شيء؛ وفي الإخبار بأنه من ربهم بيان أن من كمال ربوبيته لعباده التربية التامة أنه أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ليعلموهم ويزكوهم ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، وأنه لا يليق بربوبيته وحكمته أن يتركهم سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون.

ويفهم من الآية الكريمة الفرق بين الأنبياء الصادقين، وبين من يدعي النبوة من الكاذبين؛ فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم لبعض، ويكون كل ما جاءوا به متفقا لا يتناقض، لأنه من عند الله، محكم منتظم، وأما الكذبة فإنهم لا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم، ويعلم كذبهم بمخالفته لما يدعو إليه الأنبياء الصادقون.

فلما بين تعالى جميع ما يجب الإيمان به، عموما وخصوصا، وكان القول لا يغني عن العمل، قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: خاضعون لعظمته، منقادون لعبادته بباطننا وظاهرنا، مخلصون له بذلك؛ فإن تقديم المعمول على العامل يدل على الحصر.

فهذه الأصول المذكورة في هذه الآية قد أمر الله بها في كتابه في عدة آيات من القرآن إجمالا وتفصيلا، وأثنى على القائمين بها، وأخبر بما يترتب عليها من الخير والثواب؛ وأنها تكمل العبد وترقيه في عقائده وأخلاقه وآدابه، وتجعله عدلا معتبرا في معاملاته، وتوجب له خير الدنيا والآخرة، ويحيا بها الحياة الطيبة في الدارين، وتجلب له السعادتين، وتدفع عنه شرور الدنيا والآخرة، وقد أخبر في هذه السورة أن الرسول والمؤمنين قاموا بهذه الأصول علما وتصديقا وإقرارا، وعملا ودعوة وهداية وإرشادا، فكتب أهل العلم المصنفة في العقائد كلها تفصيل لما في هذه الآية الكريمة.

التوقيع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم ) مجموع الفتاوى ( 52/18)
قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة .


مدونة شرعية

https://albdranyzxc.blogspot.com/

من مواضيعي في الملتقى

* أقسام الشرك ومظاهره ...
* كتاب تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ... الشيخ العلامة السعدي
* جماعة التكفير والهجرة ...
* فتوى العلامة الألباني رحمه الله في الخميني ...
* خصائص وفضائل شهر المحرم ...
* الترغيب في الجنة ونعيمها ...
* فوائد الحجامة ...

السليماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس