مجالس التدبر
سورة يونس
سورة يونس (الآيات 1-25)
﴿يدبر الأمر﴾ كان يقيناً تاماً من النبي عليه السلام ب( يدبر الأمر ) عندما قال لصاحبه : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ اليقين بها
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ عليك البدء والصدق وعلى ربك التمام وشواهد ذلك في كتاب الله كثير(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(والذين اهتدوا زادهم هدى) (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾
المفتاح للفهم (وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) أستبعد الناس قدرة الله في كونه مصدر الرزق ونسوها ونسبوها لقدرتهم وسلطتهم وذكاءهم مثل نعمة النفط ظن الناس أن هذه النعمة مستمرة وأن غناهم ليس بعده فقر ونسوا أنهم كانوا فقراء مثال قارون فأهلكه الله هو وماله وقس على ذلك
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) يحزن البعض من عدم استجابة دعاءهم ، ولكن قد يكون هو شر لهم، استخر الله في جميع الامور ، وأرضى بقضائه لأنه سبحانه.... عليم ، حكيم ، رحيم.
﴿يُدبّر الأمر﴾ سبحانه الله الحكيم العليم يدبر أمور عباده وفق ماتقتضيه حكمته، فتدبير الله لك خير من تدبيرك لنفسك، وإن كان ظاهر الأمر غير ما ترغب.
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) على قدر الإيمان تكون الهداية للصالحات والاستزادة منها... فكلما زاد الإيمان زادت الهداية
(والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) يخلق لهم الجنة.. ثم يدعوهم إليها.. ثم يعطيهم ثمنها.. ثم يعينهم على بذله.. أي كرم هذا.!
أول آية{ألر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ وآخر آيةٍ في السورة ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } فكأن مجمل السورة يقول اتبع آيات الكتاب الحكيم واصبر على ما يصيبك في سبيل ذلك فإنه طريق صعب وإن الجنة غالية المهر
{ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} الدنيا إذا استقرت في القلب واطمئن ورضي بها فهو سبب لغفلته {والذين هم عن ءاياتنا غافلون}
(إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا) دعوة للتفاءل فلاتحزن من مكر الماكرين بالدين وأهله
"فلما أنجاهم" أناس على الشرك،لما أخلصوا لله وتوجهوا بقلوبهم إليه لحظة نجّاهم مما هم فيه؛فكيف بموحّد يعلق قلبه بالله في عسره ويسره!
{ وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا } المخدوع بالدنيا : من ظن أنها دائما على أحسن حال فمن المحال دوام الحال كيف يأمن مكر الله تعالى من إذا طاب له شيء من أمر دنياه إطمأن به فضلا عمن يستعمله في حرام؟! ..
(حتى إذا أخذت اﻷرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليﻻ أو نهارا فجعلناها حصيدا) "كأن لم تغن بالأمس" بعدما كانت فيها الحياة، وكان فيها صولات وجولات، فتفكّر؛فإنك المعنيّ بالخطاب.. "كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكرون"
{ دعوا الله مخلصين له الدين } الكافر حين يخلص يقبل منه .. فكيف بالمؤمن الصادق .. ادعو وأخلصوا وأبشروا .. يا رب
(وفرحوا بها) الاطمئنان والاعتماد على الاسباب وجحد مسببها سبب للنكبات (جاءتها ريح عاصف وجائهم الموج من كل مكان)
"يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" كفى بهذه الآية زجرًا ووعظًا وترهيبًا لمن كان له قلب.
الخوف من عذاب الله .. حصن وأمان من الإنحرافات والزيغ والتنازلات .. { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}
(لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ) 22-23 كم مرة نقضنا عهدنا مع الله تعالى ، وبدلاً من شكره على نعمه ،كان منا الجحود والبغي ؟!
﴿ قال الكافرون إن هذا لساحر مبين﴾ الكذب والتضليل وخداع الناس صفات ملازمة للكافر.
سورة يونس (الآيات 26-70)
إذا عرفنا أن الزيادة هنا في قوله تعالى:{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}هي رؤية وجه الله، كما فسرها صلى الله عليه وسلم، فقد التمس بعض العلماء رابطا بين هذه الآية وبين تفسيره صلى الله عليه وسلم لمرتبة الإحسان:(أن تعبد الله كأنك تراه)فقال:لما أحسنوا في مراقبة الله -وهم لم يروه-أكرمهم برؤيته يوم القيامة.
{والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وترهقهم ذلة} هذا أثر السيئات على أهلها في الآخرة، وأما أهل الطاعات فقد قيل عنهم: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّة} وكما يكون هذا في الآخرة، فقد رأى الناس -في الدنيا- آثار المعاصي والطاعات على وجوه أهلها.
{وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} هكذا يتبرؤ الشركاء من شركائهم، وهكذا هي سنة الله في أصدقاء السوء.. بينما يغتبط الموحدون بتوحيدهم، ويرفعون رؤسهم به في الدنيا والآخرة.
{أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} كلما دعت نفسك للنظر والسماع الحرام، فاطرح عليها هذا السؤال الذي تكسرُ إجابتُه قلب المؤمن! هذا الذي يملك سمعك وبصرك، أليس قادرا على أن يسلبها منك وأنت تستعملها في معاصيه؟
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} هذه الآية قاعدة في معرفة سبب من أسباب ردّ الرادّين للحق.. وهو عدم علمهم بالحق. فاحذر أن تردّ شيئاً حتى تحيط بسببه، قال ابن القيم: إن البدارَ بردّ شيءٍ لم تُحط ** به علماً، سببٌ إلى الحرمانِ
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} هذه قاعدة قرآنية تبين سنة من سنن الله فيما يقع في كونه وخلْقه.
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} هذه الآية سلوة لما يراه المؤمن من إمهال الله للظالمين والطغاة.. فإذا كان الله لم ينتقم منهم جميعا في أفضل الأزمنة، فكيف بعصرنا؟
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(*)قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} هنا ينكسر القلم، وتطيش العبارات!
تأمل في: {شفاء}، {هدى}، {رحمة}، {فضل الله}، {رحمته}، وتأمل في {هو خير مما يجمعون}، وفي قراءة سبعية: {تجمعون}، فمن آتاه الله القرآن، علماً وعملاً، وظنّ أن أحداً أعطي خيراً منه، فما عرف نعمة الله، ولا قدرها حق قدرها!
يتبع
اسلاميات