عرض مشاركة واحدة
قديم 04-28-2026, 06:32 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

مؤلفاته المخطوطة
ـ رحلة إلى ألمانيا.
ـ بيوتات العرب في لبنان.
ـ مذكرات الأمير شكيب أرسلان، وقد أودعها مكتب المؤتمر الإسلامي في القدس لتنشر بعد وفاته.
وله العديد من المخطوطات تجاوزت الـ (24 مؤلف) ومعظم هذه المخطوطات موجود في المكتبة الخاصة بالملك المغربي الحسن الثاني، أو موزعة لدى العديد من أبناء الجبل في لبنان وحوران.
من روائع مقالاته
مقال بعنوان «التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم» ([4])يقول فيه:
أريد أن أناقش أحداً ولا أن أسمي أشخاصاً ولا أن أحمل على باحث أديب بتجهيل، وإنما أُلمح من خلال الكتابات التي يجود بها بعضُ أدباء الوقت منزعاً، إن كان في حد ذاته محموداً فقد ينقلب في إساءة استعماله مذموماً، ويصير ضلالاً.
ولع بعض الأدباء ([5])باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا، وسلوكِ طريقة في التعليل لم يسلكها الأولون؛ ارتياداً لوجوه جديدة، وأسبابٍ للحوادث لم تكن معروفة، بحيث يُقال: إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم، أو عرفوا أسراراً أعماها التاريخ الديني أو عَمّتْها السياسةُ وأهواؤها على الجمهور، ويسمون ذلك تحقيقاً وتمحيصاً، ويظنون أن التمحيصَ والتحقيقَ هما بمجرد المخالفة، والخروج عمَّا عليه الرأيُ العام.
والحقيقة أنه إن كان مقصدُهم مجردَ المخالفة، وتغيير الأسلوب؛ لعدم الصبر على طعام واحد - فقد أصابوا الغرض.
ولكن إن كانوا يزعمون أن هذه التعليلات الغريبة هي الأصل في تلك الوقائع فليسمحوا لنا أن نستعفيَهم من التصديق؛ لأننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية والنقلية، وملاحظة ما سبق وما لحق، واستنباطِ النتائج من المقدمات، ولا نعرفه تخرصاتٍ وافتراضاتٍ وأبنيةً على غير أساس.
فإن كان هذا هو التمحيص التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا التمحيص الذي هو عبارة عن قلب الحقائق؛ لأجل الإتيان بالبدع، ويجلُّ علماء الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض التمحيص، ولكن نبَّه المدققون منهم على أنهم خلطوا.
فعندما يقوم واحد، فيذهب إلى أن تاريخَ حربِ اليمامة محاطٌ بالغموض، وأن مُقاتلة أبي بكر لأهل الردة لم تكن من أجل إقامة الدين، بل من أجل تأسيس الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل - نعلم أنه حاول أن ينهج مناهج الممحصين، فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع ولو كان الإجماع صحيحاً؛ فلم يُصِبِ المرمى.
وعندما يقومُ آخر فيدَّعي أنَّ السلفَ في صدرِ الإسلام وضعوا «سانسور» ([6])على الشعر الجاهلي المُشْرَبِ مبادئ الوثنية أو النصرانية أو اليهودية - نعلم أنَّ هذه الدعوى مبنية على الافتراض والتخيُّل، وأنها لا تستند على دليلٍ، بل الواقع يُناقضها من كلِّ الجهات.
أعجبتني جداً عبارة الذي ردَّ على هذه الفئة ([7])فقال لهم: «مَنْ مِنْ ملوك المسلمين وحكامهم أمر بوأد الوثني واليهودي والنصراني ومحوه؟ ومَنْ مِن أعوان هؤلاء الحكام تولَّى ذلك؟ وكيف كانت طريقةُ المحو؟ وهل كُتب لها النجاح في كلِّ بلادِ الإسلام؟... إلخ».
والحقيقة أنه ليس لهم من جواب على هذا السؤال، ولا حيلةَ لهم في التخلص منه إلا بإيراد أدلة واهية لا تدفع شيئاً من حقيقة حرية الرواية في ذلك العصر، ومِن كون بابها بقي مفتوحاً على مصراعيه، ولا تنفي أن عصر الصحابة لم يعرف «السانسور» ولا مراقبة الرواية، ولا كمَّ الأفواه، ولا شيئاً من أوضاع «ديوان التفتيش».
وإذا تأملتَ في كلامِ هذه الفرقةِ رأيتهم يشيرون من طرف خفي إلى نزول درجة الحضارة التي كان عليها الصحابة، وأن شرائعهم وقوانينهم إنما كانت شرائع قوم في طفولة المدنية، وأنها لا تمس الحياة إلا قليلاً، وما أشبه ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إنْ هي إلا من أوضاع الهيئات الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثَّلَ الملك، وأن «السانسور» لا يأتي مع بداوة المجتمع، ولا يعقل وجوده في أيام السذاجة كالتي عاش فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضوان الله عليهم -.
فمراقبة الكتب والخطب كانت تقع في رومية والقسطنطينية لعهد عظمة القياصرة، وفي أيام سلطة الباباوات، وفي عهد ملوكٍ فاتحين كلويس الرابع عشر، وقد بالغ فيها نابليون الأول ثم نابليون الثالث، وقد وقعت من أيام العرب في عهد العباسيين وغيرهم من ملوك الأعاجم، أو الملوك العرب الذين اتخذوا أطوار الأعاجم.
فأما القولُ بأنها كانت في عهد الخلفاء الراشدين وفي أيام الصحابة فمحضُ تحكمٍ ومكابرة.
نعم كان هؤلاء الناس من شديدي التحمس بالدين الجديد الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن حماستهم هذه لم تَقْلَعْ ما في قلوبهم من حبِّ الحرية التي نشئوا عليها في الجاهلية، والتي لا يوجد في الشرق ولا في الغرب أمةٌ بلغت شَأْوَ العرب فيها.
ومن قال: «إن العرب أعرق الأمم في الحرية» فغير مبالغ؛ لهذا تجدهم رووا بألسنتهم، وكتبوا بأقلامهم جميع مطاعن المشركين في النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحْبِه، ولم يُخْفوا منها قليلاً ولا كثيراً، ونقلوا الشُبَهَ والاعتراضات التي كانت تقع على الرسول ورهطه، وذكروا كثيراً مما كان يردُّ به بعض العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكيف أنَّ اثنين تخاصما إليه، فحكم لأحدهما فقال المحكوم عليه: «هذا حكم لم يُرد به وجه الله»، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (( أوذيَ موسى من قبلي بأكثر من هذا)) ([8]).
وغير ذلك مما هو مستفيض في كتب السيرة النبوية وأخبار صدر الإسلام، ومما رواه الرواة المسلمون، وحرره الكتبة المسلمون، وأقرأه العلماء المسلمون.
ولم يكن عندهم حرج في نقل تلك الأحاديث وإبرازها كما جاءت؛ لأنهم كانوا على بينة من دينهم الذي دانوا به، وكانت قلوبهم مطمئنةً بالإيمان، وكانت سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة عندهم بدقائقها، فلم يكونوا يحتاجون فيها إلى «السانسور» دَرْءاً للشبهات عنها، وخوفاً من أن يُفضي تداول هذه الروايات إلى زعزعة عقيدة الإسلام التي لم تكن منذ جاء بها صاحبها - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم على شفا جرف هار.
إن الإسلامَ مولودٌ رُزِقَ الصحةَ، ووثاقةَ التركيب منذ ولادته.
نعم في هاتيك الأيام وما يليها كانوا يرددون أهاجي بعض الشعراء للصحابة والأنصار ولبني النجار وفي تلك الأيام كان يُعاتَبُ الرسولُ ويُقال له:
ما كان ضَرَّكَ لو عَفَوتَ فربما *** منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحْنَقُ
في أيام السلف كان يُنادي الأخطل:
ولستُ بصائمٍ رمضانَ عُمري *** ولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي
ولستُ بقائلٍ ما عشتُ يوماً *** قُبيلَ الصبحِ: «حيَّ على الفلاحِ»
كان يقولُ هذا ويدخلُ على الخلفاء، ويُجيزونه الجوائز السنية، وكان هو وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم، ويُعلنونه في أشعارهم التي كانَ يرويها المسلمون، ويُقيِّدونها في دفاترهم.
ولمَّا جاءَ الملكَ النعمانَ بن المنذر رجلٌ نصراني في اليوم الذي كان عنده يومَ بؤس وأمر النعمان بقتله، استماحه النصرانيُّ مُهلةً أن يذهبَ ويودِّعَ أهله، فأذن له، على أن يقدِّم كفيلاً يحل محله في القتل إذا هو لم يرجع، فرجع، وتعجب النعمان من وفائه، فسأله: ما حملك على هذا الوفاء؟ فأجابه النصراني: حملني ديني! فقال له النعمان: وما دينك؟ قال له: النصرانية، وتنصَّرَ النعمان بعد ذلك.
فكانت هذه الرواية مما حرَّره المسلمون ولم يغمطوا النصرانية حقَّها، ولا غمطوا اليهودية - أيضاً - حقَّها.
وأجمع العرب المسلمون على نقل مآثر السموأل، وكان السموأل يهودياً، ومازال السموأل مَضْرِباً للأمثال في علوِّ النفسِ وكرمِ السجية إلى يومنا هذا، حتَّى قال شوقي -شاعر العصر- منذ أيام قلائل:
كأنَّ من السموأل فيه شيئاً *** فكلُّ جهاته كرمٌ وخُلْقُ
فكيفَ يكون المسلمون الأوائل حاولوا خنقَ كلِّ صوتٍ غيرِ صوتهم، ومحوا آثارَ النصرانية واليهودية والوثنية من شعر العرب؟
ثم إنَّ شعرَ شعراء النصرانية في الجاهلية يملأ الدواوين، وما منهم إلا من حرص علماء الإسلام على التنبيه أنَّه كان نصرانياً، وقد نقلوا خطب قس بن ساعدة الذي كان مُطراناً، ونقلوا ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه.
وأما كون ديوان شعراء النصرانية المطبوع في بيروت موضوعاً، وأنَّ الشعراءَ المرويةَ أشعارُهم فيه لم يكونوا نصارى، بل جعلهم صاحب الديوان نصارى وهم جاهليون لا غير - فمن يقول هذا؟ ومن يصل به المراء إلى إنكار أن أكثر أولئك الشعراء كانوا نصارى؟ غاية ما يُقال: إنَّ بعض أولئك الشعراء لم تثبت نصرانيتهم، وهذا لا ينفي أنَّ شعراء كثيرين مثل العبادي، والأخطل، والقطامي كانوا نصارى مجمعاً على نصرانيتهم، وأنَّ المسلمين نقلوا أشعارهم كما هي ولم يحذفوا منها شيئاً، وكان شعراء المسلمين يناقشونهم ويداعبونهم، وكان جرير يقول:
قال الأُخيطلُ أن رأى راياتهم *** يا مارِسرجس لا نريد قتالا
فالقول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة تخالف دين الإسلام، وأنهم طووا شعر النصارى واليهود والمشركين - محضُ تحكمٍ لم يقم عليه أدنى دليل، بل قام الدليل على حرية الإسلام.
ونقل رواة المسلمين ليس شعر النصارى واليهود والمشركين فقط، بل أهاجيَ كثيرةً قالها هؤلاء في النبي وأصحابه وأنصاره.
وأما عدم حرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة للشعر وقولهم إن روايته ضلال فهذا زعم باطل مخالف للإجماع، فقد روى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشعر ([9])واستحسنه وقال: «إنَّ من الشعر لحكمة» ورواه عمر وعلي وسائر الصحابة، وتناشدوه، وطربوا له وكان فكاهة مجالسهم، وقصة كعب بن زهير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنشاده إياه «بانت سعاد» واهتزاز النبي لهذه القصيدة وإنعامه على كعب ببُردته الشريفة - كلُّ ذلك لا يحتاج إلى بيان.
ولكنَّ الشعر كسائر الأشياء إذا أسيء استعماله انقلب إلى الضرر، وإذا كان وقعَ من عمر -رضي الله عنه- وهو من أبصر الناس بنقد الشعر وأشدهم اهتزازاً لجيده - تضييقٌ على الشعراء، فيكون في المواطن التي أسيء فيها استعمال الشعر، وصار باباً للمشاحنات والفتن.
وكما أنَّ للخليفة طبيعةً ينفش بها إلى الأدب، ويعجب بسحر البيان فإنَّ عليه واجباً هو حماية الأعراض، وحفظ السلام.
وأما إزراء الشعراء بالعلماء، وما قاله بعض هؤلاء في الإعراض عنه، والتعوذ منه فهو من باب التورُّع من بعض الفقهاء، وذلك لأنهم كانوا يرون فيه مبالغة، وغلواً، وعبثاً، فأشفقوا من أن يؤثِّرَ الاعتمادُ عليه في أخلاقِ النشء، ويصرفهم عن العبادة.
ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم، ولا حَمَلَ الخلفاء والسلاطين على منع قرضِ الشعرِ وروايته والتأدبِ به، وذلك كما أنَّ نصرانية الأخطل والقطامي وأمثالهما لم تمنع متأدبي الإسلام من رواية أشعارهم، وحفظها والتأدب بها، وأن وثنيةَ أكثرِ شعراء الجاهلية لم تَحُلْ دونَ انطباع طلاب الفصاحة من المسلمين بأساليبهم، ونسْجهم على منوالهم.
ومَنْ مِنْ العلماء والمؤرخين المحققين يقدر أن يقول إن أدباء العرب بعد الإسلام رغبوا عن شعر الجاهلية، وأهملوا روايته؛ من أجل أن قائليه كانوا مشركين؟ أو أن المسلمين طووا كلام قس بن ساعدة، لأنه كان نصرانياً؟ أو لم يعجبوا بقصيدة «إذا المرء لم يَدنس من اللؤم عرضه» لأن صاحبها كان يهودياً؟ من يا رب يقول هذا إلا الذين يبنون التاريخ على الأهواء والخيالات؟
وقع التشدد في مثل هذه الأمور في أيام الدولة العباسية؛ لبعد العهد بسذاجة الدَّور الأول، وميلِ هذه الدولة إلى مناحي الأعاجم، وفُشُوِّ الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية في دار السلام، مما أخافَ الخلفاء ووزراءَهم على العقيدة الدينية، وحَفَزهم على الاحتياط لعدم انحلالها، وهذا أشبه بما كان في أوربة في القرون الوسطى، لا بل في القرون الأخيرة، لا بل بما لا تزال بقاياه إلى هذه الآونة.
وبرغم ما كان من هذا الاحتياط في أيام العباسيين، ومَنْ في عصرهم من ملوكِ الإسلام - فقد كان الناس يروون أهاجيهم، ومثالبهم، ويتناشدون المطاعن الفاحشة في أعراضهم حتى في مجالس أقرب الناس إليهم.
وقد شاعت أقاويل التعطيل والإلحاد في هاتيكَ الأيام برغم الضبط والمراقبة، ودُوِّنتْ أقوال الملحدين والدهريين.
ورُويتْ أشعارُ المعرِّي ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل قوله:
وقوم أتوا من أقاصي البلاد *** لرمي الجمارِ ولثمِ الحجر
وكثير غير هذا من أقواله، ورسالة الغفران وصلتْ إلينا، ولولا أنها تُدوِّلت بالنسخ من قراب ألف سنة ما وصلتْ إلينا، ولو كان هناك «سانسور» ما أبقى على رسالة الغفران.
وتجادل نصراني في الدين مع أحد بني العباس، ونال النصراني من العقيدة الإسلامية، وبلغَ المأمون ذلك فقال ما معناه، ما كان أغنى ابن عمِّنا عن تعريض دينه للطعن!
ولا أنفي - مع ذلك - أنَّ الدولة الإسلامية في القرون التالية كانت تحجر -أحيان- على الفلسفة التي يُراد منها التعطيلُ أو الإلحاد، ويُسمونها الزندقة.
فأما إزالة شعر النصارى أو اليهود أو المشركين، ومنع روايته فشيء لم يقع لا في زمن الصحابة، ولا في أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.
فيا إخواننا إنَّ التاريخ لا يكون بالظن، وإنَّ الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً، وهذا نتفٌ من كثير، ووشل من بحر؛ ولو كانت بيدينا الآن كتب لأحلناكم على شواهد لا تنتهي، فإن كنتم مع هذا تُصرُّون على المخالفة؛ لأجل المخالفة فليس هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما يُنقصها، وبدلاً من أن يضعَ العلم على قواعد اليقين يضعه على قواعد أوهى من بيت العنكبوت.
الرحيل
كان الأمير شكيب قد تزوج عام 1916 من السيدة سليمى بنت الخاص بك حاتوغو وهي قفقاسية ومن سكان منطقة السلط في الأردن، وأنجبت له: ولده غالب عام (1917م) في جبل عالية بلبنان، و «مي» عام (1928م) في لوزان، و «ناظمة» عام (1930م) في جنيف.
وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية سنة (1365هـ = 1945م) وتحررت سوريا ولبنان عاد شكيب أرسلان إلى بيروت في 30 تشرين أول (1946م)، فاستُقبل استقبالاً حافلاً، متع نظره بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من الاحتلال والاستبداد ـ إلا أنه تحالف عليه مرض تصلب الشرايين والنقرس والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته فلفظ أنفاسه الأخيرة ليلة الاثنين في 9 ديسمبر (1946م) بعد حياة حافلة بالعناء والكفاح.
ودوى النبأ الفاجع، فهرع الأمراء الأرسلانيون إلى بيته يرسلون إليه النظرة الأخيرة لوداعه، وهبت بيروت ودمشق إلى داره، وساد وجوم رهيب في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لموته، وشيع في اليوم التالي بموكب، مهيب وصلي عليه في الجامع العربي ببيروت، وسار في صدر هذا الموكب الحاشد رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك «بشارة الخوري»، ونقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في «الشويفات» فعاد إلى الربوع التي عرفته صبياً يافعاً. وقد كان فيمن رثاه الدكتور مصطفى السباعي بقصيدة صادقة مطلعها:
سلام عليك أبا غالب *** أمير البيان أمير القلم

الأمير شكيب وطائفة الدروز
الأمير شكيب أرسلان من الدروز وهو يقول عن هذا النسب: «والدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء هم من جملة المسلمين، وهم مسلمون ويقيمون شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون إن كل من خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم».
أما «الأمير شكيب» نفسه فتنقل عنه بعض المصادر التاريخية أنه كان شخصياً يتعبد على مذهب أهل السنة، فيصوم ويصلي ويزكي ويحج كما يفعل جمهور المسلمين. قال الشيخ سليمان الظاهر: (الأمير شكيب كان المسلم الحقيقي الذي عرف أن الإسلام عقيدة وعمل، وأنه دين إنساني عام لا دين شعوبية وقبلية وعصبية وإقليمية ولا دين أجناس وألوان).
إلا أننا في نهاية هذا البحث يجدر بنا أن نسرد بعض الحقائق عن الطائفة الدرزية لكي لا يتوهم أحدا أن الانتماء إليهم منقبة يشاد بها في المحافل، ورغم أننا سردنا الكثير من فضائل وشمائل أمير البيان «شكيب أرسلان» ونرجو له الخير والقبول عند الله، ونفرح -كما يقال عنه- بالتزامه بتعاليم الإسلام الصافية إلا أن التنبيه على مثالب هذه الطائفة حق واجب كي لا تختلط الأوراق ويتضح الحق ويعرف الجميع ما له وما عليه.
يقول الأستاذ « أمير سعد » في مقاله «السهم الدرزي في ظهر العرب»
بعمائمهم التي تشبه عمائم الأزهريين، يبدو شيوخ الطائفة الدرزية كما لو كانوا من علماء المسلمين، ولربما تحدث وجهاؤهم بلسان مسلم، أو حاكوا المسلمين في بعض مفرداتهم: «لا فضل لدرزي على سني إلا بالنضال»!! أخذاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»... مثلما قال سميح القاسم الشاعر الفلسطيني الدرزي.
بيد أن المخابر لا تبديها المظاهر، وإنما تكشفها العقائد والأصول والمواقف. والحق أن هذه الطائفة بعيدة النجعة عن طريق الإسلام والمسلمين؛ فالدين غير الدين، والولاءات متعارضة، والمواقف السياسية متباينة.
وإذ يعتري بعض المسلمين العجب وهم يظنون أن الدروز هم إحدى فرق المسلمين، وأنهم وإن اختلفوا عن السنة إلا أنهم لا يخرجون عن دائرة الإسلام والمسلمين، وهم يشاهدون درزياً (صالح طريف) وزيراً بلا وزارة في حكومة شارون، ويعجبون كذلك وهم يرون العديد من شباب الطائفة ورجالها يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويصوبون رصاصهم في قلوب إخوانهم من العرب الفلسطينيين.
إلا أن هذا العجب سرعان ما يتبدد حينما يستبين لهؤلاء حقيقة القوم، وحين نجلِّي عن الدروز حجاب الإسلام ـ عبر هذه السطور ـ فنستطيع وقتها أن نراهم عن كثب على حقيقتهم التي ربما تخفى على العديد من المسلمين.
الدروز ونشأتهم
هم فرقة باطنية تقترب عقيدتها من عقيدة الإسماعيلية، تخفي عقيدتها عن الناس، وقد نشأت إبان حكم الطاغية الحاكم بأمر الله الفاطمي (408 هـ) على يد محمد ابن إسماعيل الدرزي (بنشتكين) الذي تسرَّع في إعلان ألوهية الحاكم بأمر الله مما أثار المسلمين ضده في مصر فاضطر للفرار إلى الشام؛ وهناك دعا إلى مذهبه فاستجاب له بعض الناس فأسس الفرقة الدرزية التي ارتبط اسمها باسمه، على الرغم من أن الدروز يلعنونه لتسرعه ويلقبونه بالغطريس الذي تغطرس في الكلام دون علم أو يقين، ويفضلون اسم الموحدين على الدروز؛ غير أنهم لا ينكرونه، والدروز عرب خُلَّص من قبيلتي لخم وتنوخ وليسوا أكراداً كما يظن بعض من الناس.
عقيدتهم
- يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ويعتقدون بغيبته ورجوعه.
- ينكرون جميع أحكام الإسلام من صلاة وحج وصيام وتحريم للميتة والخمر.
- يزعمون أن شريعة محمد بن إسماعيل نسخت شريعة محمد بن عبد الله.
- يؤمنون بالتقية.
- لا يؤمنون بجنة ولا بنار؛ وإنما يؤمنون بتناسخ الأرواح.
- يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى لاسيما المسلمون، ويستبيحون دماءهم وأموالهم.
- لا يؤمنون بالأنبياء سوى أنبيائهم المزعومين.
- لا يتلقى الدرزي عقيدته إلا إذا بلغ الأربعين.
طبقات الدروز
الناس في الطائفة الدرزية طبقتان:
أ- الروحانيون: وهم أهل العلم من الطائفة العالمون بأسرارهم، وينقسمون إلى: «شيوخ عقل»: وهم كبار علمائهم، و «أجاويد»: وهم بمثابة طلاب العلم عند أهل السنة.
ب - الجثمانيون: وهم عامة الطائفة المعنيون بأمور الدنيا من أمراء وعامة.
الخريطة الدرزية في العالم:
يبلغ عدد أبناء الطائفة الدرزية في العالم نحو 250 ألف درزي؛ منهم 120 ألف في فلسطين، 90 ألف في لبنان، 17 ألف في الجولان السورية [جميع سكان الجولان المحتلة]، والباقي في أنحاء سوريا وأستراليا والبرازيل. وللدروز في فلسطين ولبنان وسوريا شأن وتميز واضح.
«ففي فلسطين»: لا يخفى على ذي عينين وجود تأثير يهودي عميق في نشأة معظم الفرق التي مرقت من الإسلام، وليس سراً أن الحاكم بأمر الله أبا علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي إله الدروز كانت له ميول يهودية، والفرقة الإسماعيلية التي انبثقت عنها الدرزية إنما ولدت أفكارها من رحم يهودية، وليس غريباً أن يحن الفرع إلى الأصل، وأن يحدث نوع في توافق الأفكار وتلاقي المصالح بين اليهود والدروز وعليه فإن من أولويات الكيان الصهيوني فور إنشائه في العام (1948م) كان انتقاء الدروز من بين العرب وتمييزهم عنهم واحتواؤهم أو على الأقل تحييدهم.
وفي المقابل رأى دروز فلسطين دولة اليهود فرصة للعب على التناقضات بين المسلمين واليهود خروجاً بأعلى مكسب يمكن أن تحققه أقلية لا تزيد عن 250 ألف (1%) بين عرب يزيد تعدادهم عن 250 مليون.
بدأت الاتصالات مبكراً بين نشطاء الحركة الصهيونية والدروز، منذ عام (1930م) وخلال هذا وقَّع معظم زعماء الدروز على البيان الذي يعلن أن موقف الطائفة الدرزية من «النزاع اليهودي الفلسطيني» هو موقف محايد، وفي عام (1948م) أنشأ الكيان الصهيوني وحدة الأقليات في الجيش الإسرائيلي، وحاول تهميش دور المتحفظين من كبار العائلات الدرزية، إلا أن هؤلاء سرعان ما لحقوا بركب المتعاونين مع اليهود، وسمحوا للدروز بالانخراط في جميع مؤسسات الدولة الوليدة في مقابل الاعتراف ـ في الوقت المناسب ـ بالطائفة الدرزية طائفة مستقلة لها محاكمها الخاصة وتنظيمها الديني المستقل.
ومن أكبر العائلات الدرزية التي احتوتها الحركة الصهيونية عائلة طريف التي ينتمي إليها أول وزير عربي في حكومة إسرائيلية (صالح طريف) وزير عمالي بلا وزارة في حكومة شارون.
وإلى جانب اهتمام إسرائيل المبكر باحتواء الدروز سياسياً عبر تميزهم عن بقية العرب واستيعاب ساستهم ضمن منظومة «إسرائيل» الحزبية؛ انصرف جل اهتمام اليهود إلى تحقيق أقصى استفادة عسكرية من وجود الدروز على أرضهم المزعومة وتوافر النية لدى الأخيرين بالتعاون اللامحدود مع الكيان الصهيوني.
ويعتبر الرئيس الإسرائيلي الأسبق «إسحاق تسقي» أبرز المسؤولين الذين اهتموا بقضية الدروز؛ حيث أكد في خطاب شهير له أمام الكنيست أن تجنيد الدروز يعتبر أمراً حيوياً حتى يتحولوا لسكين حاد ينغرز دائماً في ظهر العرب، مما دفع «إسرائيل» إلى إنشاء وحدة خاصة بالجيش هي وحدة الأقليات؛ وتكلف تلك الوحدة بالقيام بالعمليات العسكرية داخل الدول العربية وخارجها.
ويبلغ عدد الدروز حالياً في الجيش اليهودي قرابة 19000 مجند موزعين على نقاط التماس مع العرب [جنوب لبنان ـ الضفة ـ غزة] كدروع بشرية لليهود وموزعين كذلك على الوحدات الخاصة مثل وحدات المستعربين (الدوفدفان) والتي تعنى باغتيال واختطاف ناشطي جماعات المقاومة الفلسطينية، والتي كان لها دور مخز كبير في اقتحام باحة المسجد الأقصى أواخر شهر يوليو [أكثر من 400 مستعرب شاركوا في الهجوم التتري على الأقصى]، بجانب انخراط عدد كبير منهم في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة نظراً لصعوبة تمييزهم عن بقية العرب من حيث الشكل واللغة [مثل الجاسوس المسجون في مصر عزام عزام].
وما يزال وضع العسكريين الدروز في تصاعد، وتتزايد حاجة الجيش الإسرائيلي واطمئنانه لهم مع الأيام، ويتأكد ذلك كلما أبلى هؤلاء آثاماً في حرب اليهود ضد الفلسطينيين. وفي الانتفاضة الحالية تم مكافأة الدروز بترقية أحد ضباطهم وهو (يوسف مشلب) لرتبة جنرال، وهي أعلى رتبة يصل إليها ضابط درزي.
«اقتصادياً»: اندمج الدروز في الاقتصاد الإسرائيلي حسب نموذج يختلف عن نموذج بقية العرب أو اليهود؛ فما يقرب من 50% من قوة العمل بين الرجال الدروز مندمجون في قطاعات لا يَقبل اليهود العمل فيها، ولا يُقبل العرب المسلمون بها، 40% يشتغلون في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة، 10% يعملون في مصانع البتروكيماويات والموانئ وغيرها من الأماكن الحيوية [ربما في الأعمال الوضيعة فيها فحسب].
«وفي لبنان»: كما في فلسطين، تتحكم عائلات محدودة ذات الثراء والصيت والمنعة في إدارة الشأن الدرزي اللبناني مثل عائلة (جنبلاط) [ينتمي إليها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الحالي والسابق وليد وكمال جنبلاط]، وعائلة (أرسلان) [ينتمي إليها دماً فقط المجدد المسلم السني الأمير شكيب أرسلان سفير الإسلام في العالم]، وعائلة (الأطرش) [ينتمي إليها المغني فريد الأطرش وأخته الجاسوسة أسمهان التي لقيت حتفها في حادث استخباري غامض] ([10]).
العائلة الثالثة ذات تأثير محدود الآن بين الدروز.
العائلة الثانية تميل إلى مسايرة الدولة والمحافظة على المكتسبات الدرزية.
أما العائلة الأولى فلها اليد الطولى في توجيه السياسة الدرزية، ولقد قام زعيماها بإدارة دفة السفينة الدرزية باقتدار مما جعلهما قمينين بأن تسلط الأضواء عليهما:
أراد (كمال جنبلاط) أن يجد للدروز ولزعامته المدى العربي ومكانة لبنانية تفوق حصة حجمهم العددي، ومن أجل أن يصبح لامعاً قرر أن يكون معارضاً، فأنشأ في أواخر الأربعينيات «الحزب التقدمي الاشـتراكي»، وتبنى منذئـذ قضـايا الفقـراء ـ كعادة الاشتراكيين ـ واستفاد بذلك من القاعدة الفقيرة غير الدرزية في مد شعبيته وصقل زعامته، حتى إذا كانت الحرب اللبنانية كان جنبلاط قد أصبح رقماً من أرقام المعادلة اللبنانية الصعبة وانضم إليه العديد من القوى الفلسطينية والشيعية واليسارية إلى أن قُتل عام (1976م)، وقد تولى بعده ابنه «وليد» زعامة الحزب والطائفة، وفي الحرب استطاع أن يدحر الموارنة (المسيحيين) عن مناطق الدروز بالتعاون مع قوات «أمل الشيعية» وبدعم سـوري واضـح.
وحين وضعت الحرب أوزارها شط الدرزي الأول في مطلب في اتفاق الطائف برئاسة رابعة للدروز [يتكون نظام الحكم اللبناني من ثلاث رئاسات: رئاسة الدولة للمسيحيين، ورئاسة الحكومة للسنة، ورئاسة البرلمان للشيعة] ورفضه السوريون والسعوديون، وعليه فقد بدأ جنبلاط في التحول من موالاة سوريا إلى الحياد معها أثناء الرئاسة القوية لحافظ الأسد، ثم التحول إلى مجاهرة سوريا بضرورة كف يدها عن التدخل في لبنان، مع تقربه في الوقت نفسه إلى القوى المسيحية المطالبة برحيل السوريين [البطريرك صفير، ورئيس الحكومة السابقة العماد ميشيل عون]؛ مما حدا بوزير الدفاع السوري (العماد مصطفى طلاس) إلى لمزه من قناة قائلاً: نحن صنعناهما (صفير وجنبلاط) وها هما ينقلبان علينا.
ويستمر الحرباء السياسية في تقلباته ليحقق فوزاً «تحالفياً» بارزاً في الانتخابات الدرزية الأخيرة، ويخطو خطوة واسعة في طريق الدولة الدرزية التي يطمح إليها الدروز بالشوف في لبنان استناداً إلى مشروع غربي تمنيهم به فرنسا بمساعدة إسرائيلية.
«أما في سوريا»: فلعل أبرز تأثير للدروز هو في مواطنيها المقيمين في الجولان السوري المحتل الذين يمثلون نحو 17 ألف درزي سوري هم جميع قاطني الجولان، ويعد ولاء الدروز المذبذب بين إسرائيل وسوريا أكبر معضلة لسوريا في مفاوضاتها المترنحة مع الكيان الصهيوني، وما من شك في أن الدروز سيخذلون السوريين حينما يطلب منهم موقف انحيازي حاسم، وقد بدت أعراض ذلك الخذلان في فبراير قبل الماضي حينما طلبت حوالي 300 أسرة درزية تعيش في هضبة الجولان، من الحكومة الإسرائيلية ضمانات بأنها ستستمر في العيش تحت الحكم الإسرائيلي إذا تمت إعادة هذه المرتفعات السورية، وقد قالت الإذاعة الإسرائيلية وقتها إن هؤلاء الدروز الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية قد طالبوا نائب وزير الدفاع الإسرائيلي مساعدتهم في تكاليف الرحيل وتقديم تعويضات لهم عن أي ممتلكات سيتخلون عنها مشيرة إلى نية العشرات منهم إقامة دعاوى قضائية ضد الحكومة الإسرائيلية مفضلين البقاء في كنف إسرائيل على العودة لسوريا!!
الطلاق الدرزي
يطيب لبعض الكتاب تجسيم مواقف الدروز من قضايا الأمة المصيرية على أنها مواقف تنم عن خيانة للأمتين العربية والإسلامية، وإذا كنا نوافق هؤلاء على أن مواقف الدروز هي خيانة علنية للعرب والعروبة باعتبارهم من القبائل العربية الأصيلة، إلا أننا لا نشاطرهم الرأي فيما يخص الإسلام؛ فالدروز لا يعدون طابوراً «إسلامياً» خامساً؛ لأنهم بكل وضوح ليسوا بمسلمين وقد طلقوا انتماءهم للإسلام طلاقاً درزياً (لا رجعة فيه) منذ مرقوا من الدين حين أنشؤوا دينهم عام (407 هـ)، وليس في القول جرأة، بل هذا الكلام قد قال نظيره شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن الدروز فأجاب: «هؤلاء الدروز كفـار باتفاق المسلمين لا يحـل أكل ذبائحهـم ولا نكاح نسائهم بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدُّون عن الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، وإن أظهروا الشهادتين وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب»([11])
وعطفاً على ما قال شيخ الإسلام، فإن هؤلاء حقاً باطنيون يظهرون ما لا يبطنون، ومن تتخلف عنه هذه المسلَّمة يهوله التناقض الرهيب في مواقف الدروز؛ فكما تقدم رأينا حرباء لبنان كم يتقلب بأطياف السياسة اللبنانية، وكيف يتأرجح الجولانيون بين اليهود والعرب، وكيف يحاول دروز فلسطين تارة ارتداء مسوح المقهورين على خدمة إسرائيل، وتارة يتبخترون بلباس الجندية الإسرائيلية.
وأخيراً نسوق ذلك الموقف الطريف من (صالح طريف) الوزير الشاروني: حين أجرى التلفزيون الفلسطيني مقابلة مع ذلك الدرزي عضو اللجنة المركزية في حزب العمل قبل توزيره وأثناء الانتخابات قال: «إن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف كانت تدنيساً للحرم وأنه يأسف؛ لأن الدروز يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويحاربون إخوتهم، وأنه إذا لم تضع إسرائيل حداً للنزاع بإقامة دولة فلسطينية فلن يكون أمام الطائفة العربية الدرزية بد سوى إعادة ترتيب أوراقها، وتبني موقف شجاع مهما كلف الثمن».
وعندما تم اختياره وزيراً في التشكيلة الشارونية ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية مقتطفات من الحوار السابق متهمة إياه بالنفاق سارع (طريف) على الفور بالاتصال بالإذاعة الإسرائيلية طالباً بصفته وزيراً إجراء حوار معه، وفي الحوار قال: إنه أدلى بأقواله للتلفزيون الفلسطيني ليقنع الفلسطينيين بالتصويت لمصلحة باراك، وأضاف: لقد حصل لي ما يحصل لآخرين يتفوهون بتصريحات خلال معركة انتخابية ثم يندمون عليها، ولو سئلت اليوم السؤال نفسه لما قلت إن شارون دنس الأقصى بزيارته.
وعندما سأله المذيع عما إذا كان يتخبط بين تعاطفه مع الفلسطينيين وتضامنه مع الإسرائيليين قال: «يبدو أنك نسيت أنني كنت جزءاً من معركة الدفاع عن دولة إسرائيل مدة ثماني سنوات ضابطاً في الجيش، ولم أخجل ذات مرة من القول إنني خدمت في الجيش الإسرائيلي، وإنني على استعداد لإرسال أبنائي إلى الجيش للدفاع عن الدولة، حتى إذا تعرضت حياتهم للخطر؛ فأقاربي جميعاً يخدمون في الجيش»!
لا عجب يا طريف! فقد أحسنت حين جسَّدت لنا الطبيعة الدرزية التي أُشربت عقيدة التقية، واتخذت الباطنية ديناً.
ـــــــــــــــ ــــ
من مصادر الترجمة
- الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) على الإنترنت
- شكيب أرسلان.. العارف بالأمة أينما كانت سمير حلبي
- شكيب أرسلان.. داعية العروبة والإسلام (أعلام الغرب: 21) أحمد الشرباصي-المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة القاهرة (1383 هـ = 1963م).
- شكيب أرسلان.. من رواد الوحدة العربية.. (مذاهب وشخصيات: 54) أحمد الشرباصي الدار القومية للطباعة والنشر القاهرة- (1383هـ = 1963م).
- شكيب أرسلان والقضية الفلسطينية خليل الصمادي
- السهم الدرزي في ظهر العرب/ بتصرف أمير سعيد

[1]الاحتفال بالأربعين من البدع التي أنكرها جمهور أهل العلم الثقات

[2](ص 526/حاشية 3/طبعةسنة 1357هـ)

[3]نقلها أحمد الشرباصي في كتابه "شكيب أرسلان أمير البيان" / ص 102

[4]كتبها الأمير شكيب في روما في 8مارس سنة 1926م، وهي في كتاب: تحت راية القرآن - المعركة بين القديم والجديد للرافعي، ضبطها وصححها محمد سعيد العريان ص87-96.

[5] يشير إلى طه حسين

[6]كلمة فرنسية، ولعل معناها: الغطاء، أو الساتر أو الرقابة، كما يفهم من سياق الكلام

[7]يشير إلى مقالة الأستاذ عباس فضلي

[8]رواه البخاري ومسلم بنحوه

[9]كان ينشد الشعر فلا يقيم وزنه؛ وقد بينا حكمة ذلك في كتابنا "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية" ولكنه يستنشد الشعر كثيراً (الرافعي)

[10]أصول عائلة الأطرش من سوريا من جبل العرب (محافظة السويداء)

[11]مجموع الفتاوى، ج 35، ص 161

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أثر الظلم في هلاك الأمم
* ضرورة التعاون بين المسلمين
* صلة الرحم
* التشاؤم بشهر صفر بين الماضي والحاضر
* هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أنس المستضعفين
* العقوق الصامت
* الذرية أمانة.. كيف نحميها من موجات الانحراف؟

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس