= ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب )
١) شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير؛ فقال تعالى:( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) وقال :( وما يتذكر إلا من ينيب ) وقال:( إنما يتذكر أولوا الألباب) فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة، فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب .
أبو حامد الغزالي، الإحياء(٥٢/٢)
٢) قيد الله التبصرة والذكرى للعبد بوصفه ( منيب) وهو-الراجع إلى مولاه-؛ لأنه هو المنتفع بالذكرى، وفي قوله تعالى بعدها:( رزقا للعباد) ق:١١ ، أطلق الوصف بغير تقييد؛ لأن الرزق حاصل لكل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام !.
الرازي، مفاتيح الغيب(١٣٦/٢٨)
٣) ذكر الله تعالى بعض آياته في الأرض ، ثم قال:( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) أي: قدرنا الأرض، وألقينا فيها الرواسي، وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة؛ لأجل أن نبصر عبادنا كمال قدرتنا على البعث وعلى كل شيء ، وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا .
الشنقيطي، أضواء البيان(٤٢٤/٧)
--------------------------------------
= { تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }
خُص العبد المنيب بالتبصرة والذكرى وإن كان فيما ذكر من أحوال الأرض إفادة التبصرة والذكرى لكل أحد لأن العبد المنيب هو الذي ينتفع بذلك؛ فكأنه هو المقصود من حكمة تلك الأفعال. وهذا تشريف للمؤمنين وتعريض بإهمال الكافرين التبصر والتذكر.
(ابن عاشور:26/291.)
-------------------------
= { وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ }
تنبيه على أن اللائق بالعبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أقدم وأهم من تمتعه به من حيث الرزق.
(الألوسي:13/327.)
---------------------
= {والنخل باسقات لها طلع نضيد} خص الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من الشجر شجراً مثلها مثل المؤمن» قال ابن عمر - رضي الله عنهما - فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي، كل يقول: هي الشجرة الفلانية، يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم - يعني فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» أخرجه البخاري ومسلم
العلامة العثيمين رحمه الله
= { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ }
في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قيل له: لا تحزن ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء؛ فإن قومهم كذبوهم ولم يصدقهم إلا القليل منهم.
(الشوكاني:5/73.)
= ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد)
( أفعيينا بالخلق الأول) ؟ هذه من براهين البعث؛ لأن من لم يعي بخلق الناس ، ولم يعجز عن إيجادهم الأول لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء .
الشنقيطي، أضواء البيان(٤٢٥/٧)
--------------------------------
= (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) وذكر الخلق باستخدام ضمير العظمة (نا) للدلالة على عظيم قدرته سبحانه وتعالى .. ثم جاء الحديث عن العلم في قوله (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) فكل هذه مرتبطة بقضية سعة علم الله سبحانه وتعالى وقدرته على إعادة الأجساد. وهذه الآية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) تكفي لنعرف قدرة الله سبحانه وتعالى وواسع علمه وإحاطته فلا نعصيه في سر ولا نظلم أحداً. لو عرضنا أنفسنا على هذه الآية: ربنا أقرب إلينا من حبل الوريد وأقرب إلينا من كل الناس، أقرب إلينا بعلمه واطلاعه وإحاطته بخلقه وقدرته على الناس! أليس هذا رادعاً كافياً لكل إنسان فيرتدع إن كان عاصياً مذنباً؟! الله سبحانه وتعالى يعلم سرّك أيها الإنسان حتى قبل أن تفكّر فيه فأين تحاول أن تختبئ بذنوبك وسيئات أعمالك وأقوالك؟! ألم يئن أن تتوقف مع نفسك وتراقب الله تعالى في سرّك وعلانيتك وتوقن أنه أقرب إليك من حبل الوريد وبيده حياتك وموتك فإن لم تتب الآن اِخشَ على نفسك أن يقبض روحك وأنت على معصية!.
= ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد )
فإياك أن تضمر في قلبك شيئا يحاسبك الله عليه، أما الوساوس التي تطرأ على القلب، ولا يميل الإنسان إليها- بل يحاول دفعها- فلا تضره بل هي دليل إيمانه، فالشيطان إنما يلقي الوساوس على القلب السليم، أما غير السليم، فالشيطان لا يوسوس له؛ لأنه قد انتهى .
العلامة ابن عثيمين
.............................
= { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }
يخبر تعالى ... أنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحيي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
(السعدي: 805.)
------------------
= { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }
يخبر تعالى ... أنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحيي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
(السعدي: 805.)
----------------
= { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }
والمراد أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحِكم أخرى؛ كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة.
(الشنقيطي: 7/426.)
-----------------------
= (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد) أي: الملكين الذين يكتبان الحسنات والسيئات ، وفي بعض الآثار: أنت تجري في معصية الله وفيما لا يعنيك، ألا تستحي من الله ولا منهما ؟!
ابن عجيبة الفاسي، البحر المديد(٢٦٩/٧)
----------------------------
= تستمر الآيات واعظة منذرة لكل من لم يتفكر ولكل من لا يؤمن بالبعث ولا بقدرة الله تعالى (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَا نِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾) الحديث عن اللسان !!..
لعل الواحد منا يراجع كلامه من ساعة ما يستيقظ إلى ساعة ينام: هل كل ما قاله مباحٌ؟ هل كله حلال؟ كم سُجّل علينا من كلام؟! فلنعرض أنفسنا على هذه الآية العظيمة ونستحضر عظمة الحساب على ما ذكرناه بألسنتنا ليس في يوم واحد وإنما طيلة أعمارنا من ساعة ما جرى علينا القلم! لننظر إلى عظيم سجلاتنا عند ربنا سبحانه وتعالى وما أحصاه علينا ونسيناه! كم اغتبنا؟! كم بهتنا؟! كم كذبنا؟! كم شهدنا زورا؟! كم قلنا فجورا؟! تخيّل نفسك في موقف الحساب وأنت بين يدي ربك وتؤتى كتابك وتتيقن أنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عليك مكتوبة موثّقة لا مجال لانكارها، يوم تؤتى بالصحف فتُنشَر وفيها كل ما قلتَ بلسانك أحصيت عليك بالكلمة والحرف! حاسِب نفسك من الآن وضع نصب عينيك هذه الآية (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) قبل أن تتلفظ بكلمة اعرضها على الآية واسأل نفسك هل ستُكتب لي أم عليّ؟ واختر لنفسك ما تريد أن يكون مدوّناً في صحيفتك يوم القيامة! وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخذ بلسان معاذ فسأله معاذ: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا مُعاذٍ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم.
-------------------------------
= (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )
١) في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها .
ابن القيم، الجواب الكافي (١٦١)
٢) فإذا كانت الأقوال تكتب، فالأفعال من باب أولى؛ فعليك أن تتقي الله عز وجل ، ولا تخالفه، إذا سمعت الله يقول خبرا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يأمر بأمر، فقل: آمنت به وسمعا وطاعة، أو نهيا فقل: آمنت به وسمعا وطاعة .
العلامة ابن عثيمين، تفسير سورة القمر(٢٩٧)
= (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ) لماذا خص القول؟ أين العمل؟ لأنه في وقت الاحتضار يقف عمل الإنسان إلا من قوله ولسانه ليس عنده حراك في عمل إلا قوله ولهذا قال (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .
د/ محمد الربيعة
-------------------------------------
= {ما يلفظ من قول} نكرة في سياق النفي فهي للعموم، أي قول، وظاهر الآية الكريمة أن القول مهما كان يكتب، سواء كان خيراً أم شرًّا، أم لغواً يكتب، لكن يحاسب على ما كان خيراً أو شرًّا، ولا يلزم من الكتابة أن يحاسب الإنسان عليها، وهذا ظاهر اللفظ، وهو أحد القولين لأهل العلم.
ومن العلماء من يقول: إنه لا يكتب إلا الحسنات والسيئات فقط، أما اللغو فلا يكتب.
والقول الأول أولى .. وهو العموم .
العلامة العثيمين رحمه الله
= { وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}
وإنما قال: جاءت بالماضي لتحقق الأمر وقربه.
(ابن جزي:2/365.)
= = {وجاءت سكرة الموت بالحق ( ذلك ) ما كنت منه تحيد} نزل الموت منزلة المشاهد ( ذلك ) للدلالة على قرب حصوله. ابن_عاشور/ فوائد القرآن
= (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) هذا الموت الذي يوقن للإنسان حياته الأخرى ولهذا قال (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) وسماها سكرة لأنها ذهول عن حقيقة الحياة والإنسان في تلك الفترة يغيب باله ويبهر عقله يغيب عن الدنيا وما فيها من فجأة ذلك الموقف الذي أصابه وهو الموت. (ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وما معنى تحيد؟ تهرب وتحاول التخلص منه والهروب منه (ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وهو مظهر أيها الإخوة لو تصوّره الانسان لكفى به موعظة “كفى بالموت واعظاً” كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “تذكروا هادم اللذّات” لحظة سكرات الموت لحظة فراق ولحظة انتقال من حياة إلى أخرى فلو تذكّرها الإنسان وأنه في تلك اللحظة سينتقل إلى حياة أخرى لا شك أنه سيرهب منها ويتذكر مصيره وما بعده من الجزاء فيوقظ قلبه إذن السورة فيها إيقاظ للقلب ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في مجامع الناس.
د/ محمد الربيعة
= ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد )
1) لما احتضر أبو بكر، تمثلت عائشة ببيت من الشعر، فكشف أبو بكر عن وجهه، وقال: ليس كذا، ولكن قولي :( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد ) .
الإمام أحمد، الزهد (١٠٩)
والقصة هي : واجه الصديق رضي الله عنه سكرة الموت وهو مضطجع في بيته فقالت الصديقة رضي الله عنها ابنته عائشة لما رأت أباها يواجه سكرت الموت تردد قولاً قديماً لحاتم طي :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ***إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فكشف الصديق وهو في سكرة الموت عن غطاءه وقال : " يا بنيه لا تقولي هذا ولكن قولي كما قال الله : { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }" .
٢) وصف الله تعالى شدة الموت في أربع آيات :
١_( وجاءت سكرة الموت بالحق ).
٢_( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) الأنعام:(٩٣).
٣_( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) الواقعة :(٨٣) .
٤_( كلا إذا بلغت التراقي ) القيامة :( ٢٦ ) .
فرحم الله عبدا أعد لذلك المصرع !.
القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة(١٨/١)
|