القسم الثالث الحكمة رزق كريم، وفضل عميم، من تحلّى بها فقد نال الكرامة في الدنيا وأوصلته مع الإيمان بالله والعمل الصالح إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولا ينالها إلا المحظوظ.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم آتـاه الله الحكمة ليعلمها المسلمين، فينتفعوا :
{ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (164)}(آل عمران).
وقال تعالى في الآية الثانية من سورة الجمعة:
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)} .
وقال تعالى منبهاً إلى الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله:
{ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}(النحل) .
قال القرطبي في تفسيرها: الحكمة: تلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف.
وعيسى عليه السلام آتاه الله الحكمة كذلك:
{ .. وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ...(110)}(المائدة) .
وأخبرنا عن داوود عليه السلام:
{ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)}(ص) .
وقال في حق لقمان الحكيم:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ...(12)}(لقمان) .
فما هي الحكمة؟
قال مالك: المعرفةُ بالدين، والفقه بالتأويل، والفهمُ الذي هو سجيّة ونورٌ من الله تعالى.
وقال قتادة: هي السنّة، وبيان الشرائع.
وقيل: هي الحكم والقضاء خاصة.
وقيل: الحكمة شكر الله تعالى.. ألم يقل الله تعالى:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ }؟!
وأرى أن الحكمة في الدعوة تراعي مقتضى الحال:
1 – فمن كان ذا عقل وبصيرة خوطب بالحجة والبرهان.
2 – ومن كان عالماً بُسِطت له الأدلة ووسائل التدبُّر.
3 – ومن كان لطيفاً مهذباً خوطب بما يناسبه.
4 – ومن كان جاهلاً عُلِّم واعتني به.
5 – ومن سفِه وتطاولَ قُمعَ، ونُهر.
وقال تعالى- [وهنا بيت القصيد في مقالنا هذا]:
{ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269)}(البقرة) .
فلا ينال الحكمة إلا من شاء الله تعالى له المكانة العالية في الدارين ، ولهذا جاء قولُه سبحانه:
{ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } ، شرحها ابن عباس رضي الله عنهما:
(المعرفة بالقرآن ناسخِه ومنسوخِه ومحكمِه ومتشابهِه ومقدمِه ومؤخرِه وحلالِه وحرامِه وأمثاله)
وقال الحسنُ البصري رحمه الله تعالى : هي الوَرَعُ
وقال مجاهد: (الحكمةُ الإصابة في القول والعلم والفقهُ والقرآن).
وقال أبو العالية : الحكمة خشية الله فإن خشية الله رأس كل حكمة ، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه، وقال بعضهم : السنّة والفهمُ والفقهُ في دين الله
وقال السدي : الحكمة النبوةُ .والصحيح أن الحكمة كما قاله الجمهور لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها وأعلاها النبوة والرسالة أخص ،( قالها ابن كثير).
وقال القرطبيُّ في تفسيره: إن الحكمة مصدرٌ من الإحكام ،وهو الإتقان في قولٍ أو فعلٍ , فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس , فكتابُ الله حكمة , وسنة نبيه حكمة , وكلُّ ما ذكر من التفضيل فهو حكمة . وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه , فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به , وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح , وكذا القرآن والعقل والفهم .
عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول :
( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهما."
وذكرَ ثابتُ بن عجلان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم . والحكمة ( القرآن)
فمن أوتي هذه الفضائل فقد دخل ابوابَ الخير كلها، وأعطي ما لم يُعطَ غيرُه. ولعلنا نذكر قوله تعالى : { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)}(الإسراء) . فسمى عطاء الحكمة خيراً كثيراً ; وكان العلم إلى جانبها قليلاً ،فكانت الحكمة جوامع الكلم .
وحين أعطى الله بعض أهل الدنيا مالاً كثيراً سمّاه متاعاً ، والمتاع زائل فقال { ... قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77){(النساء) ، وسمّى الحكمة خيراً كثيراً
وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لبٌّ وعقلٌ يعي به الخطاب ومعنى الكلام .وما يعرف الحكمة وفضلها إلا أولو الألباب ، ولا ينالها سواهم ، فهم وحدهم من يعرف فضلها ،ويعمل بها ، وصاحب اللب ذكي زكي ، أديب اريب...
اللهم ارزقنا الفهم والدراية وحُسن العمل واجعلنا من ( أولي الألباب)

القسم الرابع
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) (آل عمران).
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لما نزلت هذه الآية على النبي قام يصلي , فأتاه بلال يؤذِنه بالصلاة ( يُعلمُه) فرآه يبكي فقال : يا رسول الله , أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر !
فقال : ( يا بلال , أفلا أكون عبدا شكورا ولقد أنزل الله عليَّ الليلة آية " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ " - ثم قال : ( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) .
فمن معاني الآية – كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى : أنه سبحانه ينبهنا إلى ارتفاع السماء واتساعها وخفض الأرض وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص فهذا الخلق المتناسق العظيم يدل على وجود خالق بديع أوجَدَهما، وأنّ تعاقب الليل والنهار وتقارضهما الطول والقصر . فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا ،فيطولُ الذي كان قصيرا ، ويقصر الذي كان طويلا بتقدير العزيز العليم " فيه آياتٌ لأصحاب العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها . وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون ،الذين قال الله فيهم " وكأيّن من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ".
فلا بدّ من التفكر والتدبّر،إذ لا تصدر إلا عن حيٍّ قيوم قدير وقدوس غني عن العالمين حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد .( قاله القرطبي رحمه الله). ويقوله معه أهل القلوب الحية والأفئدة الطيبة والعقول الصحيحة الذين يستعملون عقولهم في التأمل والاستدلال.إنهم أولو الألباب.
فما سمات أولي الألباب في الآيات التي تلي هذه الاية الكريمة؟.
1- أول ما نلقاه من سماتهم: ذكرُهم الدائم لله تعالى في قيامهم وقعودهم وتحوّلهم إلى النوم وبعد استيقاظهم، حياتهم كلها لله تعالى ، وألسنتهم رطبة بذكر ربهم تسبيحاً وحمداً واستغفاراً وتهليلاً ، لا يفتأون يذكرون الله ويعظمونه.
2- يتفكرون في ما خلق اللهُ من سماء وأرض ودقة في الصنع وعظمة في الإبداع وحكمة في السبب ، ويعلمون ان الله تعالى ما خلق هذا لعباً – حاشا وكلاّ- إنما خلقه لأمر يريده وهدف ،علينا أن نعمل له ونسعى بين يديه، فمن أحسن فله الثواب ومن أنكر وأساء وتجافى فله العقاب ، فكان دعاء المسلم العاقل:" سبحانك ، فقنا عذاب النار" .فمن سقط في الامتحان ونال العقاب خاب وخسر.
3- من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم وأجاب نداءه فآمن بالله وأطاعه غفر الله ذنوبه وكفّر عنه سيئاته وحشره حين يتوفاه مع الصالحين الأبرار، وما أسعده إذ ذاك وما أكرمه حين ينال رضا ربه، فيقربه ويدخله جنته بعفوه ومنّه وكرمه.
4- قلوبهم معلقة بالله تعالى يسألونه الهدى والتقى والعفاف والغنى ويرجونه أن يكرمهم يوم تبيضُّ وجوه وتسوَدُّ وجوه ‘ إنه يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ،وهو يوم الجود والكرم لمن كان من عباد الله الصالحين.
5- وهم الذين هاجروا إلى بلاد الإيمان وهجروا المعاصي ،وهم الذين صبروا على الابتلاءات حين أوذوا في سبيل الله وقاتلوا وقُتِلوا ، وبذلوا الغالي والرخيص في سبيل الله ،وما وهنوا لما أصابهم في سبيله تعالى.
قال العلماء : يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه , ويستفتح قيامه بقراءة هذه الآيات العشر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم , ثبت ذلك في الصحيحين ، ثم يصلي ما كتب له , فيجمع بين التفكر والعمل , وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا .
اللهم اجعلنا من أولي الألباب. وأدخلنا الجنة مع الأحباب.