عرض مشاركة واحدة
قديم 05-04-2026, 10:51 PM   #5

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 8 الى صـــ 20
الحلقة (148)






وإنشاد الشعر وطلب الضوال والصفق في البيوع؛ ولا يقوى (١).
الحديث الثاني:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ .. الحديث.
وقد سلف في باب التقاضي والملازمة في المسجد (٢).
وساق البخاري هذا الحديث ليبين أن ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد فيه كان على طلب حق واجب، ولهذا لم يعبه الشارع عليهم فبين بالحديث الأول محل المنع وبهذا محل الجواز.

------------------
(١) رواه أبو داود (١٠٧٩)، والترمذي (٣٢٢)، والنسائي ٢/ ٤٧ - ٤٨، وابن ماجه (٧٤٩)، وأحمد ٢/ ١٧٩، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٤).
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر.
وحسنه الترمذي وقال: ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه؛ لأنه يُحدِّث عن صحيفة جدِّه، كأنهما رأوا أنه لم يسمع هذِه الأحاديث من جده.
والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩١).
(٢) سبق برقم (٤٥٧) كتاب: الصلاة.



٨٤ - باب الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ
٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى». وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِهِ. [٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥، ٩٩٨، ١١٣٧ - مسلم: ٧٤٩، ٧٥١ - فتح: ١/ ٥٦١]

٤٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيفَ صَلَاةُ اللَّيلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ». قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ. [انظر: ٤٧٢ - مسلم ٧٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٢]

٤٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ». [انظر: ٦٦ - مسلم: ٢١٧٦ - فتح: ١/ ٥٦٢]
ساق فيه حديث ابن عمر (١): قَالَ: سَأَلَ رَجُل رسول الله - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث.

---------------------
(١) فوقها في الأصل: (د، س، ق) انظر: أبو داود: (١٣٢٦)، النسائي: (١٦٦٩)، ابن ماجه: (١٣٢٠).


وحديث ابن عمر (١) أيضا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث
ثم قال: وقَالَ الوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى رسول - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ.
ثم ساق حديث أبي واقد في النفر الثلاثة.
وهذا الحديث سلف في باب: من قعد حيث ينتهى به المجلس من كتاب العلم (٢).
وأما الحديث الأول والثاني فأخرجهما مسلم أيضًا (٣).
وأما الثالث المعلق فأسنده مسلم عن [أبي كريب] (٤) وهارون بن عبد الله، عن أبي أسامة، عن الوليد به (٥)، وفي رواية لأصحاب السنن الأربعة زيادة والنهار (٦). قال الترمذي: والصحيح صلاة الليل، وقال النسائي: إنه خطأ، وقال الشافعي: إنه لا يثبت أهل الحديث مثله، أعني: ذكر النهار؛ وأما البخاري فصححه (٧)، وطرقه الدارقطني فأبلغ (٨).
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:

---------------------
(١) فوقها في الأصل: (د) انظر: أبو داود: (١٤٢١).
(٢) سبق برقم (٦٦).
(٣) مسلم (٧٤٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(٤) في (س): كريب، والصواب ما أثبتناه.
(٥) مسلم (٧٤٩/ ١٥٦) بعد حديث (٧٥٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى.
(٦) أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي ٣/ ٢٢٧، وابن ماجه (١٣٢٢).
(٧) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٨٧.
(٨) وقال: لا يثبت. انظر: «العلل» ١٣/ ٣٥.



أحدها:
ليس فيما ذكره البخاري دلالة على التحلق والجلوس في المسجد بحال كما نبه عليه الإسماعيلي.
وقال المهلب: شبه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حول الشارع وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم.
والظاهر أن الشارع لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلا وعنده جمع جلوس محدقين به كالمتحلقين.
وأما حديث أبي واقد فليس في إيراده هنا دلالة لما ترجم له، نعم فيه في كتاب العلم بينما رسول الله - ﷺ - جالس والناس معه إذ أقبل .. الحديث، فاكتفى بأصل الحديث كعادته في الاستدلال بالأشياء الخفية والإجماع قائم على جواز التحلق والجلوس في المسجد لذكر الله والعلم.
ثانيها:
فيه: أن الخطيب إذا سئل عن أمر في الدين لا بأس بالجواب، ولا خطبته.
ثالثها:
اختلف العلماء في النوافل، فقال مالك والشافعي وأحمد: السنة أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا (١)، ويؤيده صلاته - ﷺ - النوافل ركعتين، ركعتين (٢)، وقال أبو حنيفة: إن شاء ركعتين وإن شاء أربعًا، قال: وصلاة الليل كذلك، وإن شاء ستًّا أو ثمانيًا من غير زيادة، بتسليمة

-------------------
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٢١٣ - ٢١٤، «الأم» ١/ ١٢٣.
(٢) انظر ما سيأتي في كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.



واحدة، ولا شك أن صلاته كانت بالليل مختلفة (١)، وصح في الجمعة «من كلان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٢).
رابعها:
قوله: («فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى») فيه: أن الوتر واحدة وخالف مالك، فقال: أوله ثلاث بتسليمتين (٣)، وأبو حنيفة، فقال: بتسليمة (٤)؛ وستكون لنا عودة إليه إن شاء الله في موضعه.
خامسها:
قوله: («اجعلوا آخر صلاتكم في بالليل وترًا») هذا أمر كما فهمه ابن عمر حيث قال: إنه - ﷺ - أمر به، وهذا في حق من لا يغلبه النوم، فإن كان يغلبه قدمه، وستكون لنا عودة إلى ذلك إن شاء الله.
سادسها:
قوله: («مثنى مثنى») هو بغير تنوين لا يجوز غيره للعدلية والوصف.
فائدة:
الحلق بفتح الحاء واللام، وحكي كسر الحاء، جمع حلقة كتمرة وتمر، بإسكان اللام وحكى سيبويه فتحها، وهي منكرة، والفرجة: سلف بيانها في العلم.

-------------------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٣.
(٢) رواه مسلم (٨٨١/ ٦٩) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، من حديث أبي هريرة.
(٣) «المنتقى» ١/ ٢٢٣.
(٤) «الهداية» ١/ ٧١.



٨٥ - باب الاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ
٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي الَمسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. [٥٩٦٩، ٦٢٨٧ - مسلم: ٢١٠٠ - فتح: ١/ ٥٦٣]
ساق من حديث عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ.
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان واللباس (١)، ومسلم في اللباس (٢).
وقوله: (عن ابن شهاب ..) إلى آخره، ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود (٣)، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه» الصديق، فقال: وإن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك، وقد أخرج البرقاني هذا الفصل من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري متصلًا بالحديث، ولم يذكر سعيد بن المسيب (٤). وسعيد لم يصح سماعه من عمر (٥)، وأدرك عثمان ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله - ﷺ -.

------------------------
(١) سيأتي برقم (٥٩٦٩) كتاب: اللباس، باب: الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وبرقم (٦٢٨٧) كتاب: الاستئذان، باب: الاستلقاء.
(٢) مسلم (٢١٠٠) كتاب: اللباس والزينة، باب: في إباحة الاستلقاء. وورد بهامش (س): من خط الشيخ. أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي هنا.
(٣) أبو داود (٤٨٦٧).
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٥٩ (٧٧٥).
(٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: فيه خلاف، وقال أحمد: سمع.



إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
فيه جواز الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، ومَن مَنَع استدل بحديث جابر بن عبد الله أنه - ﷺ - نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلقٍ (١). لكن الجواب عنه إنما بادٍ في النسخ كما تقدم وفعل الخلفاء بعده يعلم أنه الناسخ؛ ولذلك أردف البخاري الحديث به أو بتأويله على أنه محمول على خوف بدو العورة عند تثني الإزار وسبل إحدى رجليه على الأخرى.
ثانيها:
فيه: جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد، ويحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك إلا لضرورة، أو كان بغير محضر جماعة فجلوسه - ﷺ - في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع، والانبطاح على الوجه منهي عنه (٢)، وهي ضجعة يبغضها الله.

----------------------
(١) رواه مسلم (٢٠٩٩/ ٧٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في منع الاستلقاء على الظهر، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى.
(٢) النهي عن الابنطاح على الوجه، رواه أبو داود (٥٠٤)، وابن ماجه (٣٧٢٣)، وأحمد ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٥ والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٨٧)، وصححه الألباني في تعليقاته على «الأدب المفرد» (١١٨٧).

انتهى المجلد الخامس


٨٦ - باب المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَير ضَرَرٍ بِالنَّاسِ
وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ وَأَيُّوبُ وَمَالِكٌ.

٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. [٢١٣٨، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٤٠٩٣، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٣]
ثم ساق حديث عائشة (١) رضي الله عنها: قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ .. الحديث.
وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وساقه بكماله في الهجرة (٢)، وساق بعضه في غزوة الرجيع من حديث هشام، عن عروة، عن عائشة (٣).
والمراد بأبويها: الصديق وأم رومان.

--------------------
(١) ورد بهامش (س): وساق حديث عائشة بسنده هنا في الكفالة مطولًا، وشرحه المصنف هناك أيضًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٠٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٤٠٩٣) كتاب: المغازي.



ومعنى (يدينان) الدين: أي: دين الإسلام.
وقوله: (ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا) لا شك أن الصديق كما ستعلمه في الهجرة لما أوذي خرج من مكة حتى بلغَ بْرك الغِمَاد فرده ابن الدغنة، ورجع معه إلى مكة، وأجاره بشرط أن يصلي في بيته، ولا يعلن بالقراءة، ثم بعد ذلك بدا للصديق فابتنى هذا المسجد بفناء داره فسير المشركون إلى ابن الدغنة فجاء الصديق فقال له: إما أن تصلي في بيتك وإلا فرد جواري؛ فقال الصديق: فإني أرضى بجوار الله، وأرد إليك جوارك، وهذا من ندى الصديق وفضله، فإنه قصد بذلك إظهار الدين.
وأجاز مالك بناء المسجد بفناء الدار إذا كان لا يضر بالسالكين؛ لأن نفعه كالاستغراق، وإليه ذهب البخاري في ترجمته قال ابن شعبان في «الزاهي»: وينبغي تجنب الصلاة في المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها من الطرقات ونحوها؛ لأنها وضعت في غير حقها فمن صلى فيها متأولًا أنه يصلي في الطريق أجزأ قال: ولو كان مسجد في متسع وأراد الإمام الزيادة فيه ما لا يضر بالسالكين لم يمنع عند مالك ومنعه ربيعة، وصححه ابن بطال؛ لأنه غير عائد إلى جميعهم، وقد ترتفق به الحائض والنفساء، ومن لا يجب عليه من الأطفال ومن يملكه من أهل الذمة (١).
فائدة:
ساق البخاري قطعة من حديث الزهري عن عروة مرسلة، وهي مسندة في بعض نسخ «المغازي» لابن عقبة -فيما رويناه في كتاب البيهقي- (عن أبيه).

---------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٣.


وفي البخاري: رجع عامة من كان بأرض الحبشة، كذا وقع فيه
والصواب ما رواه الحاكم في «إكليله»: من حديث ابن شهاب، عن عروة: رجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين؛ ويؤيده أنه هو ذكر قدوم جعفر وأصحابه كان بعد خيبر.
فائدة ثانية:
في ألفاظ وقعت في هذا الحديث في الهجرة تعجلناها هنا منها:
(برك الغماد) بكسر الباء وفتحها وإسكان الراء في أقاصي هجر، والغماد بضم الغين وكسرها، قال ابن دريد: وهو بقعة في جهنم (١).
والدغنة بضم أوله وكسر ثانيه، وتخفيف النون وبضمها، وتشديد النون، روي بهما في «الصحيح»، ورويناه بالضم مع تخفيف النون في المغازي وأصله من الغيم الممطر، وقيل: لأنه كان في لسانه استرخاء لا يملكه، واسمه مالك فيما ذكره السهيلي قال: والدغنة اسم امرأة عرف بها، ويقال له أيضا: ابن الدثنة وهي الكبيرة اللحم المسترخية، وهو سيد الغارة كما ذكر في الحديث.
ومنها: قول ابن الدغنة في الصديق (إنك تكسب المعدوم) أي: تكسب غيرك ما هو معدوم عنده قال ابن دحية في «مولده» وفتح التاء أصح.
ومنها: قوله: (أريت دار هجرتهم بسبخة كأن تحل بين لابتين) وهما الحرتان، قد فسر اللابة، وهي أرض يركبها حجارة سود، ومنه قيل للأسود: لوبي ونوبي، وفي «الإكليل»: من حديث جرير مرفوعًا: «إن

--------------------
(١) ورد بهامش (س): الذي في»الجمهرة«وبرك الغِماد موقع، وقيل: الغُماد أيضًا.
[انظر:»الجمهرة" ٢/ ٦٧٠ مادة (دغم)].



الله تعالى أوحى إلي أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» (١)، فاختار المدينة، وورد في حديث موضوع كما قاله ابن عبد البر: «إنها أحب البلاد إلى الله» (٢).
ومنها: قوله: (وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر) كذا وقع هنا السمر وهو الخبط وفيه نظر، فقد فرق بينهما أبو حنيفة في «نباته»، وأبو زياد وقال: السمر أم غيلان، وغيرها.
ومنها: قولها: (في نحر الظهيرة) أي: أول الزوال.
ومنها: قولها: (فقال أبو بكر: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي) أي: أفديه بهما، بالمد والقصر (٣)، وفتح الفاء وكسرها.
ومنها: (جَبَل ثَوْرٍ)، وهو بالمدينة (٤) وأنكره من أنكره (٥).
ومنها: (الجهاز) وهو بفتح الجيم وكسرها ومنهم من أنكر الكسر، والسفرة سميت باسم ما يحمل فيها وبينها (…) (٦).

-------------------
(١) رواه الترمذي (٣٩٢٣) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار، والطبراني ٢/ ٣٣٩ (٢٤١٧)، والحاكم ٣/ ٢ - ٣ وصحح إسناده. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٥٣): موضوع.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٦/ ١٦ - ١٧، والحديث رواه الحاكم ٣/ ٢٧٨ من حديث الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني سألت ربي -عز وجل- فقلت: اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إلي، فأنزلني أحب الأرض إليك، فأنزلني المدينة»، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٥): موضوع.
(٣) ورد بهامش (س): كسر الفاء مع المد وفتحها مع القصر.
(٤) في هامش (س): صوابه بمكة، والذي أنكر إنما هو الذي بالمدينة.
(٥) ذكر البكري في «معجم ما استعجم» ١/ ٣٤٨، وابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٢٩، وياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٢/ ٨٦ أن ثورًا جبل بمكة فيه غار النبي - ﷺ -.
(٦) كلمات غير واضحات بالأصل.



و(الجراب) بكسر الجيم أفصح من فتحها بل لحن من فتح.
ومنها: قولها في حق عبد الله بن أبي بكر: (ثقف لقن) أي: فهم حافظ، وهو بكسر القاف فيهما وسكونها.
و(النطاق) بكسر النون ما يشد به الوسط؛ وسميت أسماء ذات النطاقين لأنه كان لها نطاقان واحد على واحد، وقيل: تلبس أحدهما، وتحتمل في الآخر الزاد لرسول الله - ﷺ - وهو في الغار.
ومنها: قولها: (وهو لبن منحتهما ورضيفهما) الرضيف: اللبن المرضوف أي: طرحت فيه الرضفة وهي الحجارة المحماة بالشمس، أو النار ليتعقد وتذهب وخامته.
ومنها: قوله: (رجلًا من بني الديل) هو بكسر الدال، من كنانة، وزعم أبو اليقظان أنه الدُّول بضم الدال وسكون الواو، ووَهِمَ مَن قال: إن الدول امرأة من كنانة بل ذاك بالهمز.
و(أبو الأسود الدئلي) بكسر الهمزة، والقياس فتحها، وابن حبيب وغيره يقول: في كنانة بن خزيمة الديلي بإسكان الياء. ابن بكر، وقد قيل: في ابن أريقط الليثي، وليث هو: بكر بن عبد مناة أيضًا، فيحتمل نسبته إلى ليث؛ لأنها أشهر نسبة من الدول وهو مشتق من اسم دويبة.
ومنها: قول سراقة عن فرسه (فرفعتها تقرب بي) هو ضرب من سيرها، وفيه غير ذلك مما يطول وتعلمه في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره.


٨٧ - باب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ
وَصَلَّى ابن عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.

٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِى: عَلَيْهِ- المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِى يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٦٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٤]
كذا في نسخة سماعنا: (ابن عون) ووقع في كلام ابن المنير (ابن عمر) (١)، ولعله تصحيف.
ووجه مطابقة الترجمة لحديث ابن عمر الذي ساقه (٢)، فإنه لم يصل في سوق.
إن البخاري أراد إثبات جواز بناء المسجد داخل السوق لئلا يتخيل المسجد في المكان المحجور لا يشرع كما أن مسجد الجمعة لا يجوز أن يكون محجورًا، فنبه بصلاة ابن عمر على أن المسجد الذي صلى فيه كان محجورًا، ومع ذلك فله حكم المساجد.
ثم خص السوق في الترجمة لئلا يتخيل أنها لما كانت شر البقاع (٣)،

----------------------
(١) «المتواري» ص ٨٨.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٣) كتاب: الصلاة. وفي هامش الأصل: في المساجد التي على طرق المدينة.
(٣) روى مسلم (٦٧١) كتاب: المساجد، باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح .. من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض =



وبها يركز الشيطان رايته كما ورد في الحديث (١) يمنع بذلك من اتخاذ المساجد فيها، وينافي العبادة كما (نافتها) (٢) الطرقات ومواضع العذاب والحمام شبهها فبين بهذا الحديث أنها محل للصلاة كالبيوت، فإذا كانت محلا لها جاز أن يبنى فيها المسجد وكذا قال ابن بطال في «شرحه»: فيه: أن الأسواق مواضع للصلاة وإن كان قد جاء فيها مرفوعًا: «إنها شر البقاع» حكاية عن جبريل: «وخيرها المساجد» أخرجه الآجري (٣).
فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به إذا كانت الأسواق شر البقاع والمساجد خيرها، فلا يجوز أن تعمل الصلاة في شرها فجاء في الحديث إجازة الصلاة في السوق وأن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة كصلاة المنفرد في بيته، قال: واستدل البخاري أنه إذا جازت الصلاة في السوق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعات لفضل الجماعة كما يتخذ المساجد في البيوت عند الأعذار لفضل الجماعة (٤).
ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ

---------------
= البلاد إلى الله أسواقها».
(١) رواه مسلم (٢٤٥١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة، عن سلمان قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.
(٢) كذا قراءتها التقريبية، ولعل لها وجها لم يتبين لنا.
(٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٧٦ (١٥٩٩)، والحاكم ١/ ٩٠، والبيهقي ٣/ ٦٥، من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢٠١).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٤.



الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ خمسا وعشرين درجة .. «الحديث.
وسبق بعضه في باب: الحدث في المسجد (١)، وسيأتي في فضل صلاة الجماعة (٢)، وسنتكلم عليه هناك إن شاء الله، وفي البيوع في باب: ما ذكر في الأسواق (٣)، وأخرجه مسلم هنا أيضا (٤).
وقوله: (»لم يخط خُطوة«) هو بفتح الخاء وضمها، قال القرطبي: الرواية بالضم وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين (٥)، وقال ابن التين: رويناه بفتحها، وهي المرة الواحدة.
وقوله: (»لا يريد إلا الصلاة«) أي: لا يقصد غير ذلك، وفي رواية: لا يهزه، أي: لا يدفعه ويهزه بضم أوله أو بفتحه (٦).

--------------------
(١) سلف برقم (٤٤٥).
(٢) سلف برقم (٦٤٧) كتاب: الأذان.
(٣) سيأتي برقم (٢١١٩) كتاب: البيوع.
(٤) مسلم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة.
(٥)»المفهم" ٢/ ٢٩٠.
(٦) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الخامس بعد الستين كتبه مؤلفه.



٨٨ - باب تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيِرْهِ
٤٧٨ و٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ. [٤٨٠ - فتح: ٤/ ٥٦٥]

٤٨٠ - وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا». [انظر: ٤٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٥]

٤٨١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [٢٤٤٦، ٦٠٢٦ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٦٥]

٤٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاة؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ». فَقَالُوا نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ١/ ٥٦٥]


ساق فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
عن حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، ثَنَا عَاصِمٌ، ثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ.
قال أبو عبد الله: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هذا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بهذا».
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ليس موجودًا في أكثر نسخ الصحيح، ولا استخرجه الحافظان الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال، وفي بعض النسخ، ملحقًا على الحاشية.
وحكى أبو مسعود أنه رأى في كتاب أبي رميح عن الترمذي وحماد بن شاكر عن البخاري، نعم، ذكره خلف في «أطرافه» في مسند ابن عمر، وكذا الحميدي في «جمعه» في أفراد البخاري من حديث واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر أو ابن عمرو -وعلى ابن عمرو تمريض- قال: شبك النبي - ﷺ - أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أفعل يا رسول الله، قال: «تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم».


قال الحميدي: هكذا في حديث بشر بن المفضل عن واقد، وفي حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله بن عمرو كيف أنت إذا بقيت» وذكره (١).
الوجه الثاني:
(حامد) هذا هو: البكراوي من ذرية أبي بكرة الثقفي، نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، بنيسابور (٢).
و(بشر) هو: ابن المفضل الرقاشي، الحجة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة، مات سنة سبع وثمانين ومائة (٣).
و(عاصم) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وثق (٤).
و(عاصم بن علي) هو الواسطي، شيخ البخاري وهو ثقة، وإن ضعفه ابن معين، وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، مات سنة إحدى وعشرين

------------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٢٧٨ (١٤٣٥).
(٢) هو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي، روى عنه البخاري ومسلم، ووثقه ابن حبان. انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٢٥ (٤١٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٠٠ (١٣٣٧)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٢١٨، «تهذيب الكمال» ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (١٠٦٢).
(٣) بشر بن المفضل، تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٧).
(٤) عاصم بن محمد بن زيد، روى له الجماعة، ووثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود وأبو حاتم، وزاد أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقال البزار: صالح الحديث، ووثقه ابن حجر.
انظر ترجمته في: «تاريخ يحيى بن معين برواية الدارمي» ص ١٤٩ (٥١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٥٤٠ (١٩٣١)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣ (٣٠٢٧)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٠.



ومائتين (١).
و(واقد) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ثقة، ووالده زيد (٢).
الثالث:
الحثالة: ثفله ورديه، ومرجت: بكسر الراء أي: اختلطت عهودهم ولم يفوا وشبك الشارع ليمثل له اختلاطهم.
الحديث الثاني:
حديث أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب (٣)، ومسلم (٤) كذلك (٥)، وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وخلاد بن يحيى، شيخ البخاري ثقة، يغلط قليلًا، مات سنة سبع عشرة ومائتين (٦).
وظاهر الحديث الإخبار ومعناه الأمر وفيه التحريض على التعاون.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ- قَالَ ابن سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ولكن نَسِيتُ أَنَا .. الحديث، وفيه: وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

------------------
(١) عاصم بن علي، تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٢) واقد بن محمد بن زيد، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٠٢٦) باب: تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا.
(٤) مسلم (٢٥٨٥) كتاب: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.
(٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط الشيخ الترمذي في البر وصححه والنسائي في الزكاة.
(٦) خلاد بن يحيى، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٧٧).



وسيأتي في سجود السهو إن شاء الله وقدره.
وطرقه الدارقطني (١)، وغيره وأخرجه مسلم (٢) والباقون (٣).
واختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة فرويت آثار مرسلة أنه - ﷺ - نهى عن ذلك في المسجد من مراسيل سعيد بن المسيب.
ومنها: مسند من طرق غير ثابتة (٤)، كما قال ابن بطال، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن مولى أبي سعيد، وهو مع رسول الله - ﷺ - فدخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فرأى رجلا جالسا وسط الناس قد شبك بين أصابعه يحدث نفسه فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - فلم يفطن له فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» (٥)، وهذِه الآثار معارضة لأحاديث الباب وهي غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية (٦).
قلت: وأما ابن حبان فأخرج النهي عن التشبيك من حديث كعب،
وكذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٧)، وأخرجه ابن حبان أيضًا

------------------
(١) «العلل» ٩/ ٣٧٥ - ٣٧٩.
(٢) مسلم (٥٧٣) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له.
(٣) أبو داود (١٠٠٨)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٠ - ٢٣، وابن ماجه (١٢١٤).
(٤) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٣ (٣٣٣١) - (٣٣٣٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤ - ٤٨٢٨).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤).
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥.
(٧) ابن خزيمة ١/ ٢٧٧ (٤٤١)، ابن حبان ٥/ ٥٢٤ (٢١٥٠)، ورواه أيضًا: أبو داود =



والحاكم في «المستدرك» من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (١).
وكره إبراهيم تشبيك الأصابع في الصلاة (٢)، وهو قول مالك (٣)، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم وكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة؛ ذكرهما ابن أبي شيبة (٤)، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد (٥)، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة.

---------------------
= (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦)، وأحمد ٤/ ٢٤٠، والدارمى ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٤).
وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٤٢).
(١) ابن حبان ٥/ ٥٢٣ (٢١٤٩)، والحاكم ١/ ٢٠٦، ورواه أيضًا: الدارمي ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٦)، ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢٢٩ (٤٤٦، ٤٤٧)، الطبراني في «الأوسط» ١/ ٢٥٦ (٨٣٨). وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٩٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٨).
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٩، ٤٨٣١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٣٠).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* بدايـة الخَلْـق..
* المرأة المسلمة بين تكريم الإسلام ودعاوى التغريب والعولمة
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* خواطر الكلمة الطيبة
* الأربعون الوقفية الموجزة
* تحت العشرين
* المرأة والأسرة --------- متجدد

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس