الموضوع
:
التقديم والتأخير في القرآن الكريم/د.فاضل السامرائي
عرض مشاركة واحدة
05-05-2026, 12:00 AM
#
2
مشرفة قسم القرآن
الملف الشخصي:
تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 98
إن القرآن ـ كما ذكرت ـ يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام مثلاً متدرجاً حسب:
القدم والأولية في الوجود : فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى {
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
(56)}(الذاريات) فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى: {
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ
(27) }(الحجر) فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم.
** ونحو قوله تعالى {
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ
..(255)}(البقرة) لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم (انظر كتابنا (معاني النحو) ـ باب العطف ) ، فبدأ بالسنة ثم النوم.
عاد وثمود :
** ومن ذلك تقديم عاد على ثمود (الإتقان 2 / 15)، قال تعالى : {
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ
(38)}(العنكبوت) فإن عاداً أسبق من ثمود.
الليل والنهار /الظلمات والنور:
** وحعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور(الإتقان 2 / 15) ، قال تعالى: {
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
(33)}( الأنبياء) فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال {
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ
(44)}(النور) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى : {
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ
(1)}(الأنعام) وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.
عزيز حكيم
قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم : {
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(1)}(الحشر) قالوا لأنه عزّ فحكم.( الإتقان 2/14).
القوة والعزة
** ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب، فالقوة أول قال تعالى : {
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
}[(40) و(74)(الحج)] وقال (
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
(25)}(الأحزاب).
** وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف :
منه تقديم الله سبحانه في الذكر(الإتقان 2/14) ، كقوله تعالى {
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
(69)}(النساء).
فقدم اللهَ على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم.
النبيين والصديقين:
كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل، ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل قلّ صنفهم.
** ومن ذلك قوله تعالى {
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
(7)}(الأحزاب) فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم (انظر الكشاف 2/531) .
السمع والبصر:
** وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)}( الشورى) و {
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(20)}(غافر) وقال سبحانه: {
إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(1)}( الإسراء) و {
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(56)}(غافر) وقال تعالى : {
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
(2)}(الإنسان) فقدم السمع على البصر.
وقال عز وجل:{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)}(الفرقان) فقدّم الصم وهم فاقدو السمع على العميان وهم فاقدو البصر. قالوا لأن السمع أفضل. (انظر البرهان 3/254 ) ، قالوا والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يبعث نبياً أصم ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب فإنه عمي لفقد ولده.
والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر، ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها وتيسير استيعابه لها كالبصير، غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة. فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى، ولذا كان العميان علماء كبار بخلاف الصم. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى.
ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجاً من القصر إلى الطول في المدى، ولذا حين قال موسى في فرعون {
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى
(45)}(طه) قال الله تعالى: {
قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
(46)}(طه) فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريباً منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيداً وإن كان الله لا يندّ عن سمعه شيء.
وقد يكون التقديم بحسب الرتبة
هماز مشاء بنميم
:
وذلك كقوله تعالى {
فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
(8)
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
(9)
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
(10)
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
(11)
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
(12)}(القلم) "فإن الهمّاز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص."( البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن 292) .
فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين، وهذه مرتبة بعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الاعتداء فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء.
ثم ختمها بقوله: (
أثيم
) وهو وصف جامع لأنواع الشرور فهي مرتبة أخرى أشد إيذاءً. جاء في (بدائع الفوائد) : "وأما تقدم (
همّاز
) على (
مشّاء بنميم
) فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (
مناع للخير
) على (
معتد
) فبالرتبة أيضاً لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره."( بدائع الفوائد 1/62).
السميع العليم
:
** وجعلوا من تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى :{
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(137)}(البقرة) وقوله سبحانه: {
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(61)}(الأنفال) وذلك أنه "خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما يقرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من سمع حسك وخفيّ صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقاً بما ظهر وبطن وواقعاً على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم."( بدائع الفوائد 1/74، البرهان 3/249).
ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.
الغفور الرحيم
:
** وجعلوا منه أيضاً تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله تعالى: {
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(173)}(البقرة) في آيات كثيرة وقوله سبحانه: {
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
(100)}(النساء) قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن" المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله عز وجل: {
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
(2)} فالرحمة شملتهم جميعاً والمغفرة تخص بعضاً. والعموم قبل الخصوص بالرتبة"(البرهان 3/249، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن 295 ـ 296) .
وإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم، وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعمّ.
الجباه والجنوب والظهور
** ومن التقديم بالرتبة أيضاً قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة : {
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
(35)}(التوبة) فبدأ بالجباه ثم الجنوب ثم الظهور "قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم" (الكشاف 2/38) ، فتدرج حسب الرتبة.
وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة
فقد يرتب المذكورات متدرجاً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام :
امانى يسرى محمد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى امانى يسرى محمد
البحث عن كل مشاركات امانى يسرى محمد