![]() |
![]() |
|
|
#7 | |
![]() ![]() ![]()
|
العلاّمة المجاهد علال الفاسي أسامه شحادة العلاّمة المجاهد علال الفاسي تمهيد: العلامة علال الفاسي هو علال بن عبد الواحد بن عبد السلام بن علال، الفاسي الفهري، ينتمى لأسرة عربية عريقة، استقرت ببلاد الأندلس، ثم فرّت منها إلى المغرب بسبب محاكم التفتيش الإسبانية، ومن هذه الأسرة السيدة فاطمة بنت محمد الفهري التي بنت بمالها جامع القرويين الشهير، عام 245 هجرية. ولد علال سنة 1328هـ / 1910م لأحد كبار علماء المغرب في مدينة فاس، الذي كان مدرساً بالقرويين وقاضياً، كما كان أجدادُه من قبله، والفترة التي ولد فيها علال كانت فترة تاريخية صعبة، حيث كانت البلاد الإسلامية تحت حكم الاحتلال الصليبي، وهذه البيئة الصعبة والعائلة العريقة والإرادة الربانية من قبل هي التي جعلت من علال أحد رموز الإصلاح في الأمة. شخصية علال الفاسي تعاني من تعامل مجزوء معها، فالدور السياسي الكبير لعلال الفاسي في استقلال المغرب طغى على دوره الإسلامي الإصلاحي، وغابت صورة علال السلفي العالِم المجدد عن أذهان الكثيرين من السياسيين بل حتى عند الإسلاميين. وغابت صورة علال السياسي، مؤسس الأحزاب، ومسعّر حرب الاستقلال، ورئيس لجنة كتابة الدستور، والوزير والمعارض عن أذهان كثير من طلبة العلم المعجبين بعلال!! إن علال يمتلك عدة شخصيات ضخمة فهو يمتلك شخصية العالم المجدد، وشخصية المفكر الناقد المبدع، وشخصية المجاهد والمقاوم البطل، وشخصية السياسي الذكي. رحلته العلمية: درس علال بداية في الكُتَّاب، حيث تلقى مبادئ الكتابة والقراءة، فحفظ القرآن الكريم مبكراً، ثمّ نقله والده للمدرسة العربية الحرة بفاس القديمة، ثم في عام (1338هـ) التحق بجامع القرويِّين، فالتقى بالعلامة السلفي محمد بن العربي العلوي والذي درس عليه المختصر بشرح الدردير، والتحفة بشرح الشيخ التاودي بن سودة، وجمع الجوامع بشرح المحلي، والكامل في الأدب للمبرد، ومقامات الحريري، وعيون الأخبار لابن قتيبة. ودرس على عدد من العلماء الأكابر في جامع القرويين علوماً متعددة كان منهم شيخ العربي العلوي، الشيخ العلامة المحدث أبو شعيب الدكالي الذي قرأ عليه صحيح البخاري؛ وقد حصل على الشهادة العالمية عام 1932، ولم يتجاوز عمره الثانية والعشرين. موجز مسيرته العملية العلمية: * عمل مدرساً بالمدرسة الناصرية، وذلك أثناء دراسته بالقرويين. * بعد تخرجه وحصوله على إجازة من والده، ومن عمه الفقيه عبد الله الفاسي، ومن شيخيه العلامتين أبي شعيب الدكالي ومحمد بن جعفر الكتاني، وصار يدرّس بجامع القرويين حول التاريخ الإسلامي. * عمل أستاذاً محاضراً بكلية الشريعة التابعة لجامعة القرويين بفاس، كما عمل محاضراً بكليتي الحقوق والآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومحاضراً بدار الحديث الحسنية بالرباط. * هو صاحب فكرة إنشاء وزارة للشؤون الإسلامية بالمغرب. * كان له فضل حث الملك الحسن الثانى سنة 1964م على إنشاء دار الحديث الحسنية. * كان له دور بارز في تطوير جامعة القرويين واستحداث كلية الشريعة وكلية أصول الدين وكلية اللغة العربية. * كان عضواً ومقرراً عاماً في لجنة مدونة الفقه الإسلامي التي شُكلت في فجر الاستقلال المغربي. كما أن له باعاً طويلاً وقدماً راسخة في الفقه الإسلامي وخاصة الفقه المالكي والفقه المقارن، وله اجتهادات فقهية يحتج بها علماء المغرب والجزائر وتونس. * انتخب عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة. * له عدد من المؤلفات منها: عقيدة وجهاد، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، دفاع عن الشريعة، محاضرتان عن مهمة علماء الإسلام، الإسلام وتحديات العصر، دفاعاً عن الأصالة، شرح مدونة الأحوال الشخصية، تاريخ التشريع الإسلامي، المدخل للفقه الإسلامي، المدخل لعلوم القرآن والتفسير، بديل البديل، نضالية الإمام مالك، النقد الذاتي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، وغيرها؛ وله كتب باللغة الفرنسية. كما أصدر مجلة "البينة"، وجريدة "صحراء المغرب"، و"الحسنى". مسيرته السياسية: مر معنا أن المغرب والعالم الإسلامي كان تحت الاحتلال، وأن علال درس على العلامتين أبي شعيب الدوكالي ومحمد العربي العلوي اللذين كانا قادة العمل الوطني في المغرب، ولذلك سرعان ما انخرط علال الفاسي في العمل الوطني المغربي ومقاومة المحتل الفرنسي، وبدأت مسيرته المباركة في هذا الجهاد الطويل، والباحثون في سيرته الوطنية يذكرون أنها مرت بعدة مراحل هي: 1- تأليف جمعية من زملائه الطلبة في القرويين أطلق عليها "جمعية القرويين لمقاومة المحتلين" لدعم المجاهد المغربيّ الكبير، الملقّب ببطل الصحراء، عبد الكريم الخطّابي، في جهاده ضد الاحتلال الفرنسي. 2- أيد موقف شيوخه الدكالي والعلوي بمعارضة الظهير البربري، فألقى عدة خطب في التحذير منه، وبسبب فصاحته وخطابته المؤثرة كانت تستجيب له الجماهير فتخرج المظاهرات الحاشدة تندد بهذه السياسة الخبيثة، ولذلك اعتقلته السلطات الفرنسية وهو طالبٌ بالعالمية، ونفته إلى بلدة (تازة)، ثم عاد بعد الإفراج عنه إلى فاس سنة (1931م) فمنعته من التدريس، فانصرف إلى جامع القرويين يلقي الدروس العلمية الليلية عن تاريخ الإسلام، وعن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مقارنا بين حالة المسلمين الأوائل وواقع إخوانهم المعاصر، وقد جذبت هذه الدروس اهتمام المغاربة من الرجال والنساء، ولم يكتف بهذا، فاختار نخبة من زملائه وأوفدهم إلى شتى القرى لنشر الوعي والأفكار الصحيحة وتأجيج الشعور الوطني. 3- في عام 1933م حاولت الإدارة الفرنسية اعتقاله مجدداً فسافر إلى إسبانيا وسويسرا، واتصل بالأمير شكيب أرسلان وإخوانه المناضلين العرب والمسلمين. 4- عاد إلى المغرب عام (1934م)، وأسس أول نقابة للعمال سنة 1936م. 5- أنشأ كتلة العمل الوطني سنة (1937م) فأبعدته السلطات إلى (الغابون) منفياً إلى سنة (1941م)، ثم إلى (الكونغو) حتى سنة (1946م)، حبيساً في زنزانةٍ مظلمةٍ، ولم يسمحوا له بمصحفٍ إلا بعد عامٍ ونصف. 6- بعد إطلاق سراحه، أنشأ مع رفاقه حزب الاستقلال ثم سافر متنقلاً بين البلاد العربية والأوروبية يدعو لاستقلال المغرب عن فرنسا، وقد استطاع في هذه الجولات أن يتصل بكثيرين من القادة والزعماء والمجاهدين في العالم الإسلامي. عاد إلى المغرب سنة (1949م) فمنعه الفرنسيون من الدخول، فأقام بمدينة (طنجة)، وكانت يومئذ منطقة دولية. 7- في سنة (1953م) قام الاستعمار الفرنسي، بنفي الملك المغربي محمد الخامس خارج البلاد، فدعا علال الفاسي الشعب المغربي للثورة ضد فرنسا، وكان قائد الثورة حتى عودة الملك، واستقرار أمر البلاد. 8- بعد نيل المغرب استقلاله سنة (1375هـ/1955م) ورجوع الملك محمد الخامس إلى عرشه عاد علال الفاسي إلى وطنه بعد غياب عشر سنوات قضاها في القاهرة، وعاود نشاطه القديم فتولى رئاسة حزب الاستقلال الذي أنشئ من قبل، واختير عضوا رئيسيا في مجلس الدستور لوضع دستور البلاد، ثم انتخب رئيسا له بسبب مركزية دوره وجهاده لفرنسا، وقدم مشروع القانون الأساسي، وشارك في وضع الأسس الأولى لدستور سنة 1962م، ودخل الانتخابات التي أجريت سنة (1383هـ/ 1963م) ودخل الوزارة، وإليه يرجع الفضل في إنشاء مشروع وزارة للدولة مكلفة بالشئون الإسلامية. 9- بعد وفاة الملك محمد الخامس، تولى وزارة الدولة للشؤون الإسلامية عام 1961م، ثم استقال عام 1963م، وانضمّ بحزبه حزب الاستقلال إلى صفوف المعارضة السّلميّة الناصحة[1]. 10- له مشاركات مهمة في كثير من قضايا الأمة الإسلامية وخاصة فلسطين. سلفية علال الفاسي: ظهرت سلفيته في دروسه التي بدأ يلقيها في القرويين منذ كان طالباً سنة 1933م، وبسبب ذلك قام بعض الحاقدين بشكايته للملك بدعوى أنه ينال من الصالحين والأولياء، لكن دفاع شيخه محمد العربي العلوي عنه أحبط مساعيهم، وفي المستقبل سيصطدم علال ببعض مشايخ الطرقية الذين استعملهم الاستعمار الفرنسي لإضفاء الشرعية على إزاحة الملك محمد الخامس عن عرشه سنة 1953م. وأيضاً حين هاجم الطرقيين زميله في الدراسة العلامة محمد المكي الناصري بسبب كتابه "إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة" قام علال بكتابة مقال بعنوان "الطرق والإسلام" نشر في مجلة "إظهار الحق" بتاريخ 19/3/1926م. ومنذ تلك المرحلة وعلال ورفقاؤه في حرب مع الخرافة والطرقية حلفاء المستعمر الفرنسي، وهذه السلفية هي التي صاغت الحركة الوطنية المغربية عامة، يقول علال في كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي": «لئن كانت السلفية في باعثها الحنبلي ترمي لتطهير الدين من الخرافات التي ألصقت به والعودة إلى روح السنة المطهرة؛ فإنها لا تقصد من وراء ذلك إلا تربية الشخصية الإسلامية على المبادئ التي جاء بها الإسلام، بصفته المتكفل بصلاح الأمة في دينها ودنياها، وإعدادها لتكون لها الخلافة في هذه الأرض التي حكم الله ألا يرثها من عباده إلا الصالحون، وبذلك فهي حركة تتناول نواحي المجهود الفردي لصلاح المجتمع، وتتطلب فتح الذهن البشري لقبول ما يلقى إليه من جديد، وقياسه بمقياس المصلحة العامة لإرجاع المجد العظيم الذي كان للسلف الصالح في حظيرة الإيمان وحظيرة العمل". ويصرح علال بأن "الحركة السلفية التي علمت بدء نهضتنا أول تمهيد لهذا الكفاح العقلي والاجتماعي، ولكنها ستظل من غير فائدة إذا لم تتوج بحركة إصلاح شاملة، ومن درجة أقوى وأشد عتوا. لقد عَلمت السلفية الشعب أن يستمع لنقد كثير مما كان يحرم على نفسه أن ينظر فيه أو يستمع لاستنكاره، وهي لم تقم إلا بواجب يفرضه الإسلام نفسه، إذ هو حركة مستمرة وتقدم دائب". وانطلاقاً من سلفيته خاض معركة الـ "دفاع عن الشريعة" حين جاء وقت كتابة الدستور المغربي بعد الاستقلال ومحاولة التيار الشيوعي في المغرب إلغاء هوية المغرب الإسلامية في الدستور، وكذلك ألف كتابيه "تاريخ التشريع الإسلامي" و"المدخل للفقه الإسلامي" ليثبت للمخالفين سبق الإسلام للغرب في جانب القانون والدستور من خلال بيان اقتباس الغرب لكثير من فقه الإسلام في قوانينهم. وبقيت السلفية منهج علال حتى وفاته، ففي محاضرته عن الأصالة سنة 1973 أي قبل وفاته بشهور يقول: "وأول ما يجب أن نعتز به من تراثنا هو ديننا الحنيف، فيجب أن نحافظ على التمسك به، واليقين في أفضلية مبادئه، ولكن يجب أن نفرق بين دين الكتاب والسنة، الإسلام الصافي الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأعطانا صورته في شخصه، وسار على غِراره الصحابة الكرام والتابعين ومن تبعهم بإحسان وكل المصلحين.. ولكن هذا الدين وهؤلاء المسلمين خُلق من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.. فمنهم المبتدع في العقيدة، ومنهم المنحرف في الشريعة، ومنهم المكثرون من الخرافات..". لقد كانت سلفية علال تمزج بين تحرير الفرد من عوائق الشعوذة والخرافة الصوفية، وتحريره من عوائق التخلف والجهل، وتحريره من عوائق الاستعمار والاحتلال الأجنبي. موسوعية علال الفاسي وعبقريته: لقد تميز علال بموسوعية مدهشة وعبقرية فذّة، وساعده على ذلك ذكاؤه الفطري ومطالعاته الواسعة وتنقله بين البلاد بسبب النفي أو الهروب أو السفر، وقد ظهر ذلك في كتبه المتنوعة ولكن كتابه "النقد الذاتي" يعد أكبر دليل على موسوعية علال وعبقريته، فهو قد ناقش في هذا الكتاب النظريات المعروفة في عصره سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً ونقدها وقدم البديل عنها للمجتمع المغربي، وذلك لتكون النظرية التي يسير عليها المغرب بعد استقلاله، وهذا يدل على عبقريته وتخطيطه المبكر لحاجة المغرب للنهوض والتقدم. فعلال بعد أن درس حركات التحرر والاستقلال في المغرب العربي في كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" وجد أن من واجبه "تكوين النظرية ووضع البرنامج المفصل الذي يسهل علينا تحقيق الإصلاحات العميقة التي تنشدها أمتنا.."، وهذا الكتاب لا غنى لكل دارس للفكر الإسلامي والإصلاحي من دراسته والعناية به. يقول العلامة عبدالله كنون عن هذا الكتاب: "هو أكثر من كتاب سياسي، إنه والحق يُقال منهاج للحكم والإصلاح الاجتماعي". وفي هذا الكتاب وغيره من كتابات علال الكثير من التأصيل للاجتهاد السياسي الإسلامي الذي سبق فيه كثيراً من المعاصرين، ولكن للأسف لم ينل حظه من العناية. حزب الاستقلال: لقد نشأ حزب الاستقلال لغرض مقاومة الاحتلال الفرنسي، ولذلك لم يكن له غرض ديني أو هوية أيديولوجية، وكان فيه توجهات سياسية وفلسفية شديدة الاختلاف كان همها الوحيد التحرير من الاستعمار، الشيء الذي وحد بينها في نطاق حزب وطني كبير يخفي وراءه تناقضات داخلية كبيرة ولذلك بعد الاستقلال حدثت عدة انشقاقات عن الحزب، وخرجت منه التيارات اليسارية، وفقد بعد ذلك علال السيطرة عليه، وهذا ما جعل علال في آخر عمره يصرح بندمه على عدم تأسيسه لحركة إسلامية. بداية حزب الإستقلال كانت من خلال كتلة العمل الوطني، التي تكونت بعد صدور الظهير البربري في سنة 1930م، وفي مطلع سنة 1937م شكلت اللجنة التنفيذية للكتلة وكان علال الفاسي رئيسا لها وضمت شخصيات متعددة التوجهات، وبعد شهرين قام الاحتلال الفرنسي بحل الكتلة وإقفال مكاتبها بالقوة. ولما لم يمكن إعادة الكتلة للوجود تم تأسيس الحزب الوطني بعد شهر من حل الكتلة، وكان علال من قادته ولذلك تم نفيه لخارج المغرب في نفس السنة. وفي 11/1/1944 أُعلن عن ولادة حزب الاستقلال حيث تم تقديم ما عرف في تاريخ المغرب بـ "وثيقة المطالبة بالاستقلال" من قبل أنصار ورفقاء علال الذي لا يزال في المنفى. وحين عاد علال للمغرب سنة 1946م قاد الحزب حتى وفاته عام 1974م. في 1959م غداة الاستقلال شهد الحزب انشقاقا انبثق عنه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اليساري، الذي ستنشق عنه بدوره فيما بعد أحزاب يسارية أخرى. وذلك بسبب الخلاف بين التيار "التقليدي المحافظ" والتيار "التقدمي اليساري" في حزب الاستقلال على توجهات ودستور المغرب المستقل. ولذلك لم ينجح علال في ترؤس لجنة وضع الدستور بسبب معارضة الحزب الشيوعي وحزب الاتحاد المنشق عن الاستقلال، لرفضهم الرؤية الإسلامية للدستور التي يتبناها علال الفاسي، ونتج عن ذلك انفراد القصر الملكي بوضع الدستور لصالح الملك في عدد من القضايا الخلافية كاختصاصات الملك الواسعة، وطبيعة النظام السياسي، ودور البرلمان، ودور الأحزاب، وكيفية تشكيل الحكومة وصلاحياتها، ويكاد هذا الوضع يتكرر الآن بعد 50 سنة في مصر في الصراع على اللجنة التأسيسية للدستور المصري!! بعد ذلك دخل الحزب في صراعات سياسية حوّلته من مؤيد للقصر إلى معارض، ولم يعد علال الفاسي يسيطر على الحزب ولم يعد الحزب يمثل توجهات علال بسبب عدم وجود انتماء حقيقي لفكر علال بالحزب. ولذلك أعلن مؤخراً في سنة 2012م عن تأسيس حركة تصحيحية أطلق عليها «حركة 11 يناير للفكر العلالي والقيم التعادلية لحزب الاستقلال»، تروم التشبث بالقيم الحقيقية لحزب الاستقلال، كما رسخها الزعيم علال الفاسي ورفاق دربه من القادة التاريخيين الموسومين بنظافة الذمة ونزاهة الفكر. وفاته لقد أكرمه الله أن وافته منيته يوم الاثنين 20 من ربيع الآخر 1394هـ - 13 من مايو 1974م، وهو يجاهد لقضايا وطنه وأمته، حيث توفي في بوخارست عاصمة رومانيا، في زيارة لشرح وبيان قضية المغرب والصحراء المغربية، وقضية الشعب الفلسطيني في مواجهة الصهيونية دفاعاً عن دينه وأرضه، رحم الله العلامة المجاهد علال الفاسي رحمة واسعة. مراجع للاستزادة: 1- علال الفاسي استراتيجية مقاومة الاستعمار، أسيم القرقري. دار أفريقيا العربية، الدار البيضاء، 2010. 2- علال الفاسي رائد التنوير الفكري في المغرب، المفكر السلفي المجدد والزعيم السياسي، أحمد بابانا العلوي، دار أبي قراقر، الرباط، 2010. 3- أسرار وحقائق عن علال الفاسي، محمد السلوي أبوعزام، دار الرشاد الحديثة، 1981. 4- علال الفاسي: ينبوع فكري متجدد، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط: 2001. [1] - انظر مقال "من فقهاء العصر محمد علال الفاسي" لصلاح عباس فقير، بشبكة الإنترنت. |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
العلاّمة الطيب العقبي أسامه شحادة ![]() العلاّمة الطيب العقبي تمهيد: الشيخ الطيب العقبي من أركان الإصلاح في الجزائر، ومن أعمدة جمعية العلماء المسلمين فيها، كان صاحب مواقف قوية ضد الشرك والبدع والخرافات، حتى كان الطرقيون والمبتدعة يطلقون على دعاة التوحيد لقب "عقبي" !! مولد العقبي ونشأته هو الطيب بن محمد بن إبراهيم، ولد في شهر شوال سنة 1307هـ الموافق لـ 1890م في الجزائر بضواحي بلدة «سيدي عقبة» التي ينسب إليها. هاجرت أسرته إلى الحجاز للحج سنة 1313هـ وكان صغيراً، ثم في السنة التالية سكنت عائلته المدينة النبوية في أول سنة 1314هـ /1895م، هرباً من حملات الفرنسيين بتجنيد الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي، ولايزال بعض أقاربه في السعودية لليوم ويحملون جنسيتها. وفي المدينة المنور قبر أبويه وعمه وعم والده وأخته، وجلّ من هاجر من أفراد عائلته، كلهم دفنوا هناك ببقيع الغرقد رحمة الله عليهم، وقد توفي والده والعقبي في سن الثالثة عشر، وبعد وفاة والده أصبح يتيماً فتربى في حجر أمه، وقد سخر الله له شقيقه الأصغر حيث كان هو من يقوم بقضاء ما يلزم من الضروريات المنزلية فتفرغ للعلم. فقرأ القرآن على أساتذة مصريين برواية (حفص) ثم شرع بحضور دروس بعض العلماء بالحرم النبوي، مثل الشيخ محمد بن عبد الله زيدان الشنقيطي الذي أخذ عنه الأدب والسيرة، والشيخ حمدان الونيسي والذي كان من أبرز العلماء السلفيين في الجزائر وكان مربي ابن باديس، ثم هاجر للمدينة المنورة، وقد قابله ابن باديس في المدينة حين قدم للحج، وفي المدينة المنورة كان أول لقاء للعقبي مع ابن باديس والبشير الإبراهيمي، وكان لتأثرهم بالشيخ حمدان الونيسي أن اجتمعت أفكارهم ونشاطهم السلفي على الإصلاح. وقد نبغ العقبي في العلم برغم عدم انتظام دراسته في معاهد علمية وتميز في نظم الشعر والأدب، ثم عمل العقبي بالتدريس، وبدأ مسيرته الإصلاحية بالكتابة في الصحف الحجازية داعياً للإصلاح والعمل فلقيت مقالاته قبولاً عند المسلمين وفتحت له صداقة ومراسلة مع بعض المصلحين المعروفين كشكيب أرسلان ومحبّ الدين الخطيب، وأصبح من أنصار ودعاة فكرة الجامعة الإسلامية ضد أنصار الاستعمار والقوميات الضيقة كحزب الاتحاد والترقي، وبذلك ترسخ منهجه السلفي الإصلاحي وانتشر صيته ودوره بين المصلحين والنهضويين. ولهذا قام ساسة ورجال حزب تركيا الفتاة بنفيه إلى شبه الجزيرة التركية أكثر من سنتين، عقب ثورة الشريف حسين بسبب مقالاته في الصحف ولعدم تعاونه معهم، وقد لحقت به عائلته بعد خراب المدينة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد إلى مكة المكرمة، فأكرمه الشريف حسين وتولى رئاسة تحرير جريدة «القبلة» وإدارة «المطبعة الأميرية» في مكة خلفا للعلامة محب الدين الخطيب. وفي مكة زاد اطلاعه على الدعوة السلفية في نجد (دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب)، حتى لقب في الجزائر بالوهابي، بسبب نشاطه الكبير في الدعوة للعقيدة السلفية ونبذ الشرك، ومن الطريف أن العقبي يشابه الإمام ابن عبد الوهاب من حيث أنه حين عاد لبلده عاد سلفيا يحمل الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك فعاداه قومه، وانظر للعقبي يلخص دعوته ومنهجه في أبيات شعرية فيقول: ماتت السنة في هذي البلاد قبر العلم وساد الجهل ساد أيهـا الـسائـل عـن مـعـتـقــدي يـبـتـغي مـنـي مــا يحوي الفؤاد إنــني لــست بــبدعــي ولا خــارجــي دأبــه طــول العــناد منهجي شرع النبي المصطفى واعتقادي سلفي ذو سداد لم أطُف قط بقبر لا ولا أرتجي ما كان من نوع الجماد لا أنادي صاحب القبر أغث أنت قطب أنت غوث وسناد لا أسوق الهدي قربانا له زردة يدعونها أهل البلاد ويقول: مذهبــي شــرع النبي المصطفى واعتقادي سلفـي ذو سـدادْ خطتـي علـمٌ وفكــرٌ ونظـرْ في شؤون الكون بحثٌ واجتهادْ وطريـق الحــق عنـدي واحـدٌ مشربي مشربُ قـربٍ لا ابتعادْ رجوعه إلى الجزائر رجع الشيخ العقبي إلى الجزائر في 3/1920م بهدف حماية أملاك العائلة من اعتداء البعض عليها، وبسبب اضطراب الأوضاع في الحجاز بين الشريف حسين والملك عبد العزيز بن سعود، فعاد للجزائر بنية حماية أملاكهم المعتدى عليها، ثم الرجوع إلى الحجاز. لكن لم يكتب له العودة للحجاز وبقي في الجزائر، وقد جوبه العقبي بمعاملة فظة من الاستعمار الفرنسي إذ عاملوه معاملة مهينة واستقبلوه باعتقال لنحو شهرين واستجواب وتفتيش ووضع تحت المراقبة! ثم اصطدام بالجهلة والمزيفين من أهل العلم فأثرت على نفسيته فانزوى وانقطع عن العلم والكتابة في الصحف، وحين كتب بعد عدة سنوات بعض الآراء والأفكار في مسائل تخص العلم والدين ثارت ثائرة الجامدين ضده. وقد عاد العقبي للجزائر بشخصية حجازية في ملبسه ومنطقه وفكره، وبقي يحنّ للحجاز والعودة إليهم، وقد وصف الشيخ ابن باديس حنين العقبي للحجاز أثناء سفرهم إلى باريس ضمن وفد المؤتمر الإسلامي، في سنة 1936م وهم على متن السفينة التي تقلّهم قائلا: "فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهبّ النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى ويرتجل البيتين والثلاثة، وهاج بالرجل الشوق إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة، وإن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكبته ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحّى في سبيل الجزائر أي تضحية"، ومن شعر العقبي في الحجاز قوله: سلام على أرض الحجاز سلام ولست على حبي الحجاز أُلام سلام على آل وصحب عهدتهم وإن بعـدت منهم عليك خيام بداية نشاطه الدعوي أقام بمنطقة بسكرة حين رجع إلى الجزائر، وكانت دروسه العلمية والوعظية لطلبة العلم والعامة في مسجد «بكار» والذي لم يكن يخضع للطريقة التيجانية، فكان يدرّس كتاب الجوهر المكنون وكتاب القطر في النحو، ودرس في التفسير للعامة من تفسير المنار، وكان يعقد مجالس أدبية يحضرها أدباء ومثقفون أمثال الأمين العمودي ومحمد العيد آل خليفة. وبسبب هذا النشاط سرعان ما قامت السلطة الفرنسية باعتقاله قرابة شهر ثم أفرج عنه، فعاد أقوى مما كان في الدعوة للتوحيد والأخلاق الفاضلة وحرب الطرقية والخرافات، في المساجد والصحف التي يشرف عليها العلامة ابن باديس (المنتقد والشهاب) وكانت مقالاته من المقالات الهامة فيهما، فتجمع حوله مجموعة من الأدباء والمصلحين، وتحالف ضده الطرقيون الخرافيون والجامدون. وقد سعى الطرقيون إلى الطلب من والد ابن باديس أن يوقف هذه المقالات، فاستجاب ابن باديس لهم ونشر بياناً بعنوان «في سبيل الوفاق» يطلب من العقبي وبقية كتاب المنتقد والشهاب الكتابة في مواضيع أخرى، جاء فيه: «بما أنّ هذا الموضوع قد أخذ حظّه من البحث والنّقاش فإنّ الجريدة تعتذر لقرّائها عن اضطرارها لإغلاق هذا الباب،... وعلى كتّابها الأكارم أن يواصلوا مراسلاتهم في غير هذا الموضوع، فالمواضيع واسعة وخدمة المجتمع فيها أجدى وأنفع...» فرفض العقبي ذلك واعتبر الطلب مهادنة للطرقيين وتوقف عن الكتابة، فما كان من ابن باديس إلا أن ذهب إليه في بسكرة وقابله للعودة للكتابة، فكانت النتيجة أن تراجع ابن باديس عن توقيف المقالات ومعاودة الكتابة ضد مفاسد ودجل الطرقيين. يرى بعض الباحثين أن اختلاف البيئة التي نشأ فيها كل من العقبي وابن باديس هو سبب تنوع طرائقهم في الدعوة والإصلاح، فالعقبي نشأ في بيئة حجازية لم تكن بمستوى مظاهر الكهنوتية الشركية التي ابتدعتها الطرق الصوفية في الجزائر تضلل الناس بها وتبتز أموالهم، وتسوقهم سوق الأنعام في صور مجموعات بشرية ساذجة، والأكثر من ذلك أنها تجعلهم يستطيبون العيش تحت حذاء الأجنبي الكافر، بينما كان ابن باديس، ابن مدينة قسنطينة، أكثر اطلاعاً ومعرفة بعقلية الجزائريين، ولذلك كان العقبي يتخذ طابع الصراحة التامة وترك المجاملة مع المعارضين خصوصا في الأمور الدينية، في حين كان ابن باديس يتبع اللين والمرحلية مع المعارضين، وقد جعل أولويته نشر التعليم والتربية للناشئة وتهيئتها لخوض غمار المستقبل، بينما كان همّ العقبي نشر الإصلاح وتعميقه وتعميمه على الجميع، فكان السلاح الأول خفيا بطيء التأثير، وكان السلاح الثاني ظاهرا سريع التأثير. وبسبب هذه الحادثة سعى العقبي لتأسيس مجلة له ولإخوانه في بسكرة فظهرت جريدة «صدى الصحراء» في ديسمبر 1925م، ثم انفرد بتأسيس جريدة «الإصلاح» وذلك في 8 سبتمبر 1927م، وقد صدر من هذه الأخيرة 14 عددا ثم أوقفتها السلطة الفرنسية وذلك في سنة 1928م. وحين أسس "الإصلاح" اعتذرت المطبعة الإسلامية بقسنطينة عن طباعتها فطبعها في تونس، ولذلك عزم على تأسيس مطبعة، وفعلاً تم تأسيس «المطبعة العلميّة» مع مجموعة من زملائه، ولكن هذا استغرق منهم ثلاث سنوات، ولذلك صدر العدد الثاني في السنة الثالثة من عمر المجلة، وهذا يدلنا على الإرادة والإصرار اللذين كان يتحلى بهما العقبي، ومنهجه القائم على البحث عن الحلول وعدم البقاء في مربع المشاكل والعوائق. وهذا الاهتمام من العقبي بالصحف كان بسبب رؤية عميقة لدور الإعلام في نهضة الأمة، يقول العقبي في جريدة المنتقد (العدد الخامس): « إن الجرائد في الأعصر الأخيرة هي مبدأ نهضة الشعوب، والعامل القوي في رقيّها، والحبل المتين في اتصال أفرادها، والسبب الأول في تقدمها، والصحافة هي المدرسة السيارة والواعظ البليغ، وهي الخطيب المصقع والنذير العريان لذوي الكسل والبطالة، وهي سلاح الضعيف ضد القوي، ونصرة من لا ناصر له، وهي تأخذ الحق وتعطيه، وترمي الغرض فلا تخطيه وهي المحامي القدير عن كل قضية حق وعدل». مشاركته في تأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر لقد كان العقبي بما له من دور بارز وهام في حمل راية الإصلاح والدعوة والتوحيد في الجزائر من المؤسسين البارزين لجمعية العلماء، ولذلك انتخب ضمن مجلس الإدارة. وعين نائب الكاتب العام وممثلها في عمالة الجزائر، وتولى رئاسة تحرير صحف الجمعية (السنة والشريعة والصراط)، ثم جريدة (البصائر) من أول عدد لها صدر في 27 سبتمبر/ أيلول 1935م إلى العدد 83 الصادر في 30 سبتمبر 1937م حيث انتقلت إدارتها إلى قسنطينة، وكان العقبي في مقارعة شجاعة مع مختلف صحف الطرقيين (الإخلاص، المعيار، البلاغ الجزائري) التي حظيت بدعم سلطة الاحتلال بعكس صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ومن نشاطاته في جمعية العلماء: إشرافه على مدرسة الشبيبة الإسلامية ودعا إلى إنشاء منظمة شباب الموحدين.. وكانت له أنشطة أخرى خارج نطاق جمعية العلماء، فقد كان رئيسا للجمعية الخيرية الإسلامية، ومحاضرا دائماً في نادي الترقي منذ مجيئه للعاصمة سنة 1931م، بعد تأسيس جمعية العلماء وحتى أقعده المرض سنة 1958. أما سبب كونه خطيب ومحاضر النادي فهو أن أهل النادي كانوا يبحثون عن عالم يتولى مهمة المحاضرة والتدريس فيه، فلما حضر العقبي اجتماع جمعية العلماء المسلمين الأول وألقى محاضرة خلبت الألباب وأثرت في النفوس، رأى فيه أهل النادي الأهلية لأداء تلك المهام فاتفقوا معه على أن ينتقل إلى العاصمة. وكانت له دروس في مساجد العاصمة كالمسجد الجديد والمسجد الكبير في التفسير والعقيدة والفقه، والتي لمس سكان العاصمة تأثيرها بينهم. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
العلاّمة الطيب العقبي أسامه شحادة ![]() العلاّمة الطيب العقبي عداء الفرنسيين له كان للشيخ نشاط كبير ودائم وتأثير بالغ في سكان العاصمة خشي منه الفرنسيون على سلطانهم، بحيث يحرض العقبي الجزائريين على الثورة، ومن آثار تأثير العقبي في حياة الجزائريين هجر الناس لشرب الخمر والميسر ومواطنها، ورجع أكثرهم إلى بيوت الله بعد أن خلت منهم، وقد كان الفرنسيون هم من يسهل وجود الخمر بين الجزائريين، كحال المستعمر في كل مكان وعلى غرار إغراق الصين بالأفيون من قبل البريطانيين. يقول الشيخ أحمد حماني: «فأقبل الناس عليه وأثّر في الوسط تأثيرا كبيرا، وقل الفساد والسكر والاعتداء، وكان مستشريا بالعاصمة، وانخفضت نسبة الجرائم، وتفتحت العقول والأذهان، وزالت منها كثير من الخرافات والبدع والأوهام، وصار للحركة جمهور غفير، خصوصا من العمال والشباب الذي سماه الشيخ العقبي (الجيش الأزرق) لما كان يمتاز به العمال من لباس البذل الزرقاء». وبسبب تحالف الطرقيين والسلطات الفرنسية ضده، (وقد حاولوا استمالته فعرضوا عليه منصب الإفتاء فرفض)، أصدار الوالي «ميشال» قراراً بمنع الشيخ من التدريس سنة 1933م وجعل السبب أن العقبي ينشر المذهب الوهابي! في دلالة واضحة على تحالف الطرقية الصوفية مع المحتل الفرنسي ضد دعوة العقبي، لكن احتجاجات سكان العاصمة ونوابهم أجبرت السلطات على إلغاء القرار. ولمّا لم تنجح هذه المحاولات دُبرت مؤامرة لاتهام العقبي بقتل المفتي محمود بن دالي (كحول) والذي كان مخالفاً للجمعية ومحسوباً على الطرقية، وذلك بهدف تعطيل نتائج المؤتمر الإسلامي االذي شارك فيه العقبي مع ابن باديس والإبراهيمي في فرنسا ولعب فيه دورا بارزا للتصدي للاحتلال الفرنسي للجزائر، وفعلا فقد نجحت فرنسا في زعزعة المؤتمر الإسلامي وبث الفرقة بين العلماء والساسة وكبار المتبرعين للمؤتمر، وهو الأمر المهم لاحقاً لإقصاء الجمعية عن قيادة الجزائر بعد حرب التحرير وصعود التيار العلماني. وكحُّول المفتي كان عميلاً رخيصا لفرنسا، ولأنه كان معارضاً للمؤتمر الإسلامي رأت فرنسا أن توعز لأحد مجرميها ويدعى (عكاشة) بقتله لتستفيد من موته أكثر من حياته ومن ثم تتهم العقبي بقتله، وادعى عكاشة أنه تسلم من العقبي خنجرا ومبلغ 30000 فرنكا، فاعتقل العقبي وزميل له، وتعمد الفرنسيون إهانته عند اعتقاله من نادى الترقي، اذ أخرجته حاسر الرأس وهذه كبيرة من الكبائر عند الجزائريين، وأخرجته مكبل اليدين مع شتمه على يد شرطة سنغالية كانت فرنسا تستعملهم دوما في المهمات القذرة. يقول ابنه: «إن الشرطة الفرنسية داست بأقدامها برنوس الشيخ أثناء خروجه من النَّادي، كما خاطبته بأسلوب جاف وشتمته أمام الملأ، وقد حزن الشيخ حزنا عميقا لذلك»، وأغلق نادي الترقي، وضيق على أعضاء الجمعية في العاصمة. وقد ثارت الجماهير احتجاجا على اعتقال الشيخ العقبي وصاحبه فكادت تحدث فتنة عمياء لولا أن توجه إليهم ابن باديس والإبراهيمي بأن يقابلوا الصدمة بالصبر والتزام الهدوء والسكينة، مما أفشل على السلطات إغلاق الجمعية بحجة الشغب والفوضى. وقضى العقبي في سجن بربروس ستة أيام، قبل أن يتراجع عكاشة عن اتهامه للشيخ وصاحبه، فأفرج عنهما بصفة مؤقتة، بتعهد عدم مغادرة العاصمة ووُضِعا تحت المراقبة، ولكن السلطات أخذت تماطل في إنهاء القضية سنة ونصف حتى صدر حكم بالبراءة للعقبي، لكن فرنسا سرعان ما اعترضت على الحكم واتهمته مرة أخرى لتستمر المعاناة ثلاث سنوات حتى صدر حكم ببراءة العقبي وصاحبه وحكم بالسجن المؤبد على شخصين، وبعشرين سنة على شخص ثالث. وفي هذه السنوات الثلاث (1936 – 1939) استمر العقبي يحاضر ويدرّس في نادى الترقي برغم ما يعانيه من قلق الحكم عليه ظلماً بالإعدام أو السجن المؤبد، لكن العقبي كان يعلم أنها سنة الله عز وجل، فهو القائل: «قد ابتلانا اللهُ تعالى بهذا ليمتحنَ إيماننَا وصدقنَا، وهذه سُنّةُ اللهِ فيمن سبقنا من الأنبياءِ والعظماء"!! كتب البشير الإبراهيمي حول النتائج الإيجابية لهذه المؤامرة على الشيخ العقبي فقال [الآثار (1/279)] :« ومن آثار هذه الحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار ووسعت له دائرة الشهرة حتى فيما وراء البحار، وكان يوم اعتقاله يوما اجتمعت فيه القلوب على الألم والامتعاض، وكان يوم خروجه يوما اجتمعت فيه النفوس على الابتهاج والسرور». ومما يؤكد كلام الإبراهيمي عن دور العقبي في الجزائر ووقوف الجزائريين والعلماء معه، أن ابن باديس الذي لم يوقف دروسه طيلة عمره حتى عندما توفي بكره الوحيد وعمره 17 سنة، أوقف دروسه في قسنطينة لحضور محاكمة العقبي في العاصمة. خلاف العقبي مع إخوانه في جمعية العلماء حول دعم فرنسا بالحرب العالمية الثانية أثناء محاكمة العقبي ظهرت نذر الحرب العالمية الثانية، فاستدعت السلطات الفرنسية العقبي وطلبت منه التوقيع على برقية تأييد لفرنسا ودعمها فوافق، ولكن السلطات طلبت أيضاً توقيع رئيس الجمعية ابن باديس، لكن ابن باديس رفض ذلك، ومع إصرار العقبي طرح ابن باديس الموضوع على إدارة الجمعية. وتم إجراء تصويت حول إرسال برقية تأييد من الجمعية لفرنسا فكانت النتيجة: 12 صوتاً معارضاً لذلك ومع رأي ابن باديس، و4 أصوات موافقة لرأي العقبي، فلم تُرسل البرقية، وكان منطلق الشيخ العقبي أن الشعب الجزائري ليس مستعداً بعد لمقاومة الاحتلال وأن الجمعية لا ينبغي لها أن تخوض الآن في العمل السياسي وأنه ليس من مصلحة الجمعية استعداء فرنسا في هذا الظرف. ويقال إن الشيخ العقبي قال لابن باديس: أنت ليس لك أبناء، أما أنا فإني مسؤول عن ثمانية أولاد! فرد الإمام ابن باديس قائلا: أنا عندي 8 ملايين ابن (يقصد كل أفراد الشعب الجزائري آنذاك)! ويقال إن فرنسا طلبت من العقبي أن يرسل برقية باسمه بعد استقالته من إدارة جمعية العلماء، لكنه رفض، في دلالة على أنه كان مخلصاً في رأيه لمصلحة الجمعية، وليس لمصلحته الخاصة. ويروي الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء الحالي قصة واقعية لحقيقة موقف العقبي من تأييد فرنسا في الحرب العالمية، فيقول: "في بداية الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) كنتُ مجندا في إحدى الثكنات العسكرية بالبليدة، فساروا بنا إلى حضور مهرجان إعلامي دعائي أقيم في قاعة سينمائية كبيرة، للتنويه بمحاربة الحلفاء للدولة الألمانية الباغية، وما هي إلا لحظات حتى رأيتُ مندهشا فيمن يرى المصلح الكبير الشيخ الطيب العقبي يصعد إلى المنصة ليطلب إلى الجزائريين الحاضرين من المدنيين والعسكريين تأييدا كاملا مطلقا لفرنسا وحلفائها، في حربها الدفاعية من أجل الحرية والعدل والديمقراطية في العالم. فإذا بالعالم المصلح الشيخ الطيب العقبي يفتتح خطبته بلمحة تاريخية للعالم العربي والإسلامي مع السياسة الاستعمارية الغاشمة التي درجت عليها فرنسا وبريطانيا في المشرق والمغرب، منددا بخيانة الحلفاء لوعودهم لمن ضحوا بدمائهم من الشعوب المستعمرة في سبيل انتصارهم سنة 1918م. فكانت مقدمة خطاب الشيخ العقبي خيبة مريرة للسلطة المدنية والعسكرية التي نظمت المهرجان الإعلامي والدعائي مما جعل منظمي المهرجان يقطعون التيار الكهربائي فانطفأت الأضواء وانقطع صوت الشيخ الجليل وتفرق الجمع، بابتهاج الجزائريين وحسرة من الاستعماريين مدنيين وعسكريين". ولكن في تلك الظروف والملابسات ظن بعض الناس أن موقف العقبي بتأييد فرنسا في حربها ضد ألمانيا هو بسبب محاكمته، وأن فرنسا استمالته بأن يقف هذا الموقف لتخفف عنه العقوبة، ويبدو أن بعضهم تورط في الطعن بالشيخ العقبي، مما سبب له جرحاً وولّد في قلبه مرارة عبّر عنها بقصيدة قال فيها: أسفى على الآداب والأخلاق أسفي على الذوق السليم الراقي أسفي على بعض الرفاق فإنهم فقدوا سجية كاملي الأذواق عهدي بهم والرفق من أخلاقهم فإذا بهم خَلْق بدون خَلاق لا يؤثرون رفيقهم ولو اقتضى حال الرفاق الرفد بالإرفاق فتراهم يستأثرون وإن عدوا نهج الهدى ومكارم الأخلاق حسبوا الزعامة في الظهور وما دروا أن الظهور وسيلة الإخفاق ما ساد من لم يحتفظ لرفيقه بحقوقه وبعهد ود باق كلا ولا نال الزعامة غير من ضحى بصالح نفسه لرفاق وبسبب ذلك تخلى العقبي عن إدارةِ جريدة «البصائر» في ديسمبر/ كانون الأول 1937م، ثم استقال من إدارة الجمعية حتى لا يتسبب بخلافات وصراعات داخلية للجمعية، مع بقائه عضوا فيها. وفيما يلى وجهة نظره في الخلاف مع إخوانه في الجمعية: * « فلم تطاوعني نفسي على تعطيلِ الجريدةِ.. وكافحتُ جهدي حتّى أوصلتُها إلى الاجتماع العامّ، واستعملتُ كلّ الوسائل لتعديلِ ميزانيّتِها فلم أقدر على ذلك، كما أنّني لم أقدر وأنا معَ ما أنا عليهِ من شواغب وشواغل أنْهَكَت قوايَ وأضعفَت جسمي أن أقومَ بعملِ جماعةٍ وحدي...». * « قد تأسّست جمعيّةُ العلماء علميّة دينيّة لا غير، ولكنّ أعداءها كثرت أصنافهم وتنوّعت مكائدهم، واتّحدت مقاصدهم للقضاءِ عليها، وأوّلُوا بعض إجراءاتِها بما هي بريئة من مقصدها وبعيدة عن إرادتها، ولقد كنتُ دائمًا معارضًا لها، وفي اعتقادي أنّ البلاءَ انصبَّ على جمعية العلماء من بعض إجراءاتها أوّلها المضادُّون لها بصور غير لائقة، وكم كنتُ أتألّم لمثل هذه الإجراءات، وكم كنتُ أحذِّر وأُنذر لأنّني أعلمُ كثيرًا ممّا لا يعلمُون، ولكنَّها كانت تقعُ رغم أنفي لأنّ الأغلبيَّةَ كانت على خلافِ رأيي...»، يقصد بعض النشاطات السياسية. * « أؤكد لكل إخواني إني وقفت هذا الموقف وأنا غير متأثر مطلقًا بأيِ إيعاز من الإيعازات الحكومية ولا قاصد علم الله وهو العليم بما في الضمائر المطلع على ما في الصدور إلى تملق أي ناحية إدارية ولكن شفقتي على البقيّة من ثمرات هذه الأمة وحرصي على المصلحةِ العامَّةِ، مع تقديري للظُّروف والوضعيَّةِ الحاضرةِ، كلّ أولئك حملني على الإصاخةِ لصوتِ ضميري فقط... غيرَ آبهٍ بما قيلَ وبما عسَى أَن يُقَالَ». * « وقد آليتُ على نفسي أن لا أعودَ إليها كعضوٍ إداريٍّ ما دمتُ حيًّا، هذا مع إيماني بأنّ مبادئَ هذه الجمعيّة الّتي أسّست للعمل بها والسّير عليها إنّما هي مبادئُ الإسلام الحقَّة... وإنّ أعضاءها هم إخوانٌ لي في الحركة الإصلاحيّة، والمبدأ الحقّ الّذي عاهدنا اللهَ على العملِ به والتّضامنِ فيه حتّى النّفس الأخير من حياتِنا... ولْتَقَرَّ أَعْينُهُمْ ببُعْدِ العُقبيِّ عن إدارةِ هذه الجمعيّةِ الّتي ترَكَها والأستاذُ – رحمه الله- ابن باديس قويٌّ يعمَلُ مُتَوَدِّدًا ومُتقرّبًا إليَّ بكُلِّ ما في وُسعهِ من أسبابِ التّودُّدِ والتّقرّبِ...». * « ماتَ ابن باديس ودفن مبكيًّا مأسوفًا عليه؛ فلتمت ولتدفن حفائظ وحزازات وأحقاد كوّنتها أغراض شخصيّة ومقاصد سيّئة لمن يلذّ لهم دائمًا الاصطياد في الماء العكر، وليتّقوا اللهَ في أنفسِهِم وفي إخوانهم المسلمين الّذين هم في هذا الوقت أحوج ما يكونون إلى الاتِّحاد والاتّفاق وجمع الكلمة وليعلمُوا أنّ بلادَنا الفقيرة من الرّجال العاملين كلّما فقد منها رجل من رجالها القليلين تفقد معه ناحية من الكمال لا يقدر غيره على تعويضها؛ وسدّ الفراغ الّذي يترك من وراء فقدها. وبعد هذا كلّه فلينته المرجفون في المدن والقرى عن إرجافهم وباطلهم وليعلموا أنّا وهم ميّتون؛ وإنّا إلى الله جميعًا راجعون!!..»، تعليقاً على عدم حضوره جنازة صديقه ابن باديس. * « يَهْرِفُ النَّاسُ ويُثَرْثِرُونَ بِمَا بَيْنِي وبَيْنَ الشّيخِ عبدِ الحميد من خلافٍ وخصامٍ وسوف لا ينتهي كلامُ النّاس ما دامُوا عبيدَ أنفسهم ومختلف أهوائِهِم...». * " فاجأتنا أنباء قسنطينة التلفونية والبرقية بوفاة رئيس جمعية العلماء الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس، فعزّ علينا نعيه وآلمنا فقده في هذه الظروف التي نحن أحوج ما نكون فيها إلى علم العلماء وإصلاح المصلحين الذين ضحوا بكل مرتخص وغال في سبيل الحركة الإصلاحية .. فمَن للعلماء وجمعيتهم بعد ابن باديس؟ ومَن للجامع الأخضر ودروسه بعد الراحل الكريم والفقيد العظيم الذي ترك فراغا لا يسده سواه، وخلف وحشة على العلماء والمصلحين لا مؤنس لهم من ورائها إلا الله فإنا لله وإنا إليه راجعون..". والحقيقة في علاقة العقبي وابن باديس وخلافهما هي ما قاله رفيق العقبي وتلميذه الأول محمد العيد آل خليفة: خصمان فيما يفيد الأمة اختصما إياك أن تنقص الخصمين إياك كـلاهما في سبيـل الله مجتهـد فلا تـلومن لا هذا و لا ذاك وبقيت روح التعاون والمودة موجودة بين العقبي وقادة جمعية العلماء، فقد هنأ الإبراهيمي رئيسُ الجمعية بعد ابن باديس العقبي على صدور جريدة الإصلاح، وكان العقبي والإبراهيمي عضوين في الهيئة العليا لإعانة فلسطين، حيث كان الشيخ الإبراهيمي رئيسها وكان الشيخ العقبي أمين مالها، وقد شهد له الإبراهيمي بأنه الروح المدبرة لتلك الهيئة، كما شارك إخوانه رجال الجمعية في أعمال أخرى منها مواصلة المطالبة بتحرير المساجد وفتحها للعلماء الأحرار. العقبي بعد استقالته من إدارة الجمعية بعد استقالته من إدارة الجمعية لم يتوقف نشاط العقبي في الدعوة الإسلامية والعمل الإصلاحي، فأعاد إصدار جريدته «الإصلاح» في 28 ديسمبر/ كانون الأول 1939 والتي استمرت إلى العدد 73 الصادر في 3 مارس/ آذار 1948. وأسس في نادي الترقي سنة 1947م "لجنة الدفاع عن فلسطين"، والتي تطورت لتصبح "الهيئة العليا لإغاثة فلسطين" كهيئة جزائرية مشتركة بين عدة اتجاهات سنة 1948، والتي تمكنت من جمع ثمانية ملايين فرنك كتبرعات من الشعب الجزائري الذي هبّ لدعم ومساندة فلسطين ماديا ومعنويا رغم ظروفه القاسية، وقد قام العقبي ضمن وفد الهيئة بزيارة الأردن سنة 1950م لإيصال الأموال لمستحقيها، وزيارة اللاجئين الفلسطينيين هناك. وكوّن الشيخ الطيب العقبي منظمة "شباب الموحدين" (1950- 1952م) لنشر الدعوة السلفية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصدرت عدة جرائد مثل: الداعي والقبس والمنار واللواء، وكان مديرها ورئيس تحريرها الشيخ أبو بكر الجزائري شفاه الله. وبقيت مقالاته تطالب بحرية التعليم العربي ومقاومة فرنسة المجتمع الجزائري. ولم يتوقف عن الدعوة إلا بسبب وطأة مرض السكري عليه، والذي أصيب به سنة 1953 والذي أقعده سنة 1958 عن الدعوة وألزمه الفراش في بيته بحي بولوغين. تراث الشيخ وتلاميذه: ترك الشيخ العقبي آثارا كثيرة مكتوبة لو تتبعت وجمعت لجاءت في مجلدات، لأنها في غالبها مقالات في الصحف والمجلات، ومن أبرز تلاميذه: فرحات بن الدراجي (1909 - 1951)، وعمر بن البسكري (1889 - 1968)، ومحمد العيد آل خليفة (1904 - 1979)، أبو بكر الجزائري، شفاه الله تعالى، المدرس بالمسجد النبوي. من أقوال العلماء عنه: * قال صديقه ابن باديس: «من ذا الذي لا يتمثل في ذهنه العلم الصَّحيح والعقل الطاهر، والصَّراحة في الحقّ والصَّرامة في الدِّين، والتّحقّق بالسّنّة، والشّدّة على البدعة، والطِّيبة في العِشرة، والصِّدق في الصُّحبة إذا ذُكِرَ الأستاذُ العُقبيُّ». * قال الشيخ الإبراهيمي: « هو من أكبر الممثلين لهديها – أي الجمعية – وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتا في الدعوة إليه… وإنما خلق قوّالا للحق أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر وقافا عند حدود دينه، وإن شدته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله». * قال الشيخ المبارك الميلي: « ولكن أتى الوادي فطم على القرى، إذ حمل العدد الثامن في نحره المشرق قصيدة «إلى الدين الخالص» للأخ في الله داعية الإصلاح وخطيب المصلحين الشيخ الطيب العقبي أمد الله في أنفاسه، فكانت تلك القصيدة أول المعول مؤثرة في هيكل المقدسات الطرقية، ولا يعلم مبلغ ما تحمله هذه القصيدة من الجراءة ومبلغ ما حدث عنها من انفعال الطرقية، إلا من عرف العصر الذي نشرت فيه وحالته في الجمود والتقديس لكل خرافة في الوجود». * قال أحمد توفيق المدني :«كان خطيبا مصقعا من خطباء الجماهير، عالي الصوت سريع الكلام، حاد العبارة يطلق القول على عواهنه كجواد جامح دون ترتيب أو مقدمة أو تبويب أو خاتمة، وموضوعه المفضل هو الدين الصافي النقي، ومحاربة الطرقية ونسف خرافاتها والدعوة السافرة لمحاربتها ومحْقها». * قال الشيخ أبو يعلى الزواوي : «العلامة السلفي الصالح داعية الإصلاح الديني». * قال العلامة شكيب أرسلان: «… فالميلي وابن باديس والعقبي والزاهري حملة عرش الأدب الجزائري الأربعة». * قال الشيخ محمد تقي الدين الهلالي: « الأستاذ السلفي الداعية النبيل الشيخ الطيب العقبي». وفاته وقد كان العقبي داعيةً في حياته وموته، فقد أوصى بشدة وإلحاح بأن تكون جنازته على السنة بعيدة عن البدع، فلا يكون فيها ذكر جهري ولا قراءة البردة، ولا حتى قراءة القرآن حال التجهيز أو حين الدفن، وأن لا يؤذن لأي واحد من الحاضرين أن يقوم بتأبينه قبل الدفن أو بعده. وقد توفي الشيخ الطيب العقبي رحمه الله تعالى في 21 مايو/ أيار 1961م، ودفن في مقبرة «ميرامار» بالرايس حميدو، لأنها مقبرة شعبية خالية، بتأثير العقبي، من الشركيات والبدع التي يأتيها الجهلة على القبور، وكانت جنازته جنازة مهيبة حضرها قرابة خمسة آلاف شخص. مراجع للتوسع: * ترجمة ذاتية، كتبها بنفسه ونشرت في الجزء الأول من كتاب "شعراء الجزائر في العصر الحاضر" لمؤلفه الأديب الجزائري الكبير الأستاذ محمد الهادي السنوسي الزاهري. * مجموعة مقالات متنوعة عن الشيخ الطيب العقبي في شبكة الإنترنت تجدها في موقع الشيخ الطيب العقبي. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]()
|
العلاّمة طاهر الجزائري . أسامه شحادة العلاّمة طاهر الجزائري تمهيد: يعد الشيخ طاهر الجزائري من الشخصيات المحورية التي صنعت النهضة واليقظة في البلاد العربية في القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين، وتميز بكونه أستاذاً وموجهاً لعدد كبير من الشخصيات الإصلاحية وبكونه رائداً في إقامة المؤسسات الثقافية والتعليمية حتى تستمر هذه الجهود ولا تتوقف بوفاته، رغم كونه فردا وليس مؤسسة ولا صاحب سلطة. وهو يصدر في مشروعه الفكري من الانتماء لهوية الأمة وعقيدتها، والاعتزاز بتراث الأباء والأجداد مع انفتاح على ما عند الآخرين، بخلاف غيره من الذين كانت دعوتهم للنهضة نتاج انبهار بحضارة الغزاة الأوروبيين. لكنه لم يشتهر ويعرفه للناس على غرار أقرانه: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وقد يكون هذا لعدة أسباب منها كونه كان في الشام بما كانت تعيشه من جهل وظلم، وهم كانوا تحت الأضواء في القاهرة، ومنها كونه سلفي التوجه والمشرب، ومنها قلة انتشار مؤلفاته المطبوعة لليوم وكونه صاحب مشاريع عملية، بالإضافة لطبيعته الانعزالية نوعاً ما. ومما ساهم في عدم انتشار صيته خارج دائرة النخب العلمية والثقافية لليوم شحة المعلومات عنه، فالمتوفر عن نشأته وحياته قليل جداً مقارنة بأمثاله من المصلحين. ولادته ونسبه: الشيخ طاهر هو من أصول جزائرية، فقد رحل والده وأهله من الجزائر هرباً من ظلم وبطش الاستعمار الفرنسي سنة 1263هـ-1846م، في الهجرة الجزائرية الأولى والتي ضمت 500 أسرة، وهذا سبب نسبته للجزائر. ولد في دمشق سنة 1268هـ-1852م، وأبوه هو الشيخ صالح بن أحمد بن حسين بن موسى بن أبي القاسم، ويقال أن نسبهم يتصل بالإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. نشأته العلمية وشيوخه: كانت بداية تعلم الشيخ طاهر على أبيه الشيخ صالح، فدرس عليه علوم الشريعة واللغة، وكان والده من علماء الجزائر فهو فقيه اشتهر بعلم الفلك وعلم الميقات وله رسالة في هذا العلم، كما له معرفة وميل إلى علوم الطبيعة والرياضيات، وكان مفتي المالكية في دمشق لأن معظم المهاجرين الجزائريين كانوا على المذهب المالكي، وكان يعيد درس صحيح البخاري للشيخ أحمد مسلم الكزبري في الجامع الأموي، وهذه مكانة علمية رفيعة عند علماء دمشق. ثم دخل مدرسة رشدية الابتدائية، وبعدها التحق بالمدرسة الجقمقية الإعدادية، ودرس عند الشيخ عبد الرحمن البوسنوي، والذي كان له أثر بالغ في شخصية طاهر الجزائري، فأخذ عنه العربية، والفارسية، والتركية، وتبحر في العلوم الشرعية. ثم درس على الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني حتى توفي رحمه الله سنة 1298هـ/ 1881م، والذي كان يعد عالم عصره فضلاً عن اتصافه بالتقوى والورع، والذي حرره من التعصب المذهبي، ووجهه للتقيد بالدليل الشرعي وفتح عقله للنظر والبحث والاجتهاد. وكان والده صوفيا من أتباع الطريقة الخلوتية، لكن وفاة والده سنة 1285هـ/1868م وعمره حوالى 14 سنة، سهل عليه التحرر من التصوف والانتقال للمنهج السلفي على يد شيخه الميداني، والذي كان صوفياً ثم نبذ التصوف نحو منهج الكتاب والسنة. وبسبب هذه التربية والمنهجية العلمية أصبح همّ طاهر الجزائري وهو في المرحلة الابتدائية شراء الكتب والمخطوطات ومطالعتها، حتى أصبح لديه مكتبة ضخمة تزخر بنفائس الكتب والمخطوطات، مما ظهر أثره عليه فيما بعد بسعة اطلاعه وتبحره في فنون العلم وسعيه الدؤوب لإنشاء مكتبات عامة تجمع شتات الكتب والمخطوطات وحث الأغنياء والدولة على طبع الكتب وتوزيعها. مستواه العلمي: لعل وصف المحقق محمد كرد علي والأستاذ محمد سعيد الباني وهما من أبرز تلاميذ طاهر الجزائري يوضح لنا المستوى العلمي الذي وصل إليه الشيخ طاهر، يصف كرد علي شيخه بأنه: "مجموعة نفيسة من العلوم ومكتبة سيّارة ضمت خباياها المفسّر والمحدث والأصولي والفقيه والفيلسوف والأديب واللغوي والكاتب والشاعر والمؤرخ والأثري والطبيعي والرياضي والفلكي والاجتماعي والأخلاقي"، ويقول أيضاً: "كان يتقن علوم العربية، ويحفظ وقائع التاريخ، أتقن علوم الدين والدنيا". أما تلميذه الآخر محمد سعيد الباني فيقول عنه: "قلّ من يدانيه من معاصريه بإحاطته وسعة اطلاعه، جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، أخذ من كل علم لبابه ونبذ لفاظته... فهو دائرة المعارف، ومفتاح العلوم وكشاف مصطلحات الفنون وقاموس الأعلام". لقد جمع الشيخ الجزائري جل معارف عصره القديمة والحديثة، فهو مع تبحره في الشريعة الإسلامية واللُّغة العربية كان متقنا لعدد من اللغات كالتركية والفارسية والسريانية، والعبرية، والحبشية، والبربرية – لغة أهله -، والفرنسية مما مكنه من الاطلاع على الثقافات المتعددة القديمة منها والحديثة، وفتحت له هذه المعرفة باللغات والخطوط القديمة كنوز المخطوطات فبز أقرانه وتقدم على نظرائه وأصبح الكثير من العلماء والمستشرقين عالة على رأيه ومعرفته بالمخطوطات. وقد كان يدون في كناشات (بطاقات) فوائد ونقول ما طالعه من كتب ومخطوطات خاصة ما لم يتمكن من اقتنائها، فتحصل له منها الشيء الكثير، وقد طبعت مؤخرأ باسم تذكرة طاهر الجزائري في مجلدين كبيرين. كما أنه تأثر بوالده الذي كان له اطلاع ودراية بالعلوم الدنيوية ولذلك نال طاهر الجزائري نصيبا وافرا من العلوم في التاريخ والجغرافية والآثار، ودرس في الرياضيات والفيزياء، وكان خبيراً بالسياسة الدولية، وأحوال الشرق والغرب ومطلعا على علل المجتمعات وأمراضها، فحين فرح بعض أصدقائه وتلاميذه بانقلاب الاتحاديين الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني سنة 1327هـ/ 1909م – رغم أنه كان معارضاً للحكم الحميدي بسبب الوشايات الشائعة- وعادوا لدمشق، فإن الشيخ رفض العودة إلى دمشق وكان يقول لهم إن الحالة ستزداد سوءاً بوصول الاتحاديين إلى الحكم وباستبدادهم به حيث كانوا أشد سوءاً وأعظم خطراً من استبداد الفرد خاصة بما كانوا يحملونه من أفكار عنصرية وقومية طورانية ضيقة ومبادئ لا دينية لا تتفق مع ما كان يؤمن به الشيخ طاهر ويدعو إليه، وقد ثبت بُعد نظره إذ سرعان ما نصبت المشانق لطلابه في دمشق في 6 أيار عام 1916 على يد السفاح جمال باشا والى الاتحاديين. وحين تم اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو بالبوسنة سنة 1914م قال لمن حوله: "إن حرباً أوربية طاحنة ستنشب لا محالة"، وفعلاً كانت تلك هي شرارة الحرب العالمية الأولى!! صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله حسن الطلعة، معتدل القامة والجسم، حنطي اللون، واسع الجبهة، أسود الشعر والعينين، ذا لحية كثيفة، عصبي المزاج، سريع الحركة، واسع الخطوة. وكان زاهداً ورعاً مبتعداً عن التساهل في أحكام الدين، وكان لا يبالي بالتأنق والتزين في ملبسه ولا يهتم لهذه الشكليات، وبقي عزباً لم يتزوج، وكان يرفض أن يأخذ مساعدة من أحد مهما كان، وعاش سنيناً في مصر من بيع كتبه ومخطوطاته، وكان مع قلة حيلته وفقره يتصدق على الفقراء والمساكين. وكان حريصاً على وقته الذي يقضيه في التدريس والتعليم أو طلب العلم بالقراءة والبحث حتى وهو على فراش نومه حيث كان محاطاً بالكتب والأوراق والمحابر والأقلام. وفي الأربعين سنة الأخيرة من حياته كان لا ينام إلا بعد الفجر، حيث يسهر مع أصحابه ثم يقرأ ويكتب حتى الفجر في حجرته بمدرسة عبد الله باشا العظم. وكان يتميز بأنه غير متقوقع على فئة دون أخرى، بل كانت دائرة معارفه واسعة جداً تضم كافة طبقات وفئات المجتمع، بل وحتى غير المسلمين من الصابئة واليهود والنصارى والمستشرقين، حيث كانت له بهم صلات وطيدة، وكان يسخّرها لخدمة الإسلام بتخفيف غلوائهم وعدائهم للإسلام. وكان الشيخ طاهر الجزائري يحب السفر جداً، فزار كثيرا من القرى والمدن السورية مشياً إذ كان يحب المشي، وزار لبنان وفلسطين، ومصر، والحجاز، وتركيا، وفرنسا، وكان يهتم في أسفاره بالبحث عن الكتب والمخطوطات واللقاء بالعلماء والمثقفين. منهجه: يقوم منهج طاهر الجزائري على نشر العلم والتربية، فيقول: "تعلموا كل ما يتيسر لكم تعلّمه، ولو لغة مالطة، فقد يجيء زمان تحتاجون إليها، وإياكم أن تقولوا: إنها لا تدخل في اختصاصنا، فالعلم كله نافع، والمرء يتعلّم ما حسنت به الحياة". ويقول: "الإصلاح على اختلاف أنواعه لا بدّ أن يكون على سبيل التدرج، وفقاً لمقتضى السنن الطبيعية؛ لأن ما يأتي على جناح السرعة لا يلبث أن يرجع من حيث أتى". ويبين محمد كرد علي منهج الشيخ طاهر في دعوة الناس بقوله: "وخطته الإخلاص والعمل على النهوض بالأمة عن طريق العلم وبث الملكات الصحيحة في أهل الإسلام، وثورته ثورة فكرية لا مادية، ويقول إن هذه الطريق يطول أمرها، ولكن يؤمن فيها العثار، والسلامة محققة ثابتة، وكان يبذل جهده لتعم دعوته أهل الحضر والبادية، والأغنياء والفقراء". وكان الشيخ طاهر الجزائري يفضل تغيير قناعات المخالفين برفق، فقد كان يذكر في مجالسه بعض أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية دون أن ينسبها له فيتقبلها المخالف لقوتها وسلامتها، وحين يسأل عن مصدرها كان يوضح له أنها لابن تيمية مما جعل الكثيرين يتقبلون ابن تيمية، وكذلك كان ينسخ بعض رسائل ابن تيمية وابن القيم وأبي شامة المقدسي وأمثالهم ويرسل من يبيعها في السوق بسعر زهيد فانتشرت وانتفع بها الكثيرون. نقل كرد علي عن شيخه أنه قال له مراراً: "إذا أردت إدخال الإصلاح إلى بيوت الأعيان، وفيهم الجاه والمال، فاجهد لأن يتعلم ولو فرد واحد من كل أسرة تقلب به كيانها، وكثيراً ما قال: لنخرجن من بيوت الأغنياء أولاداً يحاربونهم بسلاح التربية الصحيحة". وهو على فراش الموت نصح عُوّاده بحكمة بليغة فيها خلاصة تجربة وحياة، فقال: "عُدوا رجالكم واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعضوا عليهم بالنواجذ، لتستفيد الأمة منهم، ولا تنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم". دوره الإصلاحي: عاش طاهر الجزائري إبان احتلال أوروبا لكثير من بلاد الإسلام بسبب حالة الضعف والهزيمة بسبب شيوع الجهل والخرافة وعجز الدولة العثمانية، ولذلك اجتهد في دراسة حال الأمة وكيفية العمل على إصلاحها، وتوصل إلى أن العلم هو مفتاح النهضة للأمة، العلم الشرعي الصحيح الذي يحيي روح الأمة وقلبها، والعلم الدنيوي السليم الذي يعالج جسدها وأعضاءها. ويمكن أن نعدد مظاهر إصلاح طاهر الجزائري العلمي في الجوانب التالية: أولاً: في قطاع التعليم 1– دوره الكبير في إقناع الآباء بأهمية وضرورة تعليم أولادهم في المدارس، مما كان له واسع الأثر على النهضة التعليمية في سورية، وقد لقيت هذه الدعوة معارضة شديدة من بعض الجهلة الذين رأو في نشر العلم ضرراً عليهم حيث كانوا يحتكرون بعض الوظائف التعليمية والشرعية لأنفسهم ولأولادهم!! 2- توليه مهمة التدريس في المدرسة الظَّاهرية الابتدائية بدمشق سنة 1294هـ-1878م، حيث قام ببثّ أفكاره الإصلاحية بين الطلبة، ورغم مكانته الكبيرة فقد قام بتعليم طلاب الابتدائية لتشجيع المعلمين على ذلك. يقول الشيخ علي الطنطاوي: "كان التعليم في دمشق: الكتاتيب للصغار، وحلقات المساجد للكبار، فكان – طاهر الجزائري- من أكبر العاملين على افتتاح المدارس العصرية". 3- قيامه مع عدد من الفضلاء منهم الشيخ علاء الدِّين عابدين وبهاء بك سكرتير والي دمشق بتأسيس (الجمعية الخيرية الإسلامية)، لتتصدى لنشاط الإرساليات التَّبشيرية الأجنبية والتي كانت تستقطب الطلاب من الأقليات غير المسلمة والمسلمين، فتجعل منهم أبواقا وخدما لأفكارها ومبادئها وتهيؤهم ليكونوا أصحاب المناصب القادمة بسبب تعلمهم، فسعى طاهر الجزائري لتوفير مدارس وطنية تنشر العلم والمعرفة وتحفظ الجيل من الغزو الوافد وتهيئ قيادات وطنية مخلصة متسلحة بالعلم. وهذا يدل على وعي الجيل المؤسس للنهضة بأهمية العمل الجماعي وأنه يقوم بما لا يقوم به الفرد مهما كان قوياً. وقد تمكنت الجمعية من فتح ثماني مدارس للذكور ومدرستين للإناث بتشجيع ودعم الوالي مدحت باشا – وهو من الولاة المصلحين والذي ترك خلفه ذكراً حسناً بين الناس – وقد كان الشيخ طاهر وزملاؤه يقظين لأهمية تعليم الفتيات لكونهم أمهات الجيل القادم. ثم تحولت الجمعية الخيرية عام 1295هـ - 1879م إلى ديوان المعارف (ما يشبه وزارة التعليم اليوم)، وأصبح الشيخ طاهر مفتشاً عاماً على المدارس الابتدائية، مما ساعده على التعرف على أوضاع بلاد الشام كلها، وأتاح له نقل أفكاره وتوجيهاته لغالب المدرسين وإرشاداته لهم بطرق التدريس الصحيحة، ومن هنا يأتي اتساع نطاق تأثير الشيخ طاهر في هذا الجيل. 4- قيام الشيخ طاهر بتأليف عدد من الكتب كمناهج لصفوف الابتدائية في العلوم الشرعية والرياضية والطبيعية، وذلك بعد أن لمس الحاجة لتطوير المناهج وعدم البقاء في أسر كتب المختصرات القديمة والتى لم تعد صالحة ولا مناسبة للجيل الجديد وللحاجة لإضافة علوم جديدة يتعلمها الناشئة. 5- ونجح مسعى الشيخ طاهر في إنشاء مطبعة حكومية تقوم بطبع المؤلفات العامة والكتب المدرسية. 6- استمر الشيخ طاهر في الاهتمام بتعليم الطلاب وتربيتهم، فرغم أنه فصل من وظيفته وهرب من دمشق، إلا أنه كان لا يبخل بتقديم النصيحة الصادقة لترشيد التعليم في دمشق، فلما أصبح تلميذه الأستاذ كرد علي وزيراً للمعارف لم تنقطع الرسائل بينهما والتي كان يطلب فيها كرد علي النصيحة والمشورة من شيخه، ومما نقله كرد علي في كتابه (كنوز الأجداد)، اقتراح الجزائري بتعليم طلبة الابتدائية مبادئ الصناعة، وأنه يمكن تجربة ذلك في مدرسة واحدة بداية، وضرورة الحرص على التربية الخُلقية للطلاب وعدم الاقتصار على التعليم فقط. ثانياً: في قطاع المكتبات العامة 1- بعد أن لاحظ الشيخ طاهر الجزائرى إهمال عدد من المشرفين على دور الكتب الوقفية في المساجد والمدارس من جهة، وزهد كثير من أهل دمشق بكنوز مكتبات المنازل، سعى مع عدد من رفاقه لدى والي دمشق، مدحت باشا، لتكوين مكتبة عامة تجمع الكتب المخطوطة والنادرة في مكان واحد، وفعلا تم في سنة 1296هـ - 1880م تأسيس المكتبة الظاهرية كأول مكتبةٍ عامةٍ في تاريخ دمشق الحديث، وذلك في مقر المدرسة الظاهرية، والتي أصبحت من أهم المكتبات التي تحتوي على المخطوطات العربية والإسلامية، وعين أميناً لها الشيخ أبو الفتح الخطيب من رجالات دمشق وهو والد العلامة محب الدين الخطيب صاحب المكتبة والمطبعة السلفية. وقد لقي هذ المسعى معارضة شديدة من المنتفعين بسرقة الكتب من نظار المكاتب وتوعدوه وهددوه بالقتل. 2- استمر الشيخ طاهر بتزويد المكتبة الظاهرية بما تقع يده عليه من نفائس الكتب والمخطوطات، ويحث الناس على شراء الكتب وإهدائها إلى المكتبة. 3- لإداركه المبكر لأهمية الضبط الببليوجرافي، سعى في تصنيف وطباعة فهارس للمكتبة الظاهرية، مما شهرها بين العلماء والطلاب والمستشرقين وجعلهم يفدون إليها أو يراسلون الجزائري مراسلات خاصة ليطلبوا منه مخطوطات بعينها، ومنهم المستشرق جولدتسيهر، للاستفادة من ذخائرها. 4- وحرص الشيخ طاهر على أن تكون هناك مكتبة عامة في كل مدينة، ولذلك كان في جولاته الدعوية لحمص وحماة وطرابلس وغيرها من المدن يحث الناس على تأسيس المكتبات والمدارس. وبسبب هذا الحرص تم تعيينه أيضاً مفتشا في سنة 1880م على خزائن الكتب في ولاية سورية ومتصرفية القدس، وفي زيارته للقدس حث الشيخ راغب الخالدي على إنشاء المكتبة الخالدية في القدس، وعاونه في ذلك ووضع لها فهرساً خاصاً. 5- وأورد كرد علي في كتابه (كنوز الأجداد) رسالة من الشيخ طاهر يقترح فيها عمل مكتبة عامة في الآستانة تجمع فيها الكتب النادرة فقط أو أحد نسخها إذا كانت مكررة من المكتبات العامة في المساجد والمدارس، ويوضع لها سجل يوزع على جميع المكتبات، وبذلك لا تفرغ المساجد والمدارس من الكتب، ولا يتضرر العامة لعدم حاجتهم لهذه الكتب في الغالب، وتحفظ هذه النوادر وتتاح للمهتمين. ثالثاً: في قطاع العلماء والشباب الواعد من أبرز نتائج جهود الشيخ طاهر الجزائري أنه صنع جيلا من الشباب أصبح فيما بعد من قادة النهضة واليقظة، وكان لهم بالغ الأثر في بلادهم ومجتمعاتهم، مثل: محمد سعيد الباني، ومحمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، مما يدل على نجاح أسلوب الشيخ طاهر، وعلى الأثر الكبير الذي خلفه وراءه في نفوس الشباب. فقد كان الشيخ طاهر يقيم اجتماعا أسبوعيا بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم، عرفت باسم حلقة طاهر الجزائري يحضرها كبار علماء دمشق مثل: الشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ جمال القاسمي، والشيخ سليم البخاري، والشيخ أبو الخير عابدين، والشيخ عبد القادر بدران، وعدد من الشباب الواعد أمثال: محمد علي مسلم، ورفيق العظم، محمد كرد علي، أحمد النويلاتى، وشكرى العسلي، وسليم الجزائري، وفارس الخوري، ومحب الدين الخطيب، وعبد الحميد الزهراوي، يتدارسون العلم والمعرفة ويبحثون في شؤون الأمة وقضاياها، عرفت باسم حلقة الشيخ طاهر، وبقيت تقام حتى بعد سفر الشيخ إلى مصر. ونتج عن هذه الحلقة تواصل العلماء لحلول لبعض القضايا العلمية والمشاكل التي تعترض رفعة البلاد العربية، كما أنها جذرت لدعوة الاجتهاد والبحث والنظر والعودة للكتاب والسنة وحرب الجهل والخرافة والبدع، وكانت تندد بالقمع والاستبداد وسوء الإدارة وتطالب بالحرية والعدل والنظام. وكان يستقبل الطلبة بغرفته بمدرسة عبدالله باشا ولا يبخل عليهم بالنصح والتوجيه، وأيضاً لما درس الشيخ طاهر الجزائري في مكتب عنبر والذي يعد أول ثانوية في دمشق، والتي تخرج منها قادة الشام وعلماؤها، كان حريصاً على أن يكسب عقول وقلوب طلابه. ومن أمثلة رعاية الشيخ لطلابه موقفه مع محب الدين الخطيب بعد وفاة والده وانقطاعه عن الدراسة في مكتب عنبر، حيث سعى شيخه الجزائري ليخلف محب الدين أباه في دار الكتب الظاهرية، ولأنه صغير سينوب عنه من يقوم بها حتى يبلغ سن الرشد، وفي فترة انتظار بدأ الدراسة للالتحاق مرة ثانية بمكتب عنبر، صار الشيخ طاهر ينتقي لتلميذه محب الدين الخطيب من مخطوطات الظاهرية لشيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه فيكلفه بنسخها، فتوسعت ثقافة محب الدين العلمية، وانتفع بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته السلفيّة، وأشغل وقته وانتفع بأجرة النسخ. وأوصاه بالتردد على العلماء: أحمد النويلاتي، وجمال الدين القاسمي، ومحمد علي مسلم، حيث كانت لهم غرف في مدرسة عبد الله باشا العظم حتى يطور من علمه. ولذلك كان محب الدين الخطيب يقول عنه: "مِن هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي". أما محمد كرد علي فيقول عن أستاذه الجزائري: "وكان العامل الأكبر في توجيه إرادتي نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، والإقدام على التأليف والنشر، وإشرابي محبة الأجداد والتناغي بآثارهم، والحرص على تراث حضارتهم، أستاذي الأكبر الشيخ طاهر الجزائري، فما زلت ألزمه منذ اتصلت به إلى أن ذهب إلى ربه سنة (1338هجري) حميد الأثر". وكان يحث أهل الكفاءة على إنشاء الصحف السياسية والاجتماعية والمجلات العلمية والأدبية، ومطالعة الصحف والمجلات المفيدة. ومما نُقل عن الشيخ طاهر في إرشاد المدرسين بكيفية التعامل مع الطلبة قوله: "إن جاءكم من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقولوا له إن هذا مستحيل بل علموه، فلعل اشتغاله هذه الثلاثة الأيام بالنحو، تحببه إليه". رابعاً: في قطاع التأليف مرّ معنا أن الشيخ طاهر الجزائري ألف الكثير من الكتب المدرسية ليرفع من مستوى العملية التعليمية، ودوره في نشر وبعث تراث شيخ الإسلام في أوساط طلبة العلم. وأيضاً كان له دور مهم في إعادة طباعة ونشر بعض الكتب المهمة التي ساهمت بقوة في ترسيخ اللغة العربية والأخلاق وفتح الأذهان للبحث والنظر وترك الجمود والتعصب، وكان ذلك إما بنشره كاملاً أو اختصاره وتهذيبه، مثلاً: نشر كتاب (تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين) للراغب الأصفهاني، وكتاب (الأدب والمروءة) وكتابي (الأدب) الكبير والصغير لابن المقفع، وكتاب (روضة العقلاء). واختصر كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة، وكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، وكتاب (أمثال الميداني). وألف عددا من الكتب لتقريب وتحقيق بعض المسائل والعلوم بعيداً عن الحشو والتكرار مثل كتبه: التّبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان، وتوجيه النَّظر إلى أصول الأثر، الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية، التقريب لأصول التَعريب، وتمهيد العُروض في فنِ العَروض. وألف في العلوم الطبيعية كتابه: دائرة في معرفة الأوقات والأيام، وهو في علم الميقات. وكان حريصا على حث المسؤولين على طباعة الكتب ونشرها، ومن ذلك أنه عاتب شيخ العروبة أحمد زكي باشا حين تلكأ في طباعة عدد من الكتب النادرة بعد أن تم اعتماد مبلغ عشرة آلاف جنيه لها من قبل وزير المعارف في مصر، لكن بسبب التأخير في الطبع بحجة التحقيق والتدقيق تم إلغاء الاعتماد بعد خروج الوزير من الوزارة، فعاتبه الشيخ طاهر وقال له: "لقد أسأت إلى الامة العربية بإبطائك في إخراج الكتب للناس، وإذا ادعيت أنك تقصد نشرها سالمة مشفوعة باختلاف النسخ والتعاليق، فالتأنق وحده لا له، ويكفى أن ينتفع الناس بالموجود"، وبقي غاضباً منه ولا يكلمه إلا بتكلف!! رحيله عن دمشق إلى مصر: في عام 1886م أقالت الحكومة العثمانية الشيخ طاهر من وظيفة التفتيش بالمدارس الابتدائية لضيقها من أفكاره الإصلاحية، فلم يفت ذلك في عضده بل زاد نشاطه، فترك التدريس ومن يومها رفض قبول أي وظيفة حكومية، ولكنه بقي يدرس ويقوم بجولاته في مدن سوريا لنشر العلم، حتى قامت السلطات العثمانية بتفتيش بيته – وهو غائب عنه - سنة 1907م بحثاً عن منشورات ضدها، وذلك بسبب وشايات كاذبة عن صلة الشيخ ببعض الجمعيات الساعية لمعارضة السياسية العثمانية والمطالبة باللامركزية العثمانية وأشيع بأن دعوة الشيخ إلى الإصلاحات السياسية والإدارية تتعارض مع الأمن والاستقرار. فقرر السفر لمصر، حيث كان يتواجد فيها عدد من أصدقائه وطلابه أمثال محب الدين الخطيب، ومحمد كرد علي، ورفيق العظم، ومحمود الجزائري، وحقي العظم، ورشيد رضا، وغيرهم، وسار على طريقته ومنهجه في نشر العلم والدعوة إليه، وألف في مصر عدة كتب، وكتب عدة مقالات لجريدة (المؤيَّد) وغيرها، وقد رفض في مصر أن يقبل الهبات أو الوظائف على فقره، وكان يعتاش من بيع بعض كتبه ومخطوطاته كما كان يفعل في دمشق بعد إقالته من وظيفته، وساعده في ذلك عدم تزوجه وزهده في متاع الدنيا، ولكنه لم يكن يبيع كتبه إلا لمن يعرف قيمتها من العلماء والباحثين أو لبعض المكتبات العامة، وكان أيضاً يبيعها لهم بثمن زهيد بالنسبة لما يمكن أن يدفعه له المستشرقون وتجار المخطوطات والنوادر، ولكن من إخلاصه للعلم ولأمته كان يضن بهذه الكتب أن تفارق بلاد العروبة والإسلام. وسرعان ما عرف فضله ومكانته العلمية أعلام مصر ومثقفوها أمثال: الشيخ علي يوسف، وأحمد زكي باشا، وأحمد تيمور باشا، والشيخ أحمد شاكر محدث الديار المصرية يعد من تلاميذ الشيخ طاهر الجزائري في مصر. وفي مصر قابل الأمير عباس الخديوي ولأن طاهر الجزائري رجل مؤسسات فقد اقترح عليه تأسيس مدرسة للغة العربية تكون مقصدا للطلاب من كل جهة، وتأسيس دار للترجمة مع مطبعة تطبع الكتب المترجمة، مما يدل على رجاحة عقل الجزائري الذي سعى لبعث العربية والاستفادة من العلوم المعاصرة في نفس الوقت. وكان الخديوى سأله عن ملاحظاته على مصر، فأجابه الجزائري بقوله: "شيئان، أحدهما: عدم إكمال الأعمال، والثاني: احتقار الأشغال الجزئية؛ والأمور الكلية إنما تتم إذا أخذت أولاً من أقرب وجه". وهذا يدل على صحة ما وصف به الجزائري من تفحصه لعلل المجتمعات والدول، ولعل هاتين الملاحظتين لا تزالان سبب ضعف مصر وكثير من البلاد العربية لليوم. عودته لدمشق ووفاته: حين وصلت أنباء دخول الجيوش العربية بقيادة فيصل بن الحسين لدمشق سنة 1918م وزوال حكم الاتحاديين عنها، قرر الشيخ العودة إلى دمشق مسقط رأسه، لكنه مرض ولم يستطع السفر إلا بعد منتصف عام 1919م. واعترافاً بفضله ودوره في النهضة واليقظة عيّنته الحكومة العربية، مديراً عاماً لدار الكتب الظَّاهرية التي أسسها قبل أربعين سنة، كما قرر المجمع العلمي العربي الأول الذي يرأسه تلميذه محمد كرد علي ضم الشيخ إليه عضواً عاملاً. لم تطل إقامة الشيخ في دمشق فبعد عام وقليل اشتد المرض عليه، وتوفي يوم الإثنين الرابع عشر من ربيع الآخر سنة 1338هـ- الخامس من كانون الأول عام 1920م. ودفن في سفح جبل قاسيون حسب وصيته. رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن المسلمين خير الجزاء. مراجـع للتوسع: - الشيخ طاهر الجزائري، رائد التَّجديد الدِّيني في بلاد الشَّام في العصر الحديث، حازم زكريا محيي الدِّين،2001م. - كنوز الأجداد، محمد كرد علي، أضواء السلف، 2010م. - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، د.محمد رجب بيومي، دار القلم، 1999م. - علماء الشام في القرن العشرين، محمد حامد الناصر، دار المعالي، 2003م. __________________ |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
علاّمة الشام جمال الدين القاسمي [1] . أسامه شحادة ![]() تمهيد: هو أبو الفرج محمد جمال الدين القاسمي الكيلاني الحسني الدمشقي، وهو من أحفاد الشيخ عبد القادر الجيلاني من سلالة الحسن السبط، كان إمام الشام في عصره، نشأ مقلداً وصوفياً لكنه تحول لمنهج السلف، فأصبح داعياً للعلم والاجتهاد ومحاربة الجهل والتعصب، وقف حياته على العلم والتعليم، وكان هيناً ليناً في دعوته، وبرغم ما ألحقه به أعداؤه من الجهلة والمتعصبة من أذى إلا أنه لم ينشغل بهم. كان من رجالات الإصلاح في نهاية عصر الدولة العثمانية وله صلات ومراسلات بعلماء عصره المصلحين في العديد من البلدان، فقد زار لبنان ومصر وفلسطين والأردن والمدينة المنورة، ورغم قصر عمره (49 سنة) ألا أنه ألف ما يزيد عن 100 مؤلف. لخص العلامة رشيد رضا منهج القاسمي الإصلاحي في التأليف مقارنة مع شيخه وصديقه العلامة طاهر الجزائري فقال: "والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سببين في سعة الاطلاع وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري كان أكثر اطلاعا على الكتب وولوعاً بالاستقصاء والبحث، والقاسمي أشد تحريا للإصلاح، وعناية بما ينفع جماهير الناس"[1]. وقد ترك القاسمي بعد وفاته عددا من التلاميذ أصبحوا هم علماء الشام، وعددا آخر أصبحوا هم ساسة الشام وقادته. ولادته ونشأته العلمية: ولد جمال الدين القاسمي في دمشق سنة 1282هـ / 1866م، في بيت علم وتقوى[2]، فقد كان جده عالماً فاضلاً، وكذلك كان أبوه، وهذه ميزة لجمال الدين، فقد درجت العادة في ذلك الزمان أن يتوارث الأبناء وظائف آبائهم الدينية كالإمامة والخطابة والإفتاء والقضاء، فوصل لهذه المناصب الجهلة والحمقى بالوراثة لا بالكفاءة، فانتشر الجهل والتعصب وقلة الدين، حتى كنت لا تجد في مدن وقرى بكاملها من يحسن القراءة والكتابة! بل وصل الحال أن المدارس على ندرتها كانت تدرس اللغة العربية ونحوها بالتركية على شيخ تركي!! وقد فاقم من انتشار الجهل تواطؤ أصحاب المناصب الشرعية والسياسية على بقاء الجهل مخيماً حفاظاً على مكاسبهم ونفوذهم، ولذلك كانوا دوماً أعداء لكل مصلح ومحب للعلم. درس القاسمي بداية على والده الشيخ محمد سعيد القاسمي، ثم درس في مكتب بالمدرسة الظاهرية، وحضر دروس الشيخ سليم العطار والشيخ بكرى العطار شيخ الشام، والشيخ محمد الخاني الذي علمه أوراد الطريقة النقشبندية والتي تركها لاحقاً. كان القاسمي يطالع كثيرا من الصغر ولا ينشغل باللعب مع أقرانه، ولذلك وجد في أوراقه عدة دفاتر فيها ملخصات ومنتخبات من مطالعته في الكتب – طبعاً نقصد المخطوطات – أطلق عليها اسم "سفينة" وعمره 15 سنة!! وقد كان محافظاً على وقته وله همة عالية في القراءة، قال عن نفسه: "وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة صحيح مسلم بتمامه رواية ودراية في أربعين يوماً، وقراءة سنن ابن ماجه كذلك في واحد وعشرين يوماً، وقراءة الموطأ كذلك في تسعة عشر يوماً... فدع عنك الكسل، واحرص على عزيز وقتك بدرس العلم وإحسان العمل". وقد حبب للقاسمي القراءة حتى قيل إنه قرأ واقتنى غالب ما طبع في عصره من كتب، وبيته يحتوي على مكتبة أسسها جده الشيخ قاسم ووسعها أبوه ونماها القاسمي بعد وفاة والده حتى تركها وفيها 2000 مجلد، وجعل لها غرفة خاصة وصنع فهرساً بكتبها، وتتميز مكتبة آل القاسمي بتنوعها الواسع وعدم اقتصارها على الكتب الشرعية، وأوقفها على ذريته وطلبة العلم ونشر إعلانا بذلك في الصحف، وهي لليوم مفتوحة للباحثين، فجزى الله أحفاد القاسمي على رعايتهم لوصية ووقف جدهم. ولتميزه في طلب العلم وعدم اكتفائه بمكانة أبيه طلب بعض الطلبة منه أن يشرح لهم بعض مقدمات العلوم وعمره 14 سنة، فكان يدرسهم بعد المغرب قبل موعد درس أبيه، الذي كان يواظب على حضوره. نشاطه العلمي والدعوي: بدأ نشاطه الدعوي وعمره 21 سنة حين طلب بعض الفضلاء من والده سنة 1303هـ أن يرسل جمال الدين ليكون إماماً لهم في مسجدهم في الصلوات الخمس ويقيم الدروس لهم، فأذن له والده فأحيى جمال الدين مسجدهم بإمامة الصلوات وبدروسه في الصباح وبين العشائين. ثم أصبح مدرساً في مدرسة عبد الله باشا العظيم والتي كانت إحدى حصون الدعوة إلى الإصلاح في العاصمة الأموية بحسب وصف العلامة محب الدين الخطيب إذ كان من المستفيدين منها، وكان من المدرسين فيها: العلامتان طاهر الجزائري وجمال الدين القاسمي ولكل واحد منهما غرفة يستقبل فيها تلاميذه. وبسبب تميزه في التعليم والإصلاح تم اختياره – فيما يبدو - من قبل الوالي ضمن عدد من الفضلاء سنة 1309هـ لإلقاء دروس عامة في شهر رمضان في بعض النواحي من سوريا، فذهب إلى وادي العجم وسجل يوميات تلك الرحلة في كتاب بعنوان "بذل الهمم في موعظة أهل وادي العجم"، وفي السنة التالية اختار أن يذهب إلى قضاء النبك وألف فيها "حُسن السبك في الرحلة إلى قضاء النبك"، وطلب أيضاً في السنة التي تليها فذهب إلى بعلبك، وكرر الذهاب إليها في السنة التي تليها، ثم يبدو أنه طمع في تلك الرحلات بعض الطماعين البطالين الذين لا يهمّهم سوى المكافأة المالية فأبطلت الدولة تلك الرحلات، ويعلق القاسمي على ذلك بقوله: "مع أن بها النفع العام، لمن قام بها حق القيام". ويبدو أن هذه الرحلات فتحت عيون القاسمي لأحوال البلد ومقدار الجهل والخرافة والظلم الذي يحيق بالناس. وفي سنة 1317هـ توفي والده فحزن عليه كثيراً، وقد قام العلامة عبدالرزاق البيطار والعلامة طاهر الجزائري بزيارة والي الشام برفقة القاسمي لتنصيبه مقام والده في إمامة وخطابة وتدريس مسجد السنانية وهو المسجد الذي كان يؤمه والده وجده من قبله، فتولى الإمامة والتدريس فيه للطلبة والعامة وألف فيه كثيرا من كتبه وأهمها تفسيره (محاسن التأويل) بين عامي 1317-1329هـ. تحوله لمنهج السلف وما لقي من مصاعب بسبب ذلك: نشأ القاسمي مثل أهل عصره على المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية والطريقة النقشبندية، ولكن لكونه طالب علم ذكيا ومتميزا ولأ والده وجده كانا من العلماء ولكونه كثير المطالعة، فقد سهل عليه أن يكتشف خطأ ما هو عليه وأن الحق هو في اتباع القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح، وليس بين أيدينا تصريح له أو لغيره بكيفية أو بتاريخ انتقاله لمنهج السلف على غرار قصة تحول رشيد رضا التي كتبها بنفسه، لكن لدينا بعض الإشارات التي قد تساعد على ذلك. وقد يكون السبب في عدم تدوين هذه القصة هو طبيعة البيئة التي عاش في ظلها القاسمي، فهو كان في بيئة مقلقة له أمنياً، فالرسائل والكتب مراقبة، وبيته مهدد في أي لحظة بالتفتيش والبحث عن كتب أو رسائل من دعاة الإصلاح، فمثلاً حين كان يتراسل القاسمي مع بعض أصدقائه ويراد الإشارة إلى محمد كرد علي فإنهم يعبرون عنه بقولهم "صاحب اسم مفعول اقتبس"، نسبة لمجلته المقتبس!! فإذا بحثنا عن سبب تحوله لمنهج السلف سنجد أن القاسمي عاصر الشيخ طاهر الجزائري والذي اشتهر ببعث كتب شيخ الإسلام من خلال نسخها وبيعها بأثمان رخيصة في سوق الوراقين، كما نجد أن القاسمي كان يحضر حلقة الشيخ طاهر الكبرى، بل كان زميلاً له في مدرسة عبدالله باشا وله غرفة يلتقي الطلاب فيها سنة 1311هـ تقريباً، ونجد أن طاهر الجزائري هو الذي سعى في تنصيب القاسمي إماما محل أبيه، وسنجد أن القاسمي رافق الشيخ طاهر الجزائري ليل نهار في سنة 1323هـ قبل هجرة الجزائري لمصر، كما أن الجزائري شارك القاسمي في تنقيح بعض مباحث كتابه قواعد التحديث. ومن المتفق عليه بين المؤرخين لتلك الفترة أن الشيخ عبد الرزاق البيطار وهو من أجل علماء الشام كان والقاسمي صديقين حميمين برغم أن البيطار أسن من القاسمي بثلاثين سنة!! ومعلوم أن البيطار كان أيضا على خلاف منهج السلف ثم تحول إليه لكنه عرف ذلك متأخراً بخلاف القاسمي، وقد اشتهرت كلمة البيطار للقاسمي بخصوص تحوله لمنهج السلف مبكراً: "يا جمال.. احمد الله على أن انتهيت وأنت في سعة من عمرك، ولحيتك سوداء، فتتمكن من الاستمتاع بعقلك، ويتسع الوقت لنشر فضلك". ومعلوم أن البيطار أيضاً كان من رواد حلقة طاهر الجزائري، فالراجح عندى أن لطاهر الجزائري دورا مركزيا في تحول البيطار والقاسمي لمنهج السلف، برغم أن القاسمي هو الذي اختص واشتهر بنشر منهج السلف في الشام بعد عصر ابن تيمية وابن القيم، لأن القاسمي كان رجل عامة والجزائري كان رجل خاصة. ولعل هذا هو السبب الذي جعل القاسمي يقول عن طاهر الجزائري "الشيخ المفيد والمرقي الوحيد"!! أما متى كان ذلك؟ فليس هناك تاريخ مؤكد إلا إشارات عامة أيضاً، ففي سنة 1306هـ ختم القاسمي أحد كتبه بقوله: "تم على يد مختصره الفقير محمد جمال الدين أبي الفرج القاسمي الأشعري الدمشقي النقشبندي الخالدي الشافعي"، وهذا يحدد لنا أن نبحث عن تاريخ تحوله بعد هذا التاريخ. سنجد أن طاهر الجزائري في سنة 1311هـ تقريباً أمر محب الدين الخطيب وكان عمره 9 سنوات بالتردد على غرفة الأستاذ أحمد النويلاتي وجمال القاسمي بمدرسة عبدالله باشا، ونجد أن القاسمي والبيطار في سنة 1313هـ يتعرضون لمحنة عرفت باسم حادثة المجتهدين، حيث لفق لهم بعض الحاسدين تهمة ادعاء الاجتهاد!! وهي تهمة كانت رائجة في عصر الجمود والتعصب والتخلف، بينما يتهم السلفيون اليوم بالجمود!! ونجد أن القاسمي يكتب في رسالة منه للعلامة نعمان الآلوسي سنة 1316هـ فيقول: "فإلى الله المشتكى من جماعة نبذوا الآثار ظهريا، وأضحى مذهب السلف بينهم نسياً منسياً، خلا جماعة من أحبابنا الصادقين، فإنهم في مشربهم السلفي عقد الشام الثمين، وقد نالتنا وإياهم محنة سلفت من نحو ثلاثة أعوام"، ويقصد حادثة المجددين. وهذه الرسالة هي رد على الرسالة التي أجاز فيها الآلوسي القاسمي وأوصاه في آخرها بمنهج السلف فقال له: "وأوصي المجاز – القاسمي- باتباع مذهب السلف، فإنه أسلم بل أعلم وأحكم والسلوك في طريقهم الأقوم" وذلك سنة 1315هـ. وهذا يدل على أن القاسمي لم يعد سلفياً فحسب بل إن حوله مجموعة سلفية، وأيضاً نجد القاسمي في ترجمته لوالده "بيت القصيد في ترجمة الوالد السعيد" يصرح بأن والده انتهج منهج السلف في آخر حياته، ووالده توفي سنة 1317هـ، وكان والده وأخوه محمد عيد قد انتصروا له حين أوقفه المفتي سنة 1313 من دون بقية زملائه في حادثة المجتهدين، وهذا فيه إشارة لتأييدهم لمذهب جمال خاصة أن والد جمال كان يحضُر هذه المجالس. ومن هذا كله يمكن أن نقول إن القاسمي بدأ في التحول للسلفية من سنة 1310 تقريبا أو قبلها بقليل، ولكنه بقي يتطور حتى وصل لمرحلة رضي فيها عن نفسه وهي عام 1320، ولذلك نجده يصرح أنه غير راض عن كل ما كتبه قبل ذلك العام. وبعد أن حاولنا تلمس كيفية وتاريخ تحول القاسمي للسلفية، نعرض للمحن التي تعرض لها بسبب ذلك، وقد لخص القاسمي ما تعرض له من اضطهاد في رسالة شخصية لرشيد رضا: 1- في سنة 1313 اتهم وبعض أصدقائه الذين وصفهم بالسلفيين بالاجتهاد، ولأنه كان أصغرهم سناً فقد أوقف ليلة من دونهم، ويجب أن نلاحظ أن التهمة الأولى للقاسمي ورفاقه وعلى رأسهم الشيخ عبدالرزاق البيطار كانت هي تهمة الاجتهاد ومحاولة قراءة كتب تفسير القرآن والحديث وكتب أصول الفقه، ولم توجه لهم تهمة الوهابية إلا بعد سنوات، كما أنهم في الجلسات التي اتهموا فيها بالاجتهاد كانوا أيضاً يدرسون كتاب "كشف الغمة" للشعراني الصوفي، وهذا يؤكد تطورهم التدريجي للسلفية بترك التعصب والجمود الفقهي بداية. 2- في سنة 1318 تم إيقاف السيد عبدالحميد الزهراوي مما أثار الخوف في نفوس أصدقائه ومنهم القاسمي، والذي جاءه البوليس ليلاً وطلب منه نسخته من كتاب الزهراوي الذي أوقف بسببه، مما يدل على شدة محاربة الأفكار الإصلاحية في ذلك الوقت. 3- وفي سنة 1322 زار دمشق قادما من مصر المحامى أحمد الحسيني وكان القاسمي تعرف به في القاهرة قبلها بسنة وأكرم القاسمي ورحب به، فلما جاء الشام ذهب لزيارته قياما بواجبه، فاستدعي من الوالي وحقق معه حول سبب زيارته له، وأمر القاسمي بقطع الصلة به، حيث اتهم بعض الوشاة الحسيني بأنه معادٍ للحكومة ومن دعاة الاجتهاد! 4- وفي سنة 1324 اتهم الشيخ عبدالرزاق البيطار بأنه وهابي وحقق معه ومع بعض طلابه، مما أثار الخوف والقلق في نفوسهم، واتهم القاسمي معه في ذلك، لكن ما انقذه من التحقيق أنه كان مسافراً مع الشيخ طاهر الجزائري إلى صيدا، وبقي هناك لمدة شهرين قلقا حتى هدأت الأمور وعاد. 5- وفي رمضان من نفس السنة 1324 أقام عليه الجامدون والمتعصبون والذين يسميهم القاسمي بالحشوية – كان يطلق قديماً على أهل السنة، فأصبح اليوم لقب أعدائهم- بسبب كتاب مجموع الأصول، والذي جمع فيه بعض الرسائل حول الاجتهاد ومن ضمنها رسالة لابن عربي الصوفي، لأن منهج القاسمي صدم هؤلاء المتعصبة الصوفية بكلام رموزهم. فكانوا يجتمعون في المسجد الأموي من العصر وحتى آخر الليل يسبون القاسمي ويتوعدونه لولا تدخل بعض الفضلاء، وقد كان القاسمي في تلك الفترة يعيش فترة صعبة قال عنها: " ولكن كيف كان الصحب والآل، في هذه الليالي؟ حدث ولا حرج". 6- في عام 1326 تم تفتيش منزله ومسجده بحثاً عن كتب ومراسلات ممنوعة، وصادروا ثلاثة أكياس كتب مطبوعة ومخطوطة، بقيت شهرين عندهم، ولما تقرر إرجاعها اعترض بعض الحشوية، فتقرر تحويلها للمحكمة الشرعية لفحصها، فبرأه القاضي، ولكن يقول القاسمي: "فماذا كان حال العائلة والأهل في هذه الأشهر؟". 7- وفي رمضان من عام 1326 يزور محمد رشيد رضا دمشق ويعقد له درس في المسجد الأموي، فقامت قائمة الحشوية وهيجوا الناس عليه واتهموه بالوهابية، حتى اضطر لمغادرة دمشق، ولزم القاسمي بيته ثلاثة شهور أما البيطار فبقي 130 يوما لم يخرج من بيته، وذلك خوفا من أن يتعرضا لاعتداء من أحد في الشارع. وقد نظم الأمير عادل أرسلان شقيق أمير البيان الأمير شكيب أرسلان قصيدة يسخر بها من هؤلاء الحشوية، وتكشف عن عمق الروابط بين المصلحين في ذلك الزمان قال فيها: يا أيها الفقهاء أول من درى *** أن البطاطا شرح متن البامية إني رأيت الشورباء حزينة *** أضحت على أذيالكم مترامية فكلوا المحاشي والمواشي جملة *** تهتز من فوق بقول نامية أظننتم الدستور حرم أكلها *** لا والذي خلق العقول السامية ما دخل وهابيتي في أمركم *** ماذا اخترمت لتنكروا إسلاميه هي شيعة لا تشتم الكوسا فما *** الداعي لتكفيري ودق عظامية ماخنتكم في صحبة المحشي *** ولا أفسدت بالتقليل منه صياميه هذه الحوادث تعطينا تصورا عن الأحوال التي كان يعيشها القاسمي ورفاقه من قبل الجهلة والمبتدعة، والذين كانوا رافضين لنشر العلم وفتح باب الاجتهاد. أما ما تعرض له القاسمي ورفاقه من تنكيل من قبل الحكومة في عهد السلطان عبد الحميد وحكومة الاتحاد والترقي فقد كان شديداً، ففي عام 1327 يتهم القاسمي والبيطار بالتحريض على تأسيس جمعية النهضة السورية المناهضة لحكم الاتحاديين والمطالبة بالاستقلال الإداري وقيام حكومة عربية، وأنهم على صلة بأمراء من نجد، فأنكر هذه التهم وبين عدم صلته بجمعية النهضة، والتي كان رئيسها محب الدين الخطيب وسكرتيرها صلاح القاسمي شقيقه الأصغر! دور القاسمي الإصلاحي: برغم حياة القاسمي القصيرة حيت عاش 49 سنة فقط وكانت مليئة بالحوادث والمحن، إلا أنه عُدّ علامة الشام، فقد وفقه الله عز وجل مبكراً لطلب العلم والاطلاع الواسع ومنحه الذكاء الحاد، ويسر له معرفة منهج السلف والحق مبكرا وهو شاب. وهذا كله جعل تأثير القاسمي ممتداً لليوم، فقد تمثل الدور الإصلاحي للقاسمي في ثلاثة محاور: 1- نشر الكتب المهمة لعلماء الأمة، وتأليف الكتب المهمة لحياة الأمة اليوم: يلخص لنا القاسمي رؤيته لدور الكتاب في نهضة الأمة ونشر منهج الحق في رسالة للشيخ محمد نصيف، من أعيان مدينة جُدة يحثه فيها على طباعة الكتب فيقول: "ولا يخفى فضلكم أن أعظم واسطة لنشر المذهب السلفي هو طبع كتبه، وأن كتاباً واحداً تتناوله الأيدي على طبقاتها خير من مئة داعٍ وخطيب، لأن الكتاب يبقى أثره، ويأخذه الموافق والمخالف، وأعرف كثيراً من الجامدين اهتدوا بواسطة ما طبعناه ونشرناه، اهتداء ما كان يظن، والحمد لله على ذلك". ويبدو أن تحول القاسمي لمنهج السلف أصلاً كان بسبب بعض الكتب التي كان الشيخ طاهر الجزائري ينشرها. ويمكن أن نتحدث عن اهتمام القاسمي بالكتب في النقاط التالية: أ – حرص القاسمي على نشر الكتب النافعة وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وكان هذا غالب موضوعات رسائله للعلامة الآلوسي، وقد نصحه الآلوسي مراسلة الشيخ نصيف بخصوص طباعة آثار ابن تيمية، فكتب له القاسمي سنة 1327هـ: " أخي تعلمون أن شيخ الإسلام توفي بدمشق وأن رسائله بحمد الله معظمها والحمد لله في دمشق، وإن فقد منها شيء أو طار من الشام لغيرها إلا أن في المكتبة العمومية – يقصد المكتبة الظاهرية التي أسسها طاهر الجزائري- عندنا من رسائله وقواعده في كتاب " الكواكب" الذي جمعه الشيخ ابن عروة، وكتب فيه جملة وافرة من تآليف شيخ الإسلام وبها ما يكفي ويشفي... فإن رأيتم أن نسعى لنسخ كل ما هو عندنا بالشام بحيث لا نبقي له – قدس الله روحه – شيئاً يكون ذلك من أكبر حسناتكم". ب - كما أن القاسمي كان يحث بعض الأمراء والملوك على طباعة الكتب ونشرها بين العلماء، كما فعل مع سلطان مراكش حين زار دمشق. ج - وكان القاسمي يحرص على طباعة كتب بعض العلماء المتبوعين من المقلدة والمتعصبة، انظر ماذا كتب القاسمي لأحد أصدقائه في رسالة سنة 1328: "ظفرنا بنسخة ورسالة مهمة للبركوي، انتصر فيها للشيخين فيما ذهب إليه، لا بل زاد عليهما كما ترون من مطالعتها، وقد عانيت كثيراً في تصحيحها، لأن الأصل المطبوع محرف للغاية. وهذه الرسالة تأثيرها على الجامدين والجهمية أكثر من تأثير مؤلفات الشيخين في الموضوع، لأن الإمام البركوي شهرته عظيمة، ولا يظن الجامدون بمثله أن يصدع بما صدع به، لأنهم يحسبون أن هذا البحث لم ينفرد به إلا الحنابلة، وأما رجل حنفي تركي يوافق على ذلك، فلا يخالونه، إلا أن هذا الرجل - رضي الله عنه- لقد أبان عن فضل عظيم، ودين قويم، وقلب سليم". د - أما كتب القاسمي نفسه فقد زادت عن مئة كتاب، وغالبها مما يحتاجه الناس ويسد ثغرة عندهم ويقدم بديلاً عن الباطل الذي اعتادوه، ومن أمثلة ذلك: - كتاباه "منتخب التوسلات" و"الأوراد المأثورة": فحين وجد أن الناس تتمسك بأوراد للقطب الفلاني والولي العلاني، رغب بأن يستبدل لهم ذلك بأدعية من القرآن وأدعية الفرج بعد الشدة، وسماها "منتخب التوسلات" وذلك في سنة 1315. ثم جمع أوراد الصباح والمساء وما يقال في السَّحر مما صحح وثبت، وسماها "الأوراد المأثورة" في سنة 1319، وكتب القاسمي عن ذلك: "وحبذا اليوم الذي نرى فيه لا ينتشر إلا المأثور، ولا يعتقد إلا الحق، وما ذلك على الله بعزيز"، والحمد لله اليوم غالب الفضائيات والإذاعات تنشر ما ورد في السنة الصحيحة مما تقر به عين القاسمي ولعلها تكون في ميزان حسناته إن شاء الله. - كتابه دلائل التوحيد: وقد كتبه سنة 1326 رداً على مقال في صحيفة المؤيد تتضمن إنكار وجود الله وبعض الشبه عن الإسلام، وذلك حين رفض أحد كبار علماء الشام الرد بمقال على المقال الذى انتشر في آلاف النسخ من الجريدة، واكتفى بالرد عليه في درسه بالمسجد الأموي!! وهذا المنطق الأعوج لا يزال لليوم هناك من يسير عليه! أما القاسمي فقد انتصب للدفاع والرد بكتاب يطبع بالآلاف ويكون بين يدى الناس الذين يحتاجونه وهم المثقفون الذين يقرؤون الجرائد التي تنتشر فيها هذه التفاهات. - كتابه قواعد التحديث: وقد صنفه عام 1320 وراجعه مع الجزائري سنة 1324 وطبع 1352 سنة، أي بعد وفاته بعشرين سنة. والكتاب يقوم على جمع كلام العلماء السابقين، وهو ما عابه محمد كرد علي على القاسمي، لكن حجة القاسمي أنه أراد أن يجابه المتعصبة الجامدين الحشويين الرافضين للبحث في الأحاديث وتمييز الصحيح من السقيم بأقوال علمائهم المتبوعين والمشهورين. - شذرة من السيرة النبوية: رسالة صغيرة ألفها وطبعها في مطبعة المنار أثناء زيارته للقاهرة سنة 1321، وكان الغرض منها أن يكون بديلاً لما يقرأ في الموالد من كتب بدعية تحتوي على الكثير من الخرافات والأكاذيب. وهي من فصلين: إعجاز القرآن، وغرر من الوصايا النبوية، وختمها بأربع فوائد: أصل قصة المولد، التحذير من البدع في تلاوة قصة المولد، حكم القيام عند ذكر الولادة، من أحدث المولد. - إصلاح المساجد من البدع والعوائد: وذكر القاسمي أن سبب تأليف هذا الكتاب هو كثرة البدع في المساجد، مما جعل إزالتها أولوية لدى المصلحين. - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين: كان القاسمي لما زار مصر سنة 1321 برفقة الشيخ عبد الرزاق البيطار التقى بالشيخ محمد عبده، وحضر بعض دروسه وزاره في بيته وأصبح بينهما صلة قوية على غرار صلة البيطار بعبده الوثيقة من قبل، ومن الأشياء التي سأل عنها القاسمي عبده: هل هناك كتاب تنصح أن ندرسه للعامة؟ فكان جواب محمد عبده: إن أحسن ما ينفع العامة كتب الغزالي بشرط تجريدها من الواهيات. ويبدو أن هذا صادف قبولا وقناعة سابقة للقاسمي تجاه كتب الغزالي، ولذلك فبعد عودته بسنتين شرع في اختصار كتاب إحياء علوم الدين وأخرج لنا كتابه المتميز "موعظة المؤمنين". - قاموس الصناعات الشامية: من حرص القاسمي على التأليف ونفع المسلمين ومن بره بأبيه أنه اقترح عليه تأليف كتاب في نهاية حياته حول الصناعات والحرف في الشام، فسأله أبوه كيف أفعل؟ فأجابه: تستأجر دابة وتذهب لمحل الحرفيين وتسجل أسماء الصناعات والحرف ثم تدرسها. وقد فعل والده ذلك، لكنه مات وقد وصل لحرف السين، فأتمه جمال وزوج شقيقته خليل العظم. وقد أصبح هذا الكتاب فريداً في بابه ولم يعرف له مثيل، وهذا يدل على سعة أفق القاسمي واهتمامه بالحياة والصناعة ونهضتها وعلم التاريخ والاجتماع، وقد قامت دراسات تحليلية كثيرة حول الكتاب عربية وغربية. - إرشاد الخلق للعمل بخبر البرق: ألفه سنة 1329 لبيان جواز الاعتماد على الوسائل الحديثة للاتصالات في نقل خبر ثبوت شهر رمضان والعيد. وهو مما يدل على معاصرته للقضايا المستجدة ومواكبته للمخترعات الحديثة، وكان طاهر الجزائري قد حثه على تأليفه. - الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس: وذلك لبيان حقيقة الطلاق بالثلاثة وأنه لا يقع، وإلا لأصبح غالب الناس أولاد زنا، بسبب قلة دينهم. - محاسن التأويل: وهو تفسير قيم كتبه في أربع عشرة سنة، ولم يطبع إلا بعد وفاته بأكثر من أربعين سنة، وقد كانت عائلة القاسمي تعتبره كنزاً، فلما تعرض حيهم للقصف الفرنسي سنة 1925، لم يحمل أولاد القاسمي من بيتهم إلا تفسير والدهم والذي كان في 12 مجلدا بخط القاسمي نفسه، ولم يكن له نسخة أخرى! والتزم القاسمي أن يضمن تفسيره كل ما يقع عليه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم مما يتعلق بتفسير القرآن في موضعه. كُتب القاسمي كثيرة ولكن هذه بعضاً منها تدل على سعة أفقه ومعايشته لأحوال أمته، وحرصه على نهضتها ورفعتها من خلال التأليف كوسيلة إصلاحية، لا فائدة دنيوية من ورائها كحالنا اليوم حيث التأليف عند كثيرين وسيلة لمنصب أو ترقية أو مال، يقول القاسمي عن أحد الكتب في رسالة لمحمد نصيف: "ويعلم الحق أني لو أوتيت ما يمكنني القيام بطبعه على نفقتي لما تأخرت في طبع كل ما جمعت، ولكن يكفي (كما يقول الأستاذ طاهر الجزائري) الفقير: أن يجمع ويؤلف..". هـ - وكان القاسمي يطلب من بعض طلبته نسخ بعض الكتب ويعطيه أجراً، بدلاً من أن يذله بقبول الصدقة والزكاة. وكان يحث ويشجع بعض طلبته على تأليف الكتب، وقد شجع تلميذه بهجة البيطار على تأليف بعض الكتب وأثنى عليه في رسائله الشخصية لبعض أصدقائه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]()
|
علاّمة الشام جمال الدين القاسمي [2] . أسامه شحادة تمهيد: في الحلقة الماضية تناولنا نشأة علامة الشام جمال الدين القاسمي ومسيرته في طلب العلم، وتناولنا الدور الأول من أدوار القاسمي الإصلاحية وهو نشر الكتب وتأليفها، ونواصل بيان أدواره الإصلاحية ومسيرته الدعوية. دور القاسمي الإصلاحي: 2- نشره للعلم ورعايته لطلابه وتنشئتهم ليكونوا قادة ودعاة متميزين: لقد تميز القاسمي باهتمامه بطلبته ورعايته لهم في مختلف جوانب حياتهم، ولذلك استمروا على الوفاء لمنهج شيخهم بعد وفاته وكانوا قادة الشام وعلماءه. ومن مظاهر اهتمام القاسمي بطلابه ما يلي: 1- كان القاسمي يدرّس في غالب أوقاته وفي كل مكان، في مسجده وبيته وبيوت أصدقائه وفي الرحلات والمتنزهات، وكان بيته يستقبل أفواج الطلاب من الصباح إلى ما بعد العشاء. رثاه أخوه صلاح الدين فقال: كان يقضى النهار والليل بالدرس *** ويحيي الأسحار بالتهليل قد أذابت حياته لوعة البحـ *** ـث فناب الضلوع داء النحول 2- كان القاسمي يدرّس جميع الطبقات من العامة والخاصة وطلبة الشريعة وطلاب المدارس العصرية، ولكن كان له عناية خاصة بالأذكياء من طلبته. 3- كان القاسمي يعامل طلابه على أنهم أصحابه وأصدقاؤه، فيقول في إجازة كتبها لتلميذه: "طلب منى مصاحبنا وقريبنا الشيخ حامد التقي الإجازة". 4- كان يحث طلبته على النقاش والحوار معه، فمن ذلك قوله لهم: "عليكم أن تفكروا بتفكير خصوم السلفية وتأتوني بحججهم وشبههم لأرد عليها". 5- كان يعدّ طلابه ليكونوا دعاة وموجهين للمجتمع، فلما اشتكى إليه أحدهم أن الناس لا يتقبلون منه تدريسه ووعظه وأنه يريد العودة للدراسة على الشيخ، كتب إليه يقول: "إنني علمتك السنين الطويلة لترينا خدمتك للعلم وآثارك في مثل هذه البلاد المتعطشة لأمثالك فاثبت في وظيفتك". 6- كان القاسمي يهتم جداً بتحلي طلابه بالأدب والعقل والذكاء، ولكنه يعرف أن هذا يحتاج إلى تفاعل الطالب مع شيخه، ولذلك نبه القاسمي أحد طلابه بقوله: "بقي علم لا أستطيع تعليمك إياه وهو أن تكون ذكياً بحاثاً لبقاً، فكن من نفسك كذلك". 7- كان يحرص على أن يتيح لطلبته الالتقاء بالعلماء والمصلحين الذين يزورونه حتى يرفع من سويّتهم العلمية، وحتى يستفيدوا من أكثر من شيخ ولا يكونوا أسرى لأسلوبه وطريقته. 8 - ضرب القاسمي للناس المثل بنفسه بطلب العلم وتعليمه، فلما جاءه عبدالوهاب الإنكليزي وصادق النقشبندي وهما من خريجي المدارس العصرية لتعلم ما ينقصهم من علوم الدين، طلب منهم القاسمي أن يدرسوه ما ينقصه من علوم الدنيا، فدرس عليهم الجغرافيا والرياضيات، رغم أنهم من جيل طلابه وتلاميذه!! 9- وكانت النتيجة أن طلاب القاسمي أكملوا مسيرة شيخهم بنشر الإصلاح والعلم وإقامة الجمعيات الثقافية ونشر المؤلفات النافعة مما أحدث نهضة إصلاحية في الشام قضى عليها حافظ الأسد ببعثيته الدموية وعلويته الطائفية، هذه النهضة لا يزال يتحسر عليها المخلصون. 10- مما يبين أهمية وجود تلاميذ للمصلحين يحملون دعوتهم ويبرهنون على نجاح مسعاهم، قول القاسمي: "وقد ظهر لي أخيراً شيء آخر: وهو أن حق من يصنف في تراجم الرجال أن لا يُترجم إلا ذوي الأثر أو التأثير، فالأول يدخل فيه من صنف وألف في أي فن كان، بشرط الإجادة لما صنفه أو اخترعه، ما لم يسبق فيه، ويدخل في الثاني كل عالم غير مؤلف، ولكنه أنجب تلامذة، أو وقف نفسه على التعليم في فن أو فنون، وكان سالكاً سبيل السلف في النصح، والصدق، والإخلاص، والأخلاق"، وقد جمع الله عز وجل للقاسمي كل ذلك إن شاء الله. طلاب القاسمي: قال الأديب حسني كنعان: "تلاميذ العلامة الكبير المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي في دمشق كثيرون، وهم صفوة علماء البلاد الشامية وفضلائها"، ولذلك أرى أنه يمكن أن نقسم طلاب القاسمي إلى ثلاث مجموعات هي: أولاً- طلابه الذين أصبحوا من علماء الشام: 1- العلامة محمد بهجة البيطار: وهو حفيد العلامة عبدالرزاق البيطار، رفيق درب القاسمي، كان من أبرز وأكبر طلاب القاسمي، درس عليه أربع سنوات، تولى الخطابة والتدريس في مسجد الدقاق بأمر من جده البيطار، وعمل مدرساً في عدد من المدارس الأهلية والنظامية، فدرس الدين والعربية والفرنسية، وكان عضوا بمجمع اللغة العربية بدمشق، وكانت باكورة أعماله في المجمع محاضرة عن "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية"، طلب منه الملك عبدالعزيز بن سعود سنة 1344هـ إدارة المعهد العلمي بمكة المكرمة، فأقام بها سنين ودرس بالحرم المكي والمدنى، وأصبح عضوا بمحكمة مكة المكرمة، وسنفصل في سيرته في حلقة خاصة. قال عنه ظافر ابن العلامة جمال القاسمي: "كان تلميذاً لوالدي جمال الدين القاسمي، لا بل كان من أخص تلاميذه، إن لم يكن أخصهم على الإطلاق". وقال ولده عاصم البيطار عن علاقة أبيه بشيخه القاسمي: "غرس في نفسه حب السلفية ونقاء العقيدة والبعد عن الزيف والقشور وحسن الانتفاع بالوقت". قال في شيخه القاسمي: "ولو طال عمره لرأينا من آثاره النافعة أكثر مما رأينا، ومن نفاسة تآليفه فوق ما شاهدنا، فإن الإستاذ كان في تجدد مستمر، استمده من علوم العصر وحقائقه، وانكشف له به عن كثير من أسرار الشريعة وغوامضها". وقال أيضاً: "أستاذنا الإمام، عالم الشام، وعلم الأعلام"، وكان يذكر شيخه القاسمي دوما ويترحم عليه، ولذلك سارع إلى مساعدة تلميذه ظافر القاسمي في نشر تراث أبيه خاصة كتاب (قواعد التحديث)، وتفسير القاسمي (محاسن التأويل). 2- الشيخ حامد التقي: كان من أقارب القاسمي وأسن طلابه، درس عليه ولازمه 17 سنة، ولذلك كان من أعرف الناس بشيخه، واصل حمل رسالة شيخه الإصلاحية في التدريس والخطابة في المساجد والتعليم في المدارس، وكان كثير الثناء والمدح للقاسمي حتى سأله سائل: ألا يوجد عالم في دمشق سوى شيخك القاسمي؟ فأجابه: بلى يوجد في دمشق كثير من العلماء... ولكن هؤلاء العلماء على كثرتهم لم يقم منهم أحد بجهد علمي مثل الجهود التي قام بها أستاذنا المرحوم، فكان مدرساً وواعظاً، وخطيباً وموجهاً، ومصلحاً ومؤلفاً،... وكان إلى هذا يدرس بالمسجد للعامة وفي البيت للخاصة، والحلقة التي يعقدها في داره يؤمه فيها كبار الشخصيات السورية الذين لهم صيتهم وشهرتهم بالأقطار العربية والعالم الإسلامي، أمثال السادة المرحومين: الأمير شكيب أرسلان، والشيخ طاهر الجزائري للمشاركة في التوجيه، وعبدالرحمن الشهبندر، ومحمد كرد علي، والشيخ جميل الشطي. أ.هـ ومن تلاميذ الشيخ حامد: الشيخ علي الصابوني والشيخ محمد مهدى إستانبولي. 3- الشيخ توفيق البرزة: كان من طلاب القاسمي المبرزين والذين كان القاسمي يستشيرهم في المسائل والقضايا، درس أيضاً على الشيخ كامل القصاب رفيق الشيخ عز الدين القسام، واشتهر بالدفاع والمناظرة عن الإسلام ضد شبهات المستشرقين والمنحرفين من أهل البدع. قال عن القاسمي: "إن من يلازمه ويرى علمه وسيرته، قلّ أن يعجبه كثير من الشيوخ الذين يدعون التربية وهم غلاظ الأكباد، قساة القلوب". 4- الشيخ عبدالفتاح الإمام: لازم القاسمي زماناً وأصبح من حملة منهج وفكر القاسمي الإصلاحي، كان يشبه العلامة طاهر الجزائري في هيئته البسيطة والمتواضعة وترك الزواج، اهتم بالشأن العام وتأسيس الجمعيات وحث الناس كثيراً على ذلك ثم كان من المؤسسين لجمعية "التمدن الإسلامي" وكتب في مجلتها "التمدن الإسلامي" مقالات قوية، وشارك أيضاً في تأسيس جمعية "أنصار الفضيلة"، وجمعية "الشبان المسلمين" وأصبح رئيساً لها، تفرغ للكتابة والتأليف ونشر الكتب، وكان حريصاً على الدفاع عن الإسلام في وجه خصومه في تلك المرحلة التي وفدت فيها الأفكار الغربية للشام. 5- الشيخ محمد جميل الشطي: لازم القاسمي واستفاد منه كثيرا، وأصبح مفتي الحنابلة في زمانه. قال في رثاء شيخه القاسمي: مهلاً عداة المصلحين عدمتكم *** إنى لكم والله غير مسالم ها نحن بالمرصاد أنصار الهدى *** ندعو إلى الجولان كل مزاحم إن كان مات القاسمي فإنكم *** سترون منا كل يوم قاسمي نحمي طريقته ونرعى عهده *** في الحق لا نخشى ملامة لائم ثانيا- تلاميذه الذين أصبحوا علماء في بلادهم: 1- الشيخ محمد بخيت المطيعي: مفتي الديار المصرية، التقي بالقاسمي ودرس عليه العلوم الفلسفية لما زار القاهرة. 2- العلامة أحمد شاكر: محدث الديار المصرية، لازم القاسمي في القاهرة، يقول أحمد شاكر: "أستاذنا القاسمي رحمه الله كنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السوي، والسبيل القويم". 3- الشيخ عبد العزيز السناني: من علماء نجد، رحل إلى القاسمي وأخذ عنه واستمرت بينهما المراسلة. 4- الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع: من علماء نجد، زار دمشق ولازم القاسمي فيها مدة ودرس عليه ورغّبه بالعلم. ثالثاً – من الشخصيات العامة التي تأثرت بدعوته ومؤلفاته: كان للقاسمي لقاءات وجلسات عامة مع كثير من النخب والشباب الذكي النابه الذين درسوا في المدارس العصرية التابعة للإرساليات التبشيرية أو الدولة والتي لم تكن تهتم بالعلوم الشرعية، أو في الجامعات، كما تأثر الكثير منهم بكتب القاسمي، وذلك أن القاسمي كان يدرك مدى أهمية كسب هؤلاء الشباب الذكي المتعلم لصف الإصلاح الإسلامي في مقاومة الخرافة والجهل في الداخل والغزو الفكري الأوروبي الوافد. وكانت علاقة القاسمي بهم لا تقتصر على التعليم بل حتى التشجيع على الكتابة ومراجعة ما ينشرون، فيكتب القاسمي في يومياته: "زارنى بعد العشاء سليم أفندي الجزائري ومعه أسعد أفندي بنباشي وبقية رفقتهم، وتم ما صححته له من مقالة (ميزان التعقل)، وفيها عبارات أشرت عليه بحذفها، والاستعاضة عنها. فلا أدري أيمتثل أم لا! نسأله تعالى أن يجعل كُتابنا ونبهاءنا ممن يعضد الدين، ويدعم قواعد اليقين، ويوقف نفسه على محاسن الإسلام، بمنّه وكرمه". من أبرز هؤلاء الشباب: 1- العلامة محب الدين الخطيب: صاحب المطبعة السلفية ومكتبتها والذي كان له دور بارز في تأسيس مسيرة الصحوة الإسلامية المعاصرة، كان محب الدين صديق شقيق القاسمي الأصغر صلاح الدين، وكان محب الدين مؤسس جمعية النهضة والتي كان صلاح الدين أمين السر فيها، وبسبب مشاركة شقيق القاسمي فيها وصغر سن المؤسسين لها حيث كانوا في العشرين من عمرهم فقد تم اتهام القاسمي واستجوابه من قبل وزارة العدل بدمشق بأنه المحرض والمدبر للجمعية من وراء الكواليس، وهو الأمر الذي نفاه القاسمي، ولكن بالتأكيد أن القاسمي كان راضياً عن الجمعية وأعمالها، وهو ما سيتأكد لاحقاً بدعم القاسمي لمسار أخيه السياسي- الذي تولى رعايته وتنشئته- حين أعلن عودة الدستور سنة 1326هـ وانضمامه لبعض الأحزاب. وقد كان محب الدين يحضر بعض جلسات حلقة الشيخ طاهر الجزائري والتي يشارك بها القاسمي، وكان يتردد محب الدين على مدرسة عبدالله باشا التي يدرس بها القاسمي، وكان يلتقي به في بيته مع زملائه الشباب في الإجازات التي يقضونها في دمشق بعد سفرهم للدراسة في إسطنبول. كتب محب الدين لزميله صلاح الدين معزيا له في وفاة القاسمي فقال: "ذاكرين الليالي الجميلة التي جمعتني وإياك بجامعة الصداقة والإخاء بين جدران جامع السنانية، وفي حلقة الدرس الذي كان فقيد دولة الإصلاح جمال الدين يخترق فيه بحكمته سجف أرواحنا، وحجب أفئدتنا، فيبني هناك ما هدمه جهل معلمينا الآخرين من سعادة الإيمان وطمأنينة اليقين، جزاه الله عن الإسلام بأحسن ما يجزي الله به أولياءه". ويقول عن فضل القاسمي عليه: " لولا أن الله سبحانه تداركنا فقيض لنا آباء روحيين أنقذونا من هذا الجو الخانق، وأقربهم إلى أخي صلاح الدين شقيقه الأكبر علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي وإخوان له في حلقة نورانية كانت تسمى "حلقة الشيخ طاهر الجزائري"". ويصف الخطيب دور القاسمي فيقول: "والسيد جمال الدين القاسمي رحمه الله مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضرة في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع عشر فنفع الله بعلمه وعمله ما شاء أن ينفعهم، ثم انتقل إلى رحمة الله تاركاً من آثاره العلمية المطبوعة ما لا تكاد تخلو منه مكتبة قائل بالإصلاح في العالم الإسلامي". 2- الأستاذ خير الدين الزركلي: المؤرخ المشهور صاحب كتاب (الأعلام)، تعرف على القاسمي من كتبه وخاصة كتابه "دلائل التوحيد"، ثم التقى به واستفاد منه كثيراً، ترجم له في كتابه الإعلام فقال: "إمام الشام في عصره، علماً بالدين، وتضلعاً من فنون الأدب، كان سلفي العقيدة، اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين سموه: "المذهب الجمالي"، فقبضت عليه الحكومة سنة (1313هـ) وسألته، فرد التهمة، فأخلي سبيله، واعتذر إليه والي دمشق". وأكتفي بهؤلاء من قائمة طويلة تضم د.عبدالرحمن شهبندر الذي أصبح وزير خارجية سوريا سنة 1920، وشكري العسلي الذي أصبح النائب في مجلس المبعوثان وكان من القادة الذين أعدمهم جمال باشا السفاح في دمشق سنة 1916م، وفارس الخوري المسيحي الذي شارك في تأسيس المجمع العلمي بدمشق وأصبح وزيراً وممثل سوريا في مجلس الأمن وترأسه فترة وتولى رئاسة حكومة سوريا وكان وطنياً فريداً، ومحمد كرد علي العلامة اللغوي المعروف، وغيرهم من المصلحين والأعلام الذين استفادوا من القاسمي ومنهجه وعلمه. 3- فتح باب الاجتهاد والعمل على مواكبة قضايا العصر وتقديم حلول لمشاكله هذا هو المحور الثالث من محاور الإصلاح الذي قام به القاسمي، فالاجتهاد وكسر الجمود والتقليد ومعالجة المشاكل العصرية كانت هي المهيمنة على مسار القاسمي، فلم يكن يقبل بالانزواء عن حياة الناس وقضاياهم، بل كان يدرك تماماً وظيفة العالم في إرشاد الخلق وهدايتهم ودوره الطليعي في قيادة الجماهير لا الركض خلفها. وأجمل بعض معالم هذا الدور الإصلاحي في النقاط التالية: 1- مواكبة العلوم والمعارف العصرية، ولذلك كان يحرص على مطالعة المجلات والصحف، ومتابعة أخبار المخترعات العصرية، وكان القاسمي يقول: "أسباب الرقي انتشار هذه الثلاثة: المطابع والجرائد والمدارس إذا وجهت توجيهاً صحيحاً". ومن ذلك قصته في إدراك فائدة الهاتف حين قام بزيارة لمنزل الشيخ محمد عبده مفتي مصر في مصر (سنة 1321هـ /1904م) دون موعد سابق فلم يجده وكان بعيدا،ً فتأسف على ضياع الوقت – وهو الحريص على وقته – بينما صديق له اتصل بمنزل المفتي وعلم أنه غير موجود فلم يذهب، فعلق القاسمي على ذلك في كتابه عن رحلته لمصر: "فتوفر له الأجرة التي صرفت، والوقت الذي أضعناه، وهذه ثمرة العلوم المكتشفة، والتي عادت على الناس بفوائد لا تحصى". ويعلق القاسمي على اكتشاف التلغراف فيقول: "ما ظهر من التلغراف هو قطرة من بحر ما سيظهر في العصور التالية من المكتشفات والمخترعات (ويخلق ما لا تعلمون) مما فيه مرتفق للناس، ومنتفع لهم، وخدمة لعامة طبقاتهم"، فيكشف القاسمي بذلك عن بصيرة نورانية ترتبط بالقرآن الكريم وتحلق في سماء العلم والتقدم. 2- كان القاسمي متابعاً للأفكار الجديدة في السياسة والاقتصاد كما كان دارساً للأفكار القديمة لأهل البدع، يقول القاسمي عن نبز الجامدين للمصلحين: "وإن رأوا حثه على البذل والإنفاق في سبيل الله، ودعواه الموسرين للعطف على البؤساء، لقبوه اشتراكياً"، مما يدل على معرفته لمفهوم الاشتراكية في ذلك الزمان المتقدم!! وعلى نفس المنوال نجد القاسمي في كتابه "جوامع الآداب" يفصل في آداب النائب البرلماني لمجلس المبعوثان العثماني فيقول: "النائب مشرع للقوانين أول ما تجب عليه معرفته أن يحسن علم الحقوق ويعرف حركة المجالس النيابية عند الأمم الراقية ويحسن تاريخ أمته واجتماعها ويعرف ما يدليها ويرفعها ويدرك علائق حكومتنا بحكومات أوروبا وما تم بينا وبينها من المعاهدات وما نالوه منا من الامتيازات ويكون قادراً على الاستخراج من كتب السياسة والإدارة والقضاء بإحدى اللغات الأجنبية". مما يدل على عميق إدراك القاسمي للعملية الديمقراطية وآلياتها مبكراً. 3- كان القاسمي على منهج الأنبياء في إصلاح دين الناس ودنياهم، فلم يكتفِ بتعليم الدين ووعظ المسلمين، بل كان يحرص على إصلاح حال المسلمين بإرشادهم لاستخدام الوسائل العصرية في شؤون دينهم ودنياهم، فها هو القاسمي يؤلف كتاب "إرشاد الخلق للعمل بخبر البرق" وكتاب "فتاوى الأشراف بالعمل بالتلغراف"، لتسخير الوسائل الحديثة للاتصالات في خدمة الإسلام والمسلمين. وبالمقابل نجد القاسمي يحث الناس على استخدام السماد الكيماوي بأنواعه والآلات الزراعية وضرورة مكافحة الآفات والحشرات المضرة بالزراعة، مما يساعد على نمو الزراعة والعمران في الشام، ومن أجل هذا حث والده على تأليف كتاب قاموس الصناعات الشامية والذي يعد لليوم فريداً في بابه. ولما زار المدينة المنورة كتب في وصف رحلته يقول: "والمدينة في حاجة كبرى إلى مصلح، وأمير غيور، يسعى في تنوير طرقها، واتساع عمرانها، وتمهيد سبل رقيها المادي والأدبي". 4- كان القاسمي مؤيداً لسنّ دستور للدولة العثمانية يتم من خلاله تحديد المسؤوليات والحقوق للناس والحكومة والسلطان، ولذلك حين أعلن الدستور سنة 1326هـ /1908م أيده القاسمي ونقد الذين عارضوا الدستور العثماني من بعض العلماء المأجورين أتباع أبي الهدي الصيادي والذين روجو أن الدستور يحتوي على مخالفات شرعية فتصدى لهم القاسمي وبين أن الدستور والقانون يشبهان الفروع المدونة في كتب الفقه التي مأخوذها الاجتهاد من المصادر الأربعة: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وأنه قام به علماء بالشرع لهم. وقد حضر القاسمي حفلاً بمناسبة إعلان الدستور لحزب الأحرار ألقي فيه صلاح القاسمي كلمة بعنوان "منزلة القانون من الدين" ووجد ظافر القاسمي مسودة الخطاب بخط أبيه جمال القاسمي!! وقد فرح القاسمي بزوال حالة الخوف والكبت وشيوع الحرية للبحث والعلم والدعوة التي تدعم انتشار الإصلاح، وهو حال يشابه حالنا اليوم بازدياد مساحة حرية التعبير والدعوة ونسأل الله تعالى أن يجنبنا حالة الكبت من جديد بسبب المكائد والمؤامرات التي يحيكها بعض الفاسدين في الداخل بحثّ من الأعداء في الخارج والغفلة عن ذلك من قبل المسلمين، كما حدث للشام بعد حكم الاتحاديين حتى ترحم الناس على السلطان عبد الحميد وعرفوا فضله!! 5- حث القاسمي المصلحين على تولي المناصب والمسؤوليات العامة من أجل دعم حركة الإصلاح وعدم ترك المجال للمفسدين، فنراه يكاتب أحد أصدقائه مصبراً إياه على البقاء في منصبه فيقول: "ولا أحب أن تظهروا الاستقالة، أو التأفف.... وهكذا مشربي ونصيحتي لإخواني الذين يستشيروني في الاستقالة من المناصب في الحكومة، مع علمي أن بقاءهم رحمة، وأنه لا يأتي خلف لهم يحاكيهم، ولربما كانت استقالة المصلح أو الخيّر أو التقي بلاء، وثلمة لا تسد. فوجود الكامل في وظيفة أو منصب يعلم الناس كيف يكون الكمال، كيف يكون الورع، كيف تكون الرحمة بالناس، كيف تكون المعاملة بالحسنى، وهكذا... فالحمد لله الذي أرانا أناساً يقتدى بفعالهم مثلكم"، وهذا الخطاب كأنه موجه اليوم لإخواننا من الإسلاميين الذي وصلوا لسدة الحكم في عدد من البلاد، فعليهم أن يتقوا الله ربهم ويحسنوا إلى عباده فينالوا أجر الإتقان وأداء الأمانة، وأجر الدعوة للخير وتقديم الأسوة الحسنة. وحدث أن دخل القاسمي على شيخه بكري العطار فرآه مضطرباً، بسبب موظف بالمحكمة الشرعية يعطل معاملة له عنده من شهر من أجل الحصول على رشوة، فإذا كنت أنا شيخ علماء دمشق لا أستطيع تمرير معاملة إلا برشوة، فكيف يصنع عامة الناس. فعاتبه القاسمي وقال له: "قد عاملك بما تستحق، لأن ديدنك في دروسك العامة والخاصة أنك تنفر الناس من قبول وظائف المحاكم الشرعية وتقول: إن المحاكم "مصاطب" جهنم، فإذا لم يتقدم لطلب أمثال هذه المناصب الأتقياء تقدم الجاهل الفاسد أمثال هذا الرجل الذي تشكو منه. فقال له شيخه: أصبت، فإننا نحن مقصرون في عدم قبول هذه الوظائف للقيام بحق العباد. 6- تبنى الشيخ القاسمي جواز دفع الزكاة للمصالح العامة للمسلمين وأن ذلك يدخل في مصرف (في سبيل الله)، وقد رد على الشيخ رشيد رضا منعه من ذلك وكتب إليه يقول: " فإذن "سبيل الله" كل أمر فيه تقرب إلى الله، فإذا دفع الإنسان من ماله إعانة لمدرس، أو طريق، أو مشروع خيري، أو طبع كتاباً، أو اشترى شيئاً منها لمحتاج، أو نحوه فكله في سبيل الله يجوز حسبانه من الزكاة المفروضة.... وهذه الفتوى تسهل على كثير من الأغنياء الدفع من أموالهم لبعض المهمات التي يحتاج إليها، ويحسبونه أنه لا يحسب من زكاتهم، فيتوقفون أو يدفعون على كره". 7- في مطلع القرن العشرين أعلنت اليابان أنها ستعيد النظر في وضعها الديني وتبحث عن دين يلبي حاجة اليابانيين الذين اهتزت قناعاتهم بالبوذية والوثنية بسبب تطور الحالة العلمية والعقلية للشعب الياباني المتجه باطراد نحو الصناعة والتقدم والرقي. وقد شغل ذلك فكر القاسمي وعدد من العلماء، فكتب القاسمي في يومياته يقول: "زرت في الضحوة الشيخ عبدالله الخاني، وكانت المذاكرة أهمها في إسلام اليابان وأن الأولى انتخاب رجال أكفاء حكماء من كل بلدة مهمة من بلاد الدولة، يتعاضدون ويتذاكرون، ويكتبون جداول في مزايا الإسلام، ورفع الشبه الحديثة والقديمة التي يختلقها أعداؤه، وأن يستفيدوا بمبادلة آرائهم ما يعود عليهم بالفائدة، وإلا فوجود جماعة قليلين رسمياً قد لا يجدي. والله العليم"، مما ينبئ عن شعور عالٍ بالمسؤولية عن نشر الإسلام في ربوع الدنيا. وكتب القاسمي في رسالة لأحد رفاقه يقول: "لما جمعت الهمة للرد على الدهريين في كتابهم المرسل من اليابان، أعياني أن أجد ضالتي في الكتب المتداولة، إذ رأيتها كأنها جمعت لزمن غير هذا الزمان، أو لبلاد غير هذه البلاد، فطفقت أنقب وأبحث عما يرد الشبه تلك الضالة"، فخرج لنا بكتابه الرائع (دلائل التوحيد). 8- ومما تميز به القاسمي مخالطة الناس ومعرفة حاجاتهم والتيسير عليهم بترك الجمود والتعصب الفقهي دون دليل بالفتوى الميسرة المقرونة بالدليل الشرعي، ففي كتابه (المسح على الجوربين) يشير القاسمي لأثر التشدد بدون حق في منع المسح على الخفين على الصغار من تلاميذ المدارس فيقول: "رثى بعض أساتذة المدارس ما يعانيه الأطفال والبنات في الوضوء أيام الشتاء من مشقة غسل الرجلين، وما ينالها من الألم والبرودة... قيل لو أنهم يعلمون رخصة لتيسر لهم الأمر، وترفع عنهم الإصر، لما وجدوا عذراً في ترك الصلاة التي هي من أعظم دعائم الإيمان وأشهر شعائر الإسلام". وقد لا يفهم البعض أهمية هذا التيسير لأنه لم يعش زمن التعصب المقيت الذي كان يبطل صلاة من مسح على الخفين والجوارب مما جعل الكثير يتفلت من الصلاة هرباً من مشقة الوضوء في البرد!! 9- بمخالطة الناس أدرك القاسمي عجز القضاء الشرعي الجامد على التقليد الرافض للاجتهاد عن حل مشاكل الناس بسبب تمسكه بأقوال الرجال بدلاً من نصوص الوحي، فدعا إلى إصلاح القضاء وألف في ذلك كتابه (أوامر في إصلاح القضاء الشرعي في تنفيذ بعض العقود على مذهب الشافعية وغيرهم"، ولذلك دعا إلى اجتهاد القاضي والاعتماد على الدليل الصحيح وعدم الالتزام بالمذهب فقط، ودعا إلى اعتماد كافة المذاهب في القضاء وعدم قصرها على المذهب الحنفي وهو ما استجابت له حكومة الباب العالي بالدولة العثمانية. ونكتفي بهذه الملامح من الدور الإصلاحي الاجتهادي الذي قام به جمال الدين القاسمي رحمه الله. وقفة مع المآخذات على القاسمي: أخذ على القاسمي في زمنه واليوم أناس من قصيري النظر بعض الاجتهادات والأقوال التي تخالف منهج السلف كدفاعه عن الجهم بن صفوان في كتابه (تاريخ الجهمية)، وكذلك ثنائه على ابن عربي، وميله للتقريب مع الشيعة والتهوين من شأنهم، ومسائل أخرى. وبداية أقول لا شك أن القاسمي أخطأ في هذه المسائل، ولكن هل هذا يجعله دخيلا على السلفية، والسلفية منه براء!! لماذا نفترض العصمة والكمال للبشر؟ القاسمي كغيره من العلماء يصيب ويخطئ، ومن المقرر أن الخطأ في المسائل العلمية والعملية مما يغفر للعلماء والمجتهدين، فلماذا التشنيع والنكال؟! وحال القاسمي تقدم له الكثير من العذر والمسامحة على هذه الزلات، فهو قد نشأ على خلاف منهج السلف ثم تعرف عليه في وقت غربة وشدة، وثانيا مات شاباً لم يمتد به الحياة ليدرك خطأه في تلك المسائل، وكان في وقت لا زالت فيه كثير من المخطوطات التي تبين الصواب والحق غير متوفرة، وأخيراً فإن هذه المسائل لم تكن عمدة منهجه ولا هي مما قام طلابه بنشرها بل طويت ولم تجد من يحملها وينشرها. وأظن أن نفسية القاسمي التي عانت من الاضطهاد السياسي في الحقبة الحميدية جعلته يتعاطف مع جهم والجعد بوصفه مثقفا مضطهدا كحال القاسمي ضد الوالي خالد القسري الظالم!! وأما تساهله مع الشيعة فكان بسبب طمعه في محاولة جمع كلمة الأمة الإسلامية المشتتة ضد خصومها الذين يقضمون أطرافها كل يوم، ولنتذكر أنه كان يناقش في كتابة "نقد النصائح الكافية" بعض شيعة حضرموت المقيمين في أندونيسيا، وكان هذا مسلك رشيد رضا، ولكن ظهر فيما بعد لرشيد رضا أنه لا أمل من الشيعة وتقريبهم فنبذهم، فيما لم يمتد العمر بالقاسمي! وفاته: توفي رحمه الله تعالي في 23 جمادى الأولى 1332هـ الموافق 18/4/1914م، وكان عمره 49 عاماً، وذلك بعد مرض استمر معه عدة أشهر، ودفن في مقبرة الباب الصغير، وكانت جنازته حافلة جداً، ونعاه أهل العلم في دمشق وبيروت ومصر والعراق. وأكتفي بتعزية العلامة السيد محمود شكري الألوسي للسيد رشيد رضا بوفاة القاسمي، والذي كتب إليه يقول: (أما بعد؛ فقد نعت إلينا صحف البلاد الشامية وفاة العلامة السيد جمال الدين القاسمي قدّس الله روحه الزكية، فأمضّ ذلك الخبر قلبي وأفض لبّي، وجرح فؤادي وطرد رقادي.... وحيث كان المشار إليه من أعزة أحبابكم، وخُلّص أصفيائكم، مع ما كان عليه من الفضل الوافر، والأدب الباهر، والورع الظاهر، والنسب الطاهر، والذب عن الشرع المبين، وقوة الإيمان واليقين، ومناضلة الحائدين والملحدين، وأنه حسبما اعترف له الموافق والمخالف: أحيا به الله الشريعة والهدى وأقام فيه شعائر الإسلام... هذا مع أسفي عليه كل الأسف، وتصاعد أنفاسي بمزيد اللهف، وقد جرت عليه من العيون عيون، فإنّا لله وإنا إليه راجعون). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| كيفية استرداد رموز الألعاب على جهاز نينتندو سويتش 2 فى خطوات بسيطة؟ | ابو الوليد المسلم | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 0 | 04-29-2026 05:21 PM |
| من البطارية إلى الشاشة.. تفاصيل أسعار الإصلاح الذاتي لهواتف iPhone 17 | ابو الوليد المسلم | ملتقى الجوال الإسلامي | 0 | 04-08-2026 02:31 PM |
| الإصلاح بالأعمال قبل اللسان والأقوال | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 1 | 01-21-2026 05:50 PM |
| البروتستانتية ومفهوم الإصلاح الديني | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 2 | 01-13-2026 09:36 PM |
| كيف تكتب رموز غير موجودة على لوحة المفاتيح وبدون برامج | جندالاسلام | قسم الدعم الفني و المساعدة | 3 | 12-28-2011 07:29 PM |
|
|