الحمد لله الذي خلَق الإنسان وعلَّمه البيان، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، سبحانه ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدنيا مِضمارًا للابتلاء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله هاديًا ومُبشرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فاتَّقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم تعيشون في عصرٍ فُتحت فيه أبواب التقنية على مصراعيها، وغدَت وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية.
إن هذه المخترعات هي من النعم العظيمة إذا سُخِّرت في الطاعات، وهي من أشدها خطرًا إذا استُعملت في المحرمات.
إن الواجب على كل مسلم يستعمل هذه الأدوات أن يستشعر مراقبة الله في كل كلمة يَكتُبها، أو مقطع ينشره، فالمولى سبحانه يقول: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سورة البقرة: 233].
فكل ما يَبثه المرء عبر هذه الفضاءات الرقمية، هو عمل سيجده في صحيفته يوم القيامة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [سورة القصص: 77].
نعم يا عباد الله، إن الكلمة في هذا الزمن لم تَعُد محبوسة في مجالس ضيقة، بل أصبحت تطير في الآفاق، وتصل إلى الملايين بضغطة زرٍّ، وهنا تَكمُن الخطورة، فإن ما يَكتُبه الإنسان أو يعيد نشره داخل فيما يحاسب عليه؛ قال عز وجل: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [سورة ق: 18].
وقد حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الاستهانة بالكلمة الواحدة، فقال: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمةِ ما يَتَبَيَّنُ ما فيها، يَهْوِي بها في النارِ أبْعَدَ ما بينَ المشرقِ والمغربِ»؛ (أخرجه البخاري ومسلم).
ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، انفتح بابٌ جديد من الابتلاء؛ حيث استخدمها البعض في "التزييف العميق"، وتزوير المقاطع وتقليد الأصوات، وانتحال الشخصيات، ونسبة الأقوال زورًا والتدليس على الناس، وهذا يا عباد الله من أبشع صور الكذب والغش المحرم، وفيه اعتداء صريح على الخصوصيات، وافتراء على الأبرياء، والله تعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [سورة الأحزاب: 58].
فاتَّقوا الله في أعراض الناس، واعلموا أن تتبُّع العورات والخصوصيات عبر هذه التقنيات هو مسلكُ مَن لم يُوقِّر الله في قلبه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معشرَ من أسلمَ بلسانه ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبهِ، لا تُؤذوا المسلمينَ ولا تعيِّروهم، ولا تَتَّبِعوا عوراتهم، فإنه مَن تتبَّعَ عورةَ أخيهِ المسلمِ تتبَّعَ اللهُ عورتَه، ومن تتبعَ اللهُ عورته يَفضَحه ولو في جَوفِ رَحْلهِ»؛ (أخرجه الترمذي وأبو داود).
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم…
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى؛ أما بعد:
فيا أيها المسلمون، إن من أعظم ضوابط التعامل مع هذه الوسائل الحديثة، هو (التثبت)، وعدم الانسياق خلف المقاطع الباهرة، أو الأخبار المثيرة دون بيِّنة، فإن الكذب في هذا الزمان أصبح يُصنع باحترافية عالية عبر الذكاء الاصطناعي لإثارة البلبلة، وتأجيج الرأي العام.
إن إعادة نشر مقطع مفبرك أو صورة مزيفة، يجعل الإنسان شريكًا في الكذب والإفساد، والله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [سورة الحجرات: 6].
فكم من أسرة تشتَّتت، وكم من سمعةٍ تلطَّخت بسبب خبرٍ كاذب استعجل الناس في نشره!
تذكَّروا قول الله سبحانه وتعالى في حادثة الإفك، وهو درسٌ خالد لكل مستخدم للتقنية: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسُنْتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [سورة النور: 15].
واعلموا أن السلامة في الإمساك عن النشر حتى يتبيَّن الحق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ»؛ (أخرجه مسلم).
إن سوءَ استخدام هذه الوسائل يَؤول إلى مفاسدَ لا حصر لها؛ من انتهاك للخصوصيات، واحتيال مالي، وترهيب للآمنين، وزعزعة للأمن المجتمعي، وكل ذلك من الإفساد في الأرض الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [سورة البقرة: 205].
فاتَّقوا الله يا عباد الله، واجعلوا من تقنياتكم وسيلةً لبناء المجتمع لا لهدمه، ولجمع الكلمة لا لتفريقها، واستخدموها في نشر العلم النافع والوعي الصادق، لتكون حجةً لكم لا عليكم يوم العرض على الله.