استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 03-01-2026, 12:52 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي القلب في القرآن الكريم

      

القلب في القرآن الكريم (1-3) أهمية القلب وأنواع القلوب




كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ورد لفظ (القلب) في القرآن الكريم بصيغة المفرد (القلب)، وبصيغة الجمع (القلوب) في أكثر من مئة وثلاثين مرَّةً (132 مرة)، وذلك في ثلاث وأربعين سورةً؛ حيث ورد بصيغة الإفراد في (19) مرَّةً، منها: قول الله -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37)، بينما ورد بصيغة الجمع في بقية المواضع، كما في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) (الأنفال: 70)، إلَّا في موضع واحد في القرآن ورد فيه بصيغة المثنى، وذلك في قوله -تعالى-: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب: 4).
- وقيل سُمِّي قلب الإنسان به لكثرة تقلُّبه. وتقليب القلوب والبصائر: صَرْفُها من رأي إلى رأي؛ قال -تعالى-: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: 110). (راجع: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني -رحمه الله- مكتبة فياض – المنصورة – ط. 1430 هجريًّا - 2009 م، ص 521).
- وجاء لفظ القلب موصوفًا بصفة المدح في عدَّة مواضع؛ منها: قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60)، وقوله -تعالى-: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (ق: 33).
- بينما جاء موصوفًا بصفة الذم في مواضع أخرى، منها: قوله -تعالى-: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (النحل: 22)، وقوله -تعالى-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35).
ويُطلَق القلب في اللغة ويُراد به أمران:
- أمر مادي: وهو العضو الرئيس في الجهاز الدوري في الجانب الأيسر من الصدر، المسؤول عن ضخ الدم المحمَّل بالأكسجين إلى كل الجسم.
- أمر معنوي: يتعلق بالإدراك والمعرفة والتعقُّل والبصيرة.
- فالعقل في اللغة والشرع أمر معنوي بخلاف ما يظنُّه الفلاسفة وغيرهم من أن العقل أمر مادي محسوس. ومحل العقل لغةً القلب، كما أن النية محلُّها القلب؛ قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)، وقال -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) (ق: 37)؛ أي: له عقل، عُبِّرَ عنه بالقلب؛ لأن القلب محل العقل.
- ولعلَّ لهذا المعنى كان إضافة القلوب إلى الملائكة، قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ: 23)، فالآية تقرِّر حال الملائكة من الخوف والرهبة والمهابة والتعظيم لله -تعالى- ما تذهب معه عقولهم، فعند البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا) لِلَّذِي قَالَ: (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (رواه البخاري). ولعلَّ لهذا أيضًا جاء إضافة القلوب إلى كفرة الجن، ككفرة الإنس الذين تجهل عقولهم حقائق الأمور وتجهلها؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف: 179). والله -تعالى- أعلم.
أهمية القلب ومكانته:
القلب أشرف أعضاء البدن ومُهِمُّها، به قوام الحياة، وجميع أعضاء البدن وجوارحه هي من جنود القلب؛ لذا فأمر القلب خطير وأثره عظيم. دلَّت على ذلك أدلة الكتاب والسنة من أوجه عديدة؛ منها:
1- القلب أصل الاستقامة:
فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: (لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ) (رواه أحمد عن أنس بن مالك، وحسنه الألباني)، فالقلب كالملك وأعضاء البدن تَبَع له؛ هو يأمر وينهى، وهي تستجيب وتطيع، فباستقامته تستقيم. وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (متفق عليه).
فمتى رَسَخَ الإيمان في القلب صَلُحت حركاته وأفعاله وتمكَّنَت منه المحبة لله -تعالى- والخشية والتعظيم والتوكل والإنابة، وكان ذلك إيذانًا بانقياد الجوارح إلى أعمال الطاعة الظاهرة. فإذا فَسَد القلب وتمكَّنَت منه الأهواء وتعلَّقَ بغير الله -تعالى- كان فساد حركات الجوارح ومخالفتها لأوامره -تعالى- ونواهيه.
وفي الإشارة إلى أن القلب هو المخاطب والمقصود بالأوامر والنواهي، وهو موضع الاختيار والتمييز، والأعضاء تابعة له، إذ طاعة الجوارح يسبقها امتثال القلب، يقول -تعالى-: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) (آل عمران: 154).
2- الإيمان هو تصديق القلب:
فإيمان العبد وتصديقه وإخلاصه هو من عمل القلب، وهذا الإيمان القلبي والإخلاص شرط لقبول أعمال العبد، وإلَّا فلا قبول لها؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الإسراء: 19)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (الأنبياء: 94).
والقلب منبع الإيمان، فهو محلُّه ومكانه، قال -تعالى-: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) (المجادلة: 22)، وقال -تعالى-: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) (المائدة: 41)، وقال -تعالى-: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14).
ولهذا إذا نطق اللسان بغير ما في القلب كان العبد منافقًا غير صادق، كما قال -تعالى-: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) (آل عمران: 167)، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) (المائدة: 41).
3- إن القلب محل التقوى:
أصل التقوى يكمن في القلب؛ لذا فالتقوى تُضاف إلى القلوب، قال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (الحجرات: 3).
4- القلب محل الهداية:
قال -تعالى-: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التغابن: 11)، فهداية العبد هداية قلبه.
5- القلب محل الطهر:
قال -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) (المائدة: 41)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب: 53).
6- الكفر والنفاق والزيغ والإثم محلُّهم القلب:
قال -تعالى-: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليهم غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) (التوبة: 64)، وقال -تعالى-: (فأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة: 77)، وقال -تعالى-: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ) (الصف: 5)، وقال -تعالى-: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: 283).
7- القلب محل الثبات:
قال -تعالى-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود: 120). والفؤاد: القلب.
8- القلب محل العقل والفقه:
قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) (الأعراف: 179).
9- القلب محل انشراح النفس:
قال -تعالى-: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح: 1)، وقال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ) (الأنعام: 125). والمراد بالصدر القلب.
10- القلب محل الطمأنينة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرعد: 28).
11- القلب محل الضيق:
قال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر: 97). الصدر: القلب.
12- القلب محل الخوف والرعب والرهبة:
قال -تعالى-: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) (آل عمران: 151)، وقال -تعالى-: (لأَنْتُمْ أَشدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) (الحشر: 13). والقلوب تكاد تقفز من الضلوع حال الرعب والفزع وشدة الخوف، قال -تعالى-: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب: 10)، وقال -تعالى-: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر: 18).
13- القلب محل الحقد والغل:
قال -تعالى-: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) (الحشر: 10). وقال -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ) (الأعراف: 43).
14- القلب محل الحسرة والتندُّم:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران: 156).
15- القلب محل وسوسة الشيطان:
قال -تعالى-: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (الناس: 5).
16- القلب محل المَيْل والهوى:
قال -تعالى-: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم: 4)، ومعنى صغت: مالت عن الحق. وقال -تعالى-: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) (الأنعام: 113). تصغى: تميل. وقال -تعالى-: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لعلهم يشكرون) (إبراهيم: 37). وقال -تعالى- عن اليهود: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (البقرة: 93). والمراد حبُّهم لعبادةِ العجل وتمكُّنُه من قلوبهم.
أنواع القلوب وأحوالها:
أولًا: القلوب الصحيحة:
هي القلوب التي فيها الاستقامة والامتثال والخضوع لله -تعالى-، وهي القلوب التي تنال النجاة يوم القيامة، ومن صفاتها وعلاماتها إنها:
1- قلوب سليمة:
قال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 88-89)، وقال -تعالى-: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84).
2- قلوب خاشعة:
قال -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد: 16).
3- قلوب وجلة تنتفع بآيات الله متوكلة عليه:
قال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2).
4- قلوب مخبتة:
قال -تعالى-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 54). ومعنى (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي: تلين وتخشع.
5- قلوب منيبة إلى الله -تعالى-:
قال -تعالى-: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (ق: 33).
6- قلوب مطمئنة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرعد: 28)، وقال -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: 260)، وقال -تعالى-: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 113).
7- قلوب ربط الله عليها وثبَّتَها:
قال -تعالى-: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (الكهف: 14)، وقال -تعالى-: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 10)، وقال -تعالى-: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) (الأنفال: 11).
8- قلوب لينة:
فهي قلوب تلين بذكر الله -تعالى- وسماع آياته، قال -تعالى-: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: 23).
ثانيًا: القلوب الميتة:
هي القلوب التي لا حياة فيها، فهي قلوب قاسية، لا تعرف ربها وخالقها، تنسى ذكر الله -تعالى- وتهجرُه، بعيدة كل البعد عن الامتثال لأوامر الله، إن أعطت أعطت لهواها، وإن منعت منعت لهواها، وإن أحبَّت أحبَّت لهواها، وإن أبغضت أبغضت لهواها، تداوم على انتهاك المحارم، لا تبالي بغضب الله -تعالى- وسخطه عليها، فهي محرومة من النجاة يوم القيامة. ومن علاماتها إنها:
1- قلوب قاسية:
قال -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) (المائدة: 13)، وقال -تعالى-: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)، وقال -تعالى-: (فوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر: 22).
2- قلوب متكبرة:
قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كِبْرٌ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35).
3- قلوب مرتابة:
قال -تعالى-: (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 110)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (التوبة: 45).
4- قلوب منكرة:
قال -تعالى-: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (النحل: 22).
5- قلوب زائغة:
قال -تعالى-: (فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فيتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ . رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 7-8).
6- قلوب عمياء لا بصيرة لها:
قال -تعالى-: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).
7- قلوب لاهية غافلة:
قال -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء:1-3)، وقال -تعالى-: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28).
8- قلوبهم مكنونة محرومة من الفقه:
والكِنَان: الغطاء الذي يُكَنُّ فيه الشيء، والجمع: أكِنَّة، نحو: غطاء وأغطية، قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ وَحْدَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) (الإسراء: 46)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف: 57)، وقال -تعالى-: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) (الأنعام: 25)، وقوله -تعالى-: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) (فصلت: 5) قيل في غطاء عن تفهُّم ما توردُه علينا.
9- قلوب مطبوع عليها:
قال -تعالى-: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد: 16)، وقال -تعالى-: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (التوبة: 87)، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كِبْرٌ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35)، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون: 3).
10- قلوب مختوم عليها مقفلة:
قال -تعالى-: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: 7). وقال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23)، وقال -تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24).
11- قلوب تشمئز من الحق ومن ذكر الله -تعالى-:
قال -تعالى-: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر: 45).
ثالثًا: القلوب المريضة:
قلوب فيها حياة ولكن بها علة أو علل، فيها إيمان بالله -تعالى- يحفظ لها حياتها، وفيها من محبة الشهوات أو التأثر بالشبهات ما ينتقص من إيمانها. هي بين داعيينِ: داع إلى الله -تعالى- والدار الآخرة، وداع إلى الدنيا العاجلة، فهي إمَّا إلى السلامة أقرب وإمَّا إلى العطب أدنى، لا هي سليمة صحيحة كاملة السلامة، ولا هي ميتة معرضة عن الحق كل الإعراض، تستجيب للداعي إلى الله -تعالى- واليوم الآخرة تارة، وتميل إلى الشهوات تارة، وتتأثر بالشبهات، وتتقلب بين العمل للآخرة والتعلق بحطام الدنيا، فتقترب من الصلاح تارة، وتدنو من الفساد تارة، في انتظار الخواتيم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من القلوب في العديد من الآيات، فمن ذلك:
- قوله -تعالى-: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: 10)، وقول الله -تعالى-: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) (التوبة: 125).
- وقوله -تعالى-: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 49).
- وقوله -تعالى-: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).
- وقوله -تعالى-: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب: 60).
- وقوله -تعالى-: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) (الأحزاب: 12).
- وقال -تعالى-: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) (محمد: 20).
وقد جَمَع القرآن الكريم هذه الأنواع الثلاثة من القلوب في موضع واحد في سورة الحج، وذلك في قوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 52-54).
فبيَّن القرآن الكريم حال هذه القلوب الثلاثة: قلبان مفتونان، وقلب ناجٍ؛ فالمفتونان: القلب القاسي والقلب الذي فيه مرض، والقلب الناجي: القانت المؤمن المخبت إلى ربه.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* ثلاث رسائل في عيد الفطر المبارك 1447هـ
* واحة التوحيد
* الحديث الوحيد الذي تفرد الإمام البخاري بروايته في صحيحه دون غيره من العلماء المصنفين
* ثلاثة أحاديث نبوية عليها مدار الإسلام وقواعد الدين
* إذا كان العيد يوم الجمعة فهل صلاة العيد تجزيء عن صلاة الجمعة؟ رد الشيخ مصطفى العدوي
* تحريم نسبة السنة أو النوم إلى الله تبارك وتعالى
* النَّاصِرُ- النَّصِيرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-17-2026, 06:29 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

القلب في القرآن الكريم (2-3) صحة القلب وسلامته



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالقلب الصحيح السليم: هو قلب طاهر زكي، مملوء بالإيمان والتوحيد، سالم من الشرك المناقض للتوحيد، مملوء بالعلم النافع، وسالم من الجهل بربه وشرعه، متواضع وخاضع لربه، سالم من الكبر، دائم الذكر لربه، سالم من الغفلة عنه، مقبل على الطاعات والعمل للآخرة غير متعلق بحطام الدنيا، فيأخذ من الدنيا ما يكفيه ويتجنب منها ما يطغيه، وهو متجمل بمكارم الأخلاق، سالم من الأخلاق الرديئة السيئة، متجنب للشهوات المخالفة للشرع، سالم من الشبهات المناقضة للصراط المستقيم، مداوم على التوبة النصوح والاستغفار لمحو المواد الفاسدة التي قد تعرض له من حين لآخر. وهمه تصحيح العمل وإخلاص النية لله فيه، مع متابعة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فسعادة العبد في أن يجمع الله -تعالى- له بين حياة قلبه وسلامته، وبين نور الله (الهدى) الذي يمشي به في حياته؛ قال -تعالى-: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: 122)، وقال -تعالى-: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (فاطر: 22)، وقال -تعالى-: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (الزمر: 22).
وغذاء القلب الروحي المعنوي الذي يحفظ له حياته وسلامته يتمثل في المداومة على ذكر الله -تعالى-، وفي تدبر آيات القرآن الكريم، قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28). وقال -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: 82).
- وتقوم القلوب السليمة على ثلاثة أركان ودعائم بينها ترابط وتلازم لا ينفك، وهي: محبة الله -تعالى-، والخوف منه، والرجاء فيه:
محبة القلب لله -تعالى-:
- وهي أوثق الأركان والدعائم الثلاثة وأقواها؛ لذلك تستمر وتبقى مع المؤمنين في الجنة، بينما يذهب الخوف عن أهل الجنة، وقد نالوا رضا الله الدائم عليهم، -رضي الله عنهم- ورضوا عنه، ولا يكون لهم مع نعيم الجنة مطمع أو مطلب في نعيم آخر؛ قال -تعالى-: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الزخرف: 68)، وقال -تعالى-: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: 62).
- وقد فرض الله -تعالى- محبته على عباده وجعلها مقدمة على جميع المحبوبات الأخرى مهما كانت، وتوعد من يقدم محبة أخرى على محبته -تعالى-، قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (التوبة: 24)، وأخبر -تعالى- عن عباده المؤمنين أنه يحبهم وأنهم يحبونه، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54)، وأخبر بشدة محبة المؤمنين له -تعالى- قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة: 165).
خوف القلب من الله -تعالى-:
وهو منزلة عالية من الخضوع لله -تعالى-، وقد أوجب الله -تعالى- على عباده الخوف منه؛ قال -تعالى-: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة: 40)، وقال -تعالى-: (فَلَا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)، وقال -تعالى-: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (البروج: 12)، وقال -تعالى-: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران: 28)، وقال -تعالى-: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) (الرحمن: 46)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك: 12)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: 57-61).
وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكارَى وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج: 1-2)، وقال -تعالى-: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء: 109)، وقال الله -تعالى-: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: 8). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
رجاء القلب في الله -تعالى-:
وهو تعلق القلب رغبةً وطمعًا بالله -تعالى-، وهو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده بعد الأخذ بأسبابه، وهذا من صفات أهل الإيمان؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ) (البقرة: 218)، وقال -تعالى-: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) (الأعراف: 56)، وقال -تعالى-: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (الزمر: 9)، وقال -تعالى-: (تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة: 16).
- فلا تتم عبادة الله -تعالى- وتكمل إلا بالجمع بين الخوف والرجاء معًا، فبالخوف ينكف العبد عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات والدعاء. فالخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر لا يحلق إلا بهما؛ قال -تعالى-: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (الحجر: 49-50). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) (متفق عليه).
غذاء القلب وأسباب استمرار حياته:
هناك عوامل كثيرة تغذي القلب وتؤثر بقوة على صلاحه وانقياده؛ منها:
1- المداومة على طلب العلم الداعم للإيمان بالله واليوم الآخر:
قال الله -تعالى-: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114). والعلم الذي ينتفع به القلب، ومنه يكون غذاؤه وبه يكون صلاحه وسلامته هو: العلم بالوحي المنزل من عند الله -تعالى-، والعلم بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع التأمل في آيات الله -تعالى- الكونية المشهودة الدالة على وجود الله -تعالى- وعظمته وقدرته وسلطانه واستحقاقه للعبادة وحده دون من سواه؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (النساء: 174).
وقال -تعالى-: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) (التغابن: 8). والمراد بالنور هنا: القرآن الكريم، وهو نور؛ لأنه يهتدى به في ظلمة الجهالة والضلالة، ويعرف به الحلال والحرام، قال -تعالى-: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْهَا . كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 122)، وقال -تعالى-: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: 157)، وقال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابَ وَلَا الْإِيمَانَ وَلُكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) (الشورى: 52).
- وخشية العبد من الله -تعالى- هي على قدر علمه بالله، قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فإذا تحقق للعبد الاهتداء إلى ربه جل شأنه والعلم به -سبحانه-، كان سببًا في استقرار الخشية في القلب، إذ الخشية تابعة للعلم.
- ومن الآيات التي تشير إلى أثر العلم في حياة القلب: قوله -تعالى-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) (الحج: 54)، فقد بينت الآية الكريمة أن المتصفين بالعلم يوقنون بأن القرآن المنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الحق الظاهر بلا شك أو ريب، فيعظم إيمانهم به.
وثمرة ذلك: إخبات قلوبهم لما يتضمنه الوحي الإلهي من البيان والهدى، اطمئنانًا به، وخشوعًا وخضوعًا وطاعةً وانقيادًا له. (ينظر: طاعة القلوب لعلام الغيوب، إعداد محمد محمود حماد، ص 102).
- وقد ضرب الله -جل وعلا- مثلًا لأثر الوحي المتضمن للعلم والهدى في حياة القلب وضيائه وصلاحه، وذلك في قوله -سبحانه-: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ) (الرعد: 17)، ففي معنى الآية يرى عدد من المفسرين أنها مشتملة على تشبيه للعلم الذي تحيا به القلوب وتستضيء بالماء النازل من السماء تحيا به الأرض والأبدان، وتشبيه القلوب التي هي أوعية للعلم ومحل له بالأودية التي هي محل الماء. (ينظر المصدر السابق، ص 103).
- وفي قوله -تعالى-: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال: 24). والمراد بالحياة في هذه الآية الكريمة حياة القلوب وسعادتها واستنارتها وضياؤها، ونجاتها من الشقاء، وسلامتها من ظلمة الجهل وعمى البصيرة. وسبيل هذه الحياة هو الاستجابة لله ورسوله وطاعتهما، وذلك بالتزام القرآن والسنة، امتثالًا للأمر؛ قال الله -تعالى-: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران: 132).
- وإيمان العبد يزداد بزيادة العلم بنص من كتاب الله جل شأنه أو بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإن صدق به وتيقنه وانقاد له وعمل بمقتضاه عن محبة وخوف ورجاء قوي بذلك إيمانه، وارتفعت عند الله -تعالى- مرتبته، وازداد تصديقًا إلى تصديق ويقينًا إلى يقين، فالعلم التفصيلي أقوى -بلا شك- من العلم المجمل.
- والإيمان يشمل قول القلب واللسان، كما يشمل عمل القلب والجوارح، وقول القلب يستلزم قول اللسان، كما أن عمل القلب يستلزم عمل الأركان. والإيمان القلبي يتضمن إضافةً إلى التصديق الجازم موافقة القلب لمراد الله -تعالى-، وموالاته له، وانقياده له وطاعته عن محبة وإنابة وخشية ورغبة ورجاء.
2- المداومة على ذكر الله -تعالى- والاستغفار وتجديد التوبة:
فمما لا شك فيه أن لذكر الله -تعالى- تأثيره على القلوب، فبالتزود به حياة القلوب وقوتها؛ قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28). وذكر الله هو الباب الأعظم المفتوح بين العبد وربه ما لم يغلقه العبد بغفلته عنه؛ قال الحسن البصري -رحمه الله-: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق".
وذكره -تعالى- داعيًا للقلب للمحاسبة والتبصر: قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف: 201)، وهذا الذكر يؤدي إلى المبادرة إلى الاستغفار مما يقع من الذنوب والتقصير، وإلى المسارعة إلى التوبة حال المعصية فتزول آثار الغفلة أو الهوى، ويبقى للقلب حياته وصحته، فالذكر جلاء القلوب وصفاؤها ودواؤها إذا أصابها اعتلال، وكلما ازداد الذاكر في ذكره لله استغراقًا زادت محبته إلى لقائه -تعالى-.
- والذكر يكون بالقلب وباللسان، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإلا فلا خير في الذكر من العبد وقلبه لاهٍ ساهٍ.
3- المداومة على تلاوة كتاب الله -تعالى- وتدبره:
فالقرآن روح، به حياة القلوب وقوتها وسلامتها، قال -تعالى-: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا) (الشورى: 52). وتدبر القرآن وتأمله وفهم معانيه والقبول والاستجابة لما فيه شفاء وعلاج للقلب من العلل والأمراض والأسقام التي قد تعتريه بكل أنواعها؛ قال -تعالى-: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57)، وقال -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء: 82)، وقال -تعالى-: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) (فصلت: 44)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال: 2)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر: 29-30).
فمن حمل عن إيمان ويقين كتاب الله بين جنبتيه ترتيلًا وفهمًا وتدبرًا، وقبولًا له وعملًا به، سَلِم من الشبهات والضلالات، ومن الشرك والشك والنفاق والزيغ، ففي القرآن الكريم من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول به أمراض الشبه المفسدة وتتضح الأشياء على حقيقتها، وهذا موقوف على فهم القرآن ومعرفة معانيه والمراد منه، فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عيانًا بقلبه، فالقرآن يشفي العبد ويحفظه من كل ما يضره ويمرضه، ويزيده إيمانًا ويقينًا أحوج ما يكون إليه؛ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله".
- والزيادة في الإيمان بتلاوة آيات القرآن أو سماعها لا تقتصر على زيادة التصديق فحسب، بل يراد الزيادة الإيمانية أيضًا بما يحصل من أثر الآيات القرآنية في القلوب، مما يزيدها خشيةً وخشوعًا، ومحبةً وإنابةً، وطمأنينةً ويقينًا، ورغبةً ورهبةً، وموافقةً وانقيادًا، وهذه الزيادة في الإيمان قد نطق بها القرآن في عدة آيات منها، قوله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال: 2)، وقوله -تعالى-: (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمَنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (التوبة: 124).
4- المداومة على الدعاء والتضرع إلى الله -تعالى-:
فالله يحب من عباده الدعاء والإلحاح والتضرع فيه، ومن لا يدعو الله -تعالى- يغضب عليه. والدعاء تواصل معه -تعالى-، وتوجه دائم إليه، ينشرح به الصدر، ويثبت من خلاله القلب، فيحفظه من الشبهات والشهوات، فلا غنى للقلب عنه؛ قال -تعالى-: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) (البقرة: 186)، وقال -تعالى-: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (غافر: 60).
وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وصححه الألباني).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا) (رواه أحمد، وقال الألباني: "حسن صحيح").
- ومن أعظم الدعاء طلب الهداية وتجنب الزيغ والثبات على الحق، قال -تعالى-: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8). وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- الإكثار من الدعاء بثبات القلب على الطاعات وعلى الدين، فكان يقول: (اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم)، ويقول: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
5- المداومة على الاستعاذة بالله من الشيطان:
فالشيطان هو العدو الأول والأكبر للإنسان، وهو حريص كل الحرص على إغوائه وإضلاله، وعداوته للإنسان عداوة دائمة لا تنقطع أبدًا، وهو الذي توعد آدم وذريته بقوله: (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر: 39)، وقد قال -تعالى-: (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6)، وقال -تعالى-: (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) (طه: 117)، وقال -تعالى-: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: 168).
وقال -تعالى- عن الشيطان: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (يس: 62)، وخطوات الشيطان هي سبله ومسالكه في الإضلال والإغواء للبشر، وحضه على المعصية وتزيينه للباطل والشهوات. والشيطان يوسوس للعبد عند الغفلة وترك ذكر الله -تعالى-، وهو يتراجع ويخنس عند ذكر العبد لله -تعالى-. وأعظم سبل صيانة القلب من وساوس الشيطان الاستعاذة بالله منه، واللجوء إلى الله -تعالى- في طلب النجاة منه، قال -تعالى-: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف: 200)، وقال -تعالى-: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت: 36)، وقال -تعالى-: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (المؤمنون: 97-98)، وفي ذلك أنزل الله -تعالى- سورة الناس في الاستعاذة منه.
6- المحافظة على قيام الليل:
فلقيام الليل فضله، وهو شرف المؤمن؛ قال الله -تعالى-: (تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 16-17)، وقال -تعالى-: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: 17-18). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌أَفْضَلُ ‌الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ ‌قِيَامُ ‌اللَّيْلِ) (رواه مسلم، والنسائي واللفظ له).
في تفاضل القلوب في الإيمان:
تتفاضل القلوب في إيمانها، والإيمان في القلب يزيد وينقص، يقوى ويضعف، بحسب حال العبد في تعهده لقلبه وإيمانه؛ قال -تعالى-: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173)، وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ) (الفتح: 4). والمؤمنون في ذلك على مراتب ودرجات، قال -تعالى-: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر: 32).
المراد بالفؤاد القلب:
الفؤاد: مأخوذ من فأد، يفأد، فأدًا. وهو يدل على حمى وشدة حرارة، ومن ذلك: فأدت اللحم أي: شويته. وافتأدوا: أوقدوا نارًا، والمفتأد: موضوع الوقود، والتفؤد: التوقد. والفؤاد: القلب. وسمي القلب بالفؤاد؛ لتوقده وحرارته. والفؤاد جمعه: أفئدة.
وقيل: الفؤاد أخص من القلب، ودائرة القلب أعم. فالفؤاد على ذلك باطن القلب أو وسط القلب، وعلاقته بالقلب كعلاقة القلب بالصدر.
- وقد ورد لفظ (الفؤاد) في القرآن ويراد به القلب عند كثير من المفسرين؛ لذا تضاف له المعاني المتعلقة بالقلب.
- وقد ورد لفظ الفؤاد مفردًا وجمعًا في القرآن (16) مرَّةً، في (13) سورةً؛ منها: قوله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) (المؤمنون: 78)، وقوله -تعالى-: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (الأحقاف: 26).
- كما ورد أيضًا لفظ (الصدر) في القرآن الكريم ويراد به القلب في الغالب؛ إذ ورد لفظ الصدر مفردًا وجمعًا في القرآن (44) مرَّةً في (30) سورةً؛ منها: قوله -تعالى-: (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (التغابن: 4)، وقوله -تعالى-: (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ) (القصص: 69)، وقوله -تعالى- في حال أهل الجنة: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) (الحجر: 47).
فالصدر محل القلب ويقوم مقامه.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* ثلاث رسائل في عيد الفطر المبارك 1447هـ
* واحة التوحيد
* الحديث الوحيد الذي تفرد الإمام البخاري بروايته في صحيحه دون غيره من العلماء المصنفين
* ثلاثة أحاديث نبوية عليها مدار الإسلام وقواعد الدين
* إذا كان العيد يوم الجمعة فهل صلاة العيد تجزيء عن صلاة الجمعة؟ رد الشيخ مصطفى العدوي
* تحريم نسبة السنة أو النوم إلى الله تبارك وتعالى
* النَّاصِرُ- النَّصِيرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
القلب, القرآن, الكريم, في
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإعجاز.العلمي.في.القرآن.والسنة (القلب والأوعية) ام هُمام قسم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 5 08-28-2018 09:59 PM
القلب في القرآن آمال ملتقى القرآن الكريم وعلومه 7 08-14-2016 07:24 PM
قسوة القلب و علاجها بتدبر القرآن فارسات الخير ملتقى الحوار الإسلامي العام 7 12-25-2012 08:49 AM
همسات مصورة من القلب إلى القلب ..... أبوالنور ملتقى فيض القلم 7 03-17-2012 05:15 PM
تهنئة من القلب إلى القلب أبو محمد بمناسبة المولودة الجديدة ريم / رؤي ابو عبد الله ملتقى الترحيب والتهاني 5 10-08-2011 08:27 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009