رمضان بين الفوضى والتنظيم
رمضان بين الفوضى والتنظيم
عدنان بن سلمان الدريويش
رمضان شهرُ التوازن في كل شيء، فهو يذكِّرنا بأن الحياة ليست سباقًا محمومًا بين الواجبات، ولا انقطاعًا تامًّا عن الدنيا باسم العبادة، بل هو توازنٌ بين الروح والجسد، وبين الطموح والدعاء، وبين العمل والسكينة؛ قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]، قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، يُظهر التوازن بين أداء العبادة والشعور بالرضا، والامتنان لله على هدايته.
إن الشباب هم أكثرُ مَن يواجه هذا التحدي، فهم بين ضغط الدراسة، ومتطلَّبات العمل، وسهر الأصدقاء، وحِرصهم على الطاعة، لكن رمضان ليس دعوةً للفوضى، بل فرصة للتنظيم وللتجديد؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ [القصص: 77]، فالإسلام لا يريد من الشاب أن يَترُك دراستَه أو عملَه ليتفرَّغ للعبادة، بل أن يجعل كلَّ سعي في حياته عبادةً إذا صحَّت نيتُه، وحَسُنَ عملُه!
أيها الشاب، التوازن لا يعني القسمة المتساوية، بل الوضوح في الأولويات، فليس المطلوب منك أن تَقضي ساعات متساوية في كل جانبٍ، بل أن تَعرِف متى تَعبُد؟ ومتى تَدرُس؟ ومتى ترتاح؟ أن تجعل لكل وقتٍ قيمتَه، ولكل عملٍ نيةً الصالحة، فدراستُك عبادةٌ إن نويتَ بها خدمة الدين والناس، وعملُك عبادةٌ إن أدَّيتَه بإتقانٍ وأمانةٍ، ونومُك عبادةٌ إن قصَدتَ به الاستعانة على الطاعة؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها، فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ"؛ أخرجه البخاري.
أيها الشاب، وأيتها الفتاة، وحتى يكون يومك منظمًا ومليئًا بالطاعات، أَنصحك بالتالي: • ابدأ بنيةٍ جامعة، وقُلْ في قلبك كلَّ صباح: "اللهم اجعَل يومي كله لك، علمًا وعملًا وعبادةً". • اكتُب هدفًا علميًّا أو عمليًّا واحدًا في اليوم، وارتبِط به عبادةً. • خطِّط ليومك بذكاء، اجعَل وقتًا للعبادة من قيامٍ، وقراءةٍ لكتاب الله، ومن دعاءٍ، ووقتًا للدراسة أو العمل، ووقتًا للراحة والنوم، ووقتًا للصلة والصدقة والرحمة. • لا تترك يومك للعشوائية، فالوقت الذي لا يُخطَّط يُهدَر فيما لا ينفَع. • خصِّص وقتًا ثابتًا للنوم والراحة، ووازِن بين الجهد والراحة، فالطاعة تحتاج إلى جسدٍ مُتَّزنٍ، فإذا تَعِبَ انطَفَأَت الهِمَّةُ. • ذكِّر نفسك بالنية دائمًا؛ لأن النية هي التي تحوِّل العادة إلى عبادة، والعمل إلى قُربَى. • راجِع يومك قبل النوم، فما أنجزتَه مِن خيرٍ، فاحْمَد الله عليه، وما قصَّرت فيه خطِّط لتَدارُكِه غدًا. أيها الشاب، وأيتها الفتاة، رمضان مدرسة للتوازن، لا موسمٌ للضغط والإجهاد، هو شهرٌ يعلِّمك أن تعبُد الله وأنت تبتسم، أن تنجَح في دراستك دون أن تَنسى سجودَك، وأن تُريح جسدك دون أن تَغفُل عن قلبك، فمَن أحسَن إدارة أيام رمضان، أحسَن إدارة حياته كلها، فالتوازنُ ليس أن تفعل كلَّ شيء، بل أن تفعل ما يُرضي الله في كل شيءٍ.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|