![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
صفات عباد الرحمن صلاح الأهل والذرية(13) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الشاهد على الصفة من الآيات: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان:74). - مجمل كلام المفسرين: "الذين يسألون الله -تعالى- أن يجعل مِن أزواجهم وذرياتهم مَن يعمل بطاعة الله، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة"(1). - هكذا عباد الرحمن... بعد ما جمعوا صفات الشخصية الإسلامية فيما يتعلق بأنفسهم، التفتوا إلى غيرهم بعد ذلك بالإصلاح، حيث الأهل والذرية ثم بقية المؤمنين المتقين؛ فتتكامل بذلك الشخصية المسلمة التي يريدها الله -عز وجل-(2). - إصلاح الأهل والذرية يضمن السعادة في الدنيا والآخرة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور:21). - البيت المسلم الصالح له مكونات أساسية ثلاثة: (زوجة صالحة - زوج صالح - ذرية صالحة إن وُجدت)، ويتعلق بكل مكون فيها أمور يأتي الكلام عليها. أولًا: الزوجة الصالحة: 1- فضل الزوجة الصالحة: - من سعادة الرجل في الدنيا والآخرة أن يرزق زوجة صالحة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثلاثة: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره). - الزوجة الصالحة خير من كنوز الذهب والفضة: عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: لما نزلت: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) (التوبة:34)، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ، فَقَالَ: (أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). 2- السبيل إلى الزوجة الصالحة: - الدعاء... فكل شيء بيد الله: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49)، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا) (الفرقان:74)، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) (هود:56). - اختيار ذات الدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) (متفق عليه). - التعاون معها على طاعة الله(3): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) (رواه مسلم). ثانيًا: الزوج الصالح: 1- فضل الزوج الصالح: - من سعادة المرأة في الدنيا والآخرة أن ترزق زوجًا صالحًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - الزوج الصالح يعدل ولو حصل اختلاف، فكيف به عند الاتفاق والائتلاف؟! جاء رجل إلى الحسين بن علي فقال له: خطب ابنتي جماعة، فمَن أزوجها؟ قال: "زوِّجها التقي؛ فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها" (شرح السنة للبغوي 9/ 11). 2- السبيل إلى الزوج الصالح: - الدعاء والسؤال لله -عز وجل- الذي يملك كل شيء: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا) (الفرقان:74)، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر:62)، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) (هود:56). - اختيار صاحب الدين: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن) (القصص:27)، وقال عمر لعثمان ثم أبي بكر -رضي الله عنهم-: "إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بنْتَ عُمَرَ... " (رواه البخاري). - التعاون معه على طاعة الله: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ) (النساء:34)، وعن أبي هريرة: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النِّسَاءِ خَيرٌ؟ قال: (التِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِليهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَر، وَلا تُخَالِفُهُ فِي نَفسِهَا وَلا فِي مَالِهِ بِمَا يَكرَهُ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: حسن صحيح). - كانت المرأة من نساء السلف تقول لزوجها إذا خرج من بيته لرزقه: "اتقِ الله فينا ولا تطعمنا إلا حلالًا؛ فإنا نصبر على جوع الدنيا، ولا نصبر على نار الآخرة". ثالثًا: الذرية الصالحة: 1- فضل الذرية الصالحة: - الذرية الصالحة من خير متاع الدنيا ونعيم الآخرة: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف:46)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه) (رواه مسلم)، وقال: (إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). - بالذرية الصالحة تكتمل سعادة المسلم في الدنيا والآخرة: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان:74)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور:21). 2- السبيل إلى الذرية الصالحة: - الدعاء... فخير الناس سألوا الله ذلك: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (مريم:4-6)، (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي) (البقرة:124)، (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف:15). - اختيار الأم الصالحة(4): (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (الأعراف:58). - وقال الشاعر: الأُمُّ مـَـدرَسَةٌ إِذا أَعــدَدتـَهـا أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعـراقِ - التربية الإسلامية من جهة الوالدين معًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه). الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا بِـالــرِيِّ أَورَقَ أَيـَّمـا إيـراقِ وقال الشاعر: إن الغُصُونَ إِذا قَوَّمْتَها اعتدلْت ولا يـلـيـنُ إِذا قـَوَّمْتَهُ الـخـَشـَبُ - ويكون ذلك بتعليمهم الأحكام والآداب بحسب مراحل حياتهم: (صلاة الجماعة - حفظ القرآن - تعليم الأذكار - توقير الكبار - صلة الأرحام - إكرام الضيف - صدق القول - التصدق على الفقراء - الدعوة إلى الخير - وغير ذلك... ). خاتمة: - صلاح الأهل والذرية مطلب مادي وشرعي: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (الروم:21)، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان:74). - سيعلم الجميع قيمة بناء البيوت وتربية الأولاد على الدِّين، يوم الدِّين والجزاء: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور:21)، (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس:55-58). اللهم أصلح نساء وذراري المسلمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ (1) بركة الأهل والولد هي قرة العين: قال القرطبي -رحمه الله-: "... وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده، قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة، أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما يرى؛ فذلك حين قرة العين، وسكون النفس" (انتهى). (2) وإلا: فمِن وجوه الخلل عند كثيرٍ مِن المسلمين: أن ترى رجلًا مصليًا مزكيًا، ولكن إذا طالعت بيته وأسرته وجدتَ خللًا عظيمًا؛ فإما ظاهرًا، وإما ظاهرًا وباطنًا. وكل ذلك برضا منه وإقرار! فأين هذا من صفات عباد الرحمن المتكاملة المتلازمة لنيل الجائزة؟! (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) (الفرقان:75). (3) فيتم معها العبادات ويعلمها الأخلاق والمعاملات: (السؤال عن الصلاة، قيام الليل، قراءة القرآن، صيام نافلة، صدقة فقراء، والترهيب من سوء الأخلاق، والكذب والغيبة والنميمة، وحثها على كريم الأخلاق من الصدق والأمانة والورع والخوف من الله، وحسن معاملة الخلق والجيران والقرابات والأرحام، إلخ). (4) لا تكاد تقف على عظيم من عظماء الزمان، إلا وهو ينزع بعرقه وخلقه إلى أم عظيمة: (الزبير أمه صفية - معاوية أمه هند القائلة لما قيل لها وهو رضيع: إن عاش ساد قومه. قالت: "ثكلتُه إن لم يسد إلا قومه!، وكان يقول: "أنا ابن هند"، وسفيان الثوري قالت له أمه: "يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي". والأوزاعي إمام الزمان تربى يتيمًا في حجر أمه، وربيعة الرأي شيخ مالك، خرج أبوه إلى الغزو وهو صغير وخلَّف لأمه ثلاثين ألف دينار، أنفقتها على تعليمه عند الشيوخ والقراء، وعاد أبوه بعد نحو ثلاثين سنة فوجده إمامًا! (عودة الحجاب، د/ محمد إسماعيل). |
|
|
|
|
|
|
#14 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
صفات عباد الرحمن (14) الإمامة في الدين (القدوة الصالحة)
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الشاهد للصفة من الآيات: قوله -تعالى-: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74). قال البخاري -رحمه الله-: "أئمة، نقتدي بمَن قبلنا، ويقتدي بنا مَن بعدنا". وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فاجعلنا أئمة لمَن اقتدى بنا ويأتم، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى" (مجموع الفتاوى 3/ 91)، وقال النخعي: "لم يطلبوا الرياسة، بل أن يكونوا قدوة في الدين، وهذا حسن أن يطلب ويسعى له" (تفسير القرطبي وابن عطية)، وروى مالك في الموطأ: "كان ابن عمر يدعو: اللهم اجعلني من أئمة المتقين". - هكذا عباد الرحمن، فبعد صلاحهم في أنفسهم، وسعيهم في اصلاح أهليهم وذرياتهم، يعملون على إصلاح سائر الناس، بأن يكونوا قدوة صالحة لهم على جميع المستويات: قال الحسن البصري -رحمه الله-: "مَن استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله، إمامًا لحيه، إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب". (1) فضل الإمامة في الدين وأثرها في الاستجابة: - أرشد الله -سبحانه- المؤمنين إلى التأسي والاقتداء بأئمة الدين: قال -تعالى- لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4)، وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام:90)، وقال لعموم المؤمنين: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21). - القدوة الصالحة من أعظم أسباب استجابة الغير وامتثاله: ففي حديث الحديبية: "... فَلَمَّا فَرَغَا مِنَ الْكِتَابِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا وَاحْلِقُوا) قَالَ: فَمَا قَامَ أَحَدٌ، قَالَ: ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا، وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَحَلَقَ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ... " (رواه البخاري وأبو داود، وأحمد واللفظ له)، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: مَا نَسِيتُ قَوْلَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُعَاطِيهِمُ اللَّبَنَ، وَقَدْ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وعند البخاري ومسلم: فأجابوا: "نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا". وعن أنس -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ وَهُوَ يُنَاوِلُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ: (أَلَا إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ) (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ)، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع عظيم شدته وغلظته أحيانًا، يحبه أصحابه وينصاعون لرأيه؛ لما كان منه مِن اتصاف بالقدوة الصالحة، والأمثلة على ذلك قد امتلأت بها كتب السير والتراجم. (2) سبيل الوصول إلى إمامة الدين (القدوة الصالحة): - إمامة الدين (القدوة الحسنة) لا تُنال إلا بعمل وصبر ويقين: قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24). - أهمية العمل في الوصول إلى إمامة الدين: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2)، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى? مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود:88)، وقال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) (البقرة:44)، (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) (الكهف:95). - أهمية الاستقامة وتجنب الشبهات للوصول إلى إمامة الدين: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود:88)، وعن نافع مولى عمر بن الخطاب: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا هُوَ مَدَر، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمُ النَّاسُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ، لَقَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ" (رواه مالك في الموطأ، كتاب الحج). - نماذج من الذين نالوا الإمامة في الدين: (أبوبكر الصديق الذي حفظ الله به الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم - أحمد بن حنبل الذي حفظ الله به العقيدة والسنة زمن محنة العلماء - البخاري الذي حفظ الله به كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين - ابن تيمية الذي فتح الله عليه في جميع الفنون والعلوم، لما قام ينصر الدين - الألباني ودوره العظيم في إحياء علم الحديث في زمن محنته). (3) الحذر مِن أئمة الضلال والشر، والقدوة الفاسدة: - كما يوجد أئمة للهدى، فهناك أئمة للضلال والشر، شعارهم: "واجعلنا للمفسدين إمامًا!": قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ) (القصص:41)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - قائدهم إبليس ومؤخرتهم كل مَن دعا وأعان على معصية وشر(1): (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (إبراهيم:22). خاتمة: - فيا أيها المسلم أينما كنت... كن إمامًا في الخير، وقدوة صالحة للغير، ولا تحقرن من عمل الخير شيئًا: قال الحسن البصري -رحمه الله-: "مَن استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله، إمامًا لحيه، إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) (رواه مسلم). - هكذا عباد الرحمن... فبعد إصلاح أنفسهم، وإصلاحهم لأهليهم وذرياتهم، يعملون على إصلاح غيرهم بأن يكونوا لهم قدوة صالحة: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان:74-75). وللجديث بقية -إن شاء الله- حول خاتمة الصفات: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا). جعلنا الله وإياكم منهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ (1) ابتداءً بالذين يبِّدلون دين الله وشرعه، ويخترعون النظم الكافرة المجابهة لدين الله، ويأخذون الناس إلى ذلك، ورؤوس أهل البدع، مرورًا بالدعاة إلى المعاصي والعري والفجور، ونشر الأخلاق الفاسدة، وانتهاءً بأصحاب المعاصي التي يقلدهم الناس فيها ولو كانت مما يحتقرون، ومن أمثلة ذلك: السلوكيات القادحة في المروءة من الأقوال والافعال إذا اقتدى بها الناس (التدخين - الأغاني - التبرج - الاختلاط - حلق اللحية - الألفاظ والعبارات المأخوذة من الممثلين والإعلاميين، ونحو ذلك). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#15 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
صفات عباد الرحمن (15) الصبر كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الشاهد من الآيات على الصفة: قال الله -تعالى-: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) (الفرقان:75)، قال السعدي: "أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين؛ وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا، كما قال -تعالى-: (وَالْمَلَائِكَة ُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ . سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد:23- 24)". - ما وصلوا إلى هذه الصفة مِن (حسن الخلق، والحلم، والتواضع، والعلم، وقيام الليل، والخوف من عذاب الله، والتوسط والاعتدال، والسلامة من كبائر الذنوب، وإخلاص التوحيد، وملازمة التوبة، وهجر مجالس اللغوو الزور، والسعي في إصلاح الأهل والذرية، وتحمل مسئولية الدين وإمامة المسلمين) إلا بالصبر(1): (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان:75). - مدخل العناصر: صبرهم اشتمل على كل أنواع الصبر (الصبر على طاعة الله، والصبر على معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة). (1) أنواع الصبر: - اجتمعت الأنواع الثلاثة في موضعٍ واحدٍ في القرآن: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) (لقمان:17). النوع الأول: الصبر على طاعة الله: - وهو المواصلة والمجاهدة في طاعة الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الراحة والكسل، وتحمل المصاعب والمشاق(2): (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم:37)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) (رواه البخاري)، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً" (رواه مسلم)، وحين سُئلت عائشة -رضي الله عنها- عن عمله -صلى الله عليه وسلم-؛ قالت: " كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً" (رواه البخاري). النوع الثاني: الصبر عن معصية الله: - وهو المواصلة والمجاهدة في ترك معصية الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الشهوات واللذات، وتحمل المصاعب والمشاق: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف:23)، (مع وجود كل دواعي المعصية). النوع الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة: - وهو التسليم لقضاء الله وقدره، والرضا بما قدره الله مما يشق على النفوس: قال -تعالى-: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155-156). وقال عن يعقوب -عليه السلام: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:18)، وقال عن أيوب: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44)، وقال -صلى الله عليه وسلم- للمرأة السوداء: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولكِ الجنةُ) (متفق عليه). (2) فوائد حول أنواع الصبر: - هي أربع فوائد: (الصبر منه اختياري واضطراري - أيهما أكمل وأفضل؟ - أفضل أنواع الصبر- الصبر فطري أم كسبي). أولًا: الصبر على الطاعة وعن المعصية يكون اختياريًّا، وأما الصبر على الأقدار المؤلمة فيكون اضطراريًّا. وهذه أمثلة: - من الأول: صلاة الصبح في جماعة، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في فعل الطاعة. فصبره اختياريًّا. - ومن الثاني: عدم شرب الدخان أو مشاهدة الأفلام، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في صبره عن فعل المعصية، - ومن الثالث: فقد ولد الإنسان، دون كسب منه ولا اختيار، وصبره اضطراري؛ لأنه إن لم يصبر فلن يغير شيئًا. ثانيًا: الصبر الاختياري أفضل وأكمل من الصبر الاضطراري: ومن أمثلته: - صبر يوسف -عليه السلام- عن مطاوعة امرأة العزيز كان أكمل من صبره على إلقائه في البئر والسجن(1). - صبر إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في محنة الذبح كان أكمل من صبر يعقوب -عليه السلام- على فقد ولده. - صبر الأنبياء الذين حملوا الرسالات وعاشوا يعلمون الناس أكمل من صبر أيوب -عليه السلام- على المرض(2). ثالثًا: أفضل أنواع الصبر: - اختلفوا في ذلك ورجح شيخ الإسلام الصبر على الطاعة، ورجح غيره الصبر على المعصية، وتوسط ابن القيم حيث رأى الأفضلية على حسب الوقت والحال من باب "واجب الوقت". رابعًا: الصبر فطري أم كسبي؟ - هو فطري وكسبي(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) (متفق عليه)، وقال قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه). - ما أحوجنا إلى التصبر والاعتبار للوصول إلى الصبر: (انظر إلى الطالب يريد النجاح وكيف يصبر على مشقة المذاكرة، وانظر إلى الغريب المسافر وكيف يصبر على آلام الغربة؛ لأنه يريد تحقيق هدفه، وانظر إلى المريض الذي يريد الشفاء كيف يصبر على الدواء المر(4)، فنحن أحوج؛ لأننا نريد النجاة من النار والفوز بالجنة. (1) من ثمرات الصبر: - لو لم يكن له ثمره إلا أنه سبب لنيل هذه الصفات في الدنيا ونيل أجرها في الآخرة، لكفى به نعمة على العبد: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان:75). - كثرة ذكره في القرآن دليل على عظم فضله وأثره: قال الإمام أحمد: "الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا". - كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10). - أعظم معين عند المحن والشدائد: قال -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة:45). - جمع الله للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157). خاتمة: - هذه صفات عباد الرحمن التي وعدهم الله عليها الجنة، فاجتهدوا عباد الله في تحصيلها: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا . وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا . وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَ ا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الفرقان:63-76). نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى نيل هذه الصفات، حتى نفوز يوم القيامة بالغرفات. ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ (1) فلولا صبرهم على داعي الكبر والتكبر ما صاروا متواضعين، ولولا صبرهم على داعي الغضب ما صاروا حليمين، ولولا صبرهم على داعي النوم والكسل ما صاروا من المتهجدين، ولولا صبرهم على داعي اللذات والشهوات لما صاروا من الخائفين من عذاب رب العالمين، ولولا صبرهم على داعي الإسراف والتبذير ما صاروا من أهل الوسطية والاعتدال، ولولا صبرهم على داعي شهوة الفرج لما صاروا من المتعففين، ولولا صبرهم على كل داعٍ إلى ترك طاعة الله لما وصلوا إلى هذه المكانة، فتأمل فضل الصبر الذي هو حصن للنفوس وللقلوب، وسبيل إلى أعلى الدرجات. (2) وكان الإمام النووي -رحمه الله- له عشرة دروس في اليوم، وكان الألباني -رحمه الله- يمكث في المكتبة الظاهرية 5 ساعات فوق السلالم يبحث عن معلومة أو حديث (المحافظة على دروس العلم، أو حفظ القرآن، أو صلاة الليل، أو التراويح، ونحو ذلك). (3) كان صبر يوسف -عليه السلام- عن مطاوعة المرأة، صبر رضا واختيار لاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي موافقة المرأة، من كونه شابًا، عزبًا، غريبًا، عبدًا ثم المرأة الجميلة، وذات المنصب، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية، بل توعدته إن لم يفعل، ومع كل هذه الدواعي صبر اختيارًا. (4) ولذلك قال -تعالى-: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف:35)، ولم يقل: "فاصبر كصبر أيوب"؛ ولذلك أيضًا كان بعض السلف يقول: "ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). (5) هناك بعض الناس فيهم طبيعة الصبر، وبعض الناس لا يصبرون، وهكذا كثير من النساء. (6) قصة الأخ الذي أجرى عملية تكميم للمعدة وهو يعيش الآن على طعام طفل تقريبًا! انظر إلى صبر الإنسان على الحرمان من شهواته إن كان له هدف يريد الوصول إليه! |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| صفات الحروف | ابو الوليد المسلم | قسم أحكام التجويد | 1 | 08-03-2026 09:02 PM |
| صفات اليهود | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 04-24-2026 10:13 PM |
| صفات المنافقين | ابو الوليد المسلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 02-08-2026 09:05 PM |
| عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 09-21-2025 02:44 PM |
| من صفات المنافقين | nejmstar | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 5 | 12-22-2012 11:02 PM |
|
|