![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 31الى صــ45 الحلقة (143) عن ديلم الحميري قال: «سألت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إِنا بأرض باردة نعالج فيها عملًا شديدًا، وإِنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا؟ قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه قال: قلت: فإِن النّاس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتِلوهم» (١). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «إِنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» (٢). إِذا أقام الإِمام الحدّ على السكران فمات أعطاه الدِّية: عن علي -رضي الله عنه- قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إِلا صاحبَ الخمر فإِنه لو مات وَدَيْته (٣) وذلك أنّ رسول الله - ﷺ - لم يسُنَّه» (٤). وفي رواية: «من شرب الخمر فجلدناه، فمات وديناه؛ لأنه شيء صنعناه» (٥). حدّ الزنى الزنى الموجب للحدّ: --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣١٣١). (٢) تقدّم تخريجه في «كتاب الطهارة» (١/ ٥٢). (٣) أي: أعطيتُ دِيته لمستحقّها. (٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧). (٥) أخرجه الطحاوي وابن ماجه، وصحح إِسناده شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨/ ٤٩). يتحقّق الزنى المترتب عليه الحدّ؛ بتغييب الحشفة -وهي رأس الذكر- أو المدوّرة في فرجٍ محرّم، ولو لم يكن معه إِنزال، أمّا إِذا استمتع فيما دون الفرج؛ فلا حدَّ عليه، وإِن استوجب التعزير. فعن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «جاء رجلٌ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّي عالجتُ امرأةً (١) في أقصى المدينة، وإِنّي أصبت منها ما دون أن أمَسَّها (٢) فَأنَا هذا. فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترَكَ الله، لو ستْرتَ نفسك، قال: فلم يَرُدَّ النّبيّ - ﷺ - شيئًا. فقام الرّجل فانطلق، فأتبعه النّبيّ - ﷺ - رجُلًا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿أقمِ الصلاة طرفَي النهار وزُلَفًا من الليل إِنَّ الحسنات يُذهِبن السيئات ذلكَ ذكرى للذاكرين﴾ (٣) فقال رجلٌ من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال: بل للنّاس كافّة» (٤). وجاء في «سبل السلام» (١/ ١٥١): «قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنّ كلَّ من خوطب بأنّ فلانًا أجنب عن فلانة؛ عقل أنّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال». --------------------- (١) معنى عالَجَها: أي تناوَلها، واستمتع بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إِلا الجماع، وانظر «شرح النووي». (٢) أي: دون الزنا في الفرج. (٣) هود: ١١٤. (٤) أخرجه مسلم (٢٧٦٣). حدّ الزاني البكر (١): حدّ الزاني البكر مائة جلدة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: «هذه الآيةُ الكريمة فيها حُكْم الزاني في الحدّ، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإِنّ الزاني لا يخلو: إِمّا أن يكون بِكْرًا: وهو الذي لم يتزوج. أو مُحصَنًا: وهو الذي قد وطئ في نكاحٍ صحيح، وهو حُرٌّ بالغ عاقل. فأمّا إِذا كان بِكْرًا لم يتزوج؛ فإِنّ جَلْده مائة جَلدة كما في الآية، ويزاد على ذلكَ أن يُغرَّب عامًا عن بلده عند جمهور العلماء؛ خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله- فإِن عنده التغريب إِلى رأي الإِمام، إِنْ شاء لم يُغّرب». وإِليك -رحمني الله وإِياك- التفصيل في العنوان الآتي: ما وَرد في التغريب: التغريب: النفي عن البلد الذي وقعَت فيه الجناية، يُقال: أغربتَه وغرَّبتَه إِذا نحّيْتَهُ وأبعدتَه. والغَرْبُ: البُعد (٣). عن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهما- قالا: «كنّا عند النّبيّ - ﷺ - فقام رجلٌ فقال: أنشدك الله إِلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان -------------------- (١) تُطلق كلمة البكر على الرجل والمرأة، والبكر من الرجال الذي لم يقرب المرأة. (٢) النور: ٢. (٣)»النهاية". أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. قال: قل، قال: إِنّ ابني هذا كان عسيفًا (١) على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثمّ سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم. فقال النّبيّ - ﷺ -: والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله -جلّ ذِكْرُه- المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإِن اعترفَت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها» (٢). وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول - ﷺ -: «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهُنّ سبيلًا، البكر بالبكر جلْد مِائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرّجم» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قضى فيمن زنى ولم يُحصَنْ بنفي عامٍ وبإِقامة الحدِّ عليه«(٤). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - ضَرَب وغرَّب، وأنّ أبا بكر ضَرَب وغرّب، وأنّ عمر ضَرَب وغرّب» (٥). -------------------- (١) أي: أجيرًا. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، (٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧)، (١٦٩٨). (٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠). (٤) أخرجه البخاري (٦٨٣٣). (٥) أخرجه الترمذي والنسائي، وصححه ابن خزيمة والحاكم، قاله الحافظ في «الفتح» تحت الحديث (٦٨٣٣). جاء في «الفتح» تحت الحديث (٦٨٣٣): «وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ - ﷺ - في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله ثمّ قال: إِن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إِجماعًا. واختلف في المسافة التي يُنفى إِليها: فقيل: هو إِلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إِلى ثلاثة أيام، وقيل: يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إِلى عمل، وقيل: إِلى ميل، وقيل: إِلى ما ينطلق عليه اسم نفي». والذي يترجّح لديّ رجوعُ ذلك إِلى رأي الإِمام فيما يراه يُحقّق المقصود، وقد يكون لبعض النّاس أحوالٌ خاصّة، فيعمل الإِمام بما يحقّق المقصود الشرعي من التغريب؛ مراعيًا هذه الأحوال، والمصلحة العامّة. والله -تعالى- أعلم. حدّ الزاني المحصن: ويُحدّ الزاني المحصَن بالرجم حتى الموت، رجُلًا كان أم امرأة. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أتى رسولَ الله - ﷺ - رجلٌ من النّاس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله! إِني زنيتُ -يريدُ نفسه- فأعرض عنه النّبيّ - ﷺ -، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه؟ فقال: يا رسول الله! إِني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقِّ وجه النّبيّ - ﷺ - الذي أعرض عنه. فلمّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ؛ دعاه النّبيّ - ﷺ - فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا فارجموه«(١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال عمر لقد خشيتُ أن يطول بالنّاس زمان حتّى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإِن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أحصن إِذا قامت البيّنة أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده» (٢). ويشترط في إِقامة هذا الحد بالإِضافة إِلى ما تقدّم مِن كونه عاقلًا بالغًا الحريّة، إِذ لا رجم على العبد أو الأمة؛ لقوله الله -تبارك وتعالى-: ﴿فإِن أتيْن بفاحشة فعليهنّ نصفُ ما على المحصناتِ من العذاب﴾ (٣) والرجم لا يتجزّأ. عن أبي عبد الرحمن قال: «خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس! أقيموا على أرقائكم الحدّ؛ من أحصن منهم ومن لم يُحْصِن، فإِنّ أمَةً لرسول الله - ﷺ - زنت فأمرني أنْ أجْلدها فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: أحسنت» (٤). وفي رواية: «اتركها حتّى تَماثَل (٥)» (٦). --------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٥)، ومسلم (١٦٩١). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١). (٣) النساء: ٢٥. (٤) أخرجه مسلم (١٧٠٥). (٥) تماثل: أي: تُقارب البُرء. (٦) أخرجه مسلم (١٧٠٥). قال الإِمام النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١١/ ٢١٣): «... [وفي الحديث] بيان أن الأَمَة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله عليّ -رضي الله تعالى عنه- وخطَب الناس به. فإِنْ قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله -تعالى-: ﴿فإِذا أُحصنّ﴾ مع أن عليها نصف جلد الحرة؛ سواء كانت الأمة محصنة أم لا. فالجواب أن الآية نبهت على أن الأَمَة وإِنْ كانت مزوجة لا يجب عليها إِلا نصف جلد الحرّة؛ لأنه الذي ينتصف، وأمّا الرجم فلا ينتصف فليس مرادًا في الآية بلا شك، فليس للأمَة المزوجة الموطوءة في النكاح حُكم الحُرّة الموطوءة في النكاح، فبيّنت الآية هذا لئلا يتوهم أنّ الأمَة المزوجة تُرجَم، وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، وأمّا غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة ...». ويشترط برجم المحصَن كذلك أن يكون قد سبق له أن تزوج زواجًا صحيحًا، ووطئ فيه ولو مرّة واحدة أنزَل أم لم يُنزل. وكذا المرأة إِذا تزوّجت ووُطئت ولو مرّة واحدة، ثمّ طُلقت فزنت فإِنها تُرجم. وجوب الحد على الكافر والذّمي: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "إِنّ اليهود جاءوا إِلى رسول الله - ﷺ - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زنَيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إِن فيها الرّجم. فأَتَوا بالتّوراة فنَشروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإِذا فيها آية الرّجم، قالوا: صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم، فأمَر بهما رسول الله - ﷺ - فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة» (١). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (بابُ أحكام أهل الذّمة (٢) وإحصانهم إِذا زَنَوا (٣) ورُفعوا إِلى الإِمام) وذكر هذا الحديث. قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «وفي هذا الحديث من الفوائد؛ وجوب الحدّ على الكافر الذمّي إِذا زنى؛ وهو قول الجمهور ...». وعن جابر بن عبد الله قال: «رَجَم النّبيّ - ﷺ - رجلًا مِنْ أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأته» (٤). وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «مُرَّ على النّبيّ - ﷺ - بيهوديٍّ مُحَمَّمًا (٥) مجلودًا فدعاهم - ﷺ - فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجُلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم -------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩). (٢) أي اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية. (٣) يعني: خلافًا لمن قال:»إِنّ من شروط الإِحصان الإسلام«. (٤) أخرجه مسلم (١٧٠١). (٥) أي مُسوَدّ الوجه، من الحُممة: الفحمة»النهاية". أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إِذا أخذنا الشّريف تركناه، وإِذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهمّ إِني أوّل من أحيا أمرك إِذ أماتوه، فأَمَر به فرُجم فأنزل الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إِلى قوله: ﴿إِن أُوتيتم هذا فخذوه﴾ (١). يقول: ائتوا محمّدًا - ﷺ - فإنْ أمرَكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإِنْ أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفّار كُلّها» (٥). بمَ يثبت حدّ الزنى؟ يثبت الحدّ بما يأتي: ١ - بالاعتراف: فعن أبي هريرة وزيد بن خالد -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: --------------------- (١) المائدة: ٤١. (٢) المائدة: ٤٤. (٣) المائدة: ٤٥. (٤) المائدة: ٤٧. (٥) أخرجه مسلم (١٧٠٠). «واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا؛ فإِن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرَجمها» (١). ٢ - بأربعة شهود: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (٢). ويشترط في الشهود: البلوغ والعقل والإِسلام، كما تقدّم في مثله، وكذا العدالة لقول الله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ (٣)، وقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (٤). وكذا المعاينة أي: أن يكون قد عاين فرجَها في فرجه؛ كما سيأتي -إِن شاء الله- في (باب حدّ من رمى المحصنة ولم يأت بأربعة شهود) قول عمر -رضي الله عنه- لزياد هل رأيت المرود دخَل المكحلة؟ (٥). ٣ - بالحبَل، إِذا لم يُعلم لها زوج أو سيد: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قال عمر: لقد خشيت أن يطول --------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٧)، ومسلم (١٦٩٧)، وتقدّم بطوله في حدّ الزاني البكر. (٢) النور: ٤. (٣) الطلاق: ٢. (٤) الحجرات: ٦. (٥) انظر»الإِرواء" (٨/ ٢٩). بالنّاس زمانٌ؛ حتّى يقول قائل لا نجدُ الرجم في كتاب الله؛ فيضلّوا بترك فريضة أنَزَلها الله، ألا وإِنّ الرجم حقٌّ على مَن زنى، وقد أحصَن إِذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف» (١). ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرّ على نفسه بالزنى؟ إِذا جاءَ منْ يُقرّ على نفْسه بالزِّنى عند الإِمام؛ فعلى هذا الإمام أن يعمل بمقتضى قوله - ﷺ -: «تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب» (٢). قال ابن الأثير في «النهاية»: «تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم» أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليَّ؛ فإِنِّي متى علمتها أقمتها. وعن نُعيم بن هَزّال قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حِجْر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإِنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجًا. فأتاه فقال: يا رسول الله إِني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله! فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله، إِني زنيت فأقم عليّ كتاب الله! حتى قالها أربع مرار. قال - ﷺ -: «إِنّك قد قُلتها أربع مرّات، فبمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم؟ قال: هل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: ---------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١) وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٨٠) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٩٥١) والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٥٣٨). نعم؛ قال: فأَمَر به أن يُرجَم، فأُخرج به إِلى الحرّة. فلمّا رُجِم فوجد مَسَّ الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير (١)، فرماه به فقتله، ثمّ أتى النّبيّ - ﷺ - فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه«(٢). وعن محمّد بن إِسحاق قال:»ذكرت لعاصم بن عمرو بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدَّثني حسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدَّثني ذلك مِن قول رسول الله - ﷺ -: «فهلاّ تركتموه» من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إِنّ رجالًا مِن أسلم يحدثون: أن رسول الله - ﷺ - قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: «ألا تركتموه» وما أعرف الحديث. قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجَم الرجل، إِنّا لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مسّ الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردّوني إِلى رسول الله - ﷺ -، فإِنّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - ﷺ - غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا رجعنا إِلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه قال: فهلا تركتموه وجئتموني به ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأما لترك حد فلا! «(٣). ------------------ (١) وظيف البعير: خفّه، وهو له كالحافر للفرس.»النهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧١٦)، وانظر»الإِرواء«(٢٣٢٢). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧١٧)، وانظر»الإِرواء" (٧/ ٣٥٤). وعن ابن عباس قال: «جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ - ﷺ - فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثمّ جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت علي نفسك أربع مرّات، اذهبوا به فارجموه» (١). فتأمّل حديث نعيم بن هزال وقوله: «فأعرَض عنه» أي أعرض عنه رسول الله - ﷺ - حين قال: إِني زنيت وأيضًا: «حتّى قالها أربع مرار، ثمّ قول رسول الله - ﷺ -:»إِنّك قد قلتها أربع مرّات فبمن؟«. فماذا لو قالها مرةً، وحين رأى إِعراض رسول الله - ﷺ -، مضى ولم يعُد؟! وتأمّل قوله - ﷺ -:»هل ضاجَعَتها؟ ... هل باشرتها؟ ... هل جامعتها؟ وفي بعض الروايات: «لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت» حتى قال: «أنِكتَها، لا يُكنّي» (٢). وتأمّل بعد ذلك قوله - ﷺ - لأصحابه: «هلا تركتموه» حينما بلغه جزعُه وفرارُه من الرجم. فهذا فيه ما فيه من الدعوة إِلى ستْر النفس والإِقلاع عن المعصية والندم وإِحسان التوبة إِلى الله -عز وجل- وهذا مطلبٌ سامٍ ومقصد عظيم، -والله أعلم-. وأما ما جاء في رواية محمد بن إِسحاق ... في قول رسول الله - ﷺ -: «فهلا تركتموه وجئتموني به، ليستثبت رسول الله - ﷺ - منه، فأمّا لترْكِ حد فلا» فهذه ليست من قول النّبيّ - ﷺ - وإِنما هي تفسير مِن الراوي، والسؤال ماذا بعد --------------------- (١) أخرجه مسلم (١٦٩٣) وأبو داود واللفظ له «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢٣). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٤). أن يستثبت منه رسول الله - ﷺ - أيعيده للرجم أم ماذا؟! فإِن قالوا: يعيده للرجم فلا فائدة من الاستثبات، لأن الاستثبات ليس بثبوت زناه، وإِنّما لأن قومه غرّوه من نفسه أنه لن يُقتل! وأي فائدة في ذلك؟! فالحكمة واضحة بيّنة، وقد جاء هذا صريحًا من حديث بريدة بن الحصيب قال: «ثمّ جاءت امرأه من غامد الأَزْد فقالت: يا رسول الله! طهّرني فقال: ويحك؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه» (١). ولكن لما كان الإِصرار والإِلحاح والمتابعة من ماعز والغامديّة؛ والنّاس ينظرون؛ فإِنه لا بدّ من إِقامة الحد؛ لأن هناك مفسدةً في عدم إِقامته، والحاصل أنه إِذا بلغَ الإِمام أمْرٌ كهذا أعرَض وذكّر بالاستغفار والتوبة، فإِنْ أصرّ مُقارِفُ الفاحشة على إِقامة الحد؛ أقيم عليه. والله أعلم. ويؤيِّد هذا ما ثبت عن الأجلح عن الشعبي قال: "جيء بشُرَاحة الهمدانية إِلى علي -رضي الله عنه- فقال لها: ويلك لعل رجلًا وقع عليكِ وأنت نائمة، قالت: لا، قال لعلك استكرهت، قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك؛ فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يُلقِّنها لعلَّها تقول: نعم. قال: فأمَر بها فحُبست، فلمَّا وضعت ما في بطنها، أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة، وأحاط الناس بها، وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إِذًا يُصيب بعضكم بعضًا، صفّوا كصفّ الصلاة صفًا خلف صفّ. --------------------- (١) أخرجه مسلم (١٦٩٥). ثمّ قال: أيها الناس أيَّما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أوَّل من يرجم ثم الناس، وأيَّما امرأة أو رجُل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشُّهود أوَّل من يرجُم، ثمَّ الإِمام، ثمّ الناس، ثمَّ رجمَها، ثمَّ أمَرهم فرَجَم صفّ ثمّ صفّ، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم» (١). فتأمَّل قول عليٍّ -رضي الله عنه- لعلَّ رجُلًا وقَع عليك وأنتِ نائمة، ... لعلَّكِ استُكْرِهتِ، ... لعلَّ زوجك من عدوّنا هذا؛ أتاك فأنت تكرهين أن تدلِّي عليه. وتأمَّل كلمة: «يلقِّنها لعلَّها تقول: نعم». ولذلك إِذا أنْكرت المرأة أنَّه زُنِيَ بها؛ لم يُقَم عليها الحدّ ولو أقرَّ الرجُل الزَّاني، وأُقيم عليه الحدّ. وانْظر العنوان الآتي: من أقرّ بزنى امرأة فأنكرت: عن سهل بن سعد عن النبيّ - ﷺ - «أنّ رجلًا أتاه، فأقرّ عنده أنه زنى بامرأة سمّاها، فبعَث رسول الله - ﷺ - إِلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكَرت أن تكون زنَت، فجلده الحدّ وترَكَها» (٢). سقوط الحدّ بظهور ما يقطع بالبراءة: *إِذا ظهَر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع أنه لم يقع مِن أحدٍ منهما زنى؛ كأن تكون المرأة عذراء لم تفضّ بكارتها، أو رتقاء مسدودة الفرج، أو يكون الرجل ------------------- (١) جاء في «الإِرواء» (٨/ ٧): أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٨٤/١) مختصرًا، والبيهقي والسياق له، قال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده جيد رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأجلح وهو ابن عبد الله الكوفي وهو صدوق«، وانظر»الإِرواء«(٨/ ٧). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٣٧٤٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|