المَبحَثُ الخامِسُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: أنَّه يُعَرِّفُ الإنسانَ قَدْرَ نَفْسِه
الإيمانُ بالقَدَرِ يحمِلُ الإنسانَ على معرفةِ قَدْرِ نَفْسِه وأنَّه عاجِزٌ ومفتَقِرٌ دومًا إلى اللهِ تعالى، فلا يتكبَّرُ ولا يتعالى؛ لأنَّه عاجِزٌ عن معرفةِ المقدورِ، ومُستقبَلِ الأيامِ.
قال ابنُ عثيمين معدِّدًا بعضًا من فوائدِ الإيمانِ بالقَدَرِ: (طَردُ الإعجابِ بالنَّفسِ عند حصولِ المرادِ؛ لأنَّ حُصولَ ذلك نعمةٌ من اللهِ بما قدَّره من أسبابِ الخيرِ والنجاحِ، فيَشكُرُ اللهَ تعالى على ذلك، ويَدَعُ الإعجابَ)( .
وذكر أيضًا مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: (أنَّ الإنسانَ يَعرِفُ قَدْرَ نَفْسِه، ولا يفخَرُ إذا فعل الخيرَ)( .
المَبحَثُ السَّادِسُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: أنَّه يقضي على كثيرٍ من الأمراضِ التي تَعصِفُ بالمُجتَمَعاتِ
الإيمانُ بالقَدَرِ يقضي على كثيرٍ من الأمراضِ التي تُفسِدُ المجتَمَعاتِ، وتزرَعُ الأحقادَ بين أفرادِه، فمَثَلًا المؤمِنُ لا يحسُدُ النَّاسَ على ما آتاهم اللهُ من فَضْلِه؛ لأنَّه هو الذي رزقهم وقدَّر لهم ذلك، وهو يَعلَمُ أنَّه حين يحسُدُ غيرَه إنما يعترِضُ على المقدورِ، فالمؤمِنُ يسعى لعمَلِ الخيرِ، ويحِبُّ للنَّاسِ ما يحِبُّ لنَفسِه، فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمِدَ اللهَ وشكَرَه على نِعَمِه، وإن لم يَصِلْ إلى شيءٍ من ذلك صبَرَ ولم يجزَعْ، ولم يحقِدْ على غيرِه ممَّن نال من الفَضلِ مالم ينَلْه؛ لأنَّ اللهَ هو الذي يقسِمُ الأرزاقَ فيُعطي ويمنَعُ، وكُلُّ ذلك ابتلاءٌ وامتحانٌ منه سُبحانَه وتعالى لخَلقِه.
المَبحَثُ السَّابعُ: مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالقَدَرِ: البقاءُ على حَذَرٍ مِن الفِتَنِ والذُّنوبِ والمعاصي
المؤمِنون بالقَدَرِ دائمًا على حَذَرٍ مِن كُلِّ ما من شأنِه أن يُعَرِّضَهم لسَخَطِ اللهِ وغَضَبِه وعِقابِه.
قال اللهُ تعالى: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: 99] .
قال الحسَنُ البصريُّ: (المؤمِنُ يعمَلُ بالطَّاعاتِ وهو مُشفِقٌ وَجِلٌ خائِفٌ، والفاجِرُ يَعمَلُ بالمعاصي وهو آمِنٌ)( .
وقلوبُ العِبادِ دائِمةُ التقَلُّبِ والتغيُّرِ، والقلوبُ بين أُصبُعَينِ من أصابعِ الرَّحمنِ يُقَلِّبُها كيف يشاءُ ( .
والفِتَنُ التي توجِّهُ سِهامَها إلى القلوبِ كثيرةٌ، والمؤمِنُ يحذَرُ دائمًا أن يأتيَه ما يُضِلُّه كما يخشى أن يُختَمَ له بخاتمةٍ سَيِّئةٍ، وهذا لا يدفَعُه إلى التكاسُلِ والخمولِ، بل يدفَعُه إلى المجاهَدةِ الدَّائِبةِ للاستقامةِ، والإكثارِ من الصَّالحاتِ، ومجانبةِ المعاصي والموبِقاتِ. كما يبقى قَلبُ العَبدِ مُعَلَّقًا بخالِقِه، يدعوه ويرجوه ويستعينُه، ويسألُه الثَّباتَ على الحَقِّ، كما يسألُه الرُّشدَ والسَّدادَ.
الدرر السنيةٍ
|