أحمد بن علي بن أحمد العنسي
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين المتقين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها، ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت إن كثرت وكانت مثل زبد البحر؛ انتهى.
وقال السعدي رحمه الله في تفسيره: يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل ألَّا يمكنهم ذلك فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا أيها الرسول، ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله مخبرًا للعباد عن ربهم: ﴿ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ باتباع ما تدعوه إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب: ﴿ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾؛ أي: لا تيأسوا منها فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا: قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن؛ ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أن الله يغفر الذنوب جميعًا من الشرك والقتل، والزنا والربا والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾؛ أي: وصفه المغفرة والرحمة وصفان لازمان ذاتيان لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، ماثلة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته؛ ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأتِ بها العبد فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها؛ بل لا سبب لها غيره، الإنابةُ إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع، والتأله والتعبد، فهَلُمَّ إلى هذا السبب الأجلِّ، والطريق الأعظم؛ انتهى.
عباد الله، إن سقوط النفس إلى وحل المعصية أمر متوقع، وهو عيب وزلة قدم، وضعف إيمان؛ ولكن العيب الحقيقي هو أن يفتح لك ربك باب التوبة فلا تدخل، أن يناديك ربك إلى الرجوع إليه فلا تجيب نداءه، العيب أن يبسط رب العزة يده إليك لتتوب وتترك الذنوب فترفض أن تتوب؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلُعَ الشمس من مغربها»؛ رواه مسلم.
التوبة هي رجوع صادق إلى الله تعالى بفعل أمره وترك نهيه؛ بفعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات، التوبة يحتاج إليها العبد في كل مراحل حياته؛ لأن طبيعة العبد البشرية خطَّاءة مقصرة، فالتوبة كما تكون من الخطيئة تكون أيضًا من التقصير في طاعة الله تعالى، وشكره على نعمه؛ لذلك نادى الله سبحانه أهل الإيمان إلى التوبة كما نادى أهل العصيان، فقال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله في اليوم مائة مرة، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر.
عباد الله، إن مرض القلوب من الذنوب، والشفاء من ذلك أن تتوب.
ولنقف مع هذه الآية العظيمة بتدبُّر؛ لنرى سعة رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].
إنه نداء الرحمة ممن وسعت رحمته كل شيء، وعمَّتْ كُلَّ حَيٍّ، إنها آية عظيمة من كلام الله تعالى ما وقف أمامها مذنب إلا رجع وتاب، وما تدبَّرها مُسيء إلا أناب، آية عظيمة وقفت مع المذنبين المسرفين على أنفسهم يوم عظمت إساءتهم، وكثرت ذنوبهم، فنادتهم نداء الرحمات، وفتحت أمامهم باب المغفرات، إنه نداء من ربٍّ غفورٍ رحيم، يعلم كم ذنوبنا صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، ومع ذلك يسترها، ويمهل أصحابها، وإن تُبْنا يغفرها، إنه نداء إلى الذين ظلموا أنفسهم، إلى الذين عملوا الصغائر، وارتكبوا الكبائر، إنه نداء أرحم الراحمين إلى المسرفين الضائعين في دروب الضلال وأوحال المعصية ألَّا تقنطوا من رحمتي، ولا تيأسوا من مغفرتي، يدعوهم إلى الرجاء والثقة بعفوه سبحانه، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56].
يتبع
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
من مواضيعي في الملتقى
التعديل الأخير تم بواسطة ابو الوليد المسلم ; 07-20-2026 الساعة 03:03 PM.