لماذا تَغيَّر التعبير القرآني؟
سيد السقا
وقفة تأملية: هل سوَّى القرآن بين قذف المحصنات ورمي الزوجات؟
قبل أن أبدأ، أحب أن أوضح أن هذا المقال ليس تقريرًا لحكم فقهي، ولا مصادمة لأحد؛ وإنما محاولة للوقوف مع ظاهر الآيات وتأمُّل ما قد تفتحه من أسئلة تستحق النظر.
في قصة هلال بن أمية رضي الله عنه، جاء أنه اتَّهم زوجته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «البيِّنة أو حدٌّ في ظهرك».
وهنا بدأ السؤال: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة؟ ولم يقل: أربعة شهداء؟
قد يقال: لأن المقصود بالبينة هنا هو الشهود. وهذا هو الفهم المشهور، لكن هل هذا هو الوجه الوحيد الذي يحتمله النص؟ فالبينة في أصل معناها أوسع من الشهادة، والشهادة صورة من صور البينة؛ ولهذا قد يكون من المفيد أن نرجع خطوة إلى الوراء، ونتأمل كيف صاغ القرآن أصل المسألة،
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ [النور: 4]، وهنا الأمر واضح: إما أربعة شهداء… وإما الجلد، ولا يظهر في الآية طريق ثالث، لكن حين انتقل القرآن إلى حالة الزوج، تَغيَّر التعبير؛ لم يقل: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، بل قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ﴾ [النور: 6].
وقد يقال هنا: إن العدد لم يُذكَر في آية الزوج؛ لأن الآية السابقة ذكرت الأربعة شهداء، فكان العدد معلومًا من السياق. وهذا جواب مفهوم، لكن يبقى السؤال قائمًا: لو كان المراد مجرد تكرار الحكم نفسه، فلماذا تغيَّر التعبير؟
ففي الأولى قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾، وفي الثانية لم يقل: «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء»، ولا حتى: «ولم يكن لهم أربعة شهداء»، بل قال: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ ﴾.
فالفرق ليس في حذف العدد وحده، بل إن التعبير نفسه تغيَّر؛ ففي الأولى كان الكلام عن الإتيان بعدد محدد من الشهداء، أما في الثانية فلم يُذكَر عدد أصلًا.
وهنا يبرز سؤال آخر: ما الذي يجعلنا نحمل لفظ «شهداء» هنا مباشرة على الأربعة المذكورين قبلها؟ ولماذا لا يُفهَم اللفظ على إطلاقه كما جاء؟
فإذا كان القرآن لم يذكر العدد هنا…فما الذي يمنع- من جهة ظاهر اللفظ- أن يكون المقصود غير الأربعة أصلًا؟ ثم إن النص لم يقف هنا، بل فتح طريقًا جديدًا بالكامل: اللعان.
ولعل مما يزيد هذا السؤال حضورًا أن كثيرًا من أهل العلم فهِمُوا الأربع شهادات في اللعان على ضوء الأربعة شهداء المذكورين قبلها، فكأن الصورة أصبحت: في الحالة الأولى: أربعة شهداء، وفي حالة الزوج: أربع شهادات من الزوج تقوم مقامهم.
وهنا ظهر عندي سؤال يستحق التأمل: إذا كانت الأربع شهادات في اللعان هي نفسها الأربعة شهداء…فلماذا لم تُثبت دعوى الزوج كما تثبت بشهادة الأربعة في الحالة الأولى؟ بل لماذا لم تنته القضية عند هذا الحد؟ ولماذا فُتح للزوجة بعد ذلك أن تدفع ذلك كله بأربع شهادات مقابلة؟
ألسنا أمام بناء مختلف أصلًا؟ وهل اللعان مجرد استبدال للشهود… أم أنه باب آخر يقوم على منطق مختلف من الأصل؟
يتبع