استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

 
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-04-2026, 04:37 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين

      

التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين

د. محمد عبدالرحمن الشايع


تفسير القرآن الكريم بمكتشفات العلم التجريبي أو ما اشتهر به التفسير العلمي موضوع هام شغل بال كثير من القراء والدارسين واختلفت فيه آراء العلماء والباحثين، وكثر فيه التأليف بين مؤيدين ومعارضين. وقبل استعراض هذه الآراء يحسن إلقاء نظرة على نشأته وتعريفه.

نشأته:

من الصعوبة بمكان تحديد نشوء الأفكار والمذاهب فهي غالباً ما تحتاج إلى زمن تختمر فيه الفكرة وتجتمع لها الأدلة ويكثر المؤيدون ثم يشتهر أحدهم بإظهارها وإبرازها وليس بالضرورة أن يكون هو صاحبها وأن تكون هي من بنات أفكاره، لكن يكون هو الذي التقطها حين أعجب بها فذكرها ونشرها ودافع عنها، فنسبت إليه ونقلت عنه.

ومنزع هذا النوع من التفسير للقرآن الكريم قديم، ويشتهر عند الدارسين أن الإمام الغزالي المتوفى سنة (505هـ) من أوائل المتكلمين في هذا النوع والمستوفين للكلام فيه إلى عهده حيث بسط القول في هذا الموضوع في كتابه إحياء علوم الدين، وكتابه الآخر: جواهر القرآن.

فعقد في أولهما باباً في ((فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل)) نقل فيه بعض الآثار والأقوال التي استظهر منها ما يريده من أن في القرآن إشارة إلى مجامع العلوم كلها وأن ((كل ما أشكل فهمه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بِدَرْكها))[1].

وفيه ينقل عن بعض العلماء قوله: ((إن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم إذ كل كلمة علم ثم يتضاعف إذ لكل كلمة ظاهرٌ، وباطنٌ وحدٌ ومطّلع)).

وهذا القول المجمل والاحصاء العددي - بعيداً عن صحته من عدمها - دليل على تقدم هذا المنزع وأنه أسبق من الغزالي.

وينقل عن بعض العلماء الآخرين قولهم: ((لكل آية ستون آلف فهم وما بقي من فهمها أكثر)).

بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يرفع هذا المسلك إلى الصحابة فينسب للإِمام علي - رضي الله عنه - بأنه قال: ((لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب))[2].

فكم نسب للإمام علي من قول؟! وما منعه - رضي الله عنه - أن يفعل؟!!.

ويزيد الإمام الغزالي هذه الفكرة تفصيلاً وبياناً في كتابه جواهر القرآن فيعقد فيه فصلاً يبين فيه كيفية انشعاب العلوم من القرآن ويقسم علوم القرآن إلى قسمين:

الأول: علم الصدف والقشر وجعل من مشتملاته علم اللغة، وعلم النحو، وعلم القراءات وعلم مخارج الحروف وعلم التفسير الظاهر.

الثاني: علم اللباب وجعل من مشتملاته علم قصص الأولين، وعلم الكلام وعلم الفقه وعلم أصول الفقه والعلم بالله واليوم الآخر والعلم بالصراط المستقيم وطريق السلوك[3].

ويتوسع الغزالي في كلامه بعد ذلك فيعقد فصلاً يبين فيه الشعاب سائر العلوم الأخرى من القرآن الكريم وتفرعها عنه فيذكر علم الطب والنجوم وتشريح أعضاء الحيوان وعلم السحر.. وغير ذلك. ثم يختم هذا التفصيل بإجمال يحيط بما ترك فيقول: "ووراء ما عددته علوم أخرى يعلم تراجمها ولا يخلو العالم عمن يعرفها ولا حاجة إلى ذكرها..".

ثم قال فأطنب في تأييد هذا المسلك والمذهب.

وما ذكره من عبارات ونقول يوحي لنا بوجود صلة بين هذا المنزع في التفسير وبين التفسير الإشاري القديم.

ثم يتأيد هذا المنهج بالفخر الرازي (ت606هـ) بما ذكره من استطرادات في تفسيره حتى قيل عنه نقداً لهذا المسلك: فيه كل شيء إلا التفسير.

وجاء بعد ذلك بدر الدين الزركشي (ت794هـ) فنصره في كتابه البرهان في علوم القرآن بما أورده من نقول وما عقده من فصول حيث عقد فصلاً بعنوان: ((في القرآن علم الأولين والآخرين))[4].

ثم جاء الإِمام جلال الدين السيوطي فقرر ذلك وتوسع فيه في كتابه الاتقان في علوم القرآن، وكتابه الآخر: الاكليل في استنباط التنزيل. وساق للاستدلال على ذلك بعض الآيات والآثار. ونقل نصاً عن أبي الفضل المرسي يؤيد به ما ذهب إليه من احتواء القرآن على سائر العلوم[5].

فنخلص مما سبق إيجازه بأوجز منه وهو أن منشأ هذا المسلك قديم وأن تحديد البدء عسير غير يسير.

تعريفه:

عرفنا فيما سبق قِدَم جذور وأصول هذا النوع من التفسير وأنه تحيّزَ وتميّز في هذا العصر بشكل أكثر وأظهر.

وقد التمس بعض الباحثين تعريفاً لهذا النوع، ومعلوم أن التعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً يعرف منه ما يدخل فيه وما يخرج عنه.

وممن التمس لهذا النوع تعريفاً الأستاذ أمين الخولي حيث قال عنه بأنه: ((التفسير الذي يحكّم الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها))[6].

وقد نقل هذا التعريف الشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون[7]. واختصره آخرون. وتأثر به غيرهم. فقد عرفه الشيخ محمد الصباغ بـ((أنه تحكيم مصطلحات العلوم في فهم الآية، والربط بين الآيات الكريمة ومكتشفات العلوم التجريبية والفلكية والفلسفية[8].

والتعريف لهذا النوع من التفسير يتأثر بموقف المعرف له منه تأييداً أو تفنيداً. فالخولي والذهبي من المنكرين لهذا النوع فكان هذا التعريف متأثراً بهذا الموقف.

ومن هنا تتوجه له بعض الانتقادات منها: قصوره، وقسوة لفظة (التحكّم) في التعريف. كأن كل تفسير علمي كذلك مع ما توحي به من أن الآية المراد تفسيرها لها معنى آخر غير المعنى العلمي المراد منها أن تدل عليه[9].

وعرفه الدارس عبدالله الأهدل في رسالته: التفسير العلمي دراسة وتقويم - بعد انتقاده للتعريف السابق - بأنه: (تفسير الآيات الكونية الواردة في القرآن على ضوء معطيات العلم الحديث بغض النظر عن صوابه وخطئه ((ليشمل التفسير الصحيح والتفسير الخاطئ)) )[10].

وقوله: ((بغض النظر عن صوابه وخطئه)) لا ينبغي أن تكون من التعريف لأن عموم ما قبلها يشملها.

وقد عرض الدكتور فهد الرومي لهذه التعاريف وتعرض لها بالنقد في كتابه: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري. وخرج بتعريف آخر فقال: "والذي يظهر لي - والله أعلم - أن التعريف الأقرب إلى أن يكون جامعاً مانعاً أن يقال: المراد بالتفسير العلمي: هو اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم الكونية ومكتشفات العلم التجريبي على وجه يظهر به إعجاز للقرآن يدل على مصدره وصلاحيته لكل زمان ومكان".

ثم شرح عبارات تعريفه بقوله:

ولا شك أن وصفه بـ((اجتهاد المفسر)) يدخل فيه التفسير العلمي المقبول والمرفوض لأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب. وقولنا ((الربط)) ليشمل ما هو تفسير وما هو من قبيله كالاستئناس بالآية في قضية من قضاياه ونحو ذلك.

وقولنا ((العلم التجريبي)) يخرج بقية العلوم الكلامية والفلسفية ونحوها، وقولنا ((على وجه)) لبيان ثمرته. وقولنا ((يدل على مصدره)) نقصد به أنه إذا ما ثبت هذا التوافق بين نصوص القرآن الكريم وحقائق العلوم ولم يقع أي تعارض بين نص قرآني وحقيقة علمية مهما كانت جدتها وحداثتها فإنه لا يمكن أن يقول مثل هذه النصوص بشر قبل اكتشافها بقرون ولابد من أن يكون المتكلم بها هو موجد هذه الحقائق ومكونها وهو الله سبحانه وتعالى. وقولنا ((وصلاحيته لكل زمان ومكان)) نقصد به أنه صالح لكل عصر لا تأتي عليه الأيام ولا الحدثان بما يبطل شيئاً منه فهو صالح لكل عصر وأوان.

هذا ما ظهر لي الآن من المعنى المراد به. (والله أعلم).أ.هـ[11].

ولا يخلو هذا التعريف الذي ذكره الدكتور الفاضل فهد الرومي من وجهة نظر ففيه طول، وفي وصف الآيات القرآنية بالكونية تضييق لمجاله. كما أن لفظة ((الربط)) الواردة في شرح التعريف لم ترد في عبارات التعريف نفسه ولعل المراد لفظة ((الصلة)).

ولعل التعريف الأيسر والأخصر والذي ينبغي أن يكون عليه الحال. أن يقال عنه بأنه (تفسير القرآن الكريم بحقائق العلم التجريبي).

لكن ربما أراد المعرفون الآخرون له تعريفه على ما هو عليه لا تعريفه بما ينبغي أن يكون عليه.

مذاهب الناس في هذا النوع من التفسير:

تنوعت مذاهب العلماء والدارسين في هذا النوع من التفسير واختلفت مواقفهم منه بين مؤيدين ومعارضين على وجه الاطلاق أو التقييد حتى أنه ليكاد يكون لكل واحد رأيه الخاص به بما يضيفه من شروط ويذكره من قيود.

وقد قسمت الدكتورة هند شلبي مواقف العلماء تجاه هذا الموضوع إلى أربعة أصناف:
1 - المعارضون مطلقاً مع عدم التحيز إلى العلم.
2 - المعارضون مطلقاً مع التحيز إلى العلم.
3 - المؤيدون مطلقاً.
4 - المؤيدون المحترزون[12].

وبعيداً عن كثرة التشعيب والتقسيم سوف أعرض لآراء العلماء مقسماً لها إلى نوعين: المعارضين لهذا التوجه، والمؤيدين له.

1 - المعارضون:

المعارضون لهذا التوجه في التفسير كثيرون قدماء ومحدثين منهم:
1 - أبو حيان الأندلسي (ت745هـ) في البحر المحيط.
2 - أبو إسحاق: إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت790هـ) في الموافقات.
3 - محمود شلتوت في: تفسير القرآن الكريم، ومجلة الرسالة.
4 - أمين الخولي. في: التفسير نشأته، تدرجه، تطوره، وفي دائرة المعارف الإسلامية.
5 - محمد حسين الذهبي. في: التفسير والمفسرون.
6 - محمد عزة دروزة. في: التفسير الحديث.
7 - شوقي ضيف. في: تفسير سورة الرحمن وسور قصار.
8 - محمد رشيد رضا[13]. في: تفسير المنار.
9 - عباس محمود العقاد. في: الفلسفة القرآنية.
10 - عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ). في: القرآن وقضايا الانسان.
11 - محمد كامل حسين. في: الذكر الحكيم.
12 - صبحي الصالح. في: معالم الشريعة الإسلامية.
13 - أحمد محمد جمال. في كتابه: على مائدة القرآن مع المفسرين والكتاب.
14 - عبدالمجيد المحتسب. في: اتجاهات التفسير في العصر الراهن.
15 - أحمد الشرباصي. في: قصة التفسير.
16 - إسماعيل مظهر. في: عدة مقالات له في جريدة الأخبار[14].
17 - سيد قطب. في: ظلال القرآن[15].

وهؤلاء المعارضون تختلف عباراتهم في قسوة انتقادها لهذا التوجه بين متشدد ومعتدل. ويجمعها كلها الرفض له. والاعتراض عليه وعدم القبول به.


فقد عد أبو حيان - في معرض نقده الفخر الرازي - توسع العلماء في مباحث العلوم الأخرى عند تفسير القرآن الكريم، فضولاً في العلم. وقسى فجعله: ((من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة))[16].

وأعلن أمين الخولي معارضته لهذا التوجه في رسالته الصغيرة عن التفسير بمبحث عَنْوَنَه بـ((إنكار التفسير العلمي)) نبه فيه على قدم هذا الاتجاه، وقدم معارضته والاعتراض عليه.

ومثله فعل الشيخ محمد حسين الذهبي[17].

وعد الأستاذ عباس محمود العقاد مؤيدي هذا الصنف من التفسير: ((من الصديق الجاهل لأنهم يسيئون من حيث يقدرون الاحسان ويحملون على عقيدة إسلامية وزر أنفسهم وهم لا يشعرون))[18].

وقالت الدكتورة/ عائشة عبدالرحمن بأن هذا المسلك ضحك على العقول ببدع من التأويلات تقدم للناس من القرآن كل علوم الدنيا وعصريات التكنولوجيا[19].

ويقول د. شوقي نصيف: "وقد تلت الشيخ الإمام [محمد عبده] تفاسير كثيرة منها ما اهتدى بهديه ومنها ما خاض في مباحث علمية كنت ولا أزال أراها تجنح عن الجادة إذ القرآن فوق كل علم. ومن الخطأ أن يتخذ ذريعة لإثبات نظريات علمية في الطبيعة والعلوم الكونية والفلكية وهو لم ينزل لبيان قواعد العلوم ولا لتفسير ظواهر الكون وما ذكر فيه من خلق السماوات والأرض والأفلاك والكواكب إنما يراد به بيان حكمة الله وأن للوجود خالقاً أعلى يدبره وينظم قوانينه ولا ريب في أن القرآن يدعو أتباعه دعوة عامة إلى العلم والتعلم للعلوم الرياضية والطبيعية والكونية. ولكن هذا شيء والتحول بالقرآن إلى كتاب تستنبط من النظريات العلمية شيء آخر لا يتصل برسالته ولا بدعوته. إنه دين لهداية البشرية يزخر بما لا يحصى من قيم روحية واجتماعية وإنسانية وحسب المفسر أن يعنى ببيان ما فيه من هذه القيم ومن أصول الدين الحنيف وتعاليمه التي أضاءت المشارق والمغارب أضواء غامرة"[20].


وقد وصف محمد كامل حسين هذا النوع من التفسير بأنه ((بدعة حمقاء)) بل جعل هذا الوصف وسما لفصل هو ((التفسير العلمي بدعة حمقاء)) وقال عنه مرة أخرى بأنه ((التفسير الحرباوي)) إشارة إلى تغيره بتغير العلوم كما تغير الحرباء جلدها.

بل قسى وبالغ فجعله دليلاً على ضعف إيمان الذاهبين إليه والقائلين به حين قال: "... والذين يفسرون الآيات الكونية تفسيراً علمياً يدلون بذلك على ضعف إيمانهم ولو كانوا مؤمنين حقاً ما كانت بهم حاجة إلى شيء من ذلك يقوي به إيمانهم فليس مقصوداً بالآيات الكريمة غير الوعظ والتفسير الحق الذي هو يقر بها من أذهاننا تقريباً يؤدي إلى الموعظة والعبرة وكل تعمق في تصويرها واقعياً هو بدعة حمقاء"[21].

أدلة المعارضين وأسباب المعارضة:

يقدم المعارضون بعض الاستدلالات، ويوردون بعض التخوفات والاعتراضات لمنع هذا النوع من التفسير، يمكن جمع أظهرها وأشهرها بالآتي:
أولاً: إن للتفسير شروطاً وقيوداً وضوابط يسير عليها قررها العلماء ينبغي لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم أن يكون قد عرفها وأحاط بها ليأتي الأمور من أبوابها. فلا يكون القرآن الكريم حمى مباحاً لكل من حصّل علماً وحفظا شيئاً فنسي أنه قد غابت عنه أشياء.

ومن شروط ذلك التمكن من العربية فتفسر ألفاظ القرآن الكريم بما تدل عليه لغة العرب، دون تزيّد في تحميل الألفاظ ما لا تحتمله فيستنبط منها ما لا تدل عليه ولا ترشد إليه فللألفاظ معانيها المحددة ودلالاتها الخاصة التي وضعت لها وهذا يمنع التوسع العجيب في فهم ألفاظ القرآن وجعلها تدل على معانٍ وإطلاقات لم تعرف لها ولم تستعمل فيها. أو إن كانت الألفاظ قد استعملت في شيء منها فباصطلاح حادث في الملة بعد نزول القرآن بأجيال[22].

ثم إن هذا التفصيل العلمي المستقى من العلوم في عهودها المتأخرة هل هو من مدلولات ألفاظ الآيات أو لا؟.


إن كان من مدلولات ألفاظ الآيات فكيف لم يفهمه العرب الخُلصّ الذين نزل عليهم وبلغتهم. وإن كانوا فهموه فلماذا لم تقم نهضتهم العلمية التجريبية على هذه الآيات الشارحة والمفصلة لهذه الحقائق والنظريات العلمية المفهمة لدقائها.

وإن كانت لم تفهم منها ولم تدل عليها ولم يدركها أصحاب اللغة الخلص في زمن نزولها - كما هو واقع الحال - فكيف تكون هي معاني القرآن المرادة له والمقصودة منه؟! وكيف يصح تفسيره بها.

وأين بلاغة القرآن حينئذ والبلاغة كما يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال[23].

والقرآن الكريم قد نزل بلسان العرب على قوم يفهمونه وأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بشرحه تبيانه والنظريات الحديثة لم تكن معلومة ولا مكشوفة ولا يصح لمسلم مهما حسنت نيته أن يدعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعرف جميع ما تضمنته آيات القرآن[24].

وليس فيما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فيما ورد عن أصحابه ما يؤيد هذا الاتجاه أو يدل عليه[25].

ثانياً: أن القرآن الكريم إنما هو كتاب هداية للبشرية كما قال جل وعلا:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الاسراء: 9].

وليس بكتاب تفصيل لنظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف من فلك وطب وهندسة وخلافها وأن تطلّب تفصيل ذلك في القرآن الكريم إنما هو سوء فهم لطبيعة هذا القرآن ووظيفته.

((فلا حاجة بالقرآن الكريم إلى مثل هذا الادعاء لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير وخير ما يطلب من كتاب العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع حيثما استطاع. وكل ذلك مكفول للمسلم في كتابه كما لم يكفل قط في كتاب من كتب الأديان[26].

ثالثاً: إن هذا اللون من التفسير يعرِّض القرآن للدوران مع أنواع المعارف ونظريات العلوم وهي أمور لا يقر للكثير منها قرار فقد يهدم العلم في الغد ما يراه اليوم من المسلمات فالعلوم الانسانية تتجدد مع الزمن على ما هو مقتضى سنة التقدم.


((فلا تزال بين ناقص يتم، وغامض يتضح، وموزع يتجمع، وخطأ يقترب من الصواب، وتخمين يترقى إلى اليقين. ولا يندر في القواعد العلمية أن تتقوض بعد رسوخ، أو تتزعزع بعد ثبوت.. ويستأنف الباحثون تجاربهم فيها بعد أن حسبوها من الحقائق المفروغ منها عدة قرون))[27].

فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها، وأوقفنا القرآن وأنفسنا مواقف الحرج[28].

رابعاً: إن هذا المسلك ينطوي على معانٍ عدة لا تليق بجلال القرآن الكريم وكماله أستأذنك في أن أنقلها لك بعبارة سيد قطب الأدبية الندية. وإن كان في بعض ما ذكره تكرار لما سبق تقريره.


أولى تلك الأمور فيما قال: "هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم. أو الاستدلال له من العلم. على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه. والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس. وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.

والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان..

والثالثة: هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر وكل يوم يجد فيها جديد"[29].

ويبين الشيخ محمود شلتوت جوانب الخطأ في هذا الاتجاه فيقول: "هذه النظرية للقرآن خاطئة من غير شك لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتاباً يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم، ودقائق الفنون وأنواع المعارف وهي خاطئة من غير شك لأنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلاً متكلفاً يتنافى مع الإعجاز ولا يسيغه الذوق السليم.

وهي خاطئة، لأنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار الأخير. فقد يصح اليوم في نظر العلم ما يصبح غداً من الخرافات.."[30].
يتبع



اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* لكل الأزواج.. خطة كسب القلوب
* 4 خطوات تجهض الخلافات الزوجية
* الخطابة عند العرب في العصر الجاهلي
* قيام الليل يجعلك تدخل الجنة دون أن يصيبك لفح النار
* روح السجدة
* مسالك الشيطان وعوائد إبليس
* مشايخ ودعاة: الإجازة فرصة لتعويض ما فات خلال العام

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الموحدين, التجريبى, التفسير, العلم, بمكتشفات, بين, والمعارضين
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أسماء الله الحسنى بين التفسير والدلالة الإيمانية ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 0 07-30-2026 11:15 PM
الشباب بين العلم والعمل ابو الوليد المسلم ملتقى فيض القلم 0 06-04-2026 12:55 PM
دولة الموحدين - ملوك دولة الموحدين عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 05-13-2026 10:08 PM
العلم بين الأخذ والعطاء ابو الوليد المسلم ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 03-08-2026 01:26 PM
خروج عصاة الموحدين من النار امانى يسرى محمد ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 1 09-11-2025 05:28 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009