![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (6) من صـــ 68 الى صـــ 80 الحلقة (151) ثالثها: هذا لمن لم يفرط في ترك السترة، فإن فرط أو تباعد عنها عَلَى قدر المشروع فلا كرا هة، ولا دفع لتقصيره، ولا يجوز للمصلي المشي إليه للدفع. رابعها: المراد بالمقاتلة: قوة المنع له عَلَى المرور بحيث لا تنتهي إلى الأعمال المنافية للصلاة، ودفعه بالأخف فالأخف كالصائل؛ لاحتمال سهوه، فلو اتفق هلاكه فلا قود عليه باتفاق، وفي الدية خلاف. وأبعدَ من قَالَ: المراد فليؤنبه بعد الصلاة. خامسها: قوله - ﷺ -: («فإنما هو شيطان») أي: إن امتناعه من الرجوع عن المرور من أفعال الشيطان. وقيل: المراد به: القرين كما في الحديث: «فإن معه القرين». وفيه: دلالة عَلَى أن من فتن في الدين يطلق عليه ذَلِكَ، ولا حجر فيه، وأن العمل القليل في الصلاة لمصلحتها غير ضار. وفيه: دلالة أيضًا عَلَى أن الحكم للمعاني لا للأسماء بخلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر في نفيهم القياس، إذ يستحيل أن يصير المار بين يدي المصلي شيطانًا بمروره. وقد أوضحت الكلام عَلَى هذا الحديث فيِ «شرح العمدة» (١)، فراجعه منه. وأوجب السترة أحمد (٢). ------------------- (١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ٣٠٥ (١٠٩). (٢) انظر: «المستوعب» ٢/ ٢٣٨. وفي «صحيح الحاكم» من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك» (١). وفي الخط حديثٌ من طريق أبي هريرة (٢) سلف، اختلف فيه، أشار الشافعي إلى ضعفه، وصححه ابن حبان وغيره، وفي إسناده اضطراب، واستحبها الثلاثة. وأغرب من نقل عن القديم بطلان الصلاة بالدفع. وقوله: (فلم يجد مساغًا) يعني: طريقًا يمكنه المرور منها. يقال: ساغ الشراب في الحلق: سلس. وساغ الشيء: طاب. فرع: لو جاز بين يديه وأدركه ففي رده قولان لأهل العلم: وبالرد قَالَ ابن مسعود، وسالم، والحسن. وبالمنع قَالَ الشعبي؛ لأن ردوده مرور ثان، ولا وجه له، وهو قول مالك، والثوري، وإسحاق (٣) (٤). -------------------- (١) «المستدرك» ١/ ٢٥١ كتاب: الصلاة. وقال: حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. (٢) هذا الحديث روي من طريق أبي عمرو بن محمد بن حريث أنه سمع جده سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم - ﷺ -: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد شيئًا فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخط خطًّا، ولا يضره ما مرَّ بين يديه». رواه أبو داود (٦٩٠). وقال: قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث. وابن ماجه (٩٤٣). وأحمد ٢/ ٢٤٩. وابن حبان (٢٣٦١). ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» ٦/ ١٧٥ (٨٤٩٠): أن الإمامين أحمد بن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث. اهـ. وقال النووي: قال الحفاظ: هو ضعيف لاضطرابه، وممن ضعفه سفيان بن عيينة فيما حكاه أبو داود، وأشار إلى تضعيفه أيضًا الشافعي والبيهقي، وصرح به آخرون: «الخلاصة» ١/ ٥٢٠ (١٧٤١). والحديث ذكره الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٠٧). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦ - ١٩٧. (٤) ورد بهامش (س): ثم بلغ في السادس بعد الستين كتبه مؤلفه. ١٠١ - باب: إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي ٥١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِى أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً؟ [مسلم: ٥٠٧ - فتح: ١/ ٥٨٤] ذكر فيه حديث أبي جهيم مرفوعًا: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أوْ شَهْرًا، أوْ سَنَةً؟ الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١) أيضًا هنا. ثانيها: «خيرًا» بالنصب، كذا في روايتنا عَلَى أنه الخبر. وروي بالضم على أنه اسم كان (٢). ثالثها: (أبو جهيم) اسمه: عبد الله بن جهيم. وفرق أبو عمر بينه وبين أبي ------------------- (١) رواه مسلم (٥٠٧) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي ٢/ ٦٦، وابن ماجه (٩٤٥). (٢) انظر: «صحيح البخاري» ١/ ١٠٨ (ط. طوق النجاة) حيث أشير في هامشها أن رواية الرفع من نسخة: (عط) ولم يعلم صاحبها. جهيم بن الحارث بن الصمة. وقال غيره: إنهما واحد (١). و(أبو النضر) اسمه: سالم بن أبي أمية تابعي ثقة، مات بعد المائة سنة تسع وعشرين (٢). رابعها: هذا شك من أبي النضر. وروى البزار: «أربعين خريفًا» (٣). وذكر ابن أبي شيبة فيه وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مائة عام خيرًا له» (٤). قَالَ الطحاوي: هذا متأخر عن حديث أبي جهيم. وأولى الأشياء أن نظن بالله تعالى الزيادة في الوعيد للعاصي المار إلا (٥) التخفيف (٦). ----------------- (١) قال ابن عبد البر: أبو جهيم: عبد الله بن - ﷺ - الأنصاري. روى عنه بسر بن سعيد، مولى الحضرميين عن النبي - ﷺ - في المار بين يدي المصلي وذكر الحديث. وذكر قبله أبو الجهيم وقال: ويقال: أبو الجهم بن الحارث، ففرق بينهما «الاستيعاب» ٤/ ١٩٠ - ١٩١ (٢٩٣٠، ٢٩٣١)، وانظر: «أسد الغابة» ٦/ ٦٠ - ١٦١ (٥٧٧٦)، وذكره ابن حجر في «الإصابة» ٢/ ٢٩٠ (٤٥٩٣) ولم يفرق بينهما كما فعل ابن عبد البر بل جعلهما واحدًا حيث قال: عبد الله بن جهم الأنصاري أبو جهم، قيل هو ابن الحارث بن الصمة وقيل: غيره وهو اختيار ابن أبي حاتم. (٢) تقدمت ترجمته في شرح الحديث رقم (٢٨٠). (٣) رواه البزار ٩/ ٢٣٩ (٣٧٨٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٦١: رواه البزار، رجاله رجال الصحيح، وقد رواه ابن ماجه غير قوله: «خريفًا». (٤) رواه ابن حبان ٦/ ١٢٩ - ١٣٠ (٢٣٦٥). (٥) ورد بهامش (س): لعله لا. (٦) «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٢/ ٣٠٤ كتاب: الصلاة، باب: المرور بين يدي المصلي. وقال كعب الأحبار: كان أن يخسف به خير من أن يمر بين يديه (١)، وكل هذا تغليظ وتشديد. خامسها: الحديث دال عَلَى أن الإثم إنما يكون عَلَى من علم النهي وارتكبه مستخفًا به، ومتى لم يعلم النهي فلا إثم عليه. وقوله: («ماذا عليه من الإثم؟») هو هكذا ثابت في بعض روايات أبي ذر عن أبي الهيثم (٢). وعليه مشى شيخنا علاء الدين في «شرحه». وأما شيخنا قطب الدين فقال في «شرحه» قوله: «ماذا عليه» يعني: من الإثم. ---------------- (١) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٢. (٢) عن زيادة: «من الإثم» انظر: هامش اليونينيه ١/ ١٠٨ حيث أشير إلى أنها: ليست في نسخة أخرى. وقال ابن حجر: زاد الكشميهني «من الإثم» وليست هذِه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في «الموطأ» بدونها، وقال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الراوايات مطلقًا. لكن في «مصنف ابن أبي شيبة» يعني: «من الإثم» فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنه الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، بل كان رواية، وقد عزاها المحب الطبري في «الأحكام» للبخاري وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب العمدة في إيهامه أيضًا في الصحيحين وأنكر ابن الصلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النووي في «شرح المهذب» دونها قال: وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهروي «ماذا عليه من الإثم». اهـ «فتح الباري» ١/ ٥٨٥. وفي الحديث: أيضًا طلب العلم؛ لقوله: (أرسل إلى أبي جهيم)، وجواز الاستنابة فيه، وأخذ العلماء بعضهم عن بعض، والاقتصار على النزول مع القدرة عَلَى العلو؛ لإرسال زيد بن خالد بسرَ بن سعيد إلى أبي جهيم، ولو طلب العلو لسعى إلى أبي جهيم. وفيه: قبول خبر الواحد. ١٠٢ - باب: اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ (١) صَاحِبَهُ أَوْ غَيَرْهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَإِنَّمَا هذا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ. [فتح: ١/ ٥٨٦] ٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ صُبَيْحٍ- عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - عليه السلام - يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا. وَعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٧] قوله: (وإنما هذا) إلى آخره هو من كلام البخاري، وكأنه رأى جواز الاستقبال إذا لم يشغله. وقول زيد: (ما باليت) أي: لم أبال بذلك، ولا حرج. وفي كتاب «الصلاة» لأبي نعيم بإسناده أن عمر ضرب رجلين أحدهما يستقبل، والآخر يصلي (٢). وأن سعيد بن المسيب كره أن يصلي وبين يديه مخنس (٣). ------------------- (١) ورد بهامش (س) ما يشير إلى أنه في نسخة: الرجل وهو يصلي. (٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٩٩ قائلًا: روينا عن عمر. وفيه أن الضرب للمستقبل دون المصلي، فليعلم. (٣) روى نحوه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥١ (٢٨٨٨)، عنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحديث. وعن سعيد بن جبير قَالَ: إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس (١) أي: أن يأتم بهم. ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى. قَالَ النخعي وقتادة: يستره إذا كان جالسًا (٢). وعن الحسن أنه يستره (٣)، ولم يشترط الجلوس، ولا تولية الظهر. وأكثر العلماء عَلَى كراهة استقباله بوجهه. قَالَ نافع: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد، فقال لي: وَلِّ ظهرك (٤). وهو قول مالك. وروى أشهب عنه أنه لا بأس أن يصلي إلى ظهر رجل، فأما إلى جنبه فلا. وخففه مالك في رواية ابن نافع (٥). وأجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين (٦). وكرهه ابن مسعود (٧). وعن ابن عمر كان لا يستقبل من يتكلم إلا يوم الجمعة (٨). وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي (٩). ---------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٧١). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٧٩، ٢٨٨٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠). (٤) المصدر السابق (٢٨٧٨) وفيه: ولني ظهرك. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٢٣٥. (٦) انظر: «الهداية» ١/ ٦٩. (٧) روى عبد الرزاق ٢/ ٦٠ (٢٤٨٨)، وابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٦٩)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٩٨: أن ابن مسعود قال: ولا تصل وبين يديك قوم يمترون أو يلغون. (٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٦١ (٦٤٧٠). (٩) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠). والحديث الآتي في الباب، وهو نوم عائشة بين القبلة وبينه حجة لمن أجاز ذَلِكَ؛ لأنها إذا كانت في قبلته فالرجل أولى. ومن كره الاستقبال فلما يخشى عليه من اشتغاله بالنظر إليه في صلاته، ولهذا كره الصلاة إلى الحلق لما فيها من الكلام واللغط المشِغلين للمصلي. وعن مالك: لا يصلي إلى المتحلقين؛ لأن بعضهم يستقبله. وأرجو أن يكون واسعًا (١). ثم ذكر البخاري حديث الأعمش، عن مسلم، عن مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. فقَالَتْ: قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا! لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - عليه السلام - يُصَلَّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ .. الحديث. وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. وهذا الحديث تقدم مختصرًا في باب: الصلاة عَلَى الفراش والصلاة إلى السرير (٢). وقد أخرجه مسلم (٣) والأربعة وقوله: (وعن الأعمش) إلى آخره. أخرجه مسندًا قريبًا في باب: من قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء (٤). وفي الاستئذان أيضًا كما ستعلمه (٥). واعترض ابن المنير فقال: الترجمة لا تطابق الحديث، لكن ذاك عَلَى المقصود من باب أولى، وإن لم يكن فيه تصريح بأنها كانت ------------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٥، «التفريع» ١/ ٢٣٠. (٢) سلف برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة. (٣) برقم (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي. (٤) سيأتي برقم (٥١٤) كتاب: الصلاة. (٥) سيأتي برقم (٦٢٧٦) باب: السرير. (مستقبلة) (١) فلعلها كانت منحرفة أو مستدبرة (٢). وفيه نظر، فإنه جاء في بعض طرقه: كاعتراض الجنازة كما سبق في الصلاة عَلَى الفراش. وفي لفظ الإسماعيلي: وأنا معترضة أمامه في القبلة. واعتراض الجنازة لا يكون منحرفًا. والجنازة إذا كانت معترضة تكون عَلَى قفاها ووجهها إلى العلو. وقد ورد النظر إلى موضع السجود في الصلاة، فالناظر إذًا ناظر إلى وجهها حقيقة، وهو مستقبل حقيقة في بعض الصلاة، فيكفي في ذَلِكَ بعض الصور، ولا سيما وكلاهما عَلَى السرير. ----------------------- (١) في «المتواري» ص ٩١ مستقبلته. (٢) «المتواري» ص ٩١. ١٠٣ - باب الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ ٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٧] ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَة عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. هذا الحديث دال على إجازة الصلاة خلف النائم وكرهها طائفة خوف ما يحدث من النائم، فيشغل المصلى أو يضحك فتفسد صلاته. قال مالك: لا يصلي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس. وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم. والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة فيه، وقد سلف بسط ذلك في باب الصلاة على الفراش. ١٠٤ - باب التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ ٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٨]. ذكر فيه حديث عائشة: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ورِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي .. الحديث. وقد سلف في الباب المشار إليه (١). وكره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلي (٢). قال مالك: لا يستتر بالمرأة، وأرجو أن تكون السترة بالصبي واسعًا. وقال مرة: لا يصلي وبين يديه امرأة وإن كانت أمه أو أخته إلا أن يكون دونها سترة (٣). وقال الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة (٤). ووجه كراهتهم لذلك -والله أعلم- لأن الصلاة موضوعة للإخلاص والخشوع، والمصلي خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها --------------------- (١) برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش. (٢) قلت: هو قولٌ للمالكية، وقولُ الشافعية. انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦، «المنتقى» ١/ ٢١١، «البيان» ٢/ ١٥٧، «المجموع» ٣/ ٢٣٠، «الإعلام» ٣/ ٣٠٦. (٣) «النوادر والزيادات» ١/ ١٩٦. (٤) «البيان» ٢/ ١٥٧. والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها؛ لأن النفوس مجبولة على ذلك، وأينا يملك إربه كما كان - ﷺ - يملكه؛ فلذلك صلى هو خلفها لأمن الشغل؛ بخلافنا. ١٠٥ - باب مَن قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌّ ٥١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ؟ وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ-بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ- مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. [انظر: ٣٨٣ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٨٨] ٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٩٠] ذكر فيه حديث عائشة: ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فذكر: الكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ .. الحديث. وقد سلف قريبًا في باب استقبال الرجل صاحبه (١). ثم قال البخاري: حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ثم ساق حديث عائشة: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. وإسحاق هذا: هو الكوسج، كما قاله أبو نعيم (٢)، وفي بعض النسخ: ------------------ (١) سلف برقم (٥١١) كتاب: الطهارة. (٢) قال الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٣: نسبة ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم يعني: ابن راهويه. قلت: جزم به الحافظ أنه ابن راهويه، وقال: وبذلك جزم ابن السكن وفي غير = إسحاق بن إبراهيم (١). وقد سلف فقه الباب في باب: الصلاة على الفراش واضحًا. وقول البخاري: (من قال: لا يقطع الصلاة شيء) لعله إشارة إلى الحديث الذي أوردناه هناك: «لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم» (٢). وأشار به إلى التوقف في صحته، ويحتمل أنه أراد به قول الزهري: لا يقطعها شيء كما ساقه في الحديث الثانى؛ فلهذا قال: من قال -أي: من الأمة- لا أنه في نفس الحديث. ------------------- = رواية أبي ذر حدثنا إسحاق غير منسوب، وزعم أبو نعيم أنه ابن منصور الكوسج، والأول أولى. اهـ. انظر: «الفتح» ١/ ٥٩٠. (١) هذِه الزيادة في نسخة أبي ذر الهروي، وهي صحيحة عنده أو عند الحافظ اليونيني كما نبه عليه مصححوا الطبعة اليونينية. انظر: ١/ ١٠٩. (٢) من حديث أبي سعيد: رواه أبو داود برقم (٧١٩)، وابن أبي شية ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٣) بهذا اللفظ. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٥١١) دون قوله: «وادرءوا ما استطعتم»: فهي صحيحة. ١٠٦ - باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيَرةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ ٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. [٥٩٩٦ - مسلم: ٥٤٣ - فتح: ١/ ٥٩٠] ذكر فيه حديث أبي قتادة: أَنَّه - ﷺ - كَانَ يُصَلَّي وَهْوَ حَامِلٌ أمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ابنة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). ثانيها: أبو قتادة هو الحارث بن ربعي كما سلف. وأمامة هذِه تزوجها عليّ بعد وفاة فاطمة بوصايتها. وزينب أكبر بناته - ﷺ - ورضي عنهن. وأبو العاصي اسمه جهشم على أحد الأقوال الستة، أمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة. وقوله: (ربيعة) كذا رواه البخاري وأكثر رواة «الموطأ» عن مالك (٢). -------------------- (١) مسلم (٥٤٣) كتاب: المساجد، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة. (٢) قلت: كذا هو بالتاء المربوطة المؤنثة في رواية القعنبي (٣٢٤)، ورواية يحيى ص ١٢٣. قال العيني ٤/ ١٣٦: وفي أحاديث «الموطأ» للدارقطني: قال ابن نافع = وقيل إنه نسبه إلى الجد، والمعروف أنه ابن الربيع، ونسب أمامة إلى أمها دونه لأجل الشرف، ثم بين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاصي ابن -------------------- = وعبد الله بن يوسف والقعنبي في رواية إسحاق عنه وابن وهب، وابن بكير وابن القاسم وأيوب بن صالح، عن مالك: ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، وقال محمد بن الحسن، ولأبي العاص بن الربيع مثل قول معن وأبي مصعب. اهـ ورواه أبو مصعب في «موطائه» ١/ ٢٢١ (٥٦٦)، وكذا مسلم (٥٤٣/ ٤١): ابن الربيع. قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٢/ ٤٧٦: ذكر مسلم في هذا الحديث من رواية مالك أمامة بنت زينب، ولأبي العاص بن ربيعة كذا للسمرقندي ولغيره: ابن ربيع. اهـ. قلت: وقع في أحدى النسخ «الإكمال» بعد السابق: أكثر رواة الموطأ يقولون: ربيعة ورواه بعضهم: ربيع اهـ ثم قال: وهو قول غير مالك، وقول أهل النسب. وقال الأصيلي: وهو ابن الربيع بن ربيعة، نسبه إلى جده، وهذا الذي قاله غير معلوم، ونسبه عند أهل النسب والخبر بلا خلاف: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف. اهـ وذكر النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٣ أن ابن الربيع هو الصحيح وأنها رواية أكثر من روى «الموطأ». ونقل ابن رجب الحنبلي في «الفتح» له ٢/ ٧١٩ أن عامة رواة «الموطأ» عن مالك رووها: «ربيعة» بتاء في آخرها، ثم نبه أن الصواب: ابن الربيع، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٩١: قوله ابن ربيعة بن عبد شمس. كذا رواه الجمهور عن مالك، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم عن مالك فقالوا: ابن الربيع وهو الصواب. اهـ أما عن نسبة البخاري: ربيعة بن عبد شمس. فقد قال الكرماني في «شرحه» ١/ ١٦٩: واعلم أن البخاري نسبه مخالفًا للقوم من جهتين. قال ربيعة بحرف التأنيث، وعندهم الربيع بدونه، وقال ابن الأثير: جاء في «صحيح البخاري» أبو العاص بن عبد شمس، وهم قالوا: ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وذلك خلاف الجماعة. اهـ ورده الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٩١ بقوله بعد أن بين أن الكرماني غفل في هذا الموضع: فالواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك كالبخاري فالمخالفة فيه إنما هي من مالك. الربيع تحريا للأدب في نسبتها. ثالثها: في فوائده، وهي عشرة: الأولى: صحة صلاة من حمل آدميًّا أو حيوانًا طاهرًا من طير أو شاة، أو غيرهما -وإن كان غير مستجمر- لأنه الغالب على الصغار (١). وصحح أصحابنا البطلان فيما إذا حمل مستجمرًا؛ لعدم الحاجة إليه (٢). الثانية: طهارة ثياب الصبيان وأجسادهم إلى أن تتحقق النجاسة. وشذ الحسن، فكره الصلاة في ثيابهم (٣). ------------------ (١) هذا قول الشافعية والحنابلة. انظر للشافعية: «الحاوي الكبير» ٢/ ٢٦٥، «المهذب» ١/ ٢١٢، «البيان» ٢/ ١٠٣. وللحنابلة: «المغني» ٢/ ٤٦٧، «الشرح الكبير» ٣/ ٢٨٢، «كشاف القناع» ٢/ ١٩٣. وحكى الإجماع على صحة الصلاة النووي في «المجموع» ٣/ ١٥٧، والمرداوي في «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣. (٢) اختلف الفقهاء في صحة صلاة مَنْ حمل مستجمرًا على قولين: القول الأول: بأن صلاة صحيحة، وهو قولٌ للشافعية، والصحيح عند الحنابلة. انظر للشافعية: «البيان» ٢/ ١٠٣، «العزيز» ٢/ ٢٠، «مغني المحتاج» ١/ ٤٠٧. وللحنابلة: «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣، «المبدع» ١/ ٣٨٨، «شرح منتهى الإرادات» ١/ ١٥٣. القول الثاني بأن صلاته تبطل بذلك، وهو الأصح عند الشافعية، وقولٌ عند الحنابلة. انظر للشافعية: «المجموع» ٣/ ١٥٧، «نهاية المحتاج» ٢/ ٢٦، «حاشية الجمل» ٢/ ٤٢٠. وللحنابلة: «الإنصاف» ٣/ ٢٩٣. (٣) «المغني» ١/ ١١٢. الثالثة: عدم بطلان الصلاة، بالعمل القليل (١)، وكذا الكثير المتفرق. الرابعة: التواضع مع الصبيان وملاطفتهم ورحمتهم، وكأن السر فيه دفع ما كانت العرب تأنفه من حمل البنات كِبرًا. الخامسة: جواز حمل الصبي والصبية في الصلاة. وسواء الفرض في ذلك والنفل، والإمام والمأموم والمنفرد (٢). وجملة أصحاب مالك على أن ذلك كان في النافلة (٣). ويرده رواية أبي داود أن ذلك كان في الظهر أوالعصر (٤)، ورواية -------------------- (١) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في «شرحه» ٢/ ١٤٥. ونبه على عدم بطلان الصلاة بالعمل القليل المجمع أو المفترق النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٢. (٢) قال ابن المنذر: الأشياء على الطهارة، ما لم يوقن المرء بنجاسة تحل فيه يدل عليه هذا الحديث؛ لأن الصلاة لو كانت لا تجزئ في ثياب الصبيان ما صلى رسول الله - ﷺ - وهو حامل أمامة بنت بنت رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، ولا فرق بين أن يصلي المرء في ثوب نجس، وبين أن يحمل ثوبًا نجسًا. انظر: «الأوسط» ٥/ ٦٤. قال الشوكاني: والحديث -يعني: حديث أمامة- يدل على أن مثل هذا الفعل معفو عنه، من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم. انظر: «نيل الأوطار» ١/ ٦٥٣. (٣) «المنتقى» ١/ ٣٠٤. (٤) «سنن أبي داود» (٩٢٠). قال المنذري في «مختصره» ١/ ٤٣٢: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٦٣): إسناده ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، والحديث في الصحيحين باختصار. ثم قال: والحديث رواه الليث بن سعد عن المقبري … نحوه، لكن ليس فيه تعيين الصلاة أنها لظهر أو العصر، ولا ذكر بلال. وكذلك رواه آخرون عن عمرو بن سليم الزرقي، فالحديث صحيح بدون هذِه الزيادات. الطبراني أن ذلك كان في الصبح (١). وادعى بعضهم نسخه بتحريم العمل في الصلاة، وبعضهم خصوصية ذلك بالشارع، وبعضهم: أن ذلك كان لضرورة، أو أن ذلك منها لا منه، ولا دلالة على ذلك (٢). السادسة: ترجيح الأصل، وهو الطهارة على الغالب. السابعة: إدخال الصبيان المساجد. فإن عورض بالنهي عنه (٣) فالجواب ضعفه. الثامنة: العفو عن شغل القلب في الصلاة بمثل هذا (٤). ------------------- (١) «المعجم الكبير» ٢٢/ ٤٤٢ (١٠٧٩). (٢) صرح بأنهم بعض المالكية النوويُّ في «شرحه» ٥/ ٣٢ وقال: وكل هذِه الدعاوي باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها بل الحديث صحيح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه. (٣) روي هذا النهي في حديث عن واثلة بن الأسقع أن النبي - ﷺ - قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم …» الحديث. رواه ابن ماجه (٧٥٠)، وضعف إسناده البوصيري في «زوائده» ص ١٢٨ (٢٥٢)، ورواه البيهقي باللفظ المتقدم عن أبي أمامة وواثلة ١٠/ ١٠٣، وقال: فيه العلاء بن كثير هذا شامي منكر الحديث. وقيل: عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ مرفوعًا، وليس بصحيح. وضعفه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ١/ ٢٩٧، وابن القطان في «الوهم والإيهام» ٣/ ١٩٠، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٠٤. والمصنف في «البدر المنير» ٩/ ٥٦٦. (٤) قال الخطابي في «أعلام الحديث» ١/ ٤٢١: ويشبه أن يكون النبي - ﷺ - لا يتعمد حمل الصبية ووضعها في كل خفض ورفع من ركعات الصلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن لزوم الخشوع فيها، وإنما هو أنَّ الصبية قد كانت ألفته وأنست بقربة، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها إلى الأرض، حتى إذا = ![]() اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (6) من صـــ 81 الى صـــ 100 الحلقة (152) التاسعة: إكرام أولاد المحارم بالحمل جَبْرًا لهم ولأصولهم. العاشرة: عدم النقض بالمحارم، لكن من في السن المذكور لا اعتبار له بلمْسه. ويجوز أن يكون من وراء حائل. قال ابن عبد البر: وحمله أمامة محمول عند أهل العلم أن ثيابها كانت طاهرة، وأنه أمن منها مما يحدث للصبيان من البول وغيره. وجائز أن يعلم مالا يعلمه غيره (١). قال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا؛ ليدل أن حمل المصلي الجارية على العنق لا يضر صلاته؛ لأن حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها؛ كذلك لا يضر مرورها (٢). ----------- = سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله. اهـ. بتصرف. قال النووي في «شرح مسلم» ٥/ ٣٢: وهو باطل ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في «صحيح مسلم»: فإذا قام حملها. وقال ابن رجب في «الفتح» له ٢/ ٧٢٤ رادًّا كلام الخطابي: هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن خرج على الناس وهو حاملها، ثم صلى لهم وهو حاملها. (١) «التمهيد» ٢٠/ ٩٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٤٤. ١٠٧ - باب الصلاة على فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ ٥١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّي النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٥٩٣] ٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ: وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٣٣٣ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٥٩٣] ذكر فيه حديث ميمونة: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي وأنا حائض .. الحديث. هذا الحديث سلف في أواخر الحيض (١)، وفي باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد (٢). و(حيال): بمعنى حذاء كما هو مصرح به هناك، وأصله محول، فقلبت الواو ياءً لأجل الكسرة. وحيال، وحذاء، وتجاه، ووجاه كله بمعنى المقابلة والموازاة عند العرب. قال الجوهري: قعد حياله، وحياله بالكسر أي: بإزائه، وأصله الواو (٣). وهذا الحديث حجة في أن الحائض لا تقطع الصلاة، وهو أيضًا وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته (٤). ----------------- (١) سلف برقم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: الصلاة على النفساء وسنتها. (٢) سلف برقم (٣٧٩) كتاب: الصلاة. (٣) «الصحاح» ٤/ ١٦٧٩. (٤) انظر منها السالف برقم (٥١٤) قريبًا. وفيها دليل على أن النهي إنما هو عن المرور خاصة، لا عن القعود بين يدي المصلي. واستدل العلماء بأن المرور لا يضر بدليل جواز القعود (١). وقول البخاري وزاد مسدد إلى … آخره، قد سلف ذلك مسندًا في الباب الثاني المشار إليه (٢). ------------------ (١) نقل هذا الاستدلال ابن بطال في «شرحه» ٢/ ١٤٥. (٢) سلف برقم (٣٧٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد. ١٠٨ - باب هَل يَغمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَيْ يَسْجُدَ؟ ٥١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١/ ٥٩٣] ذكر فيه حديث عائشة: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! .. إلى آخره. وقد سلف بفقهه أيضًا (١). ---------------- (١) انظره في شرح الحديث السالف برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش. فقد بسط المصنف -رحمه الله- القول عليه هناك، وقد وردت فوائد منثورة في مكررات الحديث في «الصحيح» فانظرها ففيها زيادة بيان. ١٠٩ - باب المَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيْئًا مِنَ الأَذى ٥٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِى مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِى، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِئُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عليها السلام وَهْىَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثُمَّ سَمَّى «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً». [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ١/ ٥٩٤] ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود. وقد سلف بطوله في الطهارة، والكلام عليه مستوفي (١). وهذِه الترجمة قريبة من معنى الأبواب المتقدمة قبلها، وذلك أن المرأة إذا تناولت طرح ما على ظهر المصلي من الأذى فجنها لا تقصد ------------------- (١) سلف برقم (٢٤٠) باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته. إلى أخذ ذلك من ورائه إلا كما تقصد إلى أخذه من أمامه، بل تتناول ذلك من أي جهات المصلي أمكنها تناوله وسهل عليها طرحه. فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه فليس بدونه. ومن هذا الحديث استنبط العلماء حكم المصلي إذا صلى بثوب نجس وأمكنه طرحه في الصلاة فطرحه. فذهب الكوفيون إلى أنه يتمادى في صلاته ولا يقطعها، وروي مثله عن ابن عمر، والقاسم والنخعي والحسن البصري والحكم وحماد. وبه قال مالك في رواية ابن وهب، وقال مرة: يقطع وينزع ويستأنف. قال إسماعيل: وعلى مذهب عبد الملك يتم صلاته ولا يقطعها ويعيد، وهو قول الكوفيين. قال ابن بطال: ورواية ابن وهب عن مالك أشبه، والرواية الأخرى استحسان منه واحتياط للصلاة، والأصل في ذلك ما فعله الشارع من أنه لم يقطع صلاته والحالة هذِه بل تمادى فيها حتى أكملها. والحجة في السنة لا فيما خالفها، ولا وجه لمن قال بالإعادة؛ لأنه إن جاز التمادي فلا معنى للإعادة وإلا فالتمادي فيما لا يجزئ لا معنى له. وهؤلاء الذين دعا عليهم الشارع كانوا ممن لم يرج إجابتهم ورجوعهم إلى الإسلام؛ فلذلك دعا عليهم بالهلاك، فأجاب الله تعالى دعاءه فيهم، وهم الذين أخبر الله -عز وجل- أنه كفاه إياهم بقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]. فأما كل من رجا منه الرجوع والتوبة عما هو عليه فلم يعجل بالدعاء عليه، بل دعا له بالهدى والتوبة، فأجاب الله تعالى دعاءه فيهم. وفيه: الدعاء على أهل الكفر إذا جنوا جنايات وآذوا المؤمنين (١). ---------------- (١) من قوله: ومن هذا الحديث استنبط العلماء .. إلى هنا بسياق مقارب جدًّا من «شرح ابن بطال» ٢/ ١٤٦ - ١٤٧. ٩ كِتابُ مَوَاقيْتِ الصَّلَاةِ وفضلها [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ٩ - كِتابُ مَوَاقيْتِ الصَّلَاةِ وفضلها وقوله ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ. ٥٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أمِرْتُ؟». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: أعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ، أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. [٣٢٢١، ٤٠٠٧ - مسلم: ٦١٠ - فتح:٢/ ٣] ٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. [٥٤٤، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٦] روى إسماعيل القاضي في «أحكامه» في هذِه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا واجبًا مكتوبًا دخل الجنة» (١). وعن عكرمة عن ابن عباس: ﴿كِتَابا مَوْقُوتًا﴾: موجبًا (٢)، وكذا رواه من طرق. وقوله: (وقته عليهم) قال ابن التين: رويناه عن البخاري بالتشديد، وهو في اللغة بالتخفيف، ويدل على صحته موقوتًا؛ إذ لو كان مشددًا لكان موقتًا. تقول: وقته فهو موقوت إذا بين للفعل وقتًا يفعل فيه. والمواقيت جمع ميقات، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع (٣). ثم ذكر البخاري بإسناده إلى ابن شهاب: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا .. الحديث بطوله. ------------------- (١) رواه عبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ١٠٥ (٤٩)، وعبد الله بن أحمد في «زوائده على مسند أبيه» ١/ ٦٠، والبزار في «مسنده» ٢/ ٨٧ (٤٤٠) وقال: هذا حديث مرفوع لا نعلم روي إلا عن عثمان، والحاكم ١/ ٧٢، والبيهقي ١/ ٣٥٨، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٣٩ - ٤٠ (٢٨٠٨) وقد زاد محققها في الإسناد: حدثنا أبي- بعد عبد الله بن أحمد موهمًا أن الحديث من «مسند أحمد» وليس هو كذلك كما ورد في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٨٨. فليستدرك من هنا. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٨٢): حسن لغيره، وقال: رواه أبو يعلى وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «المسند»، والحاكم وصححه وليس عند ولا عن عبد الله لفظه «مكتوب». (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ٢٦٢ (١٠٤٠٠). (٣) قال ابن منظور في «لسان العرب» ٨/ ٤٨٨٧. مادة: وقت: وَقَّت الشيء يوقَّته، وَوَقَتهُ يقتُهُ إذا بيَّن حده، ثم اتُّسِعَ فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، وهو مفعال منه، وأصله مِوْقات، فقلبت الواو ياءً لكسرة الميم. وأخرجه في بدء الخلق (١)، وغزوة بدر (٢). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٣)، وهو أول حديث في «الموطأ» (٤) وطرقه البخاري. وحديث صلاته في الوقتين أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وله طرق (٥). وفي «الصحيح» ما يشهد له. ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٢٢١) باب: ذكر الملائكة. (٢) سيأتي برقم (٤٠٠٧) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا. (٣) رواه مسلم (٦١٠) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس، وأبو داود برقم (٣٩٤)، والنسائي ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وابن ماجه (٦٦٨). (٤) «الموطأ» ١/ ٣ (١ - ٢). (٥) ورد هذا الحديث عن جمع من الصحابة منهم: جابر وابن عباس وأبي هريرة وأبي مسعود الأنصاري وغيرهم: فأما حديث جابر: فرواه الترمذي (١٥٠)، والنسائي ١/ ٢٦٣، وأحمد ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١، وابن راهويه كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٢، وابن حبان ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (١٤٧٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧، والحاكم ١/ ١٩٥ - ١٩٦، والبيهقي ١/ ٣٦٨. قال البخاري في حكاة عن الترمذي ١/ ٢٨٢ أصح شيء في المواقيت حديث جابر. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح مشهور لحسين بن علي الأصغر. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» ٢/ ٤٦٧: يجب أن يكون مرسلًا. وصححه الألبانى في «الإرواء» (٢٥٠). وأما حديث ابن عباس: فرواه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، وأحمد ١/ ٣٣٣، والشافعي ١/ ٥٠ - ٥١ (١٤٦)، وعبد الرزاق ١/ ٥٣١ (٢٠٢٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨٠ (٣٢٢٠)، وأبو يعلى ٥/ ١٣٤ - ١٣٥ (٢٧٥٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٤٩)، وابن خزيمة ١/ ١٦٨ (٣٢٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤٦، والطبراني ١٠/ ٣٠٩ (١٠٧٥٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٨، والحاكم ١/ ١٩٣، والبيهقي ١/ ٣٦٤. قال الترمذي ١/ ٢٨٢: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. = إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: (أخر الصلاة يومًا) أي: يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته كما كانت ملوك بني أمية تفعل لاسيما العصر (١). ---------------- = وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٧٣: وفي إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة مختلف فيه لكن توبع عند عبد الرزاق. قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. وصححه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر. اهـ بتصرف. وصححه الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩. وأما حديث أبي مسعود الأنصاري: فرواه أبو داود (٣٩٤)، وابن راهويه كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٣، والدارقطني ١/ ٢٦١، والحاكم ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وقال: قد اتفقا على حديث بشير بن أبي مسعود في آخر حديث الزهري، عن عروة بغير هذا اللفظ، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٢٤: واعلم أن حديث أبي مسعود في الصحيحين إلا أنه غير مفسر. اهـ. قلت: يعني: بدون ذكر المواقيت وأسماء الصلوات كلما سيُنَبَّهُ عليه قريبًا. وحسنه الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٧٠. وأما حديث أبي هريرة: فرواه البزار في «مسنده» كما في «نصب الراية» ١/ ٢٢٤، والنسائي ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والطحاوي ١/ ١٤٧ مختصرًا، والسراج كما في «الإرواء» ١/ ٢٦٩، والدارقطني ١/ ٢٦١، والحاكم ١/ ١٩٤ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٢٦٩: إنما هو حسن وليس على شرط مسلم. وهناك أحاديث أخر بسط تخريجها والكلام عليها الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٢٢٢ ومنها حدث عمرو بن حزم، وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك، وابن عمر. قال ابن رجب في «الفتح» له ٣/ ١٣: وقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي - ﷺ - في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية: ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر وأنس ولم يخرج منها في «الصحيح». قلت: يعني البخاري. (١) روى عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٣٧٩ بعد أن عقد بابًا سماه: الأمراء يؤخرون = وقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان، وكان ابن مسعود ينكرعليه (١). وقال عطاء: أخر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى (٢)، وكذا كان الحجاج يفعل (٣). ثم إنه أخرها عن الوقت المستحب المرغب فيه لا عن الوقت ولا يعتقد ذلك فيه؛ لجلالته وإنكار عروة عليه؛ إنما وقع؛ لتركه الوقت الفاصل الذي صلى فيه جبريل وهو وقت الناس ففيه المبادرة] (٤) بالصلاة في وقتها الفاضل (٥). ثانيها: هذِه الصلاة المؤخرة كانت العصر كما ذكره في المغازي (٦). ----------------- = الصلاة أثارًا تدل على ذلك فمن هؤلاء الأمراء: ١ - عبيد الله بن زياد (٣٧٨١). ٢ - المختار الكذاب (٣٧٩٨). ٣ - مروان (٣٨٠١). (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٥ (٥٤٨٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٩). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٧). (٤) يوجد في (ج) سقط بمقدار ثلاث صفحات. (٥) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٦٧: ولعل جاهلًا بأخبار يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان من الفضل والدين والتقدم في العلم والخير، بحيث لا يظن به أحد أن يؤخر الصلاة عن أفضل وقتها، كما يصنع بنو عمه، فإن قيل ذلك، فإن عمر -رحمه الله- كان كما ذكرنا وفوق ما ذكرنا إذ ولي الخلافة، وأما وهو أمير على المدينة أيام عبد الملك والوليد، فلم يكن كذلك، وهذا أشهر عند العلماء من أن يحتاج فيه إلى إكثار. اهـ (٦) سيأتي برقم (٤٠٠٧) باب: شهود الملائكة بدرًا. = وهذِه الواقعة كانت بالمدينة، وتأخير المغيرة كان بالعراق كما صرح به هنا. وفي رواية: بالكوفة (١). ثالثها: قام الإجماع عَلَى عدم تقديم الصلاة عَلَى وقتها إلا شيئًا شاذًّا، روي عن أبي موسى وبعض التابعين، بل صح عن أبي موسى خلافه (٢). رابعها: قوله: (أليس قد علمت). كذا الرواية، وهي جائزة، إلا أن المشهور في الاستعمال الصحيح: ألست، نبه عليه بعض فضلاء الأدب. خامسها: قوله: (فصلى، فصلى). ذهب بعضهم إلى أن الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنه - ﷺ - إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصليًا بعده. وإذا حملت الفاء عَلَى حقيقتها وجب أن يكون مصليًا معه، وهذا ضعيف. والفاء للتعقيب. والمعنى أن جبريل كلما فعل فعلًا تابعه النبي - ﷺ -. ------------------- = قلت: ورد عند البخاري التصريح بأنها صلاة العصر في (٣٢٢١) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. (١) رواها مالك في «موطئه» ١/ ٣ (١) برواية أبي مصعب، والقعنبي (٤)، ويحيى الليثي ص ٢٨. (٢) نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «الاستذكار» ١/ ١٨٨، «التمهيد» ٨/ ٧٠، وابن هبيرة في «الإفصاح» ١/ ٢٦٢. قال ابن عبد البر: وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء روي عن أبى موسى الأشعري وعن بعض التابعين، وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نر لذكره وجهًا؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه، بما يوافق الجماعة فصار اتفاقًّا صحيحًا. وهو أولى من الواو؛ ولأن العطف بالواو يحتمل معه أن يكون الشارع صلى قبل جبريل، والفاء لا تحتمل ذَلِكَ فهي أبعد من الاحتمال، وأبلغ في البيان. سادسها: لم يذكر هنا أوقات الصلاة، وإنما ذكر عددها؛ لأنه كان معلومًا عند المخاطب فأبهمه (١). سابعها: قوله: (»بهذا أُمِرْتُ؟ «) روي بفتح التاء عَلَى الخطاب للشارع (٢)، وبالضم عَلَى أنه إخبار من جبريل عن نفسه أن الذي أمرني الله أن أفعله هو الذي فعلته. قَالَ ابن العربي: نزل جبريل إلى الشارع مأمورًا مكلفًا بتعليمه لا بأصل الصلاة؛ لأن الملائكة وإن كانوا مكلفين فبغير شرائعنا، ولكنَّ الله كلف جبريل الإبلاع والبيان كيف ما احتيج إليه قولًا وفعلًا. وأقوى الروايتين: فتح التاء، أي: الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصلًا. وبهذا يتبين بطلان من يقول: إن في صلاة جبريل به جواز صلاة المعلم بالمتعلم، والمفترض خلف المتنفل (٣). ثامنها: قوله: (فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ به) ظاهره الإنكار كما قَالَ -------------------- (١) تقدم قريبًا تخريج الأحاديث المفسرة لأوقات وأسماء الصلوات فانظرها. (٢) رواه بتاء الخطاب أبو ذر الهروي كما ورد في هامش اليونينية ١/ ١١١. (٣)»عارضة الأحوذي" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩. القرطبي (١)؛ لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل: إما لأنه لم يبلغه أو بلغه فنسيه، وكل ذَلِكَ جائز عليه. قَالَ: والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة من أنه - ﷺ - كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر، وذكر له حديث جبريل موطئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف خبر النبي - ﷺ - عليها (٢). تاسعها: قوله: (أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ) قَالَ اَبن التين: هي ألف الاستفهام دخلت عَلَى الواو، فكان ذلِكَ تقريرًا. قَالَ النووي: والواو مفتوحة (٣). و(أن) بفتح الهمزة وكسرها، والكسر أظهر. كما قاله صاحب «الاقتضاب» (٤)؛ لأنه استفهام مستأنف، إلا أنه ورد بالواو، والفتح عَلَى تقدير: أوعلمت، أوحدثت أن جبريل نزل؟. عاشرها: قوله: (كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) فيه: دلالة عَلَى أن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع (٥)؛ لقوله: (كذلك كان ------------------ (١) «المفهم» ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢. (٢) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: فيه نظر؛ لأن عروة استدلاله بإمامة جبريل مسندًا. (٣) عبارة النووي في «شرح مسلم» ٥/ ١٠٨: قوله: أو إن جبريل. هو بفتح الواو وكسر الهمزة. (٤) ورد بهامش (س): وهو في «المطالع». (٥) يقصد المصنف -رحمه الله- بالمقطوع هنا المرسل عند علماء مصطلح الحديث. وكلامه هنا فيه رد على أهل النظر القائلين بأنه أبين حجة وأظهر قوة من المتصل. = بشير)؛ لأن عروة كان قد أخبر أن جبريل أقام للنبي - ﷺ - وقت الصلاة، فلم يقنع بذلك من قوله؛ إذ لم يسند له ذَلِكَ، فلما قَالَ: اعلم ما تحدث به. جاء بالحجة القاطعة فقال: كذلك كان بشير، وفي رواية: سمعت (١)، وفي أخرى: حَدَّثَني بشير (٢). وبشير: بفتح أوله، واسم أبي مسعود: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري، وبشير: والد عبد الرحمن، قيل: إن له صحبة، وأدرك النبي - ﷺ - صغيرًا. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وقال: ولد في حياة الشارع، روى له الجماعة إلا الترمذي، وشهد صفين مع علي (٣). ----------------------- = قال الخطيب في «الكفاية» ص ٥٦٢: عنها بأنها دعوى باطلة؛ لأن أهل العلم لم يختلفوا في صحة الاحتجاج بالمسانيد، واختلفوا في المراسيل، أو لو كان القول الذي قاله المخالف صحيحًا؛ لوجب أن تكون القصة بالعكس في ذلك -يعني: قصة عمر بن العزيز السالفة قريبًا- وقد اختلف أئمة أهل الأثر في أصح الأسانيد وأرضاها، وإليهم المرجع في ذلك، وقولهم هو الحجة على من سواهم، فكلٌّ قال على قدر اجتهاده وذكر ما هو الأولى عنده، ونص على المسند دون المرسل فدل ذلك على تنافيهما واختلاف الأمر فيهما. (١) ستأتي برقم (٣٢٢١) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. (٢) ستأتي برقم (٤٠٠٧) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا. (٣) بشير هذا يروي عن أبيه، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن وعروة بن الزبير وغيرهما. جزم ابن عبد البر وأبو نعيم أن له صحبة، وجزم الأول أنه ولد على عهد النبي - ﷺ - وقال ابن خلفون: إنه ولد بعد وفاة النبي - ﷺ -، اهـ. أما البخاري والعجلي ومسلم وأبو حاتم وغيرهم فجزموا بأنه تابعى. وينظر في ترجمته: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٠٤ (١٨٤٥)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٧٦ (١٤٦٢)، «الثقات» ٤/ ٧٠، «معرفة الصحابة» لأبى نعيم ١/ ٤٠٩ (٣٠٨)، «الاستيعاب» ١/ ٢٥٦ (٢٠٩)، «تهذيب الكمال» ٤/ ١٧٢ (٧٢٤)، «إكمال مغلطاي» ٢/ ٤٢١ (٧٧١)، «الإصابة» ١/ ١٦٨ (٧٥٥). الحادي عشر: قوله: (قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلَّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١) والأربعة. والحجرة: الدار، وكل ما أحاط به حائط فهو حجرة، من حجرت أي: منحت، سميت بذلك؛ لأنها تمنع من دخلها أن يُوصل إليه، ومن أن يُرى، ويقال لحائط الحجرة: الحجار (٢). وقولها: (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي: تعلو وتصير عَلَى ظهر الحجرة، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: ما قدروا أن يعلوا عليه؛ لارتفاعه وإملاسه، وقال النابغة: وإنا لنرجوا فوق ذَلِكَ مظهرًا أي: علوًّا ومرتقى، يقال: ظهر الرجل إلى فوق السطح: علا فوقه، قيل: وإنما قيل له ذَلِكَ؛ لأنه إذا علا فوقه ظهر شخصه لمن تأمله. وقيل: معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر، قَالَ أبو ذؤيب: وعيرني الواشون أني أحبها … وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي: ذاهب. والتفسير الأول أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأن الضمير في قوله: (تظهر). إنما هو راجع إلى الشمس ولم يتقدم للظل ذكر في الحديث، ويأتي لذلك زيادة (بيان) (٣) إن شاء الله في باب: وقت العصر (٤). ------------------ (١) برقم (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. (٢) «لسان العرب» ٢/ ٧٨٢ مادة: حجر. (٣) من (ج). (٤) سيأتي برقم (٥٤٤ - ٥٤٦) كتاب: مواقيت الصلاة. الثاني عشر: في فوائد الحديث ملخصة: منها: المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل. ومنها: دخول العلماء عَلَى الأمراء، إذا كانوا أئمة عدل. ومنها: إنكار العلماء عَلَى الأمراء ما يخالف السنة. ومنها: جواز مراجعة العالم لطلب البيان. ومنها: الرجوع عند التنازع إلى السنة، فإنها الحجة والمقنع. ومنها: أن الحجة في المسند دون المقطوع (١) كما سلف. ومنها: قصر البنيان والاقتصاد فيه، من حيث إن جدار الحجرة كان قصيرًا، قَالَ الحسن: كنت أدخل بيوت النبي - ﷺ -[وأنا] (٢) محتلم وأنا أسقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه (٣). ------------------- (١) تقدم أن المراد بالمقطوع هنا: المرسل، وسبق الكلام عليه قريبًا. (٢) كذا في «المخطوط» وفي مصادر التخريج «فأتناولها». (٣) رواه ابن سعد ٧/ ١٦١، والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٥٠)، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٣٩٧ (١٠٧٣٤)، وصحح الألباني إسناده في «الأدب». ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 587 الى صـــ 606 الحلقة (146) ثانيها: (سليمان) هو ابن داود صلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر الأنبياء، ذكره الله تعالى في القرآن العظيم في مواضع. وسيأتي في حديث أبي هريرة في قصة المرأتين في عدو الذئب على أحد ولديهما (١)، وكان والده يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله، وفيه قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في نبوته وملكه وحكمه دون سائر أولاد داود. وذكر الثعالبي في «عرائسه»، قال: وكان لداود اثنا عشر ابنا، وكان سليمان ملك الشام، وقيل: ملك الأرض كلها. وروي عن ابن عباس قال: ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمروذ وبختنصر (٢). قال كعب ووهب: كان سليمان أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا، يلبس الثياب البيض، ويجالس المساكين، ويقول: مسكين جالس مساكين. وكان حين ملك كبير الغزو لا يكاد يتركه يحمله الرمح هو وعسكره وداوبهم حيث أرادوا، وتمر به وبعسكره الريح على المزر لا يحركها. وعن محمد بن كعب القرظي: بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة فرسخ: خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة ------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٢٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، ورواه مسلم (١٧٢٠) كتاب: اللقطة، باب: بيان اختلاف المجتهدين. (٢) رواه الطبري ٣/ ٢٧ (٥٨٧٥) من قول مجاهد، وكذلك ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٥١، والسيوطي في «الدر» ١/ ٥٨٦ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين، وملك وهو ابن (ثلاث عشرة) (١) سنة، وابتدأ ببيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين. ثالثها: العفريت: وزنه فِعْلِيت، العاتي المتمرد من الجن الخبيث المنكر النافذ في الأمر المبالغ فيه، وقرئ: (عفرية من الجن) (٢) قال الجوهري: إذا سكنت الياء صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها فالتاء هاء في الوقف (٣). ومعنى: («تفلت علي»): تعرض علي فلتة أي: فجأة، وفي مسلم: (يفتك) بدل (تفلت)، وهو الأخذ في غفلة وخديعة وسرعة، وهو المراد بقوله في البخاري: أو كلمة نحوها، قال ابن قرقول: يفتك بضم التاء وكسرها، والفتك هنا تصحيف من تفلت كما في البخاري أي: توثب وأسرع لإضراري والجمع: فلتات. رابعها: (البارحة) أقرب ليلة مضت، قال في «المحكم»: هي الليلة الخالية ولا تحقر. قال ثعلب: يحكى عن أبي زيد أنه قال: تقول: مُذْ غدوة إلى أن تزول الشمس قد سرينا الليلة، وفيما بعد الزوال إلى آخر النهار رأيت البارحة (٤). ------------------ (١) في (س): ثلاثة عشر. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. (٢) قرأ أبو رجاء وأبو السمال: (عِفْريةٌ)، وقرأ أبو حيوة: (عَفْرِيةٌ). انظر: «مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه ص ١١١. (٣) «الصحاح» ٢/ ٧٥٢. (٤) «المحكم» ٣/ ٢٢٤ مادة: برح. وفي «المنتهى» لأبي (المعالي) (١): كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدني ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثلاث ليال. وقال قاسم في «دلائله»: يقال بارحة الأولى يضاف الاسم إلى الصفة كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: كانت لي شاة فعدا عليها الذئب بارحة الأولى (٢). خامسها: فيه دلالة على وجود الجن، وأنه قد يراهم بعض الآدميين، وإن قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ محمول على الغالب، فرؤيتهم غير مستحيلة؛ لأنهم أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير مستحيل. قال الخطابي: وقد رأينا غير واحد من الثقات وأهل الزهد والورع، وبلغنا عن غير واحد من أهل الرياضة وأهل الصفاء والإخلاص من أهل المعرفة أنهم يخبرون أنهم يدركون أشخاصهم. قلت: ورأيت أنا بعضهم في اليقظة (وسلمت) (٣) عليه، وسلم عليَّ بعضهم نهارًا من غير رؤية شخصه، قال: وروينا عن عمر بن الخطاب وأبي أيوب الأنصاري وغير واحد من الصحابة رؤية الجن، ومعالجتهم إياهم في غير طريق من حديث الأثبات والثقات من النقلة (٤). ------------------ (١) في الأصل: (المعاني)، والمثبت هو الصواب. (٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (٢٩٢٦)؛ وفيه: ما بقيت لنا إلا شارة واحدة بعتها الذئب البارحة. وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٠٦: نيه جماعة لم أعرفهم. (٣) كلمة غير واضحة بالأصل، لعلها ما وصفنا، ورسمها في الأصل يقاربه (ملتت). (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠. وقد قيل: إن رؤيته كانت للعفريت وبجسمه حتى يربطه من خصوصياته كما خص برؤية الملائكة، وقد رآه يوم انصرافهم عن الخندق، ورأى في هذِه الليلة الشيطان وأقدر عليه لتجسمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، وأما غيره من الناس فلا يتمكن من هذا، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره - ﷺ - للآية السالفة، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل للأنصاري في بيته صورة حية فقتله، فمات الأنصاري، ومن ذلك - ﷺ - في قوله: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (١). وسموا جنًّا لاستتارهم، وهم نوع من العالم، والإجماع قائم على وجودهم، وإنما أنكرت المعتزلة تسلطهم على البشر فقط. سادسها: معنى قوله: «فذكرت قول أخي سليمان أنه أعطي مملكة الجن، فلم أرد أن أزحمه فيما أعطي» فإذا لم يربطه، ويبعد أنه قال ذلك مع عدم القدرة عليه، وهذا الربط يحتمل أن يكون بعد تمامها، ويحتمل أن يكون فيها؛ لأنه شغل بشر. سابعها: فيه إباحة ربط ما ذكر في المسجد، وعليه ترجم البخاري: والأسير مثله. قال المهلب: وفيه ربط من خشي هروبه لحق عليه أو دين، والتوثق منه في المسجد، وغيره حكاه ابن بطال عنه، ثم قال: ورؤيته للعفريت هو مما خص به كما خص برؤية الملائكة، فقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، وأخبرنا الله تعالى بذلك بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾. ----------------- (١) رواه مسلم برقم (٢٢٣٦) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها. وبقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وقد رآهم (١)، وهذا قد أسلفناه. ثامنها: قوله: «فرده الله خاسئا» أي: ذليلا صاغرا مطرودا، يقال: خسأ الكلب خسوءًا: تباعد، وخسأته: قلت: اخسأ، واعلم أن في بعض نسخ البخاري بعد هذا الباب الاغتسال إذا أسلم، وعليه مشى ابن بطال في «شرحه» (٢) ونحن أيضا، وفي بعضها ذكر الحديث الذي فيه من غير تبويب، وهو مطابق لما بوب له من ربط الأسير مطابقة ظاهرة؛ لأن ثمامة كان أسيرًا وغريما للصحابة لما جاءوا به. قال ابن المنير: ويجوز أن يكون البخاري سلك عادته في الاستدلال بالخفي والإعراض عن الجلي (اكتفاء) (٣) بسبق الأفهام إليه، ويجوز أن يكون ترك الاستدلال بحديث ثمامة؛ لأنه - ﷺ - لم يربطه، ولم يأمر بربطه، وحيث رآه مربوطًا قال: «أطلقوا ثمامة» فهو بأن يكون إنكارًا لفعلهم أولى منه بأن يكون تقريرًا بخلاف قصة العفريت، فإنه - ﷺ - هم بربطه. قلت: في وفد بني حنيفة غدا عليه ثلاثة أيام، وهو كذلك، فإن تقرير أكثر من ذلك على أن ابن إسحاق ذكر أنه - عليه السلام - أمر بربطه (٤)؛ فزال ما ذكره. وفي بعض النسخ: وكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد (٥). ------------------- (١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ٢/ ١٠٩. (٢) المصدر السابق. (٣) في الأصل: اكتفى. والمثبت كما في «المتواري». (٤) «المتواري» ص ٨٨. (٥) سيأتي قريبًا قبل الحديث الآتي. وهذا رواه معمر عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، وإن أعطى حقه، وإلا أمر به إلى السجن (١). -------------------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٠). ٧٦ - باب الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، [وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ] (١). ٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الَمسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ. [٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح: ١/ ٥٥٥] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه قريبًا أيضًا (٢)، وفي الإشخاص (٣) ومطولًا في وفد بني حنيفة من المغازي (٤). ------------------- (١) لم تقع في الأصل، وهي من «اليونينية». (٢) سيأتي برقم (٤٦٩) باب: دخول المشرك المسجد. (٣) سيأتي برقم (٢٤٢٢) كتاب: الخصومات، باب: التوثيق ممن تخشى معرته، وبرقم (٢٤٢٣) باب: الربط والحبس في الحرم. (٤) سيأتي برقم (٤٣٧٢) باب: وفد بني حنيفة. وأخرجه مسلم في المغازي (١)، وطرقه الدارقطني في «علله»، وقال: طريقة البخاري هي الصواب (٢). ووقع في كتاب ابن المنير أن البخاري أخرجه في البيع والشراء في المسجد، ومعه شيخنا في «شرحه»، وهو عجيب فليس فيه إلا حديث بريرة كما سلف، ثم قال: ووجه المطابقة أن الذي تخيل المنع إنما أخذه من ظاهر: «إن هذِه المساجد إنما بنيت للصلاة وذكر الله». فبين البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد، وهو ربط ثمامة؛ لأنه لمقصود صحيح، والبيع كذلك (٣). وهذا أعجب من الأول، وليته على تقدير وجدانه فيه، وأنى له ذلك، استنبط ذلك من قوله في وفد بني حنيفة: (إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل) قيده مساومة وبيع في النفس والمال. ثانيها: هذا الحديث روي أيضا من حديث ابن عباس أخرجه ابن منده في «معرفة الصحابة» من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن ثمامة بن أثال الحنفي أتى النبي - ﷺ - أسيرًا فخلى سبيله، فلحق بمكة فحال بين أهل مكة والميرة من اليمامة، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ألست تزعم أنك بعثت بالرحمة؟ قال: «بلى». قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآية (٤). ------------------- (١) مسلم (١٧٦٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: ربط الأسير وحبسه. (٢) «علل الدارقطني» ٨/ ١٦١ - ١٦٢. (٣) «المتواري» ص ٨٨. (٤) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ١/ ٥٠٧ (١٤٢٢) من طريق عبد المؤمن بن = ثالثها: (ثمامة): -بالثاء المثلثة المضمومة- ابن أثال -بضم الهمزة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة وبعد الألف لام؛ مصروف- ينتهي نسبه إلى عدنان، وهو سيد أهل اليمامة، وكناه ابن الطلاع أبا أمامة وسماه أثاثة، قال: ويقال: ثمامة، وإسلامه قبل الفتح. رابعها: أخذ ابن المنذر من هذا الحديث جواز مكث الجنب المسلم في المسجد، وأنه أولى من المشرك؛ لأنه ليس بنجس، بخلاف المشرك، وروى ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان أن مشركي قريش حين أتوا رسول الله - ﷺ - في نداء من أسلم منهم ببدر كانوا يبيتون في مسجد الرسول منهم جبير بن مطعم (…) (١)، وسيأتي حديثه عند البخاري (٢). خامسها: في ربطه بالسارية جواز ربط الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد، ومذهبنا جوازه بإذن المسلم سواء كان الكافر كتابيًّا أو غيره. واستثنى الشافعي من ذلك مسجد مكة وحرمه (٣)، وذكر ابن التين عن مجاهد وابن محيريز جواز دخول أهل الكتاب فيه (٤). ------------------ = خالد، عن علباء بن أحمر، به. ولعله فيما خرم من «معرفة الصحابة» لابن منده؛ إذ هناك خرم في المطبوعة من حرف الثاء والجيم وصدرا من الحاء. (١) كلام غير واضح بالأصل. (٢) سيأتي برقم (٣٠٥٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فداء المشركين. (٣) «الأم» ١/ ٤٦، واستدل بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. (٤) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٦١ (٨٧٧٦)، (٨٧٧٧). وقال عمر بن عبد العزيز (١) وقتادة ومالك (٢): لا يجوز. ونقله القرطبي عن المزني أيضًا (٣). وقال أبو حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره (٤). وكان حجته ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث جابر مرفوعًا: «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم» (٥). وحجة الشافعي حديث ثمامة، وبأن ذات المشرك ليست نجسة، ومالك أخذ بظاهر الآية، وأنه خاص بالحرم، ومقتضاه تنزه المساجد عنهم كما تنزه عن سائر الأنجاس، عنده أنه نجس لما يخالطه منها إذ كان لا ينفك عنها ولا يتحرز عنها، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكافر فيها مناف لذلك، وبقوله - ﷺ -: «إن هذِه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر» (٦). والكافر لا يخلو عن ذلك، وبالحديث السائر: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٧). والكافر جنب. ----------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٦١ (٨٧٧٨). (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٥٣٥، «البيان والتحصيل» ١/ ٤٠٩. (٣) «المفهم» ٣/ ٥٨٣. (٤) «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «تبيين الحقائق» ٦/ ٣٠. (٥) «المسند» ٣/ ٣٣٩، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠: فيه أشعث بن سوار، وفيه ضعف، وقد وثق. (٦) رواه مسلم (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، من حديث أنس بن مالك، ورواه البخاري مختصرًا دون موضع الشاهد برقم (٢١٩) كتاب: الوضوء، باب: ترك النبي - ﷺ - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد. (٧) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٨٤ (١٣٢٧)، والبيهقي ٢/ ٤٤٢، وضعفه ابن حزم في «المحلى» ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، وقال ابن حجر في = واعتذروا عن حديث ثمامة بأوجه: منها: أن ذلك كان متقدمًا على الآية -وفيه نظر- فإنه في سنة ست، والآية كانت سنة تسع. ومنها: أنه - ﷺ - كان قد علم بإسلامه. ومنها: أنها قصة في حين قال القرطبي: ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ - إنما ربط ثمامة في المسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيأنس بذلك، وكذلك كان (١). ويوضحه حديث عثمان بن أبي العاصي في «صحيح ابن خزيمة» أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - ﷺ - أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم (٢). وقال جبير فيما ذكره أحمد: دخلت المسجد والنبي - ﷺ - يصلي المغرب فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (٣). قال: ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لم يكن لهم موضع ربط يربط فيه إلا المسجد. سادسها: قوله (فقال: «أطلقوا ثمامة») سبب إطلاقه أنه قال له ثلاثة أيام: «ما عندك يا ثمامة؟» -كما يأتي في المغازي (٤) - قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن ------------------ = «التلخيص» ١/ ١٤٠: وضعف جماعة هذا الحديث، بأن راويه أفلت بن خليفة، مجهول الحال. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢). (١) «المفهم» ٣/ ٥٨٤. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٨٥ (١٣٢٨)، ورواه أيضًا أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٤/ ٢١٨. وقال الألباني: إسناده ضعيف فيه عنعنة الحسن، وهو البصري. (٣) أحمد ٤/ ٨٣، وتقدم تخريجه من البخاري (٣٠٥٠) دون قوله: فكأنما صُدع عن قلبي .. (٤) سيأتي برقم (٤٣٧٢) باب: وفد بني حنيفة. كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فعند ذلك أمر بإطلاقه، ففيه: جواز اللين على الأسير، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور (١). وادعى ابن الجوزي أنه لم يسلم تحت الأسر لعزة نفسه، وكأن - ﷺ - أحس منه بذلك فقال: «أطلقوه» فلما أطلق أسلم، ورواية ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحهما» بزيادة: إذ فيهما فمر - ﷺ - يومًا فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال - ﷺ -: «لقد حسن إسلام أخيكم» (٢). ورواه ابن الجوزي أيضا كذلك. سابعها: قوله: (فانطلق إلى نجل) كذا الرواية هنا، وفي مسلم وغيرهما بالنون والخاء المعجمة، أي: انطلق إلى نخيل فيه ماء، وزعم ابن دريد أنه بالجيم، وهو الماء القليل المنبعث، وقيل: الجاري. وعن عائشة رضي الله عنها أن بطحان وهو -واد بالمدينة يجري نجلًا (٣). أي: نزًّا فيمكن أن يكون مضى لذلك المكان، وفي رواية: أنه ذهب إلى المصانع فغسل ثيابه، واغتسل (٤). ولا شك أن الكافر إذا أراد الإسلام بادر به، ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، بل يبادر به ثم يغتسل. ورواية ------------------ (١) انظر: «شرح السير الكبير» ٣/ ١٠٢٩، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤/ ١٨٩٨، «أحكام القرآن» للشافعي ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠. (٢) ابن خزيمة ١/ ١٢٥ (٢٥٣)، وابن حبان ٤/ ٤١ - ٤٢ (١٢٣٨). (٣) «صحيح البخاري» برقم (١٨٨٩)، أبواب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة. (٤) ذكرها ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٨٨. البخاري أنه تشهد بعد الغسل محمولة على أنه أظهر ذلك، وقد أسلفنا أنه أسلم قبله. ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في شركه سواء اغتسل منها أم لا، وأبعد بعض أصحابنا، فقال: إن كان اغتسل أجزأه، وإلا وجب. وأبعد منه قول بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه، ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب، وهو منقوض بالوضوء، وأنه لازم إجماعًا هذا كله إذا كان أجنب في كفره، وإلا فهو مستحب، وقاله مالك (١). قال القرطبي: وهذا الحديث دال على أن الغسل في حق الكافر كان مشروعًا عندهم معروفًا، ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره به، ولا لمن نبهه عليه. قلت: قد سلف صريحًا أنه أمره به قال: والمشهور من قول مالك أنه إنما يغتسل لكونه جنبًا، قال: ومن أصحابنا من قال: يغتسل للنظافة واستحبه ابن القاسم ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل (٢). وقال أحمد وأبو ثور: يلزمه الغسل لهذا الحديث ولحديث قيس بن [أبي] (٣) عاصم في الترمذي محسنًا (٤)، وصححه ابن خريمة (٥)، وعند -------------------- (١) «إكمال المعلم» ٦/ ٩٨ - ٩٩. (٢) «المفهم» ٣/ ٥٨٦. (٣) هكذا في الأصل، والصواب قيس بن عاصم، وهو ابن سنان بن خالد بن منقر، التميمي المنقري، وفد على النبي - ﷺ - في وفد بني تميم، وأسلم سنة تسع، وكان عاقلًا حليمًا سمحًا جوادًا. انظر: «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٣ - ٣٥٥ (٢١٦٤)، «أسد الغابة» ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٤ (٤٣٦٤)، «الإصابة» ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (٧١٩٤). (٤) «سنن الترمذي» (٦٠٥). (٥) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٢٦ (٢٥٤، ٢٥٥). أبي حنيفة أن الغسل للإسلام مستحب. قال محمد في «السير الكبير»: ينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل للجنابة، وعلل بأن الكفار لا يغتسلون للجنابة، ولا يدرون كيفيته (١)، قيل: أراد أن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدينه كقريش، وبني هاشم، فإنهم توارثوه عن إسماعيل - عليه السلام - إلا إنهم كانوا لا يدرون كيفيته، وهذا في حق من لم يجنب، وقد اختلف خطابهم بالفروع أيضًا. ----------------- (١) «السير الكبير» ١/ ١٢٩. ٧٧ - باب الخَيْمَهَ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيِرْهِمْ ٤٦٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ -وَفِي الَمسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ- إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هذا الذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. [٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢ - مسلم: ١٧٦٩ - فتح: ١/ ٥٥٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ .. الحديث. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في الأحزاب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في المغازي (٢). ثانيها: (سعد) هذا هو: ابن معاذ، أبو عمرو، وسيد الأوس، بدري، كبير القدر، واهتز عرش الرحمن لموته، أي: استبشارًا لقدوم روحه، أو المراد: حملة العرش، ومن عنده من الملائكة، وأبعد من قال: المراد بالعرش الذي وضع عليه، وتوقف مالك في رواية هذا الحديث، ولعله لا يصح عنه. قال أبو نعيم: مات في شوال (٣)، ونزل ------------------ (١) سيأتي برقم (٤١٢٢) كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب. (٢) مسلم (١٧٦٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد. (٣) في هامش (س): الخندق كانت في شوال سنة خمس، وقيل: في ذي القعدة، فلا أراه يصح ما قاله إلا أن يقال: إنه لبث بعد الخندق دون شهر يعني: القول بوفاته بعد شهر والمعروف أنه توفي بعد شهر من الخندق بعد الفراغ من بني قريظة. في جنازته سبعون ألف مَلِكٍ ما وطئوا الأرض (١). ثالثها: هذِه الخيمة كانت لرفيدة الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت فيه ضيعة من المسلمين. رابعها: الأكحل: عرق في اليد يفصد، ولا يقال: عرق الأكحل، كما قال في «الصحاح» (٢)، ويقال له كما قال في «المحكم»: النسا في الفخذ، وفي الظهر الأبهر، وقيل الأكحل: عرق الحياة، ويدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم (٣)، وفي «الجامع»: هو عرق الحياة. خامسها: قوله: (فلم يرعهم) أي: يفزعهم، وقال الخطابي: هو من الروع، وهو إعظامك الشيء وإكباره فترتاع، قال: وقد يكون من خوف، والمعنى فهم في سكون حتى أفزعهم الدم فارتاعوا له (٤). ----------------- (١) هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أسلم على يد مصعب بن عمير، شهد بدرًا وأحدًا والخندق، ورمي يومي الخندق بسهم فعاش شهرًا ثم انتقض جرحه فمات منه. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٢٤١ - ١٢٤٤ (١٠٩٦)، «الاستيعاب» ٢/ ١٦٧ - ١٧٠ (٩٦٣)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧ (٢٠٤٥)، «الإصابة» ٢/ ٣٧ - ٣٨ (٣٢٠٤). (٢) «الصحاح» ٥/ ١٨٠٩ مادة: كحل. (٣) «المحكم» ٣/ ٣١ مادة: كحل. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢. سادسها: قوله: (يغذو) أي: سال. والحديث دال لما ترجم له، وهو سكنى المساجد للعذر، وأن الإمام إذا شق عليه النهوض إلى عيادة مريض يأمر أن ينقل به إلى موضع يقرب ويخف عليه زيارته، واستدل به مالك وأحمد (١) على أن إزالة النجاسة ليست فرضًا؛ لأنه لم يحل بينها وبين الذريعة إليها، ولم يمنعه من السكنى، وعزاه بعضهم إلى القديم، ولك أن تقول: إن ما سكن إلا بعد الاندمال، ولا يخشى منه محذور غالبا. ----------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٤١. ٧٨ - باب إِدْخَالِ البَعِيِر فِي المَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعِيرٍ. [١٦٠٧] ٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ١/ ٥٥٧] ثم ساق حديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ ..» الحديث. الكلام عليه من أوجه: أحدها: التعليق الأول يأتي -إن شاء الله تعالى- في الحج من حديث عكرمة (١)، وحديث أم سلمة أخرجه مع مسلم في الحج (٢)، وفي تفسير سورة الطور (٣)، وفي لفظ له: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون» (٤). ثانيها: معنى (شكوت) أي: أشتكي تعني: أنها مريضة، وإنما أمرها ------------------ (١) سيأتي برقم (١٦١٢) باب: من أشار إلى الركن إذا أتى عليه. (٢) سيأتي برقم (١٦١٩) باب: طواف النساء مع الرجال، ومسلم (١٢٧٦) باب: جواز الطواف على بعير وغيره. (٣) سيأتي برقم (٤٨٥٣) كتاب: التفسير. (٤) سيأتي برقم (١٦٢٦) كتاب: الحج، باب: من صلى ركعتين الطوات خارجًا من المسجد. بالطواف وراء الناس؛ لأنه صلاة وسنة النساء التباعد عن الرجال في الصلاة. ثالثها: فيه جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور ففيه خلاف ستعلمه في الحج، وطوافه - ﷺ - على بعير يوضح جوازه، وبه أخذ ابن المنذر وقوم والجمهور كما حكاه القرطبي (١) على كراهة ذلك ومنعه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبًا من مكة، فإن بَعُد إلى مثل الكوفة فعليه دم (٢)، ولم ير الشافعي فيه شيئًا (٣)، وبه قال أحمد كما حكاه ابن الجوزي (٤). وأجابوا عن طوافه راكبًا بأوجه: منها: أنه للاستعلاء كما أخرجه مسلم (٥). ثانيها: أنه كان شاكيا. رواه أبو داود (٦) من حديث ابن عباس (٧)، وهذا فهمه البخاري هناك، وترجم عليه، باب: المريض يطوف راكبًا (٨). -------------------- (١) «المفهم» ٣/ ٣٨١. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٩٥، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٨٢، «المبسوط» ٤/ ٤٤ - ٤٥. (٣) «الأم» ٢/ ١٤٨. (٤) «المغني» ٥/ ٥٥. (٥) مسلم (١٢٧٣) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره. من حديث جابر. (٦) في هامش (س) حاشية نصها: من خط الشيخ: أبو داود والنسائي. (٧) أبو داود (١٨٨١)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٧). (٨) سيأتي برقم (١٦٣٣) كتاب: الحج. ثالثها: قول عائشة لو كان ماشيًا لطرق بين يديه ولصرفوا عنه، وكان يكره ذلك (١). رابعها: فيه جواز دخول الدواب المسجد كما ترجم له، ولا يلزم من دخولها التلوث، وناقته - ﷺ - كانت ناقة منوقة، والعادة أن الدابة إذا كانت سائرة لا تبول (٢)، وخصه مالك بالدواب المأكولة. وفيه أيضًا أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع ولا يخالط الرجالة، وكذلك ينبغي أن يخرج النساء إلى حواشي الطرق. قال أبو عمر: وصلاته - ﷺ - إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر من ذلك المكان، والوجه أن البيت كله قبله، فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان حسنًا (٣). ----------------- (١) رواه مسلم (١٢٧٤) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره، بلفظ: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس. (٢) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وذكر لي بعض أصحابي أن من خصائصه - عليه السلام - أن مركوبه ما دام النبي - ﷺ - راكبه لا يبول ولا يروث وغالب ظني أنه نقله عن ابن إسحاق، والله اعلم. (٣) «التمهيد» ١٣/ ١٠٠ - ١٠١. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 607 الى صـــ 626 الحلقة (147) ٧٩ - باب ٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. [٣٦٣٩، ٣٨٠٥ - فتح: ١/ ٥٥٧] ذكر فيه أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النبوة متنًا وإسنادًا (١)، وفي منقبة أسيد بن حضير، وعباد بن بشر في مناقب الأنصار، وقال فيه: وقال معمر، عن ثابت، عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار، وقال حماد: أنا ثابت، عن أنس كان أسيد وعباد بن بشر عند النبي - ﷺ - (٢)، وتعليق معمر أخرجه البيهقي في «دلائله» من حديث عبد الرزاق عنه (٣)، وتعليق حماد هذا وصله النسائي في «سننه» فقال: حدثنا أبو بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة أنا ثابت فذكره (٤)، وأخرجه البيهقي في «دلائله» من حديث يزيد بن هارون، عن حماد به، وفيه: أضاءت لهما عصى أحدهما (٥). -------------- (١) سيأتي برقم (٣٦٣٩) كتاب: المناقب. (٢) سيأتي برقم (٣٨٠٥) كتاب: مناقب الأنصار. (٣) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٧ - ٧٨. (٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٦٨ (٨٢٤٥). (٥) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٨. ثانيها: الرجلان قد عرفتهما، وقال ابن التين: هما عباد وعويم بن ساعدة أو أسيد، وجزم ابن بطال بأنهما عباد وأسيد (١)، وبه جزم ابن التين في باب: علامات النبوة، وهو الموافق لباقي الباب، وهو شبيه بما ذكره ابن عساكر وغيره، عن قتادة بن النعمان أنه خرج من عند رسول الله - ﷺ - وبيده عرجون فأضاء العرجون (٢). وفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس، حدثني أبي أن أبا عبس كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة (٣)، ومن حديث كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير، وفي لفظ: نفرت دوابنا ونحن في سفر .. الحديث (٤). ثالثها: قال ابن بطال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث في أحكام المساجد؛ لأن الرجلين كانا مع رسول الله - ﷺ - في موضع جلوسه مع الصحابة، فلما كان معه هذان في علم ينشره، أو في صلاة فأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركة الشارع، وفضل مسجده، وملازمته، وذلك آية للشارع وكرامة له، ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣. (٢) «تاريخ دمشق» ٤٩/ ٢٨٤. (٣) «دلائل النبوة» ٦/ ٨٧ - ٧٩. (٤) «دلائل النبوة» ٦/ ٧٩. وأنه خص في الآيات بما لم يخص به من كان معه (١) أن أعطى أن يكرم أصحابه بمثل هذا النور عند حاجتهم إليه، وذلك من خرق العادات (٢). وذكر بعضهم فيما نقله شيخنا قطب الدين في «شرحه» ويحتج به غيره: أنه يحتمل أن يكون البخاري أراد بذكر هذا الحديث هنا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قال في آخرها: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وختمها بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] إلى أن قال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٣٨] فكان هذا من أولئك فهداهما الله بالنور في قلوبهم باطنًا ورزقهم إياه ظاهرًا في الظلمة، كما إن كانا من جملة من كان في البيوت التي أذن الله في رفعها، جعل الله لتمام النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع قوله: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٣) فجعل الله لهم منه في الدنيا ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. رابعها: فيه دلالة ظاهرة لكرامات الأولياء ولا شك فيه. خامسها: قال ابن بطال: كان يصلح أن يترجم لهذا الحديث باب قول الله ------------------ (١) في هامش الأصل: لعله (قبله). (٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣. (٣) رواه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه مرفوع، هو صحيح مسند وموقوف على أصحاب النبي - ﷺ -، ولم يسند على النبي - ﷺ -. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٠). ورواه ابن ماجه (٧٨١) من حديث أنس. تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] يشير إلى أن الآية عامة فيهما فيحتمل أن يستثبت منها المعنى لا سيما وقد ذكر الله النور في المشكاة والزجاجة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، الآية. فاستدل أن الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قلوبهم، ونورًا في جميع أعضائهم، ونورًا بين أيديهم، ومن خلفهم في الدنيا والآخرة، فلما خرجا من عند الشارع في الليلة المظلمة أراهم بركة نبيه وكرامته بما جعل الله لهما من النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع الحديث السالف: «بشر المشائين» إلى آخر ما سلف، ويوقِنَا أن كذلك يكون ما وعدهم الله به من النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة برهانًا لمحمد عليه الصلاة والسلام على صدق ما وُعِد به أهل الإيمان الملازمين للبيوت التي أذن الله أن ترفع (١). وهذا هو عين الاحتمال السالف الذي أباده شيخنا احتمالا، وذكره آخر (…) (٢) فذكره (٣). -------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٣ - ١١٤. (٢) مقدار ثلاث كلمات في الأصل لم نتبين قراءتها. (٣) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الرابع بعد الستين كتبه مؤلفه. ٨٠ - باب الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ ٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُشرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هذا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هُوَ العَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، ولكن أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ». [٣٦٥٤، ٣٩٠٤ - مسلم: ٢٣٨٢ - فتح: ١/ ٥٥٨] ٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، ولكن خُلَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هذا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ». [٣٦٥٦، ٣٦٥٧، ٦٧٣٨ - فتح: ١/ ٥٥٨] ذكر فيه حديثين: أحدهما: قال فيه: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، ثَنَا فُلَيْحٌ، ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ تعالى» .. الحديث. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل أبي بكر (١)، وأخرجه مسلم في الفضائل (٢) (٣). ثانيها: هكذا ثبت في روايتنا عبيد، عن بسر، عن أبي سعيد، وكذا رواه محمد بن زكريا النيسابوري، فقال: حدثنا معاذ بن سليمان الحراني، ثنا فليح. وذكر أبو علي الجياني أن رواية محمد بن سنان معافى بن سليمان ليست محفوظة عن أبي النضر (٤)، وقال ابن السكن عن الفربري: قال محمد بن إسماعيل: هكذا رواه محمد بن سنان، عن فليح، وهو خطا، وإنما هو -عن عبيد وعن بسر- يعني: بواو العطف. وكذا خرجه مسلم، عن سعيدٍ بن منصور عن فليح به، قال: جميعًا: عن أبي سعيد (٥)، ورواه عن فليح كرواية سعيدٍ يونسُ بن محمد عند ابن أبي شيبة (٦)، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري» حدثنا محمد بن سنان، ثنا فليح ثنا أبو النضر، عن عبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في فضل أبي بكر عن عبد الله بن محمد أبي عامر ----------------- (١) سيأتي برقم (٣٦٥٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي - ﷺ -: «سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر». (٢) مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. (٣) في هامش (س): بخط الشيخ: والترمذي في المناقب، والنسائي بعضه. (٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٨٦. (٥) مسلم (٢٣٨٢). (٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٣٥١ (٣١٩١٧). - يعني: العقدي، ثنا فليح، ثنا سالم، عن بسر، عن أبي سعيد (١)، وفي الهجرة عن إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن أبي النضر، عن عبيد، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء» وفيه: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا (٢). وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة (٣) وابن وهب ومعن، ومن طريقه أخرجه مسلم (٤)، ومطرف وإبراهيم بن طهمان -وسماه عبد الله بن حنين- ومحمد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى؛ قال الدارقطني: لم أره في «الموطأ» إلا في «كتاب الجامع» للقعنبي ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه فإنما رواه في غير «الموطأ». قلت: ففليح لم ينفرد به بل توبع، وإن كان بعضهم لين روايته، فيجوز أن يكون حدث به مرة، عن عبيد، ومرة عن بسر، ومرة جمعهما، وأخرجه الترمذي من طريق أبي المعلى مرفوعًا، وقال: غريب (٥)، وأخرجه أيضًا من حديث عائشة أنه - ﷺ - أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر (٦). ثالثها: أبو النضر. اسمه: سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر (٧). --------------- (١) سيأتي برقم (٣٦٥٤). (٢) سيأتي برقم (٣٩٠٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ -. (٣) أخرج روايته الترمذي (٣٦٦٠). (٤) مسلم (٢٣٨٢/ ٢). (٥) الترمذي (٣٦٥٩). (٦) الترمذي (٣٦٧٨) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني. (٧) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٢٨٠). وعبيد بن حنين مدني أخو عبد الله ومحمد تابعي ثقة، مات بالمدينة سنة خمس ومائة، عن خمس وسبعين سنة (١). وبسر بن سعيد -بالباء الموحدة والسين المهملة- مات بالمدينة سنة مائة -وقيل: إحدى- عن ثمان وسبعين سنة. رابعها: قوله: (فبكى أبو بكر) زاد مسلم: فسمى هذا وبكى. وإنما أبهم الشارع ذكر العبد؛ ليظهر فهم أهل المعرفة، ونباهة أهل الحذق، وكان ذلك كله في الصديق، وفي مسلم أنه قال لرسول الله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا؛ لأن الصديق فهم أن العبد هو رسول الله، وكان ذلك في مرض موته، كما ستعلمه، في حديث ابن عباس بعده، فبكى حزنًا على فراقه، وانقطاع الوحي، وغير ذلك من أنواع الخيرات. وفي قول أبي سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا) هو لائح في كونه أعلم الصحابة إذ لم ينكره أحد ممن حضر، ولا شك فيه، ولما علم الشارع ذلك منه اختصه بالخصوصية العظمى، وقال: «إن أمن الناس علي ..» إلى آخره فظهر أن للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق. خامسها: قوله - ﷺ -: («إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر»)، قال العلماء ومنهم الخطابي: أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، ----------------- (١) قال عنه ابن سعد: كان ثقة وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (١٨٧٢)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٣٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٩٧ - ٢٥٠ (٣٧١٢). وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه مبطل للثواب، لأن المنة لله ولرسوله في قبول ذلك وغيره، قال الخطابي: والمن في كلام العرب الإحسان إلى من لا تستثيبه قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]. وقال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]، أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت (١). وقال القرطبي: وزن «أمن» أفعل من المنة بمعنى: الامتنان، أي: أكثر منَّة، ومعناه: أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان بغيره لامتن بها وذلك؛ لأنه بادر بالتصديق، وبنفقة الأموال وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل لكن رسول الله بجميل أخلاقه وكرم أعراقه اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم ليسن كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا وكافَأْنَاه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله -عز وجل- بها يوم القيامة» (٢). سادسها: قوله - ﷺ -: («لو كنت متخذًا من أمتي خليلا ..») إلى آخره، وفي رواية: «لكن أخي وصاحبي» (٣). اعلم أن أصل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله، أي: المنقطع إليه، لقصره حاجته عليه، وقيل: إنها للاختصاص أو الاصطفاء، وسمى إبراهيم بذلك؛ لأنه والى فيه، وعادى فيه، وقيل: لأنه تخلل ------------------ (١) «أعلام الحديث» ١/ ٤٠٣. (٢) «المفهم» ٦/ ٢٤١، والحديث رواه الترمذي (٣٦٦١) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. (٣) رواها مسلم (٣/ ٢٣٨٣) من حديث عبد الله بن مسعود. بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وخلة الله له: نصره وجعله إمامًا لمن بعده، وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودة بتخلل الأبرار، وقيل: اصطفاء المحبة، وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله، وقيل: من التخلل أي: أن الحب تخلل قلبه وغلب على نفسه، والخل الصديق. حكاه ابن قرقول. وقوله: «من أمتي» قيل: اتخذ خليلًا من الملائكة. حكاه ابن التين، ويرده «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي» (١)، و(اتخذ) تتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلا لاتخذت منهم أبا بكر، وقد تتعدى (اتخذ) لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك في القرآن. ومعنى الحديث: أن أبا بكر متأهل لأَنْ يتخذ الشارع خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الرب تعالى وصحبته ومراقبته حتى كأنه مزجت (٢) أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ومن لم ينته إلى ذلك، ممن تعلق القلب به فهو حبيب، وذلك أثبت للصديق ولعائشة أنهما أحب الناس إليه، ونفي عنهما الخلة، وعلى هذا فالخلة فوق المحبة. وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور منهم إلى أن --------------- (١) ستأتي برقم (٣٦٥٤). (٢) لعلها: كأَنْ. الخلة أعلى تمسكًا بهذا الحديث، وذهب أبو بكر بن فورك إلى أن المحبة أعلى؛ لأنها صفة نبينا - ﷺ -، وهو أفضل من الخليل - عليه السلام -، وقيل: هما سواء، فلا يكون الخليل لا حبيبًا، ولا الحبيب إلا خليلًا. وزعم القزاز فيما حكاه ابن التين أن معنى الحديث: لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصت به أبا بكر؛ لأن الخليل من تفرد بِخَلَّة من الفضل لا يشركه فيها أحد كما اتخذ الله إبراهيم خليلا جعلها عليه بردًا وسلامًا. سابعها: قوله: («ولكن أخوة الإسلام») قال ابن التين: رويناه بغير همز، ولا أصل لهذا، وكان الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باب المواضع، وكذا قال ابن بطال: وقع في الحديث (ولكن خوة الإسلام)، ولا أعرف معناه، قال: وقد وجدت الحديث بعده (خلة) بدل (خوة)، وهو الصواب؛ لأنه - ﷺ - صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر الخلالة، وأتى بلفظ مشتق منها، وهو الخلة، قال: ولم أجد خوة بمعنى خلة في كلام العرب (١). قوله: (ما يبكي الشيخ، إن يكن الله) قال ابن التين: رويناه بكسر همزة (إن) على أنه شرط ويصح فتحها، ويكون منصوبًا بأن فيكون المعنى ما يبكيه لأجل أن يكون الله تعالى خير عبدًا. ثامنها: فيه التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤه خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزنًا. ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٥ - ١١٦. وفيه: أنه لا يستحق أحد حقيقة العلم إلا من فهم، وأن الحافظ لا تبلغ درجته إنما يقال للحافظ عالم بالنص لا عالم بالمعنى، ألا ترى أن أبا سعيد جعل لأبي بكر مزية تفهمه أوجب له بها العلم حقيقة، وإن كان قد أوجب العلم للجماعة. وفيه: الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا، والإعلام لمن أحبك ذلك من المسلمين. وفيه: أن على الإمام شكر من أحسن صحبته ونصرته، بتعزيز الدين والاعتراف بذلك واختصاصه بالفضيلة التي لم يشارك فيها كما اختص هو - عليه السلام - أبا بكر بما لم يخص فيه غيره وذلك؛ أنه جعل بابه في المسجد ليخلفه بالإمامة. وفيه: أن المرشح بالإمامة يخص بكرامة تدل عليه. وفيه: أن الخلة فوق الصداقة، والصحبة. وفيه: ائتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل» فتألفهم بأن حرمة الخلة بمعنى: شامل عنده وإن كان قد فضل الصديق بما يدل على ترشيحه للأمر بعده. تاسعها: قوله: («لا يبقين باب في المسجد إلا سد إلا باب أبي بكر») وجاء: «لا يبقين في المسجد خوخة»، كما ستعلمه من حديث ابن عباس. والخوخة بفتح الخاء باب صغير، قال ابن قرقول: وقد يكون عليها مصاريع، وقد لا يكون إنما أصلها فتح في الحائط، وكانت الصحابة فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات؛ اغتنامًا لملازمة المسجد وللكون فيه مع رسول الله - ﷺ - إذا كان فيه غالبًا إلا إنه لما كان يؤدي ذلك إلى اتخاذ المسجد طريقًا، وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فيه، كما أخرجه أبو داود بإسناده الصحيح (١)، أمر - ﷺ - بسد كل خوخة كانت هنالك واستثنى خوخة الصديق إكرامًا له، وخصوصية به؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالبًا. عاشرها: استدل بهذا الحديث على إمامة الصديق، واستخلافه بعده؛ لأنه - ﷺ - كان يخرج من باب بيته، وهو في المسجد للصلاة، فلما أن غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر دل على أنه يخرج إليه منه للصلاة، فكأنه - ﷺ - نبه على أنه من بعده يفعل هكذا، وحديث ابن عباس أنه - ﷺ - أمر بسد الأبواب إلا باب علي، استغربه الترمذي (٢) وقال البخاري: حديث «إلا باب أبي بكر» أصح (٣)، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني، عن شعبة، قال ابن عساكر: وهو وَهَمٌ. قلت: قد تابعه إبراهيم بن المختار. وعند ابن عدي مضعفًا عن أنس قال بعض الناس: سد الأبواب إلا باب أبي بكر، فقال: «إني رأيت على أبوابهم ظلمة، وعلى باب أبي بكر نورًا». قال: فكانت الأخيرة أعظم عليهم من الأولى (٤). -------------------- (١) علقه البخاري (١٧٤) كتاب: الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، ورواه أبو داود (٣٨٢)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٨). (٢) الترمذي (٣٧٣٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه عن شعبة بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه. (٣) «التاريخ الكبير» ٢/ ٦٨. (٤) «الكامل» لابن عدي ٥/ ٣٤٣. الحديث الثاني: حديث ابن عباس: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ .. الحديث. ويأتي في الفرائض بزيادة فإنه أنزله أبا أو قال قضاه أبا (١). وقوله: (عاصبًا رأسه) قال ابن التين: المعروف عصب رأسه تعصيبًا. ------------------- (١) سيأتي برقم (٦٧٣٨) باب: ميراث الجد مع الأب والإخوة. وفي الأصل: (قضاه إياه) بدل (قضاه أبا). ٨١ - باب الأَبْوَابِ وَالغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ قَالَ البخاري: قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا عَبْدَ المَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابن عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا. ٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَفَتَحَ البَابَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أَغْلَقَ البَابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجُوا. قَالَ ابن عُمَرَ: فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقَالَ: صَلَّى فِيهِ. فَقُلْتُ: فِي أى؟ قَالَ: بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. قَالَ ابن عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى. [انظر ٣٩٧ - مسلم ١٣٢٩ - فتح: ١/ ٥٥٩] ذكره شاهدًا للأبواب، واسم (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، مات مع نافع (١)، والغلق بفتح الغين المغلاق، وهو ما يغلق به الباب. ثم ساق حديث حماد عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّه - ﷺ - قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ .. الحديث. وقد سلف من حديث مجاهد عن ابن عمر في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (٢). فطريق نافع طرقه ----------------- (١) عبد الله بن أبي مليكة المكي الأحول، ولاه ابن الزبير القضاء، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٧ (٤١٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٩ - ١٠٠ (٤٦١)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٢، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٥٦ - ٢٥٨ (٣٤٠٥). (٢) سبق برقم (٣٩٧) كتاب: الصلاة. الدارقطني فذكره مرة بزيادة بلال بعد ابن عمر. وفيه: اتخاذ الأبواب للمساجد، وادعى ابن بطال وجوبه صونًا لها (١)، وهو ظاهر إذا غلب على الظن وقوعه فإدخال هؤلاء الثلاثة معه؛ لأن عثمان أحد السدنة ففي عدم دخوله قد يتوهم عزله، وبلال مؤذنه وقائم أمر صلاته، وأسامة حبه ومتولي خدمته وما يحتاج إليه، وأما غلق الباب فلئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة مؤكدة فيلتزموا ذلك. ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١١٦. ٨٢ - باب دُخُولِ المُشْرِكِ المَسْجِدَ ٤٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أنَهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَال لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [انظر ٤٦٢ - مسلم ١٧٦٤ - فتح: ١/ ٥٦٠] ذكر من حديث أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ. وقد سلف قريبا في باب الاغتسال إذا أسلم (١). --------------------- (١) سبق برقم (٤٦٢) كتاب: الصلاة. ٨٣ - باب رَفعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ ٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الَمسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالِ: مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَينَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [فتح: ١/ ٥٦٠] ٤٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَذرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادى: «يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، يَا كَعْبُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قُمْ فَاقْضِهِ». [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ١/ ٥٦١] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث السائب بن يزيد؛ رواه عن علي بن عبد الله، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَظَابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. هذا الحديث، وهو في الحقيقة أثر رواه عن علي بن عبد الله أبو خليفة، وأورده الإسماعيلي عن يعلى عن محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعيد، عن السائب قال: كنت مضطجعًا فحصبني إنسان، فرفعت رأسي، فإذا عمر بن الخطاب فذكره، ثم قال: لم يذكر يزيد، وأورده أيضًا عن أبي القاسم البغوي عن عبيد الله بن عمر الجشمي، عن يحيى بن سعيد؛ فقال: عن الجعد بن أوس، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد. قلت: والجعد معروف بالرواية عن يزيد وعن السائب. إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: (يزيد) هذا هو: ابن عبد الله بن خصيفة مدني ثقة (١). و(الجعد) مدني ويقال: الجعيد، ثقة، روى له مسلم حديثًا واحدًا عن السائب (٢). ---------------- (١) هو يزيد بن عبد الله بن خُصيفة بن عبد الله بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» [القسم المتمم] ص ٢٧٣ (١٥٥)، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٤٥ (٣٢٦١)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٧٤ (١١٥٣)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٦١٦، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٧٢ - ١٧٤ (٧٠١٢). (٢) هو ابن عبد الرحمن بن أوس الكندي، ويقال: التيمي المدني، وثقه يحيى بن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٤٢٠ (٢٣١٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٢٧، ٥٢٩ (٢١٨٩)، (٢١٩٦)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ١١٦، «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٦١ - ٥٦٢ (٩٢٧). وحديثه عند مسلم برقم (٢٣٤٥) كتاب: الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته. ثانيها: قوله: (كنت قائمًا) كذا في روايتنا بالقاف، ولعله بالنون بدلها، توضحه رواية الإسماعيلي كنت مضطجعًا. ثالثها: أنما أنكر عمر عليهما لرفعهما أصواتهما فيما لا حاجة فيه، ولذلك بنى عمر البطحاء خارج المسجد لينزهه عن الخنا والرفث. وسؤاله عنهما؛ لأنه كان قد قدم النهي عن ذلك فلما أخبراه أنهما ليسا من أهل البلد سكت عنهما، وأخبرهما بالنهي الذي كان قدمه لأهل البلد، وقد قال مالك (١) وغيره: لا يرفع الصوت في المسجد في علم ولا غيره، قال مالك: ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على بعض من يكون ذلك محله، وفي العلم ترفع فيه الأصوات، وكرهه، رواه ابن عبد الحكم عنه. وقال ابن مسلمة في «المبسوط»: لا بأس برفع الصوت في المسجد في الخير يخبرونه والخصومة تكون بينهم، ولا بأس بالأحداث التي تكون بين الناس فيه من الشيء يعطونه، وما يحتاجون إليه؛ لأن المسجد مجمع الناس، ولابد لهم فيما يحتاجون إليه من ذلك. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في المسجد، وذكر ابن أبي خيثمة، عن إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة قال: مررت بأبي حنيفة مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه! فقال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا بهذا (٢)، وفي خبر أنه - ﷺ - نهى عن رفع الصوت في المساجد -------------------- (١) «المنتقى» ١/ ٣١٢. (٢) انظر: «الآداب الشرعية» لابن مفلح ٣/ ٣٨٢. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (6) من صـــ 8 الى صـــ 20 الحلقة (148) وإنشاد الشعر وطلب الضوال والصفق في البيوع؛ ولا يقوى (١). الحديث الثاني: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ .. الحديث. وقد سلف في باب التقاضي والملازمة في المسجد (٢). وساق البخاري هذا الحديث ليبين أن ارتفاع صوت كعب وابن أبي حدرد فيه كان على طلب حق واجب، ولهذا لم يعبه الشارع عليهم فبين بالحديث الأول محل المنع وبهذا محل الجواز. ------------------ (١) رواه أبو داود (١٠٧٩)، والترمذي (٣٢٢)، والنسائي ٢/ ٤٧ - ٤٨، وابن ماجه (٧٤٩)، وأحمد ٢/ ١٧٩، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٢٧٤ (١٣٠٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر. وحسنه الترمذي وقال: ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه؛ لأنه يُحدِّث عن صحيفة جدِّه، كأنهما رأوا أنه لم يسمع هذِه الأحاديث من جده. والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٩١). (٢) سبق برقم (٤٥٧) كتاب: الصلاة. ٨٤ - باب الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ ٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى». وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِهِ. [٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥، ٩٩٨، ١١٣٧ - مسلم: ٧٤٩، ٧٥١ - فتح: ١/ ٥٦١] ٤٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيفَ صَلَاةُ اللَّيلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ». قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ. [انظر: ٤٧٢ - مسلم ٧٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٢] ٤٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ». [انظر: ٦٦ - مسلم: ٢١٧٦ - فتح: ١/ ٥٦٢] ساق فيه حديث ابن عمر (١): قَالَ: سَأَلَ رَجُل رسول الله - ﷺ - وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث. --------------------- (١) فوقها في الأصل: (د، س، ق) انظر: أبو داود: (١٣٢٦)، النسائي: (١٦٦٩)، ابن ماجه: (١٣٢٠). وحديث ابن عمر (١) أيضا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى ..» الحديث ثم قال: وقَالَ الوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلًا نَادى رسول - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ. ثم ساق حديث أبي واقد في النفر الثلاثة. وهذا الحديث سلف في باب: من قعد حيث ينتهى به المجلس من كتاب العلم (٢). وأما الحديث الأول والثاني فأخرجهما مسلم أيضًا (٣). وأما الثالث المعلق فأسنده مسلم عن [أبي كريب] (٤) وهارون بن عبد الله، عن أبي أسامة، عن الوليد به (٥)، وفي رواية لأصحاب السنن الأربعة زيادة والنهار (٦). قال الترمذي: والصحيح صلاة الليل، وقال النسائي: إنه خطأ، وقال الشافعي: إنه لا يثبت أهل الحديث مثله، أعني: ذكر النهار؛ وأما البخاري فصححه (٧)، وطرقه الدارقطني فأبلغ (٨). إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه: --------------------- (١) فوقها في الأصل: (د) انظر: أبو داود: (١٤٢١). (٢) سبق برقم (٦٦). (٣) مسلم (٧٤٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى. (٤) في (س): كريب، والصواب ما أثبتناه. (٥) مسلم (٧٤٩/ ١٥٦) بعد حديث (٧٥٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل مثنى مثنى. (٦) أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي ٣/ ٢٢٧، وابن ماجه (١٣٢٢). (٧) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٨٧. (٨) وقال: لا يثبت. انظر: «العلل» ١٣/ ٣٥. أحدها: ليس فيما ذكره البخاري دلالة على التحلق والجلوس في المسجد بحال كما نبه عليه الإسماعيلي. وقال المهلب: شبه البخاري في حديث جلوس الرجال في المسجد حول الشارع وهو يخطب بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم. والظاهر أن الشارع لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلا وعنده جمع جلوس محدقين به كالمتحلقين. وأما حديث أبي واقد فليس في إيراده هنا دلالة لما ترجم له، نعم فيه في كتاب العلم بينما رسول الله - ﷺ - جالس والناس معه إذ أقبل .. الحديث، فاكتفى بأصل الحديث كعادته في الاستدلال بالأشياء الخفية والإجماع قائم على جواز التحلق والجلوس في المسجد لذكر الله والعلم. ثانيها: فيه: أن الخطيب إذا سئل عن أمر في الدين لا بأس بالجواب، ولا خطبته. ثالثها: اختلف العلماء في النوافل، فقال مالك والشافعي وأحمد: السنة أن يكون مثنى مثنى ليلًا ونهارًا (١)، ويؤيده صلاته - ﷺ - النوافل ركعتين، ركعتين (٢)، وقال أبو حنيفة: إن شاء ركعتين وإن شاء أربعًا، قال: وصلاة الليل كذلك، وإن شاء ستًّا أو ثمانيًا من غير زيادة، بتسليمة ------------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٢١٣ - ٢١٤، «الأم» ١/ ١٢٣. (٢) انظر ما سيأتي في كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى. واحدة، ولا شك أن صلاته كانت بالليل مختلفة (١)، وصح في الجمعة «من كلان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٢). رابعها: قوله: («فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى») فيه: أن الوتر واحدة وخالف مالك، فقال: أوله ثلاث بتسليمتين (٣)، وأبو حنيفة، فقال: بتسليمة (٤)؛ وستكون لنا عودة إليه إن شاء الله في موضعه. خامسها: قوله: («اجعلوا آخر صلاتكم في بالليل وترًا») هذا أمر كما فهمه ابن عمر حيث قال: إنه - ﷺ - أمر به، وهذا في حق من لا يغلبه النوم، فإن كان يغلبه قدمه، وستكون لنا عودة إلى ذلك إن شاء الله. سادسها: قوله: («مثنى مثنى») هو بغير تنوين لا يجوز غيره للعدلية والوصف. فائدة: الحلق بفتح الحاء واللام، وحكي كسر الحاء، جمع حلقة كتمرة وتمر، بإسكان اللام وحكى سيبويه فتحها، وهي منكرة، والفرجة: سلف بيانها في العلم. ------------------- (١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٣. (٢) رواه مسلم (٨٨١/ ٦٩) كتاب: الجمعة، باب: الصلاة بعد الجمعة، من حديث أبي هريرة. (٣) «المنتقى» ١/ ٢٢٣. (٤) «الهداية» ١/ ٧١. ٨٥ - باب الاسْتِلْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ ٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي الَمسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. [٥٩٦٩، ٦٢٨٧ - مسلم: ٢١٠٠ - فتح: ١/ ٥٦٣] ساق من حديث عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى. وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان واللباس (١)، ومسلم في اللباس (٢). وقوله: (عن ابن شهاب ..) إلى آخره، ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود (٣)، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه» الصديق، فقال: وإن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك، وقد أخرج البرقاني هذا الفصل من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري متصلًا بالحديث، ولم يذكر سعيد بن المسيب (٤). وسعيد لم يصح سماعه من عمر (٥)، وأدرك عثمان ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله - ﷺ -. ------------------------ (١) سيأتي برقم (٥٩٦٩) كتاب: اللباس، باب: الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وبرقم (٦٢٨٧) كتاب: الاستئذان، باب: الاستلقاء. (٢) مسلم (٢١٠٠) كتاب: اللباس والزينة، باب: في إباحة الاستلقاء. وورد بهامش (س): من خط الشيخ. أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي هنا. (٣) أبو داود (٤٨٦٧). (٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٥٩ (٧٧٥). (٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: فيه خلاف، وقال أحمد: سمع. إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه: أحدها: فيه جواز الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، ومَن مَنَع استدل بحديث جابر بن عبد الله أنه - ﷺ - نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلقٍ (١). لكن الجواب عنه إنما بادٍ في النسخ كما تقدم وفعل الخلفاء بعده يعلم أنه الناسخ؛ ولذلك أردف البخاري الحديث به أو بتأويله على أنه محمول على خوف بدو العورة عند تثني الإزار وسبل إحدى رجليه على الأخرى. ثانيها: فيه: جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد، ويحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك إلا لضرورة، أو كان بغير محضر جماعة فجلوسه - ﷺ - في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع، والانبطاح على الوجه منهي عنه (٢)، وهي ضجعة يبغضها الله. ---------------------- (١) رواه مسلم (٢٠٩٩/ ٧٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في منع الاستلقاء على الظهر، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى. (٢) النهي عن الابنطاح على الوجه، رواه أبو داود (٥٠٤)، وابن ماجه (٣٧٢٣)، وأحمد ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٥ والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٨٧)، وصححه الألباني في تعليقاته على «الأدب المفرد» (١١٨٧). انتهى المجلد الخامس ٨٦ - باب المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَير ضَرَرٍ بِالنَّاسِ وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ وَأَيُّوبُ وَمَالِكٌ. ٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. [٢١٣٨، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٤٠٩٣، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٣] ثم ساق حديث عائشة (١) رضي الله عنها: قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ .. الحديث. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وساقه بكماله في الهجرة (٢)، وساق بعضه في غزوة الرجيع من حديث هشام، عن عروة، عن عائشة (٣). والمراد بأبويها: الصديق وأم رومان. -------------------- (١) ورد بهامش (س): وساق حديث عائشة بسنده هنا في الكفالة مطولًا، وشرحه المصنف هناك أيضًا. (٢) سيأتي برقم (٣٩٠٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ -. (٣) سيأتي برقم (٤٠٩٣) كتاب: المغازي. ومعنى (يدينان) الدين: أي: دين الإسلام. وقوله: (ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا) لا شك أن الصديق كما ستعلمه في الهجرة لما أوذي خرج من مكة حتى بلغَ بْرك الغِمَاد فرده ابن الدغنة، ورجع معه إلى مكة، وأجاره بشرط أن يصلي في بيته، ولا يعلن بالقراءة، ثم بعد ذلك بدا للصديق فابتنى هذا المسجد بفناء داره فسير المشركون إلى ابن الدغنة فجاء الصديق فقال له: إما أن تصلي في بيتك وإلا فرد جواري؛ فقال الصديق: فإني أرضى بجوار الله، وأرد إليك جوارك، وهذا من ندى الصديق وفضله، فإنه قصد بذلك إظهار الدين. وأجاز مالك بناء المسجد بفناء الدار إذا كان لا يضر بالسالكين؛ لأن نفعه كالاستغراق، وإليه ذهب البخاري في ترجمته قال ابن شعبان في «الزاهي»: وينبغي تجنب الصلاة في المساجد المبنية حيث لا يجوز بناؤها من الطرقات ونحوها؛ لأنها وضعت في غير حقها فمن صلى فيها متأولًا أنه يصلي في الطريق أجزأ قال: ولو كان مسجد في متسع وأراد الإمام الزيادة فيه ما لا يضر بالسالكين لم يمنع عند مالك ومنعه ربيعة، وصححه ابن بطال؛ لأنه غير عائد إلى جميعهم، وقد ترتفق به الحائض والنفساء، ومن لا يجب عليه من الأطفال ومن يملكه من أهل الذمة (١). فائدة: ساق البخاري قطعة من حديث الزهري عن عروة مرسلة، وهي مسندة في بعض نسخ «المغازي» لابن عقبة -فيما رويناه في كتاب البيهقي- (عن أبيه). --------------------- (١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٣. وفي البخاري: رجع عامة من كان بأرض الحبشة، كذا وقع فيه والصواب ما رواه الحاكم في «إكليله»: من حديث ابن شهاب، عن عروة: رجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين؛ ويؤيده أنه هو ذكر قدوم جعفر وأصحابه كان بعد خيبر. فائدة ثانية: في ألفاظ وقعت في هذا الحديث في الهجرة تعجلناها هنا منها: (برك الغماد) بكسر الباء وفتحها وإسكان الراء في أقاصي هجر، والغماد بضم الغين وكسرها، قال ابن دريد: وهو بقعة في جهنم (١). والدغنة بضم أوله وكسر ثانيه، وتخفيف النون وبضمها، وتشديد النون، روي بهما في «الصحيح»، ورويناه بالضم مع تخفيف النون في المغازي وأصله من الغيم الممطر، وقيل: لأنه كان في لسانه استرخاء لا يملكه، واسمه مالك فيما ذكره السهيلي قال: والدغنة اسم امرأة عرف بها، ويقال له أيضا: ابن الدثنة وهي الكبيرة اللحم المسترخية، وهو سيد الغارة كما ذكر في الحديث. ومنها: قول ابن الدغنة في الصديق (إنك تكسب المعدوم) أي: تكسب غيرك ما هو معدوم عنده قال ابن دحية في «مولده» وفتح التاء أصح. ومنها: قوله: (أريت دار هجرتهم بسبخة كأن تحل بين لابتين) وهما الحرتان، قد فسر اللابة، وهي أرض يركبها حجارة سود، ومنه قيل للأسود: لوبي ونوبي، وفي «الإكليل»: من حديث جرير مرفوعًا: «إن -------------------- (١) ورد بهامش (س): الذي في»الجمهرة«وبرك الغِماد موقع، وقيل: الغُماد أيضًا. [انظر:»الجمهرة" ٢/ ٦٧٠ مادة (دغم)]. الله تعالى أوحى إلي أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» (١)، فاختار المدينة، وورد في حديث موضوع كما قاله ابن عبد البر: «إنها أحب البلاد إلى الله» (٢). ومنها: قوله: (وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر) كذا وقع هنا السمر وهو الخبط وفيه نظر، فقد فرق بينهما أبو حنيفة في «نباته»، وأبو زياد وقال: السمر أم غيلان، وغيرها. ومنها: قولها: (في نحر الظهيرة) أي: أول الزوال. ومنها: قولها: (فقال أبو بكر: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي) أي: أفديه بهما، بالمد والقصر (٣)، وفتح الفاء وكسرها. ومنها: (جَبَل ثَوْرٍ)، وهو بالمدينة (٤) وأنكره من أنكره (٥). ومنها: (الجهاز) وهو بفتح الجيم وكسرها ومنهم من أنكر الكسر، والسفرة سميت باسم ما يحمل فيها وبينها (…) (٦). ------------------- (١) رواه الترمذي (٣٩٢٣) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار، والطبراني ٢/ ٣٣٩ (٢٤١٧)، والحاكم ٣/ ٢ - ٣ وصحح إسناده. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٥٣): موضوع. (٢) انظر: «الاستذكار» ٢٦/ ١٦ - ١٧، والحديث رواه الحاكم ٣/ ٢٧٨ من حديث الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني سألت ربي -عز وجل- فقلت: اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إلي، فأنزلني أحب الأرض إليك، فأنزلني المدينة»، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٥): موضوع. (٣) ورد بهامش (س): كسر الفاء مع المد وفتحها مع القصر. (٤) في هامش (س): صوابه بمكة، والذي أنكر إنما هو الذي بالمدينة. (٥) ذكر البكري في «معجم ما استعجم» ١/ ٣٤٨، وابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٢٩، وياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٢/ ٨٦ أن ثورًا جبل بمكة فيه غار النبي - ﷺ -. (٦) كلمات غير واضحات بالأصل. و(الجراب) بكسر الجيم أفصح من فتحها بل لحن من فتح. ومنها: قولها في حق عبد الله بن أبي بكر: (ثقف لقن) أي: فهم حافظ، وهو بكسر القاف فيهما وسكونها. و(النطاق) بكسر النون ما يشد به الوسط؛ وسميت أسماء ذات النطاقين لأنه كان لها نطاقان واحد على واحد، وقيل: تلبس أحدهما، وتحتمل في الآخر الزاد لرسول الله - ﷺ - وهو في الغار. ومنها: قولها: (وهو لبن منحتهما ورضيفهما) الرضيف: اللبن المرضوف أي: طرحت فيه الرضفة وهي الحجارة المحماة بالشمس، أو النار ليتعقد وتذهب وخامته. ومنها: قوله: (رجلًا من بني الديل) هو بكسر الدال، من كنانة، وزعم أبو اليقظان أنه الدُّول بضم الدال وسكون الواو، ووَهِمَ مَن قال: إن الدول امرأة من كنانة بل ذاك بالهمز. و(أبو الأسود الدئلي) بكسر الهمزة، والقياس فتحها، وابن حبيب وغيره يقول: في كنانة بن خزيمة الديلي بإسكان الياء. ابن بكر، وقد قيل: في ابن أريقط الليثي، وليث هو: بكر بن عبد مناة أيضًا، فيحتمل نسبته إلى ليث؛ لأنها أشهر نسبة من الدول وهو مشتق من اسم دويبة. ومنها: قول سراقة عن فرسه (فرفعتها تقرب بي) هو ضرب من سيرها، وفيه غير ذلك مما يطول وتعلمه في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره. ٨٧ - باب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ وَصَلَّى ابن عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ. ٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِى: عَلَيْهِ- المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِى يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٦٤٩ - فتح: ١/ ٥٦٤] كذا في نسخة سماعنا: (ابن عون) ووقع في كلام ابن المنير (ابن عمر) (١)، ولعله تصحيف. ووجه مطابقة الترجمة لحديث ابن عمر الذي ساقه (٢)، فإنه لم يصل في سوق. إن البخاري أراد إثبات جواز بناء المسجد داخل السوق لئلا يتخيل المسجد في المكان المحجور لا يشرع كما أن مسجد الجمعة لا يجوز أن يكون محجورًا، فنبه بصلاة ابن عمر على أن المسجد الذي صلى فيه كان محجورًا، ومع ذلك فله حكم المساجد. ثم خص السوق في الترجمة لئلا يتخيل أنها لما كانت شر البقاع (٣)، ---------------------- (١) «المتواري» ص ٨٨. (٢) سيأتي برقم (٤٨٣) كتاب: الصلاة. وفي هامش الأصل: في المساجد التي على طرق المدينة. (٣) روى مسلم (٦٧١) كتاب: المساجد، باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح .. من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض = وبها يركز الشيطان رايته كما ورد في الحديث (١) يمنع بذلك من اتخاذ المساجد فيها، وينافي العبادة كما (نافتها) (٢) الطرقات ومواضع العذاب والحمام شبهها فبين بهذا الحديث أنها محل للصلاة كالبيوت، فإذا كانت محلا لها جاز أن يبنى فيها المسجد وكذا قال ابن بطال في «شرحه»: فيه: أن الأسواق مواضع للصلاة وإن كان قد جاء فيها مرفوعًا: «إنها شر البقاع» حكاية عن جبريل: «وخيرها المساجد» أخرجه الآجري (٣). فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به إذا كانت الأسواق شر البقاع والمساجد خيرها، فلا يجوز أن تعمل الصلاة في شرها فجاء في الحديث إجازة الصلاة في السوق وأن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة كصلاة المنفرد في بيته، قال: واستدل البخاري أنه إذا جازت الصلاة في السوق فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعات لفضل الجماعة كما يتخذ المساجد في البيوت عند الأعذار لفضل الجماعة (٤). ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ --------------- = البلاد إلى الله أسواقها». (١) رواه مسلم (٢٤٥١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة، عن سلمان قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. (٢) كذا قراءتها التقريبية، ولعل لها وجها لم يتبين لنا. (٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٧٦ (١٥٩٩)، والحاكم ١/ ٩٠، والبيهقي ٣/ ٦٥، من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢٠١). (٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٤. الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ خمسا وعشرين درجة .. «الحديث. وسبق بعضه في باب: الحدث في المسجد (١)، وسيأتي في فضل صلاة الجماعة (٢)، وسنتكلم عليه هناك إن شاء الله، وفي البيوع في باب: ما ذكر في الأسواق (٣)، وأخرجه مسلم هنا أيضا (٤). وقوله: (»لم يخط خُطوة«) هو بفتح الخاء وضمها، قال القرطبي: الرواية بالضم وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين (٥)، وقال ابن التين: رويناه بفتحها، وهي المرة الواحدة. وقوله: (»لا يريد إلا الصلاة«) أي: لا يقصد غير ذلك، وفي رواية: لا يهزه، أي: لا يدفعه ويهزه بضم أوله أو بفتحه (٦). -------------------- (١) سلف برقم (٤٤٥). (٢) سلف برقم (٦٤٧) كتاب: الأذان. (٣) سيأتي برقم (٢١١٩) كتاب: البيوع. (٤) مسلم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة. (٥)»المفهم" ٢/ ٢٩٠. (٦) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الخامس بعد الستين كتبه مؤلفه. ٨٨ - باب تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيِرْهِ ٤٧٨ و٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ. [٤٨٠ - فتح: ٤/ ٥٦٥] ٤٨٠ - وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا». [انظر: ٤٧٩ - فتح: ١/ ٥٦٥] ٤٨١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [٢٤٤٦، ٦٠٢٦ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٦٥] ٤٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاة؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ». فَقَالُوا نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ١/ ٥٦٥] ساق فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: عن حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، ثَنَا عَاصِمٌ، ثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو: شَبَّكَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصَابِعَهُ. قال أبو عبد الله: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هذا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بهذا». والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث ليس موجودًا في أكثر نسخ الصحيح، ولا استخرجه الحافظان الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال، وفي بعض النسخ، ملحقًا على الحاشية. وحكى أبو مسعود أنه رأى في كتاب أبي رميح عن الترمذي وحماد بن شاكر عن البخاري، نعم، ذكره خلف في «أطرافه» في مسند ابن عمر، وكذا الحميدي في «جمعه» في أفراد البخاري من حديث واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر أو ابن عمرو -وعلى ابن عمرو تمريض- قال: شبك النبي - ﷺ - أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أفعل يا رسول الله، قال: «تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم». قال الحميدي: هكذا في حديث بشر بن المفضل عن واقد، وفي حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله بن عمرو كيف أنت إذا بقيت» وذكره (١). الوجه الثاني: (حامد) هذا هو: البكراوي من ذرية أبي بكرة الثقفي، نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، بنيسابور (٢). و(بشر) هو: ابن المفضل الرقاشي، الحجة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة، مات سنة سبع وثمانين ومائة (٣). و(عاصم) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وثق (٤). و(عاصم بن علي) هو الواسطي، شيخ البخاري وهو ثقة، وإن ضعفه ابن معين، وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، مات سنة إحدى وعشرين ------------------ (١) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٢٧٨ (١٤٣٥). (٢) هو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي، روى عنه البخاري ومسلم، ووثقه ابن حبان. انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٢٥ (٤١٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٠٠ (١٣٣٧)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٢١٨، «تهذيب الكمال» ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (١٠٦٢). (٣) بشر بن المفضل، تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٧). (٤) عاصم بن محمد بن زيد، روى له الجماعة، ووثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود وأبو حاتم، وزاد أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: صدوق الحديث، وقال البزار: صالح الحديث، ووثقه ابن حجر. انظر ترجمته في: «تاريخ يحيى بن معين برواية الدارمي» ص ١٤٩ (٥١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٥٤٠ (١٩٣١)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣ (٣٠٢٧)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٠. ومائتين (١). و(واقد) هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ثقة، ووالده زيد (٢). الثالث: الحثالة: ثفله ورديه، ومرجت: بكسر الراء أي: اختلطت عهودهم ولم يفوا وشبك الشارع ليمثل له اختلاطهم. الحديث الثاني: حديث أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب (٣)، ومسلم (٤) كذلك (٥)، وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وخلاد بن يحيى، شيخ البخاري ثقة، يغلط قليلًا، مات سنة سبع عشرة ومائتين (٦). وظاهر الحديث الإخبار ومعناه الأمر وفيه التحريض على التعاون. الحديث الثالث: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِحْدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ- قَالَ ابن سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ولكن نَسِيتُ أَنَا .. الحديث، وفيه: وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. ------------------ (١) عاصم بن علي، تقدمت ترجمته في المقدمة. (٢) واقد بن محمد بن زيد، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٥). (٣) سيأتي برقم (٦٠٢٦) باب: تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا. (٤) مسلم (٢٥٨٥) كتاب: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم. (٥) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط الشيخ الترمذي في البر وصححه والنسائي في الزكاة. (٦) خلاد بن يحيى، تقدصت ترجمته في حديث رقم (٢٧٧). وسيأتي في سجود السهو إن شاء الله وقدره. وطرقه الدارقطني (١)، وغيره وأخرجه مسلم (٢) والباقون (٣). واختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة فرويت آثار مرسلة أنه - ﷺ - نهى عن ذلك في المسجد من مراسيل سعيد بن المسيب. ومنها: مسند من طرق غير ثابتة (٤)، كما قال ابن بطال، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن مولى أبي سعيد، وهو مع رسول الله - ﷺ - فدخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فرأى رجلا جالسا وسط الناس قد شبك بين أصابعه يحدث نفسه فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - فلم يفطن له فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» (٥)، وهذِه الآثار معارضة لأحاديث الباب وهي غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية (٦). قلت: وأما ابن حبان فأخرج النهي عن التشبيك من حديث كعب، وكذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٧)، وأخرجه ابن حبان أيضًا ------------------ (١) «العلل» ٩/ ٣٧٥ - ٣٧٩. (٢) مسلم (٥٧٣) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. (٣) أبو داود (١٠٠٨)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي ٣/ ٢٠ - ٢٣، وابن ماجه (١٢١٤). (٤) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٣ (٣٣٣١) - (٣٣٣٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤ - ٤٨٢٨). (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ (٤٨٢٤). (٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥. (٧) ابن خزيمة ١/ ٢٧٧ (٤٤١)، ابن حبان ٥/ ٥٢٤ (٢١٥٠)، ورواه أيضًا: أبو داود = والحاكم في «المستدرك» من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (١). وكره إبراهيم تشبيك الأصابع في الصلاة (٢)، وهو قول مالك (٣)، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم وكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة؛ ذكرهما ابن أبي شيبة (٤)، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد (٥)، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة. --------------------- = (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦)، وأحمد ٤/ ٢٤٠، والدارمى ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٤). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٤٢). (١) ابن حبان ٥/ ٥٢٣ (٢١٤٩)، والحاكم ١/ ٢٠٦، ورواه أيضًا: الدارمي ٢/ ٨٨٢ (١٤٤٦)، ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٢٢٩ (٤٤٦، ٤٤٧)، الطبراني في «الأوسط» ١/ ٢٥٦ (٨٣٨). وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٩٤). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٨). (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ١٢٥. (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٢٠ (٤٨٢٩، ٤٨٣١). (٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢٠ (٤٨٣٠). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 227 الى صـــ 246 الحلقة (128) واحدة. قَالَ: أسري برسول الله - ﷺ - من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء. وروى الواقدي قَالَ: كان - ﷺ - يسأل ربه أن يريه الجنة والنار. فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، ورسول الله - ﷺ - نائم في بيته ظهرًا (١) أتاه جبريل وميكائيل وقالا: انطلق إلى ما سألت، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السموات سماء سماء، فلقي فيهن الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول الله - ﷺ - الصلوات في مواقيتها (٢). قَالَ ابن فارس: وكان سِنّهُ إذ ذاك إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، وعن الحربي أن الإسراء كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقيل: في ربيع الأول. وذكر القرطبي أنه كان قبلُ في رجب، وبه جزم النووي في «الروضة» فقال في كتاب السير: فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم (نسخه) (٣) بما في أواخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب (٤). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ينظر هذا الكلام، فإنه متنافٍ، ولعله انتقل نظره من قول إلى قول. [قلت: كذا رواه ابن سعد عنه بلفظه]. (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ٢١٣. (٣) في (ج): نسخها. (٤) «روضة الطالبين» ١٠/ ٢٠٦. وخالف في «فتاويه» فقال: إنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول، قَالَ: وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة، وقيل: غير ذَلِكَ (١). وخالف في «شرح مسلم» فجزم بأنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الآخر تبعًا للقاضي عياض (٢) والله أعلم، وقد قيل: إنه كان في رمضان أيضًا، إذا تقرر ذَلِكَ. فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى «فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتِي»: شق، وكذا «فرج عن صدري»: شق، كما جاء في رواية أخرى. وأخرى: شرح، وأصله: التوسعة، ومنه: شرح الله صدره. وفي البخاري في كتاب الحج «ثم غسله بماء زمزم» (٣)، وهو مخفف الراءِ، ويجوز تشديدها للمبالغة في الشق. يعني: أن الملائكة لم يدخلوا من باب بل من وسط السقف؛ ليكون أوقع في القلب صدق ما جاءوا به، وغسل؛ لأن الطهور شطر الإيمان. الثاني: الطست هو -بسين مهملة- وهو فارسي كما نقله الجواليقي عن أبي عبيد. وقال الفراء: طيء تقول: طست، وغيرهم يقول: طس، وهم الذين --------------------- (١) «فتاوى الإمام النووي» ص ٢٧. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٧، ٤٩٨، و«صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٩، ٢١٠. (٣) سيأتي برقم (١٦٣٦) باب: ما جاء في زمزم. يقولون للصّ: لصت، وجمعهما طسوت ولصوت عندهم (١). وقال ابن سيده: الطس والطسّه معروف، وجمع الطس: أطساس وطسوس وطسيس، وجمع الطسّه: طساس، ولا يمتنع أن تجمع طسة عَلَى طسس بل ذَلِكَ قياسه (٢). وحكى ابن دحية عن الفراء: الطسة أكثر كلام العرب والطس، ولم يسمع من العرب الطست، وحكى ابن الأنباري: الطست- بفتح الطاء وكسرها- وحكاهما صاحب «المطالع» في الطسّ، قَالَ: والفتح أفصح وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنه آلة الغسل عرفًا. الثالث: قوله: («مِنْ ذَهَبٍ») ليس فيه ما يوهم استعمال أواني الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأن ذَلِكَ كان أول الأمر قبل تحريم استعمال الأواني من النقدين، وإنما كان من ذهب؛ لأنه أغلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان، فالدنيا آلة الدين، فإنها مطية الآخرة، وله خواص: منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، يقال في المَثَل: أنقى من الذهب، وهو أثقل الأشياء، ويجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب، وهو موافق لثقل الوحي، وعزة الذهب، وبه يتم الملك، وينال المطلب، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. ------------------- (١) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢١٩٠، «لسان العرب» ٥/ ٢٦٧٠ - ٢٦٧١. (٢) «المحكم» ٨/ ٢٦٥. الرابع: أخذ السهيلي (١) من هذا جواز تحلية المصحف (٢). الخامس: قوله: («مُمْتَلِئٍ») هو عَلَى معنى الطست، وهو الإناء، لا عَلَى لفظها، فإنها مؤنثة، وقال ابن دحية: قد تؤنث؛ لأنه يقال في تصغيرها طسيسة. السادس: إن قلتَ: كيف مُلئ (٣) الطست وليس بجسم؟ (٤) قلتُ: هذا ضرب مثل ليكتشف بالمحسوس ما هو معقول، كما نبه عليه ابن الجوزي. وقال النووي: معناه -والله أعلم- أن الطست كان فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادة لهذا فسمي إيمانًا وحكمة (٥) سببًا لهما. قَالَ: والحكمة فيها أقوال كثيرة مضطربة، وقد صفي لنا منها أنها: عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة عَلَى المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذَلِكَ كله (٦). ---------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقله السهيلي في «روضه» عن بعض الفقهاء واستحسنه .. (٢) «الروض الأنف» ١/ ١٩١. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني بالحكمة والإيمان. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢١٨. (٥) «شرح مسلم» ٢/ ٢١٨. (٦) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٣٣. وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم (١). وقال صاحب «المطالع»: ما منع من الجهل، والحاكم هو المانع من الظلم والعداء، وذكر أن الحكمة قيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله، وقال أيضًا: الحكمة: إشارة إلى الفضل. وقال ابن سيده: القرآن وكفي به حكمة؛ لأن الأئمة صارت به علماء بعد جهالات (٢). السابع: فيه: دلالة أن شرح صدره - ﷺ - كان ليلة المعراج، وفعل به ذَلِكَ لزيادة الطمأنينة لما يرى من عظم الملكوت وصلاته بالملائكة. وفي «سيرة ابن إسحاق» أن هذا الشق حين كان مسترضعًا في بني سعد (٣). وذكر عياض والسُهيلي (٤): أن الشق لم يعرض له إلا في الموضع المذكور، وكان من النحر إلى مراق البطن، وهو ما سفل منه. قَالَ أنس: كنت أرى أثر المخيط في صدره (٥) أي: أثر الإبرة. وفي «دلائل أبي نعيم» و«الأحاديث الجياد» للضياء محمد بن عبد الواحد: أن صدره - ﷺ - شق وعمره عشر سنين (٦). ---------------------- (١) «جمهرة اللغة» ١/ ٥٦٤ مادة (حكم). (٢) «المحكم» ٣/ ٣٦. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ص ٢٧، ٢٨ (٣٢). (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٨، و«الروض الأنف» ١/ ١٩١. (٥) هذا اللفظ عند مسلم برقم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات. (٦) «دلائل النبوة» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٦٦)، «أحاديث الجياد المختارة» ٤/ ٣٩ (١٢٦٤). وقال ابن أبي صفرة في «شرح مختصر البخاري» وارتضاه ابن دحية: أنه كان مرتين، وبه يتفق الجمع بين الروايات. الأولى: في حال الطفولية؛ ليطهر من كل خلق ذميم، وحتى لا يكون في قلبه إلا التوحيد، ولذلك قَالَ - ﷺ -: «فوليا عني -يعني: الملكين- وكأني أعاين الأمر معاينة» (١). الثانية: عند الإسراء بعدما نبئ؛ لتفرض عليه الصلاة ويصلي بالملائكة، من شأن الصلاة الطهور فقد بين ظاهرًا وباطنًا، وغُسل بماء زمزم، وفي الأولى بالثلج؛ ليثلج اليقين إلى قلبه، وهذِه لدخول الحضرة المقدسة؛ فلذلك غُسل بهزمة جبريل لأبيه إسماعيل، وقيل: فعل به ذَلِكَ في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء في الانشراح، والثانية ليصير حاله مثل حال الملائكة. الثامن: معنى: («أَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ (٢) أَطْبَقَهُ» أفرغ الإيمان والحكمة الذي في الطست. قَالَ ابن سَبُع: ولما فُعِلَ به ذَلِكَ ختم عليه كما يختم عَلَى الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة، وختمها، فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه سبيلًا إليه من أجل ذَلِكَ؛ لأن الشيء المختوم محروس. ---------------- (١) رواه البزار في «مسنده» ٩/ ٤٣٦، ٤٣٧ (٤٠٤٨)، وقال: وهذا الكلام لا نعمله يروى عن أبي ذر من هذا الوجه ولا نعلم سمع عروة من أبي ذر. قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٥٥: فيه جعفر بن عبد الله بن عثمان بن كثير وثقه أبو حاتم الرازي وابن حبان وتكلم فيه العقيلي وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. (٢) في (ج): أي. ولعله يقصد أي التفسيرية التي هي بعد النص. وقد جاء أنه «استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك» (١)، وذكر عياض أن موضع الخاتم إنما هو شق الملكين بين كتفيه (٢)، ووهاه القرطبي، وقال: هذِه غفلة؛ لأن الشق إنما كان في الصدر، وأثره خطًّا واضحًا، ولم يبلغ بالشقُّ حَتَّى نفذ إلى ظهره (٣). وروى أبو داود الطيالسي والبزار وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر -ولم يسمع منه- في حديث الملكين «قَالَ أحدهما لصاحبه اغسل بطنه غسل الاناء، واغسل قلبه غسل المُلاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفيّ كما هو الآن» (٤). وهو دال مع حديث البخاري لما نبه عليه القرطبي وأنه في الصدر دون الظهر (٥)، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به وأنه لا نبي بعده، وكان تحت نغض كتفه؛ لأن ذَلِكَ الموضع منه يوسوس الشيطان. فائدة: البداءة بالإفراج ثم بالإفراغ، فيه: إبانة طريق السلوك لنا، وانظر إلى استخراج العلقة وقول الملك: «هذا حظ الشيطان منك» مع قوله بعد: «إن الله أعانني عليه فأسلم» (٦) بالرفع، فيا ترى كيف حال اللعين معنا؟ نعتصم بالله منه. ---------------- (١) رواه مسلم برقم (١٦٢) كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٣١٤. (٣) «المفهم» ٦/ ١٣٧. (٤) «مسند الطيالسي» ٣/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٦٤٣) بهذا السند: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرني أبو عمران الجونيُّ عن رجل، عن عائشة به. فالسند ضعيف؛ لأن فيه من لم يسم. وطريق البزار سبق تخريجه. (٥) «المفهم» ٦/ ١٣٧. (٦) رواه مسلم برقم (٢٨١٤) كتاب: الجنة والنار، باب: تحريش الشيطان. التاسع: معنى «عرج»: صعد، والعروج: الصعود، يقال: عرج يعرج عروجًا، والمِعراج: مِفعال بكسر الميم من العروج، أي: الصعود فإنه آلة له، وحكى ابن سيده الكسر والضم في يعرج، قَالَ: ويقال: عرج في الشيء، وعليه رقى، وعرج الشيء وهو عريج ارتفع وعلا، والمعراج شبه سُلم تعرج عليه الأرواح. وقيل: هو حيث تصعد أعمال بني آدم (١)، كذا ذكره بعض شيوخنا في شرحه. العاشر: السماء: يذكر ويؤنث، قَالَ ابن حزم: لم يرها أحد من البشر غير الأنبياء، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة» (٢) وفي كتاب «العظمة» لأبي سعيد بن الأعرابي عن عبد الله بن مسعود قَالَ: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة، [وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك والماء على الكرسي، والعرش على الماء. وفي كتاب «العرش» تأليف أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة من حديث العباس مرفوعًا: «هل تدرون كم بين السماء والأرض»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة] (٣) وكذلك كل سماء خمسمائة سنة، --------------- (١)»المحكم«(١/ ١٨٧ - ١٨٨) مادة: (عرج). (٢)»صحيح ابن حبان«١٦/ ٤١٨ (٧٤٠٥)، ورواه الترمذي (٢٥٤٠) وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، وضعفه الألباني في»الضعيفة" (١٨٨٥). (٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج). وفوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» (١) ومن حديث أبي ذر مرفوعًا مثله (٢). وفي أبي داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن غريب من حديث العباس: إن بعد ما بين السماء والأرض إما واحدة أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك حَتَّى عد سبع سماوات (٣). وفي الترمذي من حديث ابن عمرو مرفوعًا: «لو أن رصاصة مثل هذِه» وأشار إلى مثل الجمجمة «أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل»، ثم قَالَ: إسناد صحيح (٤). فائدة: ذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرًا يسمى البحر ----------------- (١) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» ١/ ٢٤٤ (١٥٠)، وأبو الشيخ في «العظمة» ص ١٠٧ (٢٠٥)، والطبراني ٩/ ٢٠٢ (٨٩٨٧)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٨٥١). قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٨٦) رجاله رجال الصحيح. (٢) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» ص ١٠٥ - ١٠٦ (٢٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٨٩ (٨٥٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ١١، ١٢ (٧)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٧/ ٧٤٨. قال ابن الجوزي: هذا حديث منكر، رواه عن الأعمش محاضر فخالف فيه أبا معاوية فقال: عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي نصر. وكان الأعمش يروي عن الضعفاء ويدلس. قال الذهبي: وأبو نصر لا يعرف، والخبر منكر. (٣) «سنن أبي داود» (٤٧٢٣ - ٤٧٢٥)، «سنن الترمذي» (٣٣٢٠)، «سنن ابن ماجه» (١٩٣)، أحمد ١/ ٢٠٦، وقال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٧/ ٩٢: في إسناده الوليد بن أبي ثور ولا يحتج بحديثه. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٢٤٧). (٤) «سنن الترمذي» (٢٥٨٨)، ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢١٤٩). المكفوف (١)، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط. فعلى هذا يكون ذَلِكَ البحر افلق لنبينا حَتَّى جاوزه، وذلك أعظم من افلاق البحر لموسى (٢). الحادي عشر: اختلف العلماء هل أسري بروحه أو بجسده الكريم؟ عَلَى مذاهب: أحدها: أن الإسراء كان بروحه من غير أن يفارق شخصه مضجعه، وكانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق، وذهب إلى هذا معاوية وعائشة. ثانيها: أن الإسراء كان بالجسد إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح. ثالثها: وإليه ذهب معظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد، وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس، وصلى ثم أُسري بجسده. وذكر المهلب بن أبي صفرة عن طائفة من العلماء، وإليه ذهب ابن العربي أن الإسراء كان مرتين إحدهما: في نومه؛ توطئة له وتيسيرًا عليه كما كان بدوء نبوته الرؤيا الصادقة فجاءه بعد ذَلِكَ في اليقظة والثانية: بجسده، والأحاديث الصحيحة دالة على عروجه بجسده يقظة، يدل عليه قوله: «قَالَ جبريل لخازن السماء افتح» فلو لم يكن بجسده لما استفتح. --------------------- (١) انظر: «الفواكه الدواني» ١/ ٣٢٣. (٢) قلت: هذا الأمر من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، ولم يأت عليها دليل صحيح من النقل، ولذلك لا يجوز لنا إعمال العقل فيها، والصواب هو التوقف. اهـ. وقال ابن العربي في «العارضة» في قوله: «تجلى لي بيت المقدس» يحتمل ثلاث معان: أحدها: أن يكون خلق الله له الإدراك مع البعد المفرط، إذ ليس من شرط الإدراك عندنا وعدمه قرب ولا بعد. ويحتمل أن يكون اطلع عَلَى مثالها، وعليه يَدُل قوله - ﷺ -: «فجلَّى الله لي بيت المقدس عند دار أبي معهم بالبلاط». ويحتمل أن يكون خلق الله له العلم بها دون مثال ولا رؤية (١). الثاني عشر: قوله: («فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا») سميت هذِه بالدنيا، لقربها من ساكني الأرض، وروي سماء الدنيا على الإضافة. فيه: أن للسماء بوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها، وإثبات الاستئذان، وأنها فتحت لأجله، وذلك من باب التكريم والتعظيم. الثالث عشر: قوله: «قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ». الرابع عشر: قوله: «جبريل» فيه من الأدب أن من استاذن يدق الباب أن يقول فلان باسمه، ولا يقول: أنا. فقد جاء في الحديث النهي عنه (٢)؛ ولأنه لا فائدة فيه، لأنه إذا تعين مظهره أفاد وصار أعرف المعارف. الخامس عشر: قوله: (أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) يحتمل هذا الاستفهام وجهين: -------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١١/ ٢٩٣ - ٢٩٤. (٢) سيأتي الحديث الدال على هذا برقم (٦٢٥٠) كتاب: الاستئذان، باب: إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا. أحدهما: أن يكون خفي عليهم إرساله لشغلهم بالعبادة حَتَّى قيل: إن أحدهم لا يعرف مَنْ إلى جانبه. ثانيهما: أن يكون المعنى: أرسل إليه للعروج إلى السماء؛ لأن بعثته استفاضت بين الملائكة، وهو الأصح. السادس عشر: «الأَسْوِدَةُ»: جمع سواد، كقذال وأقذلة، وتجمع الأسودة أيضًا عَلَى أساود. وفي «المحكم»: السواد، والأسودات، والأساود: جماعة من الناس. وقيل: هم الضروب المتفرقون. والسواد: الشخص؛ لأنه يرى من بعيد أسود. وصرح أبو عبيد (١) بأنه شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع: أسودة، وأساود جمع الجمع (٢). السابع عشر: النسم، والنسمة نفس الروح، وما بها: نسمة، أي: نفس، والجمع: نسم، قَالَه ابن سيده (٣). وقال الخطابي: هي النفس، والمراد أرواح بني آدم (٤). وقال ابن التين: ورويناه نسيم (٥) بني آدم، والأول أشبه. ----------------------- (١) «غريب الحديث» ٢/ ٢٣٨. (٢) «المحكم» (٨/ ٣٩٧). مادة: (سود). (٣) «المحكم» ٨/ ٣٥٠. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ٣٤٧. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: وقال ابن قرقول: نسم … وعند .... نسيم يعني … قال: وهو تصحيف. الثامن عشر: فيه دلالة -كما قَالَ القاضي- أن نسم بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل: في الأرض السابعة. وقيل: تحتها. وقيل: في سجن. ويقال: إنه واد في جهنم. حكاه ابن سيده (١). وأن أرواح المؤمنين منحمة في الجنة، فيحتمل أنها تعرض عَلَى آدم أوقاتًا، فوافق وقت عرضها مروره - ﷺ - ويحتمل أن كونهم في النار والجنة إنما هو في أوقات دون أوقات، بدليل قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. ويحتمل أن تكون الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار [كانت] (٢) في جهة شماله، وكلاهما حيث شاء الله (٣). وضحكه وبكاؤه شفقة الوالد عَلَى ولده، وسروره لحسن حاله، وحزنه وبكاؤه لسوء حاله. التاسع عشر: آدم - ﷺ - كنيته أبو البشر، وقيل: أبو محمد. وروى ابن عساكر من حديث علي مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد» (٤). ومن حديث كعب الأحبار: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته؛ وذلك لأنه لم يكن له في الدنيا لحية، وإنما ------------- (١) «المحكم» (٧/ ١٩٦) مادة: سجن. (٢) من (ج). (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٣. (٤) «تاريخ دمشق» ٧/ ٣٨٨. كانت اللحى بعد آدم. وليس أحد في الجنة يكنى إلا آدم، ويكنى في الدنيا أبا البشر، وفي الجنة أبا محمد (١). ثم قيل: إن آدم اسم سرياني. وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة. وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض. وقال النضر بن شميل: سمي آدم لبياضه. وذكر محمد بن علي أن الآدم من الظباء: الطويل القوائم. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خلق الله آدم عَلَى صورته طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة عَلَى صورته، وطوله، وولد لآدم أربعون ولدًا في عشرين بطنًا (٢». وروي أن آدم لما رأى داود قَالَ: يا رب، ما عمره؟ قَالَ: ستون، قَالَ: رب زد في عمره. قَالَ: لا، إلا أن يزيد من عمرك. قَالَ: وما عمري؟ قَالَ: ألف سنة. قَالَ آدم: وهبته أربعين سنة (٣). فعلى هذِه الرواية عاش آدم ألف سنة إلا أربعين (عامًا) (٤). وقيل: بل أكمل ألفًا. وقال ابن قتيبة: ألف سنة إلا سبعين سنة. ولما أهبط من الجنة هبط بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بُوذ. ولما حضرته الوفاة اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا. قالوا: ارجعوا فقد كفيتموه. فرجعوا فوجدوه قد قبض، فغسلوه --------------- (١) رواه ابن عساكر في»تاريخ دمشق«٧/ ٣٨٩. (٢) سيأتي برقم (٣٣٢٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته. (٣) رواه الترمذي (٣٠٧٦) كتاب: التفسير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال الألباني في»صحيح الجامع" (٥٢٠٨): صحيح. (٤) في (ج): سنة. وحنطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذِه سنتكم في موتاكم. ودفن في غار يقال له: غار الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح في الطوفان، وأخذه وجعله في تابوت سمسار معه في السفينة، فلما نضب الماء رده نوح إلى مكانه (١). العشرون: معنى: «مرحبًا»: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش، والصالح: هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد، وخصوه بذلك؛ لشموله عَلَى سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعفاف والصلة والفضل. ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق والأمين؛ لشمول الصلاح سائر خلال الخير، ففيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة. الحادي بعد العشرين: قوله: (قَالَ أنس فذكر أنه) -يعني: أبا ذر- أنه يعني: رسول الله - ﷺ - (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُثْبِتْ كيْفَ مَنَازِلُهُمْ) -يعني: أن أبا ذر لم يثبت غير أنه ذكر أنه (وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) - وفي الصحيحين من حديث أنس عن مالك بن صعصعة أنه وجد في السماء الدنيا آدم كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة: يوسف، وفي الرابعة: ------------------------ (١) انظر: «المعارف» ص ١٩. إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السادسة: موسى، وفي السابعة: إبراهيم (١)، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر أنه وجد إبراهيم في السادسة. وكذا جاء في «صحيح مسلم» وأجيب: بأن الإسراء إن كان مرتين، فيكون رأى إبراهيم في إحداهما، في إحدى السماءين، ويكون استقراره بها ووطنه، والثانية في سماء غير وطنه. وإن كان مرة فيكون أولًا رآه في السادسة، ثم ارتقى معه إلى السابعة. الثاني بعد العشرين: قَالَ ابن الجوزي في «مشكله»: إن قلتَ: كيف رأى الأنبياء في السماء ومدفنهم في الأرض؟ أجاب عنه ابن عقيل فقال: شكَّل الله أرواحهم عَلَى هيئة صور أجسادهم. ومثله ذكر ابن التين، وقال: وإنما تعود الأرواح -يعني: إلى الأجساد- يوم البعث إلا عيسى - عليه السلام - فإنه حي لم يمت، وهو ينزل إلى الأرض. قلت: الأنبياء أحياء، فلا يبعد أن نراهم حقيقة، وقد مر عَلَى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة. الثالث بعد العشرين: إدريس سمي بذلك؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت عليه، -------------------- (١) يأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، وهو في مسلم برقم (١٦٤) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات. فقيل: إنه حنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أحنخ. ويقال: أهيخ بن يرد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم. قَالَ الجوَّاني: أمه (١) تدعى برة، وخنوخ سرياني وتفسيره بالعربي إدريس. قَالَ وهب: هو جد نوح. قَالَ ابن إسحاق: وهو أول بني آدم أعطي النبوة. وفي حديث أبي ذر مرفوعًا: «أول من كتب بالقلم إدريس» (٢). وقد قيل: أنه إلياس، وأنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب. ونقله السهيلي (٣) عن ابن العربي ويستشهد بحديث الإسراء، وهو أنه - ﷺ - كلما لقى نبيًّا من الأنبياء في تلك الليلة قَالَ: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. وقال في آدم: بالابن الصالح. وكذا قَالَ في إبراهيم. وقال إدريس: والأخ الصالح. ولو كان في عمود نسبه لقال له كما قَالَ له إبراهيم وأبوه آدم، ويخاطبه بالبنوة ولم يخاطبه بالإخوة. وذكر بعضهم أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل (٤)، فإن كان كذلك فلا اعتراض. وأجاب النووي: بأنه يحتمل أنه قَالَه تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان --------------------- (١) تكررت كلمة (أمه) في (س)، (ج). (٢) جزء من حديث رواه ابن حبان (٢/ ٧٦ - ٧٩ (٣٦١)، والطبرانى (٢/ ١٥٧ - ١٥٨) (١٦٥١)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٦٦ - ١٦٨). قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢١٦: فيه: إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. قال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢١٢٧): ضعيف جدًا. (٣) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٢. (٤) وهذا لا يصح؛ لأن يعقوب هو إسرائيل وهو حفيد إبراهيم وإدريس قبل إبراهيم عليهم السلام. ابنا، والأبناء إخوة والمؤمنون إخوة (١). وقال أبو العباس بن المنير: أكثر الطرق عَلَى أنه خاطبه بالأخ الصالح. قَالَ: وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه فيها بالابن الصالح. وقال المازري: ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل عَلَى أن إدريس أرسل لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لإخبار نبينا - ﷺ - في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» (٢) وإن لم يقم دليل جاز ما قال. وصح أن إدريس كان نبيًّا ولم يرسل (٣). قَالَ السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل يدل عَلَى أن آدم وإدريس رسولان (٤). قلت: أخرجه بطوله ابن حبان (٥). وكان إدريس رجلًا طوالًا أبيض ضخم البطن عريض الصدر، وإحدى أذنيه -وقيل: عينيه- أعظم من الأخرى، وكان في خده نكتة بيضاء من غير برص، رفع إلى السماء الرابعة، ورآه - ﷺ - فيها، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبله يلبسون الجلود، ورفع وهو ابن ثلثماثة وخمس وستين سنة. ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٢٠. (٢) سيأتي برقم (٤٤٧٦) كتاب: التفسير، باب: قول الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. ورواه مسلم (١٩٣) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها. (٣) انظر: «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ١٠٥. (٤) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٢. (٥) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤١٩ - ٤٢١ (٧٤٠٦). الرابع بعد العشرين: موسى: هو ابن عمران بن قاهث بن يصهر بن لاوى بن يعقوب. سمي موسى؛ لأنه وجد في ماءٍ وشجر، والماء بلغتهم مو، والشجر شا بالمعجمة، فعرب بالمهملة، والصحيح أنه وجده في السماء السادسة. وفي البخاري في كتاب بدء الخلق في صفته أنه جعد آدم طوال كأنه من رجال شنوءة (١) واختلف الرواة هل هو جعد أو سبط؟ وهل هو نحيف أو جسيم؟ الخامس بعد العشرين: عيسى: هو ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه. رآه في السماء مع ابن خالته يحيى بن زكريا. ونعته بأنه: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس -يعني: حمَّامًا- وكان ابن عمر يحلف أنه - ﷺ - يقله، ووصف بأنه آدم كأحسن ما رأى من أُدم الرجال. وفي بدء الخلق في البخاري: ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس (٢). قَالَ الداودي: ما أراه بمحفوظ؛ لأنه في رواية مالك: رجل آدم كأحسن ما أنت راءٍ (٣). واختلف في مدة حمله عَلَى أقوال: أغربها: ساعة، وقيل: العادة ووضعته عند الزوال وهي بنت عشر أو ثلاث عشرة أو خمس عشرة، وكانت حاضت قبله حيضتين. وكلَّم الناسَ وهو ابن أربعين يومًا، ثم ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين. (٢) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين (٣) سيأتي برقم (٥٩٠٢)، كتاب: اللباس، باب: الجعد. لم يتكلم بعدها حَتَّى بلغ زمن كلام الصبيان، وكان زاهدًا عابدًا سيَّاحًا يمشي عَلَى الماءِ، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكان قوته يومًا بيوم، وله حواريون، وعدتهم اثنا عشر رجلًا، كانوا أولاد قصارين أو صيادين أو ملاحين، وكان يقرأ التوراة والإنجيل حفظًا، رفعه الله إلى السماء، وينزل عَلَى المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لُدٍّ، وينزل حكمًا عدلًا، ويتزوج بعد نزوله ويولد له، ويدفن عند رسول الله - ﷺ -. وقد جاء ذَلِكَ في حديث من طريق عائشة، أخرجه ابن الأبار (١) في «صلة الصلة» في باب: الأحمدين. واسم عيسى عبراني، وقيل: سرياني. السادس بعد العشرين: إبراهيم خليل الرحمن، ومعناه: أب راحم، وكنيته: أبو الضيفان. وسأل جبريل - عليه السلام -: لم اتخذني ربي خليلًا؟ قَالَ: إنك تعطي الناس وتسد خلتهم ولا تسألهم. قيل: ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح كما قَالَ ابن عساكر: أنه ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون. قيل: ولد عَلَى رأس ألفي سنة من خلق آدم (٢). وذكر الطبري: أن إبراهيم إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًا من النمرود، وقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه. فلما أدركوا إبراهيم استنطقوه، فحرَّك الله لسانه عبرانيًا، وذلك حين عبر النهر (٣). ------------------- (١) انظر: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٣٣٦. (٢) «تاريخ دمشق» ٦/ ١٦٤. (٣) «تاريخ الطبري» ١/ ١٨٥. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|