![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 |
|
|
صفحات مِن ذاكرة التاريخ (13) استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- زين العابدين كامل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فنستعرض في هذا المقال موقف الصحابة -رضي الله عنهم- مِن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- أثناء الحصار، بعد أن استعرضنا في المقال السابق تحركات المجرمين لمهاجمة عثمان -رضي الله عنه-. موقف الصحابة -رضي الله عنهم- تجاه أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-: لما رأى عثمان -رضي الله عنه- إصرار المتمردين على قتله حذرهم مِن ذلك، ومِن مغبته؛ فاطلع عليهم مِن كوة، وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلوا جميعا أبدًا، ولا تجاهدوًا عدوًّا أبدًا، لتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبَّك بيْن أصابعه. وفي رواية أنه قال: أيها الناس، لا تقتلوني، فإني والٍ وأخ مسلم، فوالله إن أردتُ إلا الإصلاح ما استطعت، أصبتُ أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعًا أبدًا، ولا تغزوا جميعًا أبدًا، ولا يقسم فيئكم بينكم. وأرسل عثمان -رضي الله عنه- إلى الصحابة -رضي الله عنهم- يشاورهم في أمر المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فجاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: إن معي خمسمائة دارع، فأذن لي فأمنعك مِن القوم، فإنك لم تحدث شيئًا يُستحل به دمك، فقال: جُزيت خيرًا، ما أحب أن يهراق دم بسببي(1). وعن أبي حبيبة(2)، قال: بعثني الزبير بن العوام إلى عثمان وهو محاصَر فدخلتُ عليه في يوم صائف وهو على كرسي، وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فقلتُ: بعثني إليك الزبير بن العوام، وهو يقرؤك السلام ويقول لك: إني على طاعتي لم أبدِّل ولم أنكث، فإن شئتَ دخلتُ الدار معك، وكنتُ رجلاً مِن القوم، وإن شئت أقمت، فإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به، فلما سمع يعني عثمان الرسالة قال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام، ثم قل له: مكانك أحبّ إليَّ، وعسى الله أن يدفع بك عني، فلما قرأ الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم ما سمعتُ أذناي مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تكون بعدي فتن وأمور"، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: "إلى الأمين وحزبه"، وأشار إلى عثمان بن عفان، فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال: "أعزم على مَن كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل"(3). ودخل عليه وهو محاصَر المغيرة بن شعبة، فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالاً ثلاثة، اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددًا وقوة، وأنتَ على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابًا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول مَن خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني, فإني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يلحد رجل مِن قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم"، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية؛ فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة الرسول -صلى الله عليه وسلم-(4). وعزم الصحابة -رضي الله عنهم- على الدفاع عن عثمان، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان -رضي الله عنه- عزم عليهم بشدةٍ، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعًا عنه(5). وقد حثَّ كعب بن مالك -رضي الله عنه- الأنصار على نصرة عثمان -رضي الله عنه- وقال لهم: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ووقفوا ببابه، ودخل زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب، إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين(6)، فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا(7). وجاء الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وقال له: أخترط سيفي؟ قال: لا، أبرأ إلى الله إذن مِنْ دمك، ولكن ثم(8) سيفك، وارجع إلى أبيك، وجاء أبو هريرة -رضي الله عنه- ودخل الدار على عثمان وأراد الدفاع عنه، فقال له عثمان،: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟ قال: لا، قال، فإنك والله إن قتلتَ رجلاً واحدًا؛ فكأنما قُتِل الناس جميعًا، فرجع ولم يقاتِل(9). ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان -رضي الله عنه- على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هربًا مِن المحاصرين، فقد روى أن عبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد، عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقًا، فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان -رضي الله عنه- يرفض كل هذه العروض(10). موقف أمهات المؤمنين: وكان موقف أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنهما- مِن المواقف البالغة الخطر في هذه الأحداث، لما حوصر عثمان -رضي الله عنه- ومٌنع عنه الماء، سرَّح عثمان ابنًا لعمرو بن حزم الأنصاري مِن جيران عثمان إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئًا مِن الماء فافعلوا، وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان أولهم إنجادًا له علي وأم حبيبة وكانت أم حبيبة معنية بعثمان، كما قال ابن عساكر، وكان هذا طبيعيًّا منها؛ حيث النسب الأموي الواحد، جاءت أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل، قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت(11) بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت راحلتها، فتعلقوا بها، وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها، ويبدو أنها -رضي الله عنها- أمرت ابن الجراح مولاها أن يلزم عثمان -رضي الله عنه-، فقد حدثت أحداث الدار، وكان ابن الجراح حاضرًا(12). وما فعلته السيدة أم حبيبة -رضي الله عنها- فعلت مثله السيدة صفية -رضي الله عنها-؛ فلقد روي عن كنانة(13) قال: كنتُ أقود بصفية لتردَّ عن عثمان، فلقيها الأشتر(14)، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ذروني لا يفضحني هذا، ثم وضعت خشبًا مِن منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الطعام والماء(15). وخرجت عائشة -رضي الله عنها- مِن المدينة وهي ممتلئة غيظـًا على المتمردين، وجاءها مروان بن الحكم، فقال: أم المؤمنين، لو أقمتِ كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة، ثم لا أجد مَن يمنعني، لا والله لا أُعَيَّر(16), ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء(17)، ورأت -رضي الله عنها- أن خروجها ربما كان مُعينًا في فض هذه الجموع، وتجهزت أمهات المؤمنين إلى الحج هربًا مِن الفتنة، وكانت هذه محاولة منهن لتخليص عثمان -رضي الله عنه- مِن أيدي هؤلاء المفتونين، الذين كان منهم محمد بن أبي بكر(18) أخو السيدة عائشة -رضي الله عنها-، الذي حاولت أن تستتبعه معها إلى الحج؛ فأبى، وهذا هو ما أكَّد عليه الإمام ابن العربي -رحمه الله- حيث قال: "تغيُّب أمهات المؤمنين مع عددٍ مِن الصحابة كان قطعًا للشغب بيْن الناس رجاء أن يرجع الناس إلى أمهاتهم، وأمهات المؤمنين؛ فيرعوا حرمة نبيهم"(19). وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ (1) تاريخ دمشق لابن عساكر (39/395). (2) هو أبو حبيبة مولى الزبير بن العوام، روى عن الزبير، وسمع أبا هريرة وعثمان محصور. (3) ابن حنبل: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى:241هـ)، فضائل الصحابة، المحقق: د.وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى: 1403-1983، عدد الأجزاء: (1/ 511، 512). (4) البداية والنهاية لابن كثير (7/211)، والحديث أخرجه أحمد في مسنده، وصححه الألباني، وضعفه شعيب الأرنؤوط (7/229)، وقال بضعفه أيضًا أحمد شاكر. (5) أحمد معمور العسيري، موجز التاريخ الإسلامي، طبعة 1417هـ، 1996م، ص126. (6) ابن سعد، الطبقات (3/70). (7) محمد غبان، فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (1/162). (8) الثم هو: إصلاح الشيء وإحكامه، ويحتمل أن تكون مصحفة مِن شم، والشم هو: إعادة السيف إلى غمده، لسان العرب (12/ 79). (9) حسين فؤاد طلبة مِن أخلاق الخلفاء الراشدين، الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، عام 1977 ص75. (10) محمد غبان، فتنة مقتل عثمان (1/ 166). (11) ند البعير ونحوه ندًّا، وندودًا: نفر وشرد. انظر لسان العرب لابن منظور (3/419). (12) ابن شبة: عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262هـ)، تاريخ المدينة، طبعة: 1399هـ، 1977م (4/ 1311). (13) كنانة بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، انظر: البلاذري، أنساب الأشراف (9/380). (14) الأشتر النخعي، واسمه مالك بن الحارث، انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء (4/ 34)، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني( 10/ 11). (15) الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفى: 748هـ)، سير أعلام النبلاء، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: 1427هـ - 2006م (3/ 488). (16) أُعَيَّر: مِن العار، وقد يبدي هذا التعبير أن الحالة التي وضع فيها الغوغاء السيدة أم حبيبة -رضي الله عنها- كانت شديدة الإيلام، انظر المعجم الوسيط (2/ 240). (17) الطبري، تاريخ الرسل والملوك (5/ 401). (18) وقد نزَّه الله -تعالى- أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أحدٌ منهم مشاركًا في قتل عثمان -رضي الله عنه-، بل لم يكن أحدٌ مِن أبناء الصحابة مشاركًا، ولا معينًا لأولئك الخوارج المعتدين، وكل ما ورد في مشاركة أحدٍ مِن الصحابة -كعبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمِق- فمما لم يصح إسناده. وقال النووي -رحمه الله-: "ولم يشارك في قتله أحدٌ مِن الصحابة" انتهى مِن "شرح مسلم"، وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي -حفظه الله-: "إنه لم يشترك في التحريض على عثمان -رضي الله عنه-؛ فضلاً عن قتله، أحدٌ مِن الصحابة -رضي الله عنهم-، وإن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد" اهـ. وأما محمد بن أبي بكر: فليس هو مِن الصحابة أصلاً، ثم إنه لم يصح اشتراكه في قتل عثمان، ولا في التحريض عليه، وقد أثبت بعض العلماء روايات تبين تراجعه عن المشاركة في قتل عثمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليس له صحبة ولا سابقة ولا فضيلة، فهو ليس مِن الصحابة؛ لا مِن المهاجرين ولا الأنصار... وليس هو معدودًا مِن أعيان العلماء والصالحين الذين في طبقته" ثم قال: "وأما محمد بن أبي بكر؛ فليس له ذكر في الكتب المعتمدة في الحديث والفقه" (انتهى مِن منهاج السنة النبوية (4 / 375 - 377). وقال ابن كثير -رحمه الله-: "ويُروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه! والصحيح: أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها! فتذمم مِن ذلك، وغطى وجهه ورجع، وحاجز دونه، فلم يُفِد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا" (انتهى مِن البداية والنهاية 7/ 207). وقال الأستاذ محمد بن عبد الله غبان الصبحي -حفظه الله-: "محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان -رضي الله عنه-، ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك؛ باطل، لا صحة له". (19) العواصم مِن القواصم لابن العربي (ص 156). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#14 |
|
|
صفحات مِن ذاكرة التاريخ (14) استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- زين العابدين كامل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ ففي هذا المقال نستكمل أحداث يوم الدار بعد أن استعرضنا في المقال السابق موقف الصحابة -رضي الله عنهم- تجاه أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- خلال الأحداث. يوم الدار واستشهاد عثمان -رضي الله عنه-: استدعى عثمان عبد الله بن عباس -رضي الله عنهم-، وكلفه أن يحج بالناس هذا الموسم، فقال له ابن عباس: دعني أكن معك وبجانبك يا أمير المؤمنين في مواجهة هؤلاء، فوالله إن جهاد هؤلاء أحبُّ إليَّ مِن الحج، قال له: عزمتُ عليك أن تحج بالمسلمين، فلم يجد ابن عباس أمامه إلا أن يطيع أمير المؤمنين(1)، وكتب عثمان كتابًا مع ابن عباس ليقرأ على المسلمين في الحج، بيَّن فيه قصته مع الذين خرجوا عليه، وموقفه منهم، وطلباتهم منه، وفي آخر أيام الحصار وهو اليوم الذي قتل فيه، نام -رضي الله عنه- فأصبح يحدِّث الناس: ليقتلني القوم، ثم قال: رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام، ومعه أبو بكر وعمر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا عثمان أفطر عندنا؛ فأصبح صائمًا، وقُتل مِن يومه(2). وهاجم المتمردون الدار؛ فتصدى لهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، ومَن كان مِن أبناء الصحابة أقام معهم؛ فنشب القتال فناداهم عثمان: الله الله، أنتم في حل مِن نصرتي؛ فأبوا، ودخل غلمان عثمان لينصروه، فأمرهم ألا يفعلوا؛ بل إنه أعلن أنه َمن كف يده منهم فهو حر(3). وقال عثمان في وضوح وإصرار وحسم، وهو الخليفة الذي تجب طاعته: أعزم على كل مَن رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه(4)، ولا تبرير لذلك إلا بأن عثمان كان واثقًا مِن استشهاده بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بذلك؛ ولذلك أراد ألا تُراق بسببه الدماء، وتقوم بسببه فتنة بيْن المسلمين، وكان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حج ثم تعجل في نفرٍ حجوا معه؛ فأدرك عثمان قبْل أن يُقتل، ودخل الدار يحمي عنه وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت؟! فأقدم المتمردون على حرق الباب والسقيفة؛ فثار أهل الدار وعثمان -رضي الله عنه- يصلي حتى منعوهم، وقاتل المغيرة بن الأخنس والحسن بن علي ومحمد بن طلحة وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم وأبو هريرة؛ فأبلوا أحسن البلاء، وعثمان يرسل إليهم في الانصراف دون قتال، ثم ينتقل إلى صلاته، فاستفتح قوله -تعالى-: (طه . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (طه:1-3)، وكان سريع القراءة، فما أزعجه ما سمع، ومضى في قراءته ما يخطئ وما يتعتع، حتى إذا أتى إلى نهايتها قبْل أن يصلوا إليه ثم دعا فجلس وقرأ: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران:137)(5). وأصيب يومئذٍ أربعة مِن شبان قريش وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم, وقتل المغيرة بن الأخنس، ونيار بن عبد الله الأسلمي، وزياد الفهري، واستطاع عثمان أن يقنع المدافعين عنه، وألزمهم بالخروج مِن الدار، وخلى بينه وبيْن المحاصرين، فلم يبقَ في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين مدافع ولا حامٍ مِن الناس، وفتح -رضي الله عنه- باب الدار(6)، وبعد أن خرج مِن في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر -رضي الله عنه- المصحف بيْن يديه، وأخذ يقرأ منه وكان إذ ذاك صائمًا، فإذا برجل مِن المحاصرين لم تسمه الروايات يدخل عليه، فلما رآه عثمان -رضي الله عنه- فقال له: بيني وبينك كتاب الله, فخرج الرجل وتركه(7)، وما إن ولى حتى دخل آخر، وهو رجل مِن بني سدوس، يقال له: الموت الأسود، فخنقه ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان -رضي الله عنه- بيده فقطعها، فقال عثمان، أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل(8)، وذلك أنه كان مِن كتبة الوحي، وهو أول مَن كتب المصحف مِن إملاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقتل -رضي الله عنه- والمصحف بيْن يديه، وعلى إثر قطع اليد انتضح الدم على المصحف الذي كان بيْن يديه يقرأ منه، وسقط على قوله -تعالى-: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137). ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: إن تقتلوه أو تدعوه، فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن(9)، وقد دافعت نائلة عن زوجها عثمان وانكبت عليه واتقت السيف بيدها, فتعمدها سودان بن حمران ونضح أصابعها فقطع أصابع يدها، وولت، فغمز أوراكها(10). ولما رأى أحد غلمان عثمان الأمر، راعه قتل عثمان، وكان يُسمَّى (نجيح) فهجم نجيح على سودان بن حمران فقتله، ولما رأى قتيرة بن فلان السكوني نجيحًا قد قتل سودان، هجم على نجيح فقتله، وهجم غلام آخر لعثمان اسمه (صبيح) على قتيرة بن فلان فقتله؛ فصار في البيت أربعة قتلى شهيدان، ومجرمان، أما الشهيدان: فعثمان وغلامه نجيح، وأما المجرمان فسودان وقتيرة السكونيان. ولما تم قتل عثمان -رضي الله عنه- نادى منادٍ القوم السبئيين قائلاً: إنه لم يحل لنا دم الرجل ويحرم علينا ماله؛ ألا إن ماله حلال لنا، فانهبوا ما في البيت، فعاث رعاع السبئيين في البيت فسادًا، ونهبوا كل ما في البيت، حتى نهبوا ما على النساء، وهجم أحد السبئيين ويُدعى كلثوم التجيبي على امرأة عثمان (نائلة) ونهب الملاءة التي عليها، ثم غمز وركها، وقال لها: ويح أمك مِن عجيزة ما أتمك(11)؛ فرآه غلام عثمان (صبيح) وسمعه وهو يتكلم في حق نائلة هذا الكلام الفاحش، فعلاه بالسيف فقتله، وهجم أحد السبئيين على الغلام فقتله، وبعد ما أتم السبئيون نهب دار عثمان، تنادوا وقالوا: أدركوا بيت المال، وإياكم أن يسبقكم أحدٌ إليه، وخذوا ما فيه، وسمع حراس بيت المال أصواتهم، ولم يكن فيه إلا غرارتان مِن طعام فقالوا: انجوا بأنفسكم، فإن القوم يريدون الدنيا، واقتحم السبئيون بيت المال وانتهبوا ما فيه(12). حقق المجرمون السبئيون مرادهم، وقتلوا أمير المؤمنين، وتوقف كثير مِن أتباعهم مِن الرعاع والغوغاء بعد قتل عثمان ليفكروا, وما كانوا يظنون أن الأمر سينتهي بهم إلى قتله، وحزن الصالحون في المدينة لمقتل خليفتهم، وصاروا يسترجعون ويبكون، لكن ماذا يفعلون وجيوش السبئيين تحتل المدينة، وتعيث فيها فسادًا. وقد علـَّق كبار الصحابة على مقتل عثمان؛ فقال الزبير بن العوم -رضي الله عنه-، لما علم بمقتل عثمان قال: رحم الله عثمان، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل له: إن القوم نادمون، فقال: دبروا ودبروا، ولكن كما قال الله -تعالى-: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) (سبأ:54). وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما علم بمقتل عثمان قال: رحم الله عثمان، إنا لله وإنا إليه راجعون، قيل له: إن القوم نادمون، فقرأ قوله -تعالى-: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (الحشر:16-17)(13). وقال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: رحم الله عثمان، ثم تلا قوله -تعالى-: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا . ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) (الكهف:103-106)، ثم قال سعد: اللهم اندمهم واخزهم واخذلهم، ثم خذهم(14). واستجاب الله دعوة سعد وكان مستجاب الدعوة، فقد أٌخذ كل مَن شارك في قتل عثمان، مثل عبد الله بن سبأ، والغافقي والأشتر، وحكيم بن جبلة، وكنانة التجيبي، حيث قتلوا فيما بعد(15). قٌتل عثمان -رضي الله عنه- في شهر ذي الحجة في السنة الخامسة بعد الثلاثين مِن الهجرة، توفي وسنه اثنتان وثمانون (82 سنة)، وهو قول الجمهور، وقام نفر مِن الصحابة في يوم قتله بغسله وكفنوه وحملوه على باب، ومنهم: حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير ابن مطعم، والزبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب، وجماعة مِن أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصلوا عليه صلاة الجنازة، وقد دفنوه ليلاً، وقد أكد ذلك ما رواه ابن سعد والذهبي؛ حيث ذكرا أنه دفن بيْن المغرب والعشاء -رضوان الله عليه-(16). لقد كانت فتنة قتل عثمان سببًا في حدوث كثير مِن الفتن الأخرى، وألقت بظلالها على أحداث الفتن التي تلتها، فتغيرت قلوب الناس وظهر الكذب، وبدأ الخط البياني للانحراف عن الإسلام في عقيدته وشريعته، وكان مقتل عثمان مِن أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بيْن الناس، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم(17)؛ فتفرقت القلوب، وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار، وذل الأخيار، وسعى في الفتنة مَن كان عاجزًا عنها، وعجز عن الخير والصلاح مَن كان يحب إقامته، ثم بقيت المدينة بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- خمسة أيام وأميرها الغافقي ابن حرب أحد قتلة عثمان -رضي الله عنه-. ثم تمت مبايعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو أحق الناس بالخلافة حينئذٍ، وأفضل مَن بقي, لكن القلوب متفرقة ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة مِن كل ما يريدون مِن الخير، ودخل في الفرقة والفتنة أقوام كثيرون. إن الظلم والاعتداء على الآخرين بغير حق مِن أسباب الهلاك في الدنيا والآخرة، كما قال الله -عز وجل-: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) (الكهف:59)، وإن المتتبع لأحوال أولئك الخارجين على عثمان -رضي الله عنه- المعتدين عليه يجد أن الله -تعالى- لم يفلتهم, بل أذلهم وأخزاهم وانتقم منهم؛ فلم ينجُ منهم أحد! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ (1) تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- للصلابي، ص 386. (2) حصة بنت عبد الكريم الزيد، موقف الصحابة مِن أحداث العنف في عهد الخلفاء الراشدين، منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات، ص30. (3) البداية والنهارية لابن كثير (7/ 190). (4) العواصم مِن القواصم لابن العربي، ص137. (5) تاريخ دمشق لابن عساكر، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415هـ - 1995م، عدد الأجزاء: 80 (64/ 245). (6) محمد غبان، فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (1/ 188). (7) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 405). (8) المصدر السابق (5/ 399). (9) الطبقات لابن سعد (3/ 76). (10) الطبري، المصدر نفسه (5/ 407). (11) عَجِيزَةُ الْمَرْأَةِ: مُؤَخِّرَتُهَا. (12) سيف بن عمر الأسدي التَّمِيمي (المتوفى: 200هـ) الفتنة ووقعة الجمل، دار النفائس، ط 1993، ص73. (13) التميمي، المصدر السابق، ص74. (14) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 194). (15) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/410)، وأخرج أحمد بإسنادٍ صحيح، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ أَرْطَاةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ: "خَرَجْتُ مَعَ عَائِشَةَ سَنَةَ قُتِلَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ وَرَأَيْنَا الْمُصْحَفَ الَّذِي قُتِلَ وَهُوَ فِي حِجْرِهِ، فَكَانَتْ أَوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ مِنْ دَمِهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137)، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَوِيًّا". فضائل الصحابة (1/ 501) بإسنادٍ صحيح. وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "ما علمتُ أحدًا أشرك في دم عثمان، ولا أعان عليه، إلا قـُـتِـل!"، وفي رواية أخرى: "لم يدع الله الفَسَـقة "قتلة عثمان" حتى قتلهم بكل أرض!"، انظر: تاريخ المدينة المنورة لابن شبّة (4/ 1252). (16) الطبقات لابن سعد (3/ 78). (17) مجموع الفتاوى لابن تيمية (25/ 303). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#15 |
|
|
صفحات مِن ذاكرة التاريخ (15) نظرة حول منهجية الحكم الصحيحة زين العابدين كامل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فبعد أن استعرضنا فترة حكم أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- وما تخللها مِن أحداث نقول: إنه لا بد للحاكم أن يحكم أمور الدولة بكل حزم، لأنه لا يَجترئ على فعل المُحرمات والتعدي على حقوق الناس ومُمتلكاتهم، ونَشر الفوضى وأعمال العنف، والتمادي في الإجرام؛ إلا مَن أمِن العقوبة، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، واللين في موضع الشدة ضعف، والشدة في موضع اللين عنف. وها هو عثمان -رضي الله عنه- يذكر كيف تلقى بعض الناس رفقه ولينه معهم ذلك بعد فترة مِن حكمه، فقد روى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان -رضي الله عنه- أن يكلِّم الناس على المنبر ويشاورهم في أمر توسعة المسجد، قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور. قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنتُ لهم حتى أصبحت أخشاهم. قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك(1). وروى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أن أباه قال: "لقد عتبوا على عثمان أشياءً لو فعلها عمر ما عتبوا عليه". وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان شاهد عيان لخلافة عثمان مِن أولها إلى آخرها، وهو يشهد لعثمان بأن كل ما عتبوا به عليه كان يحتمل أن يكون مِن عمر -وهو أبوه-، ولو كان ذلك مِن عمر لما عتب أو اعترض عليه أحد؛ فقوة عمر -رضي الله عنه- وحزمه وشدته المتزنة الممزوجة بالحكمة كان لها تأثير بالغ في أحواله مع الرعية؛ فكان عمر -رضي الله عنه- قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه, ولمن تحت يديه، و كان عثمان ألين طبعًا وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر حتى يقول عثمان نفسه: "يرحم الله عمر، ومَن يطيق ما كان عمر يطيق" وقد أدرك عثمان ذلك أيضًا حين قال لأقوام سجنهم: "أتدرون ما جرأكم عليَّ؟! ما جرأكم عليَّ إلا حلمي!"، فهذا اللين وهذه الرأفة مِن مميزات عثمان -رضي الله عنه-، لكن بعض الناس لم يحسنوا أن يقابلوا ذلك بالإحسان والطاعة. هذا ومع وجود اللين والرفق مع مَن استحق ذلك مِن الرعية، فلا بد مِن التوازن بيْن الشدة واللين، ولا تكون الشدة إلا في موضعها، وكذلك اللين يكون في موضعه، ونؤكِّد على أن الحلم واللين مع الرعية كان مِن حسنات عثمان -رضي الله عنه-، ولم يكن أبدًا مِن سيئاته كما يظن البعض، ولا يٌعد حلمه ورحمته مِن النقائص والمعايب، بل كان العيب في الذين لم يحسنوا أن يعيشوا في كنف الحلم واللين والرحمة، ولم يحسنوا أن يقابلوا الإحسان بالطاعة، بل كانوا على العكس مِن ذلك تمامًا! ثم إننا نشير أن رقعة الدولة قد توسعتْ وازدادت في عصر عثمان -رضي الله عنه-، ودخل كثير مِن الناس الإسلام بثقافاتٍ وطباع مختلفة، وهذا أيضًا كان له أثر بالغ في المجتمع؛ لذا وجب على الحاكم أن يراعي تنوع ثقافات الناس واختلاف طباعها، لا سيما مَن تعود منهم على أسلوب المُلك وهو بلا شك يختلف عن أسلوب الخلافة، ثم إنه كان ينبغي على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- ألا يحدِّث الناس على المنبر في أمر توسعة المسجد وغيره، بل كان عليه أن يتخذ مجلس شورى مِن الثقات يستشيرهم ويكتفي بذلك، ثم لا بد أن نعلم أن فترة الخلافة هي بالطبع أفضل مما بعدها مِن فترات الملك. ولا بد أيضًا مِن وجود سياسة الاستيعاب بحكمةٍ واعتدال دون إفراط أو غلو، ومَن تدبر منهج معاوية -رضي الله عنه- في الحكم علم ذلك جيدًا؛ فلقد استطاع معاوية -رضي الله عنه- أن يحكم الدولة الواسعة المترامية الأطراف بكل حزمٍ وحكمة، وقد سٌئل معاوية -رضي الله عنه-: "كيف حكمت الشام أربعين سنة ولم تحدث فتنة؟! فقال: "إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعتْ، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها"(2). فقد امتاز معاوية -رضي الله عنه- بالعقلية الفذة, فإنه كان يتمتع بالقدرة الفائقة على الاستيعاب, فكان يستفيد مِن كل ما يمر به مِن الأحداث, ويعرف كيف يتوقاها, وكانت خبراته الواسعة وممارسته لأعباء الحكم على مدى أربعين سنة منذ ولاه عمر -رضي الله عنه- الشام, فكانت ولايته على الشام عشرين سنة أميرًا, وعشرين سنه خليفة للمسلمين, هذه الفترة الطويلة التي تقلب فيها بيْن المناصب العسكرية والولاية، أكسبته خبرة في سياسة البلاد, والاستفادة مِن كل الظروف والأوضاع التي تمر بها, حتى استطاع أن يسير بالدولة عشرين سنة دون أن ينازعه منازع؛ لذا أثنى كثير مِن الصحابة وأهل العلم على معاوية وسياسته في الحكم. يقول الشيخ الخضري: "أما معاوية نفسه, فلم يكن أحد أوفر منه يدًا في السياسة, صانع رؤوس العرب, وكانت غايته في الحلم لا تدرك, وعصابته فيه لا تنزع، ومرقاته(3) فيه تزل عنها الأقدام(4), ومِن المعلوم أن السياسة الناجحة تتوقف على القدرة على ضبط النفس عند الغضب, واحتواء الشدائد حتى تنجلي, واستخدام الأساليب المتنوعة حسب الأحداث والمتغيرات، ولمعاوية في ذلك نصيب، وكانت تلك سياسته مع العامة والخاصة, قال عمر بن الخطاب: "تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية". ويقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: "ما رأيتُ أحدًا أسود مِن معاوية قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسود منه!". وفي رواية: "ما رأيتُ أحدًا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسود مِن معاوية. قيل: ولا أبا بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه, وهو أسود منهم"(5). ويقول عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "ما رأيتُ رجلاً كان أخلق بالملك مِن معاوية"(6). وقال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: "وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين". ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: "واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة, فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك, كان ملكه ملكًا ورحمة(7)، وقال: فلم يكن مِن ملوك المسلمين خيرًا منهم في زمان معاوية إذا نُسبت أيامه إلى أيام مَن بعده، أما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل". وذكر ابن تيمية -رحمه الله- قول الأعمش عندما ذكر عنده عمر بن العزيز -رحمه الله- فقال: "فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه, قال لا والله في عدله"(8). وهكذا يجب أن يكون الحكام في كل موطن، وفي كل وقت، يتعاملون مع الواقع بما يتناسب معه، إذن لا بد مِن وجود قدرٍ مِن الحزم والقوة، وقدرٍ مِن اللين والحلم، وقدرٍ مِن الاستيعاب بحكمة. أما استعمال صفتي اللين والحلم مع الجميع بمختلف التوجهات؛ فهذا ربما يقابله البعض بالإجرام والتمادي في الظلم، وهذا حتمًا سيؤثر بالسلب على أمن العباد والبلاد، والله تعالى أعلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي (2/83). (2) العقد الفريد لابن عبد ربه (1/25). (3) مِرْقاة: جمع مَرَاقٍ: وهو موضع الرُّقِيّ والصُّعود أو أداته كالدَّرجة مِن درجات السُّلَّم. (4) الصلابي: تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ص175 نقلاً عن الدولة الأموية للخضري، ص 377. (5) البداية والنهاية لابن كثير (11/ 430). وأسود أي: أحكم، والأسْوَدُ مِن الناس: أكثرهُم سيادة، انظر معجم المعاني. ورواه أبو بكر بن الخلال في السُّنة. (6) ابن كثير، المصدر السابق (11/ 439). (7) ابن تيمية، الفتاوى (4/ 478). (8) ابن تيمية، منهاج السُّنة (6/ 232)، (3/ 185). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#16 |
|
|
صفحات مِن ذاكرة التاريخ (16) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج" زين العابدين كامل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا يَنطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم- بوقوع الفتن، بل وحدد موطنها، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ، يَقُولُ: (أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) (متفق عليه). وقد حدث ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمِن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية، وغيرهم، ومِن جهة الفرس خرجت القاديانية، والبهائية، وغيرها مِن الفرق! وكذا مِن جهة المشرق "مسيلمة الكذاب" و"الدجال". ومنذ أن مات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، والفتن لم تتوقف، وقد أخبر بذلك أيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبدأت الفتن تشتعل بموت أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. وها نحن نبيِّن الآن ما حدث بيْن الصحب الكرام بعد موت عثمان -رضي الله عنه-؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى ما حدث؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذه الأحداث؟ أولاً: بيعة علي -رضي الله عنه- وتوليه أمر الخلافة: بقيت المدينة بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- خمسة أيام وأميرها الغافقي ابن حرب، أحد قتلة عثمان -رضي الله عنه-، والناس يلتمسون مَن يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه؛ فعن محمد ابن الحنفية قال: كنتُ مع علي بن أبي طالب وعثمان محصر، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة. قال: فقام علي -رحمه الله-، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خلَّ لا أم لك، قال: فأتى على الدار، وقد قٌتل الرجل -رحمه الله-، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه، فقالوا: إن هذا قد قُتل، ولا بد للناس مِن خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا. فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك. قال: فإن أبيتم عليَّ فإن بيعتي لا تكون سرًّا، ولكن أخرج إلى المسجد؛ فبايعه الناس. وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية: فأتاه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل ولا بد للناس مِن إمام، ولا نجد أحدًا أحق بها منك؛ أقدم مشاهد، ولا أقرب مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال علي: لا تفعلوا فإني لكم وزيرًا خير مني أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد فإنه ينبغي لبيعتي ألا تكون خفيًا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين. فقال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: لقد كرهتُ أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس، وكان فيهم طلحة والزبير -رضي الله عنهما-، فأتوا عليًّا فقالوا: يا أبا حسن، هلم نبايعك، وتمت البيعة منهما، وهكذا تمتْ بيعة علي -رضي الله عنه- بالخلافة بطريقة الاختيار بعد خروج البغاة على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-. ثانيًا: اختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- حول مسألة القِصاص مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-: بعد أن تمت البيعة لعلي -رضي الله عنه-، ذهب طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وطلبا منه أن يقيم القصاص على قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ فاعتذر أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-. ومِن هنا بدأ الخلاف: فلقد رأى علي -رضي الله عنه- بفهمه وفقهه واجتهاده ومراعاته للمصالح والمفاسد أن يٌؤجِّل إقامة القصاص على قتلة عثمان؛ لا سيما وأن مثل هذه الأمور يصعب فيها أولاً تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيقٍ واسع للتعرف على الجناة؛ لا سيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص لو ثبتت شروطه. وهنا رفض طلحة والزبير -رضي الله عنهما- هذا الاجتهاد، وقررا الخروج إلى مكة حيث مقام أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بعد أن أدت فريضة الحج، ثم استأذن طلحة والزبير عليًّا في العمرة؛ فأذن لهما، فلحقا بمكة، ثم أرسلت نائلة زوج عثمان -رضي الله عنه- قميصه الذي قُتِل فيه إلى معاوية بن أبي سفيان في بلاد الشام، ووضعت فيه أصابعها التي قٌطعت وهي تدافع عن زوجها أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-. ونود أن نؤكِّد على: أن الخلاف الذي نشأ بيْن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- مِن جهةٍ، وبيْن طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- مِن جهةٍ أخرى، ثم بعد ذلك بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- لم يكن سببه أن هؤلاء كانوا يقدحون في خلافة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وإمامته وأحقيته بالخلافة والولاية على المسلمين؛ فقد كان هذا محل إجماع بينهم. قال ابن حزم -رحمه الله-: "ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، ولكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه- على البيعة، ورأى نفسه أحق بمطلب دم عثمان". وهكذا اعتذر علي -رضي الله عنه- عن أخذ الثأر، وقال: "إن قتلة عثمان لهم مدد وأعوان"، وقد تعصب لهم كثيرٌ مِن الناس وبلغ عددهم ما يقرب مِن عشرة آلاف، وهم متفرقون في المدينة والكوفة ومصر. ولما سمعت السيدة عائشة -رضي الله عنها- بموت عثمان في طريق عودتها مِن مكة إلى المدينة، رجعت إلى مكة ودخلت المسجد الحرام، وقصدت الحجر فتستَّرت فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء مِن أهل الأمصار، وأهل المياه، خلجوا -تحركوا واضطربوا-، وبادروا بالعدوان؛ نبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام، وأخذوا المال الحرام، واستحلوا الشهر الحرام، والله لأصبع عثمان خير مِن طباق الأرض أمثالهم، فنجاة -أي اطلبوا النجاة باجتماعكم عليهم- مِن اجتماعكم عليهم حتى يَنْكل بهم غيرهم، ويشرَّد مَن بعدهم، ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبًا نخلُص منه كما يخلص الذهب مِن خبثه أو الثوب مِن درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. وجاء في رواية: أن عائشة -رضي الله عنها- حين انصرفت راجعة إلى مكة أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي -أمير مكة-، فقال لها: ما ردّك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردي أن عثمان قُتل مظلومًا، وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر؛ فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام. وقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة ثناء عائشة -رضي الله عنها- على عثمان -رضي الله عنه-، ولعنها لمَن قتله في رواياتٍ متعددة. ثم قدِم طلحة والزبير -رضي الله عنهما- إلى مكة ولقيا عائشة -رضي الله عنها-، وكان وصولهما إلى مكة بعد أربعة أشهر مِن مقتل عثمان -رضي الله عنه- تقريبًا، أي في ربيع الآخر مِن عام 36هـ، ثم بدأ التفاوض في مكة مع عائشة -رضي الله عنها- للخروج، وقد كانت هناك ضغوط نفسية كبيرة على الذين وجدوا أنفسهم لم يفعلوا شيئًا لإيقاف عملية قتل الخليفة المظلوم، فقد اتهموا أنفسهم بأنهم خذلوا الخليفة، وأنه لا تكفير لذنبهم هذا -حسب قولهم- إلا الخروج للمطالبة بدمه، علمًا بأن عثمان -رضي الله عنه- هو الذي نهى كل مَن أراد أن يدافع عنه في حياته تضحية في سبيل الله! فعائشة -رضي الله عنها- تقول: إن عثمان -رضي الله عنه- قُتل مظلومًا، والله لأطالبن بدمه. وطلحة -رضي الله عنه- يقول: إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أن يُسفك دمي في طلب دمه! والزبير -رضي الله عنه- يقول: نُنهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يَبْطل، فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبدًا؛ إذا لم يُفطم الناس عن أمثالها لم يبقَ إمام إلا قتله هذا الضرب. وبعد أن دار حوار بينهم حول الجهة التي يتوجهون إليها، قال بعضهم: نتوجه إلى المدينة، ومِن هؤلاء عائشة -رضي الله عنها-، وظهر رأي آخر يطلب التوجُّه إلى الشام ليتجمعوا معًا ضد قتلة عثمان، وهناك مَن رأى الذهاب إلى الكوفة، وبعد نظرٍ طويل استقروا على البصرة؛ لأن المدينة فيها كثرة ولا يقدرون على مواجهتهم لقلتهم؛ ولأن الشام صار مضمونًا لوجود معاوية، ومِن ثَمَّ يكون دخولهم البصرة أولى؛ لأنها أقل البلدان قوة وسلطة، ويستطيعون مِن خلالها تحقيق خطتهم. وكانت خطتهم ومهمتهم واضحة سواء قبْل خروجهم أو أثناء طريقهم أو عند وصولهم إلى البصرة، وهي: المطالبة بدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن هذا المطلب هو لإقامة حدٍّ مِن حدود الله, وأنه إذا لم يؤخذ على أيدي قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ فسيكون كل إمام معرضًا للقتل مِن أمثال هؤلاء. وسمي يوم خروجهم مِن مكة نحو البصرة بـ"يوم النحيب"، فلم يُرَ يوم كان أكثر باكيًا على الإسلام، أو باكيًا له مِن ذلك اليوم! فلما خرجتْ إلى البصرة، وبلغ ذلك عثمان بن حنيف، وهو والي البصرة مِن قِبَل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرسل إلى عائشة -رضي الله عنها- عند قدومها البصرة يسألها عن سبب قدومها، فقالت: "إن الغوغاء مِن أهل الأمصار، ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا مِن قتل إمام المسلمين بلا تِرَة ولا عذر؛ فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجنود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم، ضارين مضرين، غير نافعين ولا متقين، ولا يقدرون على امتناع ولا يأمنون؛ فخرجتُ في المسلمين أُعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا، وقرأتْ: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء:114)، فنهض في الإصلاح ممن أمر الله -عز وجل- وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصغير والكبير، والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره". وقد كادت عائشة -رضي الله عنها- أن تعود وترجع أثناء سيرها في الطريق إلى البصرة، فعن قيس ابن حازم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأزواجه: (أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وبالفعل مرت عائشة -رضي الله عنها- في الطريق على بعض مياه بني عامر ليلاً؛ فنبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: ماء الحوأب، فوقفت وقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: (أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟)، فقال لها الزبير: أترجعين؟ عسى الله -عز وجل- أن يُصلح بك بيْن الناس. ولما أرسل عليٌّ القعقاع بن عمرو -رضي الله عنه- لعائشة -رضي الله عنها- ومَن كان معها يسألها عن سبب قدومها، دخل عليها القعقاع فسلم عليها، وقال: أي أُمه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، إصلاح بيْن الناس. هذا وقد كانت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارًا مِن الفتنة، فلما بلغ الناس بمكة أن عثمان -رضي الله عنه- قد قُتل أقمن بمكة، وكن قد خرجن منها فرجعن إليها، وجعلن ينتظرن ما يصنع الناس ويتحسسن الأخبار، فلما بويع علي خرج عددٌ مِن الصحابة مِن المدينة كارهين المقام بها بسبب الغوغاء مِن أهل الأمصار، فاجتمع بمكة منهم خلق كثير مِن الصحابة وأمهات المؤمنين. وبقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة -رضي الله عنها- على السير إلى المدينة؛ فلما اتفق رأي عائشة -رضي الله عنها- ومَن معها مِن الصحابة على السير إلى البصرة، رجعن عن ذلك، وقلن: لا نسير إلى غير المدينة، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين -رضي الله عنها- قد وافقت عائشة -رضي الله عنها- على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد الله مِن ذلك، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، وسار الناس بصحبة عائشة -رضي الله عنها- في ألف فارس، وقيل تسعمائة فارس مِن أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فساروا في ثلاثة آلاف رجل. ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ المراجع: - فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، محمد غبان. - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، محمد سهيل طقوش. - تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبري. - البداية والنهاية لابن كثير. - أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي. - تضارب روايات الفتنة الكبرى، خالد كبير علال. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#17 |
|
|
صفحات مِن ذاكرة التاريخ (17) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج" زين العابدين كامل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد استعرضنا في المقال السابق كيف تمتْ بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ثم مطالبة بعض الصحابة وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهم-، بإقامة القصاص على قتلة عثمان -رضي الله عنه-، وقد اعتذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأبدى وجهة نظره في إرجاء إقامة القصاص، ثم تحرك جمع غفير مِن مكة إلى البصرة بصحبة أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهم-. وعندما وصل طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- ومَن معهم إلى البصرة، أرسلوا إلى أعيان وأشراف القبائل يستعينون بهم على قتلة عثمان، وكان كثير مِن المسلمين في البصرة وغيرها يرغبون في القود مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ إلا أن بعض هؤلاء يرون أن هذا مِن اختصاص الخليفة وحده، وأن الخروج في هذا الأمر بدون أمره وطاعته معصية، ولكن خروج هؤلاء الصحابة المشهود لهم بالجنة، وأعضاء الشورى ومعهم أم المؤمنين عائشة حبيبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفقه النساء مطلقًا؛ جعل الكثير مِن البصريين على اختلاف قبائلهم ينضمون إليهم. وأرسل الزبير إلى الأحنف بن قيس السعدي التميمي يستنصره على الطلب بدم عثمان، والأحنف مِن رؤساء تميم وكلمته مسموعة، يقول الأحنف واصفًا هول الموقف: فأتاني أفظع أمر أتاني قط فقلتُ: إن خذلاني هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لشديد إلا أنه اختار الاعتزال، فاعتزل معه ستة آلاف ممن أطاعه مِن قومه، وعصاه في هذا الأمر كثير منهم، ودخلوا في طاعة طلحة والزبير وأم المؤمنين -رضي الله عنهم-، ويذكر الزهري أن عامة أهل البصرة تبعوهم, وهكذا انضم إلى طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم أنصار جدد لقضيتهم التي خرجوا مِن أجلها، وقد حاول ابن حنيف تهدئه الأمور والإصلاح قدر المستطاع. عليٌّ -رضي الله عنه- يغادر المدينة متوجهًا إلى الكوفة: همّ علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها وينظر ما هو رأي معاوية -رضي الله عنه- وما هو صانع، فقد كان يرى أن المدينة لم تعدُ تمتلك المقومات التي تملكها بعض الأمصار في تلك المرحلة، فلما علم أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- بهذا قال: يا أمير المؤمنين، أقم بهذه البلاد؛ لأنها الدرع الحصينة، ومهاجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبها قبره ومنبره ومادة الإسلام، فإن استقامت لك العرب كنتَ كمن كان، وإن تشغب عليك قوم رميتهم بأعدائهم، وإن ألجئت حينئذٍ إلى السير سرت وقد أعذرت، فأخذ الخليفة بما أشار به أبو أيوب وعزم المقامة بالمدينة وبعث العمال على الأمصار. وقد بعث معاوية كتابًا مع رجل، فدخل به على علي، فقال له على: ما وراءك؟ قال: جئتك مِن عند قوم لا يريدون إلا القود، كلهم موتور -رَجُلٌ مَوْتُورٌ: أي مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَخْذِ ثَأْرِهِ، ورَجُلٌ مَوْتُورٌ: عصبي مشدود-، تركتُ ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك مِن دم عثمان. ثم خرج رسول معاوية مِن بيْن يدي علي؛ فهمَّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلتْ إلا بعد جهدٍ، وبعد وصول رد معاوية لأمير المؤمنين علي -رضي الله عنهما-، عزم الخليفة علي الذهاب إلى أهل الشام؛ فكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة، وبعث إلى عثمان بن حُنيف بذلك، وخطب الناس فحثّهم على ذلك، وعزم على التجهز، وخرج مِن المدينة، واستخلف عليها قُثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه مَن عصاه وخرج مِن أمره ولم يبايعه مع الناس، ولكن نظرًا لبعض المستجدات السياسية على الساحة وما يحدث في البصرة قرر أمير المؤمنين مغادرة المدينة وأن يتوجه إلى الكوفة، فاستنفر أهل المدينة ودعاهم إلى نصرته، وكان كثير مِن أهل المدينة يرون أن الفتنة ما زالت مستمرة، فلا بد مِن التروي حتى تنجلي الأمور أكثر، وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع، فإن هذا الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر. وروى الطبري أن عليًّا -رضي الله عنه- خرج في تعبئته التي كان تعبَّى بها إلى الشام وخرج معه مَن نشط مِن الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل، والأدلة على تثاقل كثير مِن أهل المدينة عن إجابة أمير المؤمنين للخروج كثيرة، كما أن رجالاً مِن أهل بدر لزموا بيوتهم بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم، وحاول عبد الله بن سلام صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يثني عزم أمير المؤمنين علي عن الخروج، فأتاه وقد استعد للمسير، وأظهر له خوفه عليه ونهاه أن يقدم على العراق قائلاً: أخشى أن يصيبك ذباب السيف، كما أخبره بأنه لو ترك منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلن يراه أبدًا، وفي الربذة قام إليه ابنه الحسن -رضي الله عنهما- وهو يبكي لا يخفي حزنه وتأثره على ما أصاب المسلمين مِن تفرق واختلاف، وقال الحسن لوالده: قد أمرتك فعصيتني، فتُقتل غدًا بمضيعة لا ناصر لك، فقال علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان -رضي الله عنه- أن تخرج مِن المدينة فيُقتل ولستَ بها، ثم أمرتك يوم قُتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر، ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فإن كان الفساد كان على يدي غيرك، فعصيتني في ذلك كله. قال: أي بني، أما قولك: لو خرجت مِن المدينة حين أحيط بعثمان، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة، وكرهنا أن يضيع هذا الأمر، وأما قولك حين خرج طلحة والزبير، فإن ذلك كان وهنًا على أهل الإسلام، والله ما زلت مقهورًا مذ وُليت، منقوصًا لا أصل إلى شيء مما ينبغي، وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني، أو مَن تريدني؟ أتريدني أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها، ويقال: دباب دباب -دعاء الضبع للضبع-, ليست ههنا حتى يحل عرقوباها ثم نُخرج، وإذا لم أنظر فيما لزمني مِن هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكف عنك أي بني ولَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الْخُرُوجَ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَقَالَ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالإِصْلاحَ، إِنْ قَبِلُوا مِنَّا وأجابونا إليه، قال: فان لم يجيبوا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِعُذْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ، قَالَ: فَنَعَمْ إِذًا". وأرسل علي -رضي الله عنه- مِن الربذة يستنفر أهل الكوفة ويدعوهم إلى نصرته؛ إذ إن أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- والي الكوفة مِن قِبَل علي، ثبط الناس ونهاهم عن الخروج والقتال في الفتنة وأسمعهم ما سمعه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن التحذير مِن الاشتراك في الفتنة فأرسل علي بعد ذلك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ففشل في مهمته لتأثير أبي موسى عليهم، ثم تحرك عليٌّ بجيشه إلى ذي قار ثم بعث للكوفة في هذه المرة عبد الله بن عباس فأبطأوا عليه، فأتبعه بعمار بن ياسر والحسن بن علي، وعزل أبا موسى الأشعري واستعمل قرظة بن كعب بدلاً منه. وكان للقعقاع بن عمرو -رضي الله عنه- دور عظيم في إقناع أهل الكوفة، فقد قام فيهم وقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق، وأحب أن ترشدوا، ولأقولن لكم قولاً هو الحق، والقول الذي هو القول؛ إنه لا بد مِن إمارة تنظم الناس وتنزع الظالم، وتعز المظلوم، وهذا عليٌّ يلي ما ولى، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا في هذا الأمر بمرأى ومسمع. وكان للحسن بن علي -رضي الله عنهما- أثر واضح؛ فقد قام خطيبًا في الناس وقال: أيها الناس، أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجلة وخير مِن العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، ولبى كثير مِن أهل الكوفة وخرجوا مع عمار والحسن إلى علي ما بيْن سبعة إلى ستة آلاف رجل، ثم انضم إليهم مِن أهل البصرة ألفان مِن عبد القيس، ثم توافدت عليه القبائل إلى أن بلغ جيشه عند حدوث المعركة اثنى عشر ألف رجل تقريبًا، وعندما التقى أهل الكوفة بأمير المؤمنين هلي بذي قار قال لهم: يا أهل الكوفة، أنتم وليتم شوكة العجم وملوكهم وفضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فأعنتم حوزتكم، واغتنم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا مِن أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق، وبايناهم حتى يبدءونا بظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد -إن شاء الله-، ولا قوة إلا بالله. وقبْل أن يتحرك علي -رضي الله عنه- بجيشه نحو البصرة أقام في ذي قار أيامًا، وكان غرضه -رضي الله عنه-، هو القضاء على هذه الفرقة والفتنة بالوسائل السلمية، وتجنيب المسلمين شر القتال والصدام المسلح بكل ما أُوتي مِن قوة وجهد، وكذلك الحال بالنسبة لطلحة والزبير. محاولات الصلح بيْن الفريقين: وقد شارك في محاولات الصلح عدد مِن الصحابة وكبار التابعين ممن اعتزلوا الأمر، منهم: عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فقد أرسل في الناس يخذل الفريقين جميعًا، وكعب بن سور أحد كبار التابعين، فقد بذل كل جهد، وقام بدور يعجز عنه كثير مِن الرجال، فقد استمر في محاولة الصلح إلى أن وقع القتال، وقُتل وهو بيْن الصفين يدعو هؤلاء ويدعو هؤلاء إلى تحكيم كتاب الله وكف السلاح، والقعقاع بن عمرو التميمي -رضي الله عنه- حيث أرسله أمير المؤمنين عليٌّ -رضي الله عنه- في مهمة الصلح إلى طلحة والزبير، وقال: القَ هذين الرجلين، فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الاختلاف والفرقة. وذهب القعقاع إلى البصرة، فبدأ بعائشة -رضي الله عنها- وقال لها: ما أقدمك يا أماه إلى البصرة؟ قالت له: يا بني مِن أجل الإصلاح بيْن الناس. فطلب القعقاع منها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا، ويكلمهما في حضرتها وعلى مسمع منها، ولما حضرا سألهما عن سبب حضورهما، فقالا كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: مِن أجل الإصلاح بين الناس. فقال لهما: أخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عَرفناه لنصلحنَّ معكم، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا له: قتلة عثمان -رضي الله عنه- لا بد أن يُقتلوا، فإن تُركوا دون قصاص كان هذا تركًا للقرآن، وتعطيلاً لأحكامه، وإن اقُتصَّ منهم كان هذا إحياءً للقرآن. قال القعقاع: لقد كان في البصرة ستُّمائة مِن قتلة عثمان وأنتم قتلتموهم إلا رجلاً واحدًا، وهو حٌرقٌوص بن زهير السعدي، فلما هرب منكم احتمى بقومه مِن بني سعد، ولما أردتم أخذه منهم وقَتْله منعكم قومه مِن ذلك، وغضب له ستة آلاف رجل اعتزلوكم، ووقفوا أمامكم وقفة رجل واحد، فإن تركتم حرقوصًا ولم تقتلوه، كنتم تاركين لما تقولون وتنادون به وتطالبون عليًا به، وإن قاتلتم بني سعد مِن أجل حرقوص، وغلبوكم وهزموكم وأديلوا عليكم، فقد وقعتم في المحذور، وقوَّيتموهم، وأصابكم ما تكرهون، وأنتم بمطالبتكم بحرقوص أغضبتم ربيعة ومضر مِن هذه البلاد، حيث اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لبني سعد، وهذا ما حصل مع علي، ووجود قتلة عثمان في جيشه؛ يعني أن الذي تريدونه مِن قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها، وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان -رضي الله عنه- مِن حرقوص بن زهير؛ لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان -رضي الله عنه- إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة. وهنا تأثرت أمُّ المؤمنين ومَن معها بمنطق القعقاع وحجته المقبولة؛ فقالت له: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟ قال: "أقول: هذا أمر دواؤه التسكين، ولا بد مِن التأني في الاقتصاص مِن قتلة عثمان، فإذا انتهت الخلافات، واجتمعت كلمة الأمة على أمير المؤمنين تفرغ لقتلة عثمان، وإن أنتم بايعتم عليًّا واتفقتم معه، كان هذا علامة خير، وتباشير رحمة، وقدرة على الأخذ بثأر عثمان، وإن أنتم أبيتم ذلك، وأصررتم على المكابرة والقتال كان هذا علامة شر، وذهابًا لهذا الملك، فآثروا العافية تُرزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تُعرَّضونا للبلاء، فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم، حتى يأخذ الله حجته مِن هذه الأمة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإنّ ما نزل بها أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا قتل النفر الرجل، ولا قتل القبيلة القبيلة". وبعد هذه الكلمات العذبة والتي أخلص فيها القعقاع وافقوا على دعوته إلى الصلح، وقالوا له: قد أحسنتْ وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم علي، وهو على مثل رأيك، صلح هذا الأمر -إن شاء الله-. وعاد القعقاع إلى علي -رضي الله عنهما- في ذي قار وقد نجح في مهمته، وأخبر عليًّا بما جرى معه، فأُعجب علي بذلك، وأوشك القوم على الصلح؛ كرهه مَن كرهه، ورضيه مَن رضيه، ثم أرسل علي -رضي الله عنه- رسولين إلى عائشة والزبير ومَن معهما يستوثق مما جاء به القعقاع بن عمرو، فجاءا عليًّا بأنه على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم، فارتحل علي حتى نزل بحيالهم، فنزلت القبائل إلى قبائلهم، مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، ولا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح, وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- لما نوى الرحيل قد أعلن قراره الخطير: ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا يقصد إلى البصرة، ألا ولا يرتحلن غدًا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء مِن أمور الناس، وهكذا اتفق الطرفان على الصلح، وظهرت حقيقة نواياهم، ولكن قدر الله أسبق! ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المراجع: - فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، محمد غبان. - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، محمد سهيل طقوش. - تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبري. - البداية والنهاية لابن كثير. - أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي. - تضارب روايات الفتنة الكبرى، خالد كبير علال. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| غزة في ذاكرة التاريخ | ابو الوليد المسلم | ملتقى التاريخ الإسلامي | 16 | 03-17-2026 06:11 PM |
| معركة كوسوفا – ذاكرة الصليب | ابو الوليد المسلم | ملتقى التاريخ الإسلامي | 0 | 01-26-2026 06:55 PM |
| من ذاكرة فلسطين | ام هُمام | ملتقى التاريخ الإسلامي | 4 | 12-26-2017 06:49 PM |
| 4 مصحف توفيق النوري برواية ورش كاملة مقسم سور و اجزاء و احزاب و صفحات _____ لاول مرة | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 10-06-2016 05:17 PM |
| مصطفى بن مالك مصحف رواية ورش كاملا 114 سورة _____ لاول مرة | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 09-21-2016 05:56 PM |
|
|