أساليب الباطل
الباطل أعجز من أن يواجه الحق بالحجج.
لذا ترى المبطلين يحيدون عن مناقشة الأدلة نقاشا علميا منطقيا، بل يلجأون إلى إعلاء الصوت والتهرب من الحجة والبرهان. تجد ذلك واضحا جدا فيما يحكيه القرآن الكريم عن الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة المكية.
كان رسول الله يأتيهم بالحجج والبراهين الواضحة الموافقة للفطرة الملجمة لكل ذي عقل سليم. فيتهربون ويُثيرون قضايا لا علاقة لها بفحوى الرسالة الإلهية.
تعالوا نستعرض أساليب الكفار في مواجهة حجج النبي الساطعة وبراهينه القاطعة:
الأسلوب الأول: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) )) (فصلت) أحس الكفار بجاذبية القرآن لقلوبهم ولقلوب من حولهم من الأتباع المقلدين لهم. فهربوا من النور كما تهرب الخفافيش، وكما يهرب الذباب من الروائح العطرية، لأن نفوسهم لا تطيق التطهر والسمو. وأوصى بعضهم بعضا بذلك! ((وقال الذين كفروا)) أي لبعضهم بعضا ولأتباعهم...((لا تسمعوا لهذا القرآن))، ولو كانوا أصحاب حجة غالبة لسمعوه وتأملوه مليا مرة تلو الأخرى ليفندوه. لكن حتى لو تشاغلوا عن سماعه تبقى للقرآن جاذبيته التي تأسر النفوس. ما الحل إذن؟ ((والغوا فيه)) عليكم بالهرج والصياح والثرثرة بكلام لغو...هم أنفسهم سموه لغوا! المهم ألا نسمع ولا يسمع نساؤنا وأولادنا وعبيدنا هذا القرآن. ((لعلكم تغلبون))..وبئست الغلبة هذه! غلبة برفع الصوت باللغو ليطغى على صوت الحق! أسلوب لا يليق بعاقل ذي مروءة، لكنه الكبر يهلك أهله. في زماننا هذا، ترى الإعلام المعادي للإسلام الحريص على بقاء البشرية في تيهها يغرق الشعوب في البرامج غير النافعة التي تشتت الذهن وتستثير الشهوات وتحدث حالة من الخبل المستمر. ما الهدف؟ ((والغوا فيه لعلكم تغلبون)). ولو كان أعداء الإسلام يملكون حجة وإقناعا لأشبعوا فضائياتهم بالنقاش العلمي المتسلسل لتفنيد الإسلام. لكن أنى لهم والله قد أحكم دينه كما أحكم سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير.إذن كان هذا الأسلوب الأول من أساليب التهرب من دعوة الحق: ((لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ))
نذكر اليوم أسلوبا آخر استخدمه أهل الباطل، وهو الطعن في شخص النبي صلى الله عليه وسلم. هل أتوا لذلك بدليل من سيرته وما يعرفون عنه قبل بعثته؟ لا طبعا. فما عرفوا عنه إلا الصدق والأمانة والخلق الحسن. إنما رموه بإطلاقات وافتراءات لا تستند إلى أي برهان. ولذلك كانوا يتخبطون فيها بشكل مزرٍ ذكره الله في قوله سبحانه: ((بلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (5) )) (الأنبياء). لاحظ كيف يصور القرآن تخبطهم والحرج الذي وقعوا فيه، فلا يستقرون على رأي...قالوا في القرآن هذه أخلاط من أحلام رآها محمد فظنها واقعا وقصها علينا. ثم قالوا: لا بل افترى القرآن ونسبه إلى الله...ثم قالوا: لا بل محمد شاعر فالقرآن من شعره. ثم بعد هذا كله قالوا: لماذا لا يأتي بخارقة كالتي سمعناها عن الرسل من قبل؟ ((فليأتنا بآية كما أرسل الأولون)).وقالوا فيه كاهن وقالوا مجنون...وركبوا الأوصاف تركيبا في بعض الأحايين من قبيل التنويع فقالوا: (أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون)...ومرة قالوا عنه ساحر، وفي الأخرى قالوا مسحور: ((وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا))...حاشاه صلى الله عليه وسلم. تنوع اتهاماتهم بهذا الشكل المتضارب دلالة واضحة على بطلان هذه الاتهامات كلها. فلو وجدوا لأي منها سندا من واقع وأدلة وقرائن لتشبثوا به. لاحظ أخي أنهم في ذلك كله لم يناقشوا صلب الدعوة ولا فحوى الرسالة، بل يطعنون في حامل الرسالة صلى الله عليه وسلم بافتراءات محضة. وكذلك في أيامنا هذه، كثيرا ما يحاول أعداء الإسلام تشويه صورته من خلال الطعن في الدعاة وفي حمَلة هذا الدين من المسلمين. لا نكاد نرى منهم نقاشا موضوعيا لفحوى الدعوة ذاتها، بل تنفيرا عنها بتشويه صورة حامليها. فالافتراء على الأشخاص سهل، أما نقض حجج الإسلام فكمحاولة إطفاء نور الله!...((والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) )).
يتبع