استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-14-2026, 11:27 PM   #157

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 181 الى صـــ 200
الحلقة (157)






منده: الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر.
وفي «تفسير الطبري» عن سالم أن أباه كان يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قاله - ﷺ - فيها، ويرى أنها الصلاة الوسطى (١).
وفي «علل ابن أبي حاتم»: «من فاتته صلاة العصر» وفواتها أن تدخل الشمس صفرة الحديث. قَالَ أبو حاتم: التفسير من قبل نافع (٢).
رابعها:
تخصيصه - ﷺ - بالعصر يحتمل أن يكون عَلَى حسب السؤال، وعدا هذا فالصبح والعشاء ملحق بها، وخصت العصر لفضلها؛ ولكونها مشهودة الملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها الصبح، أو خصت بذلك تأكيدًا وحضًّا عَلَى المباشرة عليها؛ لأنها تأتي في وقت أشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي في وقت النوم، والأظهر أنها خصت بالذكر؛ لأنها الوسطى عَلَى الصحيح (٣)، وبها تختم صلوات النهار كما أسلفناه عن «تفسير الطبري».

------------------
(١) ٢/ ٥٧٠ (٥٣٩٢).
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٤٩ - ١٥٠ (٤١٩).
(٣) اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى على أقوال:
القول الأول: أنها العصر، وهو قول الأحناف، وقول بعض المالكية، والشافعية، والحنابلة وداود وابن حزم، وهو قول بعض الصحابة والتابعين. وصححه المصنف.
القول الثاني: أنها الصبح، وهذا قول مالك وأهل المدينة، وقول الشافعى وجمهور أصحابه.
القول الثالث: أنها الظهر: وهو مروي عمن زيد بن ثابت وعلي وأبي هريرة وغيرهم.=



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وجعلها بعض المصنفين رواية عن أبي حنيفة.
القول الرابع: أنها الصبح والعصر، وهو قول الأبهري من المالكية، واختاره ابن أبي جمرة.
القول الخامس: أنها العشاء، وهو قول بعض الشافعية ذهب إليه منهم علي بن أحمد النيسابوري.
القول السادس: أنها مبهمة، واختاره القرطبي وقال: وهو الصحيح إن شاء الله لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، وصححه ابن العربي.
القول السابع: أنها الصلوات الخمس وهو قول معاذ بن جبل وروى عن ابن عمر وهو اختيار ابن عبد البر.
القول الثامن: أنها الجمعة، صححه القاضي حسين بن محمد المروزي من الشافعية وضعفه القاضي عياض والنووي، ورجحه أبو شامة.
القول التاسع: أنها الوتر، وذهب إليه السخاوي.
القول العاشر: أنها العشاء والصبح معًا، وحكي عن أبي الدرداء.
القول الحادي عشر: أنها المغرب وهو قول قبيصة بن ذؤيب وابن قتيبة.
القول الثاني عشر: أنها صلاة الضحى، وقد روى هذا القول الدمياطي عن بعض شيوخه.
القول الثالث عشر: أنها صلاة الخوف، ذكره الدمياطي ولم يذكر من قاله.
القول الرابع عشر: أنها صلاة الجماعة، وهو محكي عن الماوردي.
القول الخامس عشر: أنها صلاة عيد الفطر،، حكاه الدمياطي أيضًا.
القول السادس عشر: أنها صلاة عيد الأضحى، وهو قول ذكره ابن سيد الناس في «شرح الترمذي» وحكاه الدمياطي.
القول السابع عشر: أنها صلاتا العصر والعشاء، وهو قول الشيخ زروق من المالكية.
القول الثامن عشر: أنها الصلاة على النبي - ﷺ -، وهو قولٌ آخر للشيخ زررق من المالكية.
القول التاسع عشر: أنها صلاة الليل، حكاه العيني في «عمدة القاري».
القول العشرون: أنها في الأيام المعتادة الظهر، وفي يوم الجمعة هي الجماعة، =



١٥ - باب مَنْ تَرَكَ العَصْرَ
٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ». [٥٩٤ - فتح:٢/ ٣١]
ذكر فيه حديث هشامِ عن يحيى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ قَالَ: كُنَا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا فيما سيأتي (١).
وبُريدة: هو ابن الحُصيب الأسلمي (٢)، وأبو المليح: اسمه عامر بن

-----------------
= ذكره العيني.
القول الحادي والعشرون: أنها صلاة الصبح أو العصر على الترديد، حكاه العيني.
القول الثاني والعشرون: التوقف حكاه العيني أيضًا.
وقد صح من الأدلة بما يدل على أنها العصر كما صححه المصنف.
انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٥ - ١٧٦، «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ١٥٥، «عمدة القاري» ١٥/ ٤٠، «التمهيد» ٤/ ٣١٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٣٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٣/ ٢١٠، «طرح التثريب» ٢/ ١٧٣، «روضة الطالبين» ١/ ١٨٢، «فتح الباري» ٨/ ١٩٦، «الإفصاح» ١/ ٢٢٣، «المغني» ٢/ ١٨، «الشرح الكبير» ٣/ ١٤١.
(١) سيأتي برقم (٥٩٤) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: التبكير بالصلاة في يوم غيم.
(٢) هو بريدة بن الحُصيب -بضم الحاء المهملة- بن عبد الله بن الحارث. أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان ومات في خروجه غازيًا في سبيل الله بمروٍ في إمرة يزيد بن معاوية «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٧٥ (٧٢)، =



أسامة الهذلي، تابعي ثقة (١)، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي (٢).
وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عنه. قَالَ ابن حبان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، واسمه عمرو. ثم ساقه من حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي قلابة، عن عمه، عنه عَلَى الصواب (٣).
واعترض عليه الضياء المقدسى فقال: الصواب أبو المليح عن بريدة.
ثانيها:
اختلف في معنى تركها، فقال المهلب: معناه: من فاتته فوات مضيع متهاون بفضل وقتها مع قدرته عَلَى آدائها فحبط عمله في الصلاة خاصة. أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة.
وقال غيره: تركها جاحدًا، فإذا فعل ذَلِكَ فقد كفر وحبط عمله. ورد بأن ذَلِكَ مقول في سائر الصلوات، فلا مزية إذًا.
قد ورد من حديث عمر مرفوعًا: «من ترك صلاة متعمدًا أحبط الله

---------------
=»الاستيعاب«١/ ٢٦٣ (٢١٩)،»أسد الغابة«١/ ٢٠٩ (٣٩٨)،»الإصابة«١/ ١٤٦ (٦٣٢).
(١)»معرفة الثقات«للعجلي ٢/ ٤٢٩ (٢٢٦١)،»الجرح والتعديل«٦/ ٣١٩ (١٣٨١)،»الثقات«لابن حبان ٥/ ١٩٠،»تهذيب الكمال" ٣٤/ ٣١٨ (٧٦٤٩).
(٢) تقدمت ترجمته في شرح الحديث (١٦).
(٣) رواه ابن ماجه (٦٩٤) كتاب: الصلاة، باب: ميقات الصلاة في النعيم، وابن
حبان ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (١٤٧٠) كتاب: الصلاة، باب: الوعيد على ترك الصلاة.



عمله، وبرئت منه ذمة الله تعالى حَتَّى يراجع لله توبة» (١) وإسناده لا يقوى.
وقال ابن بزيزة: هذا عَلَى وجه التغليظ -إذ لا يحبط الأعمال إلا الشرك- أو حبط جزاء عمله أي: نقص بالنسبة إلى جزاء المحافظة عليها. وقال ابن التين: كاد أن يحبط.
وقال ابن العربي في «قبسه»: توقف عنه عمله مدة يكون فيها بمنزلة المحبط حَتَّى يأتيه من فضله ما يدرك به فوات علمه، أو يحبط عمله عند موازنة الأعمال، فإذا جاء الفضل أدرك الثواب.
ثالثها:
فيه البكور بها عَلَى التحري والأغلب لا عَلَى نفس الإحاطة، وقد اختار جماعة من العلماء في يوم الغيم تأخير الظهر وتعجيل العصر، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في باب التبكير بالصلاة في يوم غيم (٢).

--------------------
(١) أخرجه الأصفهاني في «الترغيب» كما في «الضعيفة» ١١/ ٢٥٠ (٥١٥٠)، وقال الألباني: إنما أخرجت الحديث هنا من أجل الزيادة الشي في آخره: «حتى يراجع لله توبة» وإلا فهو بدونها صحيح، له شواهد كثيرة.
(٢) في شرح حديث رقم (٥٩٤).



١٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ
٥٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي الْبَدْرَ- فَقَالَ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُمْ. [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ - مسلم: ٦٣٣ - فتح: ٢/ ٣٣]

٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». [٣٢٣٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦ - مسلم: ٦٣٢ - فتح: ٢/ ٣٣]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث جرير بن عبد الله: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَة البَدْرِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ -يعني: ابن أبي خالد الراوي عن قيس، عن جرير- افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ.


الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، (وكرره) (٢) البخاري قريبًا في باب: فضل صلاة الفجر (٣)، ويأتي في التفسير (٤) والتوحيد (٥) أيضًا.
وأخرجه والأربعة أيضًا (٦)، وطرقه الدارقطني في «علله».
ولفظ البخاري في التوحيد: «إنكم سترون ربكم عيانًا» (٧)، وفي التفسير: فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة (٨) وفي آخر قريبًا: «لا تضامون» أو قَالَ: «لا تضاهون في رؤيته» (٩).
وعند اللالكائي عن البخاري: «إنكم ستعرضون عَلَى ربكم وترونه كما ترون هذا القمر» (١٠).
وعند مسلم: ثم قرأ جرير: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (١١) الآية. وله:

---------------
(١) برقم (٦٣٣) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٢) في (ج): وذكره.
(٣) سيأتي برقم (٥٧٣).
(٤) سيأتي برقم (٤٨٥١) باب: قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٧٤٣٤) باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.
(٦) رواه أبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٧)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٤١٩ (٧٧٦٢).
(٧) سيأتي برقم (٧٤٣٥).
(٨) سيأتي برقم (٤٨٥١).
(٩) سيأتي برقم (٥٧٣).
(١٠) «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٢٧ (٨٢٨).
(١١) الذي وجدته في مطبوع «صحيح مسلم» ١/ ٤٣٩ (٦٣٣/ ٢١١) (ط. عبد الباقي) ﴿وَسَبِحْ﴾ بالواو، وكذا في «متن مسلم مع شرحه» للنووي ٥/ ١٣٤، أما في =



«فيتجلى لهم الرب تعالى» (١).
وعن صهيب عند مسلم: «فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه» (٢).
ثانيها:
تظاهرت الأخبار والقرآن وإجماع الصحابة فمن بعدهم عَلَى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها عن النبي - ﷺ - نحو من عشرين صحابيًّا كما ذكره النووي (٣).

-----------------
= مطبوع «المفهم» ٢/ ٢٦٢ فقال القرطبي: وقراءة جرير في هذا الموضع ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يشعر بأن قوله: فسبح (هكذا!!) بمعنى: فصل في هذين الوقتين. اهـ وعند أبي عوانة في مطبوعه ١/ ٣١٤ بالواو في صلب الكتاب، وأشار المحقق في هامشه إلى أن في الأصل: فسبح. اهـ. يعني: بالفاء بل إن في بعض نسخ البخاري لهذا الحديث ومنها نسخة أبي ذر الهروي والأصيلي والمستملي وأبي الوقت وأخرى لم يعلم صاحبها رمز لها بـ (عط).
أشير إلى ذلك في حاشية «اليونينية» ١/ ١١٥. وعلق عليها محققوها بقولهم: لكن التلاوة بالواو.
قلت: فلعل ما وقع في مطبوع مسلم ومن تبعه من إثبات ما عليه التلاوة نسخة من النسخ، أو على مذهب من قال بأن الآيات تكتب على رسم المصحف.
أن يكون فيه نظر؛ لأن الطبري روى في «تفسيره» ٨/ ٤٧٧ (٢٤٤٤٥ - ٢٤٤٤٨) قراءة ابن عباس، وجرير أيضًا وقتادة: بالفاء.
وأيضًا يؤيد إيراد المصنف القراءة بالفاء وتصحيح عزوها إلى مسلم ما أسلفت من إيضاح القرطبي صاحبه «المفهم» ٢/ ٢٦٢ لهذِه القراءة. ولعل في هذِه المسألة زيادة بيان لم تتحرر لي. والله أعلم.
(١) برقم (١٩١) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٢) برقم (١٨١) كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم -سبحانه وتعالى-.
(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٥.



وأنت إذا تأملت ما ذكره اللالكائي (١)، والآجري في «الشريعة» (٢)، وأبو الشيخ في «السنة الواضحة»، وأبو نعيم زاد عَلَى العشرين.
وقد صرح بذلك ابن التين في شرحه، وهي مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار.
وفي «سنن اللالكائي» من حديث أنس وأبي بن كعب وكعب بن عجرة: سئل رسول - ﷺ - عن الزيادة في كتاب الله تعالى، قَالَ: «النظر إلى وجهه» (٣) وعن ابن عمر: «من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه تعالى كدوة وعشية» (٤).
ومن حديث أبي عبيدة عن أبيه وذكر الموقف فيتجلى لهم ربهم.
وأبعد من قَالَ: يراه المنافقون أيضًا (٥).

--------------
(١) روى اللالكائي روايات كثيرة في هذا الباب عن الصحابة والتابعين والفقهاء ثم قال: فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله - ﷺ - من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا منهم: علي وأبو هريرة إلخ «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٤٨.
(٢) انظر: ٢/ ٩٧٨ - ١٠٣٥ كتاب: التصديق بالنظر إلى الله -عز وجل-.
(٣) روى ذلك في «شرح أصول الاعتقاد» ٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
(٤) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عمر رواه الترمذي (٢٥٥٣)، (٣٣٣٠)، وأحمد ٢/ ٦٤، وأبو يعلى ١٠/ ٧٦ - ٧٧ (٥٧١٢)، والحاكم ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠، واللالكائي ٣/ ٥٣٦ (٨٤٠) وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٨٧، مرفوعًا من طريق ثوير عن ابن عمر وهو واهي الحديث، وقال أبو عيسى: حديث غريب، وقال الحاكم: وثوير، وإن لم يخرجاه فلم ينقم عليه غير التشيع. وتعقبه الذهبي فقال: بل واهي الحديث، وقال ابن حجر: في سنده ضعف «فتح الباري» ٢/ ٣٤، وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف، ورواه اللالكائي (٨٤١)، والترمذي عقب الرواية رقم (٢٥٥٣، ٣٣٣٠) موقوفًا، وفيه ثوير أيضًا.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد تنازع الناس في الكفار هل يرون ربهم
مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه بحال تمسكا بظاهر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ ولأن الرؤية أعظم الكرامة والنعيم، والكفار لاحظ لهم في ذلك، =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قالت طوائف من أهل الحديث والتصوف: بل يرونه ثم يحتجب، كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي في الصحيح وغيره، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن، قالوا وقوله: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يشعر بأنهم عاينوا ثم حجبوا، ودليل ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ فعلم أن الحجب كان يومئذ. فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم، وذلك إنما هو في الحجب بعد الرؤية، فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال في الدنيا والآخرة. قالوا: ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيمًا إذ «اللقاء» ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء. ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة، حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟!!» وقد روى مسلم وأبو داود وأحمد في «المسند» وابن خزيمة في «التوحيد» وغيره قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما». قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والابل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب قال:»فيقول: فظننت أنك ملاقي؟. فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني«. ثم قال:»يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك. فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذا قال، ثم يقال: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، فذلك المنافق ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله عليه«. وقال: وهذا الحديث معناه في الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة، يصدق بعضها بعضًا؛ وفيه أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها، ثم اتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه العبد، والمنافق، وأنه يخاطبهم، وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة أنه يتجلى لهم في القيامة مرة للمؤمنين والمنافقين، بعد ما تجلى لهم أول مرة، ويسجد المؤمنون دون المنافقين، وقد بسط الكلام على هذِه المسألة في غير هذا الموضع،»مجموع الفتاوى" ٦/ ٤٦٦ - ٤٦٨.


ومنع من ذَلِكَ المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة بناءً عَلَى أن الرؤية تلزمها شروط عقلية اعتقدوها، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذَلِكَ ومحل الخوض في ذَلِكَ أصول الديانات.
ثالثها:
قوله: «لا تُضامون» هو بضم التاء المثناة فوق مع تخفيف الميم، وعليها أكثر الرواة كما قَالَ ابن الجوزي.
والمعنى: لا ينالكم ضيم. والضيم أصله الظلم. وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين:
أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي: لا تزدحمون في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضا.
والثاني: من تأخره عن مقام الناظر المحقق، وكأن المتقدمين ضاموه. ورؤية الرب ﷻ يستوي فيها الكل بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة.
ورواية البخاري التي أسلفناها: «لا تضامون» أو «لا تضاهون» عَلَى الشك، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيتي.
وقيل: لا يشبهونه بغيره من المرئيات تقدس وتعالى. وروي «تضامُّون» بضم وتشديد الميم، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، حكاهما الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي.
وقال: المعنى فيهما لا تضاممون. أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر؛ لإشكاله وخفائه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.
وروي «تُضارُّون» بالراء المشددة والتاء مضمومة ومفتوحة ذكرهما الزجاج أيضًا. والمعنى: لا تضارون أي: لا يضار بعضكم بعضًا


بالمخالفة. قال ابن الأنبارى: هو يتفاعلون. من الضرار أي: لا ليتنازعون ويختلفون.
وروي «تُضارون» بضم التاء وتخفيف الراء أي: لا يقع بكم في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء المرئي. وروي «تمارون» مخفف الراء، أي: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك.
رابعها:
قوله: («فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا») أي: لا يغلبكم عليها أحد.
وقول إسماعيل: افعلوا لا تفوتنكم (١). زاد أبو نعيم في قول إسماعيل هذا: قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب.
وقال المهلب: «إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ» يعني: شهودها في الجماعة، وخصَّ هذين الموقتين؛ لاجتماع الملائكة فيهما؛ ورفع أعمالهم فيها لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم، والصلاتان: الفجر والعصر.
وقوله: (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾) [ق: ٣٩] وقد أسلفت، لك أن جريرًا قرأه من عند مسلم. وقال شيخنا قطب الدين: لم يبين أحد في روايته من قرأ.
ثم ساق من طريق أبي نعيم في «مستخرجه» أن جريرًا قرأه. وقد: علمت أنه في مسلم فلا حاجة إلى عزوه إلى «مستخرجه». قالوا: وجه مناسبة ذكر الرؤية والصلاتين أن الصلاتين من أفضل القرب، فإنه قَالَ تعالى في صلاة الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾

----------------
(١) في إحدى نسخ البخاري: لا تفوتنكم بمثناتين فوقتين. انظر: هامش «اليونينية» ١/ ١١٥.


[الإسراء: ٧٨] وصلاة العصر هي الوسطى عَلَى الصحيح، وكأنه يقول: دوموا عَلَى أفضل القرب تنالوا أفضل العطايا وهو الرؤية، فإن بالمحافظة يتحقق الإيمان. والتسبيح في الآية: الصلاة.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ ..» الحديث.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد (١).
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وفي رواية لأبي القاسم الجُوذي في آخره: فحسبت أنهم يقولون: فاغفر لهم يوم الدين.
ثانيها:
قوله: «يتعاقبون» فيه دلالة لمن قَالَ من النحاة بجواز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهو لغة فاشية، وحمل عليه الأخفش ومن وافقه قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وسيأتي في ذكر الملائكة «يتعاقبون».
وقال سيبويه والأكثرون: لا يجوز إظهار الضمير مع تقدم الفعل، يتأولون ما خالفهم ويجعلون الاسم بعده بدلًا من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، وكأنه لما قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] قيل: من هم؟ قيل: هم الذين ظلموا، وكذا: «يتعاقبون» ونظائره (٣).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٧٤٢٩) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾.
(٢) برقم (٦٣٢) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٣) وفيه مثل هو: أكلوني البراغيث. وضع علمًا على لغة طيء، وقيل: لغة أزد شنوءة =



ومعنى «يتعاقبون»: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو: أن يذهب قوم ويجيء آخرون.
ثالثها:
اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله بعباده المؤمنين ومكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم عَلَى طاعة ربهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.
وقال ابن حبان في «صحيحه»: فيه بيان أن ملائكة الليل إنما تنزل والناس في العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النهار ضد قول من زعم أن ملائكة الليل تنزل بعد الغروب (١).
رابعها:
هؤلاء الملائكة هم الحفظة عند الأكثرين، وحينئذٍ فسؤال الله لهم بقوله: «كيف تركتم عبادي؟» إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبه إياها عليهم، ويحتمل أن يكونوا غيرهم، فسؤاله لهم إنما هو عَلَى جهة التوبيخ لمن قَالَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لما سبق من علمه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذِه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادته لهم، ولذلك قالوا: «أتيناهم وهم يصلون» إلى آخره، وهذا من خفي لطفه وجميل ستره، إذ لم يطلعهم

-----------------
= أو بلحارث، وقيل: بعض هذيل.
انظر: «الكتاب» ٢/ ٤٠ - ٤١، «سر صناعة الإعراب» ص ٦٢٩، «البحر المحيط» ٣/ ٢٤، «همع الهوامع» ١/ ١٦٠، «معجم الشواذ النحوية» ص ١٠٨.
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٣٠ (١٧٣٧).



إلا عَلَى حال عبادتهم ولم يطلعهم عَلَى حال شهواتهم ولا خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه من كريم إذ ستر القبيح وأظهر الجميل.

١٧ - باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَهً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ
٥٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». [٥٧٩، ٥٨٠ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٣٧]

٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا -قَالَ:- قَالَ اللهُ -عز وجل-: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣،- فتح: ٢/ ٣٨]

٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ. فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِى شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ». [٢٢٧١ - فتح: ٢/ ٣٨]
ذكر فيه حديثين، الثاني من طريقين.


الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاَتهُ وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاَتهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا فيما سيأتي كما ستعلمه (١). وفي رواية لمسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» وفي أخرى: «فقد أدركها كلها» (٢)، وهما من أفراده. ولهما من هذا الوجه: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٣).
وفي رواية للسراج في «مسنده»: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع فقد أدرك» (٤)، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها» (٥)، والسجدة إنما هي الركعة، وهو من أفراده أيضًا.
وللنسائي وابن حبان في «صحيحه»: «إذا أدرك أحدكم أول السجدة

----------------
(١) سيأتي برقم (٥٧٩) باب: من أدرك من الفجر ركعة، وبرقم (٥٨٠) باب: من أدرك من الصلاة ركعة.
(٢) مسلم (٦٠٧/ ١٦٢) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.
(٣) سيأتي برقم (٥٨٠) باب: من أدرك من الصلاة ركعة، وفي مسلم (٦٠٧/ ١٦١) كتاب: المساجد.
(٤) كما في»حديث السراج" ٢/ ٢٩٢ (١١٩٨).
(٥) مسلم (٦٠٩) كتاب: المساجد.



من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» وللنسائي (١): «من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك» (٢).
ولأحمد: «من أدرك أول ركعة من صلاة العصر» (٣) بدل «سجدة».
وللنسائي أيضًا: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته» (٤) وفي رواية عن مالك: «فقد أدرك الفضل» (٥).
وفي رواية أخرى له: «فقد أدرك الصلاة كلها»، وللدارقطني: «قبل أن يقيم الإمام صلبه»، ولا بن عدي: «فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة» (٦).
ثانيها:
الإدراك: البلوغ إلى الشيء والوصول إليه واللحوق به. والمراد بالسجدة الركعة كما أسلفناه. وعليه تنطبق ترجمة البخاري حيث عبر بالركعة، وأورده بلفظ السجدة، وبوب عَلَى موضع الاتفاق؛ ليقيس عليه موضع الاختلاف، وهو الصحيح كما ستعلمه.

-------------------
(١) ورد في هامش الأصل: من خط المصنف في الهامش: هي مرسلة وعزاها ابن الأثير إليه من حديث ابن عمر، فلينظر.
(٢) النسائي ١/ ٢٥٧.
(٣) «المسند» ٢/ ٢٦٠.
(٤) النسائي ١/ ٢٧٥ من حديث سالم.
(٥) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ٦٤ وقال: لم يقله غير الحنفي عن مالك، والله أعلم، ولم يتابع عليه. وهو: أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي.
(٦) رواه ابن عدي ٧/ ٢٠٨ - ٢٠٩ قال: حدثنا حاجب بن مالك، ثنا عباد بن الوليد الغُبْري، ثنا صالح بن [زُرَيْق] المعلم، ثنا محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر. الحديث.



ونقل القرطبي عن الشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة أن السجدة ها هنا حقيقة عَلَى بابها. قَالَ: وأصحاب ذَلِكَ عَلَى قولهما أنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام (١).
ثالثها:
هذا الحديث ليس عَلَى ظاهره، فإنه لا يكون بالركعة مدركًا كل الصلاة؛ بدليل قوله - ﷺ -: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢) وبفعل النبي - ﷺ - حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم عبد الرحمن صلى الركعة التي فاتته (٣).
وقد أسلفنا روايته: «فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته»، والإجماع قائم عَلَى ذَلِكَ، فتعين تأويله وإضمار شيء فيه، وهو إما فضلها -وهو الأصح عند الشافعية- في إدراك فضل الجماعة بجزء (٤) خلافًا للغزالي (٥) -وقد أسلفنا ذَلِكَ في رواية- وإما وجوبها في حق أرباب الأعذار كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والمجنون يفيق، والصبي يبلغ.
وأظهر قولي الشافعي الوجوب عليهم بإدراك جزء منها، وإن كان لا يسع ركعة بشرط امتداد السلامة من الموانع زمنًا يسع مقدار تلك

---------------
(١) «المفهم» ٢/ ٢٢٧.
(٢) سيأتى برقم (٦٣٦) من حديث أبي هريرة، كتاب: الأذان، باب: لا يسعى إلى الصلاة، وليأتِ بالسكينة والوقار، ورواه مسلم (٦٠٢) كتاب: المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهى عن إتيانها سعيًا.
(٣) روى ذلك مسلم برقم (٢٧٤/ ٨١) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة.
(٤) انظر: «التهذيب» ٢/ ٢٥٧، «الشرح الكبير» ٢/ ١٤٤، «المجموع» ٤/ ١١٦ - ١١٧.
(٥) «الوسيط» ١/ ٢٨٤.



الصلاة. وإليه ذهب أبو حنيفة (١)، وخالف فيه مالك (٢) والجمهور عملًا بمفهوم الحديث.
وأجاب المخالف بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه بركعة أو نحوها. والأظهر عند الشافعي أيضًا الإدراك بالوقت المذكور الصلاة التي قبلها إن كانت تجمع معها؛ لاشتراكهما في الوقت.
ونقل ابن بطال (٣) عن أبي حنيفة: أنه إذا أفاق لأقل من ركعة قبل الغروب أنه يلزمه قضاء خمس صلوات فدون ولا يلزمه أكثر من ذَلِكَ، ثم رده. وأما حكمًا، وهو الأصح عند الشافعية من الأوجه الخمسة أنه إن أدرك ركعة من الوقت فالكل أداء، وإلا فقضاء. وكل ذَلِكَ بسطناه في «الفروع».
وقيل: عَلَى تأويل فقد أدرك حكمها: أن المراد أن يلزمه من أحكام الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذَلِكَ، ويتأيد بالرواية السالفة «مع الإمام». وحكاه ابن بطال عن مالك وجماعة (٤)، وهو مبطل قول داود وغيره: أن الحديث مردود إلى إدراك الوقت، إذ هما حديثان مختلفان كل منهما يفيد فائدة مستقلة.
وكان أبو ثور يقول: إنما ذَلِكَ لمن نام أو سها، ولو تعمد أحد ذَلِكَ كان مخطئًا مذمومًا بتفريطه (٥) وقد روي ذَلِكَ عن الشافعي (٦) ثم إذا

--------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٧، «تبين الحقائق» ١/ ٨٤.
(٢) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٧٦.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٢.
(٥) انظر: «الأوسط» ٢/ ٣٤٨.
(٦) «الأم» ١/ ٧٣.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2026, 11:30 PM   #158

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 201 الى صـــ 220
الحلقة (158)




قلنا: إن المراد: فقد أدرك فضلها، فهل يكون مضاعفًا كما في حق من أدركها من أولها؟ عَلَى قولين حكاهما القرطبي (١)، وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما هو ظاهر حديث أبي هريرة في «سنن أبي داود» (٢).
واختلف العلماء في الجمعة، فذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين. وهو قول النخعي والحكم وحماد (٣)، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: إن من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعًا؛ لأن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة (٤).
وأما إدراك الركعة بالركوع خلف الإمام، فالأصح عند الشافعية أن يكون مدركًا لها به بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، وهو مذهب الجمهور، منهم مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة أنه لا يكون مدركًا لها به (٥).
وروي معناه عن أشهب. ونقل ابن بزيزة عن ابن أبي ليلى والثوري وزفر إدراكها بما إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، وليركع قبل رفع

----------------
(١) «المفهم» ٢١/ ٢٢٤.
(٢) «سنن أبي داود» (٥٦٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أعطاه الله -عز وجل- من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها». والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٣).
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٣ (٥٣٥٥، ٥٣٥٧).
(٤) روى ذلك ابن أبي شيبة ١/ ٤٦٠ (٥٣٢٦، ٥٣٢٨).
(٥) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٩٧.



الإمام رأسه. وعن قتادة وحميد إدراكها بوضع اليدين عَلَى الركبة قبل رفع الإمام رأسه، فإن رفع قبل الوضع فلا (١).
وعن ابن سيرين إدراكها بإدراك تكبيرة الإحرام والركوع (٢). ونقل القرطبي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أدركها وإن لم يدرك الركوع وركع مع الإمام. وقيل: يجزئه وإن رفع الناس ما لم يرفع الإمام (٣). ونقله ابن بزيزة عن الشعبي، وقال: إذا انتهى إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رءوسهم أو بقي واحد منهم لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة (٤)؛ لأن الصف الذي هو فيه إمامه، وبعضهم أئمة بعض. وقيل: يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكاه القرطبي (٥). وقال أبو العالية فيما حكاه ابن بزيزة: إذا جاء وهم سجود سجد معهم، فإذا سلم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد، ويعتد له بتلك الركعة (٦).
قَالَ: وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رءوسهم اعتدَّ بها، وإن رفعوا رءوسهم قبل أن يصل إلى الصف فلا (٧).

---------------
(١) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٤/ ١٩٦.
(٢) انظر: «المحلى» ٣/ ٢٤٥.
(٣) «المفهم» ٢/ ٢٢٧
(٤) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٩٧.
(٥) «المفهم» ٢/ ٢٢٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٨ (٢٦٠٧).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٩ (٢٦٢٢)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٢٧١ (٩٣٥٤، ٩٣٥٥).



والجمهور عَلَى ما أسلفناه. وكذا قَالَ ابن بطال: أئمة الفتوى متفقون عَلَى أن من لم يدرك الركعة لم يدرك السجدة (١).
رابعها:
جمهور العلماء عَلَى أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس يتمها. وانفرد أبو حنيفة (٢) فقال: تبطل بطلوعها، ويستقبلها بعد ارتفاعها، ووافقنا في العصر أنه يتمها بعد الغروب؛ لأن العصر يقع آخرها في وقت صالح للابتداء بالصلاة بخلاف الطلوع. وهذا فرق صوري، والشارع سوى بينهما، فلا معنى لهذا الفرق.
وقولهم: إنه أخَّر القضاء في حديث الوادي لأجل هذا عجيب، بل إنما أخَّره لقوله: «اخرجوا بنا منه فإن فيه شيطانًا» (٣).
والاستيقاظ كان بعد أن أحرقتهم الشمس. قالوا: والحديث محمول عَلَى أرباب الأعذار، وأيضًا كان قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لأن النهي أبدًا يطرأ عَلَى الأصل الثابت. والجواب أن راوي حديثنا هذا أبو هريرة، وهو متأخر عن أخبار النهي، فإن راويها عمر وإسلامه قديم، نبه عليه ابن حزم. وعند أبي حنيفة أنه إذا قعد مقدار التشهد وطلعت تبطل أيضًا، وخالفه صاحباه.
خامسها:
خصت هاتان الصلاتان بالذكر دون غيرهما لشرفهما، والحكم لا يختص؛ بدليل الرواية السالفة: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد

----------------
(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ٢٨٢ (٣٣٧٤).
(٢) انظر:»البحر الرائق" ١/ ٣٩٨.
(٣) رواه مسلم (٦٨٠/ ٣١٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها.



أدرك الصلاة»، ويحتمل أنهما طرفا الصلاة أولًا وآخرًا، والمصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت، فلو لم يبين الشارع هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه لظن فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات الصلوات فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق؛ ولأن الشارع نهى عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب، فلو لم يبين لهم صحة صلاة من أدرك منهما لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذَلِكَ ليزول هذا الوهم.
سادسها:
قدم ذكر السجدة في رواية البخاري هنا؛ لأنها هي السبب الذي به الإدراك، وأُخِّرت في رواية أخرى فقال: «من أدرك من الصبح سجدة» تقديمًا للاسم الذي يدل عَلَى الصلاة دلالة تتناول كل أوصافها، بخلاف السجدة فإنها دالة عَلَى البعض، فقدم الأعم.
الحديث الثاني:
ذكر حديث سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا ..» الحديث.
ثم ذكر فيه حديث بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عَنْ النبي - ﷺ -: «مَثَلُ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ». وذكر باقية الحديث، «وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ».


الكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث -أعني حديث ابن عمر- أخرجه البخاري أيضًا في فضائل القرآن (١)، والإجارة (٢)، وذكر بني إسرائيل (٣)، والتوحيد، وفيه: سمعت النبي - ﷺ - وهو قائم عَلَى المنبر (٤).
ثانيها:
إنما أدخل البخاري هذين الحديثين في هذا الباب لقوله فيه: «ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين»؛ ليدل عَلَى أنه قد استحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله المستأجر أولًا، فمثل هذا كالذي أعطي عَلَى ركعة أدرك فيها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال ابن المنير: إن قلت: ما وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة؟ وإنما هو مثال لمنازل الأمم عند الله، وأن هذِه الأمة أقصرها عمرًا، وأقلها عملًا، وأعظمها ثوابًا، ويستنبط منه البخاري بتكلف من قوله: «فعملنا إلى غروب الشمس» فدل عَلَى أن وقت العمل ممتد إلى الغروب وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت: صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة،

-----------------
(١) سيأتي برقم (٥٠٢١)، باب: فضل القرآن على سائر الكلام.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٦٨)، باب: الإجارة إلى نصف النهار، (٢٢٦٩)، باب: الإجارة إلى صلاة العصر.
(٣) سيأتي برقم (٣٤٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٦٧)، باب: في المشيئة والإرادة.



فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصًّا بهذا الوقت هو صلاة، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيره من العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة، وتحتمل المطابقة ما سلف عن المهلب من أنه نبه عَلَى أن إعطاء البعض حكم الكل في الإدراك غير بعيد، كما أعطيت هذِه الأمة ببعض العمل في بعض النهار حكم جملة العمل في جملة النهار، فاستحقت جميع الأجر، وفيه بعد، فإنه لو قَالَ: إن هذِه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجرة جميع النهار؛ لأن الأمتين قبلها ما استوعبا النهار فأخذتا قيراطين، وهذِه الأمة إنما أخذت أيضًا قيراطين، نعم عملت هذِه قليلًا فأخذت كثيرًا، ثم هو أيضًا منفك عن محل الاستدلال؛ لأن عمل هذِه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ومراده عند الجمهور كما علمته في موضعه، ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته، وكذلك سائر العبادات فالأول أولى (١).
ثالثها:
قوله: («إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم») في رواية الترمذي: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم» (٢) وهذا مثل ضربه - عليه السلام - لعمل هذِه الفرق الثلاثة، وهو إشارة إلى قرب الساعة وقلة ما بقي من الدنيا. وفي حديث أبي موسى أن اليهود طال زمن عملهم وزاد عَلَى مدة النصارى؛ لأنه كان بين موسى وعيسى في رواية

----------------
(١) انظر: «المتواري» ص ٩٢ - ٩٤.
(٢) الترمذي (٢٨٧١) كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله.



أبي صالح عن ابن عباس: ألف سنة وستمائة واثنان وثلاثون سنة (١)، وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة، ولا يختلف الناس -كما ذكره ابن الجوزي- أنه كان بين عيسى ونبينا - ﷺ - ستمائة سنة؛ فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر، وعمل النصارى من الظهر إلى العصر، ثم قد اتفق أيضًا تقديم اليهود عَلَى النصارى في الزمان، مع طول عمل أولئك وقصر عمل هؤلاء، فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب، وذلك أقل الكل في مدة الزمان، فربما قَالَ قائل: إن هذِه قد كانت ستمائة سنة من المبعث، فكيف يكون زمانها أقل؟ ثم أجاب في نفي الخلاف في زمن الفترة عن ستمائة: عجيب، فقد ذكر الحاكم في «إكليله» أنها مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر غيره أنها أربعمائة.
رابعها:
تعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث، وهو أن مدة المسلمين من حين مولد سيدنا رسول الله - ﷺ - إلى قيام الساعة ألف سنة وزيادة؛ وذلك لأنه - ﷺ - جعل النهار نصفين، الأول لليهود، فكانت مدتهم ما سلف، فتكون لهذِه الأمة والنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى كما سلف ستمائة سنة، الباقي وهو ألف سنة وزيادة للمسلمين، ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره السهيلي أن جعفر بن عبد الواحد (٢) العباسي

---------------
(١) «تاريخ الطبري» ١/ ٤٩٥.
(٢) ورد في هامش الأصل (س): جعفر بن عبد الواحد قال الذهبي في «المغني» في ترجمته: متروك هالك.



القاضي حدث بحديث رفعه إلى النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم» (١) وقد انقضت الخمسمائة والأمة باقية. وذكر حديث زِمل الخزاعي (٢)، وأنه قصَّ عَلَى رسول الله - ﷺ - رؤياه، وقال: رأيتك يا رسول الله عَلَى منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعثها. ففسَّر له - ﷺ - الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، ودرجات المنبر: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، بعثت في آخرها ألفًا (٣).
----------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٥.
قال ابن حجر في «الفتح» ١١/ ٣٥٢:
وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف إلا من جهته، وهو مشهور بوضع الحديث، وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك، فالعجب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله؟. اهـ.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: قال الذهبي في «التجريد» في ترجمة زمل الخزاعي: قص على النبي - ﷺ - رؤيا، ولا يصح ذلك، وذكره السهيلي. انتهى
وقد ذكر المؤلف في باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وقال ابن زمل صوابه ما هنا والله أعلم.
(٣) هذا جزء من حديث طويل رواه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» ١/ ٢٠٠ (١٤٢) مختصرًا، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٣٠٢ - ٣٠٤ (٨١٤٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٧/ ٣٦ - ٣٨، والديلمي في «مسند الفردوس» ٢/ ٢٣٢ من طريق سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن ابن زمل - رضي الله عنه - .. الحديث.
وفيه: سليمان بن عطاء، قال عنه أبو حاتم في «المجروحين»: شيخ يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله. اهـ ١/ ٣٢٥، وقال الحافظ في «النتائج»: هذا حديث غريب، قال ابن السكن: هو حديث طويل في تعبير الرؤيا، وهو منكلر. قال البخاري: سليمان بن عطاء منكر الحديث. اهـ. وقال الحافظ أيضًا: وأبو مشجعة لا يعرف اسمه ولا حاله، انظر: =



قَالَ السهيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد روي موقوفًا عَلَى ابن عباس من طرق صحاح أنه قَالَ: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة وبعث رسول الله - ﷺ - في آخر يوم منها (١)، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار، وذكر قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وإنما سبقتها بما سبقت هذِه هذِه» (٢) وأورده من طرقٍ كثيرةٍ صححها، فشبه - ﷺ - ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت حيث قَالَ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٣)= ٣/ ١٣٢، وقال في «الفتح»: سنده ضعيف جدًّا. انظر: ١١/ ٣٥١، وابن زمل: اختلف في اسمه فقيل: الضحاك، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن. واختلف في صحبته أيضًا فقيل: إنه صحابي، وقيل: إنه تابعي ولعل هذا هو الأقرب إلى الصواب، انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٤٧ (٢٥٥٢)، ٣/ ٢٤٦ (٢٩٥٠)، «الإصابة» ٢/ ٣١١.
(١) انظر: «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٥. وفي تصحيح حديث ابن عباس الموقوف نظر.
ورواه الطبري موقوفًا في مقدمة «تاريخه» ١/ ١٥ عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة، وليأتين عليها مئون من سنين [ما] عليها موحد.
ذكر الألباني في «السلسلة الضعيفة» ٨/ ١٠١ - ١٠٢ (٣٦١١): قال ابن كثير كما نقل السخاوي في «الفتاوى الحديثية» (ق ١٩٣/ ١): كل حديث ورد فيه تحديد وقت يوم القيامة على التعيين؛ لا يثبت إسناده.
(٢) رواه من حديث المستورد بن شداد الفهري الترمذي (٢٢١٣) بلفظ: عن النبي - ﷺ - قال: «بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذِه هذِه» لإصبعيه السبابة والوسطى. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٩): ضعيف.
(٣) بهذا اللفظ سيأتي برقم (٦٥٠٤، ٦٥٠٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين» من حديث أنس وأبي هريرة.



وأشار بالسبابة والوسطى (١) وبينهما نصف سبع كما قَالَ السهيلي؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها عَلَى السبابة (٢) نصف سبع. والدنيا عَلَى ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى عَلَى السبابة بنصف الأنملة، وهو ألف سنة. فيما ذكره الطبري وغيره (٣).
وزعم السهيلي أن بحساب الحروف المقطعة في أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين. وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ (٤) فالله أعلم. قلت: وهذا من الغيب الذي استأثر الله به. وقد قَالَ - ﷺ - «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» (٥).
خامسها:
قولى: («كما بين صلاة العصر إلى الغروب») يحتمل كما قَالَ ابن العربي أن يريد: من أول وقتها ومن آخره، وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من الأول لكان زمن المسلمين أكثر في العمل من زمان النصارى.
وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم فيه: «نحن أكثر عملًا». وكثرته غالبًا تستدعي كثرة الزمان (٦).

----------------
(١) قال ابن حجر: وأخرجه الطبري عن هناد بلفظ: (وأشار بالسبابة والوسطى) بدل قوله: (يعني إصبعيه) ثم قال: وهذا يدل على أن في رواية الطبري إدراجًا. انظر: «فتح الباري» ١١/ ٣٤٩.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: سبابته - ﷺ - أطول من الوسطى جاء ذلك في حديث رواه.
(٣) انظر: الطبري في «تاريخه» ١/ ١٨ وما بعدها.
(٤) ذكر ذلك كله السهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٥) سبق برقم (٥٠) من حديث أبي هريرة، كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.
(٦) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ٣٢١.



سادسها:
قوله: («أوتي أهل التوارة التوارة فعملوا حَتَّى إذا. انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا») هذا مخالف لرواية أبي موسى السالفة: «لا حاجة لنا إلى أجرك» وفيه: «فعملوا حَتَّى إذا كان العصر قالوا: لك ما عملنا» ورواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر (١). ففيه: قطع الأجرة لكل فريق، واستوفي العمل، وأبقى الأجرة.
وفيه: قطع الخصومة، وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب.
واكتفي الراوي منه بذكر مآل الأمر إليه من الأجرة ومبلغها دون غيرها من ذكر عجزهم عن العمل، ذكره الخطابى (٢).
وقولهم: «لا حاجة لنا إلى أجرك». إشارة إلى تحريفهم الكتب، وتبديلهم الحال، وانقطاعهم عن بلوغ الغاية، فحرموا إتمام الأجرة؛ لامتناعهم من تمام العمل الذي ضمنوه. قَالَ: وكأن الصحيح رواية سالم وأبي بردة (٣).
فائدة:
القيراط من الوزن معروف، قَالَ في «الصحاح»: وهو نصف دانق (٤). قَالَ القزاز: وأصله من قولهم: قرط فلان عَلَى العطاء إذا أعطاه قليلًا قليلًا.
سابعها:
قوله: («عجزوا») قَالَ الداودي: قوله: «عجزوا» قاله أيضًا في

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٨) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٤٤٣.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٤٤٤.
(٤) «الصحاح» ٣/ ١١٥١، مادة: (قرط).



النصارى، وفي حديث أبي موسى: «لاحاجة لنا إلى أجرك». حكاه عن اليهود: «لك ما عملنا». قَالَ: فإن كان وصف من مات مسلمًا من قوم موسى فلا يقال: عجزوا، وكذا من مات مسلمًا من قوم عيسى، وإن كان قاله فيمن آمن ثم كفر، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله فكفر؟ وقال ابن التين: يحمل حديث ابن عمر: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء». عَلَى من مات مسلمًا من أهل الكتابين. وحديث أبي موسى: «لك ما عملنا» باطل. عَلَى من بدَّل دينه بعد نبيه.
قلت: ورواية أبي موسى هذِه أخرجها الإسماعيلي وأبو نعيم، وفيه قالوا: «لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركو اذَلِكَ عليه، فأستاجر قومًا آخرين، فقال لهم: اعملو ابقية يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر. فعملوا حَتَّى كان العصر، فقالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا، لا حاجة لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير وخذوا أجركم. فأبوا عليه، فاستأجر قومًا آخرين، فعملوا بقية يومهم، حَتَّى إذا غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين والأجر كله». ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله، ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله - ﷺ -.
ثامنها:
قوله: («ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين»)
فيه: تفضيل هذِه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت


لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع جريًا بمقتضى الطباع لا قصدًا، ثم تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف، وعموم ذَلِكَ ممن قبلهم كان في الأصول والمعاندة للشرائع كقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حَتَّى نتق الجبل فوقهم، و: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] وقد علم ما كانت الصحابة تؤثره وتزدحم عليه من الشهادة في سبيله، وهذا مَنٌّ منه لا وجوب عليه تعالى، ولما قالت اليهود والنصارى: «ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟» فقال الرب ﷻ: «هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ -يعني: الذي شرطت لكم- قالوا: لا. قَالَ: فذلك فضلي أوتيه من أشاء». ولعل قولهم: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً» (١) أي: لا نرضى بهذا، ثم تركوا ذَلِكَ وقالوا: «لك ما عملنا باطلا» كما سلف، واتفقا الحديثان، وجاء في بعض الروايات: «فغضبت اليهود والنصارى»- يعني: الكفار؛ لأن غيرهم لا يغضب من حكم الرب تعالى. وقال الإسماعيلي: إنما قالت النصارى: نحن أكثر عملًا؛ لأنهم امنوا بموسى وعيسى، فكان لهم عمل اليهود وزيادة ما عملوا من الإيمان بعيسى إلى أن بُعث نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
وما ذكره من إيمان النصارى بموسى فيه نظر. ويحتمل أن يكون قولهم: «نحن أكثر عملًا» يعني: اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات.
وقولهم: «وأقل عطاء». يعني: النصارى، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث عَلَى العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة،

----------------
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٩) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى صلاة العصر.


والمراد بعضها كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] إنما يخرج من الملح لا العذب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي كان يوشع بدليل قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقيل: يحتمل أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل أجرًا؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر لا إلى وقت العصر، فيحمل عَلَى أنها عملت إلى آخر وقت العصر، ذكره ابن القصار.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الزيادة التي يتبين بها وقت العصر، وهو أن يصير ظل الشيء مثله، وزاد أدني زيادة التي كانت عند الزوال، فزادت مدة الظهر أكثر من مدة العصر، فهي زيادة في العمل.
تاسعها:
استنبط أصحاب أبي حنيفة، منهم الدَّبوسي في «أسراره» وغيره من هذا الحديث أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لأنه إذا كان كذلك كان قريبًا من أول العاشرة، فيكون للغروب ثلاث ساعات غير شيء يسير، ويكون النصارى أيضًا عملوا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا، وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل الشيء مثله، فاستوى في الزمن النصارى مع المسلمين إلا في شيء يسير لا اعتبار به، واعترض عَلَى ذَلِكَ بأمور
منها: أن النصارى لم تقله، إنما قاله الفريقان، ووقتهما أكثر من وقتنا، فيستقيم قولهم: «أكثر عملًا». وأجيب بأنهما لم يتفقا عَلَى قول واحد، بل قالت النصارى: «كنا أكثر عملًا وأقل عطاءً». وكذا اليهود، باعتبار كثرة العمل وطوله، كقوله تعالى حاكيًا عنهم: "وَقَالَتِ اَليَهُودُ


وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وإنما قَالَ ذَلِكَ اليهود وحدها، والنصارى وحدها؛ لأن اليهود لا يقولون أن النصارى أبناء الله وأحباؤه، وكذا النصارى.
ومنها: ما قاله الجويني من أن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوز وتوسع. قَالَ ابن العربي: وليس كما قَالَ؛ لأن الشارع لا يقول إلا حقًّا تمثل أو توسع، وقوله: («من صلاة العصر») يحتمل أول الوقت وآخره، فلا يقضى بأحد الاحتمالين عَلَى الآخر (١).
ومنها: أن هذا الحديث قصد به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات كما سلف في رواية أبي نعيم والإسماعيلي، فهو مثل ضرب للناس الذين شرع لهم دين موسى عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرءوا مما جاء به وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله - ﷺ - فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاء الله بالمسلمين، فعملوا بما جاء به، ويعملون إلى قيام الساعة، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله، فقدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى. وقال عند مبعث عيسى: من يعمل مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذَلِكَ بنبينا محمد - ﷺ -، ثم قَالَ متفضلًا عَلَى المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى

-----------------
(١) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ٣٢٢.


الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر. فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بنبينا كما جاء في الحديث: «ورجل آمن بنبيه وآمن بي» (١) يعني: يؤتى أجره مرتين.
وحديث الأوقات: قصد به الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم عَلَى غيره.

-------------------
(١) سلف من حديث أبي موسى برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله.


١٨ - باب وَقْتِ المَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِب وَالْعِشَاءِ.

٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ -مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ- قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. [مسلم: ٦٣٧ - فتح: ٢/ ٤٠]

٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا -أَوْ كَانَ النَّبِيُّﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. [٥٦٥ - مسلم: ٦٤٦ - فتح: ٢/ ٤١]

٥٦١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. [مسلم: ٦٣٦ - فتح: ٢/ ٤١]

٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا. [انظر: ٥٤٣ - مسلم:٧٠٥ - فتح ٢/ ٤١]
ذكر فيه أثرًا عن عطاء وأربعة أحاديث.
أما الأثر فقال: وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِب وَالْعِشَاءِ (١).
وهذا قد سلف الكلام عليه في باب: تأخير الظهر إلى العصر (٢).
وأما الأحاديث:

---------------
(١) في شرح حديث (٥٤٣).
(٢) عزاه الحافظ في «الفتح» ٢/ ٤١ لعبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء.



فأحدها: عن أبي النجاشي مولى رافع سمع: رَافِعَ بْنَ خَدِيج يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أبو النجاشي هذا اسمه: عطاء بن صهيب، تابعي ثقة (١). والحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
النبل: السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحده: نبلة، والجمع: نبال وأنبال (٣).
ثالثها:
الحديث دال عَلَى المبادرة بالمغرب في أول وقتها بمجرد الغروب، وهو إجماع (٤)، ولا عبرة بمن شذ فيه ممن لا يعتد به، والأحاديث التي قد تشعر بالتأخير وردت لبيانه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، والتقديم هو المعهود من عادته. وحديث أبي بصرة: «لا صلاة بعد

-----------------
(١) هو عطاء بن صهيب الأنصاري، أبو النجاشي مولى رافع بن خديج، حديثه عند أهل اليمامة، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب:»الثقات«وقال: وكان قد صحب رافع بن خديج ست سنين، روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه،»التاريخ الكبير«٦/ ٤٦٦ (٣٠٠٥)،»ثقات العجلي«٢/ ١٣٩ (١٢٥٢)، و»الجرح والتعديل«٦/ ٣٣٤ (١٨٤٩)،»الثقات«٥/ ٢٠٣،»تهذيب الكمال«٢٠/ ٩٤ (٣٩٣٥).
(٢) مسلم (٦٣٧) كتاب: المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(٣) انظر:»الصحاح«٥/ ١٨٢٣،»لسان العرب«٧/ ٤٤٣٠ مادة: (نبل).
(٤) انظر:»الإجماع" ص ٤١.



العصر حَتَّى يطلع الشاهد» والشاهد: النجم. أخرجه مسلم (١)، لا ينافيه.
وحديث عبد العزيز بن رفيع، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «عجلوا بصلاة النهار في يوم غيم، وأخروا المغرب» أخرجه أبو داود في «مراسيله» (٢)، والمراد -والله أعلم- تحقق الغروب. ووقتها عند الشافعي: بمضى قدر وضوء، وستر عورة وأذانين، وخمس ركعات من وقت الغروب، وبه قَالَ مالك والأوزاعي، وله أن يستديمها إلى مغيب الشفق. والقوي من جهة الدليل بقاؤه إلى مغيب الشفق، وبه قَالَ أبو حنيفة (٣) والثوري وأحمد وإسحاق (٤). وعن طاوس: لا يفوت المغرب والعشاء حَتَّى الفجر (٥). وعن عطاء: لا يفوتا حَتَّى النهار (٦).
وفي «مصنف عبد الرزاق» عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن سابط أن أبا أمامة سأل النبي - ﷺ -: متى غروب الشمس؟ قَالَ: «من أول ما تصفر إلى أن تغرب» (٧).

-----------------
(١) رواه مسلم (٨٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) ص ٧٨ (١٣). ذكره الحافظ في «الفتح» ٢/ ٦٦ وعزاه لسعيد بن منصور في «سننه» وقال: إسناده قوي مع إرساله.
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٦٨٨)، وفي «الضعيفة» (٣٨٥٦) وقال: هذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات، وهو مرسل.
(٣) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٨٤، «البناية» ٢/ ٤٨.
(٤) انظر: «الكافي» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٤ (٢٢٢٢).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٢ (٢٢١٩).
(٧) عبد الرزاق ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥ (٣٩٤٨).



الحديث الثاني:
حديث محمد بن عمرو بن الحسن بن علي: قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإِذا رَآهُمْ أَبْطَئوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا -أو كان النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث يأتي قريبًا في وقت العشاء (١)، وقد أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ثم قوله: (قَدِمَ الحجاج) كذا هنا، وفي رواية معاذ بن معاذ عن شعبة: كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله (٣).
وفي رواية أحمد بن حنبل وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن غندر: قدم الحجاج المدينة فسألنا جابر بن عبد الله (٤) الحديث.
ثانيها: في ألفاظه:
الهاجرة: شدة الحر، والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال.
والنقي: الخالص. والوجوب: السقوط للغروب، والمراد: سقوط فرضها، وفاعل وجب مستتر وهو الشمس. والأحيان: جمع حين يقع عَلَى الكثير من الزمان والقليل.

--------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٥) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) مسلم (٦٤٦) كتاب: المساجد، باب: استحباب التكبير بالصبح في أول وقتها …
(٣) مسلم (٦٤٦/ ٢٣٤).
(٤) رواه أحمد ٣/ ٣٦٩، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨١ (٣٢٢٤).






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2026, 11:32 PM   #159

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 221 الى صـــ 240
الحلقة (159)






وقوله: (والصبح كانوا -أو كان النبي - ﷺ - يصليها بغلس). المعنى: كانوا معه مجتمعين أو لم يكونوا معه مجتمعين، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها بغلس، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وإنما كان شأنه التعجيل فيها أبدًا، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان كما نبه عليه ابن بطال: حذف خبر كان، وهو جائز كحذف خبر المبتدأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: فعدتهن مثل ذَلِكَ: ثلاثة أشهر. وحذف الجملة التي هي الخبر لدلالة ما سلف عليه (١).
وقوله: (أو) يعني: لم يكونوا مجتمعين، حذف الجملة التي بعد (أوْ) مع كونها مقتضية لها. التقدير: أو لم يكونوا مجتمعين، كما قلناه، ويصح -كما قَالَ ابن التين- أن تكون كان هنا تامة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد (أوْ) خاصة.
ثالثها: في أحكامه:
فمنها: فضيلة أول الوقت، ومنها أن سقوط الفرض يدخل به وقت المغرب، ومنها أن تقديم العشاء أفضل عند الاجتماع، وتأخيرها عند عدمه، وهو قولٌ عند المالكية (٢)، والصحيح عند أصحابنا والمالكية التقديم أفضل مطلقا (٣). وأكثر أهل العلم عَلَى أن التأخير أفضل، حكاه الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين (٤)، وبه يقول

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) انظر: «التمهيد» ١/ ١٢٥، «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٦.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨١، «التمهيد» ١/ ١٣١، «الأوسط» ٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠.
(٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٦٧).



أحمد (١) وإسحاق وأبو حنيفة (٢). واستثنى بعضهم عن أبي حنيفة ليالي الصيف، فإن التقديم أفضل، ويكره عنده تأخيرها بعد الثلث، وفي الغيمة يحرم تأخيرها بعد النصف، ومنها: التغليس بالصبح، وقد سلف.
الحديث الثالث:
حَدَثَنَا مكي بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ إِذَا المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
وهذا الحديث أحد ثلاثيات البخاري، وأخرجه مسلم أيضًا بلفظ: كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (٣). ومعنى توارت: استترت بما يحجبها عن الأبصار. وفي أبي داود: إذا غاب حاجبها (٤). وهو دال عَلَى المبادرة بها أيضًا.
الحديث الرابع:
حديث ابن عباس: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَانِيًا جَمِيعًا.
وهذا الحديث تقدم في تأخير الظهر إلى العصر (٥)، ويأتي أيضًا في صلاة الليل وغيره (٦).

---------------
(١) انظر: «الإفصاح» ١/ ٢٢٢، «المغني» ٢/ ٤٢.
(٢) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٦٧).
(٣) مسلم (٦٣٦) كتاب: المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(٤) «سنن أبي داود» (٤١٧).
(٥) سبق برقم (٥٤٣).
(٦) سيأتي برقم (١١٧٤) كتاب: أبواب التهجد، باب: من لم يتطوع بعد المكتوبة.



١٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: العِشَاءُ
٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ -هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ». قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ. [فتح: ٢/ ٤٣]
ذكر فيه حديث الحسين -يعني: المعلم- عِن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني: أَنَّ رسول الله - ﷺ - قالَ: «لَا تَغْلِبَنَكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتكُمُ المَغْرِب». قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هي العِشَاءُ.
هذا الحديث من أفراد البخاري، ورواه الإسماعيلي مرة هكذا، ومرة بلفظ «لا تغلبنكم الأعراب عَلَى اسم صلاتكم، فإن الأعراب تسميها عتمة». ثم قَالَ: الحديث الأول يدل عَلَى أنه في صلاة العشاء الآخرة، وكذلك روي عن ابن عمر في العشاء الآخرة التحذير من أن تغلبهم الأعراب عَلَى اسم صلاتهم، يعني: حديث مسلم، وهو من أفراد: «لا تغلبنكم الأعراب عَلَى اسم صلاتكم، ألا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل» (١). وفي لفظ: «عَلَى اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل» (٢) أي: تؤخر الحلب إلى أن يعتم الليل، وهو ظلمة أوله، ويسمون الحلبة الأخيرة: العتمة، فلا تسمو القربة باسم ما ليس بقربة، وتسميتها في كتاب الله: العشاء.
وقد عقد البخاري بعد ذَلِكَ بابًا في تسمية العشاء: عتمة، ومن رآه واسعًا فذلك لبيان الجوار؛ أو لأنه متقدم عَلَى نزول الآية، وهي: ﴿وَمِن

------------------
(١) مسلم (٦٤٤) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) مسلم (٦٤٤/ ٢٢٩).



بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] أو أنه خوطب به من يشتبه عليه العشاء بالمغرب.
ومعنى: «لا تغلبنكم» كما قَالَ الأزهري: لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخروها، ولكن صلوها إذا كان وقتها.
قوله: «وتقول الأعراب: هي العشاء» العشاء: أول ظلام الليل، وذلك حين يكون من غيبوية الشفق، فلو قيل في المغرب عشاءً لأدى إلى اللبس بالعشاء الآخرة.
وقال المنذري: يجوز أن يكون منسوخًا، وناسخه: «لا تغلبنكم الأعراب»، ويحتمل عكسه؛ فإن التاريخ في التقدم لأحدهما متعذر.
ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه لا ينبغي أن يقال للمغرب العشاء الأولى كما تقول العامة، وتفرد كل صلاة باسمها؛ ليكون أبعد من الإشكال (١).
وفي «المصنف»: حَدَّثَنَا وكيع، ثَنَا شريك، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مهران قَالَ: قلت لابن عمر: من أول من سماها العتمة؟ قَالَ: الشيطان (٢).

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٩٩ (٨٠٨٠)، و٧/ ٢٥٦ (٣٥٨٢٢).



٢٠ - باب ذِكْرِ العِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «أثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالْفَجْرُ». [انظر: ٦٤٤] وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالْفَجْرِ». [انظر: ٦١٥] قَالَ أبُو عَبْدِ الله: وَالاِخْتِيَارُ أنْ يَقُولَ: العِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وُيذْكَرُ عَنْ أبِي مُوسَى قَالَ: كُنا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ فَأعْتَمَ بِهَا [انظر ٥٦٧]. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْعِشَاءِ. [انظر: ٥٦٦]. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْعَتَمَةِ [انظر: ٥٦٦]. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلَّي العِشَاءَ [انظر: ٥٦٠]. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُؤَخِّرُ العِشَاءَ [انظر:- ٥٤١]. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ الآخِرَةَ [انظر: ٥٧٢]. وَقَالَ ابن عُمَرَ، وَأبُو أيُّوبَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. [انظر: ٥٤٣، ١٠٩١، ١٦٧٤ - فتح: ٢/ ٤٤]

٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُس، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ -وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٢٧ - فتح: ٢/ ٤٥]
قد تقدم فقه ذَلِكَ قريبًا في الباب قبله، وقد أباح تسميتها بالعتمة أيضًا أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة (١).

----------------
(١) «المصنف» ٢/ ٢٠٠ (٨٠٨٤، ٨٠٨٥).


ثم ذكر في الباب أحاديث فيها التسمية بالعشاء والعتمة، فقال: وقَالَ أبُو هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالْفَجْرُ».
وهذا قد أسنده في فضل العشاء في جماعة، كما سيمر بك (١)، وقال: «لو تعلمون ما في العتمة والفجر» وهذا قد أسنده في الأذان (٢) والشهادات من حديث أبي هريرة أيضًا، وأوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٣).
ثم قَالَ البخاري: والاختيار أن يقول: العشاء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] هو كلما قَالَ موافقة للفظ القرآن، وإن كانت السنة ثبتت به وبالعتمة أيضًا. وقد سلف الكلام عَلَى حديث النهي، وقال به سالم وابن سيرين (٤)، وأجازه أبو بكر وابن عباس كما سلف.
قَالَ البخاري: ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب النبي - ﷺ - عند صلاة العشاء فأعتم بها.
وهذا قد أسنده في باب: فضل العشاء (٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (٦)،

-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٥٧) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٦١٥) باب: الاستهام في الأذان.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٨٩) باب: القرعة في المشكلات.
(٤) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ١٩٩ (٨٠٧٩، ٨٠٨٢).
(٥) سيأتي برقم (٥٦٧) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٦) مسلم (٦٤١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.



وهو راد عَلَى من قَالَ: إن التعليق الممرض نازل عند البخاري عن رتبة المجزوم به.
ثم قال البخاري: وقال ابن عباس وعائشة: أعتم النبي - ﷺ - بالعشاء.
وهذان قد أسندهما بعد، الأول: في النوم قبل العشاء (١)، والثاني: في باب فضل العشاء (٢).
ثم قَالَ: وقال بعضهم عن عائشة: أعتم النبي - ﷺ - بالعتمة. وهذا قد أسنده النسائي من حديث شعيب، عن الزهري، عن عروة، عنها قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة بالعتمة (٣). وأسنده مسلم من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - ليلة من الليالي بصلاة العشاء (٤).
ثم قَالَ: وقال جابر: كان النبي - ﷺ - يصلي العشاء. وهذا قد أسنده في الباب بعد هذا، وسلف أيضًا في الباب قبله (٥).
ثم قَالَ البخاري: وقال أبو برزة: كان النبي - ﷺ - يؤخر العشاء. وهذا قد أسنده في باب: وقت العصر، وقد سلف، ولفظه: وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة (٦).
ثم قَالَ: وقال أنس: أخر النبي - ﷺ - العشاء الآخرة. وهذا قد أسنده في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٧).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٥٧١).
(٢) سيأتي برقم (٥٦٦).
(٣) أخرجه النسائي ١/ ٢٦٧.
(٤) مسلم (٦٣٨) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٥) سيأتي برقم (٥٦٥) باب: وقت العشاء، إذا اجتمع الناس أو تأخروا. وسلف برقم (٥٦٠) باب: وقت المغرب.
(٦) سلف برقم (٥٤٧).
(٧) سيأتي برقم (٥٧٢).



ثم قَالَ: وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس: صلى النبي - ﷺ - المغرب والعشاء. وهذا مسند في أبي داود وابن ماجه (١).
ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عَبْدَانُ -هو عبد الله بن عثمان- ثنا عَبْدُ اللهِ -هو ابن المبارك- أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٌ، عن أبيه: صَلَّى لنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ -وَهْيَ التِي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ- ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أريتكم لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
وهذا الحديث قد سلف الكلام عليه مبسوطًا في كتاب: العلم، في باب: السمر فيه (٢)، وذكرنا أن بعض الناس يعلق به عَلَى عدم حياة الخضر - عليه السلام -، وأجبنا عنه فراجعه، وذكرنا حال الخضر في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر (٣)، فراجعه منه تجد ما يشفي الغليل.

------------------
(١) أما حديث ابن عمر فسيأتي مسندًا برقم (١٠٩١) كتاب: تقصير الصلاة، باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، ورواه مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأبو داود (١٢٠٧) كتاب: صلاة السفر، باب: الجمع بين الصلاتين، وأما حديث أبي أيوب فسيأتي مسندًا برقم (١٦٧٤) كتاب: الحج، باب: من جمع بينهما ولم يتطوع (المغرب والعشاء)، ورواه مسلم (١٢٨٧) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جمعًا بالمزدلفة في هذِه الليلة، وابن ماجه (٣٠٢٠). وأما حديث ابن عباس فسلف مسندًا برقم (٥٤٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: تأخير الظهر إلى العصر، ورواه مسلم (٧٠٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود (١٢١٤)، وابن ماجه (١٠٦٩).
(٢) سلف برقم (١١٦).
(٣) سلف في حديث (٧٤) كتاب: العلم.



٢١ - باب وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو -هُوَ: ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. [انظر: ٥٦٠ - مسلم: ٦٤٦ - فتح: ٢/ ٤٧]
ذكر فيه حديث جابر السالف في باب: وقت المغرب والعشاء (١): إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ.
وسلف الكلام عليه هناك، وتعجيلها إنما كان بعد منيب الشفق؛ إذ لا يدخل وقتها إلا به بالإجماع، ومذهبنا أنه الحمرة، وبه قَالَ مالك وأحمد (٢). وقَالَ أبو حنيفة: هو البياض (٣). ومن هذا الحديث أخذ مالك أن صلاة الجماعة في وسط الوقت أفضل من صلاتها أوله فرادى، واستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا الصلاة حَتًّى يجتمع الناس؛ طلبًا للفضل؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة (٤).

--------------------
(١) سلف برقم (٥٦٠).
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٨٠، «عودة المجالس» ١/ ١٧٧، «الأم» ١/ ٦٤، «المغني» ٢/ ٢٥، «شرح الزركشي» ١/ ٢٥٤.
(٣) انظر: «الأصل» ١/ ١٤٥،: «المبسوط» ١/ ١٤٤.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٣، «المعونة» ١/ ٨١.



٢٢ - باب فَضْلِ العِشَاءِ
٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». [٥٦٩، ٨٦٢، ٨٦٤ - مسلم: ٦٣٨ - فتح: ٢/ ٤٧]

٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - عليه السلام - أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: «عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ». أَوْ قَالَ: «مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ». لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا، فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [مسلم ٦٤١ - فتح: ٢/ ٤٧]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث عائشة رضي الله عنها: أَعْتَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - لَيْلَةَ بِالْعِشَاءُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لَاهْلِ المَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ».


والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث يأتي قريبًا بعد باب بعد هذا، وفيه: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (١). وفي باب: وضوء الصبيان أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي من طريقين.
وفي أحدهما: «إنه لوقتها لولا أن أشق عَلَى أمتي» (٣).
ثانيها:
قوله: (أعتم ليلة). يدل عَلَى أن غالب أحواله التقديم رفقًا بأمته، ورفعًا للمشقة عنهم، فإنه كان يكره ما يشق عليهم من طول الانتظار، وكان بهم رحيمًا، وأخرها في بعض الأحيان؛ لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر. وفي بعض الأحاديث إشارة إلى ذَلِكَ كما ستعلمه.
ثالثها:
العتمة: ظلمة أول الليل. وقال الخليل: هي الثلث الأول بعد مغيب الشفق (٤)، وقيل: التأخير والإبطاء (٥)، فقيل: صلاة العتمة؛ لتأخرها.



---------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٩) باب: النوم قبل العشاء لمن غُلِبَ.
(٢) سيأتي برقم (٨٦٢) كتاب: الأذان.
(٣) رواه مسلم والنسائي من طريقين: أحدهما: من طريق ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة … الحديث، رواه مسلم (٦٣٨/ ٢١٨) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها، والنسائي ١/ ٢٦٧ كتاب: الصلاة باب: آخر وقت العشاء. وثانيها: من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عن عائشة … الحديث. وفيه: «إنه لوقتها ..»، رواه مسلم (٣٦٨/ ٢١٩)، والنسائي ١/ ٢٦٧.
(٤) «العين» ٢/ ٨٢، مادة: (عتم).
(٥) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٩٧٩، «لسان العرب» ٥/ ٢٨٠٢، مادة: (عتم).



الحديث الثاني:
حديث أبي موسى: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ، فكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ - ﷺ - عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتى ابْهَارَّ اللَّيْلُ … الحديث.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). والبقيع، بالموحدة (٢). وبطحان، بضم الباء وسكون الطاء وفتحها مع كسر الطاء. قَالَ صاحب «المطالع»: هو بضم الباء يرويه المحدثون أجمعون. وحكى أهل اللغة: فتح الباء وكسر الطاء، وكذا قيده أبو علي في «بارعه»، والبكري في «معجمه»، وقال: لا يجوز غيره (٣)، وهو موضع واد بالمدينة.
وقوله: (بعض الشغل). قد جاء بيانه، وأنه كان لتجهيز جيش.
ثانيها:
(ابهارَّ الليل). أي: انتصف، قاله الأصمعي وغيره، والبهرة: الوسط من الإنسان والدابة وغيرهما. وعن سيبويه: كثرت ظلمته، وابهارَّ القمر: كثر ضوؤُه (٤). وفي «الصحاح»: ذهب معظمه وأكثره (٥).

-------------------
(١) مسلم (٦٤١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥، «الصحاح» ٣/ ١١٨٧، «معجم البلدان» ١/ ٤٧٣، مادة: (بقع).
(٣) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٥٨، وانظر: «معجم البلدان» ١/ ٤٤٦.
(٤) «الكتاب» ٤/ ٧٦، وانظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١٦٥، «لسان العرب» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٢، مادة: (بهر).
(٥) «الصحاح» ٢/ ٥٩٩، مادة: (بهر).



وفي بعض الروايات: حَتَّى إذا كان قريبًا من نصف الليل (١).
وقوله: «عَلَى رسلكم» كسر الراء فيه أفصح من فتحها. أي: تأنوا.
وقوله: «إن من نعمة الله» هو بفتح «إنَّ» وكذا «أنه ليس من أحد».
ثالثها: في أحكامه:
فيه: إباحة تأخير العشاء إذا علم أن بالقوم قوة عَلَى انتظارها ليحصلوا عَلَى فضل الانتظار ثم الصلاة؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة، وقد سلف الخلاف فيه.
قَالَ ابن بطال: وهذا لا يصلح اليوم لأئمتنا؛ لأنه - ﷺ - لما أمر الأئمة بالتخفيف وقال: «إن فيهم الضعيف، والسقيم، وذا الحاجة» (٢) كان ترك التطويل عليهم في انتظارها أولى. قَالَ: وتأخيره إنما كان لأجل الشغل الذي منعه منها، ولم يكن ذَلِكَ من فعله عادة، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث معنى شغله عنها ما كان روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قَالَ: جهَّز رسول الله - ﷺ - ذات ليلة جيشًا حَتَّى قرب نصف الليل -أو بلغه- خرج إلينا الحديث (٣).

-----------------
(١) روى ذلك مسلم من حديث أنس (٦٤٠/ ٢٢٣) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٢) سلف من حديث أبي مسعود الأنصاري برقم (٩٠) كتاب: العلم، باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، ولفظه: «فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة».
(٣) رواه أحمد ٣/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة ١/ ٣٥٦ (٤٠٦٩)، وأبو يعلى ٣/ ٤٤٢ (١٩٣٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٥٧. صححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٦٨).



وروى زر بن حبيش عن ابن مسعود قَالَ: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن ننتظر العشاء، فقال لنا: «ما عَلَى الأرض أحد من أهل هذِه الأديان ينتظر هذِه الصلاة غيركم في هذا الوقت» فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، الآية (١). وليسوا كالمشركين الذين يجحدون ذَلِكَ كله، ذكره الطبري (٢). ومنها إباحة الكلام بعد العشاء، والنهي عنه في غير الخير.
-----------------
(١) رواه أحمد ١/ ٣٩٦، والبزار كما في «كشف الأستار» (٣٧٥)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٣١٣ (١١٠٧٣)، وأبو يعلى ٩/ ٢٠٦ (٥٣٠٦)، والطبري في «تفسيره» ٣/ ٤٠١ (٧٦٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٣٧٨ (٤٠٠٨)، والشاشي ٢/ ١٠٨ (٦٣١)، وابن حبان ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (١٥٣٠)، والطبراني ١٠/ ١٣١ - ١٣٢ (١٠٢٠٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٨٧، والواحدي في «أسباب النزول» ص ١٢٢ - ١٢٣ (٢٣٨).
ذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣١٢. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في «الكبير»، ورجال أحمد ثقات ليس فيهم غير عاصم بن أبي النّجود وهو مختلف في الاحتجاج به، وفي إسناد الطبراني عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف.
حسنه الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٧٣، وهو في «الصحيح المسند من أسباب النزول» ص ٥١ - ٥٢.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٤٠٢.



٢٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ (١)
٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٤٩]
ذكر فيه حديث أبي برزة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا (٢).
هذا الحديث سلف في باب وقت العصر (٣)، ويأتي قريبًا (٤)، والبخاري رواه عن محمد، وهو ابن سلام كما ذكره أبو نعيم الأصبهاني. وذكر الجياني عن ابن السكن أنه نسبه كذلك في بعض مواضع في البخاري. قَالَ: وذكر أبو نصر أن البخاري روى في الجامع عن محمد بن سلام، وبندار: محمد بن بشار، وأبي موسى: محمد بن المثنى، ومحمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي عن عبد الوهاب الثقفي (٥). ورواه الإسماعيلي، عن ابن ناجية، عن بندار، عن عبد الوهاب، فيحتمل أن يكون هو.
قَالَ الترمذي: وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم في ذَلِكَ، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء

------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الستين. كتبه مؤلفه
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ في الهامش: قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأي موسى وأنس … وابن عباس. ذكره الزهري وابن مسعود … قال أبو حاتم: وحديث أبي برزرة أصح منه.
(٣) سلف برقم (٥٤٧).
(٤) سيأتي برقم (٥٩٩) باب: ما يكره من السمر بعد العشاء.
(٥) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٠ - ١٠٢١.



في رمضان (١). ثم قيل في كراهية ذَلِكَ قبل العشاء: لئلا يستغرق في النوم فيفوت وقتها المستحب، وربما فاته الوقت كله، فنهى عن ذَلِكَ قطعًا للذريعة، وإن قام من نومه ولم يكن أخذ حظه منه فيقوم بدنه كسلان.
واختلف السلف في ذَلِكَ، فكان ابن عمر يسب الذي ينام قبلها فيما حكاه ابن بطال (٢). لكن سيأتي في الباب بعده عنه أنه كان يرقد قبلها، وذكر عنه أنه كان ينام ويوكل به من يوقظه. روى معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه أنه كان ربما رقد عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه (٣).
وعن أنس: كنا نجتنب الفرش قبل العشاء (٤). وكتب عمر: لا ينام قبل أن يصليها، فمن نام فلا نامت عينه (٥).
وكره ذَلِكَ أبو هريرة وابن عباس وعطاء وإبراهيم ومجاهد وطاوس (٦) ومالك والكوفيون، وروي عن علي أنه ربما أغفي قبل العشاء (٧)، وكان ابن عمر ينام ويوكل به من يوقظه كما سلف عنه، وعن أبي موسى وعبيدة مثله. وعن عروة وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون نومة قبل الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذَلِكَ (٨)،

---------------
(١) ذكره الترمذي ١/ ٣١٤ عقب روايته حديثنا هذا، وهو عنده برقم (١٦٨).
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٤، والأثر رواه ابن أبي شيية ٢/ ١٢١ (٧١٧٦).
(٣) لم أقف عليه من رواية معمر، وإنما رواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٦) عن ابن جريج، عن نافع عنه بهذا اللفظ، وابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٤) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع عنه.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٧٧).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٨٧).
(٦) رواه ابن أبى شيبة ٢/ ١٢١ - ١٢٢ (٧١٨٠، ٧١٨٣، ٧١٨٤، ٧١٨٦).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٠).
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ - ١٢٣ (٧١٩٢، ٧١٩٥، ٧١٩٧، ٧١٩٩).



وبه قَالَ بعض الكوفيين، واحتج لهم بأنه إنما كره ذَلِكَ لمن خشي الفوات في الوقت والجماعة، أما من وكل به من يوقظه لوقتها فيباح كما سلف.
فدل عَلَى أن النهي ليس للتحريم لفعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى وأحوط. وحمل الليث قول عمر السالف: فلا نامت عينه، عَلَى من نام بعد ثلث الليل الأول. وحمل الطحاوي الكراهة عَلَى ما بعد دخول الوقت، والإباحة عَلَى ما قبله (١).
وأما كراهة الحديث بعدها فلاستحباب ختم العمل بالطاعة، ونسخ عادة الجاهلية في السمر فيما لا ينبغي، ولأنه يؤدي إلى سهر يفضي إلى إخراج وقت الصبح، إما الجائز أو الفاضل، وهذا في الحديث المباح.
أما حديث الخير كالعلم ومحادثة الضيف ونحو ذَلِكَ فلا بأس به، وقد ترجم له قريبًا بابًا وسلف أيضًا في كتاب العلم في باب السمر فيه.

------------------
(١) القائلون بكراهة النوم قبل صلاة العشاء هم جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
انظر للأحناف: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٧، «شرح فتح القدير» ١/ ٢٢٩، وللمالكية: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٧، «المنتقى» ١/ ٧٥، وللشافعية: «شرح السنة» ٢/ ١٩٢، «المجموع» ٣/ ٤٤، وللحنابلة: «المغني» ٢/ ٣٣، «الفروع» ١/ ٣٠٣.



٢٤ - باب النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. [انظر: ٥٦٦ - مسلم: ٦٣٨ - فتح:٢/ ٤٩]

٥٧٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِى أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. [مسلم: ٦٣٩ - فتح: ٢/ ٥٠]

٥٧١ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلَاةَ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا». فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِى الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إِلاَّ كَذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا». [٧٢٣٩ - مسلم: ٦٤٢ - فتح: ٢/ ٥٠]


ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: أَعْتَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ … الحديث.
وقد سلف في باب: فضل العشاء (١). وأبو بكر المذكور في إسناده هو: ابن أبي أويس، عن سليمان وهو: ابن بلال.
وذكر أيضًا فيه حديث ابن عمر: أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ .. الحديث. وفي آخره أن ابن عمر كان يرقد قبلها.
وأخرج مسلم بعضة (٢). ثم عقب البخاري ذَلِكَ محيلًا عَلَى ما قبله بأن قَالَ:
قَالَ ابن جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ -يعني: ابن أبي رباح- وَقَالَ: سَمِعْتُ ابن عباس يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ … إلى آخره.
وأخرجه أيضًا في التمني من حديث سفيان، عن عمرو، وقَالَ أبو عبد الله هناك: قَالَ عمرو: وحديث عطاء ليس فيه ابن عباس (٣).
وقال الإسماعيلي: حديث عمرو عن عطاء مرسل. وذكر المهلب بن أبي صفرة، وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما أن البخاري روى حديث عطاء هذا بسند حديث ابن عمر، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء مفردًا موصولًا من حديمث نافع بلفظه عن ابن جريج: قلت لعطاء: أي حينٍ أحب إليك أن أصلي العشاء؟ قَالَ: سمعت ابن عباس (٤).

---------------
(١) سلف برقم (٥٦٦).
(٢) مسلم (٦٣٩/ ٢٢١) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٣٩) باب: ما يجوز من اللَّوْ.
(٤) مسلم رقم (٦٤٢) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.



وأخرجه النسائي منقطعًا من حديث ابن عمر. وأخرج حديث ابن عمر من حديث حجاج، عن ابن جريج (١). ثم أورد بعده من حديث سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: أخر النبي - ﷺ - العشاء ذات ليلة … الحديث، وفيه: فخرج النبي - ﷺ - والماء يقطر من رأسه، وهو يقول: «إنه الوقت، لولا أشق عَلَى أمتي» (٢) ولمسلم في حديث ابن عمر: فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا أدري أشيء شغله في أهله أو غير ذَلِكَ (٣). ونوم ابن عمر في حديثه قبل العشاء يدل -والله أعلم- أنه كان منه نادرًا إذا غلبه النوم، وكان يوكل من يوقظه عَلَى ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وقد أسلفنا في الباب الماضي عنه أنه ربما رقد عن العشاء، ويأمر أن يوقظوه. فقوله: ربما، دال عَلَى أنه كان منه في النادر فيحتمل أن يفعله إذا أراد أن يجمع بأهله، أو لعذر يمنعه من حضور الجماعة، ثم يجمع بأهله.
والنوم المذكور في الحديث، إنما هو نوم القاعد الذي تخفق رأسه
لا نوم المضطجع؛ والدليل عَلَى ذَلِكَ أنه لم يذكر أحد من الرواة أنهم توضئوا من ذَلِكَ النوم، ولا يدل قوله: ثم استيقظوا عَلَى النوم المستغرق؛ لأن العرب تقول: استيقظ من سنته وغفلته، وإلى هذا ذهب الشافعي في نوم الجالس الممكن (٤)، ويشبه أيضًا مذهب مالك في مراعاته النوم الخفيف في كل الأحوال؛ لأنه ليس بحدث، وهو

-----------------
(١) الذي في «سنن النسائي» حديث ابن عباس وليس ابن عمر.
(٢) النسائي ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٣) مسلم (٦٣٩) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٤) انظر: «البيان» ١/ ١٧٧.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2026, 11:34 PM   #160

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 241 الى صـــ 260
الحلقة (160)






رد عَلَى المزني أنه حدث، لأنه محال أن يذهب عَلَى الصحابة ذَلِكَ فيصلوا بالنوم ولا يسألوا عن ذلك. وقد رُوِي عن ابن عمر (١) وابن عباس (٢)، وأبي أمامة (٣)، وأبي هريرة (٤) أنهم كانوا ينامون قعودًا ولا يتوضئون، فدل عَلَى خفة ذلك.
وأما ما جاء عن أنس أنهم حين كانوا ينتظرون رسول الله - ﷺ - ناموا مضطجعين، ثم صلوا ولم يتوضئوا (٥). ذكره الطبري، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قَالَ: كان أصحاب النبي - ﷺ - ينتظرون الصلاة مع الرسول، فيضعون جنوبهم، ثم يقومون فيصلون ولايتوضئون. فظاهره أنه لا نقض بذلك، وهو قول أبي موسى الأشعري (٦)، وأبي مجلز، وعمرو بن دينار (٧).

----------------
(١) رواه عبد الرزاق ١/ ١٣٠ (٤٨٤، ٤٨٥)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٣ (١٤٠٢) بنحوه، والبيهقي ١/ ١٢٠.
(٢) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٩ (٤٧٩)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٢)، كلاهما بلفظ أن ابن عباس قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من أخفق خفقة برأسه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٢٣ (١٤٠٣).
(٤) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٩ (٤٨١) بلفظ: عن أبي هريرة، قال: من استحق النوم فعليه الوضوء. وابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٦) بلفظ: عن أبي هريرة، قال: من استحق نومًا فقد وجب عليه الوضوء. زاد ابن علية: قال الجريري: فسألنا عن استحقاق النوم، فقال: إذا وضع جنبه.
ورواه البيهقي ١/ ١٢٢ - ١٢٣ بلفظ: عن أبي هريرة، قال: ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ.
(٥) رواه مسلم (٣٧٦/ ١٢٥) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨)، وأحمد ٣/ ٢٧٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ (١٤١٥).
(٧) انظر: «الحاوي» ١/ ١٧٨.



فقد جاء في حديث قتادة، عن أنس ما هو دال لما قلنا، وهو قوله: ثم يقومون فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ. ذكره الطبري، فبان بذلك أن النوم المستغرق ناقض وأن الخفيف لا ينقض، ويحمل ذَلِكَ عَلَى الحالتين، وقد سلف الكلام عَلَى حكم النوم في الطهارة مستوفي.

٢٥ - باب وَقْت العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا. [انظر: ٥٤١]

٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. [٦٠٠، ٦٦١، ٨٤٧، ٥٨٦٩ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٥١]
هذا الحديث سلف في باب وقت العصر (١). ثم ساق بإسناده حديث أنس: قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: «رقد صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَزَادَ ابن أبِي مَرْيَمَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع أخر، في باب من جلس في (المسجد) (٢) ينتظر العشاء، وفيه: إلى شطر الليل (٣)، وفي باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء (٤). وفي باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (٥)، واللباس (٦).

-------------------
(١) سلف برقم (٥٤٧).
(٢) كذا في (ج)، (س): المجلس. وما في «صحيح البخاري»: المسجد.
(٣) سيأتى برقم (٦٦١) كتاب: الأذان.
(٤) سيأتى برقم (٦٠٠).
(٥) سيأتى برقم (٨٤٧) كتاب: الأذان.
(٦) سيأتى برقم (٥٨٦٩) باب: فَصّ الخاتم.



وهذا التعليق ذكره في اللباس أيضًا بلفظ: وقال يحيى بن أيوب، عن حميد فذكره (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
واختلف الناس في آخر وقت العشاء عَلَى أقوال:
أحدها: أن آخره ثلث الليل، روي عن عمر بن الخطاب (٣)، وأبي هريرة (٤)، وعمر بن عبد العزيز (٥)، ومكحول (٦)، وإليه ذهب مالك لغير أصحاب الضرورات (٧). وفيه حديث من طريق علي أخرجه الطبري في «تهذيبه». واقتداء بحديث جبريل من طريق جابر صححه ابن خزيمة وغيره (٨).

-----------------
(١) ذكره عقب حديث رقم (٥٨٧٠) باب: فَصّ الخاتم.
(٢) مسلم (٦٤٠) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٣) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٥٦ (٢١٠٨ - ٢١٠٩)، ١/ ٥٦٠ (٢١٢٨) كتاب: الصلاة، باب: وقت العشاء الآخرة، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٣٩) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٣٨) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٥٦ (٢١١٠) كتاب: الصلاة، باب: وقت العشاء الآخرة.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٤٣) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٧) انظر: «المعونة» ١/ ٨٠.
(٨) يشير إلى حديث جابر، وفيه أن جبريل جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصلِّ. فصلَّى العشاء.
رواه الترمذي (١٥٠)، والنسائي ١/ ٢٦٣، وأحمد ٣/ ٣٣٠، وابن خزيمة ١/ ١٨٢ (٣٥٣)، وابن حبان ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٤٧٢)، والدارقطني ١/ ٢٥٦، والحاكم ١/ ١٩٥ - ١٩٦، والبيهقي ١/ ٣٦٨.
قال الترمذي: حسن صحيح غريب … وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر عن النبي - ﷺ -. =



ثانيها: إلى ربعه، قَالَه النخعي (١)، ولا متمسك له واضح، وهذا ما حكاه عنه ابن بطال (٢)، وحكى عنه ابن المنذر في «إشرافه» موافقة الثالث.
ثالثها: إلى نصفه، قاله ابن حبيب والثوري أيضًا، وحكاه ابن بطال عن أبي حنيفة أيضًا (٣).
رابعها: إلى طلوع الفجر الثاني، وهو قول الجمهور، والأصح عند الشافعية أن وقتها المختار إلى الثلث، وأغرب الاصطخري فقال بخروج الوقت المختار يخرج الوقت.

-----------------
= قال العلامة أحمد شاكر معلقًا على قول الترمذي: (غريب):
هو حديث صحيح كما صححه الحاكم والذهبي، وفي وصف الترمذي له بأنه غريب نظر؛ لأنه سيذكر من رواه عن جابر غير وهب، وبذلك لا يكون غريبًا.
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم. وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٥٠).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩١ (٣٣٤١) كتاب: الصلوات، في العشاء الآخرة تعجل أو تؤخر.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٨.
(٣) المصدر السابق.



٢٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ -أَوْ لَا تُضَاهُون- فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَالَ: «﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾» [طه: ١٣٠] [انظر: ٥٥٤ - مسلم:٦٣٣ - فتح: ٢/ ٥٢]

٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ حَبَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ. [مسلم: ٦٣٥ - فتح:٢/ ٥٢]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث جرير السالف في فضل صلاة العصر (١) فراجعه: وهو دال عَلَى فضل المبادرة والمحافظة عَلَى صلاة الصبح والعصر، وأن بذلك ينال رؤية الله تعالى يوم القيامة؛ وخصَّا بالذكر لفضلهما باجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وليلة البدر ليلة أربع عشرة، كما جاء في رواية أخرى (٢)، سمي بدرًا لتمامه. وقيل: لمبادرته الشمس بالطلوع.

--------------
(١) سلف برقم (٥٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٤٨٥١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.



الثاني: حديث أبي موسى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ». وَقَالَ ابن رَجَاءٍ: ثنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عن أبي بَكْرِ، عن أبيه بهذا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، والتعليق أسنده الطبراني عن عثمان بن عمر الضبي، ثَنَا عبد الله بن رجاء (٢). وفائدته عند البخاري نسبة أبي بكر إلى أبيه أبي موسى الأشعري؛ لأن الناس اختلفوا في أبي بكر هذا، ابن من هو؟ فقال الدارقطني نقلًا عن بعض أهل العلم: هو أبو بكر ابن عمارة بن رؤيبة الثقفي، وهذا الحديث محفوظ عنه. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه، وإنما يعرف عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، ولكن هكذا قَالَ همام (٣). يعنيان بذلك حديث أبي بكر بن عمارة المخرَّج عند مسلم: «لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني: الفجر و[العصر] (٤) (٥)، وهما البردان، سميا بذلك؛ لأنهما يفعلان وقت البرد ولطيب الهواء فيه، وأبعد من ضم إليهما المغرب فيما حكاه ابن بطال عن أبي عبيدة، وخصَّا بالذكر لشهود الملائكة فيهما (٦). وقال القزاز: بشر بذلك كل من صلاهما معه في أول فرضه إلى أن نسخ ليلة الإسراء.

-----------------
(١) مسلم برقم (٦٣٥) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
(٢) ووصله أيضًا ابن حجر في «التغليق» ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٣) «مسند البزار» ٨/ ٩٥ - ٩٧ بعد حديث رقم (٣٠٩٥).
(٤) في (س): الصبح، والصواب: ما أثبتناه من «صحيح مسلم».
(٥) مسلم برقم (٦٣٤) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر. عليهما.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ١٩٩.



وقوله: «دخل الجنة» إما أن يكون خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن من صلاهما ورعى حقوقهما انتهى عما ينافيهما من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى عنهما، أو يكون آخر أمره دخولها.

٢٧ - باب وَقْتِ الفَجْرِ
٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ، يَعْنِي: آيَةً. ح. [١٩٢١ - مسلم: ١٠٩٧ - فتح: ٢/ ٥٣]

٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمِعَ رَوْحًا، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [١١٣٤ - فتح: ٢/ ٥٤]

٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [١٩٢٠ - فتح: ٢/ ٥٤]

٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ. [انظر: ٣٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ٢/ ٥٤]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: خديث أنس بن مالك: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصلاة. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ آيَةً.
وفي رواية. عنه أَن نَبِيَّ الله - ﷺ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ


فَرَاغِهِمَا (مِنْ) (١) سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقرَأ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
ثانيها: حديث سهل بن سعد: كُنْتُ أَتَسَحرُ فِي أهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
ثالثها: حديث عائشة: كُنَّ نِسَاءُ المُؤمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنًّ، ثُمًّ يَنْقَلِبنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُن أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ.
حديث عائشة هدا تقدم أوائل الصلاة (٢)، وتقدم الكلام عليه واضحًا. والطريق الأول من حديث أنس أخرجه مسلم (٣).
والثاني: أخرجه النسائي الصوم (٤)، وتارة يجعل من مسند أنس عن زيد، وتارة من مسند أنس (٥)، ويأتي أيضًا في صلاة الليل والصوم (٦).
وقد رواه الطحاوي عنهما (٧). وللنسائى وأبن حبان: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «يا أنس، إني أريد الصيام أطعمني شيئًا» فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال، قال: «يا أنس: انظر رجلًا يأكل معي» فدعرت زيد بن ثابت، فجاء، فقال: إني قد شربت شربة سويق، وأنا

-------------------
(١) في (س): (و) والمثبت هو الصحيح من «الصحيح».
(٢) سلف برقم (٣٧٢) باب: في كم تصلي المرأة في الثياب.
(٣) مسلم (١٠٩٧) كتاب: الصيام، باب: فضل السحرر وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
(٤) النسائي ٤/ ١٤٣.
(٥) المصدر السابق.
(٦) سيأتي برقم (١١٣٤) أبواب التهجد، باب: من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح، وبرقم (١٩٢١) باب: قدركم بين السحور وصلاة الفجر.
(٧) «شرح معاني الآثار» ١/ ١٧٧.



أريد الصيام. فقال رسول الله - ﷺ -: «وأنا أريد الصيام» فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة (١). قَالَ الإسماعيلي: قَالَ خالد بن الحارث، عن سعيد في هذا الحديث: أنس عن زيد. وأصحاب سعيد يقولون: عن أنس. وقال خالد بن الحارث: أنس القائل: كم كان بينهما؟ وفي حديث همام: قلت لزيد: كم كان بينهما؟ ويزيد بن زريع يقول لأنس: كم كان بينهما؟ وهما جميعًا سائغان أن يكون أنس سأل زيدًا فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنسًا فأرسل له قدر ما كان بينهما كما أرسل أصل الخبر، فلم يقل: عن زيد. ومن تراجم البخاري عَلَى هذا الحديث في الصيام باب: قدر كم بين السحور وصلاة الصبح؟ فذكر خمسين آية (٢)، ومراده بالصلاة: دخول وقتها.
وحديث سهل ذكره في الصوم أيضًا، أخرجه هنا عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، عن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل.
وأخرجه في الصوم عن محمد بن عبيد الله، عن (عبد العزيز) (٣) بن أبي حازم، عن أبيه (٤). وادعى خلف أن البخاري أخرجه في الصوم عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم. ولم يُر ذَلِكَ فيه، ولا ذكره أبو مسعود ولا الطرقي (٥).

--------------------
(١) رواه النسائي ٤/ ١٤٧، وابن حبان ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (١٤٩٧).
(٢) سيأتي برقم (١٩٢١).
(٣) في (ج)، و(س) إسحاق: وهو خطأ، بل هو عبد العزيز بن أبي حازم، وسيذكره المؤلف هناك على الصواب، وهذا هو في «اليونينية» ٣/ ٢٩، دون أي اختلاف.
(٤) سيأتي برقم (١٩٢٠) باب: تأخير السحور.
(٥) هو الحافظ أبو العباس: أحمد بن ثابت بن محمد بن محمد الطرقي -بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وبعدها قاف- وطرق: قرية من أصبهان. كان عارفًا بالفقه والأصول والأدب حسن التصنيف، قال الصفدي: قال السمعاني: سمعت جماعة =



أما فقه الباب: فالإجماع قائم عَلَى أن وقت صلاة الصبح انصداع الفجر، وهو البياض المعترض في أفق السماء من جهة المشرق، وهو الفجر الثاني الصادق، أي: لأنه صدق في الصبح وبيَّنه لا الفجر الأول الكاذب الذي يبدو ضوؤه مستطيلًا ذاهبًا في السماء كذنب السرحان وهو الذئب، وقيل: الأسد، ثم ينمحي أثره ويصير الجو أظلم ما كان، سمي كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يسود، ويذهب النور فكأنه كاذب، وشبه بذنب السرحان لطوله؛ ولأن ضوءه يكون في الأعلى دون الأسفل، كما أن الذنب يكثر شعر ذنبه في أعلاه دون أسفله.
والأحكام متعلقة بالفجر الثاني دون الأول، ولا يتعلق بالأول شيء من الأحكام. وفيه في الدارقطني حديث من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، وغيره (١).

-------------------
= يقولون: إنه كان يقول: إن الروح قديمة.
قال الصفدي: قال ابن النجار: له مصنفات حسنة منها كتاب: «اللوامع في أطراف الصحيحين» توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٣٦/ ٦٣، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٨٢ (٢٧٧٨).
(١) الدارقطني ٢/ ١٦٥، ورواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٣)، والبيهقي ٤/ ٢١٥، وابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٢٠٣ كلهم عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرفوعًا. قال الدارقطني: مرسل. وقال البيهقي: مرسل، وقد روي موصولًا بذكر جابر بن عبد الله فيه. وقال ابن كثير: مرسل جيد.
وروي موصولًا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، رواه الحاكم ١/ ١٩١، والبيهقي ١/ ٣٧٧.
قال الحاكم: إسناده صحيح. وقال البيهقي: روي موصولًا، وروي مرسلًا وهو أصح. وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا رواه ابن خزيمة ١/ ١٨٤ - ١٨٥ (٣٥٦)، والحاكم ١/ ٤٢٥، والبيهقي ١/ ٣٧٧. صححه الحاكم، وقال البيهقي: رواه أبو أحمد مسندًا، ورواه غيره موقوفًا، والموقوف أصح. فالحديث صحيح مرفوعًا بشواهده، صححه الألباني في «الصحيحة» (٦٩٣، ٢٠٠٢).



واختلف في آخر وقته: فذهب الجمهور إلى أن آخره طلوع أول جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك (١)، وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أن آخر وقتها الإسفار الأعلى (٢)، وعلى هذأ فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار، ويؤثم من أخر الصلاة إلى ذَلِكَ الوقت، بخلاف الأول. وعن الإصطخري: من صلاها بعد الأسفار الشديد يكون قاضيًا، واستدل بحديث أبي موسى أنه - عليه السلام - صلى بالسائل الفجر في اليوم الثاني حين انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وقال: «الوقت ما بين هذين» (٣) وظاهره أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يقدر بإدراك ركعة كما في الحديث، والجمهور استدلوا بالأحاديث التي فيها: «إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس» (٤).
-------------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ٨١.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٣.
(٣) رواه مسلم برقم (٦١٤) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس.
(٤) رواه مسلم (٦١٢) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. من حديث عبد الله بن عمرو.



٢٨ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً
٥٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». [انظر: ٥٥٦ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٥٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ».


٢٩ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً
٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». [انظر: ٥٥٦ - مسلم: ٦٠٧، ٦٠٨ - فتح: ٢/ ٥٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
والحديثان في «صحيح مسلم» أيضًا (١)، وقد سلف في باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب. إخراجه له من حديث أبي هريرة أيضًا بلفظ: سجدة. بدل: ركعة (٢). وهي هي كما سلف. وذكر أبو العباس الطرقي في هذين الحديثين في ترجمة واحدة، وأن أبا هريرة رواه عن النبي - ﷺ -، وقال: في الباب عن عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري. وفي رواية لابن عبد البر من حديث أبي صالح عن أبي هريرة «فلم تفته» (٣) فيهما. وأخرجه مسلم من حديث عائشة مرفوعًا (٤) كما سلف هناك بالكلام عليه مبسوطًا.

------------------
(١) رواه مسلم (٦٠٧ - ٦٠٨) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.
(٢) سلف برقم (٥٥٦).
(٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٤) مسلم (٦٠٩) كتاب: المساجد، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.



٣٠ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
٥٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. [مسلم: ٨٢٦ - فتح: ٢/ ٥٨]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بهذا.

٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا». [٥٨٥، ٥٨٩، ١١٩٢، ١٦٢٩، ٣٢٧٣ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٥٨]

٥٨٣ - وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ». تَابَعَهُ عَبْدَةُ. [٣٢٧٢ - مسلم: ٨٢٩ - فتح: ٢/ ٥٨]

٥٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥، ١٥١١ - فتح: ٢/ ٥٨]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.


ثم قَالَ: حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ ثنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا العَاليَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بهذا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) وقال الترمذي: حسن صحيح، ثم قَالَ: وفي الباب عن جماعة (٢) عدَّدهم، وأهمل جماعات أيضًا ذكرتهم في شرحي «للعمدة» (٣)، فليراجع منه.
وبدأ البخاري بالسند الأول لعلوه إلى قتادة، وثنى بالثاني؛ لتصريح قتادة فيه بالسماع، ولمتابعة شعبة هشامًا. وأبو العالية اسمه: رفيع، وهو أحد الأحاديث الأربعة أو الثلاثة التي لم يسمع من ابن عباس غيرها، ولهم ثان: أبو العالية البراء البصري زياد، وقيل: كلثوم. يروي عن ابن عباس أيضًا، أخرج له الشيخان في تقصير الصلاة عن ابن عباس. وذكر الكلاباذي أنهْ أبو العالية رفيع، وقد انتقد عليه في ذَلِكَ، فإن الراوي عنه فيه أيوب، وأيوب لم يذكر له رواية عن أبي العالية رفيع.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
معنى شهد: بين وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند الحكام، كيف وعمر كان قاضيًا للصديق، وخليفة بعده إلى أن مات، ولم يكن ابن عباس قاضيًا له ولا نائبًا في الإمارة، فدل عَلَى ما ذكرناه، ومثله قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] أي: بيَّن، كما قاله الزجاج.

-------------------
(١) مسلم برقم (٨٢٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) «سنن الترمذي» (١٨٣).
(٣) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.



وقوله: (مرضيون). أي لا شك في صدقهم ودينهم. وفي الترمذي وغيره: سمعت غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - منهم عمر، وكان من أحبهم إليَّ (١). وفي هذا رد عَلَى الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل الكتاب وأكابر الصحابة.
ثانيها:
قولى: (نهى عن الصلاة بعد الصبح). أي: بعد صلاة الصبح. وبعد العصر: أي: بعد صلاة العصر (٢)، كما ستعلمه. وادَّعى ابن بطال تواتر النهي فيهما (٣).
ثالثها:
تشرق بضم أوله وكسر ثالثه، وبفتح أوله وضم ثالثه، وهو الأكثر عند رواه المشارقة. أشار القاضي عياض إلى ترجيح الأول (٤)، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع. فوجب حمل تشرق في المعنى عَلَى موافقتها، يقال: شرقت الشمس تَشرُق أي: طلعت، ويقال: أشرقت تُشرِق أي: ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشرَقَتِ اَلأَرْضُ بِنُور رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] أي: أضاءت. فمن فتح التاء هنا احتج بأن في باقي الروايات: حَتَّى تطلع الشمس. فوجب حمل هذِه عَلَى موافقتها، ومن ضم احتج بأحاديث النهي عن الصلاة عند

-------------------
(١) رواه الترمذي (١٨٣)، ومسلم (٨٢٦)، والنسائي ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، وأبو يعلى ١/ ١٣٧ (١٣٧)، وابن خزيمة ٢/ ٢٥٤ (١٢٧٢).
(٢) كما سيأتي من حديث أبي سعيد الخدري (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد بيت المقدس.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٠٧.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٠٣.



الطلوع، وعن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حَتَّى تبرز، وحديث ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حَتَّى ترتفع، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر: ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد قرصها (١). وحكى الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي: أشرقت: أضاءت وصفت. وشرقت: طلعت، وعلى هذا أكثر أهل اللغة. وقال بعضهم: هما بمعنى واحد.
رابعها:
قام الإجماع عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، وعلى جواز الفرائض المؤداَّة فيها، واختلفوا فيما إذا كان له سبب، فأباحه الشافعي وطائفة إذا كان السبب سابقًا أو مقارنًا (٢)، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى بقاء النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح والعصر ولا تباح في الأوقات الثلاث إلا عصر يومه، فيباح عند الاصفرار (٣)، ومشهور مذهب داود: منع الصلاة في هذِه الأوقات مطلقًا سواء ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد (٤) ونقل القاضى عن داود أنه أباحها بسبب ودونه. واحتج الشافعي ومن وافقه بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيها، وإن حُكي عن الكرخي المنع، وقال - ﷺ -

-----------------
(١) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٥٠١، «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٤٦٤، مادة: (شرق).
(٢) «الأم» ١/ ١٣٢.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٩٦.
(٤) انظر: «المغني» ٢/ ٥٣٣.



في التحية: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حَتَّى يصلي ركعتين» (١) وهذا خاص، وحديث النهي عن الصلاة في هذِه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة الصبح والعصر وصلاة الجنازة كما سلف، وبحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٢).
وأما حديث التحية: فهو عَلَى عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإمام يخطب.
خامسها:
الكراهة في هذين الوقتين تتعلق بالفعل كما أسلفته، حَتَّى إذا تأخر الفعل فإنه لا يكره الصلاة قبلها، فإن تقدم كرهت.
وأما الكراهة المتعلقة بالوقت: فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعه والاصفرار حَتَّى تغرب. ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل. وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال (٣).
سادسها:
استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي وقت الاستواء يوم الجمعة (٤)، وحرم مكة؛ لدليل آخر ذكرته في الفروع في «شرح المنهاج» وغيره مع بيان الخلاف في الكراهية في هذِه الأوقات هل

-------------------
(١) سيأتي من حديث أبي قتادة السلمي (١١٦٣) أبواب التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) سيأتي من حديث أنس برقم (٥٩٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة.
(٣) «المدونة» ١/ ١٠٣.
(٤) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١٩٤.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 08:40 AM   #161

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 261 الى صـــ 280
الحلقة (161)






هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ وظاهر الحديث يدل للتحريم؛ لأنه الأصل في النهي.
سابعها:
روى الشافعي: «أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها» (١)، وهو مرسل، وهو أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذِه الأوقات، وهو باب توقيف.
تتمتان:
الأولى: روي عن جماعة من السلف فيما حكاه ابن بطال عنهم أن النهي عند الطلوع وعند الغروب دون ما لم يبد حاجبها ولم تتدلى للغروب، رُوِي عن علي وابن مسعود وبلال وأبي أيوب وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس، وتأولوا أن المراد بالنهي عن الصلاة هذين الوقتين خاصة واستدلوا بقوله: «لا يتحرى أحدكم» (٢) الحديث (٣).

-------------------
(١) «مسند الشافعي» من حديث عبد الله بن الصنابحي ١/ ٥٥ (١٦٣)، ورواه النسائي ١/ ٢٧٥، وابن ماجه (١٢٥٣)، ومالك ١/ ١٥ (٣١)، وأحمد ٤/ ٣٤٨، ٣٤٩، وعبد الرزاق ٢/ ٤٢٥ (٣٩٥٠). ورواه ابن ماجه واحمد في أحد موضعيه وعبد الرزاق، عن أبي عبد الله الصنابحي وليس عبد الله الصنابحي، وهو الصواب كما قال ابن عبد البر، قال في «التميهد» ٤/ ٣: أبو عبد الله هو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة ليست له صحبة … وقد صحف فجعل كنيته اسمه، وكذلك فعل كل من قال فيه عبد الله؛ لأنه أبو عبد الله.
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٤٧٢). وله شاهد صحيح من حديث عمرو بن عبسة، رواه مسلم (٨٣٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: إسلام عمرو بن عبسة.
(٢) سيأتي قريبًا من حديث ابن عمر برقم (٥٨٢، ٥٨٥)، ولفظة: «لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها».
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٠٧.



ثانيهما: لا يقدح في الإجماع السالف عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في هذِه الأوقات بما رُوِي عن داود السالف؛ لأن خلافه لا يقدح في الإجماع، وكذا لا يقدح في جواز الفرائض المؤدَّاة فيها ما حكاه ابن العربي من المنع، وما نقله ابن حزم عن أبي بكرة وكعب بن عجرة أنهما نهيا عن الفرائض أيضًا (١) وحكي عن قوم أنهم لم يروا الصلاة أصلًا في هذِه الأوقات كلها. وأبدى الشيخ شهاب الدين السهروردي حكمة الكراهة بعد الصبح والعصر أنها لأجل راحة العمال من الأعمال، وهو معنى صوفي.
الحديث الثاني:
حديث ابن عمر: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا».
وفي رواية: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَى تغرب». تَابَعَهُ عَبْدَةُ.
وهذا الحديث ذكره أيضًا قريبًا (٢)، وفي الحج أيضا (٣)، ومتابعة عبدة ليحيى بن سعيد ذكرها البخاري في صفة إبليس (٤)، زاد مسلم: «فإنها تطلع بقرني شيطان» (٥) ورواه مالك مرسلًا (٦)، وقد روي عنه

-----------------
(١) «المحلى» ٣/ ١٣ - ١٤، والأثران رواهما عبد الرزاق ٢/ ٣ - ٤ (٢٢٤٩، ٢٢٥٠).
(٢) سيأتي برقم (٥٨٥) باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(٣) سيأتي برقم (١٦٢٩) باب: الطواف بعد الصبح والعصر.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٧٢) كتاب: بدء الخلق.
(٥) مسلم (٨٢٨/ ٢٩٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٦) «الموطأ» ١/ ١٥ (٣٢).



رفعه (١)، ولم يتابع من رفعه عنه. والتحري: القصد والتعمد بفعل الشيء، ولا الناهية دخلت بعد الواو؛ لتفيد النهي عن كل منهما، وحاجب الشمس أول ما يبدو منها، وقد سلف فقه الحديث في الذي قبله.
الحديث الثالث:
حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ.
وهذا الحديث أخرجه في اللباس أيضًا (٢)، ومسلم في البيوع (٣)، وسلف خلا القطعة الأولى في باب: ما يستر من العورة (٤)، مع الكلام عليه فراجعه.

------------------
(١) رواه عنه من حديث عائشة مرفوعًا ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٣٢٧ من طريق أيوب بن صالح عن مالك به ولم يتابع عليه عن مالك، وأيوب هذا ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن يحتج به، كذا قاله ابن عبد البر.
(٢) سيأتي برقم (٥٨١٩)، باب: اشتمال الصماء، (٥٨٢١) باب: الاحتباء في ثوب واحد.
(٣) مسلم (١٥١١) كتاب: البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة.
(٤) سلف برقم (٣٦٨) كتاب: الصلاة.



٣١ - باب لَا يَتَحَرى الصَّلَاةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا». [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٠]

٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». [١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٢/ ٦١]

٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [٣٧٦٦ - فتح: ٢/ ٦١]

٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥ - فتح:٢/ ٦١]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَحَرى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا».
وحديث أبي سعيد الخدري: عن رَسُولَ الله - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَمْسُ».
وحديث معاوية: إِنكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا- يَعْني الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ.


وحديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف في الباب قبله من طريق آخر عنه (٢). وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وأخرجه النسائي بلفظ: «حتى تبزغ» (٤) بدل: «حتى ترتفع».
وأما حديث معاوية فأخرجه أيضًا في باب ذكر معاوية، رواه عنه حمران بن أبان (٥)، ورواه أبو داود الطيالسي، عن معبد الجهني بدل حمران (٦)، وشيخ البخاري فيه محمد بن أبان، وهو ابن وزير معاوية البلخي كما ذكره الدارقطني وغيره. وقال ابن عدي: هو الواسطي. وغلط الأول؛ لأن البلخي يروي عن الكوفيين، والواسطي يروي عن البصريين. وقال المزي: الأشبه الأول، وما ذكره ابن عدي محتمل، فإن البخاري ذكر الواسطي في «تاريخه الكبير» ولم يذكر فيه البلخي، وجزم بأنه البلخي ابن أحد عشر في «جمعه» (٧)، وفي طبقتهما آخر يقال له: محمد بن أبان بن علي البلخي، يروي عن عبد الرحمن بن جابر.

-----------------
(١) مسلم (٨٢٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٢) سلف برقم (٥٨٢).
(٣) مسلم (٨٢٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها.
(٤) النسائي ١/ ٢٧٨.
(٥) سيأتي برقم (٣٧٦٦) كتاب: فضائل الصحابة.
(٦) «مسند الطيالسي» ٢/ ٣٠٨ (١٠٥٠).
(٧) لقد تعددت الأقوال والآراء حول تعيين شيخ البخاري هل هو البلخي أم الواسطي، فمال كثير من العلماء إلى أنه البلخي، وقيل: هو الواسطي ولكل من القولين مرجح، وكلاهما ثقة كما قال ابن حجر في «فتح الباري» ٢/ ٦٢.



وأما حديث أبي هريرة فسلف (١)، وفقه الباب سلف في الباب قبله، ومعنى: «لا صلاة» أي: شرعية، لأن الحسية لم تنتف.
--------------------
(١) برقم (٥٨٤).


٣٢ - باب مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالْفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.

٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٢]
هذِه كلها سلفت مسندة عنده بألفاظها.
ثم ساق من حديث ابن عمر: قَالَ: أصَلَّي كَمَا رَأيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
وغرض البخاري بهذا الباب رد قول من منع الصلاة عند الاستواء، وهو ظاهر قوله: لا أمنع أحدًا يصلي بليل أو نهارٍ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي، قَالَ مالك: ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يتحرون ويصلون نصف النهار. وعن الحسن وطاوس مثله (١)، والذين منعوا الصلاة عند الاستواء عمر وابن مسعود والحكم. وقال الكوفيون: لا يصلَى فيه فرض ولا نفل (٢).
واستثنى الشافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصة؛ لأن جهنم لا تسجر فيه (٣)، وفيه حديث في أبي داود أن جهنم تسجر فيه إلا يوم

------------------
(١) «المدونة» ١/ ١٠٣، «التمهيد» ١/ ٢٨٨.
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ٤٣.
(٣) انظر: «البيان» ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩، «الهداية» ١/ ٤٣.



الجمعة (١)، وفيه انقطاع، واستثنى منه مكحول المسافر، وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حَتَّى يخرج عمر، وكان لا يخرج حَتَّى تزول بدليل طنفسة عقيل.
وذكر ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يصلي نصف النهار، فقيل له: إن الصلاة في هذِه الساعة تكره. فقال: ولم؟ قَالَ: قالوا: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار. فقال: الصلاة أحق ما استعيذ منه من جهنم حين تفتح أبوابها.

------------------
(١) رواه أبو داود (١٠٨٣)، من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي - ﷺ - الحديث، قال أبو داود: هو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.
وقال شيخنا الألباني: هو مع إرساله ضعيف؛ ليث -هو بن أبي سُلَيم- وكان اختلط، وإسناده فيه علتان: الأولى: الانقطاع بين أبي الخليل وأبي قتادة كما ذكره المؤلف، وأقره المنذري في «مختصره» ٢/ ١٥. والأخرى: ليث -هو ابن أبي سليم- هو ضعيف لسوء حفظه واختلاطه. وقال الألباني: وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة: أن رسول الله نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس؛ إلا يوم الجمعة، وهذا صحيح المعنى؛ كما بينه العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»، انظر: «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٣ - ٤ (٢٠٠).



٣٣ - باب مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا
وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمَ سَلَمَةَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: «شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ عَنِ الرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ».

٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِى ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِىَ اللهَ، وَمَا لَقِىَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا -تَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. [٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣، ١٦٣١ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتِي، مَا تَرَكَ النَّبِيُّ - ﷺ - السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]

٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤]
وهذا التعليق أخرجه مسندًا في السهو (١) وفي وفد عبد القيس من كتاب المغازي عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو بن

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٣)، باب: إذا كُلِّم وهو يصلي فأشار بيده واستمع.


الحارث، عن بكير عن غريب مطولًا (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
وفي البخاري: قَالَ ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما. وهو بالضاد المعجمة، وروي بالفاء والصاد المهملة.
وفي مسلم: «ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم». وفي البيهقي أنه قدم عَلَى وفد بني تميم أو صدقة «فشغلوني عنهما» (٣).
ولأحمد: «قدم عليَّ مال فشغلني عنهما» (٤) وفي ابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد أنه شغله عنهما قسمة ما جاء به الساعي (٥). وللترمذي محسنًا من حديث ابن عباس: شغله عنهما مال فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما (٦).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٤٣٧٠)، باب: وفد عبد القيس.
(٢) مسلم (٨٣٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر.
(٣) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٤٢٦.
(٤) رواه الإمام أحمد في «مسنده» ٦/ ٣١٥ بلفظ «فشغلني عن الركعتين».
(٥) «سنن ابن ماجه» (١١٥٩). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ١٤٠: إسناده حسن، يزيد بن أبى زياد مختلف فيه. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢٤٢)، قال: منكر.
(٦) «سنن الترمذي» (١٨٤)، وقال: وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى، وحديث ابن عباس حديث حسن … وحديث ابن عباس أصح حيث قال: «لم يَعُدْ لَهُمَا». اهـ.
قال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٨٧ (٢٧١) تعقيبًا على قول الترمذي: حديث عائشة أثبت إسنادًا، ولفظه عند مسلم: «ثم أثبتها، وكان إذا صلى صلاة أثبتها» يعني: داوم عليها. اهـ.
وقال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد، وقوله: «ثم لم يَعُدْ لهما» منكر. اهـ.



وذكر بعده حديث عائشة في صلاته - عليه السلام - الركعتين بعد العصر من طرق:
منها: عن أيمن عنها، وهو من أفراده.
ومنها: عن عروة عنها: وقالت: ما تركهما عندي قطُّ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١).
ومنها: عن الأسود عنها: وأنه لم يدعها سرًا ولا علانية.
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ومنها: عن الأسود ومسروق: أنهما شَهِدا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وهو في مسلم من حديث أبي سلمة (٤) وطاوس عنها (٥). ومنها: عبد الله بن الزبير عنها، وسيأتي في البخاري (٦).
وذكر الدارقطني الاختلاف في حديث عائشة مبسوطًا، ثم قَالَ: والصحيح عنها: ما رواه عبد الله وهشام ابنا عروة، عن أبيهما، عنها. وقال في مسند أم سلمة: حديث بكير بن الأشج أثبتها وأصحها.

-------------------
(١) مسلم (٨٣٥/ ٢٩٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي بعد العصر، بلفظ: ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد العصر عندي قط.
(٢) مسلم (٨٣٥/ ٣٠٠) بلفظ: صلاتان ما تركهما رسول الله - ﷺ - …
(٣) مسلم (٨٣٥/ ٣٠١).
(٤) مسلم (٢٩٨/ ٨٣٥).
(٥) مسلم (٨٣٣/ ٢٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها.
(٦) برقم (١٦٣١) كتاب: الحج، باب: الطواف بعد الصبح والعصر.



وفقه الباب ظاهر كما ترجم له، وهو قضاء سنة الظهر بعد العصر، ووقع في رواية عائشة ما يوهم أنها سنة العصر، فإنها قالت: كان يصليهما قبل العصر. ويحمل عَلَى أنها سنة الظهر؛ لأنها قبل العصر، ويقاس عليه كل صلاة لها سبب، وهو مراد البخاري بقوله: (ونحوها).
والاستدلال بفعله - ﷺ - لذلك أول مرة ومداومته عَلَى فعلها خاص به عَلَى الأصح.
وقال الطبري: فعل ذَلِكَ تبيينًا لأمته أن نهيه كان عَلَى وجه الكراهة لا التحريم.
وقال البيهقي: الأخبار مشيرة إلى اختصاصه بإثباتها لا إلى أصل القضاء (١).
وحديث أم سلمة فيه صريح أنه بعد النهي، فلم تكن من ادَّعى تصحيح الآثار عَلَى مذهبه دعوى للنسخ فيه برواية ضعيفة عنها في هذِه القصة: فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتانا؟ قَالَ: «لا» (٢)، واعتمد عليها.

-----------------
(١) انظر: «السنن الكبرى» ٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٣١٥، وأبو يعلى ١٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨ (٧٠٢٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٠٦، وابن حبان ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨ (٢٦٥٣)، وقال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٦٤ - ٦٥: قال البيهقي عن هذِه الرواية: هذِه رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة، وقال -أعني: الحافظ-: أخرجها الطحاوي واحتج بهما على أن ذلك كان من خصائصه - ﷺ - وفيه ما فيه.
وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (٩٤٦): منكر، وسنده ظاهر الصحة، ولكنه معلول. ونقل من كلام البيهقي في «المعرفة»: ومعلوم عند أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة دون هذِه الزيادة. اهـ.



٣٤ - باب التَّبْكِيِر بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ
٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ». [انظر: ٥٥٣ - فتح: ٢/ ٦٦]
ذكر فيه حديث أبي قلابة: أَنَّ أَبَا المَلِيح حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْم ذِي غَيْم فَقَالَ: بَكرُوا بالصَّلَاةِ فَإنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ترَكَ صَلَاةَ العَصرِ حَبِطً عَمَلُهُ».
هذا الحديث سلف في باب من ترك العصر (١).
قَالَ ابن المنذر: روي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر (٢). وهو قول مالك (٣). وقال الحسن البصري: أخروا الظهر والمغرب، وعجلوا العصر والعشاء الآخرة (٤).
وهو قول الأوزاعي. وقال الكوفيون: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء (٥).
وروى مطرف عن مالك أنه استحب تعجيل العشاء في الغيم. وقال أشهب: لا بأس بتأخيرها إلى ثلث الليل (٦). وفيها قول آخر، قَالَ ابن

-----------------
(١) برقم (٥٥٣)، باب: إثم من ترك العصر.
(٢) رواه في «الأوسط» ٢/ ٣٨٢.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٥٦.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦ (٦٢٩٢) بلفظ: عن هشام، عن الحسن، قال: كان يعجبه في يوم الغيم أن يؤخّر الظهر ويعجل العصر، وبرقم (٦٢٩٥) بلفظ: عن الحسن وابن سيرين قالا: يعجّل العصر ويؤخّر المغرب.
(٥) انظر: «الأصل» ١/ ١٤٧، «مختصر الطحاوي» ٢٤.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١٥٦ - ١٥٧.



مسعود: عجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب (١). وقال المهلب: لا يصح التبكير في الغيم إلا بصلاة العصر والعشاء؛ لأنهما وقتان مشتركان مع ما قبلهما، ألا ترى أنهم يجمعونهما في المطر في وقت الأولى منهما، وهو سنة من النبي - ﷺ -.
-----------------
(١) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٣٨٢.


٣٥ - باب الأذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ». قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ. فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟». قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ». فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى. [٧٤٧١ - مسلم: ٦٨١ - فتح: ٢/ ٦٦]
ذكر فيه حديث أبي قتادة في نومه - عليه السلام - حتى فاتت صلاة الصبح، ثم قضاها لما طلعت الشمس وابياضت.
وفيه: «قم فآذن الناس بالصلاة».
وقد سلف في التيمم في باب: الصعيد الطيب يكفيه من الماء. من حديث عمران بن حصين (١)، وتكلمنا عليه هناك واضحًا فراجعه.
والتعريس: النزول آخر الليل، ونذكر هنا اختلاف العلماء في الأذان للفائتة، فذهب الإمام أحمد إلى جوازه (٢)، وهو قول أبي أيوب، واحتجا بهذا الحديث. وقال الكوفيون: إذا نسي صلاة واحدة وأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة (٣).
وقال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة. وقال محمد بن الحسن: إن أذن فيه فحسن، وإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل

---------------
(١) سلف برقم (٣٤٤).
(٢) انظر: «المغني» ٢/ ٧٦.
(٣) انظر: «البنابة» ٢/ ١١٧.



الشارع يوم الخندق فحسن. وقال مالك والأوزاعي: يقيم للفائتة، ولم يذكروا أذانًا (١). وقال الشافعي: يقيم لها ولايؤذن في قوله الجديد، وفي القديم: يؤذن. والحديث يشهد له (٢).
واحتج من منع بأن الشارع يوم الخندق قضى الفوائت كلها بغير أذان، وإنما أذن للعشاء الآخرة فقط؛ لأنها صاحبةُ الوقت.
وفيه من الفقه مسائل أخر:
الأولى: أنه - ﷺ - كان ينام أحيانًا كنوم الآدميين، وقد أسلفت الجمع بينه وبين حديث: «إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» هناك فراجعه.
الثانية: ادَّعى المهلب أن الحديث دال أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وإنما أكدت المحافظة عليها؛ لأجل هذِه المعارضة التي عرضت بالنوم عليه وعلى العسكر حَتَّى فاته وقتها، ويدل عَلَى ذلك تأكيده بلالًا في السفر والحضر بمراقبة وقتها، ولم يأمره بمراقبة غيرها، ألا ترى أنه لم تفته صلاة كيرها بغير عذر شغله عنها. قلت: قد وردت أنه فاتته صلوات كما سيأتي.
الثالثة: قوله في الحديث: (فاستيقظ رسول الله - ﷺ - وقد طلع حاجب الشمس)، وتركه للصلاة حَتَّى ابيضت الشمس، فيجوز أن يكون التأخير -كما قَالَ أهل الكوفة- لأجل النهي عن الصلاة عند الطلوع. ويجوز أن يكون التأخير لأجل التأهب للصلاة بالوضوء وغيره، لا لأجل ذَلِكَ، وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث، ذكره في كتاب الاعتصام في باب المشيئة والإرادة، وفيه: (فقضوا حوائجهم

----------------
(١) انظر: «الدخيرة» ٢/ ٦٨.
(٢) انظر: «البيان» ٢/ ٥٩ - ٦٠.



وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت فقام فصلى) (١). ويجوز معنى ثالث قاله عطاء، وهو أنه إنما أمرهم بالخروج من الوادي عَلَى طريق التشاؤم به، ووقعت الغفلة فيه كما نهى عن الصلاة بأرض بابل، وحجر ثمود، وعن الوضوء بمائها، وهو مثل قوله - ﷺ - في حديث مالك عن زيد بن أسلم «إن هذا به شيطان» (٢)، فكره الصلاة في البقعة التي فيها الشيطان إذ كان السبب لتأخير الصلاة عن وقتها، وادَّعى ابن وهب وعيسى بن دينار أن خروجهم من الوادي منسوخ بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو خطأ؛ لأن طه مكية، وقصة نومه كانت بالمدينة، ومما يدل عليه قول ابن مسعود: بنو إسرائيل والكهف ومريم والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي (٣)، يعني: إنهن من أول ما حفظه من القرآن واستفاده. التِلاد: القديم ما يفيده الإنسان من المال وغيره.
الرابعة: فيه حجة لقول مالك في عدم قضاء سنة الفجر (٤)، قَالَ أشهب: سئل مالك: هل ركع - ﷺ - ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حَتَّى طلعت الشمس؟ قَال: ما بلغني (٥) وقال أشهب: بلغني أنه - ﷺ - ركع. وقال علي بن زياد وقاله غير مالك، وهو أحب إليَّ أن

---------------
(١) سيأتي برقم (٧٤٧١) كتاب: التوحيد، باب: المشيئة والإرادة.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٣٥. رواية يحيى، وقال أبو عمر في «التمهيد» ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥: هذا الحديث في «الموطآت» لم يسنده عن زيد أحد من رواة الموطأ، وقد جاء معناه متصلًا مسندًا من وجوه صحاح ثابتة. وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٠٨) كتاب: التفسير، باب: سورة بني إسرائيل الإسراء.
(٤) «المدونة» ١/ ١٢٠.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.



يركع، وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي (١)، وقد قَالَ مالك: إن أحب أن يركعهما من فائتة بعد طلوع الشمس فعل (٢).
---------------
(١) انظر «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٧، «المجموع» ٣/ ٥٣٣.
(٢) «المدونة» ١/ ١١٨.



٣٦ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا». فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. [٥٩٨، ٦٤١، ٩٤٥، ٤١١٢ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٦٨]
ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله: أَن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشِ وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أصَلَّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَمْسُ تَغْرُبُ. فقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «والله مَا صَلَّيْتُهَا». فَقُمْنَا إلى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُم صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا قريبًا في مواضع، منها صلاة الخوف كما ستمر بك (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
بُطْحان، تقدم ضبطه قريبًا في باب: فضل العشاء.

---------------
(١) سيأتي برقم (٩٤٥) باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو.
(٢) مسلم برقم (٦٣١) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة هي صلاة العصر.



ثالثها:
جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وجاء في «الموطأ» (١) و«صحيح بن حبان»: أنها الظهر والعصر (٢)، وفي الترمذي بإسناد منقطع: والمغرب أيضًا (٣)، وكذا هو في «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد.
وفيه: وذلك قبل أن يُنزل الله -عز وجل- في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٩] والجمع ممكن، فإن الخندق كان أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، وفي رواية للنسائي: انحبس عن صلاة العشاء أيضًا (٥). ولعله عن أول وقتها المعتاد.
ولأحمد من حديث أبي جمعة حبيب بن سباع، وفي إسناده ابن لهيعة: أنه - ﷺ - عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قَالَ: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب (٦).

--------------
(١) «الموطأ» ص ١٣١ رواية يحيى، من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٧/ ١٤٧ - ١٤٨ (٢٨٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود (١٧٩) بأيتهن يبدأ، وقال: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وقال الألباني في «الإرواء» (٢٣٩): ضعيف.
(٤) أحمد ٣/ ٢٥.
(٥) النسائي من حديث عبد الله بن مسعود ٢/ ١٨ كتاب: المواقيت، باب: الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة، وقال الألباني: في «الإرواء» (٢٣٩) ضعيف.
(٦) رواه أحمد ٤/ ١٠٦ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد أن عبد الله بن عوف حدثه أن أبا جمعة حبيب بن سباع. الحديث، قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٤٠٩: هذا حديث منكر، يرويه ابن لهيعة عن مجهولين، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٢٤: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. وقال الحافظ =



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 08:43 AM   #162

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 281 الى صـــ 300
الحلقة (162)






وحمله ابن شاهين عَلَى أنه ذكرها وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعيدها بعد تمامها، وفيه نظر.
رابعها:
فيه دلالة عَلَى جواز سب المشركين؛ للتقرير عليه، والمراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عمر رضي الله عنه.
خامسها:
مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل عَلَى (كَادَ) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] والمشهور في كاد أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، فإن كانت في سياق الإيجاب نفت، وقيل: النفي نفي، والإيجاب إيجاب، وكلاهما وقع في كلام عمر، فالأول قوله: ما كدت أصلي العصر. والثاني: حتى كادت الشمس تغرب، وفي رواية البخاري في باب: قضاء الفوائت الأولى فالأولى أن عمر قَالَ: ما كدت أصلي العصر حَتَّى غربت الشمس (١) وليحمل عَلَى أنها قاربت الغروب، ومثل هذِه روايته في باب: قول الرجل ما صلينا، ما كدت أن أصلي حَتَّى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم (٢).

-------------------
= ابن حجر في «الفتح» ٢/ ٦٩: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في «الصحيحين» من قوله - ﷺ - لعمر: «والله ما صليتهما ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقال الألباني في»الإرواء" ١/ ٢٩٠ (٢٦١): ضعيف.
(١) سيأتي برقم (٥٩٨).
(٢) سيأتي برقم (٦٤١) كتاب: الأذان.



سادسها:
ورد في رواية أخرى في مسلم: حَتَّى كادت الشمس أن تغرب (١)، بإثبات أن، فاستدل به عَلَى إثبات أن في خبر كاد، والكثير حذفها كما في رواية الكتاب.
سابعها:
فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا بنيت عَلَى ذَلِكَ مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنما حلف تطيبًا لقلب الفاروق، وقيل: للإشفاق منه عَلَى تركها، وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلما قَالَ عمر ذَلِكَ تذكر، وقال: والله ما صليتها، وفي مسلم: والله إن صليتها (٢)، وإن بمعنى ما.
ثامنها:
ظاهره أنه صلاهما جماعة، فيكون فيه دلالة عَلَى مشروعية الجماعة في الفائتة، وهو إجماع، وشذ الليث فمنع من ذَلِكَ، ويرد عليه هذا الحديث وحديث الوادي.
تاسعها:
فيه: دلالة عَلَى أن من فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة، وهذا إجماع. لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون عَلَى سبيل الاستحباب (٣)، وعند مالك وأبي حنيفة

-----------------
(١) مسلم (٦٣١) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
(٢) السابق.
(٣) «الأم» ١/ ٦٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٣٣٨.



وآخرين عَلَى الإيجاب، حَتَّى قدمها مالك إذا خشي فوات الحاضرة (١)، واتفق مالك وأصحابه عَلَى أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة يبدأ بهن وإن خرج الوقت. واختلفوا في خمس، وعند أبي حنيفة الكثير ست، وفي قول محمد خمس (٢). وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة (٣). وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها.
ثم اعلم أنه إذا ضم إلى هذا الحديث الدليل عَلَى اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم يكن فيه دلالة عَلَى وجوب الترتيب في القضاء؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل عَلَى الوجوب عَلَى المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل عَلَى تضيق وقت المغرب كان فيه دلالة على وجوب البداءة بها عند ضيق الوقت، وحديث: «لا صلاة لمن عليه صلاة» (٤) لا يعرف، وحديث: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا مع الإمام فليصل مع الامام، فإذا فرغ من صلاته فليصل التي نسي، ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام» (٥) الصحيح وقفه عَلَى ابن عمر،

--------------
(١) «المدونة» ١/ ١٢٤ - ١٢٦، «الأصل» ١/ ١٥١.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣٩٠.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ١٣٥.
(٤) قال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٤٣ (٧٥٠): هذا حديث نسمعه عن ألسنة الناس، وما عرفنا له أصلًا. ثم ساق بسنده لأحمد سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لا أعرف هذا البتة. فقال سائله -إبراهيم الحربي-: ولا سمعت أنا بهذا عن النبي - ﷺ - قط. وذكره ابن حجر في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٧٢ وقال: قال ابن العربي في «العارضة»: هو باطل.
(٥) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح أنه موقوف من قول ابن عمر كما قال أبو زرعة والدارقطني والبيهقي، رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٢١٩ (٥٦٠)، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، والدارقطني ١/ ٤٢١، من طريق يحيى بن أيوب، ثنا =



وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه إذا صلى الحاضرة وتذكر في أثنائها فائتة أنه إن مضى فيها تقع تطوعًا فيقطعها ويصلى الفائتة، وعنه رواية أخرى: لا تقع تطوعًا. وقيل: يصلى ركعتين ويسلم (١)
عاشرها:
قد يحتج به من يرى امتداد المغرب إلى مغيب الشفق؛ لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتها أيضًا، وفيه منزع مالك السالف.
الحادي عشر:
فيه دلالة عَلَى عدم كراهية قول القائل: ما صليت، وسيأتي أن البخاري روى عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك، قَالَ البخاري: وقول النبي - ﷺ - أصح (٢).
الثاني عشر:
هذا الحديث كان قبل نزول صلاة الخوف كما سلف، فلا حجة فيه لمن قَالَ بتأخيرها في حالة الخوف إلى الأمن.

------------
= سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، ورواه البيهقي ٢/ ٢٢١ من طريق الدارقطني.
وأما الحديث المرفوع رواه الطبرانى في «الأوسط» ٥/ ٢١٨ (٥١٣٢)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٥٥، والدارقطني ١/ ٤٢١، والبيهقي ٢/ ٢٢١، وابن الجوزي في «العلل» ١٨/ ٤٤٣ (٧٥١).
وقد اضطرب كلام العلماء فيمن رفعه؛ فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني الراوي عن سعيد، قاله الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ١٦٣.
(١) انظر: «البناية» ٢/ ٧١٨ - ٧١٩.
(٢) كما سيأتي (٦٣٥) كتاب: الأذان، باب: قول الرجل: فاتتنا الصلاة.



٣٧ - باب مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَليُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، وَلَا يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدة.

٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ». ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤] قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤].
وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. نَحْوَهُ. [مسلم: ٦٨٤ - فتح ٢/ ٧٠]
ذكر فيه أثرًا وحديثًا من طريقين عن أنس رضي الله عنه. أما الأثر فقال:
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ.
ذكر الداودي فيما حكاه عنه ابن التين عن الحسن أنه قال: يعيد ما بعدها، وهذا إذا تركها ناسيًا فيعيدها وما أدرك وقته عند مالك وإن كان ذاكرًا لها وصلى صلوات كثيرة، ففي «المدونة»: يعيدها وحدها. وشذ بعض الناس فقال: لا تقضى. كما ستعلمه.
وأما الحديث: فأخرجه من طريق همام عن قتادة في أنس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، لَا كَفارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ». ﴿وَأَقِمِ اَلصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾.
ثم قَالَ: وَقَالَ حَبَّانُ: ثنَا هَمَّامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ.


وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١). وساق الثانية تعليقًا للتصريح بالسماع. وفي النسائي عن ابن شهاب أنه كان يقرأ: (للذكرى) (٢).
ثم الحديث دال عَلَى وجوب القضاء عَلَى النائم والناسي، كثرت الصلاة أو قلت، وهذا مذهب العلماء كافة. وشذَّ بعضهم فيمن زاد عَلَى خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، حكاه القرطبي (٣) ولا يعبأ به، فإن تركها عامدًا فالجمهور عَلَى وجوب القضاء أيضًا إلا ما حكي عن داود وجمع يسير، عدَّدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، وأطال ابن حزم في المسألة وأفحش كعادته (٤).
احتج الجمهور بالقياس عَلَى الناسي، وهو من باب التنبيه بالأدنى عَلَى الأعلى، ومن نفي القياس فغير معتد بخلافه، وقد قَالَ - ﷺ -: «فليصلها إذا ذكرها» والعامد ذاكر لها، ثم المراد بالنسيان: الترك، سواء كان مع ذهول أو لم يكن، قَالَ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا معرفته وأمره فتركهم في العذاب، ثم الكفارة إنما تكون عن ذنب غالبًا، والنائم والناسي ليس بآثم، فتعين العامد.

----------------
(١) رواه مسلم (٦٨٤) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي ١/ ٢٩٣، وا بن ماجه (٦٩٦).
(٢) رواه النسائي ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها كلاهما من حديث أبي هريرة.
(٣) «المفهم» ٢/ ٣٠٩.
(٤) «المحلى» ٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤.



وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لتذكرني فيها عَلَى أحد التأويلات، وأيضًا القضاء يجب بالخطاب الأول، وخروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها؛ لأنها لازمة في الذمة كالدين، وإنما تسقط بفعلها ولم يوجد، وبالقياس عَلَى قضاء رمضان، وهذا يئول إلى إسقاط فرض الصلاة عن العباد، وقد ترك - ﷺ - العصر وغيرها يوم الخندق لشغل القتال ثم أعادها.
وقوله: «لا كفارة لها إلا ذلك» أي فعلها لا غير، ولا تخالف بينه وبين الحديث الآخر: «ليس في النوم تفريط» (١) وحديث: «وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢) فإن الكفارة قد تكون مع الخطأ كما في قتل الخطأ.
وقوله: («إذا ذكر») يحتج به من يقضي الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] هو عام في كل الأوقات وبينة عَلَى تبويب هذا الحكم وأخذه من الآية التيم تضمنت الأمر لموسى - عليه السلام - بذلك، وأن هذا يلزمه اتباعه فيه.
والمراد بالذكرى: تذكرها، هذا هو الظاهر؛ لأنه احتج بها عَلَى من نام عن صلاة أو نسيها. وقال مجاهد: لتذكرني فيها (٣)، وقد سلف.
وقيل: إذا ذكرتني، وقد سلف أنه قرئ: (للذكرى)، ووجه إضافة

---------
(١) رواه من حديث أبي قتادة مسلم (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس، وسيأتي تخريجه بشيء من التفصيل عن غير واحد باختلاف، وإلى أن يأتي انظر «تلخيص الحبير» ١/ ٢٨١ - ٢٨٣ (٤٥٠) و«الإرواء» (٨٢).
(٣) انظر: «تفسير البغوى» ٥/ ٢٦٧، «زاد المسير» ٥/ ٢٧٥.



الذكرى إلى الله تعالى أن الصلاة عبادة له، فمتى ذكرها ذكر المعبود، وهذِه القراءة أشبه بالتأويل الأول، وكأنه أراد: لذكرها، فناب عن الضمير.

٣٨ - باب قَضَاءِ (الفَوَائتِ) (١) الأُولَى فَالأُولَى
٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُو: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٧٢]
ذكر فيه حديث جابر السالف في باب من صلى بالناس جماعة قريبًا (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ.

----------------
(١) في الأصول: (الفوائت)، وفي «الصحيح»: (الصلوات).
(٢) سلف برقم (٥٩٦).



٣٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ
٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّى الْهَجِيرَ وَهْيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٧٢]
ذكر فيه حديث أبي برزة السالف في وقت الظهر (١) وغيره:
وفيه: كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها.
وكره الشارع السمر بعد العشاء خوف الاستغراق فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح، أو غيره من مصالح الآخرة والدنيا. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عَلَى الحديث بعد العشاء ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره؟ وقال سلمان الفارسي: إياكم والسمر أول الليل فإنه مهدمة لآخره، فمن فعل ذَلِكَ فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه (٢). وأما السمر في العلم والخير فجائز كما فعله الشارع وأصحابه كما ستعلمه.

-------------------
(١) سلف برقم (٥٤١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٧٩ (٦٦٨٠ - ٦٦٨١).



٤٠ - باب السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالْخَيِرْ بَعْدَ العِشَاءِ
٦٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ».
قَالَ الْحَسَنُ: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٧٣]

٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - عليه السلام - إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ» يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٣٧ - فتح: ٢/ ٧٣]
ذكر فيه حديثين:
أحدهما: حديث قرة بن خالد: قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قريبًا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هؤلاء. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «ألَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ».
ثانيهما: حديث ابن عمر: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِشَاءَ فِي آخِرِ


حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ (قَامَ) (١) النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وفي آخره: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ (٢) القَرْنَ.
أما الحديث الأول: فأخرجه مسلم من حديث قرة، عن قتادة، عن أنس (٣)، والبخاري أبدل قتادة بالحسن، وسلف في العشاء من حديث حميد عن أنس (٤).
ومعنى (راث): أبطأ وتأخر، وهو بغير همز. قَالَ ابن التين: ورويناه بالهمز، ولا أعلمه به في كلام العرب (٥). ومعنى (نظرنا): انتظرنا.
وقوله: (كان شطر الليل يبلغه). قيل: إن (كان) هنا زائدة. قَالَ ابن بطال: التقدير: حَتَّى كان شطر الليل، أو كاد يبلغه، والعرب قد تحذف كاد كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في أظلمت الشمس: كادت تظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحلوق (٦).
وأما الحديث الثاني: فسلف في باب: ذكر العشاء (٧)، والعلم أيضًا (٨). وفي سياقته في هذا الباب متابعة شعيب بن عبد الرحمن وتصريح سماع الزهري من سالم.

-------------------
(١) في الأصل: قال. والمثبت من «الصحيح».
(٢) ورد بهامش الأصل: وفي حاشيته الدمياطي أيضًا: تخرم ذلك القرن. يقال للماضي: قضى وانقضى، وهذا العمر تقضى. أي: تخرم.
(٣) مسلم (٦٤٠/ ٢٢٣) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.
(٤) سلف برقم (٥٧٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العشاء إلى نصف الليل.
(٥) انظر: «الصحاح» ١/ ٢٨٤، «لسان العرب» ٣/ ١٧٨٩، مادة: (ريث).
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٢٤.
(٧) سلف برقم (٥٦٤).
(٨) سلف برقم (١١٦) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.



و(هل) -بفتح الهاء ويجوز كسرها- أي: ذهبت أوهامهم إلى
ذَلِكَ (١). ومعنى (ينخرم ذَلِكَ القرن): ينقطع وينقضى (٢).
وهذان الحديثان عَلَى أن السمر المنهي عنه بعد العشاء إنما هو فيما لا ينبغي، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه لمذاكرة العلم بسمر الشارع إلى قريب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش أو غيره مما سلف، ثم خرج فصلى بهم وخطبهم مؤنسًا لهم ومرغبًا ومعْلِمًا ومعَلِّمًا. ولعل البخاري أراد بقوله: (بعد العشاء). أي: بعد فعلها؛ لأن الموافقة كانت كذلك في الحديثين.
وروى ابن أبي شيبة والترمذي محسنًا من حديث عمر قَالَ: كان رسول الله - ﷺ - يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، وصلى عَلَى العتمة. فاستفتي حتى أذن بصلاة الصبح فقال: «قوموا فأوتروا، فإنا لم نوتر» (٣)
وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء (٤).
وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافر أو دارس علمٍ (٥).

---------------
(١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٣٣.
(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٢٧.
(٣) رواه الترمذي (١٦٩)، وقال: حديث حسن، وابن أبي شيبة ٢/ ٧٩ - ٨٠ (٦٦٨٨)، لكن دون لفظ: «فاستفتي حتى أذن …».
(٤) «المصنف» ٢/ ٨٠ (٦٦٩٧، ٦٧٠٠).
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٨٠ (٦٦٩٨)، كلاهما بلفظ: لا بأس بالسمر في الفقه. لكن لفظ المصنف هذا رواه ابن مسعود مرفوعًا، رواه أحمد ١/ ٣٧٩، وأبو يعلى ٩/ ٢٥٧ (٥٣٧٨)، والطبراني ١٠/ ٢١٧ (١٠٥١٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٩٨. وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣١٤ =



٤١ - باب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ
٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ». وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي -فَلَا أَدْرِى قَالَ: وَامْرَأَتِى- وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ- قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِئَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: يَعْنِي: حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِىَ كَمَا هِىَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِىَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ [٣٥٨١، ٦١٤٠، ٦١٤١ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ٢/ ٧٥]

-----------------
= وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» فأما أحمد وأبو يعلى فقالا: عن خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود. وقال الطبراني: عن خيثمة، عن زياد بن حدير. ورجال الجميع ثقات، وعند أحمد في رواية: عن خيثمة، عن عبد الله، بإسقاط الرجل. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٤٩٩).


ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا ناسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «منْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أربعة فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ» الحديث بطوله.
والبخاري أورده مطولًا ومختصرًا في مواضع، منها هنا، وعلامات النبوة (١)، والأدب (٢)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٣)، وهو ظاهر لما ترجم له هنا، وهو السمر مع الضيف والأهل، وهو من السمر المباح، وتلك كانت أخلاقهم وأحوالهم، فإنه قَالَ لزوجته: أوما عشيتهم، ويا أخت بني فراس. وقال لولده: يا غنثر. وقال لأضيافه: كلوا.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الصفة: موضع مظلل من المسجد كان للمساكين والمهاجرين والغرباء يأوون إليه، ويقال لهم أيضًا: الأوفاض. وذكرهم صاحب «الحلية» وعدَّ منهم مائة ونيفًا (٤).
ثانيها:
قوله: («من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث») هذا هو الصواب، وهو أصح من رواية مسلم: «فليذهب بثلاثة» لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٨١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) سيأتي برقم (٦١٤٠)، باب: ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف، و(٦١٤١)، باب: قول الضعيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل.
(٣) مسلم (٢٠٥٧) كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره.
(٤) انظر: «حلية الأولياء» ١/ ٣٣٧ وما بعدها.



الاثنين، فتأول عَلَى أن المراد: فليذهب بتمام ثلاثة كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمامها، فطعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة كما صح في الخبر (١)، والكفاية غير الشبع، فتأمله.
ثالثها:
قوله: («وإن أربع فخامس أو سادس») (أو) هنا للتنويع، وقيل: للإباحة. وفي مسلم: «من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس» (٢) ووجه ذَلِكَ أن تشريك الزائد عَلَى الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة؛ لشدة الحال، وزاد - ﷺ - واحدًا واحدًا؛ رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.
رابعها:
فيه: فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام عَلَى أهل المحلة، ويعطي لكل منهم ما يعلم أنه يحتمله، وياخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر رضي الله عنه فعله في عام الرمادة إذ كان يلقي عَلَى أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤ عن نصف قوته (٣). وكانت الضرورة ذَلِكَ العام أشد، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اْللَّهَ

----------------
(١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٥٣٩٢) كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الأثنين، ورواه مسلم (٢٠٥٨) كتاب: الأشربة، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل …
(٢) مسلم (٢٠٥٧).
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٢٥.



﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم الفربة قي أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قَالَ كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد أيضًا في الترمذي مرفوعًا (١).
خامسها:
قوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي - ﷺ - بعشرة) هذا مبين لما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله - عليه السلام - كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذِه الليلة، فآسى بنصف طعامه أو نحوه، وآسى أبو بكر بثلث طعامه أو أكثر. قَالَ -يعني: عبد الرحمن بن الصديق-: فهو أنا وأبي وأمي. ولا أدري هل قَالَ: وامرأتي وخادم.
سادسها:
أمه أم رومان، بضم الراء وفتحها. قَالَ السهيلي: اسمها: دعد. وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة (٢).

--------------------
(١) رواه الترمذي (٦٥٩، ٦٦٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًا سوى الزكاة، ولفظه: عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي - ﷺ - قال: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة»، وقال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعَّف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث قوله وهذا أصح. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٨٣)، وقال: الصحيح أنه من قول الشعبي، والله أعلم.
(٢) انظر: «الثقات» ٣/ ٤٥٩، «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٩ (٣٥٨٦)، «تقريب التهذيب» (٨٧٣٠).



سابعها:
قوله: (وخادم بيننا وبين أبي بكر) كذا في الرواية، وفي أخرى: بين بيتنا وبيت أبي بكو (١).
ثامنها:
قوله: (وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله - ﷺ -) فيه فوائد:
الأولى: أكل الصديق عند صديقه.
الثانية: جواز من عنده ضيفان أن يقبل على مصالحه وأشغاله إذا كان له من يقوم أمورهم كما كان الصديق.
الثالثة: ما كان عليه الصديق من الحب لرسول الله - ﷺ -، والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره عَلَى الأهل والولد والضيف وغيرهم.
تاسعها:
قوله: (ثم لبث حيث صليت العشاء ثم رجع) كذا في رواية. وفي أخرى: حَتَّى صلى العشاء ورجع (٢). بالجيم. وفي «صحيح الإسماعيلي»: ركع بالكاف.
وقوله: (فلبث حَتَّى تعشى النبي - ﷺ -). في مسلم: حَتَّى نعس (٣) بدل: تعشى، وهو ظاهر.
عاشرها:
قوله: (قالت له امرأته -يعني: أم رومان-: ما حبسك عن أضيافك؟) فيه أن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنها رضي الله عنها لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل قالت كذلك، فبادرت

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٨١).
(٢) السابق.
(٣) مسلم (٢٠٥٧/ ١٧٦).



حين قدم تسأله عن سبب تأخره عن مثل ذَلِكَ، وامتناع ضيفانه من الأكل أدبًا ورفقًا به؛ لظنهم أنه لا يجد عشاء، فصبروا حَتَّى يأكل معهم.
وفيه: إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذن في ذَلِكَ؛ لإنكار الصديق في ذلك.
الحادي عشر:
قولها: (قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا). قَالَ ابن التين: أي: عرضوا أهل الدار فأبى الضيفان. وفي رواية: فعرضنا عليهم (١).
ويروى: عُرضوا، بضم العين، وهو ما ضبطه به عياض أي أطعموا.
والعُراضة -بضم العين- الهدية (٢). قَالَ ابن التين: ويروى بصاد مهملة، ولا أعلم له وجهًا. قَالَ بعض شيوخنا: يحتمل أن يكون من عرض بمعنى نشط، قاله ابن التياني، فكأنه يريد أن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم. قلت: وفي «الصحاح»: العَرَص -بالتحريك- النشاط. وعرِص الرجل -بالكسر- تنشط عن الفراء (٣).
وفيه: أن الولد والأهل يلزمهم الاحتفال بالأضياف مثلما يلزم صاحب المنزل، فإنهم عرضوا عَلَى الأضياف الطعام فامتنعوا.
الثاني عشر:
(قَالَ -يعني: عبد الرحمن-: فذهبت أنا فاختبأت) اختباؤه للخوف من خصام أبيه له؛ لأن المنزل لم يكن فيه رجل غيره يباشر الأضياف؛ ولأنه كان أوصاه بهم.

------------------
(١) سيأتي برقم (٦١٤١) كتاب: الأدب، باب: قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل.
(٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٧٥.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١٠٤٥، مادة: (عرص).



الثالث عشر:
قوله: (يا غنثر). هو بغين معجمة مضمومة، ثم نون ثم مثلثة، ثم راء. والمثلثة مفتوحة ومضمومة لغتان، هذا هو المشهور في ضبط هذِه اللفظة. وقيل: بالعين المهملة المفتوحة، وبالمثناة فوق مفتوحة، والصحيح الأول -كما قاله صاحب «المطالع»- ومعناه: يا لئيم، يا دني، والغنثر: الذباب. وقيل: يا أحمق. وقيل: الوخم. وقيل: الجاهل. من الغثارة، وهي الجهل، والنون زائدة. وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السقوط. وقيل: السفيه، وحاصله: كله ذم وتنقيص يقوله الغضبان عند ضيق صدره (١). وأما الثاني فقيل: الذباب. وقيل: الأزرق منه، شبهه به تحقيرًا له وشدة أذاه (٢).
الرابع عشر:
قوله: (فجدَّع) وهو بالجيم، والدال المهملة المشددة، ومعناه: دعا عليه بقطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص، وإذا أطلق غلب عليه. وقيل: معناه السب، وهو الشتم، وهو بعيد لقوله: (جدَّع وسبَّ)، فيؤدي إلى التكرار.
وقيل المجادعة: المخاصمة (٣). وعند المروزي بالزاي بدل الجيم، وهو وهم كما قاله صاحب «المطالع»، وكل ذَلِكَ من الصديق عَلَى عبد الرحمن عَلَى ظن أنه فرط في الأضياف، فلما بأن له خلافه وأن المنع منهم أدَّبهم بقوله: كلوا لا هنيئًا. وحلف لا يطعمه. وقال

-----------------
(١) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٣٠٧.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٣٨٩.
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٢٤٦، ٢٤٧.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* شرح صحيح البخاري كاملا الشيخ مصطفى العدوي
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
* شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان
* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* خبر الوداع وحسن الفهم
* بدع الإسراء والمعراج

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009