![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#67 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 136الى صــ 150 الحلقة (67) وقد بيّن ضعفها وعِلَلَها شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٨٨). وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الاتجار بأموال اليتامى. فقال -رحمه الله-: إِذا غلب على ظنه الربح جاز. وفي بعض الإِجابات عنها وعن مِثلها مِن بعض مصارف قال -رحمه الله-: إِذا تكفّلوا بإِعادة المال عند الخسارة جاز ذلك. إِسقاط الدَّين عن الزكاة قال النووي في «المجموع»: «لو كان على رجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلْته عن زكاتي فوجهان: أصحهما، لا يجزئه، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، لأنّ الزكاة في ذمّته، فلا يبرأ إِلا بإِقباضها. والثاني: يجزئه؛ وهو مذهب الحسن البصري، وعطاء؛ لأنه لو دفَعه إِليه، ثمّ أخذه منه جاز، فكذا إِذا لم يقبضه. كما لو كانت له دراهم وديعة، ودفَعها عن الزكاة، فإنه يجزئه؛ سواء قبَضها أم لا» (١). قلت: ولا يمكن تشبيه دراهم الوديعة بهذا المال، لأنّ الأصل في مال الوديعة أنه مقبوض، لكن هذا قد يقبض وقد لا يقبض. والذي يبدو أنّه إذا ترجّح قبض هذا الدين جاز، وإلا فلا، والله أعلم. --------------------- (١) انظر «فقه السُّنّة» (١/ ٤٠٧). وجاء في «المغني» (٢/ ٥١٦): «قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين بِرَهْن، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يُفرِّقها على المساكين؛ فيدفع إِليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله. قال: لا يجزيه ذلك، فقلت له: فيدفع إِليه من زكاته فإِنْ ردّه إِليه قضاءً مِن ماله أَخَذَه؟ فقال: نعم. وقال في موضع آخر وقيل له: فإِنْ أعطاه ثمّ ردَّه إِليه؟ قال: إِذا كان بحِيلَة فلا يُعْجبني. قيل له: فإِن استقرض الذي عليه الدين دراهم، فقضاه إِياها ثمّ ردّها عليه، وحسَبها من الزكاة؟ فقال: إِذا أراد بها إِحياء ماله فلا يجوز، فحصَل من كلامه أنّ دفْع الزكاة إِلى الغريم جائز؛ سواء دفَعها ابتداءً أو استوفى حقّه ثمّ دفع ما استوفاه إِليه. إِلا أنه متى قصد بالدفع إِحياء ماله أو استيفاء دينه لم يجُز؛ لأنّ الزكاة لحقّ الله -تعالى- فلا يجوز صرْفها إِلى نفْعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبْضه؛ لأنه مأمور بأدائها وإيتائها، وهذا إِسقاط. والله أعلم». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨٩): «وإنْ كان له دين على حيٍّ أو ميت؛ لم يحتسب به من الزكاة ولا يحتال في ذلك». وسألت شيخنا -رحمه الله- عن رجل له دين عند آخر وهو مُعسر، فهل يجزئه لو قال له: هو زكاة مالي؟ فأجاب -رحمه الله-: يجزئ إِذا أعلمه بذلك وقَبل المدين، ولم يكن دينًا ميّتًا (١). نقْل الزكاة لا شكَّ أنّ الأصل والأفضل إِخراج الزكاة في نفص البلد؛ لقول النّبيّ - ﷺ - لمعاذ -رضي الله عنه- كما تقدّم-: «... أخبِرهم أن عليهم صدقة؛ تؤخَذ من أغنيائهم وتُردّ في فقرائهم». وهذا يختصّ بفقراء بلدهم، وهذا آكد في تنظيم أمور الفقراء وسدّ حاجاتهم. قال الإِمام البخاري -رحمه الله- «باب أخْذ الصدقة من الأغنياء، وتردّ في الفقراء حيث كانوا» (٢). قال ابن المنيّر: «اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله:»فترَدّ على فقرائهم«لأن الضمير يعود على المسلمين، فأيّ فقير منهم رُدَّت فيه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث» (٣). وقال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٤/ ٥٨): «باب الأمر بقسم الصّدقة في أهل البلدة، التي تؤخذ منهم الصدقة»، ثمّ ذكر الحديث: «... فأَعلِمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم، -------------------------- (١) أي: لم يكن يائسًا من قبضه. (٢) انظر»صحيح البخاري«»كتاب الزكاة«(٦٣ - باب). (٣) انظر»الفتح" (٣/ ٣٥٧). فتردُّ في فقرائهم». قال في «المغني» (٢/ ٥٣١): «فإِن خالف ونقَلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها، فإِنه يجوز نقْلها عند المانعين». وجاء في «الاختيارات الفقهية» (ص ٩٩) -بحذف-: «وإذا نقل الزكاة إِلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي مَن بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك. فإِنّ سكّان المصر؛ إِنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إِقليم، مع حاجة أهل المنقول عنه. وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة إِلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كلّ ناحية بما عندهم من الزكاة، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية». وفيه (ص ١٠٤): «ويجب صرْف الزكاة إِلى الأصناف الثّمانية، إنْ كانوا موجودين، وإِلا صُرفت إِلى الموجود منهم، ونقْلها إِلى حيث يوجدون». وعن إِبراهيم بن عطاء -مولى عمران بن حصين- عن أبيه: أن زيادًا -أو بعض الأمراء- بَعث عمران بن حصين على الصدقة. فلمّا رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنّا نأخذها؛ على عهد رسول الله - ﷺ -، ووضعناها حيث كنا نضعها، على عهد رسول الله - ﷺ -«(١). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٣١)، وابن ماجه»صحيح سنن = قال الإِمام مالك -رحمه الله-: «لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين؛ فتنقَل -بلا خلاف- وعند الإِمام الشافعي وأحمد لا تُنقَل، ولا شكّ أنّ الأفضل إِخراجها في نفس البلد؛ إِلا إِذا لم يجد مستحقّيها؛ مع جواز نقْلها ولو وجد مستحقّوها». وجاء في «مجموع الفتاوى» كذلك (٢٥/ ٨٥): «وسئل -رحمه الله- عمن له زكاة، وله أقارب في بلد تقصر إِليه الصلاة، وهم مستحقّون الصدقة؛ فهل يجوز أن يدفعها إِليهم؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة، ولم تحصل لهم كفايتهم من جهة غيره، فإنه يعطيهم من الزكاة، ولو كانوا في بلد بعيد، والله أعلم». وسئل شيخنا -رحمه الله- عن دليل الجواز فقال: «الدليل عدم ورود الدليل المانع من النقل» والله أعلم. إِذا استدان مالًا هل يُخرج زكاته؟ إِذا استدان رجل مالًا بلغ النصاب وحال عليه الحول؛ فالظاهر وجوب إِخراج الزكاة عنه، أمّا إِذا لم يَحُل عليه الحول؛ فلا زكاة عليه. وسئل شيخنا -رحمه الله- عن شخص استدان مبلغًا وحال عليه الحول؛ فهل يخرج زكاته؟ وهل يجب كذلك على صاحب المال؛ فيكون قد زُكّي مرتين! -------------------- = ابن ماجه«(١٤٦٧)، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»تخريج أحاديث مشكلة الفقر" (ص ٩٠). فأجاب: «هو كذلك، فإِنّ الواجب على المدين أن يقضي حاجته بهذا المال، فإِذا لم يستعمل المال لسبب أو آخر وبقي مكنوزًا عنده حولًا كاملًا؛ فإِنه يجب عليه وعلى صاحب المال إِخراج الزكاة. أمّا الدائن، فالأمر واضح وجليّ، وأما المدين؛ فلأنه كنزَ هذا المال حولًا كاملًا، ومِن حِكمة الله سبحانه في ذلك، ألا يتورّط المدين بكنز المال». هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يُغرمه ولاة الأمور في الطرقات وما في معناه؟ أجاب شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٣) فقال: «ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة؛ لا يعْتد له من الزكاة والله -تعالى- أعلم». من أعطى الزكاة لمن ظنّ أنّه مستحقّ فظهر أنه غير مستحقّ (١) قال في «المغني» (٢/ ٥٢٨) -بحذف-: «وإذا أعطى من يظنه فقيرًا فبان غنيًا، فعن أحمد فيه روايتان: إِحداهما: يجزئه. اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة. والرواية الثانية: لا يُجزئه؛ لأنه دفع الواجب إِلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عُهدته؛ كما لو دفَعها إِلى كافر أو ذي قرابة -كديون الآدميين- وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر، والشافعي؛ قولان --------------------- (١) هذا العنوان من»المغني" (٢/ ٥٢٨). كالروايتين«. فعن عُبيد الله بن عَديّ بن الخِيار، قال: أخبَرني رجلان أنهما أتيا النبي - ﷺ - وهو في حجة الوِداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جِلْدين (١)، فقال؛ إِنْ شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «قال رجل لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقة فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهمّ لك الحمد، لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقة فوضعها في يَدَي زانيةٍ. فأصبحوا يتحدّثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية، لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضَعها في يَدَي غنيٍ. فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على غني؛ فقال: اللهمّ لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غنيّ. فأُتي فقيل له: أمّا صدقتك على سارقٍ؛ فلعلَّه أن يستعفَّ عن سرقته، وأمّا الزانية فلعلها أن تستعفّ عن زناها، وأمّا الغني فلعلّه يعتبر، فيُنفق ممّا أعطاه الله» (٣). --------------------- (١) بسكون اللام أو كسرها أي: قويين. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٣٨)، والنسائي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «المشكاة» (١٨٣٢): إِسناده قوي، وتقدّم. (٣) أخرجه البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢. وبوّب له البخاري بقوله: «إِذا تصدّق على غني وهو لا يعلم». قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٩٠): «أي: فصدقته مقبولة». وعن معن بن يزيد -رضي الله عنه- قال: «بايعْتُ رسول الله - ﷺ - أنا وأبي وجدّي، وخطب عليّ (١) فأنكَحني وخاصمتُ إِليه، وكان أبي يزيد، أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد. فجئت فأخذتُها فأتيتُه بها فقال: والله ما إِياك أردت، فخاصمتُه إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن» (٢). وبوّب له البخاري بقوله: «إِذا تصدّق على ابنه وهو لا يشعر». وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا أخطأ المزكّي فأعطاها لغير أهلها، هل يجزئه ذلك وتسقط منه، وهل حديث: «لك ما نويت يا يزيد ...»، وكذلك «تُصدّق الليلة على سارق ...»، يفيد ذلك؟ فأجاب -رحمه الله-: هكذا الظاهر، وفي مرّة أخرى قال: إِذا كان لا يعلم يسقط عنه. ما هو الأفضل: إِظهار الصدقة أم إِخفاؤها (٣)؟ يجوز للمتصدّق أن يُظهر صدقته؛ سواء أكانت صدقة فرض أو نافلة؛ دون ------------------------- (١) قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٩٢): «أي: طلب لي النكاح فأجيب، يُقال: خطب المرأة إِلى وليّها: إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان: إِذا أرادها لغيره». (٢) أخرجه البخاري: ١٤٢٢. (٣) عن «فقه السنة» (١/ ٤١١) بزيادة. أن يرائي بصدقته، وإخفاؤها أفضل. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تبدوا الصدقات فنعمّا (١) هي وإِن تُخفوها وتُؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله-:»فيه دلالة على أنّ إِسرار الصدقة أفضل من إِظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء؛ إِلا أنه يترتب على الإِظهار مصلحة راجحةٌ من اقتداء الناس، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال الله تعالى: ﴿الذين يُنفِقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية﴾ (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: عن النبي - ﷺ - قال: «سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: إِمام عَدْل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذاتَ منصب وجمال، فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٤). وعن أنس: «أُنزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا ممّا ------------------------- (١) نِعْم: فعل مُتَصرّف لإِنشاء المدح وأُلحقت به هنا»ما"، كما هو معروف عند أهل اللغة. قال ابن كثير -رحمه الله-: إِن أظهرتموها فنِعْم شيء هي. (٢) البقرة: ٢٧١. (٣) البقرة: ٢٧٤. (٤) أخرجه البخاري: ١٤٢٣، ومسلم: ١٠٣١، وتقدّم. تُحبّون﴾ (١)، قال: ﴿من ذا الذي يُقرِض الله قرْضًا حسَنًا﴾ (٢). قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي في كذا وكذا، هو لله ولو استطعت أن أُسِرَّه لم أُعلِنه، فقال: «اجعله في فقراء أهلك أدنى أهل بيتك» (٣). الدعاء للمزكي قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إِنّ صلاتك سكن (٤) لهم﴾ (٥). قال ابن كثير في «تفسيره»: ﴿وصلِّ عليهم﴾ أي: ادعْ لهم واستغفِر لهم. وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: كان النبي - ﷺ - إِذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهمّ صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهمّ صلِّ على آل أبي أوفى«(٦). ------------------------ (١) آل عمران: ٩٢. (٢) البقرة: ٢٤٥. (٣) أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، وأصله في»الصحيحين«، وانظر»صحيح ابن خزيمة«(٢٤٥٨). (٤) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: رحمةً لهم وقال قتادة: وقارٌ»تفسير ابن كثير"، وتقدّم. (٥) التوبة: ١٠٣. (٦) أخرجه البخاري: ١٤٩٧، ومسلم: ١٠٧٨. الصدقة باليمين (١) لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدّم: «سبعةٌ يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: ...». وفيه: «ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». التحذير من المنّ بالعطيّة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي يُنفِق ماله رئاء الناس﴾ (٢). عن أبي ذرّ عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يُكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا من هم يا رسول الله! قال: المسبل، والمنّان، والمنفق سلعته بالحَلفِ الكاذب» (٣). فضل صدقة الشحيح الصحيح (٤) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ -------------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«. (٢) البقرة: ٢٦٤. (٣) أخرجه مسلم: ١٠٦. (٤) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الزكاة)»١١ - باب ... ". قال: أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح (١) تخشى الفقر وتأمل الغِنى، ولا تمهل حتى إِذا بلَغَت الحُلقوم (٢) قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (٣). النهي عن تحقير ما قلّ من الصدقات عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - يقول: يا نساء المسلمات (٥) لا تحقرنّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِن (٦) شاة» (٧). --------------------- (١) قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. «فتح». (٢) إِذا بلغت: أي: الروح، والمراد: قاربت بلوغه، إِذ لو بلغته حقيقة لم يصح شيء مِن تصرفاته. والحلقوم مجرى النفس قاله أبو عبيد«.»فتح«. (٣) أخرجه البخاري: ١٤١٩، ومسلم: ١٠٣٢. (٤) أخرجه البخاري: ١٤١٧، ومسلم: ١٠١٦. (٥) انظر شرحه -إِن شئت- في كتابي»شرح صحيح الأدب المفرد«(١/ ١٥٠) حديث (٩٠/ ١٢٢ و٩١/ ١٢٣). (٦) الفِرْسِن: عظم قليل اللحم، وهو خُفّ البعير، كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة، فيقال: فِرْسِن شاة، ونونه زائدة وقيل أصلية، والذي للشاة هو الظّلف، [والظلف: هو الظُّفر المشقوق].»الوسيط". قال الحافظ: وأشير بذلك إِلى المبالغة في إِهداء الشيء اليسير وقبوله، لا إِلى حقيقة الفِرْسِن، لأنه لم تجْر العادة بإِهدائه، أي: لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلالها، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسَّر؛ وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم ... (٧) أخرجه البخاري: ٦٠١٧، ومسلم: ١٠٣٠. قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٤/ ١١١): «(باب الأمر بإِعطاء السائل وإن قلّت العطية وصغُرت قيمتها، وكراهية ردّ السائل من غير إِعطاء إِذا لم يكن للمسؤول ما يجزل العطية). ثمّ ذكَر حديث أم بُجيد -وكانت ممّن بايع رسول الله - ﷺ -: أنها قالت له: يا رسول الله! صلى الله عليك، إِنّ المسكين ليقوم على بابي؛ فما أجد له شيئًا أعطيه إِياه؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -:»إِن لم تجدي له شيئًا تعطينه إِياه إِلا ظِلْفًا (١) مُحْرَقًا (٢)، فادفعيه إِليه في يده«(٣). الزجر عن عيب المتصدّق المُقلّ بالقليل من الصدقة (٤) قال الإِمام البخاري -رحمه الله- (باب اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة، والقليل من الصدقة) (٥). عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: لمّا نزلت آية الصدقة؛ كنّا ----------------------- (١) ظِلفًا: بالكسر: بمنزلة القدم من الإنسان، يعني: شيئًا يسيرًا. (٢) من الإِحراق، أراد المبالغة في ردّ السائل بأدنى ما تيسّر ...»عون المعبود«(٥/ ٥٨). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٦٦)، وابن خزيمة في»صحيحه«(٢٤٧٣). (٤) انظر -إِن شئت-»صحيح ابن خزيمة«(١/ ١٠٢). (٥)»صحيح البخاري«(كتاب الزكاة)»١٠ - باب اتقوا النار ... ". نحامِلُ (١)، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُرائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إِنّ الله لغني عن صاع هذا، فنزَلت: ﴿الذين يلْمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات والذين لا يَجدون إِلا جُهدهم﴾ (٢) الآية» (٣). الزجر عن رمي المتصدِّقين بالكثير من الصدقة بالرياء والسمعة (٤) للحديث السابق. هل يشتري صدقته؟ لا يجوز للمرء أن يشتري صدقته؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنَّ عمر بن الخطاب تصدّق بفرَسٍ في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يشتريه، ثمّ أتى النبي - ﷺ - فاستأمره فقال: لا تعُد في صدقتك. فبذلك كان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدّق به إلاَّ جعله صدقة» (٥). ويجوز له أن يشتري صدقة غيره؛ لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: ... أو رجل اشتراها ----------------------- (١) أي: نحمل الحمل بالأجرة. قاله الكرماني. (٢) التوبة: ٧٩. (٣) أخرجه البخاري: ١٤١٥. (٤) انظر -إِن شئت-»صحيح ابن خزيمة" (١/ ١٠٢). (٥) أخرجه البخاري: ١٤٨٩، ومسلم: ١٦٢١. بماله» (١). قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «ولا بأس أن يشتري صدقة غيره لأنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما نهى المتصدِّق خاصةً عن الشراء ولم ينه غيره». وانظر ما قاله شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنّة» (ص ٣٨٤). إِذا تحوّلت الصدقة (٢) يجوز الأكل من الصدّقة إِذا أُهديت من فقير أو قُدّمت في ضيافة ونحوها. عن أنس -رضي الله عنه- «أنَّ النبي - ﷺ - أُتي بلحمٍ تُصدّق به على بريرة فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هديّة» (٣). التصدّق بغير المال عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «على كلّ مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: يُعين ذا الحاجة الملهوف (٤)، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، وليُمسِك عن الشرّ، فإِنها له صدقة» (٥). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٨٧٠)، وتقدّم. (٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» -رحمه الله- (كتاب الزكاة) «٦٢ - باب ...». (٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٥. (٤) الملهوف: أي: المستغيث وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا أو عاجزًا. (٥) أخرجه البخاري: ١٤٤٥، ومسلم: ١٠٠٨. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#68 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 151الى صــ 165 الحلقة (68) وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «على كلِّ نفس في كلِّ يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه. قلت: يا رسول الله! من أين أتصدق وليس لنا أموال؟ قال: لأنّ من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس، والعظمةَ والحجَرَ، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمّ والأبكم حتى يفقه، وتدُلُّ المستدلّ على حاجة له قد علِمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إِلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف. كلّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر. قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال: أرأيت لو كان لك ولد؛ فأدرك ورجوت خيره فمات؛ أكنت تحتسبه؟ قلت: نعم. قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلَقه. قال: فأنت هديتَه؟ قال: بل الله هداه. قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه. قال: كذلك فضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، فإِنْ شاء الله أحياه، وإِنْ شاء أماته، ولك أجر» (١). والنّصوص في هذه المعاني كثيرة. ------------------------ (١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر «الصحيحة» (٥٧٥). التصدّق بالماء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء» (١). وعن أنس -رضي الله عنه-: «أنّ سعدًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنَّ أمّي توفِّيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: نعم، وعليك بالماء» (٢). وعن سعد بن عبادة -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله! إِنَّ أمّي ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفَر بئرًا وقال: هذه لأمّ سعد» (٣). وعن علي بن الحسن بن شقيق قال: «سمعتُ ابن المبارك -وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن! قرحة خرجَت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ - قال: اذهب فانظر موضعًا يحتاج الناس للماء؛ فاحفر هناك بئرًا؛ فإِنني أرجو أن ينبع هناك عين، ----------------------- (١) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٤٥). (٢) أخرجه الطبراني في»الأوسط«ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وصححه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٤٦). (٣) أخرجه أبو داود واللفظ له وابن ماجه وغيرهما، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٩٤٧). ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل، فبرئ». رواه البيهقي. وقال: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله -رحمه الله-: «فإِنه قرح وجهه، وعالجه بأنواع المعالجة، فلم يذهب، وبقي فيه قريبًا من سنة، فسأل الأستاذ الإِمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له، وأكثر الناس التأمين. فلمّا كان من الجمعة الأخرى؛ ألقت امرأة في المجلس رقعة بأنها عادت إِلى بيتها، واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله - ﷺ - كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله يوسع الماء على المسلمين. فجئت بالرقعة إِلى الحاكم، فأمر بسقايةٍ بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها، أمر بصب الماء فيها، وطرح الجمد في الماء، وأخذ الناس في الشرب، فما مرّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح وعاد وجهه إِلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين» (١). ما جاء في المنيحة (٢) عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربعون خصلة -أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخَصلة منها؛ ------------------------ (١) انظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٥٠). (٢) جاء في»النهاية«:»ومِنحة اللبن: أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثمّ يردّها". رجاء ثوابها وتصديق موعودها؛ إلاَّ أدخَله الله بها الجنة» (١). التصدُّق بالفرس لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- المتقدّم: «أنّ عمر بن الخطاب تصدّق بفَرسٍ في سبيل الله ...». التصدّق بالزّرع عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة، إِلا كان له به صدقة» (٢). اشتراط المتصدّق حبْس أصول الصدقة، والمنْع مِن بيع رقابها وهبتها وتوريثها (٣) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنَّ عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي - ﷺ - يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إِني أصبت أرضًا بخيبر؛ لم أُصِب مالًا قطُّ أنفس عندي منه؛ فما تأمر به؟ قال: إِن شئت حبسْتَ أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهَب ولا يورَث، وتصدّق بها في --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٦٣١. (٢) أخرجه البخاري: ٢٣٢٠، ومسلم: ١٥٥٢. (٣) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة" (٤/ ١١٧) بتصرُّف. الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضَّيف، ولا جناح على من وَلِيها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعِم غير متموّل. قال: فحدّثت به ابن سيرين فقال: غير متأثّل (١) مالًا» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إِنّ أبي مات، وترَك مالًا، ولم يوصِ، فهل يُكفِّرُ عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم» (٣). لا يقبل الله صدقة من غُلول (٤) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول» (٥). استسلاف الإِمام المال لأهل الصدقات وردُّه ذلك من الصدقة بعد الاستسلاف (٦) عن أبي رافع «أنَّ رسول الله - ﷺ - استسلف من رجل بَكْرًا (٧)، فقَدِمَت عليه ------------------------- (١) أي: غير جامع. يُقال: مالٌ مؤثَّل، ومجْدٌ مؤثَّل، أي: مجموعٌ ذو أصل، وأثْلةُ الشيء: أصْله.»النهاية«. (٢) أخرجه البخاري: ٢٧٣٧. (٣) أخرجه مسلم: ١٦٣٠. (٤) الغُلول: هو الخيانة في المغنم، والسَّرقة من الغنيمة قبل القسمة، يُقال: غلَّ في المغنم يغلُ غلولًا فهو غالٌّ، وكلُّ من خان في شيء خُفية فقد غلّ.»النهاية«. (٥) أخرجه مسلم: ٢٢٤، وتقدّم. (٦) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة" (٤/ ٥٠) بتصرف. (٧) البَكْر: من الإِبل هو الصغير؛ كالغلام من الآدميين. إِبل من إِبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرة. فرجع إِليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلاَّ خِيارًا (١) رَباعيًا (٢)، فقال: أعطه إياه، إِنَّ خِيار الناس أحسنهم قضاء» (٣). الرخصة في إِعطاء الإِمام من الصدقة من يذكر حاجة وفاقة؛ لا يعلم الإِمام منه خلافه من غير مسألة عن حاله؛ أهو فقير محتاج أم لا (٤)؟ قال ابن خزيمة -رحمه الله-: «خبر سلمة بن صخر (٥) في ذِكْره للنبي - ﷺ - أنهم يأتوا (٦) وحشًا ليس لهم عشاء، وبعثة النّبيّ - ﷺ - إِياه إِلى صاحب صدقة بني زريق ليقبض صدقتهم، وليس في الخبر أنّ النّبيّ - ﷺ - سأل غيره، وفي الخبر أيضًا دلالة على إِباحة دفع صدقة قبيلة إِلى واحد؛ لا أنه يجب على الإِمام تفرقة صدقة كلّ امرئ» (٧). وصدقة كلّ يومٍ على جميع الأصناف الموجودة من أهل سهمان الصدقة، إِذ ------------------------ (١) أي: مختارًا. «مجمع بحار الأنوار». (٢) يقال للذكر من الإِبل إِذا طلعت رَباعيته رَباع، والأنثى رَباعِيَة: -بالتخفيف- وذلك إذا دخلا في السنة السابعة. «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ١٦٠٠. (٤) هذا العنوان من «صحيح ابن خزيمة» (٤/ ٧٨). (٥) سيأتي الحديث -إِن شاء الله تعالى- في الباب الآتي. (٦) كذا الأًصل، ولعل الصواب باتوا وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- بلفظ: «لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء». (٧) انظر «صحيح ابن خزيمة» (٤/ ٧٩). النّبيّ - ﷺ - قد أمَر سلمة بن صخر بقبض صدقات بني زريف من مصدّقهم». الرخصة في إِعطاء الإِمام المظاهر (١) من الصدقة ما يُكفّر به عن ظهاره إِذا لم يكن واجدًا للكفارة (٢). عن سلمة بن صخر قال: «كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلمّا دخَل رمضان؛ تظاهَرْتُ من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا (٣) من أن أصيب في ليلتي شيئًا، فأتتابع في ذلك حتى يدركني النهار، وأنا لا أقدر على أن أنزع. فبينا هي تخدمني إِذ تكشّف لي منها شيء، فوثبْت عليها، فلمّا أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتُهم خبري وقلت لهم: انطلقوا معي إِلى النبي - ﷺ - فأُخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوّف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله - ﷺ - مقالةً يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجْتُ فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته خبري، فقال لي: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: نعم؛ ها أنا ذا؛ فأَمضِ فيّ حُكم الله -عز وجل- فإِني صابر له، قال: أعتِق رقبة، قال: فضربتُ صفحة رقبتي بيدي، وقلت: لا والذي بعثَك بالحقّ، ما أصبحت أملك غيرها. ------------------------ (١) أي: من يظاهر الزوجة، والظهار مشتقٌّ من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنتِ عليّ كظهر أمّي وسيأتي تفصيله -إِن شاء الله- في موضعه. (٢) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة" (٤/ ٧٣). (٣) الفرق: شدّة الخوف. قال: فصم شهرين، قال: قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إِلا في الصيام؟ قال: فتصدَّق، قال: فقلت: والذي بعثَك بالحقّ؛ لقد بِتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء. قال: اذهب إِلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إِليك، فأطعِم عنك منها وَسْقًا (١) من تمر ستين مسكينًا، ثمّ استعن بسائره عليك وعلى عيالك. قال: فرجعْت إِلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله - ﷺ - السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، فدفعوها إِلي» (٢). إعطاء الإِمام دِيَة من لا يُعرف قاتِلُه من الصدقة (٣) عن سهل بن أبي حَثْمة «أنَّ نفرًا من قومه انطلقوا إِلى خيبر؛ فتفرّقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وُجِد فيهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا عَلِمنا قاتلًا. فانطلقوا إِلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله انطلقْنا إِلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال: الكُبْرَ الكُبْر (٤) فقال لهم: تأتون بالبيِّنة على مَن قتَله، قالوا: ما لنا --------------------------- (١) تقدّم أنّ الأصل في الوَسْق هو الحِمل، وأنّه ستّون صاعًا. (٢) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢٠٩١). (٣) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة" (٤/ ٧٧). (٤) الكُبْر: بضم الكاف مصدر أو جمع الأكبر أو مفرد بمعنى الأكبر يقال هو = بينة، قالوا: فيحلفون قالوا: لا نرضى بأيْمان اليهود، فكره رسول الله - ﷺ - أن يُبطِل (١) دمه فوداه (٢) مائة من إِبل الصدقة» (٣). صدقة الفطر (٤) صدقة الفطر: هي الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «فَرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ على العبد (٥) والحرِّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين. --------------------- = كُبرهم أي: أكبرهم، وفي بعضها الكبَر -بكسر الكاف وفتح الموحدة- أي كبر السن أي: قدم وا أكبركم سنًا في الكلام، وقصَّته أن أخا المقتول عبد الرحمن هو أحدثهم، وهو كان يتكلم، فقال - ﷺ -: يتكلم أكبركم، فتكلم ابنا عمه محيصة وحويصة مصغران بالمهملات وسكون التحتانية فيهما وقيل: بحركتها والتشديد. فإِن قلت: كان الكلام حقّه لأنه كان هو الوارث؛ لا هما، قلت: أُمِر أن يتكلم الأكبر ليفهم صورة القضية، ثمّ بعد ذلك يتكلم المُدّعى أو معناه؛ ليكن الكبير وكيلا له الكرماني (٢٤/ ٢٥). (١) أي: يهدر. (٢) أي: أعطى دِيَته. (٣) أخرجه البخاري: ٦٨٩٨ (٤) قال الحافظ (٣/ ٣٦٧):»أُضيفت الصدقة للفطر، لكونها تجب بالفطر من رمضان". (٥) انظر العنوان الآتي. وأَمَر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة» (١). صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة؛ إِلا صدقة الفطر». قال ابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٨٢): «باب الدليل على أنّ صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه، لا على المملوك؛ كما توهّم بعض الناس». وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. وهذا يفسّر الحديث السابق: «فرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحُرِّ ...». حكمتها: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طُهْرةً (٢) للصائم، من اللغو (٣) والرَّفَث (٤)، وطُعْمةً للمساكين (٥)، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٥٠٣، ومسلم: ٩٨٤. (٢) أي: تطهيرًا لنفس الصائم. (٣) ما لا ينعقد عليه القلب من القول.»عون«(٥/ ٣). (٤) الرَّفَث هنا الفُحْش من الكلام.»النهاية«. (٥) طُعمةً للمساكين: هو الطعام الذي يؤكل، جاء في»العون«:»فيه دليل أنّ الفطرة؛ تُصرف في المساكين دون غيرهم مِن مصارف الزكاة". الصدقات» (١). على من تجب؟ تجب على المسلم الحُرّ المالك لمقدار نصف صاعٍ من بُرٍّ أو صاع من التمر ونحوه؛ يزيد عن قوته وقوت عياله يومًا وليلة، وتجب عليه عن نفسه، وعمّن يجب الإِنفاق عليهم؛ كالزوجة والأبناء والخدم والمسلمين. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أمَر رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممّن تمونون (٢)» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس في العبد صدقة إِلا صدقةُ (٤) الفطر» (٥). جاء في «الروضة الندية» (١/ ٥١٩) -بتصرف-: «إِذا ملكَ زيادة على قوت يومه؛ أخرج الفطرة إِن بلغَ الزائد قدْرها، ويؤيّده تحريم السؤال على مَن ملك ما يغديه ويعشّيه ...» اهـ. وقد ورد في هذا عدد من النصوص منها: ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٢٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٨٠)، وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٨٤٣). (٢) مانه مونًا: احتمل مؤنته [أي: القوت]، وقام بكفايته، فهو مَمون. «الوسيط». (٣) أخرجه الدارقطني ومِن طريقه البيهقي وحسنّه شيخنا في «الإرواء» (٨٣٥). (٤) بالضمّ والفتح. (٥) أخرجه مسلم: ٩٨٢، وهو عند الشيخين بلفظ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»، وتقدّم. »من سأل وعنده ما يُغنيه، فإِنّما يستكثر من النّار، فقالوا: يا رسول الله وما يُغنيه؟ قال: قدْر ما يغدّيه ويعشّيه (١). قدْرها: وقدْرها صاع من التمر والشعير ونحو ذلك ... ممّا يعدّ قوتًا. والصاع: أربعة أمداد، والمدّ: حفنة الرجل باليدين، وسُمّي مدًّا؛ لأنَّ اليدين تُمدّان. عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «كنّا نُخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من زبيب» (٢). وأمّا من البُر؛ فنصف صاع، وهو قول أبي حنيفة، وقياس أحمد في بقيّة الكفّارات، وبه يقول شيخ الإِسلام (٣) وشيخنا -رحم الله الجميع-. عن عروة بن الزبير: «أنَّ أسماء بنت أبي بكر، كانت تُخرج على عهد رسول الله - ﷺ - عن أهلها -الحرّ منهم والمملوك- مُدّين من حنطة، أو صاعًا من تمر بالمدّ، أو بالصاع الذي يقتاتون به» (٤). -------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح الترغيب الترهيب» (٧٩٦). (٢) أخرجه البخاري: ١٥٠٦، ومسلم: ٩٨٥. (٣) انظر «الاختيارات» (ص ١٠٢). (٤) أخرجه الطحاوي واللفظ له، وابن أبي شيبة، وأحمد، وسنده صحيح على شرط الشيخين؛ كما في «تمام المِنّة» (ص ٣٨٧)؛ وراجِعه -إن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية والفقهية. قال شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنّة» (ص٣٨٧) -عقب أثر عروة ابن الزبير-: «فثبَت من ذلك أن الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في»الاختيارات«(ص ٦٠)، وإليه مال ابن القيم ... وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى». وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل نصف الصاع يجزئ إِذا أخرجه الغنيّ والفقير. فقال: «نعم». وسألته أيضًا: الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، فهل هذا خاص بالقمح؟ أم يمكن أن تقاس عليه أصناف أُخرى، قد تكون مِثله أو أعلى في السعر أو الجودة؟ فأجاب -رحمه الله-: هو كذلك. الزيادة عن المنصوص عليه تجوز الزيادة عن المنصوص عليه، لا خروجًا عن النص؛ ولكن تنفُّلًا وتطوُّعًا. جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٠): «سُئل -رحمه الله- عمّن عليه زكاة الفطر؛ ويعلم أنّها صاع ويزيد عليه، ويقول: هو نافلة، هل يكره؟ فأجاب: الحمد لله، نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء؛ كالشافعي وأحمد وغيرهما، وإنما تنقل كراهيته عن مالك. وأمّا النقص عن الواجب، فلا يجوز باتفاق العلماء». هل يجوز إِخراج القيمة؟ لا يجوز إِخراج القيمة في زكاة الفِطر؛ لورود النّص في الطّعام. قال ابن حزم -رحمه الله- في «المُحلّى» (٦/ ١٩٣) مسألة (٧٠٨): «... ولا تجزئ قيمة أصلًا». وقال النووي -رحمه الله-: «ولم يُجز عامّة الفقهاء إِخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة» (١). قلت: ولعلّ أصْل المبحث؛ فيما إِذا كانت صدقة الفطر؛ تجري مجرى صدقّة الأموال أو صدقة الأبدان؛ كالكفارات؟ والراجح أنها * تجري مجرى كفّارة اليمين، والظِّهار، والقتل، والجماع في رمضان، ومجرى كفّارة الحج، فإِنّ سببها هو البدن ليس هو المال، كما في السنن عن النّبيّ - ﷺ -: «أنّه فرَض صدقة الفطرطُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» (٢). ولهذا أوجَبَها الله طعامًا، كما أوجب الكفّارة طعامًا. وعلى هذا القول؛ فلا يجزئ إِطعامها إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهم الآخِذون لحاجة أنفسهم، فلا يعطى منها في المؤلفة، ولا الرقاب، ولا غير ----------------------- (١) «شرح النّووى» (٧/ ٦٠) وذكره الشيخ عبد العظيم -حفظه الله- في «الوجيز» (ص ٢٢٤). (٢) تقدّم تخريجه. ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل * (١). وقت إِخراجها عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أن النبي - ﷺ - أمرَ بزكاة الفطر (٢) قبل خروح الناس إِلى الصلاة» (٣). ولا بأس من تعجيلها للموكّل بتوزيعها قبل الفطر بيوم أو يومين. فعن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «فرَض النبي - ﷺ - صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى والحرّ والمملوك؛ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُرّ. فكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يعطي التمر، فأعْوز (٤) أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا، فكان ابن عمر يعطي على الصغير والكبير؛ حتى إِنْ كان يعطي عن بنيَّ. ------------------------ (١) ما بين نجمتين من»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ٧٣). (٢) قال الحافظ في»الفتح«(٣/ ٣٦٨):»واستُدِلّ به على أن وقت وجوبها غروب الشمس؛ ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًاّ للصوم، وإنما يتبيّن الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر. والأول قول الثوري وأحمد وإسحق والشافعي في الجديد، وإحدى الروايتين عن مالك. والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك. ويقوّيه قوله في حديث الباب: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إِلى الصلاة". (٣) أخرجه البخاري: ١٥٠٩، ومسلم: ٩٨٦. (٤) أي: احتاج. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#69 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 166الى صــ 180 الحلقة (69) وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعطَون قبل الفطر بيوم أو يومين«(١). قال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٣/ ٣٣٥):»وروى الجملة الأخيرة منه الدارقطني (٢٢٥) والبيهقي (٤/ ١٧٥) من طريق الضحاك بن عثمّان عن نافع به بلفظ ...: «أنّ رسول الله - ﷺ - أمَر بإِخراج زكاة الفطر؛ أن تُؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة، وأنّ عبد الله بن عمر؛ كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين». وروى مالك (١/ ٢٨٥/٥٥) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إِلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وهذا يُبيّن أنّ قوله في رواية البخاري: «للذين يقبلونها» ليس المراد به الفقراء، بل الجباة الذين ينصبهم الإِمام لجمع صدقة الفطر. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية ابن خزيمة؛ من طريق عبد الوارث عن أيوب: «قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إِذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين» انتهى. ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فمن فَعل عُدَّت زكاته صدقة من الصدقات كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المتقدّم: «فرَض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طُهرةً للصائم ... ومن أدّاها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات». ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ١٥١١. مصرفها: تُعطى صدقة الفطر للمساكين؛ كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المتقدّم: «... وطعمة للمساكين». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- كما في «الاختيارات» (ص ١٠٢): «ولا يجوز دفع زكاة الفطر إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهو من يأخذ لحاجته، لا في الرقاب والمؤلفة قلوبهم، وغير ذلك» (١). وقال شيخنا ردًّا على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- في قوله: «تُوزّع على الأصناف الثمانية المذكورة في آية ﴿إِنّما الصدقات للفقراء ...﴾». «ليس في السُّنّة العملية ما يشهد لهذا التوزيع، بل قوله - ﷺ - في حديث ابن عبّاس:»... وطُعمة للمساكين«؛ يفيد حصْرُها بالمساكين. والآية إِنّما هي في صدقات الأموال؛ لا صدقة الفطر؛ بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿ومنهم من يَلمِزك في الصدقات فإنْ أُعطوا منها رَضُوا﴾ (٢). وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وله في ذلك فتوى مفيدة (ج٢/ص٨١ - ٨٤) من»مجموع الفتاوى«، وبه قال الشوكاني في»السيل الجرّار«(٢/ ٨٦ - ٨٧)، ولذلك قال ابن القيم في»الزاد«:»وكان من هديه - ﷺ - تخصيص المساكين بهذه الصدقة ... «» (٣). ----------------------- (١) انظر «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٣)، وتقدّم غير بعيد. (٢) التوبة: ٥٨. (٣) «تمام المِنّة» (ص ٣٨٧). عدم جواز إِعطائها للذمّي لا يجوز إِعطاء صدقة الفطر للذمّي لقوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: «وطُعمةً للمساكين» فإِنّ الظاهر منه أنه أراد مساكين المسلمين؛ لا مساكين الأمم كلّها (١). وقال شيخنا في الردّ على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- حين استدلّ على جواز ذلك بالآية: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتِلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسِطوا إِليهم إِنّ الله يحبّ المقسطين﴾ (٢). لا يظهر في الآية دليل على الجواز؛ لأن الظاهر منها الإِحسان إليهم على وجه الصِّلة من الصدقات غير الواجبة، فقد روى أبو عبيد (رقم ١٩٩١) بسند صحيح عن ابن عبّاس قال: «كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدّقوا عليهم، ويريدونهم على الإِسلام، فنزلت: ﴿ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء وما تُنفِقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إِلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوفَّ إِليكم وأنتم لا تُظلَمون﴾ (٣)». فهذه الآية مثل التي قبلها. ثمّ روى بسند صحيح إِلى سعيد بن المسيّب: «أنَّ رسول الله - ﷺ - تصدّق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم». ------------------ (١) قاله شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنّة» (ص٣٨٩). (٢) الممتحنة: ٨. (٣) البقرة: ٢٧٢. وروى عن الحسن -وهو البصري- قال: «ليس لأهل الذمّة في شيء من الواجب حقّ، ولكن إِنْ شاء الرجل تصدَّق عليهم من غير ذلك». فهذا هو الذي ثبت في الشرع، وجرى عليه العمل من السلف، وأمّا إِعطاؤهم زكاة الفطر؛ فما علمنا أحدًا من الصحابة فعَل ذلك، وفَهْم ذلك من الآية فيه بُعْد، بل هو تحميل للآية ما لا تتحمّل. وما رواه أبو إِسحاق عن أبي ميسرة قال: «كانوا يجمعون إِليه صدقة الفطر؛ فيعطيها أو يعطي منها الرهبان». رواه أبو عبيد (٦١٣/ ١٩٩٦)، وابن زنجويه (١٢٧٦). فهو مع كونه مقطوعًا موقوفًا على أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- فلا يصحّ عنه؛ لأنّ أبا إِسحاق هو السبيعي مختلط مدلّس، وقد عنعنه«. في المال حقٌّ سوى الزكاة (١) عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»أطعِموا الجائع وعودوا المريض وفكُّوا العاني (٢) «(٣). -------------------- (١) أمّا حديث:»إِنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة«فضعيف أخرجه الترمذي والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث إِسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعّف ...». وانظر «تخريج أحاديث مشكلة الفقر» برقم (١٠٣). (٢) قال في «النهاية»: «العاني: الأسير، وكلّ من ذلّ واستكان وخضع فقد عنَا يعنو، وهو عانٍ، والمرأة عانية وجمعها: عوان». (٣) أخرجه البخاري: ٥٦٤٩. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «بينما نحن في سفرٍ مع النبي - ﷺ - إِذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعَل يصرف بصَره (١) يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: من كان معه فضْل ظهر (٢) فليَعُد به (٣) على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ مِن زاد؛ فليعُد به على من لا زاد له. قال: فذكَر مِن أصناف المال ما ذَكَر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحد منّا في فضل» (٤). وعن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما-: «أنَّ أصحاب الصفّة كانوا أُناسًا فقراء، وأنَّ النبي - ﷺ - قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإنْ أربع فخامس أو سادس، وأنَّ أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق النبي - ﷺ - بعشرة» (٥). وقد لا تكفي الزكاة المفروضة؛ لإِطعام الجائع، وفكّ الأسير، ومداواة المريض، ونحو ذلك؛ ممّا لا يُستغنى عنه من الحاجات؛ فيجب في الأموال حقٌّ آخر سوى الزكاة؛ لسدّ الحاجة والقيام بما يلزم. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «... في مالك حقّ سوى --------------------- (١) أي: متعرّضًا لشيء يدفع به حاجته.»شرح النووي". (٢) من كان معه فضل ظهر: أي: زيادة عن حاجته؛ ممّا يُركب على ظهره من الدوابّ. (٣) أي: فليُعطِه. (٤) أخرجه مسلم: ١٧٢٨. (٥) أخرجه البخاري: ٦٠٢، ومسلم: ٢٠٥٧. الزكاة» (١). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٩) -بتصرّف-: «وفرْض على الأغنياء من أهل كلّ بلد؛ أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك؛ إِنْ لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمِثل ذلك، وبمسكن يُكنّهم (٢) من المطر، والصيف والشمس وعيون المارة. برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السَّبيل﴾ (٣). وقال الله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحسانًا وبذي القُربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنْب وابن السبيل وما ملَكَت أيْمانكم﴾ (٤). فأوجب تعالى حقّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكَت اليمين مع حق ذي القربى. وافترض الإِحسان إِلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين والجار، وما ----------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد، وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الإِرواء" تحت الحديث (٨٧٣). (٢) أي: يحميهم ويردّ عنهم. (٣) الإِسراء: ٢٦. (٤) النساء: ٣٦. ملكت اليمين، والإِحسان يقتضي كل ما ذكَرنا، ومنْعه إِساءة بلا شكّ. وقال تعالى: ﴿ما سلككُم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلّين * ولم نك نُطعِم المسكين﴾ (١). فقَرن الله تعالى إِطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله - ﷺ - من طُرُق كثيرة في غاية الصحّة؛ أنه قال:»من لا يرحم الناس لا يرحَمْه الله«(٢). ومن كان على فضلةٍ، ورأى المسلم أخاه جائعًا عريان ضائعًا فلم يُغِثه؛ فما رحِمه بلا شكّ». ثمّ ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر المتقدّم في أصحاب الصّفّة: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ...». وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلِمه ولا يُسلمه» (٣). قال أبو محمّد: من تركه يجوع ويعرى -وهو قادر على إِطعامه وكسوته- فقد أسلَمه! ثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم: «من كان معه فضل ظهر فليعُد به على من لا ظهر له ...». --------------------- (١) المدثر: ٤٢ - ٤٤. (٢) أخرجه البخاري: ٢٤٤٢، ومسلم: ٢٣١٩. (٣) أخرجه البخاري: ٢٤٤٢، ومسلم: ٢٥٨٠. ثمّ قال: وهذا إِجماع الصحابة -رضي الله عنهم- يخبر بذلك أبو سعيد وبكلّ ما في هذا الخبر نقول. ثمّ ذكَر حديث أبي موسى المتقدّم: «أطعموا الجائع وفكُّوا العاني». وقال: والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثُر جدًّا. وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لأخذْت فضول أموال الأغنياء؛ فقسَمتها على فقراء المهاجرين. وهذا إِسناد في غاية الصحة والجلالة. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: «في مالكَ حقٌّ سوى الزكاة» (١). فهذا إِجماع مقطوع به من الصحابة -رضي الله عنهم- لا مُخالِف لهم منهم. وصحّ عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم، كلهم يقول: في المال حقٌّ سوى الزكاة. صدقة التطوّع يُستحبُّ الإِكثار من صدقة التطوّع، وفيها العديد من النصوص؛ من ذلك: ١ - قول الله تعالى: ﴿مَثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثَل ---------------------- (١) تقدّم غير بعيد. حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا مما تحبّون وما تُنفِقوا من شيء فإِنّ الله به عليم﴾ (٢). ٣ - وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إِلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط مُنفِقًا خَلَفًا (٣)، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكًا تَلَفًا (٤)». ٤ - وحديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: «سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: كلّ امرئ في ظلِّ صدقته؛ حتى يقضى بين الناس. قال يزيد: فكان أبو مَرثد لا يخطئه يوم إِلا تصدّق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة» (٥). أوْلى الناس بالصدقة أوْلى الناس بالصدقة أهل المتصدّق ثمّ قرابته. -------------------- (١) البقرة: ٢٦١. (٢) آل عمران: ٩٢. (٣) أي: عِوضًا. (٤) أخرجه البخاري«(١٤٤٢). قال الحافظ في»الفتح«(٣/ ٣٠٥):»التعبير بالعطيّة في هذا للمشاكلة؛ لأنّ التلف ليس بعطية«. (٥) أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وهو في»صحيح الترغيب والترهيب" (٨٦٢). عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فضَل شيء؛ فلأهلك، فإِنْ فضَل عن أهلك شيء؛ فلِذِي قرابتك، فإِنْ فضَل عن ذي قرابتك شيء؛ فهكذا وهكذا» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أمَر رسول الله - ﷺ - بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: تصدَّق به على نفسك، قال: عندي آخر قال: تصدَّق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبْصَر» (٢). وفي رواية: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقَبة، ودينار تصدّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك» (٣). وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ - عن الصدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرحِم الكاشح (٤)» (٥). ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٩٩٧. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحسنه شيخنا في «الإرواء» (٨٩٥). (٣) أخرجه مسلم: ٩٩٥. (٤) الكاشح: «بالشين المعجمة: هو الذي يُضمر عداوته في كشْحه -وهو خصره- يعني: أنّ أفضل الصدقة على ذي الرحِم المُضمِر العداوة في باطنه»، وتقدّم. (٥) أخرجه أحمد والطبراني، وإسناده حسن، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٨٨٠) و«الإِرواء» (٨٩٢)، وتقدّم. وعن خيثمة قال: «كنّا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إِذ جاءه قَهْرَمان (١) له، فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلِق فأعطهم. قال: قال رسول الله - ﷺ -: كفى بالمرء إِثمًا أنْ يحبس عمّن يملك قوته» (٢). التحذير من التصدّق بالحرام عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس! إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيبًا، وإِنّ الله أمَر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إِنِّي بما تعملون عليم﴾ (٣)، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ (٤). ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث (٥) أغبر (٦) يمدّ يديه إِلى السماء يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وَغُذِيَ بالحرام فأنّى ------------------------ (١) قَهْرَمان: هو الخازن القائم بحوائج الإِنسان، وهو بمعنى الوكيل.»شرح النووي«(٧/ ٨٢). (٢) أخرجه مسلم: ٩٩٦. (٣) المؤمنون: ٥١. (٤) البقرة: ١٧٢. (٥) أشعث: ثائر الشعر جعد الرأس.»فيض«ملتقطًا. (٦) الأغبر: أي: غيّر الغبار لونه لطول سفره؛ في طاعة، كحجٍّ وجهادٍ وزيارة رَحم وكثرة عبادة.»فيض". يستجاب لذلك؟» (١). وتقدّم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيِّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيب- فإِنّ الله يتقبلّها بيمينه، ثمّ يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه (٢)، حتى تكون مثلَ الجبل». هل تتصدّق المرأة من مال زوجها؟ للمرأة أن تتصدّق من بيت زوجها؛ إِن كان يرضى عن ذلك. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفسدةٍ؛ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازِن (٣) مثلُ ذلكَ، لا ينقُصُ بعضهم أجرَ بعض شيئًا» (٤). بيّن الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٣/ ٣٠٣): بأنّ هذا عن رضى الزوج بذلك في الغالب. ثمّ قال: ويدلّ على ذلك ما رواه المصنف [أي: الإِمام البخاري -رحمه الله-] من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: "إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٠١٥ (٢) تقدّم أن الفَلُوّ هو المُهر الصغير، وقيل: هو العظيم من أولاد ذات الحافر، وسمّي كذلك لأنه يُفلَى -أي: يُفطَم-. (٣) الخازن: خادم المالك في الخزن وإن لم يكن خادمه حقيقة. (٤) أخرجه البخاري: ١٤٢٥، ومسلم: ١٠٢٤. أمره، فلها نصف أجره» (١). وقال أيضًا -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٣٠١): «والأوْلى: أن يُحمل على ما إِذا أنفقت مِن الذي يخصّها به إِذا تصدقت بغير استئذانه، فإِنه يصدق كونه من كسبه، فيؤجَر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أَذِن لها بطريق الإِجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل. ولا بدّ من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإِلا فحيث كان من ماله بغير إِذنه لا إِجمالًا ولا تفصيلًا، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة». وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول عام حَجّة الوِداع:»لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إِلا بإِذن زوجها. قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا«(٢). قال الصنعاني -رحمه الله- في»سُبل السلام«(٤/ ٧٨): -بعد أن ذكر حديث عائشة رضي الله عنها-:»فيه دليل على جواز تصدُّق المرأة من بيت زوجها. والمراد إِنفاقها من الطعام الذي لها فيه تصرّف بصنعته للزوج ومن يتعلق به؛ بشرط أن يكون ذلك بغير إِضرار وأن لا يخلَّ بنفقتهم. قال ابن العربي -رحمه الله-: قد اختلف السلف في ذلك؛ فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم مَن ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٠٦٦. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٤٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٧٢١)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٩٣١). حمَله على ما إِذا أذن الزوج ولو بطريق الإِجمال- وهو اختيار البخاري. ويدلّ له ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلاَّ بإِذن زوجها» ... [وذكر الحديث المتقدّم]. إلاَّ أنه قد عارضه ما أخرجه البخاري (١) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره؛ فلها نصف أجره». ولعلّه يقال في الجمع بينهما؛ إِنّ إِنفاقها مع إِذنه تستحقّ به الأجر كاملًا، ومع عدم الإذن نصف الأجر، وإِنّ النهي عن إِنفاقها من غير إِذنه؛ إِذا عرَفت منه الفقر أو البخل فلا يحلّ لها الإِنفاق إلاَّ بإِذنه؛ بخلاف ما إِذا عرَفت منه خلاف ذلك؛ جاز لها الإنفاق عن غير إِذنه ولها نصف الأجر ...«. وانظر»الفتح«(٣/ ٣٠٣). وعن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت النبي - ﷺ - فقالت: يا نبيّ الله ليس لي شيء؛ إلاَّ ما أدخَل عليّ الزبير (٢) فهل عليّ جناح أنْ أرضَخَ ممّا يدخل عليَّ فقال: ارضخي (٣) ما استطعتِ، ولا تُوْعِي فيُوعيَ الله عليك (٤)» (٥). --------------------- (١) برقم: (٢٠٦٦). (٢) هو ابن العوّام وكان زوجها. (٣) معناه ممّا يرضى به الزبير؛ وتقديره: إِنّ لك في الرضخ مراتب مباحة، بعضها فوق بعض، وكلها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها. أو يكون معناه: ما استطعتِ ممّا هو ملَك لك. (٤) أي: «لا تجمعي وتشحّي بالنفقة، فيشحَّ عليك، وتُجازي بتضييِق رزقك». «النهاية». وانظر شرحه في كتابي «شرح صحيح الأدب المفرد». (٥) أخرجه البخاري: ٢٥٩٠، ومسلم: ١٠٢٩، واللفظ له. قال النووي -رحمه الله- (٧/ ١١٩): «هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها؛ بسبب نفقةٍ وغيرها، أو ممّا هو ملك الزبير ولا يَكره الصدقة منه، بل رضي بها على عادة غالب الناس». هل تتصدّق المرأة من مالها بدون إِذن زوجها؟ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يجوز لامرأةٍ عطيّة في مالها؛ إِلا بإِذن زوجها» (١). قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٢/ ٤٠٦): «وهذا الحديث ... يدلّ على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرّف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك مِن تمام القِوامة التي جعلها ربنا -تبارك وتعالى- له عليها. ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلمًا صادقًا- أن يستغل هذا الحُكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه. وما أشبه هذا الحقّ بحقّ وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تزوّج نفسها بدون إِذن وليّها، فإِذا أعضَلها رفَعت الأمر إِلى القاضي الشرعي ليُنصفها. وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها فمنَعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي يُنصفها أيضًا؛ فلا إشكال على الحكم نفسه، وإنما الإِشكال في سوء التصرف به، فتأمّل». --------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد، وانظر «الصحيحة» (٨٢٥). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#70 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 181الى صــ 195 الحلقة (70) الصدقة عن الميّت عن غير وصيّة مِن مال الميّت، وتكفير ذنوب الميّت بها (١) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إِنَّ أبي مات، وترَك مالًا، ولم يوص، فهل يُكفّر عنه إِن تصدّقتُ عنه؟ فقال: نعم» (٢). هل يتصدّق بكلّ ماله؟ قال الله تعالى: ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (٣)﴾ (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْد (٥)، فأرسَل إِلى نسائه فلم يجد عندهنّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ألا رجل يُضيِّفه الليلة يرحَمُه الله؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إِلى أهله فقال لامرأته: ضَيْفُ رسول الله - ﷺ - لا تدَّخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إِلا قوت الصبية. قال: فإِذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم، وتعالَيْ فأطفئي السراج، ونطوي --------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة«(٤/ ١٢٣). (٢) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه" (٢٤٩٨)، وقال شيخنا -رحمه الله- إسناده صحيح على شرط مسلم. (٣) الخصاصة: الفاقة. (٤) الحشر: ٩. (٥) أي: المشقة. بطوننا الليلة ففعَلت. ثمّ غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عجب الله عز وجلأو ضحك- من فلان وفلانة، فأنزل الله عز وجل: ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾» (١). وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «أمَرنا رسول الله - ﷺ - يومًا أن نتصدّق، فوافَق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إِنْ سبقته يومًا- فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أبقيتَ لأهلك؟ قلت: مِثله. قال: وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أبقيتَ لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابِقُك إِلى شيء أبدًا» (٢). فمن كان في قوةٍ منيعة من التوكلّ على الله بحيث لا يندم؛ فليفعل وليتصدّق بكلّ ماله. وسألت شيخنا -رحمه الله- عن حديث أبي بكر -رضي الله عنه- فقال: «هذه مسألة دقيقة؛ تُشبه الحالة الآتية: وهي أن يأمر الوالد ولده أن يُطلّق زوجه، فهل يفعل تأسّيًا بقصّة عمر مع ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٤٨٨٩، ومسلم: ٢٠٥٤. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٧٢)، وغيره، وانظر»المشكاة«(٦٠٢١)، و»مختصر البخاري" (١/ ٣٣٦). ولده -رضي الله عنهما-. فأقول: نعم؛ إِذا كان الوالد كعمر؛ يطلّق، وإلاَّ فلا، ومن كان كأبي بكر في قوّة الإِيمان، وكان كذلك أهله بقوة إِيمان أهل أبي بكر -رضي الله عنهم- جاز التصدّق بكل المال، فهل يمكن تحقُّقه؟ فهذا خاصٌ بالصدّيق -رضي الله عنه- فقط». وقال رسول الله - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: «إِنّك إِنْ تذَرَ ورثتك أغنياء؛ خيرٌ من أن تذَرهم عالةً؛ يتكفّفون الناس، وإِنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إِلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» (١). وقال الإِمام البخاري -رحمه الله- في «صحيحه» (٢): «لا صدقة إِلا عن ظهر غنى (٣)، ومن تَصدَّق وهو محتاج، أو أهله محتاج، أو عليه دين؛ فالدين أحقُّ أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رَدٌّ عليه، ليس له أن يُتلف أموال الناس، وقال النبي - ﷺ -: من أخَذ أموال الناس يريد إِتلافها أتلَفه الله (٤). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٧٤٢، ومسلم: ١٦٢٨. (٢) انظر (٢٤ - كتاب الزكاة- ١٨ - باب). (٣) لقوله - ﷺ -:»خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول«أخرجه البخاري: ١٤٢٦ من حديث أبي هريرة، وفي مسلم: (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام -رضي الله عنه-:»أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى ... وابدأ بمن تعول«. (٤) وصله البخاري -رحمه الله- برقم (٢٣٨٧) بلفظ:»مَن أخذ أموال الناس يريد أداءَها أدى الله عنه، ومن أخَذ يريد إِتلافها أتلَفه الله". إِلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفِعل أبي بكر -رضي الله عنه- حين تصدّق بماله (١). وكذلِك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي - ﷺ - عن إِضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب -رضي الله عنه-: «قلت: يا رسول الله، إِنّ من توبتي أن أنخلع من مالي (٢) صدقة إِلى الله ورسوله - ﷺ -. قال: أمسِك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإِنّي أُمسك سهمي الذي بخيبر» (٣). وقال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٤/ ٩٩): (باب صدقةالمُقلّ إِذا أبقى لنفسه قدْر حاجته). ثمّ ذكَر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: سبقَ درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عُرضه (٤) مائة ألف درهم، تصدَّق بها؛ ورجل ليس له إِلا درهمان فأخَذ أحدهما فتصدّق به» (٥). ------------------ (١) وهو الذي ذكرْته في هذا الباب. (٢) أي: أخرج من جميع مالي. «فتح». (٣) وقد وصله البخاري -رحمه الله- برقم (٤٤١٨)، وأخرجه مسلم: ٢٧٦٩. (٤) العُرض: الجانب والناصية من كل شيء. (٥) أخرجه النسائي وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٤٤٣) وابن حبان وغيرهم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في تخريج أحاديث مشكلة الفقر برقم (١١٩). الصدقة على الحيوان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «بينا رجل يمشي؛ فاشتدّ عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثمّ خرج فإِذا هو بكلب يلهث؛ يأكل الثرى (١) من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي. فملأ خفّه ثمّ أمسَكه بفيه ثمّ رَقِيَ (٢) فسقى الكلب، فشكر اللهُ له فغفَر له. قالوا: يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كلّ كبِد رطبةٍ أجر» (٣). وعنه أيضًا قال: «قال رسول الله - ﷺ -: بينما كلب يُطيف (٤) بركيّة (٥) كاد يقتله العطش، إِذ رأته بغيٌّ (٦) من بغايا بني إِسرائيل، فنزعت مُوقَها (٧) فسقته، فغُفِر لها به» (٨). -------------------- (١) أي: التراب النّديّ. (٢) أي: صعد. (٣) أخرجه البخاري: ٢٣٦٣، ومسلم: ٢٢٤٤. (٤) أي: يديم المرور حوله. (٥) قال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٥١٦): بركية: البئر مطوية أو غير مطوية، وغير المطوية يقال لها: جُبّ وقليب، ولا يقال لها بئر حتى تُطوى، وقيل: الركي البئر قبل أن تطوى فإِذا طويت فهي الطوى. (٦) هي: الزانية. (٧) هو الخفّ وقيل: ما يُلبس فوق الخُفّ. «فتح». (٨) أخرجه البخاري: ٣٤٦٧، ومسلم: ٢٢٤٥. وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «من رحم ولو ذبيحة عُصفور؛ رحمه الله يوم القيامة» (١). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة؛ إِلا كان له به صدقة» (٢). الصدقة الجارية عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا مات الإِنسان انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (٣). الصدقة في رمضان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان النبي - ﷺ - أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه --------------------- (١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«. وغيره، وانظر»الصحيحة" (٢٧). (٢) أخرجه البخاري: ٢٣٢٠، ومسلم: ١٥٥٢، وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ١٦٢١. القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المُرسَلة (١)» (٢). الصدقة في أيام العشر من ذي الحجّة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبُّ إِلى الله من هذه الأيام -يعني أيّام العشر- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله؛ فلم يرجِع من ذلك بشيء» (٣). ------------------- (١) أي: المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود؛ أسرع من الريح، وعبّر بالمُرسَلة؛ إِشارة إِلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده؛ كما تعمّ الريح المرسَلة جميع ما تهبّ عليه. «فتح» (١/ ٣١). (٢) أخرجه البخاري: ٣٥٥٤، ومسلم: ٢٣٠٨. (٣) أخرجه البخاري: ٩٦٩، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٣٠) وغيرهما، وتقدّم. كتاب الصيام الصيام الصيام: في اللغة: هو الكفّ والإِمساك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنّي نذَرْت للرحمن صومًا﴾ (١)، أي: صمتًا. وفي الشرع: الإِمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنيّة خالصة لله -عز وجل- في جميع النهار؛ لقوله تعالى: ﴿ثمَّ أتِمّوا الصيام إِلى الليل﴾ (٢). [البقرة: ١٨٧]. فضله: ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله -عز وجل- كلّ عمل ابن آدم له إلاَّ الصيام، هو لي (٣) وأنا أجزي به. فوالذي نفس محمّد بيده لَخُلْفَةُ (٤) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المِسك» (٥). ------------------------ (١) مريم: ٢٦. (٢) حلية الفقهاء: (ص ٩٩) بتصرف. (٣) فيه أقوال أرجحها: ... لأنّ الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظّ. وانظر «شرح النووي» (٨/ ٣١)، و«الفتح» (٤/ ١٠٧). (٤) لخُلفة: وفي رواية: لخُلوف هو بضم الخاء فيهما وهو تغير رائحة الفم. «شرح النووي» (٨/ ٣١). (٥) أخرجه مسلم: ١١٥١. وفي رواية: «.. إِنّ للصائم فرحتين إِذا أفطر فَرِح، وإذا لقي الله فَرِح» (١). وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يُكَفِّرها الصيام والصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٢). ٢ - وعنه أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصيام جُنَّة (٣)، فلا يرفُث (٤) ولا يجهل (٥)، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم -مرتين-. والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعَشْر أمثالها» (٦). ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١١٥١. (٢) أخرجه البخاري: ١٨٩٥، ومسلم: ١٤٤، (كتاب الفتن وأشراط الساعة) «باب في الفتنة التي تموج كموْج البحر» (٤/ ٢٢١٨) وهذا لفظه. (٣) جُنَّة: أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات، والجُنَّة الوقاية. «النهايهّ». وقال في «الفتح» (٤/ ١٠٤): والجُنّة -بضم الجيم- الوقاية والسَّتر، وقد تبيَّن بهذه الروايات متعلق هذا السَّتر وأنّه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البرّ. (٤) يرفث: -بالضم والكسر- الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذِكره مع النساء أو مطلقًا، ويُحتمل أن يكون لما هو أعمّ منها. (٥) قال الحافظ -رحمه الله-: «ولا يجهل: أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل؛ كالصّياح والسّفه ونحو ذلك. قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكِر، وإنّما المراد أنّ المنع من ذلك يتأكد بالصوم». (٦) أخرجه البخاري: ١٨٩٤، ومسلم: ١١٥١. ٣ - عن سهل بن سعد عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ في الجنّة بابًا يُقال له الرَّيَّان (١)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخُل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإِذا دخلوا أُغْلِق، فلم يدخل منه أحد» (٢). ٤ - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: «من صام يومًا في سبيل الله بَعّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (٣). ٥ - وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من صام يومًا في سبيل الله؛ جعَل الله بينه وبين النار خندقًا؛ كما بين السماء والأرض» (٤). ٦ - وعنه -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «عليك بالهجرة فإِنه لا مِثل لها، عليك بالصوم فإِنه لا مِثل له، عليك بالسجود فإِنك لا تسجد لله --------------------- (١) قال الحافظ -رحمه الله-:»الرّيان: وزن فَعْلان من الرَيّ: اسم عَلم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو ممّا وقَعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتَقّ من الرَيّ، وهو مناسبٌ لحال الصائمين ... قال القرطبي: اكتفى بذِكر الرَيّ عن الشّبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت [أي: الحافظ]: أو لكونه أشقّ على الصائم من الجوع«. اهـ. وقال الكرماني -رحمه الله-:»هذا الاسم في مقابل العطشان، فروعي المناسبة بين العمل وجزائه«. (٢) أخرجه البخاري: ١٨٩٦، ومسلم: ١١٥٢. (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٤٠، ومسلم: ١١٥٣. (٤) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٢٥)، وغيره، وخرّجه شيخنا - رحمه الله- في»الصحيحة" (٥٦٣). سجدة إِلا رفَعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة» (١). ٧ - عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربّ: منعتُه الطعام والشّهوة، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعْته النوم بالليل، فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان (٢)» (٣). منزلة الصّائم الصابر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «الطاعمُ ---------------------- (١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢١٠٠) وخرّجه شيخنا -رحمه الله تعالى- في»الصحيحة«(١٩٣٧). (٢) قال شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١/ ٤٨٣):»أي: يُشفّعهما الله فيه ويدخله الجنة، فال المناوي -رحمه الله-: «وهذا القول يحتمل أنه حقيقة؛ بأن يجد ثوابهما ويخلق الله فيه النطق ﴿والله على كل شيء قدير﴾، ويُحتمل أنه على ضربٍ من المجاز والتمثيل». قلت -أي: شيخنا رحمه الله-: والأول هو الصواب الذي ينبغي الجزم به هنا، وفي أمثاله من الأحاديث التي فيها تجسيد الأعمال ونحوها؛ كمثل تجسيد الكنز شجاعًا أقرع، ونحوه كثير، وتأويل مِثل هذه النصوص ليس من طريقة السلف -رضي الله عنهم- بل هو طريقة المعتزلة ومن سَلَك سبيلهم من الخلف، ودلك مما يُنافي أوّل شروط الإِيمان ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ فحذار أن تَحْذُو حذوهم، فتضلّ وتشقى، والعياذ بالله تعالى«. (٣) أخرجه أحمد والطبراني في»الكبير«وصححه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٦٩)، وانظر»تمام المِنّة" (ص ٣٩٤). الشّاكرُ؛ بمنزلةِ الصائم الصابر» (١). أقسامه: الصوم قسمان: فرض ونفل: أولًا: صوم الفرض، وهو ثلاثة أقسام: ١ - صوم رمضان. ٢ - صوم الكفّارات. ٣ - صوم النَّذر. ثانيًا: صوم التطوُّع. صوم رمضان حُكمه: يجب صيام رمضان إِذ هو رُكن من أركان الدين. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيَام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُني الإِسلام --------------------- (١) أخرجه الترمذي وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٢٧) وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (٦٥٥). (٢) البقرة: ١٨٣. على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان» (١). وعن طلحة بن عبيد الله «أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبِرني ماذا فرَض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إِلا أنْ تطوّع شيئًا. فقال: أخبرني ما فرَض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إِلا أن تطوّع شيئًا. فقال: أخبرني بما فرَض الله عليَّ من الزّكاة؟ فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام. قال: والذي أكرمك؛ لا أتطوَّع شيئًا، ولا أَنْقُصُ ممّا فرَض الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِن صدق -أو دخل الجنة إِن صدق-» (٢). فضل شهر رمضان ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صام رمضان إِيمانًا واحتسابًا (٣)، غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦. (٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١. (٣) أي: طلَبًا لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحَسَب، وإنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتَسبه؛ لأن له حينئذ؛ أن يعتد عمله، والحِسبة من الاحتساب. «النهاية». (٤) أخرجه البخاري: ١٩٠١، ومسلم: ٧٦٠. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#71 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 196الى صــ 210 الحلقة (71) ٢ - وعن عمرو بن مرَّة الجهَنيّ -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إِن شهدْتُ أن لا إِله إِلا الله، وأنّك رسول الله، وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدّيتُ الزكاة، وصمت رمضان، فممّن أنا؟ قال: من الصدِّيقين والشُّهداء» (١). ٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَقُ فيها أبواب الجحيم وتُغَلُّ (٢) فيه مردَةُ (٣) الشياطين (٤)، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم» (٥). ٤ - وعن عرفجة قال: عُدنا عتبة بن فرقد: فتذاكَرنا شهر رمضان، فقال: ما تذْكرون؟ قلنا: شهر رمضان. قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُفتَح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَق فيه أبواب النار، وتُغَلُّ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير (٦) ------------------- (١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«واللفظ لابن حبان، وصحّحه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٩). (٢) تُغَلّ: من الإِغلال، وهو وضْع الغُلّ أو الطوق في يده أو عُنقه. (٣) مرَدة: جمع المارد وهو العاتي الشديد، وانظر»النهاية«. (٤) قال في»المرقاة«(٤/ ٤٥١):»يُفهم من هذا الحديث أن المقيَّدين هم المَردة فقط«. (٥) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٩٩٢)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٥)، و»المشكاة«(١٩٦٢) و»تمام المنّة" (٣٩٥). (٦) أي: يا طالب. هَلُمَّ، ويا باغيَ الشّرّ أقْصِر (١) «(٢). قال ابن خزيمة -رحمه الله- في»صحيحه«(٣/ ١٨٨):»باب ذِكر البيان أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنَّما أراد بقوله: «وصُفِّدت الشياطين» مرَدة الجِنّ منهم؛ لا جميع الشياطين، إِذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذَكَر دعاء الملَك في رمضان إِلى الخيرات، والتقصير عن السيِّئات، مع الدليل على أنّ أبواب الجنان إِذا فُتحت لم يغلق منها باب، ولا يُفتَح باب من أبواب النيران إِذا أُغلقت في شهر رمضان. ثمّ روى إِسناده إِلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: إِذا كان أوَّل ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين مرَدة الجِنّ، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنان فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرِّ أقْصِر، ولله عُتَقاء من النار» (٣). ٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس والجُمُعة إِلى الجُمُعة ورمضان إِلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن، إِذا اجتُنبت الكبائر» (٤). ------------------- (١) أي: أمسِك. (٢) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٩٩٣)، وغيرهما. (٣) قال شيخنا -رحمه الله- (١٨٨٣): إِسناده حسن، للخلاف في أبي بكر بن عيَّاش من قِبَل حِفْظِه. (٤) أخرجه مسلم: ٢٣٣، ولشيخنا -رحمه الله- كلام طيِّب في هذا الحديث فانظره -إِن شئت- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢١٢) تحت رقم (٣٤٨)، وانظر للمزيد من الأحاديث «صحيح الترغيب والترهيب» (صيام رمضان احتسابًا ...). الترهيب مِن الفِطْر في رمضان عن أبي أُمامَة الباهليِّ -رضي الله عنه- قال: سمِعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعَيَّ (١) فأتيا بي جَبَلًا وعرًا، فقالا: اصعد. فقلت: إِني لا أُطِيقه. فقال: إِنّا سنسهِّلُه لك. فصعدت، حتى إِذا كنتُ في سواء الجبل إِذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار. ثمّ انطلق بي، فإِذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢)، مشقَّقة أشداقهم (٣)، تسيل أشداقهم دمًا، قال: قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحلَّة صومِهم (٤).» (٥) الحديث. بمَ يثبُت الشهر؟ يثبت شهر رمضان برؤية الهلال من واحد عَدْل، أو بإِكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا. -------------------- (١) ضبْعيّ: مثنى ضبْع -بسكون الباء- وسط العضد وقيل: هو ما تحت الإِبْط، وانظر «النهاية». (٢) العراقيب: مفردها العُرقوب: وهو الوَتَر خلفَ الكعبين بين مَفْصِل القدم والساق. وانظر «النهاية». (٣) الأشداق: جوانب الفم. (٤) أي: يفُطرون قبل وقت الإِفطار، والتاء في التحلَّة زائدة. (٥) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (٩٩١). عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «تراءى (١) الناس الهلال فأخبرْتُ النّبيّ - ﷺ - أنِّي رأيته، فصام وأمَر الناس بصيامه» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته (٣)، وأَفطِروا لرؤيته (٤) فإِن غُبّي (٥) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين» (٦). وقد ورد في بعض النصوص الأمر بصيام رمضان برؤية شاهدين؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «ألا إِني جالَسْت أصحاب رسول الله - ﷺ - وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أنّ رسول الله - ﷺ - قال:»صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا (٧) لها، فإِنْ غمّ عليكم فأكمِلوا ----------------- (١) تراءى: أي: تكلّفوا النظر إِليه هل يرونه أم لا، وانظر «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٢)، وغيره، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإرواء» (٩٠٨). (٣) أي: لرؤية البعض ولو واحد. (٤) أي: لرؤية البعض وأقلّهم اثنان. (٥) غُبِّي: من الغباوة وهو عدم الفِطنة، يقال: غبِي عليّ بالكسر: إِذا لم يعرفه، ومن التغبية، قاله الكرماني، وفي «النهاية»: غَبي [بالتخفيف: أي: خفي ورواه بعضهم غُبّي - بضمّ الغين وتشديد الباء المكسورة- لما لم يسمّ فاعله من الغباء: يشبه الغبَرة في السماء«. اهـ. وفي بعض الروايات في»الصحيحين«:»غُمّي«، وعند مسلم: (١٠٨١):»وأُغمي«. (٦) أخرجه البخاري: ١٩٠٩، ومسلم: ١٠٨١. (٧) قال السّندي -رحمه الله- في حاشيته على»النسائي«(٤/ ١٣٣):»المراد: الحج، أي: الأضحية". ثلاثين، فإِن شهد شاهدان فصوموا وأفطِروا«(١). وعن حسين بن الحارث الجدلي -من جديلة قيس-: أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عَهِدَ إِلينا رسول الله - ﷺ -، أن نَنْسُكَ للرؤية، فإِنْ لم نره، وشهد شاهدَا عَدْل نسَكْنا بشهادتهما. فسألت (٢) الحسين بن الحارث: مَن أمير مكّة؟ قال: لا أدري، ثمّ لقِيَني بعدُ فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب. ثمّ قال الأمير: إِنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله - ﷺ -، وأومأ بيده إِلى الرجل. قال الحسين: فقلت لشيخ إِلى جنبي: من هذا الذي أومأ إِليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدَق، كان أعلم بالله منه، فقال (٣): بذلك أَمَرَنا رسول الله - ﷺ -» (٤). وجاء في «تحفة الأحوذي» (٣/ ٣٧٣): «وقال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- بعد حديث كريب (٥):»والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصِّيَام، وبه يقول ابن المبارك ------------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي والسياق له، وغيرهما، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٠٩): «وهذا سند صحيح رجاله ثقات كلهم». (٢) السائل: هو أبو مالك الأشجعي الراوي عن حسين بن الحارث الجدلي. (٣) القائل: عبد الله بن عمر. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٠) وغيره. (٥) سيأتي بعد قليل إِن شاء الله -تعالى- وهو يفيد قبول شهادة رجل واحد في الصيام. والشافعي وأحمد. وقال إِسحاق: لا يصام إِلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإِفطار؛ أنّه لا يُقبل فيه إِلا شهادة رجلين. وأجاب من قال بقَبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عبّاس وحديث ابن عمر المذكورين؛ يدلاّن على قَبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح». فائدة: قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢): «فإِناّ نعلم بالإِضطرار من دين الإِسلام؛ أنَّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العِدَّة أو الإِيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب؛ أنَّه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النّبيّ - ﷺ - بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث: إِلا أنّ بعض المتأخّرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنّه إِذا غُمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقّ نفسه بالحساب، فإِن كان الحساب دلّ على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإنْ كان مقيَّدًا بالإِغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذّ، مسبوق بالإِجماع على خلافه، فأمَّا اتباع ذلك في الصَّحو، أو تعليق عموم الحكم العام به؛ فما قاله مسلم». إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة؟ اختلف العلماء على مذاهب؛ فيما إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، هل هذا خاصٌّ بأهل البلد الذين رأوه؟ أم هو عامّ لجميع البلاد؟ وقد ذكَرها النووي -رحمه الله- في «المجموع» (٦/ ٢٧٣) والحافظ في «الفتح» (٤/ ١٢٣) وغيرهما. وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب؛ ذكَرها صاحب»الفتح": أحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم. حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمّد وسالم وإِسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحْكِ سِواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية. وثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم؛ إِلا أن يثبت ذلك عند الإِمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم، لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد، إِذ حُكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون. وثالثها: أنَّها إِنْ تقاربت البلاد؛ كان الحُكم واحد، وإِنْ تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر. قاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعيد أوجه: أحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصحّحه النووي في «الرّوضة» و«شرح المهذَّب». وثانيها: مسافة القصر، قطع به البغوي وصحّحه الرافعي والنووي. ثالثها: باختلاف الأقاليم حكاه في «الفتح». رابعها: أنه يلزم أهل كلّ بلد؛ لا يتصور خفاؤه عنهم، بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي. خامسها: مِثل قول ابن الماجشون المتقدّم. سادسها: أَنّه لا يلزم إِذا اختلفت الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا؛ كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلًا، أو كان كل بلد في إِقليم، حكاه المهدي في البحر؛ عن الإِمام يحيى والهادوية. وحُجّة أهل هذه الأقوال؛ حديث كريب (١). ووجه الاحتجاج به أنَّ ابن عبّاس لم يعمل برؤية أهل الشام. وقال في آخر الحديث: «هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -»، فدل ذلك على أنَّه قد حفظ من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم- أنه لا يلزم أهل بلدٍ العمل برُؤية أهل بلد آخر«. وقد تقدّم قوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته وأفطرِوا لرؤيته«. فهذا خطاب لجميع الأمّة، فكما أنَّ رؤية الواحد كالرؤية لأهل البلد؛ كانت الرؤية في البلد؛ كالرؤية في كلّ البلاد. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ١٠٧): ------------------- (١) انظر ما فصّله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح" (٤/ ١٢٣). «... فالضابط أنَّ مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته«فمن بلغه أنه رؤي؛ ثبت في حقّه؛ من غير تحديدٍ بمسافة أصلًا ...». وقال -رحمه الله- (ص ١١١): «... ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إِقليم؛ فقوله مخالفٌ للعقل والشرع». وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وإذا رآه أهل بلدٍ؛ لزم سائر البلاد الموافقة، وجْهُهُ الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإِفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمّة، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤيةً لجميعهم». وقد استدلّ من رأى أنَّ لأهل كل بلد رؤيتهم، وأنّه لا يلزمهم رؤية غيرهم؛ بحديث كُريب "أنَّ أمّ الفضل بنت الحارث بعَثته إِلى معاوية بالشام. قال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها واسْتُهِلَّ (١) عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- ثمّ ذكَر الهلال فقال: رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. ------------------- (١) أي: ظهر عليّ هلال رمضان. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا؛ هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -. وشك يحيى بن يحيى في: نكتفي أو تكتفي» (١). جاء في «الشرح الكبير» لشمسِ الدين بن قدامة (٣/ ٨): «... فأما حديث كريب؛ فإِنما دل على أنّهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما محلّ الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث». وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وأمَّا استدلال من استدل بحديث كريب ... أنّه استهلَّ عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عبّاس فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه. ثمّ قال: هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ - ... فغير صحيح (٢)، لأنه لم يُصرّح ابن عبّاس بأنّ النّبيّ- صلى الله تعالى عليه وسلم- أمَرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عبّاس أنه أمرهم بإِكمال الثلاثين أو يروه، ظنًّا منه أنّ المراد بالرؤية رؤية أهل المحلّ. وهذا خطأ في الاستدلال؛ أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرّقوا في ذلك على ثمانية مذاهب. وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سمّاها»إِطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال". ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٠٨٧. (٢) أي: في الاستدلال به لا في الحُكم على صحّة الحديث. قال في «المسوى»: «لا خلاف في أنّ رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر. والأقوى عند الشافعي؛ يلزم حُكم البلد القريب دون البعيد، وعند أبي حنيفة يلزم مطلقًا». وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «واعلم أن الحجَّة إِنِّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس؛ لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إِليه بقوله هكذا أمَرنا رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلمهو قوله:»فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ما أخرَجه الشيخان وغيرهما بلفظ: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإِن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وهذا لا يختص بأهل ناحية؛ على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنّه إِذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزِمهم. ولو سلم توجُّه الإِشارة في كلام ابن عبّاس إِلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر؛ لكان عدم اللزوم مقيّدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع. وعدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛ عملٌ بالاجتهاد وليس بحُجّة ...«. وقال شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة«(ص ٣٩٨):»... إِنّ حديث ابن عبّاس ورَد فيمن صام على رؤية بلده، ثمّ بلَغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة؛ يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإِشكال. ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلَغه رؤية الهلال من أي بلد أو إِقليم؛ من غير تحديد مسافة أصلًا؛ كما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٧)، وهذا أمر متيسِّر اليوم كما هو معلوم، ولكنّه يتطلّب شيئًا من اهتمام الدول الإِسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إِن شاء الله -تبارك وتعالى-. وإلى أن تجتمع الدول الإِسلامية على ذلك؛ فإِنّي أرى على شَعْب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها -تقدّمت في صيامها أو تأخّرت- لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشَّعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية، منذ بضع سنين. والله المستعان«. انتهى. وعن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار، فصام يوم الاثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد. فقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل، ولا أهلُ مِصره، إِلا أن يعلموا أنَّ أهل مصر من أمصار المسلمين؟ قد صاموا يوم الأحد فيقضونه» (١). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٤٥)، وقال شيخنا -رحمه الله-: صحيح مقطوع. إِذا أُغْمِيَ هلال شوال وأصبح النَّاس صيامًا عن أبي عُمير بن أنس بن مالك قال: «حدَّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أُغْمِي علينا هلال شوّال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْب من آخر النَّهار، فشَهِدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنَّهم رأوا الهلال بالأمس. فأمَرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد» (١). هل يصوم أو يُفطر مَنْ رأى الهلال وحده؟ اختلف العلماء في هذا، فمنهم من رأى إِيجاب الصوم والفطر لمن انفرد برؤية الهلال؛ استنادًا إِلى الحديث المتقدّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». ومنهم من رأى أنه لا يصوم ولا يُفطر إلاَّ مع الناس؛ استنادًا لقوله - ﷺ -: «الصوم يومَ تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (٢). وعن مسروق قال: «دخلت على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقًا سويقًا، وأكثروا حلواه. قال: فقلت: إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس» (٣). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦٣٤). (٢) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٢٤). (٣) وحسنه شيخنا -رحمه الله- لغيره في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٢٤). قال شيخنا -رحمه الله- عقب حديث:»الصوم يوم تصومون ... «في»الصحيحة«(١/ ٤٤٣):»... قال الترمذي عقب الحديث: «وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إِنّما معنى هذا؛ الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس». وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧٢): «فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية. وذكَر معنى هذا ابن القيم -رحمه الله- في»تهذيب السنن«(٣/ ٢١٤)، وقال:»وقيل: فيه الردُّ على من يقول: إِنَّ مَنْ عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَنْ لم يعلم. وقيل: إِنَّ الشاهد الواحد إِذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنّه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس. وقال أبو الحسن السندي في «حاشيته على ابن ماجه» -بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: «والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة. وعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك». قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: «النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس». قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صوابًا من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة. ألا ترى أنّ الصحابة -رضي الله عنهم- كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟! فلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء. ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقًا في ذلك المجتمع؛ فرارًا ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه. فروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان -رضي الله عنه- صلّى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِرًا عليه: صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إِمارته ثمّ ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#72 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 211الى صــ 225 الحلقة (72) أتمَّها، ثمَّ تفرَّقت بكم الطرق، فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين. ثمّ إِنّ ابن مسعود صلّى أربعًا! فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعًا؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح. وروى أحمد (٥/ ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرّ -رضي الله عنهم أجمعين-. فليتأمّل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور؛ أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمّة المساجد، وخاصّة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحُجّة كونهم على خلاف مذهبهم! وبعض أولئك الذين يدّعون العلم بالفلك ممّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدّمًا أو متأخِّرًا على جماعة المسلمين؛ معتدًّا برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم ...» انتهى. وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٠٤): «فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية؛ باتفاق العلماء، إِلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرًاّ؟ على قولين للعلماء أصحّهما لا يفطر سرًّا، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما». وقال شيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله تعالى- في «تمام المِنّة» (ص ٣٩٩): «ومِن (مَنْ رأى الهلال وحده) وتحت هذا العنوان الجانبي قال:»واتفقَت أئمّة الفقه على أنّ مَن أبصَر هلال الصوم وحده أن يصوم». فأقول: هذا ليس على إِطلاقه، بل فيه تفصيل ذكَره شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتوى له، فقال (٢٥/ ١١٤): «إِذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إِلا مع النّاس؟ على ثلاثة أقوال؛ هي ثلاث روايات عن أحمد». ثمّ ذكَرها، والذي يهمّنا ذِكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله: «والثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النّبيّ - ﷺ -:»صومكم يوم تصومون، وفِطركم يوم تُفطرون، وأضحاكم يوم تُضْحون«. رواه الترمذي وقال: حسن غريب. قال: وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إِنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس». وهذا الحديث مخرج في «الصحيحة» (٢٢٤)، و«الإِرواء» (٩٠٥) من طرق عن أبي هريرة، فمن شاء رجَع إِليها. ثمّ قال ابن تيمية (١١٧) -رحمه الله تعالى-: «لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إِذا رآه صام، فإِنه ليس هناك غيره»«. انتهى. قلت: وهذا الذي ينبغي أن يصار إِليه، إِذ قوله - ﷺ -:»الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون ...". يُفهِم أنّ هذا جاء لإِلغاء الصوم أو الفطر الفردي، سواءٌ أصحّت الرُّؤية أم لم تصحّ، وإلا فلا قيمة للحديث ألبتة عياذًا بالله. والله أعلم. أركان الصوم ١ - النيّة: قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء (١)﴾ (٢). وعن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّما الأعمال بالنيات، وإنِّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (٣). ولا بُدّ من أن تكون النيّة قبل الفجر من كلّ ليلة؛ لحديث حفصة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يُجمع (٤) الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٥). جاء في «الروضة الندية» (١/ ٥٣٩): «وأمَّا أنَّه يجب تجديد النية لكلّ يوم؛ فلا يخفى أنَّ النيّة هي مجرّد القصد إِلى الشيء، أو الإِرادة له من دون اعتبار أمر آخر. ولا ريب أنّ من قام في وقت السحر، وتناوَل طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيّام الصوم؛ فقد حصَل له القصد المعتبر، لأنّ أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك» انتهى. ---------------------- (١) حُنفاء: أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام. «تفسير البغوى». (٢) البيِّنة: ٥. (٣) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧. (٤) الإِجماع: إِحكام النيّة والعزيمة؛ أجمعْتُ الرأي وأزْمعْته وعزمْت عليه؛ بمعنى«.»النهاية«. (٥) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«(١٩٣٣) ومن طريقه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢١٤٣)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٩١٤). أمّا صيام التطوّع؛ فالأمر فيه أوسع، فإِنّه يمكن لمن لم يبيّت النية من الليل أنْ ينوي ذلك في النهار. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - ذات يوم: «يا عائشة! هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: «فإِني صائم» (١). وبوّب له ابن خزيمة -رحمه الله- بقوله: «باب الدليل على أنّ النّبيّ - ﷺ - أراد بقوله:»لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل«الواجب من الصيام دون التطوّع منه». وذكَر حديث عائشة -رضي الله عنها- وهناك من ذهب من العلماء أنها تجزئ قبل الزوال وبعده، ومنهم من قال: قبل الزوال. قال النووي -رحمه الله- في تبويب «صحيح مسلم» (٢/ ٨٠٨) «باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال. وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك فقال:»قبل الزوال". ٢ - الإمساك عن المفطّرات؛ من طلوع الفجر إِلى غروب الشمس. قال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ (٢) وابتغوا ما كتب الله لكم (٣) وكلوا ------------------ (١) أخرجه مسلم: ١١٥٤. (٢) أي: جامعوهنّ. (٣) يعني من الولد. واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (١) من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام إِلى الليل﴾ «(٢). على من يجب؟ يجب صوم رمضان على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنّفاس (٣). ------------------ (١) وهو سواد الليل وبياض النهار كما في»صحيح البخاري«(١٩١٧)، و»مسلم«(١٠٩١)، من حديث سهل بن سعد قال:»أنزلت ﴿وكُلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ فكان رجالٌ إِذا أرادوا الصوم ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزَل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار«. عن البراء -رضي الله عنه-»لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله ﴿عَلِم الله أنَّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾«. أخرجه البخاري: ٤٥٠٨. وفي رواية له (١٩١٥):»كان أصحاب محمّد - ﷺ - إِذا كان الرجل صائمًا فحضَر الإِفطار فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِق فأطلُب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلمّا رأته قالت: خيبةً لك، فلمّا انتصف النهار غُشي عليه، فذكَر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية: ﴿أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إِلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾«. (٢) البقرة: ١٨٧. (٣)»فقه السنة" (١/ ٤٣٨) بحذف يسير. ودليل عدم وجوبه على المجنون وغير البالغ قوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (١). ودليل عدم وجوبه على غير الصحيح والمقيم قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدّة (٢) من أيّام أُخر (٣)﴾ (٤). صيام الصبي ومع ما تقدّم من القول بعدم وجوب الصوم على الصبي؛ إلاَّ أنه ينبغي على وليِّ أمْره؛ أن يوجّهه إِلى الصوم؛ ليعتاده وينشأ عليه منذ صِغَره. عن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: «أرسل النّبيّ - ﷺ - غداة عاشوراء إِلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتمّ بقيّة يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم. قالت: فكنّا نصومه بعدُ، ونصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهن (٥)، فإِذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك؛ حتى يكون عند ---------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٠٣) وغيره، وانظر»الإِرواء«(٢٩٧)، وتقدّم في»كتاب الزكاة«. (٢) أي: فعليه عِدّة، والعدد والعِدّة واحد. (٣) ﴿من أيّام أُخر﴾ أي: غير أيّام مرضه وسفره.»تفسير البغوي". (٤) البقرة: ١٨٤. (٥) أي: الصوف. الإِفطار» (١). وفي رواية: «ونصنع لهم اللعبة من العِهن، فنذهب به معنا، فإِذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتمُّوا صومهم» (٢). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٢٠٠): «والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحبّ جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري. وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إِذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحَدّه إِسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين ...». وقال -رحمه الله- (ص ٢٠١): «وفي الحديث حُجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدّم لأنّ من كان في مثل السن الذي ذُكر في هذا الحديث؛ فهو غير مكلّف، وإنما صنَع لهم ذلك للتمرين». من يُرخّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية * يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعًا من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال. --------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٦٠، ومسلم: ١١٣٦. (٢) أخرجه مسلم: ١١٣٦. هؤلاء جميعًا يُرخّص لهم في الفطر، إِذا كان الصيام يُجْهدهم، ويشقّ عليهم مشقّة شديدة في جميع فصول السنة.* (١) وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٥٢) (٢): وفي لفظ آخر عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أنه قال: «كنّا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ -، من شاء صام ومن شاء أفطر فَافْتَدَى بطعام مسكين، حتى أُنزلت هذه الآية: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصُمه﴾» (٣). والكبير العاجز عن الأداء والقضاء؛ يُكفِّر عن كل يوم بإِطعام مسكين؛ لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في «الصحيحين» وغيرهما قال: «لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه فِديةٌ طعامُ مسكين﴾ (٤) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسَخَتها (٥)» (٦). وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدّم وزاد: «ثمّ ------------------ (١) العنوان وما بين نجمتين من»فقة السنة«(١/ ٤٣٩). (٢) بزيادة اللفظ الثاني لسلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-. (٣) أخرجه مسلم: ١١٤٥. (٤) البقرة: ١٨٤. (٥) فنسختها: يعني أنهم كانوا مُخيّرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية، ثمّ نُسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله تعالى: ﴿فمن شَهد منكم الشهر فليصُمه﴾ قاله المعلِّق على»صحيح مسلم" -رحمه الله-. (٦) أخرجه البخاري: ٤٥٠٧، ومسلم: ١١٤٥. أنزَل الله: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصمه﴾ «(١). فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام». وعن عطاء أنه سمع ابن عبّاس يقرأ: «﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ قال ابن عبّاس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة؛ لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كلّ يوم مسكينًا» (٢). قال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٧): «ورواه النسائي (١/ ٣١٨ - ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه، ولفظه:»﴿يطيقونه﴾ يكلَّفونه، ﴿فديةٌ طعام مسكين فمن تطوّع خيرًا﴾ طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة ﴿فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ لا يرخّص في هذا؛ إِلا للذي لا يطيق الصيام، أو مريض لا يشفى. قلت: وإسناده صحيح ...«. وجاء في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ٢١٧):»وسُئل عن رجل كلَّما أراد أن يصوم أُغمِي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيّامًا لا يفيق، حتى يُتّهم أنّه جنون، ولم يتحقّق ذلك منه. فأجاب: الحمد لله، إِنْ كان الصوم يوجب له مِثل هذا المرض؛ فإِنه يُفطِر ويقضي، فإِنْ كان هذا يصيبه في أي وقتٍ صام؛ كان عاجزًا عن الصيام؛ فيُطعم عن كل يوم مسكينًا، والله أعلم«. --------------------- (١)»صحيح سنن أبي داود" (٤٧٩). (٢) أخرجه البخاري: ٤٥٠٥. والحُبلى والمرضع إِذا لم تطيقا الصوم أو خافتا على أنفسهما أو أولادهما أفطرتا وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما. عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»إِذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يُفطران، ويُطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا«(١). قال شيخنا في»الإِرواء«(٤/ ١٩):»وفي رواية له (٢) بالسند المذكور عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: «أنّه رأى أمّ ولد له حاملًا أو مرضعًا فقال: أنتِ بمنزلة الذي لا يطيق، عليكِ أن تطعمي مكان كلّ يوم مسكينًا، ولا قضاء عليك». زاد في رواية (٢٧٦١) عن سعيد به: «أنَّ هذا إِذا خافت على نفسها». ورواه الدارقطني (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: «أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء». وقال الدارقطني: «إِسناده صحيح». ثمّ روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس وابن عمر قال: «الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي». وقال: «وهذا صحيح». قلت -أي شيخنا رحمه الله-: ورواه ابن جرير من طريق علي بن ثابت ----------------------- (١) أخرجه الطبري، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٩): وإِسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) أي: للطبري -رحمه الله-. عن نافع عن ابن عمر مِثل قول ابن عبّاس في الحامل والمرضع، وسنده صحيح ولم يسُق لفظه. وقد رواه الدارقطني من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: «أن امرأته سألته وهي حُبْلى، فقال: أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكينًا، ولا تقضي»، وإسناده جيد. ومن طريق عبيد الله عن نافع قال: «كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملًا، فأصابها عطش في رمضان، فأمَرها ابن عمر أن تُفطر وتُطعم عن كلّ يوم مسكينًا»، وإِسناده صحيح. ومنها ما عند الدارقطني وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عبّاس قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ يقول: «هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيُفطر ويُطعم عن كلّ يوم مسكينًا؛ نصف صاع من حنطة». وأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: «إِذا عجَز الشيخ الكبير عن الصيام؛ أطعم عن كلّ يوم مُدًّا مُدًّا». وقال: «إِسناده صحيح». وعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الله وضع عن ---------------------- (١) جاء في»عون المعبود«(٧/ ٣٣):»قال في «المرقاة» هو من بني عبد الله بن كعب على ما جَزم به البخاري في ترجمته، وجرى عليه أبو داود فقال: رجل من بني عبد الله بن كعب، أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري؛ خلافًا لما وقع لابن عبد البر؛ لأنّ كعبًا له ابنان عبد الله جد أنس هذا، وقشير وهو أخو عبد الله ... وأما أنس بن مالك خادم النّبيّ - ﷺ - فهو أنصاري خزرجي. انتهى". المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى» (١). من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء * يباح الفِطْر للمريض الذي يُرجى برؤه والمسافر، ويجب عليهما القضاء. * (٢) قال الله تعالى: ﴿ومن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخر﴾ (٣). وفي حديث معاذ بن جبل الطويل -رضي الله عنه-: «... فإِنّ رسول الله - ﷺ -، كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ إِلى قوله: ﴿طعام مسكين﴾. فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يُفطر ويُطعم كلّ يوم مسكينًا أجزأه ذلك، وهذا حول، فأنزل الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن﴾ إِلى ﴿أيّام أُخر﴾ فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم» (٤). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٠٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢١٤٦)، والترمذي وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٢٠٢٥). (٢) العنوان وما بين نجمتين من «فقه السنة» (١/ ٤٤١). (٣) البقرة: ١٨٥. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٩)، وغيره، وانظر «الإرواء» (٤/ ٢٠)، وتقدّم. وعن أنس بن مالك أنه ضعُف عن الصوم عامًا، فصنع جفنة ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبَعهم» (١). * والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يُفطر، مِثل المريض، وكذلك من غلَبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزِمه الفطر، وإِنْ كان صحيحًا مقيمًا، وعليه القضاء. قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣). وإِذا صام المريض، وتحمَّل المشقَّة، صحّ صومه، إِلا أنه يُكره له ذلك؛ لإِعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. * (٤) وأمَّا الرُّخصة للمسافر؛ ففيها أحاديث عديدة؛ منها: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «غزونا مع رسول الله - ﷺ - لستَّ عشرة مضَت من رمضان، فمنّا من صام ومنّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٥). وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنّه قال للنّبيّ - ﷺ -: «أأصوم في السفر؟ ------------------------- (١) قال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٤/ ٢٢): وسنده صحيح .. وعلّق البخاري بنحوه. (٢) النساء: ٢٩. (٣) الحج: ٧٨. (٤) ما بين نجمتين عن»فقه السنة" (١/ ٥٥٤). (٥) أخرجه مسلم: ١١١٦. -وكان كثير الصيام- فقال: إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطرِ» (١). وفي رواية: «أنّه قال: يا رسول الله! أجد بي قوَّة على الصِّيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هي رخصة من الله، فمن أخَذ بها فحسَن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه» (٢). قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٣) (١/ ٣٧٧): بعد كلام طويل: «والحقّ أنّ الحديث يفيد التخيير لا التفضيل». أيّهما أفضل للمريض والمسافر؛ الفطر أم الصوم؟ إِذا لم يجد المسافر أو المريض مشقةً في الصوم، جاز له الصوم، وإن وجدا المشقّة فعليهما أن يُفطِرا. فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كنّا مع النّبيّ - ﷺ - في السفر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلًا في يوم حارّ أكثرُنا ظلًاّ صاحب الكساء (٤)، ومنّا من يتّقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُّوَّام (٥)، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوُا الرِّكاب (٦)، --------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٣٤. (٢) أخرجه مسلم: ١١٢١. (٣) انظره للمزيد من الفوائد الفقهية إِن شئت. (٤) في رواية البخاري -رحمه الله-: «... أكثرُنا ظلًاّ الذي يستظلّ بكسائه». (٥) أي: لضعفهم. (٦) الرّكاب: الإِبل التي يُسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحدة لها من لفظها. «مختار الصحاح». فقال رسول الله - ﷺ -: «ذهب المُفطرون اليوم بالأجر» (١). وعن قَزَعَة قال: «أتيت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- وهو مكثور عليه (٢)، فلما تفرّق الناس عنه، قلت: إِني لا أسألك عمَّا يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر، فقال: سافَرنا مع رسول الله - ﷺ - إِلى مكّة ونحن صيام. قال: فنزَلنا منزلًا، فقال رسول الله - ﷺ -:»إِنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم«. فكانت رخصة، فمنّا من صام ومنّا من أفطر. ثمّ نزلنا منزِلًا آخر، فقال:»إِنكم مُصَبِّحو عدوِّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا«. وكانت عَزْمَة (٣)، فأفطرنا ثمّ قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر» (٤). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إِلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاعَ الغميم، فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفَعه، حتى نظر الناس إِليه، ثمّ شرب. فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العُصاة، أولئك العصاة» (٥). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، ومسلم: ١١١٩، واللفظ له. (٢) قال في «النهاية»: «يقال: رجل مكثور عليه، إذا كثُرت عليه الحقوق والمطالبات، أراد أنّه كان عنده جمع من الناس؛ يسألونه عن أشياء، فكأنهم كان لهم عليه حقوقٌ، فهم يطلبونها». (٣) العَزْمة: ضدّ الرخصة. (٤) أخرجه مسلم: ١١٢٠. (٥) أخرجه مسلم: ١١١٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|