![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#277 | |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 131 الى صـــ 150 الحلقة (277) به، ويشبه أن يكونوا إنما عوملوا به وتعبدوا هذا النوع من التعبد؛ ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم والخوف والرجاء مروحتا العبودية فيستكملون بذلك صفة الإيمان، وبيّن أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك تمثل بالآية، وهذا الظاهر من أحوال العباد، ووراء ذلك علم الله فيهم، وهو الحكيم الذي لا يسأل عما يفعل. قَالَ أبو سليمان: فإذا طلبت لهذا الشأن نظيرًا من العلم يجمع لك هذين المعنيين، فاطلبه في باب أمر الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب في العمر مع التعالج بالطب، فإنك تجد الغيب عنهما علة موجبة، والظاهر البادي سببًا مخيلًا، وقد اصطلح الخاص والعام على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن، وهذا القدر منه يكفي الفهم الموفق (١). قَالَ الداودي: قد كتب الله أفعال العباد وما يصيرون إليه قبل خلقهم، فالعباد غير خارجين من العلم ولا ممنوعين من العمل. قلتُ: فلا يقال إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا فائدة إلى التكليف، فإن هذا أعظم شبهة للنافين للقدر، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقى معه إشكال، ووجه الانفصال أن الرب تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثاله، وغيب عنا المقادير؛ لقيام حجته وزجره ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته فسبيله التوقيف. فمن عدل عنه ضل وتاه؛ لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلا هو، فإذا دخلوا الجنة كشف لهم. ----------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٧٢٠ - ٧٢١. واختلف هل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد مثل: من اشتهر له لسان صدق؟ فقال قوم: نعم. محتجين بهذِه الآية الكريمة والحديث؛ لأن كل عمل أمارة على جزائه، وقال قوم: لا. والحق أنه يدرك ظنًّا لا جزمًا (١). ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغها في الناسخ كتبه مؤلفه. ٨٣ - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ ١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». [٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢ - مسلم: ١١٠ - فتح: ٣/ ٢٢٦] ١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضي الله عنه - فِي هَذَا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». [٣٤٦٣ - مسلم: ١١٣ - فتح: ٣/ ٢٢٦] ١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ». [٥٧٧٨ - مسلم: ١٠٩ - فتح: ٣/ ٢٢٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ المبايع تحتَ الشَجرةِ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَمَ». ثانيها: وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، ثنا جُنْدَبٌ فِي هذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ رسول الله - ﷺ -، قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ تعالى: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ». الشرح: حديث ثابت خرجه مسلم والأربعة (١) ويأتي في الأيمان والنذور (٢) والأدب (٣) (٤). وحديث جندب المعلق خرجه في أخبار بني إسرائيل فقال: حَدَّثَنَا محمد، ثنا حجاج بن منهال (٥)، وهو يضعف قول من قَالَ: إنه إذا قَالَ عن شيخه: وقال فلان. يكون أخذه عنه مذاكرة. وأخرجه من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي (٦). ومحمد -الراوي عن حجاج- هو الذهلي. قَالَ الجياني: ونسبه أبو علي بن السكن، عن الفربري فقال: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد، ثنا حجاج. وقال الدارقطني: قد أخرج البخاري عن محمد بن معمر، وهو مشهور بالرواية عن حجاج. ثم روى أبو علي من طريق محمد بن علي بن محرز، ثنا حجاج، فذكره (٧). -------------- (١) «صحيح مسلم» (١١٠) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (١٥٢٧) و(١٥٤٣) و(٢٦٣٦)، والنسائي ٧/ ٦، ١٩، وابن ماجه (٢٠٩٨). (٢) سياتى برقم (٦٦٥٢) باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام. (٣) في الأصل و(م): الكذب. تحريف. (٤) سيأتي برقم (٦١٠٥) باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. (٥) سيأتي برقم (٣٤٦٣) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٦) مسلم (١١٣/ ١٨١) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل النفس. (٧) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤١ - ١٠٤٢. وحديث أبي هريرة أخرجه (١) (٢). إذا تقرر ذلك على قوله: «فهو كما قَالَ» يريد إن أضمر الكفر بعد حنثه فلا يخرج من الإيمان بالحلف وقد قَالَ - ﷺ -: «من قَالَ: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» (٣). «وكاذبًا» منصوب على الحال. وقيل: معناه: كاذبًا حقًّا؛ لأنه يعتقد أنه لا حرمة لما حلف به، ثم لو اعتقدها ضاهى الكفار، ولا يظن بذكر الكذب الإباحة بها بالصدق؛ لنهيه - ﷺ - عن الحلف بغير الله مطلقًا. واختلف العلماء هل عليه كفارة؟ فقال الشافعي ومالك والجمهور: لا ينعقد يمينه وعليه الاستغفار، ولا كفارة عليه، وإن فعله (٤) عملًا بالحديث السالف: «فليقل: لا إله إلا الله» ولم يذكر كفارة، والأصل عدمها حَتَّى يثبت شرع فيها. وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة (٥) كالمظاهر بجامع أنه منكر من القول وزور. وقوله: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ ..» إلى آخره. يعني ذلك جزاؤه إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فقد قَالَ (الله) (٦) تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ------------- (١) في الأصل بياض بعد هذِه الكلمة بمقدار نصف سطر، وفي مقابله في الحاشية حاشية نصها: أخرجه البخاري. (٢) سيأتي برقم (٥٧٧٨) كتاب: الطب، باب: شرب السم والدواء به. (٣) سيأتي برقم (٤٨٦٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى (١٩)﴾. (٤) انظر: «الكافي» ص ١٩٤، «إحكام الأحكام» ص ٦٦٥، «روضة الطالبين» ١١/ ٦. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٣٩، «تحفة الفقهاء» ٢/ ٣٠٠. (٦) من (م). قَالَ ابن بطال: أجمع الفقهاء وأهل السنة أن من قتل نفسه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي في خاصة أنفسهما، والصواب: قول الجماعة؛ لأنه - ﷺ - بين الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا فيصلى على جميعهم: الأخيار والأشرار، إلا الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة (١). ولعل هذا هو الداعي للبخاري على التبويب هنا. نعم يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا عليه، وكذا كل كبيرة لا تخرج من الإيمان ردعًا لهم وزجرًا، فلم يصل الشارع على قاتل نفسه بمشاقص، والمقتول في الفئة الباغية يغسل ويصلى عليه خلافًا لأبي حنيفة (٢). وقال ابن عبد الحكم: الإمام إن شاء صلى على من رجمه في حد، فإنه - ﷺ - صلى على ماعز والغامدية (٣). وروي أنه لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه (٤). وقوله - ﷺ -: («بدرني عَبْدِي بنفسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ») وسائر الأحاديث محملها عند العلماء في وقت دون وقت إن أراد الله أن -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٩. (٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، «الاختيار» ١/ ١٢٩. (٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٩. (٤) رواه أبو داود (٣١٨٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من قتلته الحدود، والبيهقي ٤/ ١٩ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من قتلته الحدود، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ١٧ (٩٠٤) كلهم من حديث أبي برزة الأسلمي، وقال ابن الجوزي معلقًا عليه: والجواب أن هذا الحديث يرويه مجاهيل، ثم لو صح فصلاته على تلك المرأة كانت بعد ذلك؛ لأن أول مرجوم كان ماعزًا، ولهذا قالت له: تريد أن تردني كما رددت ماعزًا. وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح. ينفذ عليه وعيده؛ لأن الله تعالى في وعيده للمذنبين المؤمنين بالخيار عند أهل السنة، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة ويرفع عنه التخليد على ما في القرآن والحديث. قَالَ (الله تعالى) (١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقال - ﷺ -: «من قَالَ لا إله إلا الله حرمه الله على النار» (٢) أي: حرم خلوده فيها. ومعنى «بدرني بنفسه»: استعجل الموت ولم يكن ليؤخر عن وقته، لو لم يفعل ذلك بنفسه. ويجوز أن يكون معنى قوله: «حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» أن يدخلها من أول أو الجنة العالية، وكذا القول في خانق نفسه وطاعنها. وقد يحمل على المستحل إذ كان كافرًا، لكنها محرمة عليه وإن لم يقتل نفسه. واستدل بعض أصحابنا بحديث ثابت وأبي هريرة على المماثلة في القصاص بمثل ما قتل، وفيه نظر. والخُرَاج، بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء: ما يخرج في البدن من بثرة وغيرها (٣). وقال النووي: إنه قرحة وهي واحدة القروح. وهي: حبات تخرج في بدن الإنسان (٤). ----------- (١) من (م). (٢) رواه بنحوه البخاري (١٢٨) كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قومًا ..، ومسلم (٣٢) كتاب: الإيمان، باب: من مات على التوحيد دخل الجنة، من حديث أنس ابن مالك. (٣) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٩، و«المجمل» ١/ ٢٨٦، و«لسان العرب» ٢/ ١١٢٦. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٢٤. ٨٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٢٦٩] ١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [٤٦٧١ - فتح: ٣/ ٢٢٨] ذكر فيه حديث عمر في قصة عبد الله بن أبي بن سلول، وقد سلف في الباب، وقد اختلفت الروايات في قصته والله أعلم أي ذلك كان. قَالَ ابن التين: فإن كان هذا محفوظًا، فإنما ذكره عمر مخافة النسيان؛ لأنه بشر ينسى. وقوله: (فلم يمكث إلا يسيرًا حَتَّى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) قَالَ الداودي: إنما ذاك في قوم بأعيانهم يدل عليه قوله:؟ وممن حولكم من الأعراب؟ الآية [التوبة: ١٠١] فلم ينه عما لا يعلم، وكذلك إخباره لحذيفة بسبعة عشر من المنافقين ليسوا جميعهم، وقد كانوا يناكحون المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم حكم الإسلام؛ لاستتارهم بكفرهم، ولم ينه الناس عن الصلاة عليهم، إنما نهى عنه النبي - ﷺ - وحده، وكان عمر ينظر إلى حذيفة فإن شهد جنازة ممن يظن به شهده، وإلا لم يشهده، ولو كان أمرًا ظاهرًا لم يسره الشارع إلى حذيفة. وذكر عن الطبري أنه يجب ترك الصلاة على معلن الكفر وفسره بهذِه، قَالَ: وأما المقام على قبره فغير محرم بل جائز لوليه القيام عليه لإصلاحه ودفنه، وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم، وهذا خلاف ما قدمنا أن ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه، إلا أن يضيع فيواريه. وفي «النوادر» عن ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة على أحد من أهل القبلة إلا على ثمانية عثر رجلًا من المنافقين (١)، وقد سلف فقد قَالَ - ﷺ - لعلي: «اذهبْ فَوَارِه» يعني: أباك (٢). ------------- (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٦١٤. (٢) رواه أبو داود من حديث علي (٣٢١٤) كتاب: الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك، والنسائي ١/ ١١٠ كتاب: الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك، والشافعي في «مسنده» بترتيب السندي ١/ ٢٠٧ (٥٧٢) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الجنائز وأحكامها. وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ١/ ١١٣ (١٢٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٦/ ٣٩ - ٤٠ (٩٩٣٦) كتاب: أهل الكتاب، باب: غسل الكافر وتكفينه. وابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ (١١٨٣٩ - ١١٨٤٠) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا؟ وأحمد ١/ ٩٧، وأبو يعلى ١/ ٣٣٤ - ٣٣٦ (٤٢٣ - ٤٢٤)، والبيهقي ١/ ٣٠٤ كتاب: الطهارة، باب: الاغتسال للأعياد وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٢٠١). وروى سعيد بن جبير قَالَ: مات رجل يهودي له ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عباس فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح مادام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قرأ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١١٤] (١). وقال النخعي: توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهي نصرانية فاتبعها أصحاب رسول الله - ﷺ - تكرمة للحارث، ولم يصلوا عليها. ثم فرض على جميع الأمة أن لا يدعى لمشرك ولا يستغفر له إذا ماتوا على شركهم. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣] وقد بيّن الله تعالى عذر إبراهيم في استغفاره لأبيه. فقال: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فدعا له وهو يرجو إنابته ورجوعه إلى الإيمان، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. ففي هذا من الفقه، أنه جائز أن يدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية مادام حيًّا؛ لأنه - ﷺ - إذ شمته أحد المنافقين واليهود قَالَ: «يهديكُم الله ويُصْلِح بالكم» (٢) وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل الجنة. وفيه: تصحيح القول بدليل الخطاب لاستعمال النبي - ﷺ -، وذلك أن إخباره تعالى أنه لا يغفر له، ولو استغفر سبعين مرة، يحتمل أنه -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ - ٣٥ (١١٨٤٦)، (١١٨٤٨) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا؟ وابن المنذر ٥/ ٣٤٢. (٢) رواه الترمذي (٢٧٣٩) كتاب: الأدب، باب: ما جاء كيف تشميت العاطس، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٠٢ كلاهما من حديث أبي موسى، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». لو زاد عليها أنه يغفر له، لكن لما شهد الله تعالى أنه كافر بقوله ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٠] دلت هذِه الآية على تغليب أحد الاحتمالين، وهو أنه لا يغفر له لكفره، فلذلك أمسك - ﷺ - عن الدعاء له. وفي إقدام عمر على مراجعة رسول الله - ﷺ - في الصلاة عليه من الفقه أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي وإن كان مخالفًا لرأيه، وكان عليه فيه بعض الخفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه اجتهاده إليه، ولا يتوجه إليه سوء الظن، وأن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله، ألا ترى سكوته - ﷺ - عن عمر، وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله - ﷺ - أكبر الأسوة. ٨٥ - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ ١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -: مَا وَجَبَتْ؟ قَال: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ». [٢٦٤٢ - مسلم: ٩٤٩ - فتح: ٣/ ٢٢٨] ١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَي عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلَاثَةٌ». فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. [٢٦٤٣ - فتح: ٣/ ٢٢٩] ذكر فيه حديث أنس: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا .. الحديث. وحديث عمر: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَةُ اللهُ الجَنةَ». فَقُلْنَا: وَثَلَاثَة؟ قَالَ: «وَثَلَاَثةٌ». فقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. أما حديث أنس فأخرجه مسلم (١) أيضًا، وسيأتي في البخاري في الشهادات في باب: تعديل كم يجوز؟ (٢). وحديث عمر من أفراد ----------- (١) «صحيح مسلم» (٩٤٩) الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى. (٢) برقم (٢٦٤٢). البخاري وذكره مسندًا عن شيخه عفان بن مسلم، ووقع في البيهقي أنه رواه معلقًا عنه (١)، وأسنده الإسماعيلي أيضًا وأبو نعيم من طريق ابن أبي شيبة عنه، وأسنده البيهقي من حديث الصغاني عن عفان (٢)، ولأحمد: «فيشهد له أربعة أثبات من جيرانه الأدنين إلا قَالَ الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون» (٣). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله في حديث عمر: (فأثنى على صاحبها خيرًا) كذا هو في أصل الدمياطي: (خيرًا) في الموضعين، (ثم مُرَّ بثالثة فأثنى على صاحبها شرًّا)، بالألف في الثلاثة، وهو أصح إذا قرئ فأثنى بفتح الألف. وقال ابن التين: قوله: (خيرًا) صوابه: خيرٌ. قَالَ: وكذلك هو في بعض الروايات، وشرٌ مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًّا. قَالَ: وفي نصبه بعدٌ في اللسان. ثانيها: عارض بعضهم قوله: (فأثنى على صاحبها شرًّا). بالحديث الآخر: «أمسكوا عن ذي قبر». أي: من أهل الإيمان، وجوابه من أوجه: أحدها: على تقدير صحته ولا نعلمها، يحتمل أن يكون مجاهرًا. ثانيها: لم يقبر فيكون ذا قبر، ويرده قوله بعد هذا: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» وسيأتي قريبًا في البخاري (٤). ------------ (١) «السنن الكبرى» ٤/ ٧٥ كتاب: الجنائز، باب: الثناء على الميت وذكره بما كان فيه من الخير. (٢) المصدر السابق. (٣) «مسند أحمد» ٣/ ٢٤٢. من حديث أنس. (٤) برقم (١٣٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من سب الأموات. ثالثها: أنه كان في زمانه - ﷺ - وأصحابه؛ لأنه كان زمان ينطقهم الله فيه بالحكمة ويجريها على ألسنتهم، وأما الآن فلا، إلا أن يثني أهل العداله. وقيل: إن حديث أنس يجري مجرى الغيبة في الأحياء، وإن كان الرجل أغلب أحواله الخير وقد يكون منه الغلبة، فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه، فكذلك الميت، إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شرٍّ ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهي عنه من سب الأموات، ويؤيد ذلك إجماع أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجروحين. وقيل: إن حديث: «لا تسبوا الأموات» عام وحديث: «أمسكوا عن ذي قبر» يحتمل أن يكون أباح ذكر الميت بما فيه من غالب الشر عند موته خاصة؛ ليتعظ بذلك فُسَّاق الأحياء، فإذا صار في قبره أمسك عنه، لإفضائه إلى ما قدم، فإن اعترض على التجريح بأن الضرورة دعت إلى ذلك حياطة لحديثه، فيقال له: هو مثل الذي غلب عليه الفسق، فوجب ذكر فسقه تحذيرًا من حاله، وهو من هذا الباب ومثله مما لا اعتراض له فيه ذكره - ﷺ - للذي لم يعمل حسنة قط وهو مؤمن فبذلك غفر له، فذكره بقبيح عمله إذ كان الغالب على عمله الشر، لكنه انتفع بخشية الله تعالى. وهل يشترط أن يكون ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيه احتمالان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا (١). ------------- (١) «المفهم» ٢/ ٦٠٨. ثالثها: قَالَ الداودي: معنى هذا الحديث عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخلون في معنى هذا الحديث، والمراد -والله أعلم-: إذا كان المثني بالشر ممن ليس له بعدو؛ لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو، فإذا مات عدوه ذكر عند ذلك الرجل الصالح شرًّا، فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا وإن كان عدلًا للعداوة؛ والبشر غير معصومين. رابعها: حديث أنس لم يشترط في الذين أثنوا عددًا من الناس لا يجزئ أقل منهم، بخلاف حديث عمر، وأحال في ذلك - ﷺ - ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء الخير والشر، وأنه المحكوم له به في الآخرة، وقد جاء بيان هذا في حديث آخر: «إن الله -عز وجل- إِذَا أَحَبَّ عبْدًا أمر الملائكةَ أن تُناديَ في السماء: ألا أنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فأحبوه. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُجعلُ لَهُ القَبُولُ فِي أهلِ الأَرْضِ، وإذا أبغض عبدًا كذلك» (١) فهذا معنى قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض»؛ لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] فإن قلت: فهذا المعنى مخالف لحديث عمر؛ لأنه شرط فيه أربعة شهداء أو ثلاثة أو اثنين بخلاف الأول. قيل: ليس كما توهمت، وإنما اختلف العددان؛ لاختلاف المعنيين وذلك أن الثناء قد يكون بالسماع --------------- (١) سيأتي برقم (٣٢٠٩) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. المتصل على الألسنة، فاستحب في ذلك التواتر والكثرة، والشهادة لا تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له، فناب في ذلك أربعة شهداء وذلك أعلى ما يكون من الشهادة؛ لأن الله تعالى جعل في الزنا أربعة شهداء، فإن قصروا ناب فيه ثلاثة (١)، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه شاهدان، وذلك أقل ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق رحمة من الله لعباده المؤمنين وتجاوزًا عنهم حين أجرى أمورهم في الآخرة على ما أجراه في الدنيا، وقبل شهادة رجلين من عباده المؤمنين بعضهم على بعض في أحكام الآخرة. وقال أبو سليمان: هذا من ظاهر العلم الذي تقدم أنه أمارة محيلة على الباطن. وقال البيهقي: فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه (٢). فائدة: الثناء: ممدود يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وقيل: يستعمل فيهما، وأما النَثَاْ بتقديم النون وبالقصر ففي الشر خاصة، وقد يستعمل في الخير أيضًا، واستعمل الثناء هنا بالمد في الشر، بناء على اللغة الشاذة أو للتجانس كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ------------- (١) ورد في هامش الأصل: وهو وجه عند الشافعي في الاعتبار أنه لا يقبل فيه إلا ثلاثة. قال به الفوراني. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٧٥ - ٧٦ تقال: الجنائز، باب: النهي عن سب الأموات والأمر بالكف عن مساوئهم إذا كان مستغنيًا عن ذكرها. ٨٦ - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وَقَوْلُهُ -عز وجل-: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] والهُون والهَوَانُ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] وَقَوْلُهُ ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] ١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾» [إبراهيم: ٢٧]. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. [٤٦٩٩ - مسلم: ٢٨٧١ - فتح: ٣/ ٢٣١] ١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ: «وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟». فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟! فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ». [٣٩٨٠ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾». [النمل: ٨٠] [٣٩٧٨، ٣٩٧٩، ٣٩٨١ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ [حَقٌّ]». [انظر: ١٠٤٩ - مسلم: ٥٨٦، ٩٠٣ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا». قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». [انظر: ١٣٣٨ - مسلم: ٢٨٧٠ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ذكر فيه ستة أحاديث: أحدها: حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ:»إِذَا أُقعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية«وقال شُعْبَةُ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. ثانيها: حديث ابن عمر: اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ .. الحديث. ثالثها: حديث عائشة: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:»إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لهم حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾. رابعها: حديثها أيضًا: أَنَّ يَهُودِيَّةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَألَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةَ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ». خامسها: حديث أسماء: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، .. الحديث. سادسها: حديث أنس: "إِنَّ العَبدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، .. الحديث بطوله. الشرح: هذِه الأحاديث سلفت أو أكثرها، والأخير سلف في باب الميت يسمع خفق النعال (١). و﴿غَمَرَاتِ المَوْتِ﴾ شدائده. ﴿وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالعذاب. و﴿الهُونِ﴾ الهوان، كما سلف. قَالَ ابن جريج: عذاب الهون في الآخرة. وقال غيره: لما بعثوا صاروا إلى النار، قالت الملائكة: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ﴾ قَالَ: الهوان. وقول الملائكة: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على معنى التوبيخ، أي: أنتم تفارقون أنفسكم، والهَوْن -بفتح الهاء- السكينة والوقار. وقوله: ﴿سَنُعَذبُهُم مَّرَتَيْنِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١] قيل: عذاب يوم بدر بالقتل، ثم في القبر، ثم يردون إلى عذاب جهنم، وقيل: بالسباء ثم بالقتل ثم بجهنم. وقال مجاهد: بالجوع والقتل ثم بجهنم (٢). وقيل: بالزكاة تؤخذ منهم كرهًا. ﴿وَحَاقَ﴾: نزل. وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قَالَ ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تعرض على النار مرتين، يقال لهم: هذِه داركم (٣). وعن أبي هريرة أنه كان إذا أصبح قَالَ: أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار. وكذلك إذا أمسى فلا يسمعه أحد إلا تعوذ بالله من ---------------- (١) برقم (١٣٣٨) كتاب: الجنائز. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٥٧ (١٧١٤٠). (٣) رواه البزار في «البحر الزخار» ٤/ ٢٨٤ (١٤٥٤)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» ١٢/ ١٩٦ - ١٩٧. ![]() |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#278 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 151 الى صـــ 170 الحلقة (278) النار (١). وقال مجاهد: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: من أيام الدنيا (٢). وقال الفراء: ليس في القيامة غدو ولا عشي، لكن مقدار ذلك (٣). ويرد عليه قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فدل على أن الأول بمنزلة عذاب القبر. وحديث البراء مفسر للآية، وقد اختلف في قوله: ﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] فقَالَ طاوس: قول: لا إله إلا الله (٤). وقال قتادة: يثيبهم بالخير والعمل الصالح (٥)، وقيل: الحياة حياتان: دنيا وهي التي نحن فيها؛ لأنها تقدمت ودنت، والثانية الآخرة؛ لأنها تأخرت. وحديث ابن عمر في أهل القليب قد يكون هو المحفوظ؛ لأنه لا يكلم من لا يسمع كلامه، وإذا أراد الله إسماع شيء أسمعه، ألا تراه أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأن النار اشتكت إلى ربها تعالى، ويكون معنى قوله: ﴿لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ الآية [النمل: ٨٠] مثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ويعني بالموتى وأهل القبور من سبق فرب علم الله أنه لا يسلم، ويكون قول عائشة إنما حملته على التأويل، وإن كانت ما قالته عائشة محفوظًا فإنما حمله ابن عمر على التأويل. ----------- (١) ذكره القرطبي في «تفسيره» ١٥/ ٣١٩. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٧ (٣٠٣٧٣). (٣) «معاني القرآن» ٣/ ٩. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ (٢٠٧٧٥). (٥) المصدر السابق برقم (٢٠٧٧٦). واحتج بعض الفقهاء بقوله - ﷺ -: «ما أنتم بأسمع منهم» فإن العموم لا يصح في الأفعال، وهو مذهب المحققين قالوا: لأنها قضية عين لا يجب أن يلحق بها غيرها، وكذلك قوله - ﷺ - للمرأة التي رفعت إليه صبيًّا، ثم قالت: ألهذا حج؟ قَالَ: «نعم، ولك أجر» (١) فظن بعض من لم يحقق الكلام أن غير هذِه الأشياء يحمل عليها. وحديث عائشة مع اليهودية فيه أن يتحدث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرسول - ﷺ -، وأن يوقف عن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هو أم كذب. وفيه: أن المؤمن يتذكر إذا سمع شيئًا، فرب كلمة ينتفع بها سامعها دون قائلها. وقوله: («ويضرب بمطارق من حديد ضربة») أي: من رجل حنق شديد الغضب، قَالَه الشيخ أبو الحسن. واحتجَّ لأهل السنَّةِ القائلين أنَّ الأرواحَ كلَّها باقيةٌ، أرواح السعداء منعمة، وأرواح الأشقياء معذبة بالآية السالفة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وبقوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] ولم يقل: إنهم يميتون أنفسهم، وقيل في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]: إنه قول الروح. وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ اختلف في النفس والروح، فقال القاضي أبو بكر وأصحابه: إنهما اسمان لشيء واحد. وقال ابن حبيب: ----------- (١) رواه مسلم من حديث ابن عباس برقم (١٣٣٦) كتاب: الحج، باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به، وأبو داود (١٧٣٦) كتاب: المناسك، باب: في الصبي يحج، والترمذي (٩٢٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في حج الصبي، والنسائي ٥/ ١٢٠ كتاب: مناسك الحج، باب: الحج بالصغير، وابن ماجه (٢٩١٠) كتاب: المناسك، باب: حج الصبي. الروح هو النفس البخاري يدخل ويخرج لا حياة للنفس إلا به، والنفس تألم وتلذ، والروح لا تألم ولا تلذ. وعن ابن القاسم، عن عبد الرحيم بن خالد: بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلًا. وعنه أيضًا: أن النفس هي التي لها جسد مجسد. قَالَ ابن حبيب: وهي في الجسد تحلق في جوف حلق تخرج من الجسد عند الوفاة، ويبقى الجسد حيًّا، ونحوه حكى ابن شعبان، عن ابن القاسم وزاد قَالَ: الروح كالماء الجاري. قَالَ أبو بكر بن مجاهد: أجمع أهل السنة على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها، ويسألون ويثبت الله من أحب تثبيته منهم. وقال أبو عثمان بن الحداد: وإنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وبمعارضة عائشة لابن عمر. قَالَ القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره: قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر قَالَ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقام الاتفاق على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا، وقد سلف ذلك، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار قبل يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب. قَالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فإذا جاز أن يكون المكلف بعد موته معروضًا على النار غدوًّا وعشيًّا، جاز أن يسمع الكلام، ويُمنع الجواب؛ لأن اللذة والعذاب (تجيء بالإحساس) (١)، فإذا كان ذلك وجب اعتقاد رد ----------- (١) خَلْط بالأصل والمثبت من «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٥٩. الحياة في تلك الأجسام، وسماعهم للكلام، والعقل لا يدفع هذا ولا يوجب حاجة إلى بلل ورطوبة، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط، فإذا صحَّ رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقصِ البنية وتقطيع الأوصال، صحَّ أن يوجد منهم سماع الكلام والعجز عن رد الجواب. وقد ذكر البخاري في غزوة بدر بعد قوله - ﷺ -: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قَالَ قتادة: أحياهم الله حَتَّى أسمعهم توبيخًا ونقمة وحسرة وندمًا (١). وعلى تأويل قتادة فقهاء الأمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوله عبد الله بن عمر، وهو راوي الحديث. قَالَ القاضي: وليس في قول عائشة ما يعارض رواية ابن عمر؛ لأنه يمكن أن يكون قد قَالَ في قتلى بدر القولين جميعًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما؛ لأن القولين غير متنافيين أي: ما دُعوا إليه حَتَّى لا يبقى رد الحياة إلى أجسامهم وسماعهم النداء بعد موتهم إذا عادوا أحياء. وقال الطبري في معنى قوله: «ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يجيبون»: اختلف السلف من العلماء في تأويله، فقال جماعة: يكثر تعدادها بعموم الحديث. وقالت: إن الميت يسمع كلام الأحياء، ولذلك قَالَ - ﷺ - لأهل القليب ما قَالَ. وقال: «ما أنتم بأسمع منهم». واحتجوا بأحاديث في معنى قوله - ﷺ - في الميت «إنه ليسمع قرع نعالهم» (٢) ثم روى أنهم يسمعون كلام الأحياء ويتكلمون عن أبي هريرة. ثم روى عن ابن وهب، عن العطاف بن خالد، عن خالته ---------- (١) برقم (٣٩٧٦) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل. (٢) سبق برقم (١٨٣٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، من حديث أنس. -وكانت من الغوابر- أنها كانت تأتي قبور الشهداء، قالت: صليت يومًا عند قبر حمزة بن عبد المطلب، فلما قمت قلتُ: السلام عليكم، فسمعت أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وما في الوادي داع ولا مجيب، فاقشعرت كل شعرة مني. وعن عامر بن سعد أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول لأصحابه: ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم؟ (١) وقال آخرون: معناه، ما أنتم بأعلم أنه حق منهم، ورووا ذلك عن النبي - ﷺ -، وذكروا قول عائشة حين أنكرت على ابن عمر وقالت: إنما قَالَ - ﷺ -: «إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق». قالوا: فخبر عائشة يبين ما قلنا من التأويل، إلا أنه أخبر أنهم يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم. قالوا: ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى لم يكن لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] معنى. وصوب الطبري تصحيح كل من الروايتين، والواجب الإيمان بها والإقرار بأن الله يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلام خلقه، ويفهم من يشاء منهم ما يشاء، وينعم من أحب منهم ويعذب في قبره الكافر، ومن استحق العذاب كيف أراد، على ما صحت به الروايات عن سيد البشر، وليس في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] حجة في دفع ما صحت به الآثار في قرع النعال وقصة القليب، إذ كان قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ ----------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٨ - ٢٩ (١١٧٨٧) كتاب: الجنائز، باب: التسليم على القبور إذا مر بها. محتملًا لأن يكون معناه، فإنك لا تسمع الموتى بقدرتك إذ خالق السمع غيرك، ونظيره ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] وذلك بالتوفيق، والهداية بيد الله، فنفى الرب عن نبيه القدرة أن يسمع الموتى إلا بمشيئته، كما في الهداية، وإنما أنت نذير مبلغ ما أرسلت به. ويحتمل أن يكون المراد: إنَّك لا تُسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لانقطاع أعمالهم وانتقلوا إلى دار الجزاء فلا ينفع الدعاء إذًا؛ لأن الله ختم عليهم أن لا يؤمنوا، وكذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ يريد: إنك لا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى، وفي صدر الآية ما يدل على هذا؛ لأنه تعالى قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ (١٩)﴾ [فاطر: ١٩]، يعني بالأعمى: الكافر، وبالبصير: المؤمن ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ [فاطر: ٢٠] يعني بالظلمات: الكفر، وبالنور: نور الإيمان ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾ [فاطر: ٢١] أي الجبة ﴿وَلَا الحَرُورُ﴾ أي النار. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ﴾: العقلاء ﴿وَلَا الأَمْوَاتُ﴾: الجهال ثم قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم موتى في القبور، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلًا للجهال شهداء بدر المؤمنين فيحتج بهم، أولئك أحياء كما نطق به التنزيل، ولا يعارض ما يثبت في عذاب القبر الآية السالفة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] لأن الله تعالى قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] ولما كانت حياتهم قبل محشرهم ليست رادة لهذِه الآية كانت حياة المقبورين في قبورهم من قبل محشر الناس ليست رادة لقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾. ومن أنكر حياة الشهداء قبل المحشر وادعى أن قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أنه في يوم القيامة، أبطل ما اقتضاه قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ لأن الشهداء وغيرهم من جميع البشر يتوافون يوم القيامة، ويستحيل فيمن وافاه غيره أن يقال في الذي وافاه إنه سيلحقه، أو يقال فيه بأنه خلفه، والأخبار إذًا في عذاب القبر صحيحة متواترة لا يصح عليها التواطؤ، وإن لم تصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. ٨٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبِرْ ١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رضي الله عنهم - قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا». وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٨٦٩ - فتح: ٣/ ٢٤١] ١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [٦٣٦٤ - فتح: ٣/ ٢٤١] ١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ». [مسلم: ٥٨٨ (١٣١) - فتح: ٣/ ٣٤١] ذكر فيه حديث يَحْييَ -هو ابن سعيد- ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا». وَقَالَ النَّضْرُ: أَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابنةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. وحديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ». الشرح: تقدمت هذِه الأحاديث في مواضعها، وتعليق النضر أتى به مسلم ليحيى بن سعيد (١)؛ لأن فيها كل واحد صرح بالسماع ممن فوقه وقد وصله الإسماعيلي، حدثنا مكي، ثنا زاج، ثنا النضر، ثنا شعبة وهو حديث فيه ثلاثة صحابيون يروي بعضهم عن بعض أولهم أبو جحيفة، وهذِه الأحاديث شاهدة للأحاديث التي في الباب السابق، أن عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السنة، ألا ترى أن الشارع استعاذ منه، وهو معصوم مطهر مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فينبغي لك يا من انتفت عصمته وطهارته أن تكثر منه تأسيًا بسيد السادات، وإنما استعاذ مع غفرانه تعليمًا لك وتنبيهًا على الاقتداء به، واتباع هديه ثم كل الخلق في مقام الافتقار والخشوع والانكسار، والإقرار بشكر النعم واجب، وخشية كل أحد على قدر مقامه «أفلا أكونُ عبدًا شَكُورا» (٢) وقد قَالَ تعالى له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على تقواه، فكان إذا قام في الصلاة يسمع لصدره أزيز. وفتنة المحيا: من خروجه، وفتنة الممات: فتنة القبر، وفتنة المسيح الدجال أي: الذي يخرج في آخر الزمان أعاذنا الله منه. ------------ (١) «صحيح مسلم» (٢٨٦٩) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه. (٢) سلف برقم (١١٣٠) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - الليل حتى ترم قدماه. ٨٨ - باب عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ ١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ -ثُمَّ قَالَ:- بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٤٢] ذكر فيه حديث ابن عباس: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ .. الحديث. وقد سلف قريبًا، ولم يذكر فيه الغيبة، إنما ذكر النميمة (١)؛ لأن من ينم عنه يغتابه، ويقال: إنهما أختان لا تفارق إحداهما الأخرى، وقد سلف ذلك أيضًا. ---------- (١) برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر. ٨٩ - باب المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ ١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ [فَمِنْ أَهْلِ النَّار]، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». [٣٢٤٠، ٦٥١٥ - مسلم: ٢٨٦٦ - فتح: ٣/ ٢٤٣] ذكر فيه حديث ابن عمر: أنَّ النَّبي - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». الشرح: العرض لا يكون إلا على حيِّ، وهو قال على إحيائه ومنه: «ليسمع قرع نعالهم» وفيه دلالة على بقاء الأرواح؛ لأنها التي يعرض عليها، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: كل غداة وكل عشية، وذلك لا يكون إلا بإحياء جزء منه، فإنا نشاهد الميت ميتًا بالغداة والعشي، وذلك يمنع إحياء جميعه، وإعادة جسمه، ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه، وتصح مخاطبته والعرض عليه، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: غداة واحدة يكون العرض فيها، ذكره ابن التين. وقوله: («مقعده») يحتمل أن يريد مقعده من الجنة، وقد سلف ذلك مفصلًا في حديث أنس، ويكون معنى: «حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ» أي: أنه مقعدك لا تصل إليه حَتَّى يبعثك الله. ونقل ابن بطال عن بعضهم أن معنى العرض هنا: الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى، وأريد بالتكرير بالغداة والعشي تذكارهم بذلك، ولسنا نشك أن الأجسام بعد الموت والمساءلة هي في الذهاب وأكل التراب والفناء، ولا يعرض شيءٌ على فانٍ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة، وذلك أن الأرواح لا تفنى وإنما هي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار (١). ونقل عن القاضي أبي الطيب اتفاق المسلمين أنه لا غدو ولا عشاء في الآخرة، وإنما هو في الدنيا، فهم معروضون بعد مماتهم على النار، وقيل: يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب، فمن عرض عليه النار غدوًّا وعشيًّا أحرى أن يسمع الكلام. قال ابن عبد البر: وقد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك؛ لأن الأحاديث في ذلك أثبت نقلًا قَالَ: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها؛ لأنها لا تفارق أفنية القبور، بل هي كما قَالَ مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت، وعن مجاهد: الأرواح على القبور سبعة أيام، من يوم دفن الميت لا تفارق (٢). وقال الداودي: ومما يدل على حياة الروح والنفس وأنهما لا يفنيان قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢] والإمساك لا يقع على الفاني (٣). -------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٦٥. (٢) «الاستذكار» ٨/ ٣٥٤ - ٣٥٥. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٦٥. وحكى القرطبي أن العرض مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله أن ينجيه من النار، وأما من أبعد الله عليه وعيده من المخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فله مقعدان يراهما جميعًا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا. قَالَ: وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة: كل من يدخلها كيف كان، ويجوز أن يكون ترد إليه الروح كما ترد عند المسألة، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم كأن روحه تنعم أو تعذب وحده لايحس بشيء من ذلك (١). وقوله: («حَتَّى يبعثك الله يوم القيامة») هو تأكيد أعني: يوم القيامة، وزاد ابن القاسم: «حَتَّى يبعثك الله إليه» وكذا رواه ابن بكير، قال أبو عمر: ويحتمل أن تكون الهاء في قوله: «إليه» راجعة إلى الله تعالى، فإن إليه المصير، وكونها عائدة إلى المقعد الذي تصير إليه أشبه (٢) بدلالة حديث أبي هريرة: «فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إلى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ في الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيها فَيُقَالُ لَهُ: هذا مَقْعَدُكَ» (٣). --------- (١) انظر: «المفهم» ٧/ ١٤٤ - ١٤٥. (٢) «الاستذكار» ٨/ ٣٤٨، ٣٤٩. (٣) رواه ابن ماجه (٤٢٦٨) كتاب: الزهد، باب: ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه». ٩٠ - باب كَلَامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ ١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٢٤٤] ذكر فيه حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ .. الحديث. وقد سلف في باب حمل الجنازة بفوائده (١). وقد جاءت آثار تدل على معرفته من يحمله ويدخله في قبره ومن يغسله، أخرجه الطبري من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وعن مجاهد: إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله وعند حمله وحتى يصل إلى قبره. وإنما ترجم البخاري بكلام الميت عليها، وذكر حديثًا يدل أن الجنازة: الميت؛ لأنه من أئمة اللغة العارفين بها، فإنها بالفتح: الميت، وبالكسر: السرير، فأراد الميت على السرير (٢). ------------- (١) برقم (١٣١٤). (٢) انظر:»الصحاح«٣/ ٨٧٠، و»لسان العرب" ٢/ ٦٩٩. ٩١ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ». ١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». [انظر: ١٢٤٨ - فتح: ٣/ ٢٤٤] ١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». [٣٢٥٥، ٦١٩٥ - فتح: ٣/ ٢٤٤] ثم ذكر حديث أنس: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». وحديث البراء: قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ له رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». الشرح: أما حديث أبي هريرة فقد سلف في أوائل الجنائز. لكن بلفظ آخر كما أوضحناه هناك في باب: من مات له ولد فاحتسبه (١)، وعَزَاهُ المزي في «أطرافه» إلى أنس بلفظ ليس هو هنا، ولا في ذاك الموضع، فليحمل على المعنى، وهذا لفظه: حديث: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد ..» (٢) الحديث. أخرجه البخاري في ------ (١) برقم (١٢٥١). (٢) «تحفة الأشراف» ١/ ٢٧٢ (١٠٠٥). الجنائز (١)، وحديث البراء أخرجه (٢). إذا عرفتَ ذلك فالكلامُ عليه من أوجه: أحدها: الثلاثة داخلة في حيز الكثرة، وقد يصاب المؤمن فيكون في إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة، ولا يصبر لتردادها عليه، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب صبره أولى بجزيل الثواب، والولد من أجَلِّ ما يسر به الإنسان، لقد يرضى أن يفديه بنفسه، هذا هو المعهود في الناس والبهائم، فلذلك قصد الشارع إلى إعلاء المصائب والحض على الصبر عليها، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا له جُنَّةً مِنَ النَّارِ» (٣) ومعنى الحسبة: الصبر لما ينزل به، والاستسلام لقضاء الله عليه، فإذا طابت نفسه على الرضا عن الله في فعله استكمل جزيل الأجر. وقد جاء أنه ليس شيء من الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله في جميع النوازل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] يريد: رضي أعمالهم، ورضوا عنه بما أجرى عليهم من قضائه وما أجزل لهم من عطائه. ثانيها: معنى: «لم يبلغوا الحنث»: لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام ------------ (١) سلف برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب. (٢) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر. (٣) رواه مالك في «موطئه» من حديث أبي النضر السَّلَميص ١٦٢ (٣٩) كتاب: الجنائز، باب: الحسبة بالمصيبة بالولد وغيره، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٨٥ (٢١٦٦). بالأعمال، والحنث: الذنب العظيم. ثالثها: حديث أنس دال قاطع أن أولاد المسلمين في الجنة لا بد، لا يجوز أن يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم، ويشهد لصحة هذا قوله في ابنه إبراهيم: «إن له مرضعًا في الجنة» وعلى هذا القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين في الجنة، إلا المجبرة فإنهم عندهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة، ذكر للتنبيه على وهمه وغلطه (١). رابعها: بوب البخاري على أولاد المسلمين، ولم يذكر حديثًا فيهم، وأجيب بأنه إذا رحم الآباء بهم فالأبناء أولى، وحديث إبراهيم يرده، وهو ظاهر في التبويب. خامسها: «إن له مرضعًا في الجنة» أي: من يتم رضاعه، يقال: امرأة موضع بغير هاء كحائض، وقد أرضعت فهي مرضعة، إذا بنيته من الفعل، وروي مَرضَعا -بفتح الميم -أي: رضاعا. ----------- (١) هذا القول فيه نظر فقد قال ابن عبد البر رحمه الله: وقد ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، «التمهيد» ١٨/ ١١١ - ١١٢. ٩٢ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ ١٣٨٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [٦٥٩٧ - مسلم: ٢٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٤٥] ١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [٦٥٩٨، ٦٦٠٠ - مسلم: ٢٦٥٩ - فتح: ٣/ ٢٤٥] ١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟». [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢٤٥] ذكر فيه حديث ابن عباس: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». وحديث أبي هريرة: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». وحديثه أيضًا: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، .. الحديث. الشرح: الحديث الأخير سلف قريبًا واضحًا. وقد اختلف العلماء في أولاد المشركين على أقوال: أحدها: أنهم من أهل الجنة (١)؛ لأنهم وُلدوا على الفطرة. قَالَ ---------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: كونهم في الجنة قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم. تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. ومعنى: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أي: قد علم أنهم لا يعملون شيئًا ولا يرجعون في وقت يعملون فيه، وهذا هو المختار (١). ثانيها: أنهم خدمة أهل الجنة (٢). ثالثها: أنهم من أهل النار؛ لحديث الذراري يصابون في شن الغارة: «هم من آبائهم» (٣). وجوابه أن ذلك في أمر الدنيا أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والإغارة لا قود فيهم ولا دية، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان في الحرب. --------------- (١) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: قولهم في الحديث قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم. (٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: وقد رأيت في «جامع سفيان الثوري» جمع الدولابي، قال الدولابي: حدثنا محمد بن خلف، ثنا قبيصة، عن سفيان، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: سئل النبي - ﷺ - عن ذراري المشركين، قال: «هم خدام أهل الجنة» وهو مذهب سفيان. [وقد بقي] على المصنف مع ما ذكره خمسة أقوال أخر، وهي: الإمساك في المسألة نفيًا وإثباتًا وجعل هذا بما استأثر الله بعلمه وهذا غير القول بأنهم مردودون إلى محض المشيئة غير الوقف في أمرهم لما يحكم لهم بجنة، ولا بنار. هذان قولان. الثالث: أنهم في منزلة بين الجنة والنار، فليس لهم إيمان يدخلون به الجنة، وليس لهم أعمال توجب دخولهم النار. الرابع: أن علمهم وعلم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا ينفردون عنهم بحكم في الدارين. والفرق بين هذا وبين الثالث في كلام المصنف أنهم في النار. أن صاحب هذا المذهب الرابع يجعلهم تبعًا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موتهم يحكم لأطفالهم بالنار وصاحب القول الثالث يقول: هم في النار سواء أسلم الأبوان أو لا. الخامس: أنهم يصيرون ترابًا حكاه أرباب المقالات عن علية بن أشرس. (٣) سيأتي برقم (٣٠١٢، ٣٠١٣) كتاب: الجهاد، باب: أهل الدار يبيتون، ورواه مسلم أيضًا برقم (١٧٤٥) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتل النساء …، من حديث الصعب بن جثامة. رابعها: إن الله يبعثهم ومن مات في الفترة، والصم والبكم والمجانين، وتؤجج لهم نار، ثم يُبعث إليهم رسول، يأمرهم باقتحامها فمن علم الله أنه لو وهبه عقلًا في الدنيا أطاعه، دخلها ولا تضره ويدخل الجنة، ومن علم أنه لو وهبه عقلًا لم يدخلها فيدخل النار. قَالَ ابن بطال: هو قول لا يصح؛ لأن الآثار الواردة بذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة (١). وقَالَ الداودي: وهذا لا يصح في العقل والاعتبار لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية. فجعلهم من أصحاب الجحيم، ولو كان لهم موضع يرجى لهم فيه، لم ينه عن الاستغفار لهم، وهذا الاستدلال غير صحيح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه إنما نُهي عن الاستغفار لعبد الله بن أُبي، ومن هو مثله، ولم ينه عن الاستغفار لولدانهم. خامسها: الوقف في أمرهم؛ لأنه - ﷺ - قَالَ: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ونقل ابن بطال عن أكثر العلماء أنهم في المشيئة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ اليَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٩] أنهم أطفال المؤمنين، وقيل: هم أصحاب الملائكة. وقد رتب بعض العلماء هذِه الأحاديث الأربعة بحيث لا يختلف منها حديث مع الآخر. فقال: أصلها حديث التأجيج. قَالَ: فمن دخل النار كان من خدمة أهل الجنة، وكان الله أعلم بما سيعمل لو أحياه حين يبلغ التكليف، وإن لم يدخلها كان في النار (٢)، وهو الحديث الآخر: «هم من آبائهم». -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٤. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#279 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 171 الى صـــ 190 الحلقة (279) فتتفق هذِه الأحاديث الأربعة (١). وقوله: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أخبر بعلم الشيء لو وجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ولم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة؛ لأن المرء لا يجازى بما لا يفعل، ولا خلاف أن من نوى شرب خمر ولم يفعل أنه لا يقام عليه بذلك حكم، فالصغير أبين؛ لأنه لم يكن منه فعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين، («الله أعلم بما يعملون لو عاشوا») (٢). وعن ابن القاسم في ولد المسلم يولد مخبولًا، أو يصيبه ذلك قبل بلوغه قَالَ: ما سمعت فيه شيئًا، غير أن الله تعالى قَالَ: (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم) (٣) الآية [الطور: ٢١] فأرجو أن يكونوا معهم. ------------ (١) قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار. وقد صحت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في امتحان أهل الفترة يوم القيامة. وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعًا، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه «طريق الهجرتين» تحت عنوان طبقات المكلفين. «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ٣/ ١٦٣ - ١٦٤. (٢) في الأصل: تقديم: (أعلم) على: (الله). (٣) هذِه قراءة أبي عمرو. وأما من أصيب بعد الحلم. قَالَ ابن التين: سمعت بعض أهل العلم والفضل أنه يطبع على عمله كمن مات، ومن كتاب آخر أن المجنون والمخبول والمعتوه يصلى عليهم (١). وقال ابن بطال: يحتمل قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وجوهًا من التأويل: أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة. ثانيها: أي: على أي دين كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، وأما إذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له. ثالثها: أنه مجمل يفسره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قَالَ: حكمهم حكم آبائهم، فهو مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢). -------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣. ٩٣ - باب ١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟». قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟». قُلْنَا: لَا. قَالَ: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ -قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ- يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ -أَوْ صَخْرَةٍ- فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَي هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَي ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ [قال يزيد ووهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِم: وَعَلَى شَطِّ النهر] رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَال: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَي يَوْمِ القِيَامَةِ. وَالذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى التِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ. قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٣/ ٢٥١] ذكر فيه حديث سمرة بن جندب قال: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْههِ فَقَالَ: «مَنْ رَأى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ ..» الحديث، وفيه: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ..» فقصَّها بطولها، ويأتي في التعبير آخر الكتاب (١)، وساقه عقب ما قيل في أولاد المشركين؛ لأنه ذكر في الرؤيا: وفي أصل الروضة شيخ وصبيان، وأما الشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والولدان حوله فأولاد الناس. وذكر في التعبير: «وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة». قَالَ بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قالَ: «وأولاد المشركين» وهذِه حجة قاطعة، وكذا رواية البخاري: «والصببان حوله أولاد الناس». لأن هذا اللفظ يقتضي عمومه لجميع -------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٤٧) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. الناس مؤمنهم وكافرهم، وقد أسلفنا أن هذا القول هو المختار. وقال ابن بطال: إنه أصح ما في الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار (١). والكلوب في الحديث -ويقال: الكلَّاب-: المنشال وهي: حديدة ينشل بها اللحم من القدر، قاله الجوهري (٢). وعبارة ابن بطال: هو خشبة في رأسها عقافة (٣). وقوله: («تدهدَهَ») أي: تدحرج. والفِهْر: الحجر ملء الكف. والصخرة: الحجر العظيمة. قال يعقوب، تسكن الخاء وتفتح. وقوله: («فَانْطَلَقْتُ إِلَي ثَقْبِ مِثْلِ التَّنُّورِ») هو بإسكان القاف، أي: فتح. وضبطه بعضهم هنا بفتحها، وأنكره بعض أهل اللغة. وقوله: («فإذا فترت ارْتَفَعُوا») كذا وقع في رواية الشيخ أبي الحسن: «فترت» ولأبي ذر «أفترت»، وصوابه كما قَالَ ابن التين: قترت -بالقاف- ومعناه: ارتفعت. أي: لهبت وارتفع فوارها؛ لأن القتر: الغبار. قَالَ الجوهري: قَتَر اللحم يقتِر -بالكسر- إذا ارتفع قُتاره، وقتِر بالكسر لغة فيه (٤)، وأما فترت -بالفاء- فما علمت له وجهًا؛ لأن بعده: «فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا» ومعنى خمدت وفترت -بالفاء- واحد. وأما «أفترت» فذكره الهروي وقال: هو مثل فترت. وقوله: («حَتَّى كاد يخرجوا») هو منصوب بتقدير أن، وقد روي بإثباتها. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣. (٢) «الصحاح» ١/ ٢١٤. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٤. (٤) «الصحاح» ٢/ ٧٨٥. وقوله: («وعلى وسط النهر») كذا في رواية، وفي أخرى، وهي ما في التعبير: «شط النهر» وهو: الوجه. وقوله: («وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ») يريد: الذين هم في علم الله من أهل السعادة من أولاد المسلمين. قاله أبو عبد الملك، وقد أسلفنا ما يرده. وقوله: («وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ رجل عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ باللَّيْلِ، وَلَمْ يَفعَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ») كذا هنا، وفي التعبير: «فإنه الرجل يَأخذُ القرآن فيرفضه وينام عن الصَّلاةِ المكتوبة». ٩٤ - باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ ١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَي ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ! قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ٢٥٢] ذكر فيه حديث عائشة قالت: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ .. إلى آخره. سؤال أبي بكر لعائشة؛ لأنها أعلم الناس بموته؛ لأنه مات في بيتها، وسألها ليستعد كفنه ويجري ذلك على اختياره من الاقتداء بالشارع. وقولها: في يوم الإثنين. كان ذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، لإحدى عشرة سنة من الهجرة، وفيه نُبِّئ وولد وقدم المدينة، وكان يصوم الإثنين والخميس؛ لأنهما يوما رفع الأعمال ومحط الأثقال (١)، على أنه ورد في الموت ليلة الجمعة ------------- (١) يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أسامة بن زيد برقم (٢٤٣٦) كتاب: الصوم، باب: في صوم الإثنين والخميس والنسائي ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ كتاب: الصيام، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ٢٩٩ (٢١١٩) كتاب: الصيام، باب: في استحباب صوم يوم الإثنين والخميس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٢١٠٥). ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة (٧٤٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الإثنين والخميس. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. ويومها من حديث عمرو بن العاصي مرفوعًا: «مَنْ ماتَ يومَ الجمعةِ أو ليلتها وقاه الله فتَّان القَبْرِ» (١) وقال أبو عبيدة بن عقبة: من مات يوم الجمعة أمن فتنة القبر. فقال القاسم بن محمد: صدق أبو عبيدة. واستفهام الصديق إنما هو ليتثبت، ولم يكن ليخفي عنه يوم وفاته، وقد يحتمل أن لا يعلم ما كفن فيه؛ لأن قومه ولوا أمره، ويحتمل أن يفعله أيضًا ليتثبت، ورجاء أن يتوفي في يوم وفاة الرسول؛ لفضل ذلك اليوم، فقبضه الله تعالى في الليلة التي تليه؛ لأنه تال لرسوله. قَالَ علي: سبق رسول الله - ﷺ - وصلى أبو بكر وصلى عمر. ولا زال التبرك بالسلف مطلوب، وموافقتهم في المحيا والممات مرغوب، وقد كان ابن عمر شديد الاتباع حَتَّى يقف مرة ويدور بناقته أخرى في مكان وقوفه ودوران ناقته (٢)، وما أحسنه من اتباع (٣). ------------ (١) لم أقف عليه من حديث عمرو بن العاص بل وجدته من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه الترمذي (١٠٧٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٢٦٩ (٥٥٩٦) كتاب: الجمعة، باب: من مات يوم الجمعة، أحمد ٢/ ١٦٩، ١٧٦، ٢٢٠. قال الألباني في «صحيح الترمذي» (٨٥٨): حسن. (٢) انظر:، «التمهيد» ١٠/ ٢٣. (٣) هذا القول فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن التبرك بالسلف الصالح لا يجوز لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، فإن التبرك بغير النبي - ﷺ - بعد موته لم يثبت، كما قال الشاطبي رحمه الله، وقد ترك - ﷺ - بعده أبا بكر وعمر وهما خير هذِه الأمة وخير ممن يوصف الناس بعدهم بالأولياء، ولم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح أن متبركًا تبرك به على النحو الذي يفعله العامة في المشايخ من لمس الجسد والثياب، فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء أهـ. وقال ابن رجب رحمه الله: وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي - ﷺ -، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم. أهـ. = ---------------- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= «الاعتصام» ٢/ ٩ الحكم الجديرة بالإذاعة" ص ٥٥. الوجه الثاني: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكان ابن عمر يتحرى أن يسير مواضع سير النبي - ﷺ - وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك بما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه، ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر. ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به. وذلك؛ لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده -مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لاقصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب: كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعروف بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي - ﷺ -، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض. فلما كان النبي - ﷺ - لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه؛ لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورته الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي - ﷺ - في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. = والردع: الأثر (١). وفي «الموطأ»: به مشق أو زعفران (٢). وفيه: الاقتصاد في الكفن، وهذِه وصية منه أن يكفن في ثوب لبيس، وهو جائز في الكفن، ولا خلاف في جواز التكفين في خلق الثياب إذا كانت سالمة من القطع وساترة له، ويحتمل أن يكون أوصى أن يكفن فيه؛ لأنه لبسه في مواطن الحرب مع رسول الله - ﷺ -، وأحرم فيه، وقد قَالَ ابن حبيب: يستحب مثل هذا؛ للحديث أنه - ﷺ - أعطى أم عطية حقوه لأجل ابنته (٣). وهذا يقتضي أن وصية الميت معتبرة في كفنه ------------ = وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة، هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة؟ تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من مني لما اشتبه، هل فعله كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك. ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي - ﷺ -، وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي - ﷺ - شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة، بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه بما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبيﷺ - لأمته، أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذِه سنة مشروعة للمسلمين. فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله - ﷺ -، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه. «مجموع الفتاوى» ١/ ٢٨٠ - ٢٨٢. (١) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢١٨، «لسان العرب» ٣/ ١٦٢٣. (٢) «الموطأ» ص ١٥٦ (٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كفن الميت. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٩. وغير ذلك من أمره إذا وافق صوابًا، فإن أوصى بسرف، فعن مالك: يكفن بالقصد (١)، فإن لم يوص وتشاح الورثة لم ينقص عن ثلاثة أثواب من جنس لباسه في حياته؛ لأن الزيادة عليهن والنقص منهن خروج عن عادته. وقوله: (اغسلوه). يحتمل أن يكون لشيء علمه فيه، وإلا فإن الثوب اللبيس لا يقتضي لبسه وجوب غسله. قاله سحنون، وربما كان الجديد أحق بالغسل منه، ويحتمل أن يكون أمر بالغسل للردع الذي فيه لما أخبر أن الشارع كفن في ثلاثة أثواب بيض. وقول عائشة: (إن هذا خلق). وقولها في «الموطأ»: وما هذا؟ تريد أنه لم يصلح عندها لكفنه، وأرادت أن يكفن في جديد، وغيره أفضل، فقال: الحي أحق بالجديد من الميت. يريد: لما يلزمه في طول عمره من اللباس وستر العورة، وأما الميت فتغيره سريع، ولذلك قَالَ: (إنما هو للمهلة) يريد: الصديد والقيح. يعني: إنه ليس بجمال ولا لاستدامة، وإنما يصير عن قريب إلى التغير بالصديد، فلا معنى لكونه جديدًا، هكذا رواه يحيى في «الموطأ» بكسر الميم، وروي بضمها (٢)، وضبط في البخاري بالضم والكسر أيضًا، ورويناه بهما جميعًا (٣). وقال ابن الأنباري: لا يقال: للمِهلة بالكسر. ورواه أبو عبيد: وإنما هو للمُهل والتراب. والمهل: الصديد، وقال ابن حبيب: بكسر الميم: الصديد، وبنصبها من التمهل، وبضمها: عكر الزيت الأسود المظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْل﴾ [المعارج: ٨] وقال أبو عبيد: ------------ (١) المصدر السابق ١/ ٥٦٠ - ٥٦١. (٢) «الموطأ» ص ١٥٦. (٣) ورد بهامش الأصل: قال في «المطالع»: رويناه بالحركات الثلاث. المهل بالضم: الصديد (١)، والمهل أيضًا: عكر الزيت الأسود. وقال ابن دريد في هذا الحديث: إنها صديد الميت، زعموا أن المهلة ضرب من القطران، والمهل: ما يتحات من الخبزة من رماد أو غيره (٢). وقال أبو عبيدة: قوله: الحي أحوج إلى الجديد من الميت. خلاف من يقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم فيجب تحسينها، ألا ترى أنه يقول: فإنما هما للمهلة؟ ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتى بكفنه ربطتين، قَالَ: لا تغالوا في الكفن؛ الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إني لا ألبث إلا يسيرًا حَتَّى أبدل منهما خيرًا منهما أو شرًّا منهما (٣). ومنه قول ابن الحنفية: ليس للميت من الكفن شيء، إنما هو تكرمة للحي. وأما من خالف هذا فرأى تحسين الأكفان، فروي عن عمر أنه قَالَ: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله. قلتُ: وأُوِّل الكفن بالعمل؛ لأنه يبلى. وأوصى ابن مسعود أن يكفن في حلة بمائتي درهم (٤). وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر مرفوعًا: «إذا كفَّنَ أحدُكُم أخاهُ فليُحْسِن كَفَنَه» (٥) وهو من أفراده. قَالَ ابن المنذر: وبحديث جابر قَالَ الحسن وابن سيرين، وكان إسحاق يقول: يغالي في الكفن إذا كان موسرًا، وإن كان فقيرًا فلا يغالِ به (٦). ------------ (١) «غريب الحديث» ٢/ ٧ - ٨. (٢) «جمهرة اللغة» ٢/ ٩٨٨، وانظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٢٢، و«لسان العرب» ٧/ ٤٢٨٨ - ٤٢٨٩. (٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٣٢ (٦٢١٠) كتاب: الجنائز، باب: ذكر الكفن والفساطيط. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩ كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في تحسين الكفن، وورى عنهم ذلك أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٥٩. (٥) «صحيح مسلم» (٩٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في تحسين كفن الميت. (٦) «الأوسط» ٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩. ٩٥ - باب مَوْتِ الفَجْأَةِ بَغْتَةْ ١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». [٢٧٦٠ - مسلم: ١٠٠٤ - فتح: ٢/ ٢٥٤] ذكر فيه حديث عائشة: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». الشرح: كأن البخاري أراد تفسير الفجأة بقوله: بغتة. وهو كما قَالَ، وهو بضم الفاء ممدود، وبفتحها مع إسكان الجيم. وهذا الرجل هو سعد ابن عبادة كما نقله أبو عمر، وقد ذكر البخاري فيما سيأتي من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - في دين كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: «اقضه عنها» (١). ولأبي داود: إن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها. الحديث (٢). ولمسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم (٣). وللنسائي عن ابن عباس عن سعد بن عبادة أنه قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قَالَ: «الماء»، جعله من مسند ----------- (١) برقم (٢٧٦١) كتاب: الوصايا، باب: ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه. (٢) «سنن أبي داود» (٢٨٨١) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيمن مات عن غير وصية. (٣) «صحيح مسلم» (١١٤٨) كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت. سعد (١). ولمسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قَالَ: يا رسول الله، إن أبي مات وترك مالًا ولم يوص، فهل يُكفِّر ذلك عنه أن أتصدق؟ قَالَ: «نعم» (٢). فالقصة إذن متعددة، وعند ابن أبي الدنيا من حديث عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: سألت رسول الله عن موت الفجاة فقال: «راحة المؤمن، وأسف على الفاجر». ومن حديث أبي كرز عن أنس قَالَ: من أشراط الساعة حفز الموت. قيل: يا أبا حمزة، وما حفز الموت؟ قَالَ: موت الفجأة. وفي «المصنف» من حديث مجالد عن الشعبي، كان يقال: من اقتراب الساعة موت الفجأة وعن تميم بن سلمة عن رجل من الصحابة: هي أخذة غضب. ومن حديث عبيد بن خالد: هي أخذة أسف. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف. وفي لفظ: كانوا يكرهون موت الفجأة. وعن عائشة وابن مسعود: هي رأفة بالمؤمن وأسف على الفاجر. وقال مجاهد: هي من أشراط الساعة (٣). والافتلات عند العرب: المباغتة، تقول: مات بغتة. وإنما هو مأخوذ من الفلتة (٤). والأسف: الغضب. ويحتمل أن يكون ذلك -والله -------- (١) «سنن النسائي» ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥ كتاب: الوصايا، باب: فضل الصدقة عن الميت، ليس عن ابن عباس عن سعد ولكن وجدته عن ابن المسيب عن سعد، وفي أخرى عن الحسن عن سعد. (٢) «صحيح مسلم» (١٦٣٠) كتاب: الوصية، باب: وصول ثواب الصدقات إلى الميت. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٥٥ - ٥١ (١٢٠٠٣ - ١٢٠٠٩) كتاب: الجنائز، باب: في موت الفجاة. (٤) انظر: «الصحاح» ١/ ٢٦٠، «لسان العرب» ٦/ ٣٤٥٥. أعلم- لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الإعداد للمعاد، والاغترار بالآمال الكاذبة، والتسويف بالتوبة. وقد روي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: كنا نمشي مع رسول الله - ﷺ - فجاء رجل فقال: يا رسول الله، مات فلان. فقال: «أليس كان معنا آنفًا؟» قالوا: بلى. قال: «سبحان الله! كأنه أخذه على غضب، المحروم من حرم وصيته» (١). ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «ذكر الموت». وروي عن عبيد بن عمير: توشك المنايا أن تسبق الوصايا. وقوله: (فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قَالَ: «نعم») هو كقوله - ﷺ -: «إذا ماتَ ابن آدم انقطعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية ..» (٢) الحديث. وقوله: افتلتت. يريد: ماتت فجأة كما سلف، ويجوز ضم (نفسها) ونصبه. ----------- (١) رواه ابن ماجه (٢٧٠٠) كتاب: الوصايا، باب: الحث على الوصية، وأبو يعلى في «مسنده» ٧/ ١٥٢ - ١٥٣ (٤١٢٢)، وأورده المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ١٦٩، وقال: رواه أبو يعلى بإسناد حسن، وابن ماجه مختصرًا، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٠٩ باب: الحث على الوصية، وقال: رواه ابن ماجه وأبو يعلى، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» برقم (٢٠٣٦). (٢) رواه مسلم برقم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، والبخاري في «الأدب المفرد» ص ٢٦ (٣٨) باب: بر الوالدين بعد موتهما. ٩٦ - باب مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ. ﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا. ١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ «أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح: ٣/ ٢٥٥] ١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. [انظر: ٤٣٥ - مسلم: ٥٢٩ - فتح: ٣/ ٢٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبدُ اللهِ، أَخبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدثهُ أَنَّهُ رَاى قبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُسَنَّمَا. حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الَحائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الَملِكِ أَخَذوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِغوا، وَظَنُّوا أنَهَا قَدَمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ - رضي الله عنه -. ١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا. [٧٣٢٧ - فتح: ٣/ ٢٥٥] ١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَي أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ. قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ مَا: كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي، وَإِلاَّ فَرُدُّونِي إِلَي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي، وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - ﷺ - أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. [٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧ - فتح: ٣/ ٢٥٦] ذكر فيه حديث عائشة: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ليَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ «أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» اسْتِبْطَاءً ليَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. وعنها: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارى، اَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد». لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ الراوي عن عروة قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. وحديث سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأى قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُسَنَّمًا. وعَنْ عُرْوَه (١)، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَليدِ أخذنا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ. فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ رسول الله - ﷺ -، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ رسول الله - ﷺ -، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ - رضي الله عنه -. وَعَنْ هِشَامٍ (٢) بن عروةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّ عَائِشَةَ أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا. وحديث عُمر أنَّه قال لابنه عبد الله: اذْهَبْ إِلَي عَائِشَةَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ عَلَيْكِ السَّلَامَ .. الحديث في دفنِهِ مع صاحبيه. الشرح: غرض البخاري في هذا الباب، أن يبينَ فَضْلَ أبي بكر وعُمَر رضي الله عنهما بما لا يشاركهما فيه أحد، وذلك أنهما كانا وزيريه في حال حياته، وصارا ضجيعيه بعد مماته، فضيلة خصهما الله بها، وكرامة حباهما بها لم تحصل لأحد، ألا ترى وصية عائشة إلى ابن الزبير أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك، وهذا من تواضعها، وإقرارها بالحق لأهله، وإيثارها به على نفسها من هو أفضل منها، ولم تر أن تزكى بدفنها مع رسول الله - ﷺ - ورأت عمر لذلك أهلًا، فمجاورتهما مَلْحَده لا يشبهه فضل، وأيضًا لقرب طينتهما من طينته. ------------ (١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: مسند. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: معلق. ففي حديث أبي سعيد الخدري مر رسول الله - ﷺ - بجنازة عند قبر فقال: «قَبْرُ من هذا؟» فقال: فلان الحبشي. فقال - ﷺ -: «لا إله إلا الله، سِيْقَ مِنْ أرضِه وسَمائه إلى تربتِه التي منها خُلِقَ». قَالَ الحاكم: صحيح الإسناد (١)، وله شواهد أكثرها صحيحة. وإنما أستاذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه؛ لأن الموضع كان بيتها، ولها فيه حق، ولها أن تُؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عُمر، وقد كانت عائشة رأتْ رؤيا دلتها على ما فعلت، حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقصتها على والدها لما توفي رسول الله - ﷺ -، ودفن في بيتها. فقال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك وهو خيرها (٢). ففيه من الفقه: الحرص على مجاورة الموتى الصالحين في القبور، طمعًا أن ينزل عليهم رحمة تصيب جيرانهم، أو رغبة أن ينالهم دعاء من يزور قبورهم من الصالحين. وقول عمر: (إذا قُبِضت فاحملوني، ثم قل: يستأذن عمر). فيه من الفقه: أن من وعد بعدةٍ أنه يجوز له الرجوع فيها، ولا يُقْضَى عليه بالوفاء بها؛ لأن عمر لو علم أن عائشة لا يجوز لها أن ترجع في عدتها ما قَالَ ذلك، وسيأتي بسط ذلك في الهبة إن شاء الله. ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ كتاب: الجنائز، قال الذهبي: صحيح وأنيس ثقة، وله شواهد صحيحة. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٦٠ (٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في دفن الميت، وابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٢٩٣، والطبراني ٢٣/ ٤٧ - ٤٨، وفي «الأوسط» ٦/ ٢٦٦ (٦٣٧٣)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٠، وفي «الكبير» ٤/ ٣٩٥، وصححه على شرط الشيخين. وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٨: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجال «الكبير» رجال الصحيح. وفيه: أن من بحث رسولًا في حاجة مهمة، له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه، وقبل أدائه الرسالة عليه، ولا يعد ذلك من قلة الصبر، ولا يذم فاعله، بل هو من الحرص على الخير؛ لقوله لابنه وهو مقبل: ما لديك؟ وفيه: أن الخليفة مباح له أن لا يستخلف على المسلمين غيره، اقتداء بالشارع صريحًا، وأن للإمام أن يترك الأمر شورى بين الأمة، إذا علم أن في الناس بعده من يحسن الاختيار للأمة. وفيه: إنصاف عمر وإقراره بفضل أصحابه. وفيه: أن المدح في الوجه بالحق لا يذم المادح به؛ لأن عمر لم ينه الأنصاري حين ذكر فضائله، فبان بهذا أن المدح في الوجه المنهي عنه، إنما هو المدح بالباطل. وقوله: (لا أعلم أحدًا أحق بهذا من هؤلاء النفر) إنما لم يذكر أبا عبيدة؛ لأنه كان قد مات، وسعيد بن زيد كان غائبًا. وقال بعضهم: لم يذكره؛ لأنه كان قريبه وصهره، ففعل كما فعل مع عبد الله بن عمر. وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن يخاف على نفسه، ولا يثق بعمله، ويكون الغالب عليه الخشية، ويصغر نفسه؛ لقوله: (ليتنى يا ابن أخي وذلك كفافًا) وقد سُئِلَتَ عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فقالت: هم الذين يعملون الأعمال الصالحة، ويخافون أن لا تتقبل منهم (١). وعلى هذا مضى خيار السلف، كانوا من عبادة ربهم بالغاية القصوى ويعدون أنفسهم -------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٢٢٥ (٢٥٥٥٨)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» ٥/ ٤٢١. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#280 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 191 الى صـــ 210 الحلقة (280) في الغاية السفلى؛ خوفًا على أنفسهم، ويستقلون لربهم ما يستكثره أهل الاغترار. وقد ثبت عن عمر، أنه تناول تبنة من الأرض وقال: يا ليتني هذِه التبنة، يا ليتني لم أك شيئًا، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسيًا منسيا، وقال: لو كانت لي الدنيا لافتديت بها من النار ولم أرها (١). وقال قتادة: قَالَ الصديق وددت أني خضرة أكلتني الدواب (٢). وقالت عائشة عند موتها: وددت أني كنت نسيًا منسيا (٣). وقال أبو عبيدة: وددت أني كبش فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي ويحتسون مرقي. وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد على أكمة نسفتني الرياح في يوم عاصف (٤). ذكره أجمع الطبري، ويأتي إن شاء الله تعالى في الزهد في باب الخوف من الله، زيادة فيه. وفيه: أن الرجل الفاضل والعالم ينبغي له نصح الخليفة، وأن يوصيه بالعدل وحسن السيرة في من ولاه الله رقابهم من الأمة، وأن يحضه على مراعاة أمور المسلمين، وتفقد أحوالهم، وأن يعرفَ الحقَّ لأهله. وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن تُقَال عثرته، ويُتَجَاوز عنه؛ ------------ (١) رواه ابن المبارك في «الزهد» ص ٧٩ (٢٣٤) باب: تعظيم ذكر الله -عز وجل-، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ١١٧ (٣٤٤٦٩) كتاب: الزهد، كلام عمر بن الخطاب، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤٨٦ (٧٨٩). (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٩٨. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٠٧ (٢٠٦١٦) باب: أكثر أهل الجنة والنار، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٨٦ (٧٩١) باب: في الخوف من الله تعالى. (٤) رواه ابن المبارك في «الزهد» ص ٨١ (٢٤١) باب: تعظيم ذكر الله -عز وجل-، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٠٧ (٢٠٦١٥)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٨٦ (٧٩٠). لقوله في الأنصار: (أن يعْفي عَنْ مُسِيئِهِمْ)، فيما لم يكن لله فيه حد، ولا للمسلمين حق. ويشبه ذلك قوله - ﷺ -: «أقيلوا ذَوي الهيئات زلاتهم» (١) فسره أهل العلم أن ذوي الهيئات أهل الصلاح والفضل، الذين يكون من أحدهم الزَّلَّة والفلتة في سب رجل من غير حد مما يجب في مثله الأدب، فيتجاوز له عن ذلك؛ لفضله، ولأن مثل ذلك لم يعهد منه (٢). وفي استبطاء الشارع يوم عائشة من الفقه: أنه يجوز للفاضل الميل في المحبة إلى بعض أهله أكثر من بعض، وأنه لا إثم عليه في ذلك، إذا عدل بينهن في النفقة والقسمة، وقد بينت عائشة العلة في البناء على قبره وتحظيره، وذلك خشية أن يتخذ مسجدًا. وقول سفيان: إنه رأى قبره - ﷺ - مسنمًا، قد روي ذلك عن غيره، قَالَ إبراهيم النخعي: أخبرني من رأى قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض، عليها مرمر أبيض. وقال الشعبي: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة، وكذا فعل بقبر ابن عمر وابن عباس (٣). ------------- (١) رواه أبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٣٦٣ (٤٩٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» ١/ ٢٩٦ (٩٤) كتاب: العلم، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٨/ ٣٣٤ كتاب: الأشربة، باب: الإمام يعفو عن ذوي الهيئات زلاتهم ما لم تكن حدًا. (٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط: وقد ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد الكبرى أن الصغيرة إذا حدثت من بعض أولياء الله تعالى لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتُستر زلتهم، وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب، وهذا وغيره وارد على ما قال الفقهاء في التعزير أنه مشروع في كل معصية ليس بها حَد ولا كفَّارة. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥ (٦٤٩٠) كتاب: الجنائز، باب: الحدث والبنيان، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٣ - ٢٤ (١١٧٣٥ - ١١٧٣٦) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يُسنمّ. وقال الليث: حَدَّثَني يزيد بن أبي حبيب أنه يستحب أن تسنم القبور ولا ترفع ولا يكون عليه تراب كثير، وهو قول الكوفيين والثوري ومالك وأحمد، واختاره جماعة من أصحابنا، ومنهم المزني، أن القبور تسنم؛ لأنه أمنع من الجلوس عليها، واحتجوا بما سلف (١). وقال أشهب وابن حبيب: أحب إلى أن يسنم القبر، وإن رفع فلا بأس (٢). وقال طاوس: كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئًا حَتَّى يعلم أنه قبر. وقال الشافعي: تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، تكون على وجه الأرض نحوًا من شبر. قَالَ: وبلغنا أن النبي - ﷺ - سطح قبر ابنه إبراهيم، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم (٣). وقال أبو مجلز: تسوية القبور من السنة (٤)، واحتج أيضًا بحديث القاسم بن محمد قَالَ: رأيت قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي رواية الحاكم: فرأيت رسول الله - ﷺ - مقدمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي - ﷺ -، وعمر رأسه عن رجل النبي - ﷺ - (٥). وأجابوا عن خبر سفيان التمار، بأنه أولًا كان مسطحًا، --------------- (١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٠١، «المنتقى» ٢/ ٢٢، «المغني» ٣/ ٤٣٧، «المجموع» ٥/ ٢٦٥. (٢) وفيما ذكره عن ابن حبيب نظر، فإن ابن حبيب يقول: أحب إليّ أن يُسَنَّم ولا يرفع، انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥٠، «المنتقى» ٢/ ٢٢، «الذخيرة» ٢/ ٤٧٩. (٣) «الأم» ١/ ٢٤٢. (٤) رواه ابن أي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٠ (١١٧٩٧) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر وما جاء فيه. (٥) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٢٠) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر، «المستدرك» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠ كتاب: الجنائز، وضعفه الألباني كما في «ضعيف أبي داود». كما قَالَ القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك -وقيل: عمر بن عبد العزيز- جعل مسنمًا. قَالَ البيهقي: حديث القاسم أصح وأولى أن يكون محفوظًا (١)، وأما قول علي - رضي الله عنه -: أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته. أخرجه مسلم (٢)، فالمراد بالتسوية: التسطيح، جمعًا بين الأحاديث. وما ذكره البخاري في (أقبرت)، هو بالألف وهو كذلك في اللغة. وفي رواية أبي الحسن بحذفها، وما ذكره في تفسير ﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] فهو ما ذكره أهل اللغة، نص عليه الفراء وغيره (٣). وقال ابن التين: هو قول قتادة. وقال مجاهد: تكفت إذا هم أحياء ويقبرون فيها (٤). وقال ابن سيده: عندي أن الكفات في الآية مصدر من كفت (٥). ومعنى (لتعذر)، في حديث عائشة، هو كالتمنع والتعسر، ولأبي الحسن بالقاف. قَالَ الداودي: معناه: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الإنس والسكون. والسَحَر -بفتح السين والحاء، وبإسكانها، وبضم السين وإسكان الحاء- ما التزم بالحلقوم والمريء من أعلى البطن. والسحر أيضًا: الرئة، والجمع سحور، ذكره ابن سيده (٦). ---------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٤ - ٤ كتاب: الجنائز، باب: من قال بتسنيم القبور. (٢) «صحيح مسلم» (٩٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبر. (٣) «معاني القرآن» ٣/ ٢٢٤. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (٣٥٩٥٠ - ٣٥٩٥١). (٥) «المحكم» ٦/ ٤٨١. (٦) «المحكم» ٣/ ١٣٣. وفي «غريب ابن قتيبة»: بلغني عن ابن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قَالَ: إنما هو شجري -بالشين والجيم-، فسئل عن ذلك فشبك بين أصابعه، وقدمها من صدره، كأنه يضم شيئًا إليه، أراد أنه قبض، وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها (١). والشجر: التشبيك، وفي «المخصص»: الشجر: طرف اللحيين. وقيل: هو الذقن بعينه، حيث اشتجر طرفا اللحيين من أسفل. وقيل: هو مؤخر الفم. وفي حديث آخر: مات بين حاقنتي وذاقنتي (٢)، وهو نحوه. وقولها: (ودفن في بيتي) نسبت البيت إليها لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن البيوت كانت لرسول الله - ﷺ -، وهذا كله من فضلها، وكان هذا الكلام خرج منها في موطن هضمت فيه من حقها لو سئلت فأتت بالحديث على وجهه. و(هلال) المذكور في حديث عائشة هو ابن أبي حميد ويقال: ابن حميد، وفي الترمذي ابن مقلاص الجهني (٣). وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، يكنى أبا عمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الحمراء، الوزان الصيرفي. وقوله: (كناني عروة بن الزبير ولم يولد لي) فعله تبجيلًا وتفاؤلًا، وقد كنى الشارع عائشة بابن أختها عبد الله بن الزبير. وأثر سفيان التمار من أفراد البخاري، زاد ابن أبي شيبة: وقبر أبي ------------ (١) «غريب الحديث» ٢/ ٤٥٧. (٢) سيأتي برقم (٤٤٣٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته. (٣) كذا بالأصل، وعند الترمذي (٢٥٢٠): الصيرفي. بكر وعمر مسنمين (١). وكذا أخرجه أبو نعيم عن سفيان بن دينار التمار قَالَ: دخلت … فذكره، وفي «تاريخ البخاري»: سفيان بن زياد ويقال: ابن دينار التمار العصفري، وفرق بعضهم بين ابن زياد، وابن دينار، كما ذكره الباجي وزعم أنه هو المذكور عند البخاري في الصحيح. وقال بعضهم: ابن عبد الملك. ووقع في ابن التين: حذيفة التمار في موضعين، وهو سهو، وكأن البخاري أراد بهذا الأثر بيان مذهبه في ذلك، أو أراد مخالفة حديث علي السالف. وفي «أخبار المدينة» لابن النجار الحافظ، أن قبره - ﷺ - وقبر صاحبيه في صفة بيت عائشة. قَالَ: وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية. قَالَ سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم - ﷺ - (٢)، وعن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى مع رسول الله - ﷺ -، فيكون قبره رابعًا (٣). وعن عثمان بن نسطاس قَالَ: رأيت قبر النبي - ﷺ - لما هدمه عمر بن عبد العزيز مرتفعًا نحو أربعة أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر رسول الله - ﷺ -، وقبر عمر أسفل. وعن عمرة، عن عائشة قالت: رأس النبي - ﷺ - مما يلي الغرب، ------------ (١) «المصنف» ٣/ ٢٣ (١٧٣٣) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يسنم. (٢) ذكره ابن حجر في «الفتح» ٧/ ٦٦، وعزاه إلى «أخبار المدينة» من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة، وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى - عليه السلام -. (٣) رواه الترمذي (٣٦١٧) كتاب: المناقب، باب: في فضل النبي - ﷺ -، وقال: هذا حديث حسن غريب، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢٠٦، وقال: رواه الطبراني، وفيه: عثمان بن الضحاك، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو داود، وقد ذكر المزي هذا في ترجمته وعزاه إلى الترمذي وقال: حسن، ولم أجده في الأطراف والله أعلم. وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». ورأس أبي بكر عند رجليه، وعمر خلف ظهره. وعن نافع بن أبي نعيم: قبر النبي - ﷺ - أمامهما إلى القبلة مقدمًا، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله - ﷺ -، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر. وعن محمد بن المنكدر قَالَ: قبر النبي - ﷺ - هكذا وأبو بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي رسول الله - ﷺ -. وقال ابن عقيل: قبر أبي بكر عند رجليه - ﷺ -، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر. وقال ابن التين: يقال: إن أبا بكر خلف رسول الله - ﷺ - قد جاوز مَلْحَدُهُ مَلحَدَ رسول الله - ﷺ -، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد (جازت) (١) رجلاه رجلي رسول الله - ﷺ -. وقد ذكر في صفة قبورهم أقوال: فالأكثر - وقيل: هكذا - وقيل: هكذا النبي - النبي - النبي أبو بكر - أبو بكر عمر - أبو بكر عمر- - عمر وقوله: (عن هشام، عن أبيه، عن عائشة) ذكر خلف وأبو نعيم الحافظ أن البخاري رواه عن فروة، كالحديث قبله في سقط الجدار، وأخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام مسندًا عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام. بزيادة: وعن هشام، عن أبيه: أن عمر أرسل إلى عائشة، ائذني لي أن أدفن مع صاحبي (٢)، وفي «الإكليل» عن وردان، وهو الذي بني بيت عائشة لما سقط شقه الشرقي أيام ------------- (١) في الأصل: جاءت. (٢) سيأتي برقم (٧٣٢٨) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. عمر بن عبد العزيز: وأن القدمين لما بدتا، قَالَ سالم بن عبد الله: أيها الأمير هذان قدما جدي وجدك عمر. فتحصلنا على قولين: أحدهما: أن قائل ذلك عروة، وذا في البخاري. ثانيهما: أنه سالم، وذا هنا. وقال أبو الفرج الأموي في «تاريخه»: وردان هذا أبو امرأة أشعب الطامع. وفي «الطبقات» قَالَ مالك: قسم بيت عائشة ثلثين، قسم فيه القبر، وقسم كان يكون فيه عائشة، وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت جنب القبر فضلًا، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها. قَالَ عمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد: لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - على بيت النبي حائط، فكان أول من بني عليه جدارًا عمر بن الخطاب. قَالَ عبيد الله: كان جداره قصيرًا، ثم بناه عبد الله ابن الزبير، وزاد فيه (١). (وقال ابن النجار) (٢): سقط جدار الحجرة بما يلي موضع الجنائز، في زمان عمر، فظهرت القبور، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذ. فأمر عمر بقباطي يستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فلما بدت القدمان قام عمر فزعًا فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر -وكان حاضرًا- أيها الأمير لا ترع، فهما قدما جدك عمر، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس. فقال عمر: يا ابن وردان، غط ما رأيت. ففعل. ---------- (١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٩٤. (٢) في الأصل: وقال النجار. ْوفي رواية أن عمر أمر أبا حفصة مولى عائشة وناسًا معه، فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر، فقم ما سقط على القبر من التراب، وبنى عمر على الحجرة حاجزًا في سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه، وهو على دورانها، فلما ولي المتوكل آزرها بالرخام من حولها، فلما كان في خلافة المقتفي بعد الخمسمائة. جدد التأزير، وجُعِل قامة وبسطة، وعُمِل لها شباك من الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف. ثم إن الحسن بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير المصريين، عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض، مرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر، ثم جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الأبريسم البنفسجي، وعلى دوران جاماتها مرقوم الخلفاء الأربعة، ثم سلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب وعلقت هذِه، ثم إن الناصر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسم الأسود وطرزها، وجاماتها أبيض، فعلقت فوق تلك، ثم لما حجت الجهة الخليفية عملت ستارة على شكل المذكورة، ونفذتها، فعلقت. وقول عائشة: (لا تدفني معهم) ذاك كما قَالَ ابن التين، على أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد. ويعارضه قولها لما طلب منها أن يدفن عمر معهما: أردته لنفسي؛ لأن ظاهره أن البيت ليس فيه غير موضع عمر. وقيل: كان ظنًّا من عائشة. وفي «التكملة» لابن الأبار من حديث محمد بن عبد الله العمري، ثنا سعيد بن طلحة من ولد أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: قلتُ للنبي - ﷺ -، إني لا أراني إلا سأكون بعدك، فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك؟ قَالَ: "وأنى لك ذلك الموضع، ما فيه إلا قبرى، وقبر أبي بكر وعمر، وقبر عيسى ابن مريم» (١). وقولها: (ادْفِنِّي مَعَ صوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا) إنما ذلك لئلا يقول الناس: زكت بهم، فتنجو بالدفن معهم، وشبه هذا من القول، وقيل: فعلته تواضعًا لله؛ ليرحمها. واستئذان عمر عائشة؛ لأن الرب ﷻ نسب تلك البيوت إلى أزواجه، وهمه أن لا يكون ينال ذلك خوفًا أن يكون قصر به عن اللحاق بهم، لتقصير كان منه، وهذِه صفة المؤمن قَالَ تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. وقوله: (لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر) يعني: إنه إن أخذ بالأفضل كان أولى، ليس أنه لا يجوز غيره. ففيه: دلالة على جواز ولاية الفاضل على أفضل منه، حين جعل إليهم أن يولوا من شاءوا منهم. وقال: إن أصابت الخلافة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به الخليفة، وبعضهم أفضل من بعض، ولو لم يجز ذلك لزمه أن يستخلف أفضلهم، وأنه لو لم يفعل لم يجز أن يجعل إليهم أن يولوا من شاءوا منهم، ويدل على جواز ذلك قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد صاحبي هذين. يعني: عمر وأبا عبيدة، وقول عمر لأبي عبيدة: امدد يدك أبايعك (٢). وبيعة سعد وسعيد وابن عمر، معاوية، وهم أفضل منه، وتسليم ----------- (١) أورده ابن حجر في «الفتح» ٧/ ٦٦، وقال: حديث لا يثبت. (٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٥، و«فضائل الصحابة» ٢/ ٩٢٦ (١٢٨٤)، وابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٨١، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ١٨٣ كتاب: الخلافة، باب: الخلفاء الأربعة وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا البختري لم يسمع من عمر. الحسن الأمر إليه، وقوله - ﷺ -: «ولعل الله أن يُصْلِحَ به بين فئتينِ عظيمتين مِنَ المسلمين» (١). وبيعة سائر الصحابة لمعاوية بحضرة بقية أهل بدر من قريش، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل. وبيعة ابن عمر ليزيد، وقوله لبنيه: لئن نكث أحدكم بيعته إلا كانت الفيصل بيني وبينه (٢)، وبيعته لعبد الملك. وأما قوله حين قَالَ معاوية: من أحق بهذا الأمر منا؟ أنه همَّ أن يقول له أحق بذلك من أدخلك فيه كرهًا (٣). يريد لو كان الفضل لكان ثَمَّ من هو أفضل منه، وبعضهم لا يرى أن يلي أحد بحضرة من هو أفضل منه، والأول أصح؛ لما فيه من الطعن على من سلف. وفيه: التعزية لمن يحضره الموت، بما يذكر من صالح عمله، والمهاجرون الأولون الذين صلوا إلى القبلتين وأنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا. وقوله: ﴿تبوءوا الدار﴾. يعني: المدينة، قدمها عمرو بن عامر حين رأى بسد مأرب ما دله على فساده، فاتخذ المدينة وطنًا، لما أراد الله منب كرامة الأنصار لنصرة نبيه وبالإسلام. وقوله: ﴿وَالإِيمَانَ﴾. قَالَ محمد بن الحسن: الإيمان: اسم من أسماء المدينة (٤)، فإن لم يكن كذلك فيحتمل أن يريد: تبوءوا الدار، وأجابوا ------------ (١) سيأتي برقم (٢٧٠٤) كتاب: الصلح، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي. (٢) سيأتي برقم (٧١١١) كتاب: الفتن، باب: إذا قال عند قوم شيئًا، ثم خرج فقال بخلافه. (٣) سيأتي برقم (٤١٠٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق. (٤) ذكره ابن حجر في «الفتح» ٧/ ١١٠ وقال: زعم محمد بن الحسين بن زبالة أن الإيمان اسم من أسماء المدينة، واحتج بالآية، ولا حجة له فيها. إلى الإيمان من قبل أن يهاجروا إليهم. وقوله: (يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) يقول: يفعل بهم من التلطف والبر ما كان يفعله الرسول - ﷺ - والخليفتان بعده. وقوله: (وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ) يعني: ما دون الحدود وحقوق الناس. وقيل: لأهل المدينة (١) ذمة العهد الذي له، قَالَ تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٩٠] فالإل: الله. وقيل: القرابة. وقيل: العهد، والذمة: العهد. ----------- (١) تعليق بهامش الأصل: لعله: الذمة. ٩٧ - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ ١٣٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا». وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، وَابْنُ عَرْعَرَةَ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ. [٦٥١٦ - فتح: ٣/ ٢٥٨] حَدَّثَنَا آدم، ثنَا شعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا». تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عَنْ شعْبَةَ. رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، ومحمد بن أنس، عن الأعمش. الشرح: هذا الحديث قد سلف الكلام عليه في باب الثناء على الميت، وهو من أفراده. وقوله: (تَابَعَهُ) يعني: آدم. وهذِه المتابعة رواها أبو نعيم، عن أبي أحمد، عن المنيعي، عن علي بن الجعد. والإسماعيلي، عن أبي جعفر الحلبي، عن علي بن الجعد. وقد أخرجه البخاري في الرقاق عن علي بن الجعد، عن شعبة (١). وقوله: «فإنَّهُمْ قَدْ أفضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا» يعني: قد عاينوا عملهم، وذهب وقت وعظهم، فسبهم أشد من سب الأحياء، قد عاينوا أعمالهم من حسن وقبيح، أحصاه الله ونسوه. وقد يختم لأهل ------------- (١) سيأتي برقم (٦٥١٦) باب: سكرات الموت. المعاصي من المؤمنين بخاتمة حسنة تخفي عن الناس، فمن سبهم فقد أثم. وقد جاء أنه لا يجب القطع على أحد بجنة ولا نار. وقد قَالَ - ﷺ - في الميت الذي شُهد له بالجنة: «والله ما أدْري وأنا رَسُولُ الله ما يُفْعَلُ بي» (١) فلهذا أمسك عن الموتى. وإنما ذكر الرب تعالى خطايا من سلف تتلى؛ لأنه على وجه الوعظ لخلقه ليُري المذنبين أنه عاقب أصفياءه على الفلتة من الذنوب؛ ليحذر الناس المعاصي، ويعلموا أنهم أحق بالعقاب من الأصفياء فينزجروا، وأيضًا فإن لوم تلك الذنوب (٢) سقطت عن الأصفياء بالإعلام، فما بالك بامرئ هو تحت المشيئة. وأيضًا فعقابهم على تلك الفلتات في الدنيا رحمة لهم؛ ليلقوه مطهرين. وموتانا بخلاف ذلك لا نعلم ما أفضوا إليه، فلذلك نهينا عن ذكرهم بذنوبهم. ------------- (١) سبق برقم (١٢٤٣) كتاب: الجنائز، باب: الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه. (٢) وقع في الأصل هنا: (عن) فكأنها زائدة. ٩٨ - باب ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى ١٣٩٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ -عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ- لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ. فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١] [انظر: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣ - مسلم ٢٠٨] ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ. فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾. الشرح: هذا الحديث يأتي في تفسير سورة الشعراء (١)، وسورة تبت (٢)، وفيه: (وقد تب) هكذا قرأها الأعمش. قَالَ الإسماعيلي: هذا الحديث مرسل؛ لأن هذِه الآية الكريمة نزلت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك صغيرًا. قلتُ: بل قيل: إنه معدوم إذ ذاك. وللطبري، عن ابن وهب، عن ابن زيد قَالَ: قَالَ أبو لهب لرسول الله - ﷺ -: ماذا أُعطى يا محمد إن آمنتُ بك؟ قَالَ: «كما يُعطَى المسلِمُون» قَالَ: فما لي عليهم فضل! تبًا لهذا الدين. أأكون أنا وهؤلاء سواء؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ﴾ قَالَ: خسرت يداه (٣). واليدان هنا: العمل. ألا تراه يقول: بما عملت أيديهم. وفي تفسير ابن عباس نحوه، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أي صفرت يداه. --------------- (١) سيأتي برقم (٤٧٧٠) باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾. (٢) سيأتي برقم (٤٩٧١) باب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾. (٣) «تفسير الطبري» ١٢/ ٧٣٣ (٣٨٢٥٧). وقال صاحب «الأفعال»: تب: ضعف وخسر. وتب: هلك. وفي القرآن: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وتب الإنسان: شاخ. وقوله في قراءة الأعمش: (وقد تب) هو خبر بخلاف الأول، فإنه دعاء. وقوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ليس بتكرير لما قلناه. وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ يحتمل أن يكون نفيًا أو استفهامًا. قَالَ مجاهد: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: ولده (١). وقيل: يبعد أن تكون ما لمن يعقل؛ لأنه لا يقال: كسب ولدًا: ولكن يكون المعنى: وما كسب من ذا وغيره. أما فقه الباب: فذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز؛ لأنه لا شك في أنهم مخلدون في النار، فذكر شرارهم أيسر من حالهم التي صاروا إليها، مع أن في الإعلان بقبيح أفعالهم تقبيحًا لأحوالهم وذمًّا لهم؛ لينتهي الأحياء عن مثل أفعالهم ويحذروها. واعترض على البخاري في تخريجه لهذا الحديث في هذا الباب، وإن كان تبويبه له يدل على أنه أراد به العموم في شرار المؤمنين والكافرين. وحديث أنس: مر بجنازة فأثنوا عليها شرًّا، وافٍ به. فترك الشارع نهيهم عن ثناء الشر، ثم أخبر أنه بذلك الثناء وجبت النار، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض» (٢) فدل ذلك أن للناس أن يذكروا الميت بما فيه من شر إذا كان شره مشهورًا، وكان ممن لا غيبة فيه؛ لشهرة شره. وسلف في باب ثناء الناس على الميت الكلام في الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث في الباب قبله. وقال ابن المنير: يحتمل أن يريد الخصوص، فطابقت الآية ------------- (١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٧٣٥ (٣٨٢٦٦). (٢) سلف برقم (١٣٦٧) باب: ثناء الناس على الميت، وأخرجه مسلم (٩٤٩) كتاب: الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى. الترجمة، أو يريد العموم قياسًا للمسلم المجاهر بالشر على الكافر؛ لأن المسلم الفاسق لا غيبة له. وقد حمل بعضهم -يعني: ابن بطال (١) - على البخاري، وظن به النسيان لحديث الجنازة. والظاهر أن البخاري جرى على عادته في الاستنباط الخفي والإحالة في الظاهر الجلي على سبق الأفهام إليه. على أن الآية الكريمة مرتبة، وهي تسمية المذموم، وتغييب الغيبة، وخصوصًا في الكتاب العزيز (٢). واختلف في أبي لهب. هل هو لقب له أو كنية. فالذي عند ابن إسحاق في آخرين أن عبد المطلب لقبه بذلك لحمرة خديه وتوقدها كالجمر. وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- أنه - ﷺ - قَالَ للهب بن أبي لهب، واسمه عبد العزى: «أكلكَ كلبُ الله» فأكله الأسد (٣)، وهو دال على أنه كُني بابنه. آخر الجنائز. ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٨٥. (٢) «المتواري» ص ١٢٢ - ١٢٣. (٣) «المستدرك» ٢/ ٥٣٩ كتاب: التفسير، وصححه الحاكم. ٢٤ كتاب الزكاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٢٤ - كتاب الزكاة] ١ - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى -عز وجل-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] في حديث هرقل: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ (١). [انظر: ٧] ١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا - رضي الله عنه - إِلَي اليَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَي شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». [١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٢٦١] ----------- (١) علَّق تحت سبط بقوله: (هذا معنى كلام البخاري لا لفظه). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#281 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 211 الى صـــ 230 الحلقة (281) ١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. قَالَ: مَا لَهُ؟ مَا لَهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَقَالَ بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْن عَبْدِ اللهِ أنَهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيُّوبَ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو. [٥٩٨٢، ٥٩٨٣ - مسلم: ١٣ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهأَنَّ أعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الَجنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَي هذا». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. [مسلم: ١٤ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادٍ: «الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ». [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ؟» [٦٩٢٤، ٧٢٨٤ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ١٤٠٠ - فَقَالَ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [١٤٥٦، ١٤٥٧، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ثمَّ ذَكَرَ حديثَ ابن عباسٍ في بعثِهِ معاذًا إلى اليمن، إلى أنْ قال: «.. فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ». وحديث أبي أيوب: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. وفيه: «وَتُؤْتي الزَّكاةَ». ذكره من حديثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ (أبي) (١) عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيوبَ. وَقَالَ: قال بَهْزٌ: ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا محمدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وأَخْشَى أنْ يَكُونَ محمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْروٌ. وحديث أبي هريرة، وفيه: «وتؤدي الزَّكاةَ المفْرُوضة». وحديث ابن عباس: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ .. الحديث، وفيه: «وَإيتَاءِ الزَّكاةِ». -------------- (١) كذا بالأصل، وفي اليونينية (ابن) وفي نسخة: (محمد بن) وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. وحديث أبي هريرة: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، وفيه: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فرق بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ .. الحديث. الشرح: الزكاةُ في اللغة: النَّماء والتطهير، وإن كان في الظاهر قد تنقص. وحديث ابن عباس الأول سلف مسندًا في أول الكتاب وغيره (١). وحديثه الثاني أخرجه مسلم، والأربعة (٢)، وسيأتي في مواضع من الكتاب (٣). وعند مسلم عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ -. جعله من مسند معاذ (٤). وفي «الإكليل» للحاكم أن بعثه وبعث أبي موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع، وفي «الطبقات» مثله، وأنه في ربيع الآخر (٥). وزعم ابن الحذاء أن هذا كان في هذا الشهر سنة عشر. وقدم في خلافة أبي بكر في الحجة التي حج فيها عمر، وكذا ذكره سيف في «الردة»، وبعثه قاضيًا كما قَالَ أبو عمر (٦). وقال العسكري: واليًا. -------------- (١) سلف برقم (٧) كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٢) «صحيح مسلم» برقم ١٩/ ٣١ كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي ٥/ ٢ - ٤، وابن ماجه (١٧٨٣). (٣) سيأتي برقم (١٤٥٨) باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، (١٤٩٦) باب: أخذ الصدقة من الأغنياء، (٢٤٤٨) كتاب: المظالم، باب: الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، و(٤٣٤٧) كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى، و(٧٣٧١ - ٧٣٧٢) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى. (٤) «صحيح مسلم» ١٩/ ٢٩. (٥) «الطبقات» ٣/ ٥٨٤. (٦) «الاستيعاب» ٣/ ٤٦٠. وكان قسم اليمن على خمسة: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على لبدة، وزياد بن أبيه (١) على حضرموت، ومعاذ على الجنَد، وأبي موسى على زَبيد وعدن والساحل. وحديث أبي أيوب أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: عرض له في سفر. وفي آخره: دع الناقة (٢). قَالَ الدارقطني: يقال: إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمدًا، وإنما هو عمرو بن عثمان، والحديث محفوظ عنه، حدث به عن يحيى القطان وأحمد بن عبيد وجماعات عن عمرو بن عثمان (٣). وقال الكلاباذي، والجياني (٤)، وغيرهما: هو مما عد على شعبة أنه وَهِمَ فيه. وقد خرجه مسلم عن محمد بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، ونبه عليه في كتابه «شيوخ شعبة». وقال البخاري في كتاب الأدب: حَدَّثَني عبد الرحمن، ثنا بهز، عن شعبة، عن ابن عثمان (٥)، وهو أقرب إلى الصواب. وعند مسلم عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، ثنا بهز، أنا شعبة، ثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان (٦). ------------- (١) في هامش الأصل: صوابه كبير. (٢) هذِه الرواية لم أقف عليها عند البخاري وإنما هي في «صحيح مسلم» برقم (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدخل به الجنة، وكذا عزاه ابن حجر إلى مسلم كما في «الفتح» ٣/ ٢٦٤، وعزاه أيضًا العيني إلى مسلم في «عمدة القاري» ٧/ ١٦٧. (٣) «علل الدارقطني» ٦/ ١١٢ - ١١٣. (٤) «تقييد المهمل» للجياني ٢/ ٦٠٥. (٥) سيأتي برقم (٥٩٨٣) باب: فضل صلة الرحم. (٦) «صحيح مسلم» (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. وفي الأول من حديث بدل بن المحبر، أنبأنا شعبة، عن محمد بن عثمان: سمعت موسى، فذكره. ثم قَالَ: قَالَ أبو يحيى: هذا حديث صحيح سمعه شعبة من عثمان بن عبد الله، ومن ابنه محمد بن عثمان، وسمعه محمد، وأبوه عثمان، وأخوه عمرو بن موسى عن أيوب. وفيه: رد لقول الدارقطني: الحديث محفوظ عن عمرو. وأخرجه النسائي من حديث بهز، عن شعبة، عن محمد بن عثمان، وأبيه عثمان، وكذا رواه أحمد، عن بهز (١). وقال الإسماعيلي: جوده بهز فقال: حَدَّثَنَا شعبة، ثنا محمد بن عثمان، وأبوه عثمان. قَالَ: وانفرد ابن أبي عدي بالرواية، عن محمد، عن أبيه، عن موسى. وحديث أبي هريرة قَالَ البخاري في آخره: حَدَّثَنَا مسدد .. إلى أن قَالَ: حَدَّثَنِي (أبو زرعة) (٢) عن النبي - ﷺ - بهذا، كذا هو ثابت في النسخ، وكذا ذكره صاحبا المستخرجين، والحميدي في «جمعه» (٣)، وفي أصل العز الحراني، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وزعم الجياني (٤) أنه وقع تخليط وَوَهمٌ في رواية أبي أحمد كان عنده، من طريق عفان، عن يحيى بن سعيد بن حيان، أو عن يحيى بن سعيد؛ عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وهو خطأ، إنما الحديث عن وهيب، عن أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة على ما رواه ابن السكن، وأبو زيد، وسائر الرواة، عن الفربري (٥). ------------ (١) «سنن النسائي» ١/ ٢٣٤ كتاب: الصلاة، ثواب من أقام الصلاة، وأحمد ٥/ ٤١٨. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة كلمة: تابعي. (٣) انظر: «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩. (٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٤. (٥) انتهى كلام الجياني. وهذا الأعرابي هو سعد كما قَالَ ابن الأثير. وفي الطبراني من حديث المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن عمه أنه شاك (١). وحديث ابن عباس سلف في الإيمان (٢). وحديث أبي هريرة الأخير فيه هنا: عناقًا، وفي موضع آخر: عقالًا (٣)، وذكره في مسند الصديق، ويدخل في مسند عمر أيضًا لقوله: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاَس» وذكره خلف في مسنديهما، وابن عساكر ذكره في مسند عمر. قَالَ الترمذي: ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ. وقد خولف عمران في روايته عن معمر (٤). وقال النسائي: المحفوظ حديث الزهري عن عبيد الله (٥). إذا تقرر ذلك؛ فالزكاة فرض بنص الكتاب والسنة -وقد ذكر جملة منها في الباب- وإجماع الأمة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس في الحديث الصحيح: «بُنِي الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ» (٦) وهي دعائمه وقواعده لا يتم إسلام من جحد واحدًا منها، ألا ترى فهم الصديق لهذا المعنى. ------------- (١) «المعجم الكبير» ٦/ ٤٩ - ٥٠ (٥٤٧٨). (٢) سلف برقم (٥٣) باب: أداء الخمس من الإيمان. (٣) سيأتي برقم (٧٢٨٥) كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -. (٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (٢٦٠٧) كتاب: الإيمان، باب: عن رسول الله ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٦ كتاب: الجهاد، باب: وجوب الجهاد. (٦) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم لقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ورواه مسلم (١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. وقوله: (والله لأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) وقام الإجماع على أن جاحدها كافر، فإن منعها بخلًا أخذت قهرًا وعُزِّر، وإن نصب الحرب دونها قوتل اقتداءً بالصديق في أهل الردة (١). وكانت الردة أنواعًا: قوم ارتدوا على ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، وقوم آمنوا بمسيلمة، وهم أهل اليمامة، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا: ما رجعنا عن ديننا ولكن شححنا على أموالنا، فرأى الصديق قتال الجميع، ووافقه جميع الصحابة بعد أن خالفه عمر في ذلك، ثم بان له صواب قوله، فرجع إليه، فسبى الصديق نساءهم وأموالهم، اجتهادًا منه. فلما ولي عمر بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضًا بمحضر الصحابة من غير نكير. والذين رد منهم عمر لم يأبَ أحد منهم الإسلام. وعذر أبا بكر في اجتهاده، وصوب رأيه. وقال بعضهم: حكم أبو بكر في أهل الردة بالسبي وأخذ الأموال، وجعلهم كالناقضين. وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين، فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام، إلا من تمادى بعد بلوغه. وعلى هذا الفقهاء، وبه قَالَ ربيعة، وابن الماجشون، وابن القاسم. وذهب أصبغ إلى فعل أبي بكر أنهم كانوا كالناقضين (٢). -------------- (١) انظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٦١٥ - ٦١٨. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٩٦، ٤٩٧. وتأويل أبي بكر مستنبط من قوله -عز وجل- في الكفار: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فجعل من لم يلتزم ذلك كله كافرًا يحل دمه وماله وأهله، ولذلك قَالَ: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقَالَ الداودي: قَالَ أبو هريرة: والله الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر ما عبد الله. قيل له: اتق الله يا أبا هريرة. فكرر اليمين، وقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وكثرت أطماع الناس في المدينة، وإرادته الصحابة على إمساكه لجيش أسامة والكف عمن منع الزكاة، فقال: والله لو لم يتبعني أحد لجاهدتهم بنفسي حَتَّى يعز الله دينه أو تنفرد سالفتي، فاشتد عزم الصحابة حينئذٍ، وقمع الله أهل الباطل بما أرادوه. وهذا كله يشهد لتقدم الصديق في العلم ورسوخه فيه، وأن مكانه من العلم ونصرة الإسلام لا يوازيه فيه أحد. ألا ترى رجوع جماعة الصحابة إلى رأيه في قتال أهل الردة، ولا يجوز عليهم اتباعه تقليدًا له دون تبين الحق لهم، وذلك بأنه احتج عليهم أن الزكاة قرينة الصلاة، وأنها حق المال، وأن من جحد فريضة فقد كفر ولم يعصم دمه ولا ماله، وأنه لا يعصم ذلك إلا بالوفاء بشرائع الإسلام، ولذلك قَالَ عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق بما بينه أبو بكر من استدلاله على ذلك، فبان لعمر وللجماعة الحق في قوله: فلذلك اتبعوه. وفي الآية التي ذكرها البخاري دليلان على الوجوب: أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر للوجوب. الثاني: أنه قرنها بالصلاة وهي الركن الثاني فاقتضى التساوي. وبهذه الطريقة احتج الصديق على من ناظره كما أسلفناه. وإنما أمر في حديث معاذ بالدعاء بالشهادة من لم يكن أسلم من أهل الكتاب، وسيأتي هذا مبينًا في حديث معاذ في باب لا تؤخذ الكرائم: «إِنَّكَ تأتي أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» (١). ومعنى حديث معاذ في ترتيب ما يدعوهم إليه أنهم إن جحدوا واحدة من ذلك لم يكونوا مؤمنين، ولم يبين إن امتنعوا ما يكون حكمهم. والحكم أنهم إذا امتنعوا بعد الإقرار بالشهادتين من شيء من ذلك ما سلف. وقال بعضهم: إن حكمهم حكم المرتد. والمعروف من مذهب مالك أنه يقتل (٢) في ذلك، إلا أن يصلي صلاة واحدة (٣)، ولم يذكر الحج ولا الصيام. قَالَ ابن التين: ولعل ذلك قبل نزول فرضهما. قلتُ: هذا غلط؛ فإن بعثه كان في السنة التاسعة أو العاشرة كما سلف، وفُرِضا قبل (٤). والجواب أنه اقتصر على الثلاثة؛ لتأكدها في ذلك الوقت. ------------- (١) يأتي برقم (١٤٥٨). (٢) في الأصل: يقال، والصواب ما أثبتناه. (٣) انظر: «الكافي» ص ٥٨٦. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وقع في كلام القرطبي أن الحج فرض في السنة الثانية، وهو غريب انتهى. لعلها الثامنة، فإن الماوردي ذكره كذلك في «الأحكام السلطانية». وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (١)، لكن أبو موسى كان معه. وفيه: أنه لا يحكم لإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وإنما بدأ في المطالبة بهما؛ لأنهما أصله لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، كالنصراني فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين. وأما اليهود فبالجمع بين ما أقر به من التوحيد والإقرار بالرسالة، وأهل اليمن كانوا (يهود) (٢)؛ لأن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن تبعًا تَهوَّد وتبعه على ذلك قومه فاعلمه (٣). ونبه - ﷺ - على أنهم أهل كتاب لكثرة حججهم، وأنهم ليسوا كجهال الأعراب. وفي قوله: «افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» دلالة أن الوتر ليس بفرض، وهو ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط. وطاعتهم بالصلاة تحتمل وجهين: أحدهما: الإقرار بوجوبها. والثاني: الطاعة بفعلها. والأول أرجح؛ لأن المذكور في الحديث هو الإخبار بالفرضية. ويترجح الثاني بأن الامتثال كاف. ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولا يخرج بذلك عن خبر الواحد. (٢) كذا بالأصل، والجادة أن يقول (يهودًا) لأنه لم يرد بها العلمية وإنما أراد الجمع والله أعلم. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ٢٩ - ٣٣. وفيه: أنه ليس في المالِ حقٌّ سِوى الزَّكاة وقد أخرجه مرفوعًا ابن ماجه كذلك، وفي إسناده ضعف (١)، وهّاه البيهقي (٢). وفي الترمذي: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة» وقال: إسناده ليس بذاك (٣). وذهب جمع منهم مجاهد أنه إذا حصد ألقى لهم من السنبل، وإذا جدوا النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه (٤). وفي «تفسير الفلاس» من حديث أبي العالية قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة ثم يسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (٥). ومن حديث محمد بن كعب في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قَالَ: ما قل منه أو كثر (٦). ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ قَالَ: شيء سوى الحق الواجب (٧). وعن عطاء: القبضة من الطعام (٨). ثم ذكر عن يزيد بن الأصم، وإبراهيم نحوه (٩). -------------- (١) «سنن ابن ماجه» (١٧٨٩) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز، وقال الألباني: ضعيف منكر. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٤ - ٨٥ كتاب: الزكاة، باب: الدليل على من أدى فرض الله في الزكاة فليس عليه أكثر منه، وقال: فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ الحديث، والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: (ليس في المال حق سوى الزكاة) فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره والله أعلم أهـ. (٣) «سنن الترمذي» (٦٥٩) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٦٥ (١٣٩٩٨). (٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٧٠ عن أبي العالية. (٦) رواه الطبري ٥/ ٣٦٧ (١٤٠٢١) عن محمد بن كعب. (٧) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٨). (٨) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٩). (٩) الطبري ٥/ ٣٦٦ (١٤٠٠٧ - ١٤٠٠٨). وروى أبو جعفر النحاس عن أبي سعيد مرفوعًا: «ما سقط من السنبل» (١) قَالَ: وقد روي وصح عن علي بن حسين، وهو قول عطية، وأبي عبيد. واحتج بحديث النهي عن حصاد الليل. وحكاه ابن التين عن الشعبي. وحكى الأدفوي أقوالًا في الآية: منهم من قَالَ: إنها منسوخة بالزكاة المفروضة. قاله سعيد بن جبير وغيره. ثانيها: أنه الزكاة المفروضة. قاله أنس وغيره (٢)، وعزي إلى الشافعي، وفيهما نظر. ومنهم من قَالَ: إنها على الندب. وانفرد داود (٣) فأوجب الزكاة في كل الثمر وكل ما أنبتت الأرض، وهو قول مجاهد، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي. قَالَ ابن حزم: والسند إليهم في غاية الصحة (٤). وقال أبو حنيفة: في كل هذا الزكاة إلا في الحطب والقضب والحشيش (٥). وقوله: («تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ») استدل به بعضهم على الصرف لأحد الأصناف الثمانية خلافًا للشافعي، وأن الزكاة لا تنقل من موضعها، وبه قَالَ مالك والشافعي (٦)، وعن مالك الجواز، وهو قول أبي حنيفة (٧). -------------- (١) «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٣٣ (٤٨٠). (٢) الطبري ٥/ ٣٦٢ (١٣٩٦٦). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني من أصحاب المذاهب المتبوعة فإن أراد التفرد الملطق فلا يصح. (٤) «المحلى» ٥/ ٢١٢. (٥) انظر: «البناية» ٣/ ٤٩٢. (٦) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣١، «المعونة» ١/ ٢٧١. (٧) انظر: «المدونة» ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، «البناية» ٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥. ومنع أحمد في مسافة القصر (١). وعن الحسن، والنخعي أنهما كرها نقلها إلا لذي قرابة (٢)، وبه أخذ ابن حبيب. قَالَ: ويكرى على ذلك منها إن شح على دوابه، فإن منعنا النقل لم يقع الموقع عندنا على الأصح. والخلاف للمالكية أيضًا بين سحنون المانع، وابن اللباد المجيز (٣)، وعليهما ينبني الضمان إذا تلف. ويدخل في عموم ذلك الطفل والمجنون، وبه قَالَ مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة (٤). وقال الأوزاعي: في ماله الزكاة غير أن الولي يحصيه، فإذا بلغ أعلمه؛ ليزكي عن نفسه. وقال الثوري: إن شاء اليتيم حينئذٍ زكَّاه (٥). وقال الحسن وابن سيرين: لا زكاة في ماله إلا في زرع أو ضرع. وقال أهل العراق: عليه في الأرض والفطر. وقد أفردت المسألة بالتصنيف وذكرت فيها مذاهب عديدة وأدلتها. وفيه: أن الزكاة تدفع للمسلمين؛ خلافًا لأبي حنيفة (٦). -------------- (١) انظر: «المغني» ٤/ ١٣١. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٣٩٣ (١٠٣٠٧) كتاب: الزكاة، في الصدقة يخرج بها من بلد إلى بلد من كرهه؛ بلفظ: أنهما كانا يكرهان أن يخرج الزكاة من بلد إلى بلد. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩١. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٠٣، «المدونة» ١/ ٢١٣، «البيان» ٣/ ١٣٥. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٧. (٦) هذا القول فيه نظر، فقد اتفق الفقهاء كما قال ابن هبيرة: على أنه لا يجوز إخراج الزكاة إلى الكافر، وقال الجوهري: وأجمعوا أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال، ولا من عشور الأرضين، وإن لم يوجد مسلم، إلا أن أبا حنيفة ذهب إلى = وفيه: أن المديان لا زكاة عليه؛ لأنه قسمهم قسمين. وهو قول أبي حنيفة خلافًا للشافعي في أظهر قوليه (١). وفيه: أن حد ما بين الغني والفقير ما يجب فيه الزكاة. وقال بعضهم: في ألفين، وقال المغيرة، وأهل الكوفة: من له عشرون دينارًا لا يأخذ الزكاة (٢). وكذلك قَالَ مالك: لا يعطى أكثر من نصاب. وعنه: لا حد في ذلك، إنما هو على اجتهاد المتولي (٣). والصحيح جواز دفعها لمن له نصاب لا كفاية فيه. وقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) يريد ما افترض عليه. قاله ابن التين. ويجوز أن يكون أعم. وقوله: «ما له؟ ما له؟» كأنه استعظم سؤاله؛ لأن الأعمال كثيرة. وقوله: (قَالَ النبي - ﷺ -: «أرَبٌ ماله؟») قَالَ صاحب «المطالع»: يروى «أرِبٌ ماله» على أنه اسم فاعل مثل حذر. ورواه بعضهم بفتح الراء أي: وضم الباء منونة، وبعضهم بفتح الباء أيضًا. فمن كسر الراء جعله فعلًا بمعنى احتاج فسأل عن حاجته، وقد يكون بمعنى يفطن لما سأله عنه فقال: أرب إذا عقل. وقيل معناه: رجل حاذق سأل عما يعنيه. وقيل: تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، أي: فَعَل فِعْل العقلاء في سؤاله عما جهله. وقيل: هو دعاء عليه، أي: سقطت ------------- = أنه يجوز أن يدفع إلى الذمي ما سوى ذلك من الصدقة، كزكاة الفطر والنذور والكفارات، وروي عن أبي يوسف أنه لا يعطى الذمي صدقة واجبة، انظر: «الإفصاح» ٣/ ٧٥، و«نوادر الفقهاء» ص ٤٨، «البناية» ٣/ ٥٤٢، «الفتاوى الهندية» ١٨٨١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣. (١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٥٤، «روضة الطالبين» ٢/ ١٩٧. (٢) انظر: «البناية» ٣/ ٥٤٦، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٧. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. آرابه، وهي أعضاؤه على عادة العرب كعقرى حلقى ونحوه، من غير قصد لوقوعه. ومن قَالَ أرب فمعناه: حاجة به، وتكون ما زائدة، وفي سائر الوجوه استفهامية. ولا وجه لقول أبي ذر: أرب. وفسر ابن قتيبة أرِبَ بكسر الراء وفتح الباء بأنه من الآراب مأخوذٌ، أي: الأعضاء، واحدها أرب، ومنه قيل: قطعت أربًا أربًا. أي عضوًا عضوًا (١). وجاء في رواية: «أرب ما جاء به؟» وإنما كرر قوله «ما له»؛ لحبسه زمام ناقته، أو غير ذلك فعله. وفسر الطبري قوله: «أرَبٌ ما جاء به؟» وقال: معناه: لحاجة ما جاءت به، الإرب: الحاجة. و(ما) التي في قوله: «ما جاء به» صلة (٢) في الكلام، كما قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] والمعنى: أرب جاء به. قَالَ ابن بطال: وعلى هذا التقرير تكون (ما) في الحديث زائدة، كأنه قَالَ: أرب له. وهو أحسن من قول ابن قتيبة، والمراد: له حاجة مهمة مفيدة جاءت به، وإلا فسؤاله قال أن له حاجة (٣). وقوله: «تعبد الله ..» إلى آخره؛ لم يذكر الحج والصوم. وفيه ما تقدم في حديث معاذ، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه ليس بفرض على الأعراب. ذكره الداودي. ولم يذكر لهم التطوع؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفي بالواجب تخفيفًا؛ ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها فيسهل الأمر. وذكر فيه صلة الرحم لحاجة السائل إليه، وذكر في حديث أبي هريرة زيادة الصوم. -------------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٧. (٢) ورد في الأصل تحت هذِه الكلمة: أي زائدة. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٨. ويجوز أن يكون السائل فيه هو السائل في حديث أبي أيوب، فإن يكنه فقد عرفت اسمه فيما مضى؛ وقيد فيه الزكاة بالمفروضة؛ وقد وصفها بذلك في قوله: «هذِه فريضة الصدقة» (١) كما ستعلمه. وقوله: (لا أزيد على هذا) أي من الفرائض أو أكتفي به عن النوافل. ويجوز أن يكون المراد: لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي، لأنه وافدهم، وهو لائح. وقوله: في حديث ابن عباس: («وشَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ») أي: وأن محمدًا رسول الله ولم يذكر فيه الصيام. وفيه ما سلف، وزاد فيه: «وأداء خُمُس المغنم». وقوله: (وعقد بيده هكذا) قَالَ الداودي جعل ذلك مثلًا للعقد والعهد الذي أخذه الله على عباده في الإسلام، وعلى العروة التي لا انفصام لها. والعَناق -بفتح العين-: الأنثى من ولد المعز ما دون الحول. وقيل عن أهل اللغة: إنها إذا أتى عليها أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وقوي على الرعي فهو جدي. والأنثى عناق، حكاه ابن بطال (٢)، وابن التين. وقال الداودي: هي الأنثى من المعز الحديثة قاربت أن تلد أو حملت ولم تضع بعد، أو عند وضعها. والمعروف أن العناق: جذعة. والجذعة لا تحمل، إنما تحمل الثنية فاعلمه. والعقال: صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير قولان، وذُكر --------------- (١) سيأتي برقم (١٤٥٤) كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤. ذلك على التقليل؛ لأن العناق لا يؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم، ولو كانت عناقًا كلها (١). والجديد عندنا أن في الصغار صغير (٢). وبه قَالَ أحمد، ومالك وأبو يوسف وزفر. إلا أن مالكًا وزفر يقولان: لا يجب فيما كبر من جنسها (٣). وقال ابن التين: بالوجوب قَالَ الفقهاء، خلا محمد بن الحسن فقال: لا شيء فيه (٤). وكان الواقدي يزعم أن التأويل الثاني رأي مالك، وابن أبي ذئب. قَالَ أبو عبيد: والأول أشبه عندي. وروى ابن وهب، عن مالك أن العقال: الفريضة من الإبل. وقال الخطابي: خُولف أبو عبيد في هذا التفسير، وذهب غير واحد من العلماء إلى أنه ضرب مثل بالقلة كقوله: لا أعطيك ولا درهمًا؛ وليس بسائغ في كلامهم أنه صدقة عام، وأيضًا فإنها منعت مطلقًا. وهم كانوا يتأولون أنهم كانوا مأمورين بدفعها إلى الشارع دون القائم بعده. وقيل: إنه كل ما أخذ من الأصناف من نعم وحب. وقيل: أن يأخذ عين الواجب لا الثمن. وفي رواية لابن الأعرابى: والله لو منعوني جديًا أدوط. قَالَ: والأدوط: الصغير الفك والذقن. --------------- (١) انظر: «الاستذكار» ٩/ ٢٢٨. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٦٧. (٣) ذكر المصنف رحمه الله مالكًا وزفر معهم، باعتبار أنهما يقولان: إن في الصغار زكاة، إلا أنهما كما يقولان: إن في الصغار صغيرة، فإنهما يقولان: إنه لا يؤخذ من الصغار شيئًا، بل يؤخذ مما كبر من جنسها، كما ذكر «المصنف» انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨، «الكافي» ص ١٠٧، «المنتقى» ٢/ ١٤٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢، «المغني» ٤/ ٤٧، «المحلى» ٥/ ٢٧٥. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨. وقال الخطابي في قصة أبي بكر: هذا حديث مشكل لاختصاره في هذِه الرواية، وقد تعلق به الروافض. وقالوا: فيه تناقض، أخبر في أوله بكفر من كفر من العرب، وفي أثنائه: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة). وهذا يوجب كونهم ثابتين على الدين، وزعموا أن عمر وافقه على الحرب تقليدًا، وكيف استجاز قتلهم، وسبي ذراريهم إن كانوا مسلمين، وإن كانوا مرتدين فكيف تعلق بالفرق بين الصلاة والزكاة، ثم زعموا أن القوم تأولوا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أنها خصوص بالشارع لم يؤمر بأخذها أحد غيره، فإن صلاته (كانت) (١) سكنًا وتطهيرًا. وقال شاعرهم وهو الحطيئة -فيما ذكره المبرد- من أبيات، وعزاها غيره لغيره: أطعنا رسول الله ما دام بيننا … فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر أيورثها بكرًا إذا مات بعده … وتلك لعمرُ الله قاصمة الظهر ونحن نبين ذلك فنقول: روايات أبي هريرة مختصرة إلا رواية سعيد، عن أبيه كثير، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ ..» الحديث (٢)، وفيه: «ثم حرمت عَلَيّ دماؤهُم وأموالهم». ------------ (١) من (م). (٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٤٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥ - ٣٦، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٢٧٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٨ (٢٢٤٨) كتاب: الزكاة، باب: الدليل على أن دم المرء وماله إنما يحرمان، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا يشهدوا بالشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٧٧، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٩٢ (٨)، والحاكم ١/ ٣٨٧ كتاب: الزكاة. و(كثير) هذا هو ابن عبيد مولى أبي هريرة، أدخله ابن خزيمة في «صحيحه» (١). ووافقه ابن عمر وأنس من طرق صحاح أن الزكاة كانت شرطًا لحقن الدماء، فثبت أن أبا بكر قاتلهم بالنص لا بالاجتهاد الذي جرى في خبر عبيد الله في البخاري، عن أبي هريرة. ويشبه أن يكون ما ذكره على سبيل الاستظهار في المناظرة بالترجيح. وفي هذا سقوط جميع ما أورده الروافض. والمرتدة صنفان: صنف كفروا وهم أصحاب مسيلمة، ومن نحا نحوهم من إنكار نبوة نبينا، وإياهم عني بقوله: (وكفر من كفر). وصنف أنكروا الزكاة، وقالوا: ما رجعنا عن ديننا، ولكن شححنا على أموالنا، وهم في الحقيقة أهل بغي، ودخلوا في غمار الأولين فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة، إذ كانت أعلى الأمرين خطبًا، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخًا بأيام علي، إذ كانوا منفردين في عصره لم يخلطوا بأهل شرك. ولا شك أن من أنكر الزكاة الآن فهو كافر بالإجماع. وهذِه الفرقة عذروا لقرب العهد بالزمان الذي غُيرت فيه الأحكام، ووقوع الفترة، وجهلهم أيضًا. وما جرى من السبي فهو راجع إلى الاجتهاد. واستولد علي جارية من سبي بني حنيفة، وولدت له محمدًا الذي يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقرض العصر حَتَّى رأوا خلافه. واتفقوا على أن المرتد لا يسبى. وهذا مذهب أصبغ أن من ارتد كمن نقض العهد، وهو تأويل الصديق وجماعة العلماء على ما حكم -------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٨ (٢٢٤٨). به عمر أنهم كالمرتدين، وذلك أن عمر رد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد، إلا من تمادى بعد بلوغه. وإنما أوردوا الخلاف في أولاد المرتدين. وقد قيل: لم يسب أحد من رجالهم. وقد جيء بالأشعث بن قيس، وعيينة بن حصن فأطلقهما، ولم يسترقهما. وقيل: كانت الردة على ثلاثة أنواع. وقد سلفت. وأوضح ذلك الواقدي في «الردة» تأليفه فقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وارتد من جماعة الناس: أسد، وغطفان إلا بني عبس؛ فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد ارتدت، وبنو حنيفة باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل، وأهل دباء، وأزد عمان، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة. وارتدت عامة بني تميم، وارتدت من بني سُليم عُصية، وعُميرة، وخُفاف، وبنو عمرو بن امرئ القيس، وذكوان، وحارثة. وثبت على الإسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وكعب بن عمرو من خزاعة، وثقيف، وهذيل، والديل، وكنانة، وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطيء، ومن قارب تهامة من هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومذحج إلا بني زبيد، وثبتت هَمْدَان، وأهل صنعاء. ثم أسند من حديث أبي هريرة قَالَ: لم يرجع رجل من دوس، ولا من أهل السراة كلها. ومن حديث مروان التجيبي قَالَ: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأنباء بصنعاء. وقال موسى بن عقبة: لما مات رسول الله - ﷺ - رجع عِلْية العرب عن دينهم: أهل اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وأسد، وبنو عامر، وأشجع. ومسكت طيء بالإسلام. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#282 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 231 الى صـــ 250 الحلقة (282) وقال سيف في «الردة» عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت باليمن على عهد رسول الله - ﷺ - على يدي ذي الخمار عبد الله بن كعب وهو الأسود العنسي. وعن عروة: لم يبقَ حي من العرب إلا ارتد ما خلا أهل مكة، والطائف، والقبائل التي أجابت النبي - ﷺ - عام الحديبية ممن حول مكة، والقبائل التي عاتت الله يوم الحديبية. ورابَ عبد القيس وحضرموت بعض الريب، وحسن بلاؤهم واستقاموا. وقال قتادة فيما رواه الحاكم في الردة قَالَ: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب كلها إلا ثلاثة مساجد: مكة، والمدينة، والبحرين. وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فلا شك أن الخطاب على أنحاء: عام: كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وخاص: كقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، و﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومواجهة له - ﷺ -، وهو والأمة فيه سواء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التو بة: ١٠٣]. والفائدة في مواجهته في هذا الخطاب أنه هو الداعي إلى الله، والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في الشرائع على حسب ما بينه لهم. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالنبوة، ثم خاطب أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له والمراد غيره. وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فباقٍ غير منقطع، يستحب للإمام والعامل الدعاء للمتصدق بالنماء والبركة في ماله. وقوله: (من فرق) هو بتخفيف الراء وتشديدها. وفيه: من الفقه -غير ما تقدم-: أخذ الصغائر من الصغائر، وهذا قد سلف، ونحا إليه ابن عبد الحكم، وقال: لولا خلاف قول مالك وأصحابنا لكان بينًا أن يأخذ واحدًا من أوساطها (١). وقال مالك: فيها ثنية (٢)، وكذا ذكره الداودي والخطابي عنه. قَالَ ابن التين: والمعروف عن مالك أن جذع المعز يجزئ (خلاف) (٣) الضحايا. وإنما منع من ذلك ابن حبيب. وأجاب القاضي عبد الوهاب عن هذا الإلزام بأن قَالَ: المراد به عناقًا جذعة. وفيه: دليل على أن حول النتاج حول الأمهات، ولو كان يفرد لها بحول لما يوجد السبيل إلى أخذ العناق، وإيجاب الزكاة فيها مطلقًا. وعند أبي حنيفة والشافعي بشرط أن تكون الأمهات نصابًا. وفيه: أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة إذا وجبت في ماله. وقوله: «وحسابُهُ على الله» أي فيما يسره دون الظاهر من أمره. --------------- (١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٨٣، «عيون المجالس» ٢/ ٤٨٠. (٣) في الأصل: خلافًا. وفوقها كلمة: كذا. وفيه: قبول توبة المرتد، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن مالك: لا تقبل توبة المستتر بكفره. وذكر عن أحمد نحوه (١). وقوله: (فعرفت أنه الحق). دال على أن عمر لم يرجع إلى أبي بكر تقليدًا. ------------ (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٥١٨ - ٥١٩، «المعونة» ٢/ ٢٩٦، «المغني» ١٢/ ٢٦٩. ٢ - باب البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ٥] ١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٨ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٣/ ٢٦٧] وذكر فيه عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَاِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. هذا الحديث أخرجه البخاري قبيل كتاب العلم (١) كما سلف واضحًا، وهذا الباب في معنى الباب الذي قبله. وقد أخبر الله تعالى في هذِه الآية أن الأخوة في الدين إنما تستحق بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ودل ذلك أنه من لم يقمها فليس بأخ في الدين. وفيها حجة للصديق في قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة. وقد قام الإجماع في الرجل يقضي عليه القاضي بحقٍ لغيره فيمتنع من أدائه: أن واجبًا على القاضي أن يأخذه من ماله، فإن نصب الحرب دونه وامتنع قاتَلَهُ حَتَّى يأخذه منه، وإن أتى القتال على نفسه فشر قتيل. فحق الله الذي أوجبه للمساكين أولى بذلك. وذكر النصح لكل مسلم في البيعة مع الصلاة والزكاة يدل (على) (٢) حاجة جرير وقومه إلى ذلك. وكان جرير رئيس قومه. وقيل: كان جرير ------------- (١) سلف برقم (٥٧) كتاب: الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة». (٢) من (م). إذا بايع أحدًا يقول له: الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك. ويخبره الحديث (١) (٢). ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الحادي عشر كتبه مؤلفه غفر الله له. ٣ - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] ١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا». وَقَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ». قَالَ: «وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ». [٢٣٧١، ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٢٦٧] ١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ -يَعْنِي: شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. [٢٣٧١، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٣٦٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ..». وعنه أيضًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ ماله يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ ..». الشرح: جعل أبو العباس الطرقي هذين الحديثين حديثًا واحدًا. ورواه مالك في «موطئه» موقوفًا على أبي هريرة (١). قَالَ أبو عمر: ورواه عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا -وهذا في النسائي- قَالَ: وهو عندي خطأ، والمحفوظ حديث أبي هريرة، وحديث عبد العزيز خطأ بيّن في الإسناد، ورواية مالك وعبد الرحمن التي في البخاري هي الصحيحة، وهو مرفوع صحيح (٢). أما الآية فقال أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي في «معانيه»: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾: إن شئت وجهت الذهب والفضة إلى الكنوز. وقيل المراد بالإنفاق: الزكاة، ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، ويجوز أن نعيده على الفضة، وحذف الذهب؛ لأنه داخل فيها. وهذِه الآية قَالَ الأكثرون: إنها في أهل الكتاب. وقيل: عامة. وقيل: خاصة في من لم يؤد زكاته من المسلمين، وعامة في المشركين، وهو تأويل البخاري بعد هذا. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ لأن جمع المال كان محرمًا في أول الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه. وقد وقع في «الصحيح» عن ابن عمر -وقد سُئل عن هذِه الآية- قَالَ: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة (٣). ------------- (١) «الموطأ» ص ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الكنز. (٢) «الاستذكار» ٩/ ١٣١. (٣) سيأتي برقم (١٤٠٤) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، وبرقم (٤٦٦١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾. وفي أبي داود -بإسناد جيد- عن ابن عباس: لما نزلت هذِه الآية كبر ذلك على المسلمين، فسأل عمر رسول الله - ﷺ - فقال. «إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم» (١). واستدل بهذِه الآية البخاري على إثم مانعي الزكاة. ومن أداها ليس بداخل فيها. واستدل بها أيضًا على إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة المطبوع وغيره؛ لعموم اللفظ، وعلى ضم الذهب إلى الفضة، وهو قول الحنفية، فيضم بالقيمة كالعروض. وعند صاحبيه بالأجزاء (٢). والكنز أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالنقدين ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بخيرِ ما يكنزه المرءُ: المرأة الصالِحة» (٣) أي: يضمه لنفسه ويجمعه. وقال صاحب «المحكم»: هو اسم للمال ولما يحرز فيه، وجمعه: كنوز (٤). وقال في «المغيث»: هو اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدرى مَن كنزه. وسيأتي في الباب بعده زيادة على ذلك؛ وعن علي: ------------------- (١) «سنن أبي داود» (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣). (٢) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣. (٣) رواه أبو داود (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٣٧٨ (٢٤٩٩)، والحاكم ٢/ ٣٣٣ كتاب: التفسير وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ١٩٤ (٣٣٠٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٦٨ مختصرًا، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣). (٤) «المحكم» ٦/ ٤٦٠. أربعة آلاف فما دونها نفقة، فإن زادت فهي كنز أديت زكاة أو لم تؤدِ. وظاهره منع آدخار كثير المال؛ وعن أبي أمامة: من خلف بيضاء أو صفراء، كوي بها مغفورًا له أو غير مغفور (١). حكاه ابن التين. وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي: اجعل لهم موضع البشارة، عذابًا أليمًا، أي: مؤلمًا. وقوله: («على خير ما كانت») يعني في القوة والسمن، يكون أشد لثقلها وأنكى. وقوله: («تطَؤُهُ بِأخْفَافِها») سقطت الواو من «تطَؤُة» عند بعض النحويين؛ لشذوذ هذا القول من بين نظائره في التعدي، وكذلك وسِّع؛ لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فَعِل بكسر العين، كان غير متعد غير هذين الحرفين، فلما شذَّا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل: إن أصله يوطئ بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة. وقوله: («وتَنْطحُه») هو بكسر الطاء. وحكى المطرز في «شرح الفصيح» فتحها (٢)، وماضيه مخفف. وقد شُدد. ولا يختص بالكبش كما ادعاه ابن صاف، بل يستعمل في الثور، وغيره. وقوله: («وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ») وجهه نيل المنتاب إلى الماء من الفقراء حسوة من لبنها، وكذلك ابن السبيل والمارة. وقد عاب الله قومًا أخفوا جدادهم (٣) في قوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أرادوا -------------- (١) «تفسير القرطبي» ٨/ ١٣١. (٢) ورد بهامش الأصل: الفتح والكسر في «الصحاح». (٣) ضبطها الناسخ بكسر الجيم وفتحها ثم كتب فوقها معًا. أن لا يصيب المساكين منها شيئًا. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نحو من هذا. وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. ويحتمل أن يكون باقيًا معها وأنه مثلها، قاله الشعبي، والحسن، وعطاء، وطاوس. وقال أبو هريرة: حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن (١). وتأول قائله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] فقالوا: مثل فك العاني، وإطعام الجائع الذي يخاف ذهاب نفسه، والمواساة في المسغبة والعسرة. وتأول مسروق في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قَالَ: هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته صلته فيجعل حية يطوقها (٢). ومذهب أكثر العلماء أن هذا على الندب، أي: أن هذا حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق. وقد بين الشارع أن قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ في مانع الزكاة، وقد انتزعها ابن مسعود في مانعها أيضًا (٣). وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد ولا يُحد لها وقت فيجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من ضيف مضطر، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من ---------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣١ (٦٨٦٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجب في الإبل والبقر والغنم. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢٨ (١٠٧٠٢) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٥٣٣ (٨٢٨٩). يواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها هذِه الضرورات. قلتُ: وكان من عادة العرب التصدق باللبن علي الماء، وكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وفي كتاب الشرب من البخاري من روى: تجلب، بالجيم، أراد تجلب لموضع سقيها، فيأتيها المصدق. ولو كان كما قَالَ لقال: أن تجلب إلى الماء دون (على الماء). ولعل البخاري يرى رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقوله: («يُعار») هو بياء مثناة تحت مضمومة ثم عين مهملة، كذا هنا. وروي بالمثلثة. وروي: (ثُعار أو يعار) على الشك. وروي بالغين المعجمة. وفي باب الغلول: «شاة لها ثغاء أو يعار» (١) والثغاء للضأن، واليعار للمعز. وقال ابن سيده: اليعار: صوت الغنم، أو قيل: المعز. وقيل: هو الشديد من أصوات الشاء. وقال الفراء: الثغار ليس بشيء، إنما هو الثغاء وهو صوت الشاة فيجوز أن يكون كتب الحرف بالهمزة أمام الألف، فظنت راء. وقال صاحب «الأفعال»: الثغور: الشاة التي تبول على حالها وتتغير فيفسد اللبن. وقوله: («ببعيرٍ له رُغَاءٌ») هو صوت البعير. وقوله: («مثل له ماله») أي جعل مثله. يريد أنه يجعل له ماله الذي كان لم يؤدِّ زكاته، أو الزكاة لم يؤدها. والأول أشبه بلفظ الحديث كما قاله ابن الأثير في «شرح المسند». قَالَ: ومثلت يتعدى إلى مفعولين، تقول: مثلت الشمع فرسًا. فإذا بُني لما لم يسم فاعله تعدى إلى ------------ (١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد والسير. مفعول واحد، فلهذا قَالَ: «مُثَّل له ماله شجاعًا أقرع» (١). وفي رواية الشافعي: شجاع بالرفع (٢)؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثِّل لأنه أخلاه من الضمير، وجعل له مفعولًا واحدًا. ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤدَّ زكاته. وإنما هو حقيقة حية تخلق له، تفعل به ذلك. يعضد ذلك أنه لم يذكر في رواية الشافعي ماله بخلاف رواية البخاري. وقوله: «يطوقه» وفي رواية: «وحتى يطوقه» (٣) فالواو مفتوحة أي: حَتَّى يطوقه الله في عنقه، أي: يجعل له طوقًا. والهاء فيها كالأول، وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه، وهو كناية عن الشجاع، أي: يصير له طوقًا. فالهاء عائدة على الطوق؛ لأن الطوق الحية. والأقرع إنما يتمعط شعر رأسه لجمعه السم فيه. وقال أبو سعيد النيسابوري: هو الذي ذهب لحم رأسه ولصق جلدته. وإنما يكون أقرع إذا كان مرة أشعر فقرع بعد. وقال الأزهري: الشجاع: الحية الذكر، وسمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حَتَّى تتمعط منه فروة رأسه. وقال القزاز في «جامعه»: ليس على رءوس الحيات شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وحكى اللحياني فتح الشين وضمها. قَالَ ابن دريد: الكسر (٤) أكثر في ---------------- (١) «الشافي شرح مسند الشافعي» ٣/ ٦١. ط. (٢) «الأم» ٢/ ٥٧ باب: غلول الصدقة. (٣) رواها البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٨١ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في الوعيد فيمن كنز مال الزكاة ولم يؤد زكاته. (٤) بهامش الأصل: الذي قاله ابن دريد في «الجمهرة» وإنما هو في الجمع، لكن في «المطالع» الكسر في المفرد، ولفظه وقد تكسر السين، وحكي الضم والكسر في الجمع أيضًا، وفي «الصحاح» الضم والكسر في المفرد والجمع والله أعلم. الجمع (١). وقال شمِرُ في كتابه «الحيات»: هو ضرب من الحيات لطيف رقيق، وهو -زعموا- أجرؤها (٢). وقال في «الاستذكار»: قيل: إنه الثعبان. وقيل: الحية. وقيل: هو الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه. وربما (بلغ) (٣) وجه الفارس. ويكون في الصحاري. قَالَ: والأقرع الذي برأسه بياض. وقيل: كلما كثر سمه أبيض رأسه (٤). قَالَ ابن خالويه: وليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب، فذكر أربعة وثمانين اسمًا. وجزم ابن بطال (٥)، وابن التين بأنه الحية الذي يقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس. وجزم ابن التين بأن الأقرع الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه ينحسر عنه الشعر، وهو أشد أذى. والزبيبتان: نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال: إنهما يبرزان حين يهيج ويغضب. وقيل: إنهما نقطتان سوداوان على عينيه، وهي علامة الذكر المؤذي (٦). وسئل مالك عنهما -فيما حكاه ابن العربي- فقال: أراهما شيئين يكونان على رأسه مثل الفرس. وقال الداودي: هما نابان يخرجان من فيها. وأنكره بعضهم وقال: إنه لا يوجد. وقيل: يخرجان على شدقيه من الرغوة كالزبيبتين. ------------ (١) «جمهرة اللغة» لابن دريد ١/ ٤٧٧. (٢) انظر: «تاج العروس» ١١/ ٢٣٤. (٣) زيادة ليست بالأصل. (٤) انظر «الاستذكار» ٩/ ١٣٤، ١٣٥. (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٠٢. (٦) انظر: «الاستذكار» ٩/ ١٣٥، وقال: نقطتان مُسلحتان بدلا من منتفختان. وقوله: «بلهزمتيه» يعني: شِدقيه، هي بكسر اللام، وقريب من هذا التفسير أن اللهزمة، اللحي، وما يتصل به من الحنك. وحكى ابن سيده فيه خلافًا. وهو راجع إلى هذا، وعبارة ابن العربي: هما الماصعتان اللتان بين الأذن والفم. قَالَ ابن دريد: لهزمه إذا ضرب لهزمته (١). وتلاوته - ﷺ - الآية تدل على أنها نزلت في مانعي الزكاة. وقيل: إن المراد بها اليهود؛ لأنهم بخلوا بصفة النبي - ﷺ -. فالمعنى: سيطوقون الإثم. وتأول مسروق أنها نزلت في من له مال فيمنع قرابته صلته، فيطوق حية كما سلف. وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة كما سلف. وادعى المهلب أن في الآية السالفة فرض زكاة الذهب، قال: ولم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضة. قلتُ: بلى، صح من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولًا، وفيه: «وفي كل أربعين دينارًا دينار» رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، ثم قَالَ: ونص الحديث في الفضة؛ وفي الرقة ربع العشر (٢). قلتُ: قد قيل: إنها (٣) تشمل الذهب أيضًا. قَالَ: إلا أن قوله: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته» يدخل في عمومه الذهب والفضة. قَالَ: وإنما لم يروا زكاة الذهب من طريق النص عن رسول الله - ﷺ - والله أعلم؛ -------------- (١) «الجمهرة» ٢/ ٨٢٧. (٢) «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩) كتاب: التاريخ، باب: كتب النبي - ﷺ -، «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الضمير في (إنها) يعود على الرقة وهي أقرب مذكور. لكثرة الدراهم بأيديهم، وبها كان تجرهم؛ ولقلة الذهب عندهم. وكان صرف الدنانير حينئذٍ عشرة دراهم، فعدل المسلمون بخمس أواقٍ من الفضة عشرين مثقالًا وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به، وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينار، إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة، وهو شاذ لا يعرج عليه. وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة، وإن كان أقل من عشرين مثقالًا، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري، فجعلوا الفضة أصلًا في الزكاة. ٤ - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». ١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. [٤٦٦١ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» [١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ. فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَي عُثْمَانَ - رضي الله عنه - يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ المَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [٤٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي العَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ، أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. [مسلم: ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِى -قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟». قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَي الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ». وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا والله لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللهَ. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤، ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧٢] وقال أحمد بن شبيب بن سعيد .. فذكره بإسناده إلى ابن عمر قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. ثم ذكر حديث أبي سعيد: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». ثم ذكر اختلاف أبي ذرٍّ وَمُعَاوِيَة هل نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ الآية. فِي أَهْلِ الكِتَابِ. وقال أبو ذرٍّ: فِينَا وَفِيهِمْ. ثم ذكر عن الأَحْنَفَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى ملأٍ مِنْ قُرَيْشٍ، .. الحديث بطوله. الشرح: هذِه الترجمة كذا رواها أبو ذر، ولأبي الحسن: (مَنْ) بدل (ما)، أي: فليس بذي كنز، وهذِه الترجمة طبق حديث أخرجه الحاكم على شرط البخاري عن أم سلمة مرفوعًا: «ما بَلَغَ أنْ تُؤدى زَكَاتُهُ فزكي فَلَيْسَ بكَنْزٍ» (١) ورجحه ابن القطان، وعاب على من ضعفه (٢). وفي «مسند أَحمد» بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: «أيما مال أديت زكاته فليس بكنز» لكنه ليس على شرطه، فلذا لم يخرجه. نعم للحاكم أيضًا، وقال: على شرطهما، من حديث أبي ذر مرفوعًا: «من رفع دنانير أو دراهم أو تبرًا أو فضة، لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز» (٣). وقال الإسماعيلي: إن كانت الترجمة صحيحة لما ذكره فالمعنى من هذا الوجه ليس بصحيح، وأحسبه: وقال النبي كذا، أو يقول كذا. قلتُ: بل المعنى صحيح؛ لأنه يريد أن ما دون خمس أواق ليس بكنز؛ لأنه لا صدقة فيه. فإذا زاد شيئًا عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز. وهذا التعليق ذكره بعدُ مسندًا. وأثر ابن عمر أخرجه البيهقي، عن الحاكم، عن دعلج، عن أبي عبد الله محمد بن علي الصايغ، عن أحمد بن شبيب، به. وفي آخره -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٣٩٠ ورواه أبو داود (١٥٦٤) بنحوه. (٢) ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (٢٥٣٥) والذي عاب عليه ابن القطان في تضعيفه، هو عبد الحق في «الأحكام الوسطي» ٢/ ١٦٩. والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي دواد» (١٣٩٧) بشاهد له ذكره في «صحيحته» (٥٥٩) فلينظر غير مأمور. (٣) «المستدرك» ١/ ٣٨٨. قَالَ خالد بن شبيب: ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله (١). ورواه النسائي من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن خالد. قَالَ الحميدي: وليس لخالد في «الصحيح» غيره (٢). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم، والأربعة (٣)، ويأتي في زكاة الورق وغيره (٤). وقوله: (وحَدَّثَني علي، سمع هشيمًا) اختلف فيه على أقوال: فقيل: هو ابن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ البغدادي. قَالَ الجياني: نسبه أبو ذر عن المستملي (٥). ولم يذكر الكلاباذي أن البخاري روى عنه هنا. قَالَ: وروى عنه في النكاح. وقيل: هو أبو الحسن علي بن مسلم ابن سعيد الطوسي نزيل بغداد. قاله الكلاباذي وابن طاهر. وقيل: هو ابن المديني (٦). ذكره الطرقي. وأثر الأحنف زاد فيه مسلم قَالَ: قلتُ: مالكَ ولإخوانك من قريش لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قَالَ: لا وربك. أما حكم الباب: فالكنز في كلام العرب كما قَالَ الطبري: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وكذلك -------------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٢ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه. (٢) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٩٤. (٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩) كتاب: الزكاة. (٤) سيأتي برقم (١٤٤٧)، و(١٤٥٩) باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و(١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. (٥) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٠٠. (٦) ورد بهامش الأصل: وكل منهم روى عنه البخاري في «الصحيح». تقول العرب للشيء المجتمع مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض (١). واختلف السلف في معنى الكنز فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته. وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾ لا يؤدون زكاتها. وهذا قول الفاروق (٢)، وابنه (٣)، وابن عباس (٤)، وعبيد بن عمير (٥)، وجماعة. وقال آخرون: الكنز: ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، وإن أديت زكاته. وسلف عن علي (٦). وقال آخرون: الكنز ما فضل عن حاجة صاحبه إليه. وهذا مذهب أبي ذر. روي أن نَصْل سيف أبي هريرة كان من فضة فنهاه عنه أبو ذر وقال: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بِها» (٧). واتفق أئمة الفقهاء على قول الفاروق ومن تبعه، واحتج له بنحو ما شرع له البخاري فقال: الدليل أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله على لسان رسوله - ﷺ - في كل خمس أواقٍ ربع عشرها. ---------------- (١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٦١. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٨ (٧١٤٦) كتاب: الزكاة، باب: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٦) كتاب: الزكاة، ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٧١٤٠ - ٧١٤٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٩)، الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٧، ٣٥٨ (١٦٦٦٤ - ١٦٦٦٨). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥٢٠). (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٧ (٧١٤٣). (٦) رواه الطبري في «تفسييره» ٦/ ٣٥٨ (١٦٦٧٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٢). (٧) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|