![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#19 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
الترهيب من الاستهزاء بشعائر الدين ونشر نكات تتضمن ذلك
السؤال قرأت نكتة استهزاء بشعائر الله، وهي: شخص منعوه من الحج بسبب ...... ذكرتها بنصها فقط، ولكن قلتها لشخص، وقال لي لا يجوز قول هذه النكتة. وبعد ذلك أرسلتها لشخص، وقام الشخص بإرسالها إلى مجموعة. هل أخذت ذنب كل من قرأها ونشرها؟ وهل من قام بالاستهزاء قد كفر، وخرج عن الملة؟ وهل كفرت وخرجت عن الملة؟ أتمنى الإجابة؛ فأنا أحمل هما في صدري. الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن السائل لم يذكر لنا نص النكتة، حتى نعلم هل فيها استهزاء أم لا؟ ولكن الاستهزاء بشعائر الدين يعتبر من الكفر. فقد قال العلامة الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- في جواب لسائل يسأل: ظهر في كثير من المجتمعات الإسلامية الاستهزاء بشعائر الدين الظاهرة: كإعفاء اللحى، وتقصير الثياب، ونحوهما، فهل مثل هذا الاستهزاء بالدين الذي يخرج من الملة؟ وبماذا تنصحون من وقع في مثل هذا الأمر؟ وفقكم الله. فقال الشيخ في الجواب: لا ريب أن الاستهزاء بالله ورسوله، وبآياته، وبشرعه وأحكامه من جملة أنواع الكفر؛ لقول الله - عز وجل -: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66]. ويدخل في ذلك الاستهزاء بالتوحيد، أو بالصلاة، أو بالزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو غير ذلك من أحكام الدين المتفق عليها. اهـ. وجاء في شرح الطحاوية للعلامة الشيخ ابن جبرين رحمه الله تعالى: الشرور والمعاصي والفتن تتفاوت، فمنها ما قد يوصل إلى الكفر والردة، والخروج من الإسلام، كالاستهزاء بشعائر الله، والاستهزاء بأوامره، والسخرية من أهل الدين والتنقص لهم، فإذا ظهر هذا من أناس، فإننا نبرأ منهم، بل ونضللهم، ونخشى أن يكونوا قد وقعوا فيما يخرج من الملة؛ وذلك لأن الله قد ذكر السخرية من أعمال الكفار، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين:29] أي: ضحك استهزاء، {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين:30] . ويقول الله تعالى عنهم: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون:109-110] أي: تستهزئون بهم وتتنقصونهم، فجعل من أسباب عذابهم سخريتهم بأهل الدين. ومثل ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة:79] ، يستهزئون بهم ويتنقصونهم لضعف حالهم، فهذا دليل على أن الاستهزاء بالدين وبحملته، يعتبر من دلائل الكفر. كذلك قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:211-212] أي: يستهزئون بالمؤمنين، (يسخرون منهم) أي: من أعمالهم ومن ديانتهم، ومن عباداتهم أو ما أشبه ذلك، فتكون هذه السخرية من أسباب ردتهم وكفرهم. وقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض المنافقين استهزؤوا ببعض المؤمنين من أجلاء الصحابة، أولئك المنافقون الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنةً، ولا أجبن عند اللقاء! وهم يعنون بذلك الصحابة، حيث وصفوهم بأنهم شديدو الرغبة في الأكل فقط، ولكنهم عند القتال جبناء أذلاء، وأنهم لا يقولون إلا كذباً. وكذب من قال عليهم بهذا القول، بل هو المتصف بذلك، ولما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبخهم على ذلك، فجاءوا يعتذرون ويقولون: يا رسول الله! إنما كنا نتحدث حديث الركب لنقطع به الطريق، وهذا معنى قولهم: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66] فجعل فعلهم هذا كفراً، حيث إنهم استهزؤوا بالله وبآياته، وبرسوله وبأصحاب رسوله، فكان ذلك ردة منهم، فإذا وصلت الحال بالمرء إلى هذا القدر، فإنه يحكم بكفره والعياذ بالله. اهـ هذا؛ ويحرم نشر ما يحتوي على الكفر، ويخشى على صاحبه من أن يناله إثم من اطلعوا على النكتة بعد النشر، كما قال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ {العنكبوت:13}. وهذه الأثقال هي وزر إضلالهم الناس، فهذا مما كسبته أيديهم، كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ {النحل:25}. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ دَعَا إلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عليه من الإثم مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شيئا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فتبين بهذا وغيره من النصوص، أن الداعي إلى المنكر، والمروج له، والقائم بنشره يحصل له وزر من عمل بهذا المنكر بسبب دعائه له، فهذا وزره الذي اقترفه. قال العلامة الشنقيطي مبينًا إزالة التعارض بين هذا وبين قوله: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ـ : وَالْجَوَابُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ مَا حَمَلُوا إِلَّا أَوْزَارَ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا وِزْرَ الضَّلَالِ، وَوِزْرَ الْإِضْلَالِ، فَمَنَّ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ تَشْرِيعَهُ لَهَا لِغَيْرِهِ ذَنْبٌ مِنْ ذُنُوبِهِ، فَأُخِذَ بِهِ. انتهى. وقال ابن القيم في طريق الهجرتين: قد استقرت حكمة الله وعدله، أن يجعل على الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه، واستجاب له، ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به، وهذا النوع في الأشقياء، مقابل دعاة الهدى في السعداء، فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم. وقال شيخ الإسلام: والداعي إلى الكفر هو كافر كفراً مغلظاً. اهـ. وأما عن كفر الشخص المعين، فلا بد له من توفر شروط التكفير، وانتفاء الموانع؛ لأن الحكم على العمل أنه كفر، لا يعني بالضرورة أن فاعله كافر، فالحكم على الفعل شيء، والحكم على الفاعل شيء آخر، وليس كل من وقع في الكفر، وقع الكفر عليه. وأن من ثبت إسلامه بقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. ثم إن حكاية النكتة المتضمنة للاستهزاء -وان كان محرما- لا يلزم منها حصول الكفر، إلا إن كان الحاكي مقرا بما فيها، معتقدا إياه، أو راضيا به؛ لأن ناقل الكفر ليس بكافر. فقد قال ابن مفلح في الفروع: ولا يكفر من حكى كفرا سمعه، ولا يعتقده، ولعل هذا إجماع. اهـ. إسلام ويب |
|
|
|
|
|
|
#20 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ
الأدِلَّةُ العامَّةُ من القرآنِ الكريمِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ وردت في كتابِ اللهِ تعالى آياتٌ تدلُّ على أنَّ الأمورَ تجري بقَدَرِ اللهِ تعالى، وعلى أنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ الأشياءَ وقدَّرها في الأزَلِ، وأنها ستقع على وَفقِ ما قدَّرها اللهُ سُبحانَه وتعالى؛ ومن ذلك( : 1- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]. عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جاء مُشركِو قُرَيشٍ يخاصمون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في القَدَرِ، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 48-49] ))( . قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّا خلَقْنا كُلَّ شَيءٍ بمقدارٍ قدَّرناه وقضيناه، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه توعَّد هؤلاء المجرِمين على تكذيبِهم في القَدَرِ مع كُفرِهم به)( . وقال ابنُ جُزَي: (المعنى: أنَّ اللهَ خَلَق كُلَّ شَيءٍ بقَدَرٍ، أي: بقضاءٍ معلومٍ سابقٍ في الأزَلِ، ويحتَمِلُ أن يكونَ معنى: بِقَدَرٍ بمقدارٍ في هيئتِه وصِفَتِه وغيرِ ذلك، والأوَّلُ أرجَحُ، وفيه حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّةِ على القَدَريَّةِ)( . وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، كقَولِه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] وكقَولِه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:1-3] أي: قدَّر قَدَرًا، وهدى الخلائِقَ إليه؛ ولهذا يستَدِلُّ بهذه الآيةِ الكريمةِ أئمَّةُ السُّنَّةِ على إثباتِ قَدَرِ اللهِ السَّابِقِ لخَلْقِه، وهو عِلْمُه الأشياءَ قبل كونها وكتابتُه لها قبل بَرْئِها، وردُّوا بهذه الآيةِ وبما شاكلها من الآياتِ، وما ورد في معناها من الأحاديثِ الثَّابتاتِ، على الفِرقةِ القَدَريَّةِ الذين نبغوا في أواخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ)( . وقال السعدي: (هذا شامِلٌ للمخلوقاتِ والعوالمِ العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ؛ أنَّ اللهَ تعالى وَحْدَه خلَقَها لا خالِقَ لها سواه، ولا مشارِكَ له في خَلْقِها، وخَلَقها بقضاءٍ سبق به عِلْمُه، وجرى به قَلَمُه، بوقتِها ومقدارِها، وجميعِ ما اشتملت عليه من الأوصافِ، وذلك على اللهِ يسيرٌ)( . 2- قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: 38] . قال ابنُ جرير: (يقول: وكان أمرُ اللهِ قَضاءً مقضِيًّا)( . وقال ابنُ كثير: (أي: وكان أمرُه الذي يُقَدِّرُه كائنًا لا محالةَ، وواقِعًا لا محيدَ عنه ولا مَعدِلَ، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( . 3- قَولُ اللهِ تعالى عن موسى عليه السَّلامُ: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه: 40] . قال ابنُ كثير: (جاء موافِقًا لقَدَرِ اللهِ وإرادتِه من غيرِ مِيعادٍ، والأمرُ كلُّه للهِ تبارك وتعالى)( . وقال السَّعْديُّ: (أي: جِئتَ مجيئًا قد مضى به القَدَرُ، وعَلِمَه اللهُ وأراده في هذا الوَقتِ وهذا الزَّمانِ وهذا المكانِ، ليس مجيئُك اتِّفاقًا من غيرِ قَصدٍ ولا تدبيرٍ مِنَّا، وهذا يدُلُّ على كمالِ اعتِناءِ اللهِ بكليمِه موسى عليه السَّلامُ) . 4- قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: 42] . قال السعدي: (أي: مُقَدَّرًا في الأزَلِ، لا بدَّ من وقوعِه)( . قال ابنُ القَيِّمِ: (كلُّ دليلٍ في القرآنِ على التوحيدِ فهو دليلٌ على القَدَرِ وخَلْقِ أفعالِ العِبادِ، ولهذا كان إثباتُ القَدَرِ أساسَ التوحيدِ). الدرر السنية يتبع |
|
|
|
|
|
|
#21 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
الأدِلَّةُ العامَّةُ مِنَ السُّنَّة النَّبَويَّةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ
دلَّت نصوصُ السُّنَّةِ الشَّريفةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، والأحاديثُ الواردةُ في ذلك كثيرةٌ، منها: 1- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ سأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الإيمانِ، فقال: ((أن تؤمِنَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه ))( . قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ... حاصِلُه: هو ما دَلَّ عليه قَولُه تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السَّلَفِ والخَلَفِ على صِدقِ قَولِ القائِلِ: ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( . وقال المظهريُّ في شَرحِ الحديثِ: (أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يقولون: جميعُ ما يجري في العالمِ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ، والكُفرِ والإيمانِ، والطَّاعةِ والعصيانِ، وغيرِ ذلك، كُلُّها بتقديرِ اللهِ تعالى وقضائِه، ولكِنْ للعبادِ اختيارُها؛ فالتقديرُ مِنَ اللهِ، والكَسْبُ من العبادِ، ويخلُقُ اللهُ تعالى الأفعالَ في العبادِ؛ كُلُّ فعلٍ في الوقتِ الذي قَدَّره في الأزَلِ، والتقديرُ والفِعلُ يجريان معًا، لا يجري الفِعلُ بدون تقديرِ اللهِ، ولا التقديرُ بحُصولِ الأفعالِ في العبادِ بدونِ اختيارِهم واكتسابِهم، فهم مُثابون بالخيرِ ومُعاقَبون بالشَّرِّ بسَبَبِ أنَّ لهم اختيارًا في الفِعلِ. ومن لم يكُنْ له اختيارٌ، كالمجنونِ والصَّبيِّ والنَّائِمِ والمُغمى عليه والمُكْرَهِ، فهم كالمرتَعِشِ في أنه لا مؤاخَذةَ عليهم بأفعالِهم فيما هو حَقُّ اللهِ تعالى، وأمَّا ما هو حقُّ العبادِ، كإتلافِ المالِ وقَتلِ النَّفسِ، فهم يؤاخَذون بالغُرمِ. والمرتَعِشُ: هو الذي تتحرَّكُ أعضاؤه بغيرِ اختيارِه مِن عِلَّةٍ، والثوابُ والعقابُ يتعلَّقان بما في العبدِ من الاختيارِ. وعِلَّةُ تكريرهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لفظةَ «تُؤمِن»، فقال: ((وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه)) للتأكيدِ؛ لأنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ أحوَجُ إلى المبالغةِ فيه؛ لأنَّ الإيمانَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ ظاهِرٌ مشهورٌ عند المسلمين، وأمَّا الإيمانُ بالقَدَرِ لا يعلَمُه كُلُّ أحدٍ إلَّا حاذِقٌ في علومِ الدِّينِ، فلأجْلِ هذا أكَّد وكَرَّر لفظة: «تؤمن» عند لفظِ: «القَدَر»)( . وقال علي القاري: (المعنى: تعتَقِدُ أنَّ اللهَ قَدَّر الخيرَ والشَّرَّ قبل خَلقِ الخلائِقِ، وأنَّ جميعَ الكائناتِ متعَلِّقٌ بقضاءِ اللهِ مُرتَبِطٌ بقَدَرِه. قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] ، وهو مريدٌ لها؛ لقَولِه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ، فالطَّاعاتُ يحِبُّها ويرضاها بخلافِ الكُفرِ والمعاصي. قال تعالى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: 7] ، والإرادةُ لا تستلزمُ الرِّضا)( . وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخِ: (في هذا الحديثِ أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ من أصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ، فمن لم يؤمِنْ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه فقد ترك أصلًا من أصولِ الدِّينِ وجحده، فيُشبِهُ من قال اللهُ فيهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 85] الآية)( . 2- عن أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لكُلِّ شيءٍ حقيقةٌ وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَعلمَ أنَّ ما أصابَهُ لَم يكُن ليُخطِئَهُ وما أخطأهُ لَم يكُن ليُصيبَهُ ))( . قال المباركفوي: ( ((حتى يعلَمَ أنَّ ما أصابه)) من النِّعمةِ والبَلِيَّةِ والطَّاعةِ والمعصيةِ ممَّا قَدَّره اللهُ له وعليه ((لم يكُنْ ليخطِئَه)) أي: يجاوِزَه ((وأنَّ ما أخطأه)) من الخيرِ والشَّرِّ ((لم يكُنْ لِيُصيبَه))، وهذا وُضِعَ مَوضِعَ المحالِ، كأنَّه قيل: مُحالٌ أن يخطِئَه... وهو مضمونُ قَولِه تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا، وفيه حَثٌّ على التوكُّلِ والرِّضاءِ، ونَفيِ الحَولِ والقُوَّةِ، وملازمةِ القناعةِ والصَّبرِ على المصائبِ)( . 3- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يؤمِنُ عَبدٌ حتى يؤمِنَ بأربَعٍ: يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي محمَّدٌ رسولُ اللهِ بعَثَني بالحَقِّ، ويؤمِنُ بالموتِ، وبالبَعثِ بعد الموتِ، ويؤمِنُ بالقَدَرِ ))( . قال المظهري: (قَوله: ((ولا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، لا نَفيُ الكَمالِ؛ فمن لم يؤمِنْ بواحِدٍ مِن هذه الأربعةِ لم يكُنْ مُؤمِنًا... والرَّابعُ: أن يؤمِنَ بالقَدَرِ، يعني: يعتَقِدُ أنَّ جميعَ ما يجري في العالمِ بقَضاءِ اللهِ تعالى وقُدرتِه)( . وقال علي القاري: ( ((لا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، أي: لا يُعتَبَرُ ما عنده من التصديقِ القَلبيِّ)( . 4- عن طاوسَ بنِ كَيسانَ قال: (أَدْرَكْتُ نَاسًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ)، قالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يقولُ: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتَّى العَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الكَيْسُ وَالْعَجْزُ ((( . قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (معنى هذا الحديثِ: أنَّ ما من شيءٍ يقَعُ في هذا الوجودِ كائِنًا كان إلَّا وقد سبق به عِلمُ اللهِ تعالى، ومشيئتُه، سواءٌ كان من أفعالِنا أو صفاتِنا، أو من غيرِها، ولذلك أتى ب «كُل» التي هي للاستغراقِ والإحاطةِ، وعَقَّبها بحتى التي هي للغايةِ، حتى لا يخرُجَ عن تلك المقَدِّمةِ الكُلِّيَّةِ من المُمكِناتِ شَيءٌ، ولا يُتوَهَّمَ فيها تخصيصٌ، وإنما جُعِل العَجزُ والكَيسُ غايةً لذلك ليُبَيِّنَ أنَّ أفعالَنا وإن كانت معلومةً ومُرادةً لنا، فلا تقَعُ مِنَّا إلَّا بمشيئةِ اللهِ تعالى وإرادتِه وقدرتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( . الدرر السنية |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| علمنا رمضان | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 03-23-2026 04:46 PM |
| الأسئلة والأجوبة في العقيدة ...للشيخ صالح الأطرم رحمه الله | السليماني | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 18 | 11-04-2025 02:51 PM |
| علموا اولادكم | امانى يسرى محمد | ملتقى الأسرة المسلمة | 2 | 10-19-2025 01:27 PM |
| هل يعتبر الشيعة في حكم الكفار؟ وهل ندعو الله تعالى أن ينصر الكفار عليهم؟ | أبو إسحاق | قسم الفرق والنحل | 9 | 04-24-2025 07:53 AM |
| الأسئلة التي أشكلت و تنازع فيها الدعاة السلفيون في ولاية كيرالا | طالب العلم | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 3 | 10-31-2018 05:36 PM |
|
|