استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي
ملتقى التاريخ الإسلامي يهتم بالتاريخ الإسلامي ، والدراسات والمخطوطات والاثار الاسلاميه .
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-28-2026, 04:58 AM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      






ماذا تعرف عن معركة عين جالوت ؟

أحمد تمام
(5)




لم تتعرض دولة الإسلام لأوقات عصيبة وعواصف منذرة ورياح مرعبة مثلما تعرضت في القرن السابع الهجري؛ حيث دمّرت جيوش المغول بقيادة جنكيز خان حواضر الإسلام الكبرى في المشرق الإسلامي، وسفكت دماء المسلمين، وأتت على معالم الحضارة والمدنية، ولم تستطع قوة إسلامية أن توقف هذا الزحف الكاسح، وانهارت الجيوش الإسلامية وتوالت هزائمها، وتتابع سقوط الدول والمدن الإسلامية كأوراق الشجر في موسم الخريف.

وأطمع ضعف المسلمين وخور عزائمهم المغول في أن يتطلعوا إلى مواصلة الزحف تجاه الغرب، وإسقاط الخلافة العباسية وتقويض دعائمها، ولم تكن الخلافة في وقت من الأوقات أضعف مما كانت عليه وقت الغزو المغولي؛ فخرج هولاكو سنة (651هـ= 1253م) على رأس حملة جرارة، تضم مائة وعشرين ألف جندي من خيرة جنود المغول، المدربين تدريبًا عاليًا على فنون القتال والنزال، والمزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، تسبقهم شهرتهم المرعبة في القتل وسفك الدماء، ومهارتهم الفائقة في الحرب، وشجاعتهم وقوة بأسهم في ميادين القتال.
سقوط الخلافة العباسية



اجتاحت قوات المغول الأراضي الإيرانية، ولم تجد ما يعوق حركتها حتى وصلت إلى بغداد، فضربت حصارًا عليها، ولم يكن لها قدرة على رفع هذه الجيوش الجرارة؛ فاستسلمت في خنوع إلى الغازي الفاتك فدخلها في (4 من صفر 656 هـ = 10 من فبراير 1258م)، واستباح جنوده المدينة المنكوبة، وقتلوا السواد الأعظم من أهلها الذين قدروا بنحو مليون قتيل، ولم يكن خليفة المسلمين وأسرته بأسعد حال من أهالي المدينة، حيث لقوا حتفهم جميعًا، وأضرم التتار النار في أحياء المدينة، وهدموا مساجدها وقصورها، وخربوا مكتباتها، وأتلفوا ما بها من تراث إنساني، وأصبحت المدينة التي كانت عاصمة الدنيا وقبلة الحضارة أثرًا بعد عين.

أوضاع الشام قبل حملة هولاكو
كانت بلاد الشام في أثناء تلك المحنة يحكم الأيوبيون أجزاء كبيرة منها، ولم تكن العلاقات بينهم ودية على الرغم من انتسابهم إلى بيت واحد وأسرة كريمة هي أسرة صلاح الدين الأيوبي، وبدلا من أن توحدهم المحنة وتجمع بين قلوبهم ويقفوا صفًا واحدًا هرول بعضهم إلى هولاكو يعلن خضوعه له، مثلما فعل الناصر يوسف الأيوبي صاحب دمشق وحلب، وكان أقوى الأمراء الأيوبيين وأكثرهم قدرة على مواجهة هولاكو لو رغب، لكنه لم يفعل وأرسل ابنه العزيز إلى هولاكو يحمل إليه الهدايا، ويعلن خضوعه له، ويطلب منه أن يساعده على الاستيلاء على مصر وتخليصها من حكم دولة المماليك الناشئة التي انتزعت الملك من بيته.
لكن هولاكو رأى في عدم قدوم الناصر إليه بنفسه استهانة به، فكتب إليه رسالة غاضبة يأمره بالإسراع إليه وتقديم آيات الولاء والخضوع دون قيد أو شرط، فانزعج الناصر، وأدرك أن مسعاه قد خاب، واستعد استعداد الخائف لمواجهة المغول، وبعث بأسرته إلى مصر.
حملة هولاكو
خرج هولاكو في رمضان (657هـ= 1295م) من عاصمة دولته مراغة في أذربيحان، متجهًا إلى الشام، معه حلفاؤه من أمراء جورجيا وأرمينيا، يقود طلائعه قائده “كيتوبوقا”، متجهين إلى الشام، وكانت ميافارقين بديار بكر أول ما تبتدئ به الحملة الغازية، فصمدت المدينة للحصار مدة طويلة دون أن يفلح المغول في اقتحامها، غير أن طول الحصار ونفاد المؤن وانتشار الأوبئة وهلاك معظم السكان دفع إلى استسلام المدينة.
وفي أثناء الحصار كانت جيوش المغول تستولي على المدن المجاورة، فسقطت ماردين، وحران، والرها وسروج والبيرة، ثم واصل الجيش زحفه إلى حلب وحاصرها حصارًا شديدًا، حتى استسلمت في (9 من صفر 658هـ- 25 من يناير 1260م)، وأباح هولاكو المدينة لجنوده سبعة أيام فعاثوا فيها فسادًا، ونشروا الخراب في كل أرجائها، ولم تكد تصل هذه الأنباء المفجعة إلى دمشق حتى آثر أهلها السلامة بعد أن فر حاكمها الناصر يوسف الأيوبي، وسارعوا إلى تسليم المدينة، وشاءت الأقدار أن يغادر هولاكو الشام ويعود إلى بلاده تاركًا مهمة إكمال الغزو لقائده “كيتوبوقا” فدخل دمشق في (15 من ربيع الأول 658هـ= 1 من مارس 1260م).

وكان من نتيجة هذا الغزو أن فر كثير من أهل الشام إلى مصر التي كانت تحت سلطان دولة المماليك، ويحكمها سلطان صبي هو الملك “المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك”، وفي هذه الأثناء بعث الملك الناصر يوسف الذي أفاق بعد فوات الأوان برسول إلى مصر يستنجد بعساكرها للوقوف ضد الزحف المغولي، وكانت أخبار المغول قد انتشرت في مصر وأحدثت رعبًا وهلعًا.
ولما كان سلطان مصر غير جدير بتحمل مسئولية البلاد في مواجهة الخطر القادم، فقد أقدم نائبه “سيف الدين قطز” على خلعه، محتجًا بأنه لا بد من سلطان قاهر يقاتل هذا العدو، والملك الصبي صغير لا يعرف تدبير المملكة، ولم يجد قطز معارضة لما أقدم عليه؛ فالخطر محدق بالبلاد، والسلطان قد ازدادت مفاسده وانفض الجميع من حوله.
رسالة هولاكو
بدأ السلطان قطز يوطد أركان دولته ويثبت دعائم حكمه، فعين من يثق فيهم في مناصب الدولة الكبيرة، وقبض على أنصار السلطان السابق، وأخذ يستعد للجهاد وملاقاة المغول، وسمح برجوع بعض أمراء المماليك من خصومه وكانوا بالشام، وعلى رأسهم بيبرس البندقداري فرحب به، وأحسن معاملته، وأقطعه قليوب ومناطق الريف المجاورة لها، وأغرى قوات الناصر يوسف الأيوبي ـ الذي فر من دمشق وطلب نجدة المماليك بمصر ـ بالانضمام إلى جيشه وكانت بالقرب من غزة، فاستجابت لدعوته.
وفي تلك الأثناء وصلت رسل هولاكو إلى القاهرة تحمل خطابا تقطر كبرا وغطرسة، ويمتلئ بالتهديد والوعيد، ومما جاء فيه: “.. إنا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وسلموا إلينا أمركم.. فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكا.. فما لكم من سيوفنا خلاص ولا من أيدينا مناص، فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق…”.
الاجتماع التاريخي
وأمام هذا الخطر الداهم عقد السلطان قطز مجلسًا من كبار الأمراء، واستقر الرأي على مقابلة وعيد المغول بالاستعداد للحرب، وعزز ذلك بقتل رسل المغول؛ ردًا على تهديد هولاكو وكان هذا التصرف إعلانًا للحرب وإصرارًا على الجهاد، وفي الوقت نفسه بدأ قطز يعمل على حشد الجيوش وجمع الأموال اللازمة للإنفاق على الاستعدادات والتجهيزات العسكرية، وقبل أن يفرض ضرائب جديدة على الأهالي جمع ما عنده وعند أمرائه من الحلي والجواهر، واستعان بها في تجهيز الجيش، استجابة لفتوى الشيخ “العز بن عبد السلام” أقوى علماء عصره.

ولم يقتصر الأمر على هذا، بل لقي صعوبة في إقناع كثير من الأمراء بالخروج معه لقتال التتار، فأخذ يستثير نخوتهم ويستنهض شجاعتهم بقوله: “يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه…”؛ فأثرت هذه الكلمة في نفوسهم، وقوت من روحهم، فخرجوا معه وتعاهدوا على القتال.
الخروج إلى القتال
وفي (رمضان 658هـ= أغسطس 1260م) خرج قطز من مصر على رأس الجيوش المصرية ومن انضم إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وترك نائبا عنه في مصر هو الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، وأمر الأمير بيبرس البندقداري أن يتقدم بطليعة من الجنود ليكشف أخبار المغول، فسار حتى لقي طلائع لهم في غزة، فاشتبك معهم، وألحق بهم هزيمة كان لها أثر في نفوس جنوده، وأزالت الهيبة من نفوسهم، ثم تقدم السلطان قطز بجيوشه إلى غزة، فأقام بها يومًا واحدًا، ثم رحل عن طريق الساحل إلى عكا، وكانت لا تزال تحت سيطرة الصليبيين، فعرضوا عليه مساعدتهم، لكنه رفض واكتفى منهم بالوقوف على الحياد، وإلا قاتلهم قبل أن يقابل المغول، ثم وافى قطز الأمير بيبرس عند عين جالوت بين بيسان ونابلس.
وكان الجيش المغولي يقوده كيتوبوقا (كتبغا) بعد أن غادر هولاكو الشام إلى بلاده للاشتراك في اختيار خاقان جديد للمغول، وجمع القائد الجديد قواته التي كانت قد تفرقت ببلاد الشام في جيش موحد، وعسكر بهم في عين جالوت.
اللقاء المرتقب
اقتضت خطة السلطان قطز أن يخفي قواته الرئيسية في التلال والأحراش القريبة من عين جالوت، وألا يظهر للعدو المتربص سوى المقدمة التي كان يقودها الأمير بيبرس، وما كاد يشرق صباح يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ= 3 من سبتمبر 1260م) حتى اشتبك الفريقان، وانقضت قوات المغول كالموج الهائل على طلائع الجيوش المصرية؛ حتى تحقق نصرًا خاطفًا، وتمكنت بالفعل من تشتيت ميسرة الجيش، غير أن السلطان قطز ثبت كالجبال، وصرخ بأعلى صوته: “واإسلاماه!”، فعمت صرخته أرجاء المكان، وتوافدت حوله قواته، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه وارتد مذعورا لا يكاد يصدق ما يجري في ميدان القتال، وفروا هاربين إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم كيتوبوقا يسقط صريعًا في أرض المعركة.
ولم يكتفِ المسلمون بهذا النصر، بل تتبعوا الفلول الهاربة من جيش المغول التي تجمعت في بيسان القريبة من عين جالوت، واشتبكوا معها في لقاء حاسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرجح النصر، وعاد السلطان قطز يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول: “واإسلاماه!” ثلاث مرات ويضرع إلى الله قائلا: “… يا ألله!! انصر عبدك قطز”.. وما هي إلا ساعة حتى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ جنكيز خان.. ثم نزل السلطان عن جواده، ومرغ وجهه على أرض المعركة وقبلها، وصلى ركعتين شكرًا لله.

نتائج المعركة
كانت معركة عين جالوت واحدة من أكثر المعارك حسمًا في التاريخ، أنقذت العالم الإسلامي من خطر داهم لم يواجه بمثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه.
وكان هذا النصر إيذانًا بخلاص الشام من أيدي المغول؛ إذ أسرع ولاة المغول في الشام بالهرب، فدخل قطز دمشق على رأس جيوشه الظافرة في (27 من رمضان 658 هـ)، وبدأ في إعادة الأمن إلى نصابه في جميع المدن الشامية، وترتيب أحوالها، وتعيين ولاة لها، وأثبتت هذه المعركة أن الأمن المصري يبدأ من بلاد الشام عامة، وفي فلسطين خاصة، وهو أمر أثبتته التجارب التاريخية التي مرت على المنطقة طوال تاريخها، وكانت النتيجة النهائية لهذه المعركة هي توحيد مصر وبلاد الشام تحت حكم سلطان المماليك على مدى ما يزيد عن نحو مائتين وسبعين سنة.
من مصادر الدراسة:

المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك- تحقيق محمد مصطفى زيادة- طبعة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- القاهرة- بدون تاريخ.

ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة- الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر- القاهرة- 1968م.

عبد السلام عبد العزيز فهمي: تاريخ الدولة المغولية في إيران- دار المعارف- القاهرة- 1981م.

أحمد مختار العبادي: قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام- دار النهضة العربية- بيروت- 1969م.

قاسم عبده قاسم: عصر سلاطين المماليك- عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية القاهرة- 1998م.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2026, 10:58 PM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




حصار سيكتوار
التاريخ الإسلامي

(6)


السلطان سليمان القانونى

حصار سيكتوار أو معركة سيكتوار (بالتركية: Zigetvar Kuşatması) هو حصارٌ فرضه العثمانيون على حصن سيكتوار الذي شكّل عقبةً في طريق السلطان سليمان القانوني نحو فتح فيينا عام 1566 ميلادية. وقعت المعركة بين قوات ملكية هابسبورغ المُدافعة عن حصنها بقيادة الكرواتينِقولا سوبيك زرنسكي والقوات العثمانية الغازية بقيادة اسمية من السلطان سليمان.

أدى انتصار العثمانيين على المجريين في معركة موهاج عام 1526 إلى سلب استقلال مملكة المجر، وانتخب نبلاء بلغاريا وكرواتيا فرديناند الأولملكاً. تبع تلك المعركة سلسلةٌ من الصراعات بين هابسبورغ وحلفائهم من جهة، والدولة العثمانية من جهة أخرى. أثقلت هذه الحروب من كاهل كلا الطرفين بعد أن تكبّدت الدولتان خسائر فادحة، وتوقفت الحملة العثمانية في بلاد المجر حتى وقوع حصار سيكتوار.

وقع حصار سيكتوار في الفترة ما بين الخامس من أغسطس والثامن من سبتمبر من عام 1566، وعلى الرغم من أنّه أسفر عن انتصار عثماني إلا أنّ كلا الطرفين عانى من خسائر ثقيلة. توفي القائدان خلال الحصار: زرنسكي خلال المعركة الأخيرة، أمّا سليمان القانوني فتوفي في خيمته لأسباب طبيعية. قُتل خلال هذا الحصار أكثر من عشرين ألفاً من الجيش العثماني، بينما أُبيد الجنود المجريون عن بكرة أبيهم ولم ينجُ منهم إلا القليل. وعلى الرغم من أنّ المعركة انتهت بنصر عُثماني، إلا أنّها أوقفت مسير العثمانيين نحو فيينا في ذلك العام، ولم تُهدد العاصمة النمساوية مرة أخرى حتى معركة فييناعام 1683.

كانت هذه المعركة ذات أهمية كبيرة لدرجة أنّ رجل الدين والدولة الفرنسي ريشيليو وصفها بأنها "المعركة التي أنقذت الحضارة".

خلفية

خسرت القوات المجرية بقيادة لويس الثاني في معركة موهاج في 29 أغسطس 1526 أمام القوات العثمانية بقيادة السلطان سليمان القانوني. قُتل لويس في هذه المعركة ولم يكن له وريثٌ يرث حُكمه، وأصبحت كلٌ من المجر وكرواتيا مناطق مُتنازع عليها بين هابسبورغ والدولة العثمانية. تزوجفرديناند الأول الهابسبورغي - شقيق كارلوس الخامس إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة - من شقيقة لويس الثاني، واختاره نُبلاء المجر وكرواتيا بذلك ملكاً عليهم.


بات عرش المجر موضع نزاع بين فرديناند ويوحنا زابوليا من ترانسيلفانيا. كان سُليمان قد وعد زابوليا بأن يجعله حاكماً على الأراضي المجرية كافة، لكنّ فرديناند لم يرضخ لرغبة السلطان العثماني وشرع يفرض سلطته على الأراضي المجرية واستولى على بودا عام 1527، لكنّه اضطر للتخلي عن السلطة عام 1529 بعد أن قام العثمانيون بهجوم مُضاد جرّد فيردناند من جميع مكاسبه الإقليمية خلال 1527 - 1528.[13] سار سُليمان بعد ذلك في العام نفسه حتى وصل أسوار فيينا في محاولته الأولى للسيطرة على العاصمة النمساوية، التي شكّلت الحد الأقصى الذي وصله العثمانيون في إطار توسعهم في أوروبا الوسطى.

الحرب الصغيرة في المجر

عُرفت الفترة المُمتدة منذ عام 1529 إلى 1552 باسم "الحرب الصغيرة في المجر". فبعد فشل الحصار الذي فرضه سُليمان على فيينا عام 1529 قام فرديناند بهجوم سريع عام 1530 لاستعادة ما فقد سابقاً. استطاع زابوليا إيقاف الهجوم الذي شنّه فرديناند على بودا، لكنّ فرديناند تمكّن من الاستيلاء على مناطق أخرى، حيث سيطر على غران وعلى حصون أخرى على طول نهر الدانوب مُمتلكاً بذلك حدوداً استراتيجيةً حيويةً.



مُنمنمة عُثمانية عن حملة سيكتوار تعود إلى عام 1579.

جاء رد سُليمان عام 1532 عندما خرج بجيش ضخم قوامه أكثر من 120,000 جندي لمُحاصرة فيينا من جديد. انسحب فرديناند بجيشه ولم يترك سوى 700 رجل من غير مدافع وبقليل من البنادق ليُدافعوا عن مدينة كوزيغ، وعلى الرغم أنّ الصدر الأعظم إبراهيم باشا لم يُدرك مدى قلّة المُدافعين عن المدينة من عدد وعتاد، انضم سُليمان إليه بعد بدء الحصار بقليل. صمد نقولا يوريسيتش وحاميته الصغيرة من الكروات لأكثر من خمسة وعشرين يوماً أمام تسع عشرة هجمة قام بها العثمانيون، إضافةً إلى القصف المتواصل. عُرض على المدينة نتيجةً لذلك الاستسلام بشروط مُيسرة، وعلى الرغم من رفض المدينة الاستسلام إلا أنّ العثمانيين تراجعوا عنها، ممّا أدى إلى عقد مُعاهدة سلام بين سُليمان وفرديناند. اعترفت هابسبورغ بيوحنا زابوليا ملكاً على بلاد المجر باعتباره تابعاً للسلطة العثمانية.


لم تكن المعاهدة مُرضيةً لكل من زابوليا وفرديناند وبدأت جيوشهم المناوشات على طول الحدود. وفي عام 1537 هاجم فرديناند قوات زابوليا فيأوسييك، الأمر الذي اعتُبر خرقاً للمعاهدة. وبذلك فرض سُليمان الحصار عليه مرةً أخرى، وكان هذا الحصار كارثةً على الهابسبورغيين مُماثلة لما حصل في معركة موهاج، حيث حطّمت القوات العثمانية النمساويين تحطيماً. وبدلاً من مُهاجمة فيينا هاجم سُليمان هذه المرة أوترانتو في جنوب إيطاليا. وانتصر العثمانيون في معركة بروزة عام 1538 وألحقوا الهزيمة بالتحالف الذي تقوده هابسبورغ من جديد.

توفي زابوليا عام 1540 وخلفه ابنه سيجسموند الذي كان لا يزال رضيعاً. تولت إيزابيلا والدة سيجسموند شؤون البلاد معظم فترة حكمه بدعم مُستمر من السلطان سُليمان. وظلّ سيجسموند ملكاً على المجر حتى تنازل عن السلطة عام 1570 وباتت المجر تحت الحكم الهابسبورغي من جديد.

ألحق سُليمان بالهابسبورغيين هزيمةً مُذلةً أخرى عندما حاصر بودا عام 1541 استجابةً لاستغاثات إيزابيلا. وفي أبريل 1543 أطلق سُليمان حملةً أخرى إلى المجر واستعاد العديد من المدن والحصون حتى أصبحت معظم الأراضي المجرية في سلطة العثمانيين. وفي أغسطس من العام نفسه نجح العثمانيون في حصار ازترغوم وأعقبوه بالاستيلاء على ثلاثة مدن مجرية: سيكشفهيرفار، وشيكلوش، وسغد ممّا وفّر حمايةً أفضل لبودا.


وُقعت اتفاقية سلام أخرى بين العثمانيين والهابسبورغيين استمرت حتى عام 1552 عندما قرر سُليمان مُهاجمة إغر. كان الحصار العثماني على إغر عقيماً وأخفق العثمانيون في السيطرة عليها ليتمكن الهابسبورغيون أخيراً من تحقيق انتصار بعد خسائرهم الإقليمية المُتواصلة. تفاءل النمساويون بصمود أغر واعتقدوا أنّ انتصارهم هناك يعكس حقيقة أنّهم قادرين على التنافس مع العثمانيين في المجر. توقفت الحملة العثمانية في المجر بعد ذلك، ولم تُستأنف حتى عام 1566.

حملة 1566



تصوير فني لمعركة سيكتوار.



حصار قلعة سيكتوار.



قلعة سيكتوار في الوقت الحاضر.

كان قد مرّ على حُكْم سُليمان للدولة العثمانية 46 عاماً بحلول عام 1566، العام الذي خرج فيه سُليمان للحرب للمرة الأخيرة. كان سُليمان قد بلغ 72 عاماً، وعلى الرغم من أنّه كان مُصاباً بداء النقرس لدرجة أنّه كان محمولاً على نقالة، إلّا أنّه خرج مع جيشه وكان قائداً اسمياً له، لتكون هذه الحملة الثالثة عشرة والأخيرة التي يقودها سُليمان. خرج سُليمان من إسلام بول في الأول من مايو 1566 على رأس جيش من أكبر الجيوش التي قادها في حياته. على الجانب الآخر كان الكونت نقولا سوبيك زرنسكي، وهو واحدٌ من أكبر الإقطاعيين في مملكة كرواتيا، وأحد المُخضرمين في الحروب. اشتُهر مُنذ أوائل حياته وتحديداً في حصار فيينا واتسمت حياته العسكرية بالنجاح.


وصلت قوات سُليمان بلغراد في 27 يونيو 1566 بعد مسير دام 49 يوماً، واجتمع هناك مع سيجسموند الذي كان السلطان قد وعد بجعله حاكماً على المجر. وبعد أن علم سُليمان بنجاح زرنسكي في الهجوم على المعسكر التركي في شيكلوش، قرر السلطان العثماني تأجيل هجومه على إيجر ومُهاجمة حصن زرنسكي في سيكتوار بدلاً من ذلك للتخلص من خطره.

الحصار

وصلت قوة عُثمانية أولية إلى سيكتوار في الثاني من أغسطس 1566، واستطاع المُدافعون عن أسوار المدينة تحقيق عدة ضربات ناجحة في صفوف العثمانيين وألحقوا بهم خسائر كبيرة. وصل السلطان بقواته الرئيسية في الخامس من أغسطس ونصب خيمته الكبيرة على تلّة هناك ليكون مُطّلعاً على مُجريات المعركة. بقي سُليمان في مُعسكره طيلة المعركة، وكان يتلقّى الأخبار شفوياً من الصدر الأعظم صُقللي محمد باشا الذي كان قائد القوات العثمانية الفعلي.

وجد الكونت زرنسكي نفسه مُحاصَراً من جيش قوامه 100,000 جندي على الأقل مُزودين بمدافع قويّة. كان الكونت قد جمع قوة قوامها 2,300 جندي تقريباً منكرواتيا والمجر قبل بدء الحصار، وتألّف جيشه هذا من قواته الشخصية بالإضافة إلى قوات أصدقائه وحُلفائه. كان غالبية الجيش من الكروات، بالإضافة إلى فرقة مجرية كبيرة بعضها كانوا قادةً وبعضها كانوا جنوداً.

كانت سيكتوار مُقسمةً إلى ثلاثة أقسام تفصلها المياه عن بعضها البعض: البلدة القديمة، والبلدة الحديثة، والقلعة، ويرتبط كُل منها مع بعضها بوساطة الجسور. وعلى الرغم من أنّ القلعة الداخلية - التي تُغطي جزءاً كبيراً من مساحة القلعة في الوقت الحاضر - لم تكن موجودةً على منطقة مُرتفعة، إلا أنّه كان من غير الممكن للأعداء الوصول إليها مُباشرةً. يرجع ذلك إلى وجود سورَيْن آخريْن يتحتم على العدو تأمينهما قبل أن يتمكن من الهجوم على القلعة الداخلية.


رأى السلطان سُليمان عندما وقف أمام القلعة قطعة قُماش حمراء مُعلقة على جدرانها كأنّ الأمر استقبالٌ احتفالي، وأطلق مدفعٌ كبيرٌ وحيدٌ قذيفةً واحدةً لتحيّة الملك المُحارب العظيم. بدأ الحصار فعلياً في السادس من أغسطس عندما أمر السلطان بهجوم عام على الأسوار، لكنّ المُدافعين تمكنوا من صده بنجاح. وعلى الرغم من قلة عدد المُدافعين عن المدينة وكثرة الجيش العُثماني إلا أنّ الجيش الإمبراطوري في فيينا لم يُرسل أيّ تعزيزات لهم. وبعد حوالي الشهر من الصراع الدموي المُضني تراجعت القلّة المُتبقية من المُدافعين عن المدينة إلى البلدة القديمة للمواجهة الأخيرة. حاول السلطان إغراء زرنسكي للاستسلام، حتى أنّه عرض عليه في نهاية المطاف حُكْم كرواتيا تحت السلطة العُثمانية، لكنّ زرنسكي لم يردّ على السلطان واستمر في القتال.

بدا سقوط المدينة أمراً حتمياً لا مفرّ منه لكنّ القيادة العُثمانية العُليا كانت مُترددة. توفي سُليمان في خيمته في الخامس أو السادس أو السابع من سبتمبر، وبذل من حوله جُهداً عظيماً في إبقاء وفاة السلطان سراً، ولم يعلم برحيله سوى أقرب المُقربين إليه. أُرسل من المُخيم ساعٍ حاملاً رسالةً لسليم الثاني خليفة سُليمان، ومن الممكن أنّ الساعي نفسه لم يكن على علم بفحوى الرسالة التي حملها ثمانية أيام حتى وصل آسيا الصغرى.

المعركة الأخيرة



زرنسكي يتجهز للمعركة الأخيرة، بريشة أوتون إيفيكوفيتش.

بدأت المعركة الأخيرة في السابع من سبتمبر، اليوم الذي تلا وفاة السلطان على الأغلب. كانت جُدران القلعة قد أصبحت أنقاضاً بحلول ذلك الوقت بعد أن لُغّمت بالمُتفجرات وانتشرت النيران بعد أن أُحرقت الأخشاب في زوايا الجدران. وفي صباح اليوم التالي بدأ الهجوم الشامل على المدينة بوابلٍ من النيران الإغريقيةوقصف المدافع. وبعد ذلك بقليل أُضرمت النيران في القلعة آخر المعاقل المُتبقية في سيكتوار وتساقط الرماد على مسكن الكونت زرنسكي.

تدفق الجيش العُثماني داخل المدينة قارعين الطبول، واستعد زرنسكي لمهمته الأخيرة مُخاطباً قواته المُتبقية:
دعونا نخرج من هذا المكان المُحترق إلى العلن ونقف في وجه أعدائنا. من يموت سيكون مع الرب، ومن لا يموت سيُكرم اسمه. أنا سأذهب أولاً، وأنتم افعلوا ما ترونني فاعل. وليكن الرب شاهداً على ما أقول: أنا لن أترككم أبداً يا إخواني وفرساني!...




لم يسمح زرنسكي للعُثمانيين باقتحام القلعة. وبينما كان العُثمانيون يتقدمون سائرين على جسر ضيّق فتح المُدافعون البوابات فجأةً وأطلقوا قذيفةً كبيرةً مُحمّلةً بحديد مكسور قتلت 600 جندي. قاد زرنسكي بعد ذلك الجنود الستمائة المُتبقيين إلى خارج القلعة. أُصيب زرنسكي بطلقتين ناريتين في صدره وقُتل بعد ذلك بقليل نتيجة إصابته بسهم في رأسه، وتراجعت بعضٌ من قواته إلى القلعة مرةً أخرى.

استولى العُثمانيون أخيراً على القلعة بعد ذلك وقتلوا مُعظم من كان داخلها. استثنى الإنكشارية من ذلك قليلاً من الجنود لأنهم كانوا مُعجبين بشجاعتهم، ونجح سبعة جنود فقط في الفرار من قبضة العُثمانيين. قُطع رأس جُثة زرنسكي وسيق رأسه إلى الإمبراطور، في حين دفن أحد الأتراك الذين كانوا أسرى عنده جسده بعد أن تلقى منه مُعاملةً حسنةً.

انفجار مخزن البارود

أمر زرنسكي بإشعال فتيل في مخزن البارود قبل خروجه مع من تبقى للمرة الأخيرة. تدفق العُثمانيون بعد أن انتصروا إلى داخل القلعة وساروا بين أنقاض المدينة دون أن يعلموا بذلك فهلك الآلاف منهم عندما انفجر مخزن القلعة.


وبينما كان الصدر الأعظم محمد باشا وجنوده يبحثون عن الغنائم ويستجوبون الناجين أخبرهم أحدهم بالفخ الذي نصبه زرنسكي لهم قبل وفاته. أخبر هذا الأسير محمد باشا بأنّ هناك مخزنٌ للبارود على وشك الانفجار من تحت أقدامه،فقرّ الوزير الأعظم ومن كان معه من الضُباط لكنّ الوقت لم يُسعف الجميع ولقي 3,000 جندي حتفهم نتيجة الانفجار.

ما بعد المعركة



حديقة الصداقة التركية الهنغارية في سيكتوار.

كان جميع جنود زرنسكي قد قُتلوا تقريباً بعد نهاية المعركة الأخيرة، ولم يسلم العثمانيون أيضاً من الخسائر الثقيلة، حيث قُتل ثلاثة باشاوات، وسبعة آلاف انكشاري وحوالي ثمانية وعشرين ألف جُندي آخر. علماً بأنّ المصادر تتباين في عدد القتلى من الجيش العُثماني حيث تتراوح التقديرات بين 20,000 و35,000.

نشر محمد باشا بعد نهاية المعركة منشوراتٍ باسم السلطان أعلن فيها النصر. كما أعلن أسف السلطان على عدم قدرته على الاستمرار مع هذه الحملة الناجحة نظراً إلى وضعه الصحي الراهن. أُعيد جسد السلطان إلى العاصمة إسلام بول بينما تظاهر المسؤولون الذين علموا بوفاته بالتواصل معه. تذكر المصادر التركية أنّ هذا الوضع استمر ثلاثة أسابيع، وأنّ طبيب السلطان الشخصي حُبس كإجراء احترازي.

كان للرحلة الطويلة والحصار أثراً سلبياً على صحة السلطان على الأرجح. أدت وفاة سُليمان إلى تأجيل تقدم العُثمانيين، حيث تحتّم على الصدر الأعظم العودة إلى العاصمة العُثمانية لحضور مراسم تتويج الخليفة الجديد سليم الثاني.وحتى لو قُدّر لسُليمان أن يعيش فإنّ جيشه ما كان ليُحقق الكثير في الفترة ما بين سقوط سيكتوار وبدء فصل الشتاء لضيق الوقت. لذا فإنّ السبب الأساسي لتأجيل مسير العُثمانيين نحو فيينا كان مُقاومة سيكتوار التي دامت طويلاً.

أرسل الإمبراطور الروماني ماكسيميليان الثاني إلى العُثمانيين سفيرين أحدهما كرواتي والآخر ستيري. وصل السفيران إلى العاصمة إسلام بول في 26 أغسطس 1567 واستُقبلوا استقبالاً حسناً من السلطان سليم الثاني. توصل الطرفان فيما بعد إلى اتفاقية أنهت حالة الحرب بين الإمبراطوريتين العُثمانية والنمساوية في 17 فبراير 1568 بعد مرور خمسة أشهر من المُفاوضات مع صُقللي محمد باشا. وُقعت معاهدة أدرنة في 21 فبراير 1568، وتضمنت موافقة السلطان سليم الثاني على الهدنة لمدة ثماني سنوات، رغمَ أنّها في الحقيقة جلبت سلاماً نسبياً ساد خمساً وعشرين سنة بين الإمبراطوريتين حتى حلول الحرب الطويلة عام 1591. كما كانت هذه الهدنة مشروطةً بموافقة ماكسيميليان على دفع جزية سنوية مقدارها ثلاثين ألف دوقت.
منقول بتصرف





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-29-2026, 11:20 PM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




معركة المنصورة وأسر لويس التاسع


في ظلال الحضارة الإسلامية
(7)



معركة المنصورة وأسر لويس التاسع

معركة المنصورة، معركة دارت رحاها في مصر من 8 إلى 11 فبراير من سنة 1250 بين القوات الصليبية (الفرنج) بقيادة لويس التاسع (بالفرنسية: Louis IX) ملك فرنسا، الذي عُرف بالقديس لويس فيما بعد، والقوات الأيوبية بقيادة الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ. وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري.

الوضع العام قبل المعركة

في النصف الأول من القرن الثالث عشر كانت الدولة الأيوبية تحكم مصر والشام. في عام 1220م قام المغول بقيادة جنكيز خان بمهاجمة الدولة الخوارزمية، على بوابة العالم الإسلامي الشرقية، ودمروها مما أدى إلى تشرذم الخوارزمية وشرود أجنادهم الذين راحوا بعد زوال دولتهم يعرضون خدماتهم على ملوك الممالك الإسلامية المجاورة، وكان من أولائك الملوك السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب الذي رحب بهم واستفاد من خدماتهم خاصة في الشام.
في عام 641 هـ/1244م استولى الخوارزمية حلفاء الصالح أيوب على بيت المقدس. وكان بيت المقدس في أيدي الصليبيين منذ معاهدة سنة 1229م بين الملك الكامل وفريدريك الثاني إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة إبان الحملة الصليبية السادسة والتي بموجبها تعهد فريدريك بالتحالف مع الملك الكامل ضد أعدائه ووقف الحملات الصليبية في مقابل تنازل الملك الكامل عن بيت المقدس للصليبيين.
في 17 أكتوبر 1244م شن الصليبيون هجوماً برياً ضخماً على مصر، ولكنهم هزموا هزيمة منكرة عند غزة على يد الأمير ركن الدين بيبرس وعناصر خوارزمية من جهة والصليبيين وملوك أيوبيين من سوريا متصارعين مع السلطان الأيوبي الصالح أيوب من جهة أخرى، انتهت بهزيمة الصليبيين وحلفائهم هزيمة كبرى، مما مكن المسلمين من فرض سيادتهم الكاملة على بيت المقدس وبعض معاقل الصليبيين في الشام.
كان لسقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين صدى قوي في أوروبا يشبه صدى سقوطها في يد صلاح الدين الأيوبي في سنة 1187م، مما جعل الأوروبيين يدعون إلى قيام حملة صليبية كبيرة تمكنهم من استعادة بيت المقدس، وكان ملك فرنسا لويس التاسع من أكبر المتحمسين للحملة الجديدة. كان الصليبيون يُدركون أن مصر التي صارت تمثل قلعة الإسلام وترسانته العسكرية ومصدر القوة البشرية الرئيسي للمسلمين، وهي العائق الرئيسي الذي يعترض طموحاتهم لاسترجاع بيت المقدس، وأنهم لن يتمكنوا من احتلال كل الشام وبيت المقدس دون الإجهاز على مصر أولاً.


لويس التاسع ملك فرنسا.
التجهيز لغزو مصر

في نوفمبر من عام 1244، مباشرة بعد هزيمة الصليبيين عند غزة، قام "روبرت" بطريرك بيت المقدس بإرسال "جاليران" أسقف بيروت إلى ملوك وأمراء أوروبا يطالبهم بإرسال إمدادات عاجلة إلى الأراضي المقدسة لمنع سقوط مملكة بيت المقدس بالكامل في أيدي المسلمين. وفي عام 1245، أثناء انعقاد مجمع ليون الكنسي الأول، وبحضور روبرت بطريرك بيت المقدس، منح بابا الكاثوليك إينوسينت الرابع تأييده الكامل للحملة الصليبية السابعة التي تحمس لها لويس التاسع ملك فرنسا وكان يحضر لها، وقام بابا الكاثوليك على إثر ذلك بإرسال "أودو" كاردينال فراسكاتي للترويج للحملة في كافة أنحاء فرنسا، وفُرضت ضرائب على الناس لتمويلها، ووافقت جنوة ومرسيليا على الاضطلاع بتجهيز السفن اللازمة، أما البندقية فقد فضلت عدم المشاركة بسبب علاقاتها التجارية الواسعة مع مصر.
كان من أهداف الحملة الصليبية السابعة، هزيمة مصر لإخراجها من الصراع، والقضاء على الدولة الأيوبية التي كانت تحكم مصر والشام، وإعادة احتلال بيت المقدس.


لتحقيق ذلك، جهز الصليبيون الحملة بتأن في ثلاث سنوات، وحاولوا إقناع المغول بالتحالف معهم ضد المسلمين حتى يتمكنوا من تطويق العالم الإسلامي من المشرق والمغرب مما يصعب على مصر القتال على جبهتين في آن واحد فيسهل عليهم الإطاحة بالعالم الإسلامي بضربة واحدة. قام البابا بإرسال مبعوثه الفرنسيسكاني "جيوفاني دا بيان كاربيني" (بالإيطالية: Jovanni da Pian del Carpine) إلى "جويوك" خان المغول يطلب منه تحالفه مع الصليبيين. إلا أن رد "جويوك" جاء مخيباً لأمال البابا، إذ رد عليه برسالة تطلب منه الخضوع للمغول والحضور إليه مع كل ملوك أوروبا لمبايعته ملكاً على العالم.لكن إينوسينت لم يفقد الأمل فقام في مايو من عام 1247 بإيفاد "أشلين اللومباردي" (بالإنجليزية: Asclin of Lombardy) إلى القائد المغولي "بايتشو" في تبريز. وبدا بايتشو أكثر استعداداً للتحالف مع الصليبيين ضد المسلمين، إذ اقترح أن يقوم بمهاجمة بغداد على أن يقوم الصليبيون في ذات الوقت بمهاجمة الشام فيتم تطويق المسلمين، وأوفد رسولين إلى روما بقيا في ضيافة بابا الكاثوليك نحو عام، ثم عادا إلى بياتشو ومعهما شكوى من البابا بأنه لم يلحظ أن "بايتشو" قد أقدم على فعل شيء مثمر يخدم التحالف المأمول .


حملة لويس التاسع " الحملة الصليبية السابعة "

نزل الملك لويس التاسع بجيشه إلى دمياط في يوم 20 صفر سنة 647هـ، وللأسف الشديد ظنت الحامية المدافعة عن المدينة أن سلطانهم المريض الملك الصالح أيوب قد مات، فانسحبوا انسحاباً غير مبرر، ووقعت دمياط في أيدي الصليبيين بسهولة، وهي المدينة التي دوخت قبل ذلك الحملة الصليبية الخامسة.

الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسععلم بذلك الملك الصالح رحمه الله فاشتد حزنه، وعاقب المسئولين عن جريمة سقوط دمياط، وتوقَّع أن النصارى الصليبيين سيتجهون إلى القاهرة عبر النيل لغزو العاصمة المصرية نفسها, وبذلك يُسقطون الدولة بكاملها.. لذلك فقد قرر بحكمته أن يرتب اللقاء في الطريق بين القاهرة ودمياط.. واختار لذلك مدينة المنصورة لأنها تقع على النيل، وحتمًا سيستغل الصليبيون النيل للإبحار فيه بسفنهم الكثيرة.
وبالفعل أمر الملك الصالح رحمه الله بأن يحمله الناس إلى مدينة المنصورة الواقعة على فرع النيل الذي يأتي من دمياط، وذلك لانتظار جيش الصليبيين بها، والاستعداد لمعركة فاصلة هناك.. وبالفعل حُمل الملك الصالح -رغم مرضه الشديد- إلى المنصورة، وبدأ فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس يضعان الخطة المناسبة للقاء النصارى في المنصورة.


وفاة الملك الصالح

خرج النصارى من دمياط في 12 شعبان 647هـ متجهين جنوباً عبر النيل صوب القاهرة، وكان من المؤكد أنهم سيمرون على المنصورة كما توقع الصالح أيوب.. ولكن سبحان الله في ليلة النصف من شعبان سنة 647 هـ توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله، وهو في المنصورة يعد الخطة مع جيوشه لتحصين المدينة، فنسأل له الله المغفرة والرحمة وأجر الشهداء.. يقول ابن تغري بردي صاحب كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة والمتوفى سنة 874 هـ: "ولو لم يكن من محاسن السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلا تجلده عند مقابلة العدو بالمنصورة، وهو بتلك الأمراض المزمنة، وموته على الجهاد والذبّ عن المسلمين لكفاه ذلك"، ثم يقول:" ما كان أصبره وأغزر مروءته!".
وكانت مصيبة خطيرة جداً على المسلمين، لا لفقد الزعيم الصالح فقط، ولكن لفقدان البديل والخليفة له، وخاصة في ذلك التوقيت، والبلاد في أزمة شديدة، وميناء دمياط محتل، وجنود الصليبيين في الطريق.
وهنا تصرفت زوجة السلطان نجم الدين أيوب بحكمة بالغة.. وكانت زوجته هي "شجر الدر".


شجر الدر تكتم خبر الوفاة

وشجر الدرّ كانت فيما سبق جارية من أصل أرمني أو تركي، اشتراها الصالح أيوب ثم أعتقها وتزوجها، ولذلك فهي في الأصل أقرب إلى المماليك..

ماذا فعلت شجر الدرّ بعد وفاة السلطان الصالح أيوب؟


لقد كتمت شجرة الدرّ خبر وفاته، وقالت أن الأطباء منعوا زيارته، وأرسلت بسرعة إلى ابن الصالح أيوب، والذي كان يحكم مدينة تعرف "بحصن كيفا "(في تركيا الآن)، وكان اسمه "توران شاه بن نجم الدين أيوب"، وأبلغته بخبر وفاة أبيه، وأن عليه أن يأتي بسرعة لاستلام مقاليد الحكم في مصر والشام، ثم اتفقت مع كبير وزراء الملك الصالح وكان اسمه "فخر الدين يوسف" على إدارة الأمور إلى أن يأتي توران شاه، ثم كلفت فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس بالاستمرار في الإعداد للمعركة الفاصلة في المنصورة، وهكذا سارت الأمور بصورة طيبة بعد وفاة الملك الصالح، ولم يحدث الاضطراب المتوقع نتيجة هذه الوفاة المفاجئة، وفي هذه الظروف الصعبة.
ومع كل احتياطات شجرة الدرّ إلا أن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسرب إلى الشعب، بل ووصل إلى الصليبيين، وهذا أدى إلى ارتفاع حماسة الصليبيين، وانخفاض معنويات الجيش المصري، وإن ظل ثابتاً في منطقة المنصورة..
ووضع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس خطة بارعة لمقابلة الجيش الفرنسي في المنصورة، وعرضاها على شجرة الدر، وكانت شجرة الدرّ تمثل الحاكم الفعلي لحين قدوم توران شاه ابن الصالح أيوب.. وأقرت شجرة الدرّ الخطة، وأخذ الجيش المصري مواقعه، واستعد للقاء..

موقعة المنصورة

الحمله الصليبيه السابعه 1249.

في اليوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هـ دارت موقعة المنصورة العظيمة، أمر بيبرس بفتح باب من أبواب المنصورة وبتأهب المسلمين من الجنود والعوام داخل المدينة مع الالتزام بالسكون التام. وبلعت القوات الصليبية الطعم، فظن فرسانها أن المدينة قد خوت من الجنود والسكان كما حدث من قبل في دمياط، فاندفعوا إلى داخل المدينة بهدف الوصول إلى قصر السلطان، فخرج عليهم بغتة المماليك البحرية والجمدارية وهم يصيحون كالرعد القاصف وأخذوهم بالسيوف من كل جانب ومعهم العربان والعوام والفلاحين يرمونهم بالرماح والمقاليع والحجارة، وقد وضع العوام على رؤوسهم طاسات نحاس بيض عوضاً عن خوذ الأجناد وسد المسلمون طرق العودة بالخشب والمتاريس فصعب على الصليبيين الفرار، وأدركوا أنهم قد سقطوا في كمين محكم داخل أزقة المدينة الضيقة وأنهم متورطون في معركة حياة أو موت، فألقى بعضهم بأنفسهم في النيل وابتلعتهم المياه ؛ وانتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً.
ثم حدث هجوم آخر على جيش الملك لويس التاسع المعسكر خارج المنصورة، وذلك في اليوم السابع من ذي القعدة سنة 647 هـ، ولكن الملك لويس التاسع تمكن من صد ذلك الهجوم بعد كفاح مرير.


وصل توران شاه إلى المنصورة بعد هذا الهجوم الأخير بعشرة أيام في السابع عشر من ذي القعدة سنة 647 هجرية، وتسلم السلطان الشاب مقاليد الحكم، وأعلن رسمياً وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولاية توران شاه حكم مصر والشام.. ثم بدأ توران شاه في التخطيط لهجوم جديد على الصليبيين.. وكانت حالة الجيش الصليبي قد ساءت، وبدأ بالانسحاب ناحية دمياط، بينما ارتفعت معنويات الجيش المصري جداً للانتصارات السابقة، وخاصة انتصار المنصورة، ولوصول توران شاه في الوقت المناسب..
وبعد خطة بارعة وضعها توران شاه بن الصالح أيوب استطاع الجيش المصري أن يلتقي مرة أخرى مع الصليبيين، عند مدينة "فارسكور" في أوائل المحرم سنة 648هـ، بعد أقل من شهرين من موقعة المنصورة الكبيرة! ودارت هناك معركة هائلة تحطم فيها الجيش الصليبي تماماً، بل وأسر الملك لويس التاسع نفسه، ووقع جيشه بكامله ما بين قتيل وأسير، وسيق الملك لويس مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة، حيث حبس في دار "فخر الدين إبراهيم ابن لقمان"..
ووضعت شروط قاسية على الملك لويس التاسع ليفتدي نفسه من الأسر، وكان من ضمنها أن يفتدي نفسه بثمانمائة ألف دينار من الذهب يدفع نصفها حالاً ونصفها مستقبلاً، على أن يحتفظ توران شاه بالأسرى الصليبيين إلى أن يتم دفع بقية الفدية، بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وتسليم دمياط للمسلمين، وهدنة بين الفريقين لمدة عشر سنوات ، لقد كان انتصاراً باهراً بكل المقاييس..
وتم بالفعل جمع نصف الفدية بصعوبة، وأطلق سراح الملك لويس التاسع إلى عكا، وكانت إمارة صليبية في ذلك الوقت.. نسأل الله أن يحررها من دنس اليهود الآن..

مقتل توران شاه

مع هذا الانتصار المبهر إلا أن توران شاه لم يكن الرجل الذي يناسب تلك الأحداث الساخنة التي تمر بالأمة..لقد كان توران شاه شخصية عابثة!.. فلقد اتصف هذا السلطان الشاب بسوء الخلق، والجهل بشئون السياسة والحكم، وأعماه الغرور الذي ركبه بعد النصر على لويس التاسع ملك فرنسا عن رؤية أفضال ومزايا من حوله، فقد بدأ من ناحية يتنكر لزوجة أبيه شجر الدر، واتهمها بإخفاء أموال أبيه، وطالبها بهذا المال، بل وهددها بشدة حتى دخلها منه خوف شديد، ولم يحفظ لها جميل حفظ الملك له بعد موت أبيه، وحفاظها على سير الأمور لحين قدومه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه بدأ يتنكر لكبار أمراء المماليك، وعلى رأسهم فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، ولم يحفظ للمماليك جميل الانتصار الرائع الذي حققوه في موقعة المنصورة، فبدأ يقلل من شأنهم، ويقلص من مسئولياتهم، وبدأ على الجانب الآخر يعظم من شأن الرجال الذين جاءوا معه من حصن كيفا، وبدا واضحاً للجميع أنه سيقوم بعمليات تغيير واسعة النطاق في السلطة في مصر، كان هذا في غضون الأشهر الثلاثة الأولى في مصر!.. وبعد موقعة فارسكور مباشرة.
في تلك الغضون كان الصليبيون يروجون شائعة في أوروبا تزعم أن الملك لويس التاسع هزم سلطان مصر في معركة عظمى تبعها سقوط القاهرة في يده. بعدما وصلت أنباء هزيمة لويس التاسع ووقوعه في الأسر ذهل الناس في فرنسا ونشأت حركة هستيرية عرفت باسم حملة الرعاة الصليبية.


النتائج المباشرة لهزيمة لويس التاسع

تحققت نبوءة الصالح أيوب بأن بغي لويس التاسع سيصرعه وإلى البلاء سيقلبه. استناداً إلى المصادر الإسلامية قُتل في حملة لويس التاسع ما بين 10 آلاف و 30 آلف من الجنود الصليبيين.

أُسر لويس التاسع في "منية عبد الله"، المعروفة بميت الخولي عبد الله الآن، بعد أن استسلم مع نبلائه للطواشي جمال الدين محسن الصالحي،وأودع مغللاً في بيت القاضي إبراهيم بن لقمان، كاتب الإنشاء، تحت حراسة طواشي يدعى صبيح المعظمي. كما أسر أخواه "شارل دانجو" و"ألفونس دو بويتي" وعدد كبير من أمرائه ونبلائه وقد سجن معظمهم معه في دار ابن لقمان. أما الجنود العاديون الذين أسروا فقد أقيم لهم معتقل خاص خارج المدينة. وأرسلت غفارة لويس التاسع إلى سوريا مع كتاب توران شاه ببشارة النصر، وكتب في ذلك أحد الشعراء:

فلا زال مولانا يبيح حمى العدى ويلبس أسلاب الملوك عبيده

سُمح للويس التاسع بمغادرة مصر مقابل تسليم دمياط للمصريين، والتعهد بعدم العودة إلى مصر مرة أخرى، بالإضافة إلى دفعه فدية قدرها 400 ألف دينار تعويضاً عن الأضرار التي ألحقها بمصر. فدفع نصف المبلغ بعد أن جمعته زوجته في دمياط، ووعد بدفع الباقي بعد وصوله إلى عكا، وهو مالم يفعله بعد أن تهرب من الدفع فيما بعد.


في 3 صفر 648هـ، الموافق في 8 مايو عام 1250، بعد احتلال دام أحد عشر شهراً وتسعة أيام، سلم لويس التاسع دمياط وغادرها إلى عكا مع أخويه و12,000 أسير كان من ضمنهم أسرى من معارك سابقة.
أما زوجته "مرجريت دو بروفنس" والتي كانت في غضون ذلك قد أنجبت طفلأ في دمياط أسمته "جان ترستان" (بالفرنسية: Jean Tristan) أي "جان الحزن"، فقد غادرت دمياط مع وليدها قبل مغادرة زوجها ببضعة أيام. وكانت مرجريت تعاني من كوابيس مرعبة أثناء نومها، وتتخيل أن غرفتها تغتص بالمسلمين، فكانت دائماً تصرخ في الليل: "أغيثوني.. أغيثوني". أما "جان ترستان" فقد مات مع لويس التاسع في سنة 1270م أثناء الحملة الصليبية الثامنة على تونس، وهي الحملة التي كان من أهدافها تحويل تونس إلى قاعدة صليبية ينطلق منها لويس التاسع لمهاجمة مصر مرة أخرى. مع أن قسمه بعدم العودة إلى مصر كان أحد شروط إطلاق سراحه.

وكتب أحد الشعراء المسلمين ضمن أبيات تسخر من نهاية حملة لويس التاسع:

أتيت مصر تبغى ملكها تحسب أن الزمر يا طبل ريح
فساقك الحين إلى أدهم ضاق بك عن ناظرك الفسيح
و كل أصحابك أودعتهم بحسن تدبيرك بطن الضريح
ألهمك الله إلى مثلها لعل عيسى منكم يستريح
وقل لهم إن أزمعوا عودة لأخذ ثأر أو لفعل قبيح
دار ابن لقمان على حالها والقيد باق والطواشي صبيح
ويعبر وصف المؤرخ "ماثيو باريس"، المتوفي عام 1258، الذي سجله في كتابه بعد أحداث معركة المنصورة، عن مدى الألم الذي شعر به الصليبيون بعد هزيمتهم: "كل الجيش المسيحي تمزق إرباً في مصر، وا أسفاه، كان يتكون من نبلاء فرنسا، وفرسان الداوية والاسبتارية وتيوتون القديسة ماري وفرسان القديس لازاروس". عززت هزيمة القوات الصليبية في المنصورة اسم تلك المدينة المرتبط بالانتصار والذي يرجع إلى تاريخ أقدم من الحملة الصليبية السابعة.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 08:49 PM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      






كربلاء .. ومقتل الحسين

قصة الإسلام

(8)



استقرت الخلافة لـمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة 41هـ، بعد أن تنازل له الحسن بن على بن أبي طالب عن الخلافة، وبايعه هو وأخوه الحسين -رضي الله عنهما- وتبعهما الناس؛ وذلك حرصًا من الحسن على حقن الدماء وتوحيد الكلمة والصف، وقد أثنى الناس كثيرًا على صنع الحسن، وأطلقوا على العام الذي سعى فيه بالصلح "عام الجماعة"، وحقق بهذا المسعى الطيب نبوءة جده الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقولته: "ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".


وكان الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب يترددان على معاوية في دمشق فيكرمهما ويحسن وفادتهما، ويعرف لهما قدرهما ومكانتهما، ولما مات الحسن ظل أخوه الحسين رضي الله عنه يفد كل عام إلى معاوية؛ فيحسن استقباله ويبالغ في إكرامه، وظل الحسين وفيًّا لبيعته، ويرى في الخروج على طاعة معاوية نقضًا لبيعته له، ولم يستجب لرغبة أهل الكوفة في هذا الشأن، بل إن الحسين اشترك في الجيش الذي بعثه معاوية لغزو القسطنطينية بقيادة ابنه "يزيد" في سنة 49هـ.
فاجأ "معاوية بن أبي سفيان" الأمة الإسلامية بترشيح ابنه "يزيد" للخلافة من بعده في وجود عدد من أبناء كبار الصحابة، وبدأ في أخذ البيعة له في حياته، في سائر الأقطار الإسلامية، بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى، ولم يعارضه سوى أهل الحجاز، وتركزت المعارضة في الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير y.
توفي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة 60هـ، وخلفه ابنه يزيد؛ فبعث إلى واليه بالمدينة لأخذ البيعة من الحسين الذي رفض أن يبايع "يزيد"، كما رفض -من قبل- تعيينه وليًّا للعهد في خلافة أبيه معاوية، وغادر المدينة سرًّا إلى مكة واعتصم بها، منتظرًا ما تسفر عنه الأحداث.
تحفيز للخروج



لوحة توضح موقع معسكر الإمام الحسين وجيش عمر بن سعد

رأى أهل الشيعة في الكوفة أن الفرصة قد حانت لأنْ يتولى الخلافة الحسين بن علي، بعدما علموا بخروجه إلى مكة؛ فاجتمعوا في بيت زعيمهم "سليمان بن صرد"، واتفقوا على أن يكتبوا للحسين يحثونه على القدوم إليهم، ليسلموا له الأمر، ويبايعوه بالخلافة، وتتابعت رسائل أشراف الكوفة إلى الحسين، كلها ترغبه في الحضور، حتى بلغت خمسين رسالة.
وأمام هذه الرسائل المتلاحقة، ووعود أهل الكوفة الخلابة بالنصرة والتأييد، استجاب الحسين لدعوتهم، وعزم قبل أن يرحل إليهم أن يستطلع الأمر، ويتحقق من صدق وعودهم؛ فأرسل ابن عمه "مسلم بن عقيل بن أبي طالب" لهذا الغرض. وما إن وصل إلى الكوفة، حتى استقبله أهلها بحماس بالغ وحفاوة شديدة، ونزل دار "المختار الثقفي" واتخذها مقرًّا لاستقبال الشيعة، حتى إذا اجتمع عدد كبير منهم، قرأ عليهم "مسلم" كتاب الحسين، الذي جاء فيه أنه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد، وصبروا على الجهاد؛ فأخذوا يبكون، وقام كبار الشيعة بإعلان تأييدهم للحسين، وخطب بعضهم مؤثرًا في الحاضرين فقال: "والله لأجيبنكم إذا دعوتم، لأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله". ولم يكن أمام "مسلم بن عقيل" وهو يرى هذه الحشود الضخمة التي أعلنت بيعتها للحسين إلا أن يكتب للحسين يطمئنه ويطلب منه القدوم، ويقول له: "بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل فأقدم، فإن جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان".
ولما علم "يزيد بن معاوية" بما يحدث في الكوفة، عزل واليها "النعمان بن بشير" لتساهله مع مسلم وتغاضيه عما يفعله، وولّى مكانه "عبيد الله بن زياد" فحضر على الفور، واتبع مع أهل الكوفة سياسة الشدة والترهيب، واشترى ولاء بعضهم ببذل الأموال، فانفضت الآلاف من حول (مسلم) وتركوه يلقى مصرعه وحده، بعد أن قبض عليه "ابن زياد" وألقى به من أعلى قصر الإمارة فمات، ثم صلبه؛ فكان أول قتيل صُلبت جثته من بني هاشم.

خرج الحسين من مكة إلى الكوفة في 8 من ذي الحجة 60هـ، وعندما بلغ "القادسية" علم بمقتل مسلم وتخاذل الكوفيين عن حمايته ونصرته، فقرر العودة إلى مكة، لكن إخوة مسلم أصرّوا على المضي قدمًا للأخذ بثأره، فلم يجد الحسين بدًا من مطاوعتهم، وواصل السير حتى بلغ كربلاء على مقربة من الكوفة في (2 من المحرم)، ووجد جيشًا كبيرًا في انتظاره يقوده "عمر بن سعد بن أبي وقاص" في حين كان مع الحسين نحو تسعين نفسًا، بعدما تفرق عنه الناس، ولم يبق معه إلا أهل بيته وقليل ممن تبعوه في الطريق، وعسكرت القوتان غير المتكافئتين في هذا المكان.
محاولة سلمية لم تُجدِ

حاول الحسين أن يخرج من هذا المأزق بعد أن رأى تخاذل أهل الكوفة وتخليهم عنه كما تخلوا من قبل عن مناصرة مسلم، وبلغ تخاذلهم أنهم أنكروا الكتب التي بعثوا بها إلى الحسين حين ذكرهم بها، فعرض على عمر بن سعد ثلاثة حلول: إما أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه، وإما أن يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام للجهاد فيه، وإما أن يأتي يزيد بن معاوية في دمشق فيضع يده في يده.
وكانت هذه الاقتراحات خطوة طيبة نحو الحل السلمي، وترك الثورة، وحقن الدماء؛ فبعث بها "عمر بن سعد" إلى واليه "عبيد الله بن زياد" فرفض هذه الحلول، وأبى إلا أن يسلم الحسين نفسه باعتباره أسيرًا، ويرسله بهذه الصفة إلى يزيد في دمشق، وسخر من عمر حين أبدى عطفًا تجاه الحسين، وكتب إليه: "إني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنِّيه السلامة والبقاء، وانظرْ فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إليَّ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثِّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون".
رفض الحسين بن علي هذا الطلب، وجمع أصحابه مرة بعد مرة وقال لهم: "لقد بررتم وعاونتم، والقوم لا يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدًا، فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده وانجوا بأنفسكم". فما كان منهم -وهم لم يكونوا جميعًا من ذوي عمومته وأقربائه- إلا أن قالوا له: "معاذ الله! بل نحيا بحياتك ونموت معك".
في العاشر من محرم كانت المعركة


وقبل أن تبدأ المعركة لجأ جيش ابن زياد إلى منع الماء عن الحسين وصحبه، فلبثوا أيامًا يعانون العطش، يستهدفون من ذلك إكراه الحسين على التسليم، ثم بدأ القتال بين قوتين غير متكافئين في العاشر من المحرم، فكان مع الحسين اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلاً، في حين يبلغ جيش أعدائه أكثر من أربعة آلاف، يكثر فيهم الفرسان وراكبو الإبل، ويحملون صنوفًا مختلفة من السلاح، ومع هذا التفاوت فقد أظهر الحسين ومن معه ضروبًا عجيبة من الشجاعة والإقدام، وتساقطوا واحدًا بعد الآخر وهم ملتفون حول الحسين، ويقاتلون بين يديه، وتعدى القتل الرجال المقاتلين إلى الأطفال والصبيان من عِترته وآل بيته، ولم يبق إلا هو، يقاتل تلك الجموع المطبقة عليهم، حتى أثخنوه بالجراح؛ فسقط رضي الله عنه قتيلاً، ثم قطعوا رأسه الشريف وأرسلوا به إلى يزيد بن معاوية، ولم ينج من القتل إلا "علي زين العابدين بن الحسين"، فحفظ نسل أبيه من بعده.
وكانت نتيجة المعركة واستشهاد الحسين على هذا النحو، مأساةً مروِّعة أدمت قلوب المسلمين وهزت مشاعرهم في كل مكان، وحركت عواطفهم نحو آل البيت، وكانت سببًا في قيام ثورات عديدة ضد الأمويين، حتى انتهى الأمر بسقوطهم، وقيام الدولة العباسية على أنقاضها[1].
لماذا لا نحكم العقل؟


نحن نعلن صرخة الاحتجاج ضد ابن زياد والحجاج -لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من قتل الحسين أو رضي بذلك- ولكن لماذا ندفع الفاتورة منذ قُتل الحسين إلى الآن من دمائنا ونسائنا وأبنائنا؛ بحجة أننا رضينا بقتل الحسين ونحن في أصلاب آبائنا وفي بطون أمهاتنا؟!
استباح ابن العلقمي بغداد بحجة الثأر للحسين، وذبح البساسيري النساء والشيوخ في العراق بحجة الثأر للحسين، والآن تُهدَّم المساجد في العراق ويُقتل الأئمة وتُبقر بطون الحوامل وتحرَّق الجثث ويُختطف الناس من بيوتهم وتُغتصب العذارى بحجة الثأر للحسين. إن المنطق الذي يقول: إن مليار مسلم كلهم رضي بقتل الحسين وكلهم ناصبوا العداء لأهل البيت منطق يخالف النقل والعقل والتاريخ، ومعناه إلغاء أهل الإسلام والقضاء على كل موحِّد في الأرض، هل من المقبول والمعقول أن يجتمع مئات الملايين من العلماء والخلفاء والحكماء والزُّهاد والعُبّاد والمصلحين ويتواطئوا على الرضا بقتل الحسين والسكوت على هذه الجريمة الشنعاء؟!
هل من المعقول أن تُحارب أمة الإسلام لأجل كذبة أعجمية صفوية ملفّقة كاذبة خاطئة تكفِّر الصحابة والتابعين ودول الإسلام، وتتبرأ من أبي بكر وعمر وأصحاب بدرٍ وأهل بيعة الرضوان ومن نزل الوحي بتزكيتهم وأخبر الله أنه رضي عنهم؟!
متى تُكفّ المجزرة الظالمة الآثمة التي أقامها الصفويون ضد كل مسلم، ومؤمن تحت مظلة الثأر للحسين؟
نحن أولى بالحسين دينًا وملَّة، ونسبًا وصهرًا، وحبًّا وولاءً، وأرضًا وبيتًا، وتاريخًا وجغرافيا، ارفعوا عنّا سيف العدوان، وأغمدوا عنّا خنجر الغدر؛ فنحن الذين اكتوينا بقتل الحسين، وأُصبنا في سويداء قلوبنا بمصرع الحسين:
جاءوا برأسك يابن بنت محمـد *** متـزمِّـلاً بدمـائه تزميــلا
ويكبِّـرون بـأن قتلـت وإنما *** قتلوا بـك التكبيـر والتهليـلا
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "قتل الحسين رضي الله عنه مصيبة من أعظم المصائب، ينبغي لكل مسلم إذا ذكرها أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون!". وأقول: لو كره عضو من أعضائنا الحسين أو أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم لتبرأنا من هذا العضو ولبترناه، لكننا نحبهم الحب الشرعي السُّني الصحيح الموافق لهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، لا الحب الصفوي والسبئي الغريب على الأمة وعلى الملّة وعلى السماء وعلى الأرض:


مرحبًا يا عـراق جئت أغنيك *** وبعضٌ من الغنـاء بكـاء
فجراح الحسين بعض جراحي *** وبصدري من الأسى كربلاء
الحسين ليس بحاجة إلى مآتم وولائم، تزيد الأمة هزائم إلى هزائم. رحم الله السبطين الحسن والحسين، وجعل الله عليًّا وفاطمة في الخالدين، ورضي الله عن الشيخين[2].
[1]أحمد تمام: كربلاء.. مأساة مسطورة
[2] عائض القرني: من قتل الحسين






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2026, 11:37 PM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الحرب العثمانية - البندقية (1570–1573)
- ويكيبيديا

الحرب العثمانية - البندقية الرابعة
(9)


معركة ليبانت

قادة الدولة العثمانية

سليم الثاني
بياله باشا
لالا مصطفى باشا
مؤذنزاده علي باشا
أولوج علي باشا
قادة العصبة المقدسة
ماركو أنتونيو براغادين
ألفيس مارتينِنغو
سيباستيانو فِنيير
دون خوان النمساوي
ماركانتونيو كولونا
جيوفاني أندريا دوريا
جاكوبو سورانزو


الحرب العثمانية - البندقية الرابعة، وتُعرف أيضاً بحرب قبرص (بالإيطالية: Guerra di Cipro)‏، هي حرب بدأت عام 1570 وانتهت عام 1573 بين الدولة العثمانية من جهة، وجمهورية البندقية من جهة أخرى مدعومةً بالعصبة المقدسة، وهي حلف يتألف من دول مسيحية تشكّل برعاية البابا. حيث ضمّ هذا الحلف كُلاً من إسبانيا (مع نابولي وصقلية)، وجمهورية جنوة، ودوقية سافوي، وفرسان مالطة، ودوقية توسكانا الكبرى، بالإضافة إلى دول إيطالية أخرى.
بدأت الحربُ بالغزو العثماني لجزيرة قبرص التي كانت تقبع تحت حكم البنادقة. سقطت العاصمة نيقوسيا وعدة مُدن أخرى سريعاً في قبضة الجيش العثماني الأكثر عُدةً وعتاداً، ولم يبقَ في أيدي البنادقة سوى مدينة فاماغوستا الواقعة على الساحل الشرقيّ للجزيرة. ونتيجة تأخر التعزيزات المسيحية، سقطت فاماغوستا في أيدي العثمانيين في أغسطس 1571 بعد حصارٍ دام أحد عشر شهراً. وبعد شهرين من انتهاء الحصار وقعت معركة ليبانت التي دمّر فيها الأسطول المسيحي المُشترك الأسطول العثماني، لكنّهم لم يتمكنوا من الاستفادة من هذا الانتصار، وأعاد العثمانيون بناء قواتهم البحرية سريعاً. اضطرت البندقية في النهاية إلى طلب السلام مُتخليةً عن قبرص لصالح الدولة العثمانية، بالإضافة إلى جزيةٍ تدفعها للعثمانيين مقدارها 300,000 دوقت.
خلفية[عدل]

سليم الثانى
كانت جزيرة قبرص الثريّة كبيرة المساحة تحت حكم البنادقة مُنذ عام 1489، وكانت إلى جانب جزيرة كريت أهم مُمتلكات جمهورية البندقية الخارجيّة. يُقدّر عدد سكان قبرص في مُنتصف القرن السادس عشر بحوالي 160,000 نسمة.[1] تميّزت الجزيرةُ بموقعها الذي أتاح لها السيطرة على تجارة بلاد الشام، كما أنّها كانت مُنتجةً للقطن والسُكّر.[2] وفي سبيل حماية الجزيرة، كان البنادقةُ يدفعون جزيةً سنويّةً مقدارها ثمانية آلاف دوقت لسلاطين المماليك في مصر، وجُدّد هذا الاتفاق مع الباب العالي بعد هزيمة المماليك أمام العثمانيين عام 1517.[3][4] ومع ذلك كانت قبرص هدفاً مُغرياً للتوسع العثماني في المُستقبل بسبب موقعها الإستراتيجيّ في شرق البحر الأبيض المتوسط بين مركز الدولة العثمانية في الأناضول وبلاد الشام ومصر.[5][6] كما أزعج العثمانيين توفير سلطات البندقية المحليّة الحماية للقراصنة الذين كانوا يتعرضون للسفن العثمانية والذين تعرضوا للحجاج في طريقهم إلى مكة، مما شكّل سبباً آخر لرغبة العثمانيين في الاستيلاء على الجزيرة.[7][8]


بات العثمانيون قادرين على توجيه أنظارهم نحو قبرص بعد انتهائهم من حربهم الطويلة مع الهابسبورغيين عام 1568.[9] حيث جعل السلطان سليم الثاني من غزو قبرص أولويته الأساسية حتى قبل أن يُنصّب سلطاناً عام 1566، جاعلاً من مُساعدة العثمانيين لثورة المورسكيين ضد إسبانيا وشنّ الهجمات على النشاطات البرتغالية في المحيط الهندي أولويةً ثانويةً.[10] وقد عزا بعضُ المُؤرخين الغربيين هذا الإصرار من سليم الثاني إلى ولعه بالخمور القبرصية.[11] وذكرت تقارير مُعاصرةٌ أنّ المُحرّض السياسيّ الرئيس لهذا الصراع كان رجلاً يُدعى ياسف ناسي، وهو يهودي برتغالي كان قد أصبح صديقاً مُقرباً للسُّلطان سليم الثاني، الذي عيّنه دوقاً على ناكسوس عند وصوله سدّة الحُكم. كان ناسي يُكنّ الضغينة تجاه البُندقية وكان يأملُ أن يُعيّن ملكاً على قبرص بعد الاستيلاء عليها، حتى أنّه كان قد جهز بالفعل تاجاً ورايةً ملكيّةً لذلك.[12]
بالرغم من تجديد مُعاهدة السلام مع البنادقة عام 1567،[8][13] ووجود مجموعة من الداعين إلى السلام حول الصدر الأعظم صقللي محمد باشا، إلا أنّ الراغبين في الحرب في البلاط العثماني نجحوا في فرض رأيهم.[7] وأصدر شيخ الإسلام فتواه التي تقضي بأنّ خرق المُعاهدة له ما يُبرره نظراً لأنّ قبرص كانت تحت الحكم الإسلاميّ فيما مضى (لفترة وجيزة في القرن السابع الميلادي)، وبالتالي كان لا بُدّ من استعادتها.[8][14][15] جُمع المالُ لتمويل الحملة من خلال مُصادرة وإعادة بيع الأديرة والكنائس التابعة للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية وفقاً لمصادر غربيّة.[16] عُيّن لالا مصطفى باشا -الذي كان مُعلماً للسلطان فيما مضى- قائداً للقوات البريّة،[17] في حين عُيّن مؤذنزاده علي باشا ليكون القبطان باشا، ونظراً لكونه عديم الخبرة في الشؤون البحريّة فقد عُيّن الخبير بياله باشا مُساعداً له.[18]
كانت النوايا العثمانية واضحةً بالنسبة للبنادقة، وكان الهجوم على قبرص مُتوقعاً قبل وقوعه. ظهر شبح الحرب عام 1564-1565 عندما توجّه العثمانيون صوْب مالطا، وتصاعد القلقُ من جديد في أواخر 1567 وأوائل 1568 حيث تمّ تعزيز القوّات البحريّة العثمانية بشكل واضح.[19] وازداد الإحساس بالخطر لدى سُلطات البُندقية عندما زار الأسطول العثماني قبرص في سبتمبر 1568، وكان ناسي ممّن حملهم الأسطول، ورغم أنّ العثمانيين تظاهروا بزيارة ودّية، إلا أنّه كان من الجليّ أنّ الهدف من الزيارة كان التجسس على دفاعات الجزيرة.[20] كان البنادقة قد طوّروا في عقد الستينات دفاعات قبرص، وكريت، وكورفو، ومُمتلكاتهم الأخرى بالاستعانة بخبرات المُهندس العسكريّ المعروف سفورزا بالافيسيني. زاد البنادقةُ من حاميات الجزيرة، وأرادوا زيادة قُدرة كُلٍ من كريت وقبرص المعزولتين لتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال بنائهم المسابك ومصانع البارود.[21] وبالرغم من هذه التجهيزات إلا أنّه كان من المُسلّم به عدم قُدرة قبرص على الصمود وحدها لفترة طويلة.[9] إذ إنّ موقعها البعيد عن البندقية والمُحاط بالأراضي العثمانية وضعها "في فم الذئب" كما كتب أحد المُؤرخين المُعاصرين.[22] وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن بمقدور البنادقة الاعتماد على إسبانيا هابسبورغ، وهي القوّة المسيحيّة الرئيسة في البحر الأبيض المُتوسط، إذ كانت مشغولةً حينها في قمع الثورة الهولندية وفي قمع المورسكيين على الصعيد المحلي.[23] كما أنّ موقف القبارصة من البنادقة شكّل مُشكلة أخرى. إذ سبّبت المُعاملة القاسية والضرائب الجائرة التي فرضها البنادقة الكاثوليك على السكان المحليين من الأرثذوكس استياءً كبيراً لدى القبارصة، حتى أنهم كانوا أكثر تعاطفاً مع العثمانيين بوجهٍ عام.[24]

بحلول عام 1570، كانت الاستعدادات العثمانية والتحذيرات التي بعثها سفير البُندقية في القسطنطينية ماركو أنطونيو باربارو قد أقنعت البنادقة بأنّ الحرب باتت وشيكة. وأُرسلت التعزيزات والأموال بسرعة إلى كُلٍ من كريت وقبرص.[25] وفي مارس 1570 أرسل العثمانيون مبعوثاً إلى البندقية حاملاً إنذاراً بالحرب ما لم تتنازل البندقية بشكلٍ فوريّ عن قبرص.[9] وعلى الرغم من ظهور بعض الأصوات التي دعت إلى التخلي عن قبرص مُقابل أراضٍ في دالماسيا بالإضافة إلى الحصول على امتيازات تجاريّة إلّا أنّ الإنذار العثماني رُفض بشكل قاطع على أمل الحصول على المُساعدة من الدول المسيحيّة الأخرى.[26]
الغزو العثماني لقبرص[عدل]


خريطة لنيقوسيا بتحصيناتها الجديدة، من عمل جياكومو فرانكو عام 1597.
أبحرت القوّات العثمانيّة المُؤلفة من 350-400 سفينة و60,000-100,000 رجُل تجاه قبرص في 27 يونيو ودخلت الجزيرة من ساحلها الجنوبيّ بالقرب من لارنكا بلا مُقاومة في 3 يوليو وسارت نحو العاصمة نيقوسيا.[11][23] اختلف البنادقةُ فيما إذا كان يجب عليهم مُواجهة العثمانيين فور وصولهم، لكنّهم قرروا الانسحاب إلى حصونهم والصمود حتى وصول التعزيزات. إذ أدركوا أنّهم لن يتمكنوا من مُواجهة المدفعيّة العثمانيّة، كما أنّ الهزيمة هناك سيكون من شأنها إبادة القوّة الدفاعيّة للجزيرة.[27] بدأ حصار نيقوسيا في 22 يوليو ودام سبعة أسابيع حتى 9 سبتمبر.[11] صمدت حصون المدينة الحديثة في وجه القصف العثمانيّ ممّا اضطرّ العثمانيين بقيادة لالا مصطفى باشا إلى حفر الخنادق صوْب جدارن المدينة مع الحفاظ على استمرارية القصف لتغطية عمل المُهندسين العسكريين.[28] أفلح العثمانيون في هجومهم الخامس والأربعين في التاسع من سبتمبر في اختراق الجدران بعدما استنفد المُدافعون ذخيرتهم. وأعقب ذلك مجزرةٌ بحق سكان المدينة البالغ عددهم 20,000 نسمة وفقاً لمصادر غربيّة.[29] وأُخذت النساء والصبيان ليُباعوا عبيداً.[28] أمّا الأسطول المسيحيّ المُشترك المُؤلف من 200 سفينة والذي أبحر من كريت مُتأخراً في أواخر أغسطس صوْب قبرص فقد عاد أدراجه عندما تلقّى نبأ سقوط نيقوسيا.[26][30]
تبع سقوط نيقوسيا استسلام غرنة الواقعة في شماليّ الجزيرة بلا مُقاومة، وفي 15 سبتمبر وصل العثمانيون إلى فاماغوستا آخر حصون البنادقة. كانت خسائرُ البنادقة الإجماليّة (بما في ذلك السكّان المحليين) حتى الآن قد بلغت حوالي 56,000 ما بين قتيلٍ وأسيرٍ حسب تقديرات مُؤرخين مُعاصرين.[31] أمّا المُدافعون عن فاماغوستا فقد بلغ عددهم 8,500 مُدافع مُزوّدين بتسعين مدفعيّة بقيادة ماركو أنطونيو براغادين. نجحت فاماغوستا في الصمود أمام الحصار الذي فرضه الجيش العثمانيّ المُؤلف من مئتي ألف رجل بالإضافة إلى 145 مدفعيّة،[32] ممّا وفّر الوقت اللازم ليقوم البابا بحشد الجيوش من الدول الأوروبيّة المسيحيّة المُترددة.[33] شرع العثمانيون خلال الأشهر التالية في حفر شبكة ضخمة من الخنادق على عمق ثلاثة أميال حول الحصن، ممّا شكّل ملجأً للقوّات العثمانيّة. لم تكن القوّات العثمانيّة البحريّة كافيةً لفرض حصارٍ كاملٍ على المدينة من جهة البحر أيضاً، وبالتالي كان البنداقةُ قادرين على إمداد المدينة بالتعزيزات اللازمة. وبعد أن بلغ السلطان العثمانيّ هذا الأمر في يناير استدعى السلطان بياله باشا تاركاً لالا مُصطفى وحده قائداً للحصار.[34] قدّم الصدر الأعظم صقللي محمد باشا خلال الحصار مُبادرةً لتحقيق السلام مع البُندقية، ولكنّ المُفاوضات تعثرت. عرض الصدر الأعظم أن يتنازل العثمانيون عن محطة تجاريّة في فاماغوستا إذا تنازلت الجُمهوريّة عن الجزيرة، لكنّ البنادقة اغترّوا بنجاحهم في الاستيلاء على دراس في ألبانيا وبسماعهم بالمُفاوضات الجارية لتشكيل عُصبة مُقدّسة فرفضوا عرض العثمانيين.[23][35] وبذلك، وفي 12 مايو 1571، بدأ قصفٌ مُكثفٌ على فاماغوستا، وبحلول الأول من أغسطس كانت ذخيرة البنادقة قد استُنفدت وبالتالي استسلمت حامية المدينة.[36] كلّف حصار فاماغوستا العثمانيين حوالي 50,000 مُصاب بين قتيلٍ وجريحٍ،[37] ومع ذلك سمح العثمانيون للسكان المسيحيين ومن بقي على قيد الحياة من الجنود البنادقة بمُغادرة المدينة بسلام، ولكن عندما علم لالا مُصطفى بأنّ بعض أسرى المُسلمين قد قُتلوا خلال الحصار أمر بسلخ براغادين حيّاً، وأعدم رفاقه، وطيف بجلد براغادين في أنحاء الجزيرة قبل أن يُرسل إلى القسطنطينية.[38]
العصبة المقدسة[عدل]


دون خوان النمساوي.
حاولت البندقية العثور على حلفاءٍ لها مُنذ أن وصل العثمانيون إلى قبرص. إذ لم تشأ الإمبراطورية الرومانية المقدسة نقض مُعاهدة السلام التي وقعتها مع العثمانيين قبل وقت قريب، أمّا فرنسا فقد كانت على علاقة ودّية مع الدولة العثمانية بالإضافة إلى عدائها للإسبان، أمّا بولندا فقد كانت مشغولةً بمشاكلها مع روسيا،[39] أمّا إسبانيا هابسبورغ أقوى القوى المسيحيّة في البحر المُتوسط فلم تُظهر في بادئ الأمر رغبةً في مُساعدة البُندقيّة، بل في الواقع كانت مُستاءةً من البنادقة لرفضهم تقديم المُساعدة خلال حصار مالطا عام 1565.[9][40] أضف إلى ذلك أنّ فيليب الثاني ملك إسبانيا أراد التركيز على الساحل البربري في شمال أفريقيا. أدّى هذا التردد الإسبانيّ إلى جانب خوف الأدميرال دوريا على أسطوله إلى تأخر اجتماع القوات البحريّة المُشتركة، ممّا أدّى إلى عواقب وخيمة.[31] توسّط البابا بيوس الخامس لإنشاء "العصبة المُقدسة"، وهي حلفٌ ضد العثمانيين أُبرم في 15 مايو 1571. نصّ الاتفاقُ على تجميع أسطول قوامه مئتا سفينة حربيّة، ومئة سفينة إمداد إضافةً إلى خمسين ألف مُقاتل. ولتأمين مُوافقة الإسبان، نصّت الاتفاقيةُ أيضاً على وعدٍ من البندقيّة لتقديم المُساعدة لإسبانيا في شمال أفريقيا.[9][26][41]

تجمّع الأسطول المسيحيّ في مسينة في أواخر الصيف وفقاً لشروط الحلف بقيادة دون خوان النمساوي الذي وصل في 23 أغسطس، لكنّ فاماغوستا كانت قد سقطت بالفعل في أيدي العثمانيين بحلول ذلك الوقت وأيّ مُحاولةٍ لإنقاذ قبرص كانت ستكون بلا معنى.[26] واجه دون خوان مُشكلةً تمثلت في انعدام الثقة وتبادل العداء بين الوحدات المُختلفة خصوصاً تلك المُتبادلة بين البنادقة والجنويين، وعولجت هذه المُشكلة عن طريق تفريق الوحدات وخلط السفن التابعة للدول المُختلفة بعضها مع بعض. أُعطي دوريا قيادة الجناح الأيمن، وجُعل البُندقيّ أغسطينو بارباريغو قائداً على الجناح الأيسر، بينما تولّى دون خوان قيادة المركز. وكذلك تولّى الإسبانيّ ألفارو دي بازان مسؤولية الأسطول الاحتياطيّ.[42] لم يكن الحلفاء قد علموا بعد بمصير فاماغوستا عندما أسطولهم مسينة في 16 سبتمبر، وبعد عشرة أيّام وصلوا إلى كورفو حيث علموا بنصر العثمانيين هناك. أمّا الأسطول العثمانيّ بقيادة مُؤذنزادة علي باشا فقد رسا في لبيبانت (نافباكتوس) بالقرب من مدخل خليج كورنث.[43][44]
معركة ليبانت[عدل]


معركة ليبانت من نقش مارتن روتا.


تأهب الجانبان لهذه المُواجهة التي جُمع لها وفقاً لبعض التقديرات ما بين سبعين إلى تسعين بالمائة من السفن الموجودة في البحر المُتوسط في ذلك الوقت.[45] كان الأسطولان مُتساويين تقريباً، إذ بلغ عدد سفن العثمانيين ثلاثمائة مُقابل مائتين للمسيحيين، في حين كان الأسطول المسيحيّ أكثر جاهزيةً. بلغ عدد الجنود المُشاركين ثلاثين ألف تقريباً في كُل جانب على حدة، ومع أنّ الأسطول المسيحيّ كان مُزوّداً بضعف الأسطول العثمانيّ من المدافع إلا أنّ العثمانيين امتلكوا كتيبةً كبيرةً من الرماة المهرة.[46] وفي السابع من أكتوبر التقى اشتبك الأسطولان في معركة ليبانت التي تمخّض عنها انتصارٌ ساحقٌ للحلفاء وتدمير الأسطول العثمانيّ. بلغت خسائر العثمانيين في هذه المعركة حوالي 20,000 ما بين قتيل وجريح وأسير بالإضافة إلى فقدان نحو 12,000 مسيحيّ كانوا أسرى لدى العثمانيين.[47][48] أما المسيحيون فقد قُتل منهم حوالي 7,500 رجل ولم يخسروا سوى سبع عشرة سفينة.[47] باتت المعركةُ في الوجدان الشعبيّ نقطة تحوّل حاسمة في الصراع العثمانيّ المسيحيّ الطويل، إذ أنهت الهيمنة العثمانيّة البحريّة التي استمرّت مُنذ معركة بروزة عام 1538.[9] وبالرغم من عِظم المعركة، إلا أنّ نتائجها المُباشرة كانت مُتواضعة. لم يتمكّن الحلفاء من شنّ هجماتٍ جديدةٍ على العثمانيين بسبب برودة الشتاء القارصة التي أعقبت المعركة، في حين استغلّ العثمانيون فترة التوقّف هذه لإعادة بناء قوّاتهم البحريّة.[49] وفي الوقت ذاته عانت البُندقيّة خسائر في دالماسيا حين هاجم العثمانيون مُمتلكات البنادقة هناك.[50]


يُمكن تلخيص الوضع الإستراتيجيّ بعد معركة ليبانت بمقولة الصدر الأعظم لسفير البنادقة: "لقد أحرق المسيحيّون لحيتي (يقصد الأسطول) ولكنني قطعت لهم ذراعاً (يقصد قبرص). لحيتي سوف تنمو من جديد، أمّا الذراع فلا".[51] وبالرغم من جُرأة هذا التصريح، إلا أنّ الأضرار التي لحقت بالأسطول العثمانيّ كانت شديدةً. لم تكن خسارة السفن الضرر الأكبر الذي لحق بالعثمانيين، إنّما تمثّل الضرر بشكلٍ خاصّ بخسارة الغالبية الساحقة من الضبّاط والبحّارة والفنيين والمُشاة ذوي الخبرة. لقد أدرك البنادقة والإسبان صعوبة استبدال هؤلاء الخبراء بالنسبة للدولة العثمانية، لذا أقدموا في العام التالي على إعدام من وقعوا أسرى بين أيديهم.[52] صحيحٌ أنّ الوقْع الإستراتيجيّ لانتصار الحلفاء كان محدوداً، لكنّ نصراً عثمانياً في ليبانت كان ليتمخّض عنه تداعيات فائقة الأهميّة. كان النّصرُ كفيلاً بإنهاء وجود كوادر البحريّة المسيحيّة وبالسماح للأسطول العثمانيّ بالتجوّل في البحر المُتوسط كيفما يشاء. كان الخطر سيصير مُحدقاً بمالطا، وكريت، وحتى جزر البليار أو البندقية ذاتها.[53] لقد أكّدت معركة ليبانت كما أكّد فشل العثمانيين في مالطا قبلها بست سنوات على تقسيم البحر المُتوسط بين الجانبين. فكان النصف الشرقيّ من البحر تحت سيطرة الدولة العثمانية بشكلٍ تامّ وأمّا النصف الغربيّ فكان تحت سيادة هابسبورغ وحلفائهم الإيطاليين.[54]
وبحلول عام 1572 استأنف أسطول الحلفاء عملياتهم في مُواجهة الأسطول العثمانيّ المُجدّد المُتألف من 200 سفينة بقيادة أولوج علي باشا. وبالرغم من أنّ الكتيبة الإسبانيّة بقيادة دون خوان لم تصل إلى البحر الأيوني حتى سبتمبر تاركةً العثمانيين يتفوقوّن على الحلفاء عددياً، لكنّ القائد العثمانيّ كان يعلم أنّ أسطوله بُني على عُجالةٍ من أخشاب الغابات وأنّ طاقمه كان عديم الخبرة، لذا تجنّب الاشتباك مع قوّات الحلفاء في أغسطس وتوّجه للحفاظ على سلامة أسطوله إلى ميثوني. وصلت بعد ذلك الكتيبة الإسبانيّة المُؤلفة من 55 سفينة فتساوى الجانبان عددياً، ممّا أتاح الفرصة لتوجيه ضربة قاصمة للعثمانيين، لكنّ هذه الفرصة أُهدرت بسبب خلافاتٍ نشأت بين قوّات المسيحيين وبسبب تردد دون خوان في الهجوم على العثمانيين.[55][56]
بدأت مصالح الدول الحلفاء تتشعّب وتتباين وصار الحلف في طريقه للانهيار. ففي عام 1573 فشلت أساطيل الرابطة المُقدّسة حتى من الأبحار معاً، وقام دون خوان بالهجوم على تونس وسيطر عليها، بَيْد أنّ العثمانيين استعادوها عام 1574 بعد سنة واحدة فقط.[57][58] شعرت البُندقيّة بالخوف على مُمتلكاتها في دالماسيا، كما خافت من أن تتعرض فريولي للغزو،[59] وأراد البنادقة إيقاف الخسائر التي تعرّضوا لها واسئناف التجارة مع الدولة العثمانية. لذا لجأت البُندقية أخيراً للتفاوض مع الباب العالي.[56][60]
معاهدة السلام وما بعدها[عدل]


أجرى المُفاوضات من جانب البنادقة سفيرهم ماركو أنطونيو باربارو الذي كان قد أُلقي في الأسر مُنذ عام 1570. أسفرت مُعاهدة السلام التي وُقّعت في السابع من مارس 1573 عن اعتراف البُندقية بقبرص بوصفها ولاية عثمانية، كما تحتّم على البنادقة دفع تعويضٍ مقداره ثلاثمائة ألف دوقت.[56] أسفرت المُعاهدة أيضاً عن تغيّرٍ في الحدود بين الدولة العثمانية والبندقية في دالماسيا، حيث حصل العثمانيون على أجزاء صغيرة المساحة ولكنها ذات أهمية من المناطق النائية التي شكّلت أكثر الأراضي الزراعية الخصبة المُجاورة للمُدن، ممّا أدّى إلى تأثر اقتصاد المُدن البُندقية في دالماسيا سلباً وبشدّة.[61]
استمرّ السلامُ بين الدولتين حتى عام 1645 حين اندلعت بينهما حرب كريت.[62] أمّا قبرص فظلّت تحت الحكم العثمانيّ حتى عام 1878، عندما تنازلت عنها الدولة العثمانية وباتت تحت حماية بريطانيا. واستمرّت السيادة العثمانية على قبرص حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث انضمّت الجزيرة لبريطانيا لتصبح مستعمرة ملكية عام 1925.[63]
المراجع[عدل]


^ McEvedy & Jones (1978), p. 119
^ Faroqhi (2004), p. 140
^ Finkel (2006), pp. 113, 158
^ **** (1976), p. 77
^ Setton (1984), p. 200
^ Goffman (2002), p. 155
أ ب Finkel (2006), p. 158
أ ب ت **** (1976), p. 108
أ ب ت ث ج ح Finkel (2006), p. 160
^ Faroqhi (2004), pp. 38, 48
أ ب ت Turnbull (2003), p. 57
^ Abulafia (2012), pp. 444–446
^ Setton (1984), p. 923
^ Finkel (2006), pp. 158–159
^ Abulafia (2012), pp. 446–447
^ Finkel (2006), p. 159
^ Goffman (2002), p. 156
^ Finkel (2006), pp. 159–160
^ Setton (1984), pp. 925–931
^ Abulafia (2012), p. 446
^ Setton (1984), pp. 907–908
^ Setton (1984), p. 908
أ ب ت Abulafia (2012), p. 447
^ Goffman (2002), pp. 155–156
^ Setton (1984), pp. 945–946, 950
أ ب ت ث **** (1976), p. 109
^ Setton (1984), p. 991
أ ب Turnbull (2003), p. 58
^ Hopkins (2007), p. 82
^ Setton (1984), pp. 981–985
أ ب Setton (1984), p. 990
^ Turnbull (2003), pp. 58–59
^ Hopkins (2007), pp. 87–89
^ Hopkins (2007), pp. 82–83
^ Hopkins (2007), pp. 83–84
^ Turnbull (2003), pp. 59–60
^ Goffman (2002), p. 158
^ Abulafia (2012), pp. 448–449
^ Setton (1984), p. 963
^ Setton (1984), pp. 941–943
^ Hopkins (2007), pp. 84–85
^ Guilmartin (2002), pp. 138–140
^ Turnbull (2003), p. 60
^ Guilmartin (2002), pp. 140–141
^ Guilmartin (2002), p. 141
^ Abulafia (2012), pp. 449–450
أ ب Confrontation at Lepanto by T.C.F. Hopkins, intro
^ Geoffrey Parker, The Military Revolution, p. 88
^ Faroqhi (2004), p. 38
^ Raukar, Tomislav (نوفمبر 1977). "Venecija i ekonomski razvoj Dalmacije u XV i XVI stoljeću". Journal - Institute of Croatian History (باللغة الكرواتية). Zagreb, Croatia: Faculty of Philosophy, Zagreb. 10 (1): 222. ISSN 0353-295X. مؤرشف من الأصل في 11 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 08 يوليو 2012.
^ Guilmartin (2002), p. 149
^ Guilmartin (2002), pp. 148–149
^ Guilmartin (2002), pp. 150–151
^ Abulafia (2012), p. 451
^ Guilmartin (2002), pp. 149–150
أ ب ت Finkel (2006), p. 161
^ Finkel (2006), pp. 161–162
^ Guilmartin (2002), p. 150
^ Setton (1984), pp. 1093–1095
^ Faroqhi (2004), p. 4
^ Raukar, Tomislav (نوفمبر 1977). "Venecija i ekonomski razvoj Dalmacije u XV i XVI stoljeću". Journal - Institute of Croatian History (باللغة الكرواتية). Zagreb, Croatia: Faculty of Philosophy, Zagreb. 10 (1): 221. ISSN 0353-295X. مؤرشف من الأصل في 11 ديسمبر 2019.
^ Finkel (2006), p. 222
^ Borowiec (2000), pp. 19–21

المصادر[عدل]


Abulafia, David (2012). The Great Sea: A Human History of the Mediterranean. Penguin Books. ISBN 978-0-141-02755-5.
Borowiec, Andrew (2000). Cyprus: a troubled island. Greenwood Publishing Group. ISBN 978-0-275-96533-4. مؤرشف من الأصل في 26 مارس 2017.
****, M. A., المحرر (1976). A History of the Ottoman Empire to 1730: Chapters from the Cambridge History of Islam and the New Cambridge Modern History. Cambridge University Press Archive. ISBN 978-0-521-20891-8. مؤرشف من الأصل في 28 يناير 2020.
Faroqhi, Suraiya (2004). The Ottoman Empire and the World Around It. I.B. Tauris. ISBN 978-1-85043-715-4.
Finkel, Caroline (2006). Osman's Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300–1923. London: John Murray. ISBN 978-0-7195-6112-2.
Goffman, Daniel (2002). The Ottoman Empire and Early Modern Europe. Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-45908-2. مؤرشف من الأصل في 01 أكتوبر 2017.
Greene, Molly (2000). A Shared World: Christians and Muslims in the Early Modern Mediterranean. Princeton University Press. ISBN 978-0-691-00898-1. مؤرشف من الأصل في 15 مايو 2018.
Guilmartin, John F. (2003). Galleons and Galleys: Gunpowder and the Changing Face of Warfare at Sea, 1300-1650. Cassell. ISBN 0-304-35263-2.
Hopkins, T. C. F. (2007). Confrontation at Lepanto: Christendom Vs. Islam. Macmillan. ISBN 978-0-7653-0539-8. مؤرشف من الأصل في 26 أغسطس 2017.
Lane, Frederic Chapin (1973). Venice, a Maritime Republic. JHU Press. ISBN 978-0-8018-1460-0. مؤرشف من الأصل في 04 مارس 2017.
McEvedy, Colin; Jones, Richard (1978). Atlas of World Population History. Penguin. مؤرشف من الأصل في 08 أبريل 2020.
Rodgers, William Ledyard (1967). Naval Warfare Under Oars, 4th to 16th Centuries: A Study of Strategy, Tactics and Ship Design. Naval Institute Press. ISBN 978-0-87021-487-5.

Setton, Kenneth M. (1984). The Papacy and the Levant (1204–1571), Vol. III: The Sixteenth Century. DIANE Publishing. ISBN 978-0-87169-161-3. مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2016.
Setton, Kenneth M. (1984). The Papacy and the Levant (1204–1571), Vol. IV: The Sixteenth Century. DIANE Publishing. ISBN 978-0-87169-162-0. مؤرشف من الأصل في 08 أبريل 2020.
Turnbull, Stephen (2003). The Ottoman Empire 1326–1699 (Essential Histories Series #62). Osprey Publishing. ISBN 978-0-415-96913-0.
منقول بتصرف



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 11:39 PM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





حرب كريت (من عام 1645 إلى عام 1669)

- ويكيبيديا
الحرب العثمانية - البندقية الرابعة

(10)


خريطة بُندقية لكريت
المتحاربون
الدولة العثمانية
الساحل البربري
طرف ثانى
جمهورية البندقية
فرسان مالطة
الولايات البابوية
فرنسا
القادة
يوسف باشا
موسى باشا
غازي حسين باشا
مراد باشا
محمد باشا الكوبريللي
فاضل أحمد باشا الكوبريللي
طرف ثاني
أندريا كورنر
نيكولو لودوفيزي
توماسو موروسيني
جوفاني باتيستا
جياكومو دا ريفا
ألفيز موتشينيغو
ليوناردو فوسكولو
لورينزو مارسيلو
لازارو موتشينيغو
فرانسيسكو موروسيني
ألميريغو ديست
فرانسوا دوق بوفور
تعديل مصدري - تعديل

حرب كريت (بالتركية العثمانية: گريد فتحى) أو حرب كانديا (بالإيطالية: Guerra di Candia)‏ وتُعرف أيضاً بالحرب العثمانية البندقية الخامسة، وهي صراعٌ نشب بين جمهورية البندقية بمساندة حلفائها (أهمّهم فرسان الإسبتارية، والولايات البابوية، وفرنسا) من جهة، والدولة العثمانية والساحل البربري من جهة أخرى حول جزيرة كريت أكبر وأغنى مُمتلكات البندقية في البحار. استمرت الحرب من عام 1645 إلى عام 1669، ودارت رحاها في كريت، بالإضافة إلى العديد من الاشتباكات البحرية التي وقعت في بحر إيجة وكذلك العديد من الغارات حول البحر ذاته. كما أنّ دالماسيا كانت مسرحاً ثانياً للعمليات.
على الرغم من نجاح العثمانيين في الاستيلاء على مُعظم أجزاء كريت في سنوات الحرب الأولى، إلا أنّ حصن العاصمة كاندية قاوم العثمانيين بنجاح. واضطر حصار كاندية الطويل - شبيه حصار طروادة كما وصفه جورج بايرون[1]- كلا الطرفين للتركيز على إمدادات قواتهما الموجودة على الجزيرة، خصوصاً البنادقة الذين كان أملهم الوحيد في الانتصار على الجيش العثماني الذي فاقهم حجماً في كريت يكمن في تجويع العثمانيين وقطع الإمدادات والتعزيزات عنهم، ومن ثَم تحولت الحربُ إلى سلسلة من المواجهات الحربية بين البحريتين وحلفائهما. تلقّت البندقية مساعدات من عدة دول أوروبية غربية، الذين حضّهم البابا لإحياء روح الحملات الصليبية، فأرسلوا الرجال والسفن والإمدادات "للدفاع عن المسيحية". حافظت البندقية على تفوقها البحري عموماً طيلة الحرب، وانتصرت في مُعظم مواجهاتها مع العثمانيين، لكنّها لم تتمكن من فرض حصار تام على الدردنيل، ولم تملك السفن الكافية لقطع تدفق الإمدادات والتعزيزات العثمانية المُرسلة إلى كريت. أمّا العثمانيون فقد أعاقهم وجود اضطرابات داخلية، بالإضافة إلى تحويل جُزء من قواتهم شمالاً صَوْب ترانسيلفانيا لمواجهة ملكية هابسبورغ.
استنفد هذا الصراع الطويلُ من اقتصاد جمهورية البندقية الذي كان يعتمد اعتماداً رئيسياً على التجارة مع الدولة العثمانية. وبحلول عقد الستينيّات من القرن السابع عشر، وعلى الرغم من تزايد المُساعدات المُقدمة من الدول المسيحية الأخرى، إلا أنّ الحرب كانت قد نالت من البندقية وأرهقتها. ومن جهة أخرى فإنّ العثمانيين نجحوا في الحفاظ على وجود قواتهم في كريت بقيادة قديرة من أسرة كوبريللي، وأرسلوا عامَ 1666 حملةً ضخمةً أخيرةً لإنهاء الحرب بإشراف مُباشر من الصدر الأعظم. كانت هذه بداية المرحلة الأخيرة والأكثر دموية في حصار كاندية واستمرت أكثر من عاميْن. استسلم حصن كاندية المنيع بعد ذلك وقبل البنادقة التفاوض، لتنتهي بذلك الحربُ بانتصار العثمانيين. نتج عن مُعاهدة السلام النهائية احتفاظ البندقية ببضعة جزر صغيرة معزولة قبالةَ كريت، وإحرازها بعض المكاسب الإقليمية في دالماسيا. لكنّ الحرب ما لبثت أن اشتعلت بين الطرفين مرة أخرى بعد نحو من 15 عاماً فقط، بسبب رغبة البندقية في الانتقام لخسارتها، وبالفعل نجحت بالخروج منها مُنتصرةً. أمّا كريت فقد ظلت تحت الحُكْم العثماني حتى عام 1897 حينما باتت دولةً مُستقلةً، قبل أن تُضم أخيراً إلى اليونان عام 1913.
خلفية[عدل]


باتت جزيرة كريت آخر مُمتلكات البندقية الكُبرى في البحار بعد خسارة قبرص لصالح العثمانيين في الحرب العثمانية البندقية الرابعة.[2] كان من الواضح أنّ كريت ستكون هدفاً للتوسع العثماني عاجلاً أم آجلاً وذلك بسبب موقعها الاستراتيجي،[3] وكذلك مساحتها، وأراضيها الخصبة، وسوء حال حصونها جعلتها أكثر إغراءً للعثمانيين من مالطا.[4] أمّا البندقية فكانت قد ضعفت عسكرياً وباتت تعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة غير المُنقطعة، لذا فقد حرصت على عدم استفزاز الدولة العثمانية، وحافظت على شروط مُعاهدتها معهم بحرص، لتؤمّن بذلك أكثر من ستين عاماً من العلاقات السلمية.[5] وبحلول بدايات القرن السابع عشر كانت قوة البندقية العسكرية قد تراجعت أكثر. حتى اقتصادها الذي كان قد ازدهر قبلاً مُعتمداً على سيطرته على تجارة التوابل الشرقية بات يُعاني نتيجةَ افتتاح طرق التجارة الأطلسيّة الجديدة، وكذلك نتيجةَ فقدانه السوق الألماني بسبب حرب الثلاثين عاماً.[2] وفضلاً عن ذلك كُله، تورطت البندقية في سلسلة من الحروب التي خاضتها في شمال إيطاليا مثل حرب الخلافة المانتوفية، وزاد الطين بلةً تفشي وباء الطاعون في الجمهورية عام 1629 - 1631.[6]

ظلّت احتمالية نشوب صراع عثماني بندقي جديد قائمةً، ففي عام 1638 هاجم أسطولٌ بُندقي أسطولاً بربرياً مُدمّراً إياه بعد أن كان البربر قد احتمَوا في ميناء فلوره العثماني، وكذلك قصفوا المدينة خلال العملية.[7] أثار هذا العمل حفيظةَ السلطان مراد الرابع، الذي هدد بإعدام جميع البنادقة الذين يعيشون في دولته وفرض حظراً على التجارة البندقية.[8] لكنّ الأمور عادت إلى مجراها بعد أن دفعت جمهورية البندقية تعويضاً للعثمانيين قدره ربع مليون عملة ذهبية، خصوصاً وأنّ العثمانيين كانوا لا يزالون في حالة حرب مع الدولة الصفوية ولم يرغبوا في الدخول في حرب أخرى.[5][9]
وقعت حادثةٌ أخرى مُشابهة في 28 سبتمبر 1644 لكنّ نتائجها كانت مُختلفة، حينما هاجم فرسان الإسبتارية قافلةً عثمانيةً كانت في طريقها من إسلام بول إلى الإسكندرية وعلى متنها عدد من الحجاج المُتجهين إلى مكة، ولقيت مُعظم الشخصيات المُهمة الذاهبة للحج حتفها، على حين اقتيد نحو ثلاثمائة وخمسين رجلاً وثلاثين امرأةً ليُباعوا عبيداً.[10] حمّل الفرسانُ غنائمهم على سفينة رست فيما بعد في ميناء صغير على الساحل الجنوبي من جزيرة كريت لبضعة أيام، وترجّل إلى الجزيرة بعض من البحارة والعبيد.[11] غضب العثمانيون من هذه الواقعة غضباً شديداً، واتهموا البندقية بالتواطؤ مع الفرسان، وهو الأمر الذي نفاه البنادقة بشدة. وبما أنّ سدّة الحُكْم في الدولة العثمانية كانت في أيدي أناسٍ مُتحمسين للحرب،[12] اعتبرت الدولةُ ما جرى ذريعةً مثاليةً للحرب مع البندقية الضعيفة في ذلك الحين.[13] وعلى الرغم من استمرار المُفاوضات فترةً طويلةً - حتى أواسط عام 1645 -، واعتراض الصدر الأعظم سلطان زاده محمد باشا،[14] إلا أنّ الدولةَ العثمانيةَ اتجهت إلى خيار الحرب. قام العثمانيون سريعاً بإرسال حملة أوليّة ضمّت 50,000 جُندياً و416 سفينة بقيادة صهر السلطان القبطان باشا يوسف باشا. أبحر الأسطول العثماني من الدردنيل في 30 أبريل 1645 مُتجهاً صَوْب ميناء نافارين في بيلوبونيز، وبقي هناك مُدة ثلاثة أسابيع.[15] لم يكن الأسطول العثماني قد أعلن عن هدفه بَعد، بل قام العثمانيون بالتلميح إلى كَون مالطا الهدف الذي خرجوا من أجله وذلك لتبديد مخاوف البنادقة.[13]



الحرب[عدل]


بداية العمليات في كريت[عدل]

نجحت الحيلةُ العثمانيةُ بالفعل في خداع البنادقة وتفاجؤوا بوصول الأسطول العثماني إلى كريت على حين غرة في 23 يونيو 1645.[15] ولم تُفلح جهود الجنرال أندريا كورنر - الذي كان قد عُيّن قائداً حديثاً - في مواجهة الموقف، حيث كانت دفاعات البندقية لا تزالُ في حالة سيئة.[16] كانت كريت جزيرةً ذات حصون منيعة، لكنّها أُهملت زمناً طويلاً، وتطلّب إعادة ترميمها جهداً كبيراً.[17] وكانت البندقيةُ تنظر بعين الخوف إلى الاستعدادت العثمانية، فدفعها ذلك إلى إرسال التعزيزات التي بلغت 2,500 جُندياً إلى كريت في أواخر عام 1644 احترازاً من أي هجوم مُحتمل، وكذلك بدأت بتسليح أسطولها. فضلاً عن حصولها على وعدٍ بالمُساعدة من البابا وتوسكانا في حالة وقوع الحرب.[18] لم تكن العلاقات جيدةً بين سُكان الجزيرة المحليين اليونانيين والبنادقة، وهو الأمر الذي لعب دوراً هامّاً في مراحل الحرب المُتقدمة، فقد ساعد توتر العلاقات بين الطرفين في سرعة فرض سيطرة العثمانيين على المناطق الريفية، وعندما قُطعت الإمدادات القادمة من البحار عن القوات العثمانية الموجودة على الجزيرة في سنوات الحرب اللاحقة، كانت المنتوجاتُ المحليةُ التي قدمها لهم اليونانيون سبيلاً لاستمرار بقائهم في كريت.[12][19]


خريطة لخانية وتحصيناتها تعود لعام 1651.


رسا العثمانيون حين وصلوا على أرضٍ تبعد حوالي خمساً وعشرين كيلومتراً عن خانية، ولم تستطع قواتها المحلية مُجابهتهم وفرّت.[15] تبع ذلك هجومهم على حصن القديس توديرو، فقام قائد الحصن بلاسيو زوليان الإستيري بتفجير نفسه وحصنه وحاميته حتى لا يسقط شيء في أيدي العثمانيين. تقدم الجيش العثماني بعد ذلك حتى وصل مدينة خانية ذاتها، التي سقطت أمام الزحف العثماني في 22 أغسطس، بعد حصار دام 56 يوماً.[20] وفي الوقت ذاته كانت التعزيزات قد بدأت بالوصول إلى الجزيرة على متن قوارب قادمةً من الولايات البابوية، وتوسكانا، ومالطا، ونابولي كما كانوا قد وعدوا البنادقة مُسبقاً فعزز ذلك من دفاعاتهم. اختلفت الأوضاع في سبتمبر، لأن الأسطول العثماني كان في حالة من الفوضى، لكنّ الأساطيل المسيحية المُتحالفة بقيادة نيكولو لودوفيزي - ابن أخ البابا - فشلت في استغلال الفرصة لتوجيه ضربة حاسمة.[21] تحركت القوات المسيحية أخيراً في الأول من أكتوبر لتحرير خانية من قبضة العثمانيين بأسطول مُكوّن من 90 سفينة، لكنّ هجومهم فشل بعد أن اصطدموا بقوة الدفاعات العثمانية فضلاً عن سوء التنسيق بينهم، وعادوا إلى قواعدهم بُعيْد ذلك.[21]


خريطة تعود لعام 1651 تُصوّر أسد القديس مرقس (رمز جمهورية البندقية) يقف حامياً لمملكة كاندية، حيث كانت جميع مُدن الجزيرة قد باتت تحت السيطرة العثمانية بحلول ذلك الوقت باستثناء العاصمة كاندية.


غادر القائدُ الأول يوسف باشا الجزيرة في نوفمبر تاركاً وراءه حاميةً قويةً وعاد إلى إسلام بول ليقضي فصل الشتاء هناك، بَيْد أنّ السلطان أعدمه هناك بعد وقوع خلافات بين الطرفين.[22] لم تتأثر الاستعدادت العثمانية بما حصل وتواصلت في سبيل تجديد وتوسيع الحرب، على حين كان البنادقةُ يلهثون لجمع المال والرجال، وسعوا جاهدين لإشراك القوى الأوروبية الأخرى في حربهم مع العثمانيين. قابلت الدول الأوروبية استغاثات البنادقة بآذان صمّاء، خصوصاً وأنّ أوروبا كانت مُمزقةً في ذلك الحين نتيجةَ حرب الثلاثين عاماً وما ترتّب عنها من صراعات ضارية.[23] عانى البنادقةُ من ضغط شديد بسبب المُتطلبات المالية للحرب، فاضطروا إلى فرض الضرائب على الأراضي التابعة لهم (دوميني دي تيرافيرما)، حتى أنهم لجؤوا إلى بيع ألقاب النبالة والمناصب الحكومية للحصول على المال.[24] اختير فرانسيسكو إيريزو ذو الثمانين عاماً قبطاناً للقوات البحرية، لكنه ما لبث أن توفي في أوائل عام 1646 فاستُبدل به جوفاني كابيلو الذي كان عمره حينها ثلاثة وسبعين عاماً.[25]
كان عام 1646 سيئاً على البنادقة واتّسم أداء كابيلو فيه بالبهتان، لأنه فشل في اعتراض وصول التعزيزات العثمانية بقيادة موسى باشا في يونيو،[26] وأيضاً فشل الهجومُ الذي شنّه على الأسطول العثماني في خليج خانية في أغسطس، بالإضافة إلى فشل مُحاولاته في فك الحصار العثماني على ريثيمنو، فأدى ذلك إلى سقوط المدينة في أيدي العثمانيين في 20 أكتوبر من العام ذاته، على حين صمد معقلها حتى 13 نوفمبر قبل أن يسقط.[27] عانى كلا الجانبان من تفشي وباء الطاعون في صفوفه خلال شتاء 1646 - 1647، ولم يُحرز أيٌّ منهما تقدماً فعلياً خلال ربيع عام 1647. استمر هذا الوضعُ حتى مُنتصف يونيو حين ألحقت قوةٌ عثمانيةٌ صغيرةٌ الهزيمة بمُرتزقة بنادقة على الرغم من تفوّق البنادقة العددي. مهّد هذا النجاحُ الطريقَ للعثمانيين للاستيلاء على النصف الشرقي من الجزيرة باستثناء حصن سيتيا.[28] تعرض البنادقةُ والسكانُ المحليون خلال الحرب لخسائر جسيمة، حيث تُشير التقديراتُ إلى أنّ قرابة 40% من سُكان الجزيرة لقوا حتفهم بحلول عام 1648 سواءً كان ذلك بسبب المرض أو الحرب،[29] وبحلول عام 1677 كان قد انخفض عدد سكان كريت إلى 80,000 نسمة فقط، بعد أن كانوا 260,000 نسمة قبل بدء الحرب.[30] وبحلول عام 1648، كانت جميع أنحاء كريت قد باتت تحت سيطرة العثمانيين عدا كاندية وبضعة حصون أخرى.[22]
حصار كاندية[عدل]


بدأ حصار كاندية في مايو 1648، واستمر تطويق العثمانيين للمدينة ثلاثة أشهر، فنجحوا في عزلها، حتى أنّهم قطعوا إمدادات الماء عنها. لكنّ العثمانيين أيضاً تأثروا بشدةٍ جراء سوء حال إمداداتهم الناجم عن نشاط الأساطيل المسيحية في بحر إيجة، حيث اعترضوا القوافل العثمانية المُتجهة للجزيرة والمُحمّلة بالإمدادت والتعزيزات مانعين إيّاها من الوصول إلى مُحاصري كاندية.[31] كما أنّ الدولةَ العثمانية عانت حينها من الاضطرابات الداخلية الناجمة عن سياسات السُّلطان إبراهيم الأول العشوائية وعن إعدامه عدداً من كبار المسؤولين في الدولة بلا مُحاكمة، ممّا أدى في نهاية المطاف إلى عزله عن سدّة الحُكْم لصالح ابنه محمد الرابع، لتبدأ بذلك فترةٌ أخرى من الارتباك في جَنَبات الحكومة العثمانية.[32]
أجبر نقصُ الإمدادات القائدَ غازي حسين باشا على رفع الحصار عن كاندية في بداية عام 1649، قبل أن يُحاصر العثمانيون المدينة من جديد بعد شهرين فقط من الرحيل عنها بعد أن وصل الأسطول العثماني إليها في شهر يونيو من العام نفسه.[33] استمر هذا الحصار حتى عام 1669 ليكون ثاني أطول حصار في التاريخ بعد حصار الموريين لسبتة بقيادة إسماعيل بن الشريف، الذي دام من عام 1694 إلى عام 1727.[34] هاجم العثمانيون حصون المدينة مُفجرين أكثر من سبعين لغماً، لكنّ المُدافعين تمكنوا من الصمود أمام المد العثماني. خسر العثمانيون نتيجة عملياتهم أكثر من 1,000 جندي، وانسحب من ميدان المعركة 1,500 إنكشاري، كما أنّهم عانوا من انعدام التعزيزات المُرسلة لهم على مدار عام 1650، ولم يُترك أيُّ خيار لحسين باشا سوى أن يبذل أقصى مجهود لتضييق الحصار على المدينة ما أمكن.[33] عزز العثمانيون من موقفهم ببناء ثلاثة حصون في منطقة خانية، كما وصلت إليهم التعزيزات في أواخر عام 1650 ممّا سمح لهم بمواصلة حصارهم الشديد المفروض على عاصمة الجزيرة.[35] تكالبت الأوضاع بعد ذلك على العثمانيين مرةً أخرى، فالبنادقة قد نجحوا في فرض الحصار على الدردنيل، والبلاط العثماني كان يُعاني من الاضطرابات السياسية، إلا أنّ الإمدادات الواصلة للجيش العثماني في كريت كانت كافيةً للحفاظ على وجوده، لكنّ الجيش كان في وضعٍ أضعف من أن يشنّ هجوماً حقيقياً على كاندية. نجح العثمانيون عام 1653 في الاستيلاء على حصن سيلينو الواقع على خليج سودا، كما قاموا بتحسين تحصينات سان توديرو الذي كانوا قد استولوا عليه سابقاً.[36] خفّضت النجاحات البحرية البندقية على مدار السنوات اللاحقة من القدرة الهجومية للجيش العثماني في كريت بشكل مؤثر، لكنّ حصار كاندية ظلّ مُستمراً، وتمكن العثمانيون من الاحتفاظ بالأراضي التي كانوا قد استولوا عليها مُسبقاً في الجزيرة حتى وصول حملة عثمانية جديدة عام 1666.



الحرب البحرية[عدل]


الصدامات الأولى (1645 - 1654)[عدل]




صورة تُظهر قادساً مالطياً. بالرغم من أنّ القوادس استُبدلت بالسفن الشراعية، إلا أنّها ظلت تُشكل جزءاً كبيراً من القوات البحرية المُتوسطية خلال القرن السابع عشر.


لم يكن بإمكان البندقية مواجهة الحملة العثمانية الضخمة في كريت بشكل مُباشر، لكنّ بحريتها كانت قويةً لدرجة تُمكّن البنادقة من التدخل وقطع طرق إمداد العثمانيين.[37] ففي عام 1645 كان أسطول البندقية والحلفاء المُشترك يتألف من ستين إلى سبعين قادس، وأربع سفن ضخمة، وحوالي ستة وثلاثين سفينة شراعية كبيرة.[38] لم يكن تفوّق البنادقة البحري مُقتصراً على حجم أسطولهم، بل أيضاً من حيث تنوّع مراكبهم البحرية، بينما اعتمدت البحرية العثمانية بشكل تام تقريباً على القوادس.[39] أراد الطرفان تعزيز قواتهما البحرية بشكل أكبر، فقرر كُل من العثمانيين والبنادقة توظيف أناسٍ ذوي خبرة حربية من هولندا، وفيما بعد من إنجلترا، خصوصاً العثمانيين.[40]
أولى العمليات البحرية للبنادقة كانت مُحاولةً لحصار الدردنيل عام 1646، حين خرج أسطول قوامه 23 سفينة بقيادة توماسو موروسيني إلى بحر إيجة لاعتراض سفن الشحن العثمانية المُحمّلة بالإمدادات والتي كانت مُتجهةً إلى جزيرة كريت، بالإضافة إلى مُحاولتهم للاستيلاء على جزيرة تندوس ذات الأهمية الاستراتيجية والواقعة على مدخل الدردنيل. قاد القبطان موسى باشا أسطولاً مؤلفاً من 80 سفينة حربية لمواجهة البنادقة، لكنّ البندقية نجحت في دحر العثمانيين إلى الدردنيل في 26 مايو.[41] عاد الأسطول العثماني إلى البحار من جديد في 4 يونيو من العام نفسه، ولم ينجح البنادقة هذه المرة في إيقافه، حيث ساعد الأسطولَ العثماني عدمُ هبوب الرياح واستطاعوا الإفلات من السفن البندقية، وبالتالي نجح العثمانيون في إنزال المزيد من الجنود والإمدادات في كريت دون مُقاومة.[42] وبالإضافة إلى ذلك كله، فشلت جهود الأسطول البندقي التي بُذلت لمواجهة العمليات العثمانية البرية في الجزيرة، ويُعزى ذلك إلى تردد قادته، والتأخير في دفع الأجور، وكذلك بسبب تفشي آفة الطاعون بين البنادقة.[43]
خسر البنادقة قائد أساطيلهم توماسو موروسيني في 27 يناير 1647 عندما اضطرت سفينته لمواجهة أسطولاً عثمانياً مُكوناً من 45 قادس. قُتل موروسيني خلال هذه المواجهة، لكنّه نجح في إلحاق خسائر كبيرة بالعثمانيين بما فيها قتل موسى باشا نفسه. وصل أسطول البنادقة بعد ذلك في الوقت المُناسب لإنقاذ السفينة بقيادة القائد الجديد جوفاني باتيستا جريماني. كانت هذه المواجهة ضربةً كبيرةً لمعنويات العثمانيين، حيث أنّ سفينةً واحدةً ألحقت أضراراً وإصابات مؤثرة في صفوفهم.[44] حقق البنادقةُ بعد ذلك بعض النجاحات الأخرى مثل إغارتهم على مدينة ششمة الواقعة غرب تركيا في الوقت الحاضر، لكنهم تعرضوا لسلسلة من الإخفاقات فيما تبقى من العام، حيث فشلت مُحاولاتهم المُتكررة في حصار الموانئ العثمانية واستمر تدفق الإمدادات والتعزيزات إلى كريت.[45]


اشتباك الأسطول البندقي مع الأسطول العثماني عام 1649، بريشة أبراهام بيرستاتن (1656).


عاد البنادقة إلى الدردنيل من جديد عام 1648، وعلى الرغم من خسارتهم للعديد من السفن ووفاة الأميرال جوفاني باتيستا نفسه في عاصفةٍ تعرضوا لها في أواسط شهر مارس،[46] إلا أنهم تمكنوا من إعادة بناء أسطولهم بقيادة جياكومو دا ريفا، ونجحوا في حصار المضيق مُدة عام كامل.[31] وبالمُقابل نجح العثمانيون في التصدي للبنادقة جُزئياً بعد بنائهم أسطولاً جديداً في ششمة مُجبرين البنادقة على تقسيم قواتهم.[31] وفي عام 1649 كسر أسطول عثماني بقيادة القبطان باشا فوينوك أحمد باشا الحصار البحري المفروض عليهم.[22] حقق البنادقة بعد ذلك انتصاراً على الأسطول العثماني في 12 مايو من العام نفسه واستولوا على عدد من السفن العثمانية ودمّروا عدداً آخر، لكنّ دا ريفا لم يكن قادراً على منع الأسطول العثماني من الوصول إلى كريت،[47] ممّا أبرز ضعف موقف البنادقة، حيث أنّ البندقية لم تكن قادرةً على فرض حصار بحري طويل الأمد، ولم تملك الجمهورية ما يكفي من السفن للسيطرة على كل من الدردنيل وممر خيوس في الوقت ذاته.[37]
حافظ الأسطول البندقيّ المُكون من 41 سفينة على حصاره للدردنيل مُعظم فترات عام 1650 مما منع العثمانيين من الإبحار إلى كريت. لكنّ العثمانيين نجحوا مرةً أخرى في فك الحصار عندما تولى حاكم رودس علي باشا قيادة الأساطيل العثمانية، الذي أتى بحيلة ذكية للتخلص من البنادقة، حيث انتظر حتى حلول الشتاء حتى يسحب البنادقة قواتهم، ثمّ قام بإرسال عدد صغير من السفن مُحمّلة بالمؤن وعدة آلاف من الجنود مُضللاً البنادقة، ثم أبحر نحو كريت دون التعرض لأي مُضايقات.[35]
وقعت أولى المعارك البحرية الكُبرى في 10 يوليو 1651 جنوب ناكسوس، حين اشتبك الأسطول البندقي المُكوّن من 58 سفينة بقيادة ألفيز موتشينيغو مع الأسطول العثماني الأكبر حجماً، لكنّ البنادقة حسموا المعركة لصالحهم،[48] بينما انسحب ما تبقّى من الأسطول العثماني إلى رودس. استُبدل موتشينيغو بُعيْد ذلك بليوناردو فوسكولو، ولم يُنجز أيّ من الطرفين الكثير خلال العامين المُقبلين، ونجح العثمانيون خلال هذه الفترة في إمداد قواتهم في كريت مع الحفاظ على سلامة أسطولهم.[49]
يتبع

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* دروس وعبر من حادثة الإفك
* السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله
* جبريل ‌يقرئ خديجة السلام من ربها ‌بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، ‌والرسول ‌يقرئ
* السرايا
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* ذكرى سقوط بغداد على يد هولاكو

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
...يوميا, معارك, مهمة, الاسلامى, التاريخ, حربية, رمضان, في
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سحورك عندنا يوميا فى رمضان ------- تابعونا ابو الوليد المسلم ملتقى الأسرة المسلمة 29 03-19-2026 05:55 PM
معارك حاسمة في رمضان ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-22-2026 04:12 PM
معارك خلَّدها التاريخ الإسلامي ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-20-2026 08:35 PM
صور من محن علماء المسلمين عبر التاريخ ..... يوميا فى رمضان ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 29 12-31-2025 04:54 AM
اعظم شخصيات التاريخ الاسلامي ____ يوميا فى رمضان ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 29 12-27-2025 10:25 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009