![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#517 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الفاء للتفريع، أو استئنافية، والباء حرف جر تفيد السببية، و«ما»: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ ﭑﭒﭓ﴾ [النساء:155]، ﴿ رَحْمَةٍ ﴾: مجرورة بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿ لِنْتَ ﴾، ونكرت «رحمة» للتعظيم؛ أي: فبسبب رحمة من الله لك ولأصحابك لنت لهم، أو أي شيء جعلك لينًا لهم لولا رحمة الله بك وبهم، وفي هذا امتنان من الله - عز وجل - عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: كنت لينًا لأصحابك وأمتك، رفيقًا بهم: ألنت لهم جانبك، وخفَضت لهم جَناحك، فأحبوك، واجتمعوا عليك. فقد كان صلى الله عليه وسلم لينًا حسن الخلق والتعامل مع أصحابه، كما كان صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا بأمته؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين»[3]. وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[4]. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾، وفيها بيان وإيضاح لمعنى ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لنت لهم، ولم تكن فظًّا غليظ القلب؛ أي: ولم تكن شديدًا، وبضدها تتميز الأشياء. و«لو»: شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع، ﴿ كُنْتَ﴾: فعل الشرط، ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: جواب الشرط، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ فظًّا ﴾: خبر كان، و«الفظ»: السيئ الخلق، الجافي الطبع، غليظ القول والفعل؛ قال الشاعر: أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ![]() وكنت أخشى عليها من أذى الكلم[5] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: يُبكى علينا ولا نبكي على أحد ![]() لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل[6] ![]() ![]() ![]() ﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ غلظ القلب: قساوته، وغليظ القلب: قاسي القلب الذي لا يلين، وليس في قلبه رأفة ولا رحمة، وهذا هو سبب الفظاظة. وفي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»[7]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»[8]. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلون الصبيان فما نُقَبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوَأَمْلِكُ لك أن نَزع الله من قلبك الرحمة»[9]. ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: اللام واقعة في جواب «لو»، أي: لتفرق أصحابك من حولك وانصرفوا وتركوك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ [الجمعة: 11]. وفي قوله: ﴿ مِنْ حَوْلِكَ﴾: دلالة على شدة ابتعادهم عنه، أي: لتفرَّق من حولك، وابتعدوا عنك كل البعد. عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن مما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح»[10]. ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾: الفاء عاطفة للتفريع على قوله: ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾؛ أي: فتجاوز عن أصحابك، وسامحهم، ولا تؤاخذهم فيما يقع منهم من تقصير في حقك، من ترك واجبٍ لك، أو ارتكاب منهي في حقك. وما أكثر ما حصل له صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخاصة من بعض المنافقين؛ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: «والله إنها لقسمة ما أُريد بها وجه الله»، قلت: أمَّا أنا لأَقولنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو في أصحابه، فساررته، فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغيَّر وجهه، وغضب حتى وَدِدت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر»[11]. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ، جاء عبدالله بن ذي الخُوَيْصِرَة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل»، قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: «دعه فإن له أصحابًا يُـحَقِّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[12]. ولما خاصَم الأنصاري الزبير- رضي الله عنه - في شِرَاج الحَـرَّةِ التي يسقون بها النخل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»[13]. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُـرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»[14]. ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: واطلُب لهم المغفرة من الله فيما يقع منهم من تقصير في حق الله تعالى، سواء كان بسبب تقصيرهم في حقك، أو في غير ذلك من حقوق الله تعالى؛ لأن ما يجب للرسول صلى الله عليه وسلم، بل وما يجب لغيره من الخلق، كل ذلك من حق الله تعالى؛ لأن الله هو الذي أوجب ذلك كله. ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: المشورة: استطلاع رأي المستشار، أي: شاوِر أصحابك واستطلع آراءهم، واطلب منهم المشورة. ﴿ فِي الْأَمْرِ ﴾؛ أي: في الشأن، و﴿ الأمر ﴾ واحد الأمور، أي: شاورهم في الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر وتجربة، ونحو ذلك. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كثير من الأمور؛ تشجيعًا لهم وتطييبًا لخواطرهم، واستئناسًا برأيهم، فعن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان..»[15]. واستشارهم في أسرى بدر، فأشار عليه أبو بكر - رضي الله عنه - باستبقائهم وفدائهم، وأشار عليه عمر - رضي الله عنه - بقتلهم، وكان صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأي أبي بكر - رضي الله عنه - فاستبقاهم، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 - 69][16]. كما استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار أكثرهم بالخروج فخرج[17]، كما استشارهم يوم الأحزاب، فأشار عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بحفر الخندق حول المدينة[18]. كما استشارهم في قصة الإفك، فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليَّ أيها الناس في رجل بلغني أذاه في أهلي»[19]. قال البخاري - رحمه الله[20]: «وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة، لم يتعدوه إلى غيره»، وقال: «وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا؛ كانوا أو شبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل». وقد تشاور الصحابة - رضي الله عنهم - في أمر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشار أبو بكر - رضي الله عنه - الصحابة في قتال أهل الردة، وجعل عمر - رضي الله عنه - الأمر شورى بعده في ستة عيَّنهم رضـي الله عـنه وعنهم. والاستشارة كما تكون في أمور الأمة الهامة والعامة، تكون في الأمور الخاصة بين الناس بين أفراد المجتمع، بين الأقارب والأزواج والإخوان والأصدقاء، وسائر أفراد المجتمع؛ كما قال تعالى في الزوجين: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233]. وقد امتدح الله - عز وجل - هذه الأمة بقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]، وقد قيل: «ما خاب مَن استخار، ولا ندم مَن استشار»[21]. وقال الشاعر: شاور سواك إذا نابتك نائبة ![]() يومًا وإن كنت من أهل المشورات ![]() فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ![]() ولا ترى نفسها إلا بمرآة[22] ![]() وقال الآخر: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ![]() برأي نصيح أو نصيحة حازم ![]() ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ![]() فإن الخوافي قوة للقوادم[23] ![]() وقال الآخر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد ![]() أشيرا عليَّ بالذي تريان[24] ![]() ![]() ![]() والشورى في الأصل مما جُبل عليه الإنسان في فطرته السليمة في طلب الصلاح والنجاح في المساعي، إذا سلم من آفة الأنانية والاستبداد أو الاستكبار، ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر، فقد قال تعالى عن بلقيس: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ [النمل: 32]، والاستشارة ليست لكل أحد، وإنما يُستشار أهل الدين والعقل والعلم والحكمة، والرأي والتجربة، والحزم والعزم والقوة والنصح والأمانة، ونحو ذلك، وأهل التخصص كل في مجال تخصصه، ولا يستشار من لا يُطْمَأَن إلى نصحه للأمة؛ كأهل الكفر والفسق والنفاق، وأهل البدع والأهواء، وأرباب الشهوات، ونحوهم. وليس من شرط الشورى في الإسلام أن يؤخذ فيها رأي أكثر الناس، كما يزعم أدعياء الديمقراطية الموهومة، فإن أكثر الناس ودهماءهم أتباع كل ناعق، والحكم في الإسلام لشرع الله تعالى وَفق الكتاب والسنة، والشورى إنما تكون فيما ليس فيه حكم شرعي مما يستجد من القضايا والنوازل، فسيتطلع رأي أهل الشورى فيها بما يتفق مع ما جاء في الكتاب والسنة ولا يتعارض معهما. ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ ﴾ الفاء للتفريع، و«إذا» ظرفية مضمنة معنى الشرط؛ أي: فإذا صممت على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه إن كان يحتاج إلى استشارة، سواء كان مما استظهرته من أهل الشورى، أو مما تبين لك سداده من بين آراء أهل الشورى، كما يقال في المثل: «ما بين الرأيين رأي». ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ أي: فاعتمد على الله تعالى، وعلى حوله وقوته وحده، لا على مشورتك وحدك. وفي هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بفعل السبب باستشارة أصحابهم واستطلاع رأيهم، وبالاعتماد على الله - عز وجل - وحده، والمضي قدمًا فيما عزم عليه من أمر بعد التوكل على الله، وعدم التردد. و«التوكل على الله»: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب النفع ودفع الضر، مع تمام الثقة به - سبحانه وتعالى - وحسن الظن به، وفعل الأسباب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ الجملة: تعليل لما قبلها، وترغيب بالتوكل على الله، أي: فتوكل على الله؛ لأن الله يحب المتوكلين عليه، أي: يحب المعتمدين عليه وحده المفوضين أمورهم إليه، ومن أحبه الله تعالى أكرمه؛ نسأل الله تعالى من فضله. قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. قوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ ﴾: شرطية، ﴿ يَنْصُرْكُمُ ﴾: فعل الشرط، وقوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾: جواب الشرط، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية، أي: إن يقدر الله نصركم؛ كما حصل في بدر. ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، «لا»: نافية للجنس نص في العموم، ﴿ غَالِبَ ﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: إن ينصركم الله فلا أحد يغلبكم أيًّا كان، ومهما كان عليه من القوة عدة وعددًا. وهذا مما يوجب التعلق بالله تعالى وحده، وطاعته والحذر من معصيته وسبب خِذلانه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]. ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ «الخذلان»: عدم النصر، بدليل مقابلته لقوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ ﴾، وقوله بعده: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾؛ أي: وإن يقدِّر الله خذلانكم، ويتخلَّ عن نصركم ويَكلكم إلى أنفسكم بسبب معصيتكم له، ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما حصل في أُحد، ومن وكل إلى نفسه هلك، ولهذا جاء في الدعاء: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»[25]. ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾: جملة جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وربط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية. و«من» في قوله: ﴿ فَمَنْ ذَا ﴾ اسم استفهام بمعنى النفي مشرب بالتحدي، أي: فلا أحد ينصركم من بعده، كأنه يقول: وإن يقدر الله خذلانكم، فنتحداكم أن ينصركم أحد من بعده، ولو اجتمع لكم من بأقطارها، و﴿ ذا ﴾: اسم إشارة، أي: فمن هذا الذي ينصركم من بعده؟! وفي الآية مقابلة بين قوله: ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ و﴿ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وبين قوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الواو: عاطفة، وقدم الجار والمجرور «على الله». على متعلقه «يتوكل»؛ لإفادة الحصر، أي: وعلى الله وحده لا على غيره فليعتمد المؤمنون. والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ ﴾ رابطة لشرط مقدر، واللام للأمر؛ أي: وعلى الله وحده، لا على غيره، فليعتمد المؤمنون حقًّا، وخص المؤمنين لأن إيمانهم يوجب عليهم التوكل على الله وحده، ولا إيمان لأحد بدون التوكل على الله تعالى وحده. قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أي: يخون»[26]. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿ يغلَّ ﴾ بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل، وقرأ الباقون: «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين بالبناء للمفعول، و«نبي»: نكرة في سياق النفي فتعم، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يغل، والغُلول: أخذ شيء من الغنيمة خُفيةً قبل قسمتها، ويطلق على الخيانة في كل ما يتولاه الإنسان من الأموال لغيره. والمعنى على قراءة (يَغُل) بالبناء للفاعل، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يقع منه الغلول لا شرعًا وقدرًا؛ لا غلول المال بأخذه من الغنيمة خفية، أو من غيرها، ولا غلول العلم بكتمان بعض ما أنزل إليه، فلا يبلغه أمته، بل هم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]، وقد أخذ الله عليهم الميثاق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظً ﴾ [الأحزاب: 7]، والمعنى على قراءة (يُغَل) بالبناء للمفعول، أي: ما كان لنبي أن يَغُلَّه غيره شرعًا بأن يكسب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه غنيمة، ثم يقوم أحد بإخفاء شيء منها وأخذه، هذا أمر محرم لا يجوز شرعًا؛ لأن الغنيمة لجميع المسلمين، لكن هذا قد يقع قدرًا، وقد وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «رأى رجلًا يتقلب في النار في بُردة غلَّها»[27]. وقيل: النفي بمعنى النهي، أي: لا يُغله أحد، وقيل: معنى (يُغَل) يتهم بالغلول. ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ ﴾ الواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَغْلُلْ ﴾: فعل الشرط، أي: ومن يغلل بإخفاء المال وأخذه من نبي أو غيره، على سبيل افتراض وقوع الغلول من أي نبي؛ لأن الله نفى أن يقع ذلك من الأنبياء شرعًا وقدرًا. ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ يَأْتِ ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. و«ما» في قوله: ﴿ بِمَا ﴾: موصولة، تفيد العموم، أي: يأت بجميع الذي غلَّ وأخفى وأخذ من المال يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، حاملًا له على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا أو غير ذلك؛ فضيحة له وعذابًا معنويًّا له يوم القيامة. ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ثم ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد أن تأتي كل نفس بما غلَّت يوم القيامة فضيحة لها، ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة أو مصدرية، أي: تُعطى كلُّ نفس من أهل الغلول أو غيرهم الذي كسبت، أو كسبها وافيًا، أي: تعطى جزاءَ عملها وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وجعل الكسب مكان الجزاء؛ لبيان أن الجزاء من جنس العمل والكسب، وبحسبه. ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: حال، أي: حال كونهم لا يظلمون، أي: لا ينقصون من أجورهم وحسناتهم شيئًا، ولا يزادون في سيئاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40]. وذلك لكمال عدل الله عز وجل؛ لأن الصفات المنفية تدل على كمال ضدها، فنفي الظلم عنه - عز وجل - يدل على كمال عدله، كما أن نفي الموت عنه في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: 58]، يدل على كمال حياته، وهكذا. قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾: الهمزة للاستفهام, ومعناه: الإنكار والنفي. والفاء: عاطفة، وقُدمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، والفاء العاطفة محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: «فأمن اتبع»، وقيل: الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام. و«من»: اسم موصول، أي: أفيستوي ويكون الذي اتبع وطلب رضوان الله بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، من ترك الغلول وغيره في جزائه في الحياة وبعد الممات، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه. ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الكاف: للتشبيه، بمعنى «مثل»، و﴿ بَاءَ ﴾ بمعنى: رجع، ﴿ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الباء: للملابسة والمصاحبة، وسخط الله: غضبه وعدم رضاه، أي: كالذي رجع متلبسًا بغضب من الله بتركه ما أمر الله به، وارتكابه ما نهى الله عنه من الغلول وغيره، واستحق عقاب الله, وعظيم عذابه. وبين قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ مقابلة. ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ الواو: عاطفة، أي: ومرجعه الذي يأوي إليه ويستقر فيه، ﴿ جهنم ﴾: اسم من أسماء النار، سميت به؛ لشدة ظلمتها وجهمتها وحرِّها، وبُعد قعرها. ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾: «بئس»: فعل جامد لإنشاء الذم، و﴿ الْمَصِيرُ ﴾ فاعله، وهو المرجع، والمآل والمآب. والمخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير ﴿ جَهَنَّمُ ﴾، أو وبئس المصير «مصيره». فنفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، أي: لا يستوي هذا وهذا، أي: لا يستويان في حكم الله وجزائه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وشتان بينهما، فالأول: مؤمن، والثاني: كافر، وشتان بين عمل كل منهما، فالمؤمن: اتبع في عمله رضوان الله، والكافر: اتبع في عمله ما يُسخط الله، وشتان بين جزاء كل منهما، فالمؤمن مأواه جنات النعيم، والكافر مأواه جهنم وبئس المصير. قوله تعالى: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾. نفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، ثم أتبع ذلك ببيان أنهم درجات عند الله. والضمير في قوله: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ يعود إلى الفريقين مَن اتبع رضوان الله ومَن باء بسخط من الله، وجاء بضمير الجمع ﴿ هُمْ ﴾ مراعاة لمعنى «من» في قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ ﴾؛ لأن معناها الجمع. ﴿ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾؛ أي: منازل مختلفة متفاوتة عند الله تعالى بحسب تفاوتهم في أعمالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [الأنعام: 132]. فالذين اتبعوا رضوان الله في أعالي الدرجات، وكل مَن كان منهم لرضوان الله أتبع كانت درجته أرفع. والذين باؤوا بسخط في أسافل الدركات، وكل مَن كانت مباءته بسخط الله أعظم، كانت دركته أسفل. فهم درجات عند الله، فالذين آمنوا فوق الذين كفروا، وأهل الإيمان درجات في إيمانهم، ودرجات في نعيمهم وثوابهم، وأهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات في عذابهم وعقابهم. ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: مطَّلع على الذين يعملون، وعلى عملهم، مشاهد له عالم به، لا يخفى عليه منه شيء، ظاهرًا كان أو باطنًا، حقًّا كان أو باطلًا. وفي هذا وعد لمن عمل صالحًا، ووعيد لمن عمل خلاف ذلك. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الأشربة (1733)، من حديث أبي بردة عن أبيه عن جده رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، من حديث أنس رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في الوضوء (220)، وأبو داود في الطهارة (380)، والنسائي في الطهارة (56)، والترمذي في الطهارة (147)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الحدود (6786)، ومسلم في الفضائل (2327)، وأبو داود في الأدب (4785). [5] البيت لإسحاق بن خلف، انظر: «شرح حماسة أبي تمام» (2/ 183). [6] البيت لمهلهل بن ربيعة، وقيل: للمخبل؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة للمرزوقي» (ص420). [7] أخرجه الترمذي في الزهد (2411)، وقال: «حديث حسن غريب». [8] أخرجه البخاري في الأدب (5997)، ومسلم في الفضائل (2318)، وأبو داود في الأدب (5218)، والترمذي في البر والصلة (1911). [9] أخرجه البخاري في الأدب (5998)، ومسلم في الفضائل (2317)، وابن ماجه في الأدب (3665). [10] أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح (4838)، وأحمد (2/ 174). [11] أخرجه البخاري في الأدب (6100)، ومسلم في الزكاة (1062). [12] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (6933)، ومسلم في الزكاة (1064). [13] أخرجه البخاري في المساقاة (2360)، ومسلم في الفضائل (2357)، وأبو داود في الأقضية (3637)، والنسائي في آداب القضاة (5407)، والترمذي في الأحكام (1363)، من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. [14] أخرجه البخاري في فرض الخمس (3149)، ومسلم في الزكاة (1057). [15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1779). [16] أخرجه مسلم في الجهاد والسير- الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763)- وسيأتي ذكره وتخريجه بتمامه في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. [17] سبق تخريجه في ذكر سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]. [18] انظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 384). [19] أخرجه البخاري في المغازي (4141)، ومسلم في التوبة (2770)، وأبو داود في النكاح (2138)، والترمذي في التفسير (3180)، وابن ماجه في النكاح (1970)، وأحمد (6/ 194)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [20] انظر: «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الاعتصام- باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] (13/ 339). [21] انظر: «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص300). [22] البيتان للأرجاني؛ انظر: «ديوانه» (1/ 246). [23] البيت لبشار بن برد؛ انظر: «ديوانه» (4/ 173). [24] البيت لابن الدمينة؛ انظر: «حماسة الخالدين» (ص70). [25] أخرجه أبو داود في الأدب (5090)، من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه. [26] أخرجه أبو داود في الحروف (3971)، والترمذي في التفسير (3009)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 194، 195)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 803)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (5601، 5602) - وقال الترمذي: «حسن غريب». والحديث من رواية خصيف بن عبدالرحمن. وقد قال عنه الإمام أحمد: «شديد الاضطراب». «تهذيب التهذيب» (3/ 124)، وقال ابن حجر في «التقريب»: «سيئ الحفظ خلط بآخرة»، وقد اضطرب فيه خصيف فجعله تارة من حديث عكرمة عن ابن عباس، وتارة من حديث مقسم عن ابن عباس، وتارة من حديث عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ولهذا أورده ابن عدي في «الكامل في الضعفاء والمتروكين» (3/ 72) في ترجمة خصيف بن عبدالرحمن. [27] سيأتي ذكره وتخريجه بتمامه، قريبًا. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#518 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. 1- رحمه الله - عز وجل - بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته بأن جعله لينًا لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وفي هذا امتنان من الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. 2- أن اللين صفة محمودة امتدح الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وجعلها بسبب رحمته - عز وجل - له ولأمته، لهذا ينبغي لولاة أمور المسلمين وأصحاب المسؤوليات في الأمة كبيرها وصغيرها الاتصاف بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فشَقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم فارفق به»[1]. ولكن اللين الممدوح ما كان لينًا من غير ضعف، مع قوة من غير عنف، كما كانت صفته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لما أنشد النابغة الجعدي قصيدته المشهورة التي ختمها بقوله: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ![]() بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ![]() ولا خير في جهل إذا لم يكن له ![]() حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ![]() قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده هذين البيتين: «أحسنت أو أجدت،لا يفضض الله فاك»، قيل: فعاش مائة وعشرين سنة لم تسقط له سنٌّ، أو كلما سقطت له سن نبتت[2]. 3- امتداح الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن كان لينًا لأمته غير فظ ولا غليظ القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾. 4- ذم الفظاظة وغلظة القلب وقساوته، وأنها سبب لنفور الناس ممن اتصف بها، والحيلولة دون استفادة الناس من علمه ودعوته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. 5- ميل النفوس بطبيعتها لمن لان لها وأحسن التعامل معها، ونفورها ممن كان بضد ذلك، وكما قيل: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ![]() فطالما استعبد الإنسان إحسان[3] ![]() ![]() ![]() 6- الترغيب في لين الجانب وحُسن الخلق، والتحذير من الفظاظة وغلظة القلب وقساوته وسوء الخلق. 7- ينبغي للآباء والموجهين والمربين والمعلمين والدعاة وغيرهم - أن يكون لهم أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم في لين جانبه، وحُسن خلقه في تعاملهم، وأن يبتعدوا كل البعد عن الفظاظة والغلظة والجفاء وسوء الخلق؛ لكي تثمر جهودهم، فكم من مربٍّ وعالم وداعية لم يستفد الناس من علمه، ولا من جهوده بسبب فظاظته وغلظته وسوء خلقه، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي لو كان فظًّا غليظ القلب، لانفض أصحابه من حوله، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم؟! ومن المؤسف أن تجد كثيرًا من دعاة النصرانية وغيرها من الملل من هم ألين في التعامل وأحسن خلقًا من كثير من دعاة الإسلام. 8- فضل العفو عن الناس والترغيب فيه؛ لأن الله - عز وجل - أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، كما امتدح به المتقين في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، وأمر به ورغَّب فيه، فقال: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، وتكفَّل بثوابه إذا كان على سبيل الإصلاح، فقال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]. 9- أن ما كان من حق للرسول صلى الله عليه وسلم ولو خاصًّا، فهو من حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالعفو عن حقه بقوله: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾، أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار عن حق الله تعالى، فقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، ولأن الله تعالى هو الذي أوجب حق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أوجب حقوق غيره من الخلق، فكل ذلك من حق الله، والتقصير فيه تقصير في حق الله. 10- ينبغي الجمع بين العفو والإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، فالاستغفار بعد العفو من قبيل الإحسان. 11- أمر الله - عز وجل - للنبي صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه، وذلك والله أعلم، فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وذلك لما في مشورته لهم من تطييب خواطرهم، واستظهار آرائهم، وتعليم الأمة المشورة. 12- مشروعية الشورى في الإسلام؛ لأن الله - عز وجل - أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، والأصل في الأمر: الوجوب، وقد يكون للندب حسب الحاجة إلى المشورة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالاستشارة، فغيره من ولاة أمور الأمة من باب أولى، فيتأكد في حقهم استشارة من تحت ولايتهم في أمور الأمة، فيستشار العلماء فيما يشكل من أمور الدين، ويستشار العارفون بالسياسة وشؤون القتال والحرب فيما يعرفون، ويستشار كل فيما يخصه ويختار للشورى في الأمور الهامة أهل الدين والنصح والعقل والحنكة، وسداد الرأي والخبرة والتجربة. ويجب على من استشير محض النصح لمن استشاره؛ لأن المستشار مؤتمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن»[4]. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[5]. والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم- وإن كانت مطلوبة دائمًا إلا أنها في حال طلبهم المشورة والنصيحة أوجب وأوكد. 13- سمو مبادئ الإسلام وتعاليمه وأحكامه في أمره بالشورى لما فيها من المصالح العظيمة. فهي في المقام الأول: طاعة لله تعالى، وهي في المقام الثاني: صمام أمان للأمة بإذن الله تعالى، توفق بالأخذ بها إلى الرأي الأرشد والأصوب في قراراتها في قضاياها ومشكلاتها الداخلية والخارجية، والسلامة من المزالق الخطيرة التي قد تحصل بسبب الأنانية واستبداد المسؤول أو ولي الأمر وتفرده بالرأي؛ لأن الفرد مهما كان عليه من الحذق والدهاء وحُسن التدبير سيفوته الكثير، ويَصعُب عليه وحده المقارنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات. وهي في المقام الثالث: سبب لاجتماع الأمة وسلامتها من الاختلاف والتفرق بسبب الاعتراض على ما يصدر من ولي الأمر من قرارات؛ لعلم الناس أن هذه القرارات قد أخذ فيها رأي أهل الحل والعقد والرأي والمعرفة في الأمة. وبهذا تسلم الأمة من الاضطراب والفوضى، وتسد الطريق أمام المتربصين بها من الداخل والخارج. وقد أحسن حافظ إبراهيم - رحمه الله - في قوله في قصيدته العمرية[6] التي تعتبر من روائع الشعر العربي مشيدًا بمواقف عمر - رضي الله عنه - في جعل الأمر بعده شورى: يا رافعًا راية الشورى وحارسها ![]() جزاك ربك خيرًا عن محبيها ![]() لم يلهك النزع عن تأييد دولتها ![]() و للمنية آلام تعانيها ![]() لم أنس أمرك للمقداد يحمله ![]() إلى الجماعة إنذارًا وتنبيها ![]() إن ظل بعد ثلاث رأيهم شعبًا ![]() فجرد السيف واضرب في هواديها ![]() فاعجب لقوة نفس ليس يصرفها ![]() طعم المنية مرًّا عن مراميها ![]() درى عميد بني الشورى بموضعها ![]() فعاش ما عاش يبنيها ويعليها ![]() و ما استبد برأي في حكومته ![]() إن الحكومة تغري مستبديها ![]() رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ![]() رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها ![]() كما أن المشورة دليل على رجحان عقل المستشير وحكمته وتواضعه، وحُسن قصده في البحث عن الأصلح غالبًا، وفيها مصلحة عظيمة له؛ لأنه بالاستشارة يضيف إلى عقله وتجاربه عقول مَن استشارهم وتجاربهم ويأخذ خلاصة أفكارهم، فيسلم من الاستبداد بالرأي الذي قد يكون هو أول ضحاياه، وفيها ستر لعيوبه وعدم تحميله المسؤولية وحده عند الخطأ. كما أن المشورة أيضًا مصلحة للمستشار تجعله يشعر بقيمته في الأمة، ويشارك في حل قضاياها ومشكلاتها، فينشط في تقديم محض المشورة والنصح لها، ولكل من استشاره. 14- ينبغي بعد المشورة والعزم على الأمر التوكل على الله تعالى والمضي قدمًا فيه، بعد الجمع بين فعل السبب والاعتماد عليه عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. 15- ينبغي الحذر من التردد الذي به فساد الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾، فينبغي الجمع بين تدبر الأمر وإبرام الرأي وعدم العجلة، وبين العزم والتوكل على الله، والمضي قدمًا وعدم التردد؛ كما قال الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ![]() فإن فساد الرأي أن تتعجلا[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ![]() فإن فساد الرأي أن تترددا[8] ![]() ![]() ![]() 16- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يحتاج كغيره من البشر إلى المشورة، وخاصة فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. 17- محبة الله تعالى للمتوكلين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. 18- إثبات المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، ومن آثارها الثواب، وليست هي الثواب كما يقوله منكروها من أهل البدع. 19- عدم محبة الله تعالى للذين لا يتوكلون عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾؛ أي: ولا يحب من لم يتوكل عليه. 20- فضل التوكل على الله والترغيب فيه؛ لأن الله رتب عليه محبته تعالى لأهله. 21- أن من قدَّر الله نصره فلا غالب له؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾. وتحقُّق نصر الله مرهون بالإيمان وعمل الصالحات، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]، وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41]. 22- كمال قوة الله عز وجل وقدرته، ووجوب طاعته والتعلق به والاستعانة به وحده في طلب النصر وغير ذلك. 23- أن من قَدَّر الله خذلانه فلا ناصر له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. 24- وجوب الحذر من أسباب الخذلان، بمعصية الله تعالى، ومخالفة أمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. 25- وجوب التوكل على الله تعالى وحده، والاعتماد عليه دون سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 26- أن التوكل على الله من مقتضيات الإيمان، ومن صفات المؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 27- نفي وقوع الغلول من الأنبياء شرعًا وقدرًا، فلا يجوز وقوعه منهم شرعًا، ولا يمكن أن يقع منهم قدرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾. 28- أنه لا يجوز شرعًا لأحد أن يغل من الغنيمة التي اكتسبها النبي في حربه؛ لقوله تعالى: (أن يُغَلَّ) على قراءة ضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول. 29- شدة حرمة الغلول؛ لأن الله - عز وجل - نزَّه منه أنبياءه، وتوعد عليه بأن من يغلل يأت بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فهو محرم بالإجماع وكبيرة من كبائر الذنوب. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، قال: فخرجت فناديت، ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»[9]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فذكر الغلول، فعظَّمه وعظَّم أمره، قال: «لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حَمْحَمَة، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك»[10]. وعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: «وما»؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى»[11]. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: كان على ثَقَلِ النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كَرْكَرَةُ، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلَّها»[12]. وعن زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فتغيَّرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم قد غلَّ في سبيل الله»، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين»[13]. عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: «استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إليَّ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثًا»[14]. 30- أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 31- إثبات القيامة والبعث والحساب والجزاء على الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 32- كمال قدرة الله - عز وجل - حيث يجعل الغال يأتي بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وهو - عز وجل - على كل شيء قدير. 33- موافاة كل نفس ومجازاتها بما عملت من غير زيادة أو نقصان؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾. وهذا لا ينافي مجازاة الإنسان بثواب دعاء غيره له، وثواب القربات التي أُهديت له أو تُصدِّق بها عليه، من صدقة أو حج، وغير ذلك؛ لثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة. كما لا ينافي مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؛ إلى أضعاف كثيرة، كما ثبت بالأدلة. 34- انتفاء الظلم في محاسبة الخلائق يوم القيامة؛ لأن حسابهم عند الحَكم العَدل الذي لا يَظلم أحدًا سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. 35- شتان بين من اتبع رضوان الله تعالى، ونال رضا الله تعالى، وسعد في الدنيا والآخرة، وبين من رجع بسخط من الله، فشقي في الدنيا والآخرة وكان مأواه إلى النار؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: لا يستوي هذا وهذا. 36- إثبات صفة الرضا لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾. 37- إثبات صفة السخط لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾. 38- أن مَن سخط الله تعالى عليه عذَّبه بالنار، وانتقم منه؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 39- وجوب الحذر من التعرض لسخط الله تعالى وغضبه؛ لأنه سبب للمصير إلى النار. 40- إثبات النار وأنها موجودة الآن، وأن من أسمائها «جهنم»؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 41- أن النار مظلمة شديدة القعر شديدة الحر؛ لهذا سميت «جهنم». 42- ذم النار وأنها بئس المصير والمرجع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 43- أن الناس درجات عند الله، فأهل الإيمان فوق أهل الكفر، وأهل الإيمان فيما بينهم درجات في إيمانهم، وفي نعيمهم، كما أن أهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات ودركات في عذابهم. 44- اطلاع الله - عز وجل - التام وعلمه الواسع بما يعمل العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، وفي هذا وعدٌ لمن أحسَن العمل، ووعيدٌ لمن أساء؛ لأن مُقتضى علمه مُجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1828)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [2] ومطلع هذه القصيدة: خليلي غضا ساعة وتهجرا= ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا قيل: لما أنشد هذا البيت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أين المظهر يا أبا ليلى؟»، قال: الجنة. قال: «أجل، إن شاء الله»؛ انظر: «ديوان النابغة الجعدي» ص (69)، وانظر: «المطالب العالية» (16/383 رقم 4032)، «أحاديث الشعر» (ص109)، «مجمع الزوائد» (8/126)، «كنز العمال» (13/600 حرف النون/ 375رقم 42). [3] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/250). [4] أخرجه الترمذي في الأدب (2822)، وابن ماجه في الأدب (3745)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: «حديث حسن». [5] أخرجه مسلم في الإيمان (55)، وأبو داود في الأدب (4944)، والنسائي في البيعة (4197)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه. [6] انظر: «ديوانه» (ص91). [7] البيت لعيسى بن موسى؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [8] البيت للمنصور؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [9] أخرجه مسلم في الإيمان، غلظ تحريم الغلول (114)، وأحمد (1/30). [10] أخرجه البخاري في الجهاد (3073)، ومسلم في الإمارة (1831)، وأحمد (2/426). [11] أخرجه مسلم في الإمارة (1833)، وأبو داود في الأقضية (358)، وأحمد (4/192). [12] أخرجه البخاري في الجهاد - القليل من الغلول (3074)، وابن ماجه في الجهاد (2849). [13] أخرجه أبو داود في الغلول - تعظيم الغلول (2710). [14] أخرجه البخاري في الهبة (97)، ومسلم في الإمارة (1832)، وأبو داود في الخراج (2946)، وأحمد (5/423-424). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#519 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 164 - 168]. قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾. نفى عز وجل في الآية السابقة أن يستوي مَن اتبع رضوان الله بمن باء بسخط من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير، ثم أتبع ذلك ببيان مِنته على المؤمنين في بعث الرسول صلى الله عليه وسلم منهم، وإنقاذهم به، وبما جاء به من الوحي والعلم، مما كانوا فيه من الضلال المبين، وهي المنة العظمى والنعمة الكبرى التي هي أصل كل نعمة ومنة؛ كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129]. قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ اللام: لام القسم لقسم مقدَّر؛ أي: والله لقد مَنَّ الله على المؤمنين؛ أي: أنعم عليهم وتفضل، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و«قد». ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ﴿ إِذْ ﴾: ظرفية بمعنى «حين»؛ أي: حين بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، ويحتمل أن تكون «إذ» للتعليل، أي: لأنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، ففيها بيان لمحل المنة ومبدئها، وهو حين بعث صلى الله عليه وسلم فيهم، وفيها تعليل للمنة، أي: لأنه بعثه فيهم. ومعنى ﴿ بَعَثَ فِيهِمْ ﴾؛ أي: أرسل فيهم، وسُميت الرسالة «بعثًا»؛ لأن بها إخراج الناس من حال إلى حال؛ كما قال تعالى: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1]. ﴿ فيهم ﴾ «في» للظرفية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في واسطة المؤمنين نسبًا وقرابة، ولهذا قال الله تعالى له: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]. ﴿ رَسُولًا ﴾ أي: مرسلًا من عند الله - عز وجل - ونكر للتعظيم، أي: عظيم القدر، جليل الشأن. ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾؛ أي: منهم ومن جنسهم، فهو منهم نسبًا يتكلم بلسانهم، وبشر مثلهم، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]؛ أي: من جنسكم، فكونه منهم ومن أنفسهم أبلغُ في المنة، وأتم للنعمة؛ ليألفوه ويفهموا خطابه، ويكون أنصح لهم وأشفق عليهم، بل ولتقوم الحجة به عليهم، بخلاف ما لو كان من غير جنسهم، كأن يكون من الملائكة أو الجن، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: 9]. ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾، الجملة في محل نصب، صفة لـ﴿ رسولًا ﴾، والمعنى: يقرأ عليهم آياته، وهو القرآن الكريم. والتلاوة: تطلق على التلاوة لفظًا بقراءة القرآن عليهم، وتطلق على التلاوة معنى ببيان معانيه لهم، وتطلق على التلاوة حكمًا ببيان أحكامه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]. وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربَّنا وبحمدك، يتأوَّل القرآن»[1]؛ يعني: يعمل به ويطبِّقه. لكن قد يحسن هنا أن يحمل قوله تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ على تلاوة آيات القرآن وقراءتها عليهم لفظًا؛ لقوله بعده: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾. ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾؛ أي: ويطهِّرهم طهارة معنوية بأمرهم بالتوحيد والإيمان والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة، ونهيهم عن الشرك والمعاصي، والأخلاق الذميمة، مما كانوا عليه في الجاهلية. كما يطهِّرهم من الأحداث والنجاسات الحسية؛ بأمرهم بالوضوء من الحدث الأصغر، والغسل من الحدث الأكبر، والحث على النظافة عمومًا. ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾. و﴿ الْكِتَابَ ﴾: القرآن، سُمي بذلك؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 77 - 79]. ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة؛ كما قال تعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 13 - 16]. ومكتوب بالمصاحف بأيدي المؤمنين، والمعنى: ويعلمهم القرآن؛ ألفاظه، ومعانيه، وأحكامه، والعمل بها. وقال بعضهم: المراد بالكتاب في الآية «الكتابة»؛ أي: ويعلمهم الكتابة؛ لأن العرب كانوا أُميين، فلما نزَل القرآن العظيم تعلموا الكتابة، فصاروا يكتبونه للرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا تعلموا الكتابة. ولا منافاة بين القولين، فالرسول صلى الله عليه وسلم علَّمهم القرآن بألفاظه ومعانيه وأحكامه، وعلمهم الكتابة بأمره لهم بكتابة القرآن الكريم، فتعلموا القرآن وتعلموا الكتابة. ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾: معطوف على ﴿ الكتاب ﴾، والمراد بالحكمة عند أكثر أهل العلم: السنة، أي: ويعلمهم القرآن والسنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113]؛ أي: القرآن والسنة. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحكمة في الآية: الحكمة في مشروعية الأحكام، أي: ويعلمهم الحكمة في مشروعية الأحكام، أي: أسرار الشريعة؛ كحكمة مشروعية الصلاة، وأنها صلة بين العبد وربه، ونحو ذلك، وحكمة مشروعية الزكاة، وأن بها تزكية المال، وتزكية نفس الغني ونفس الفقير، وهكذا. ولا منافاة بين القولين، فيجوز حمل قوله: ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ على تعليم السنة، وتعليم أسرار الشريعة، والحكم في مشروعية الأحكام مما يقوي الإيمان ويزيده. ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ الواو: حالية، و«إن» مخففة من الثقيلة؛ ولهذا جاءت اللام في خبرها ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، واسمها: ضمير الشأن محذوف، والضمير في ﴿ كَانُوا ﴾ يعود إلى المؤمنين. ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أي: من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم. ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ اللام هي الفارقة التي تشعر بكون «إن» مخففة، و«في» للظرفية. ﴿ ضَلَالٍ ﴾ بُعد وتيه عن الحق وجهل. ﴿ مُبِينٍ ﴾؛ أي: بيِّن واضح ظاهر لكل ذي بصيرة وعقل. أي: وإنهم كانوا من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم لفي ضلال وتيه وبُعد عن الحق بيِّن واضح، قد أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، وإحاطة السوار بالمعصم، وفي هذا تعظيم لمنة الله تعالى ونعمته عليهم، حيث أنقذهم به من هذا الضلال المبين. قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. قوله: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾: الهمزة للاستفهام، وفيه معنى الإنكار والتقريع والتقرير والتعجب، والواو: عاطفة، وقدِّمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، أي: وألما أصابتكم مصيبة، و«لما» هنا: شرطية بمعنى: «حين»؛ أي: أوحين أصابتكم مصيبة. و﴿ أَصَابَتْكُمْ ﴾: فعل الشرط، وجملة ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ﴾: جواب الشرط. ومعنى ﴿ أَصَابَتْكُمْ ﴾: حلَّت ووقعت بكم. ﴿ مُصِيبَةٌ ﴾: هي ما حصل لهم يوم أُحد من قتل سبعين رجلًا منهم، وإدالة المشركين عليهم. والمصيبة في الأصل: تشمل كل ما يصيب الإنسان من نقص، في النفس والأهل والولد والمال، وغير ذلك. ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾: الجملة في محل رفع صفة لـ﴿ مصيبة ﴾، وفيها تسلية لهم وتخفيف لمصابهم، بتذكيرهم بما أصابوه قبل من عدوِّهم. و﴿ قد ﴾: للتحقيق، أي: قد أصبتم مثلها مرتين من عدوكم؛ يعني يوم بدر؛ حيث قتل المسلمون منهم سبعين رجلًا، وأسروا سبعين، فالمجموع مائة وأربعون، كُثْر من قتل من المسلمين يوم بدر مرتين، وجعل الأسرى كالقتلى؛ لأن الأسر لا يقل عن القتل لما فيه من إذلال المأسور، وكونه عرضة للقتل؛ لأن الإمام مخير في الأسرى بين الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الرق، أو القتل، أو المن عليهم بإطلاق سراحهم بلا شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ [محمد: 4]. ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ﴾، ﴿ أَنَّى ﴾: هنا: استفهامية، فيها معنى الإنكار والتعجب. ﴿ هذا ﴾؛ أي: ما حصل لهم من قتل وهزيمة، أي: من أين أصابنا هذا الذي أصابنا، كما في قوله: تعالى: ﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ [آل عمران: 37]؛ أي: من أين لك هذا الرزق؟ وقال بعضهم: المعنى: كيف أصابنا هذا المصاب ونحن نقاتل مع رسول الله؟ كقوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: كيف يكون له الملك علينا؟ ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ هُوَ ﴾؛ أي: الذي أصابكم، ﴿ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ للسببية، أي: هو بسبب منكم، وهو ما حصل منهم من الفشل والتنازع والعصيان، ومخالفة الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتركهم مواقعهم التي أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بلزومها فوق الجبل، حيث ظنوا أن المعركة قد انتهت، فنزلوا للمشاركة في الغنائم، فحصل ما قدر الله تعالى من مصاب على المسلمين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ختم عز وجل الآية بهذه الجملة، للدلالة على أنه سبحانه لو شاء لنصركم؛ لأنه على كل شيء قدير، ينصر مَن يشاء بفضله، ويخذل مَن يشاء بعدله، وله في ذلك كله الحكمة البالغة والحجة الدامغة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]، ويوضح هذا ويبيِّنه قوله بعده: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. «إنَّ»: حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة اسمها، و﴿ قدير ﴾ خبرها، وهو على وزن «فعيل»، يدل على كمال قدرته وعظمته. وقوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ متعلق بـ «قدير»، وقدِّم عليه؛ لتأكيد عموم قدرته على كل شيء. قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ذكَّر الله - عز وجل - في الآية السابقة المؤمنين؛ تسليةً لهم وتخفيفًا لمصابهم في «أُحد»، بأنهم قد أصابوا مثليه من عدوهم؛ يعني في بدر، مبينًا أن ما أصابهم في أُحد هو من عند أنفسهم، ثم أتبع ذلك ببيان أن ذلك بإذن الله - عز وجل - الكوني وقضائه القدري، فجمع لهم بين بيان أنهم السبب فيما أصابهم يوم أُحد، مع تسليتهم وتخفيف مصابهم بذكر ما أصابوا قبل من عدوهم، وبيان أن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره. قوله: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: شرطية، و﴿ أَصَابَكُمْ ﴾ فعل الشرط، ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ جواب الشرط؛ أي: وما أصابكم من القتل والهزيمة ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾؛ أي: يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين، أي: جيش المسلمين وجيش المشركين، وذلك في أُحد. ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: جواب الشرط، ورُبط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، أي: فهو كائن بإذن الله، أي: بإذن الله الكوني وقضائه القدري؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ [آل عمران: 145]. والباء في قوله: ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ للسببية؛ ولهذا صح أن يعطف عليه قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، أي: وليعلم الله المؤمنين، أي: وليتبين ويتميَّز ويظهر أهل الإيمان حقًّا الذين صدقوا في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم إنه بقدر الله ورضوا به، وتابوا إلى الله، مما سبب لهم ذلك، وهو العصيان والمخالفة. فالعلم هنا علم ظهور، أي: وليعلم المؤمنين علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك بعد أن يقع ويظهر منهم الإيمان؛ كما في قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]. وهو سبحانه وتعالى قد علم أزلًا المؤمنين والمجاهدين من غيرهم، أي: علم من سيؤمن ومن سيجاهد، ومن ليس كذلك، ولكنه لا يترتب على هذا العلم ثواب ولا عقاب. ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ معطوف على ما قبله. والذين نافقوا هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وعلى رأسهم عبدالله بن أبي فقد كان ممن لا يرى الخروج إلى أُحد، ولما خرج صلى الله عليه وسلم، انخذل عبدالله بن أبي أثناء الطريق، ورجع بثُلث الجيش. قال ابن القيم[2]: «ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين عن الآخر تميزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مؤدَّى النفاق وما يؤول إليه». ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا ﴾ الجملة: معطوفة على ﴿ نَافَقُوا ﴾، أو حال على تقدير: «قد»، أي: وقد قيل لهم: تعالوا، «أو»: استئنافية، وأضمر القائل في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾؛ ليعم كل من قال لهم ذلك، سواء الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره، والضمير (لهم) يعود إلى الذين نافقوا. ﴿ تعالوا ﴾؛ أي: هلمُّوا وأقبِلوا. ﴿ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: قاتلوا وجاهدوا؛ لإعلاء كلمة الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله»[3]. ﴿ أَوِ ادْفَعُوا ﴾ ﴿ أَوِ ﴾: عاطفة، والجملة: معطوفة على ﴿ قَاتِلُوا ﴾؛ أي: ادفعوا العدو عن أنفسكم وحرماتكم وأموالكم وأوطانكم؛ أي: إن لم تكن لديكم رغبة في القتال في سبيل الله، فعلى الأقل ادفعوا العدو عن أنفسكم وحرماتكم وأموالكم وأوطانكم. ﴿ قَالُوا ﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون لمن يقول لهم: ﴿ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾. ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾: ﴿ لَوْ ﴾: شرطية، ﴿ نَعْلَمُ ﴾: فعل الشرط، وجوابه ﴿ لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون؛ تبريرًا لانخذالهم ورجوعهم من الجيش، وتركهم القتال: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾؛ أي: لو نعلم قتالًا يحصل بينكم وبين العدو، ﴿ لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، وذهبنا معكم، ولكننا لن نتبعكم لعِلمنا أنه لن يكون هناك قتال، وهم في الحقيقة يعلمون أنه سيحصل قتال؛ لأن المشركين جاؤوا من بلاد بعيدة، وهم يتحرقون غيظًا على المسلمين، بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين. وقيل: معنى قولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا ﴾؛ أي: ما هو إلا إلقاء النفس في التهلكة. ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: هم للكفر في هذا اليوم أو هذا الوقت الذي انخذلوا فيه عن المسلمين، ورجعوا وبرروا لأنفسهم بقولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾. ﴿ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾، لنفاقهم، ولهذا قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾: الجملة: استئنافية لا محل لها، أو في محل نصب على الحال. أي: يقولون قولًا ظاهرًا بأفواههم، أي: بألسنتهم، من دعوى الإيمان والتبرير الكاذب لانخذالهم بقولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، ونحو ذلك. ﴿ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾: «ما» موصولة، أو نكرة موصوفة، أي: الذي ليس في قلوبهم، أو قولًا ليس في قلوبهم من الكفر، والعلم بأنه سيقع قتال ونحو ذلك؛ لأن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان. وقيل: إن قوله: ﴿ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ للتأكيد والمبالغة، كما يقال: «أبصرت بعيني، وسمعت بأذني». ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾: ﴿ أَعْلَمُ ﴾ أفعل تفضيل، و«ما» موصولة، أو مصدرية، أي: بالذي يكتمون أو بكتمانهم، ﴿ يَكْتُمُونَ ﴾: يخفون ويضمرون ويسرون؛ أي: والله أعلم من غيره بالذي يخفون ويضمرون في قلوبهم من الكفر ونحو ذلك؛ ولهذا فضحهم عز وجل، وبيَّن أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾ هنا صفة لـ«الذين» في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 167]. ﴿ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾؛ أي: قالوا لإخوانهم ظاهرًا ممن استشهدوا يوم أُحد؛ لأن المنافقين إخوان في الظاهر للمسلمين، وإن كان بينهم في الباطن أبعد مما بين المشرق والمغرب، وشتان بين أهل الكفر وأهل الإيمان، وقيل: المراد إخوانهم في النسب. واللام في قوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ بمعنى: «عن» أو بمعنى: «في»؛ لأن «إخوانهم» هؤلاء قد ماتوا، فالمعنى: قالوا عن إخوانهم أو في إخوانهم؛ أي: بعد ما قتلوا. ﴿ وَقَعَدُوا ﴾: الجملة: في محل نصب على الحال بتقدير «قد»، أي: وقد قعدوا؛ أي: قالوا لإخوانهم حال كونهم قعودًا: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾، فجمعوا بين سوء الفعل بالتخلف عن القتال، وسوء القول بالاعتراض على قضاء الله وقدره. وقيل: جملة ﴿ وَقَعَدُوا ﴾ معطوفة على ﴿ قَالُوا ﴾، فتكون معترضة بين ﴿ قَالُوا ﴾ ومعمولها وهو: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾؛ أي: لو أطاعونا في مشورتنا عليهم بعدم الخروج إلى أُحد، وفي الرجوع وترك القتال. ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾: قرأ هشام عن ابن عامر: «ما قُتِّلوا» بالتشديد، والتقتيل: المبالغة في القتل، وربما المُثلة. وقرأ الباقون بالتخفيف: ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾؛ أي: ما قُتلوا مع مَن قُتل، كما لم نقتل نحن، وكأنهم بهذا دفعوا عن أنفسهم الموت، ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل يا محمد لأصحاب هذه المقالة. ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: فادفعوا عن أنفسكم الموت. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في زعمكم أنهم لو أطاعوكم ما قُتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وهذا من باب التحدي لهم، أي: لستم بصادقين في أنهم لو أطاعوكم ما قُتلوا، وليس بإمكانكم دفع الموت عن أنفسكم، ولو تخلفتم، فالموت سيأتيكم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78]. وكما قيل: ومن لم يمُت بالسيف مات بغيره ![]() تعددت الأسباب والموت واحد[4] ![]() ![]() ![]() [1] أخرجه البخاري في الأذان (817)، ومسلم في الطهارة (484)، وأبو داود في الصلاة (877)، والنسائي في التطبيق (1122)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (889). [2] انظر: «بدائع التفسير» (1 /527). [3] سبق تخريجه. [4] البيت لابن نباتة السعدي؛ انظر: «الدر الفريد» (7 /447)، «وفيات الأعيان» (3 /193). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | ملتقى الكتب الإسلامية | 753 | يوم أمس 09:20 PM |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 1889 | 07-19-2026 11:54 PM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 42 | 07-13-2026 02:47 PM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|