![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 86 الى صـــ 105 الحلقة (55) الرفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيق العامل ويمكنه المداومة عليه، وأن من شادّ الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره. ثم أكد - ﷺ - بهذا المعنى فقال: «سددوا») إلى آخره، أي: اغتنموا أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، وأما الدوام لا تطيقونه، واحرصوا على أوقات النشاط واستعينوا بها على تحصيل السداد والوصول إلى المراد، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة -وهي أول النهار- وروحة -وهي آخره- ودلجة -وهي آخر الليل- حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة، وأمكنه الدوام على ذَلِكَ. وهذِه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاستعيرت هذِه الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، قَالَ - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (١) فشبه - ﷺ - الإنسان في الدنيا بالمسافر، وكذا هو في الحقيقة؛ لأن الدنيا مطية الآخرة، فنبه - ﷺ - على اغتنام أوقات الفراغ، وإنما قَالَ: «وشيء من الدلجة» ولم يقل: والدلجة؛ تخفيفًا عنه لمشقة عمل الليل، اللهُمَّ هون علينا هذِه الأعمال في التبكير والآصال. ------------ (١) سيأتي برقم (٦٤١٦) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». ٣٠ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِى صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا- وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - مسلم:٥٢٥ - فتح: ١/ ٩٥] حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، إلى قوله: فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أن البخاري أخرجه أيضًا في الصلاة (١)، وإجازة خبر الواحد الصدوق في الصلاة (٢) والتفسير (٣). ---------------- (١) سيأتي برقم (٣٩٩) باب: التوجه نحو القبلة حيث كان. (٢) سيأتي برقم (٧٢٥٢) كتاب: أخبار الآحاد. (٣) سيأتي برقم (٤٤٨٦) باب: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. أحدها: في التعريف برواته: أما البراء فهو بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل: بالقصر، وهو أبو عُمارة بضم العين، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل (١)، البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وإسكان الجيم وفتح الدال المهملة- بن الحارث بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني. روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة. استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها، وعنه: ما قدم علينا رسولُ الله - ﷺ - حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] في سور من المفصل (٢)، وغزوت مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة (٣)، وقيل: ثماني عشرة ما رأيته ترك فيها ركعتين حين تزيغ الشمس في حضر ولا سفر (٤). مات أيام مصعب بن الزبير] (٥) وقُتِل مصعب سنة اثنتين وسبعين (٦). ----------------- (١) زاد أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٣٩ أنه يكنى أيضًا أبا عمر. وقال: والأشهر والأكثر أبو عمارة وهو أصح إن شاء الله تعالى. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٣٦٥ عن أبي إسحاق أن البراء بن عازب كان يكنى أبا عمارة. (٢) سيأتي برقم (٣٩٢٥) كتاب: مناقب الأنصار، مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة. (٣) سيأتي برقم (٤٤٧٢) كتاب: المغازي، باب: كم غزا النبي - ﷺ -. (٤) رواه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٠) وقال: حديث البراء حديث غريب، ثم قال: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بُسْرة الغفاري، ورآه حسنًا. اهـ. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٢٢). (٥) هنا ينتهي سقط من (ف) بمقدار صفحة منها. (٦) انظر ترجمة البراء في: «معرفة الصحابة» ١/ ٣٨٤ (٢٧٦)، «أسد الغابة» ١/ ٢٠٥ (٣٨٩)، «الإصابة» ١/ ١٤٢ (٦١٨). فائدة: أبوه صحابي أيضًا ذكره ابن سعد في «طبقاته» (١) و(قَلّ) (٢) من ذكره ولم يسمع له ذكر في شيء من المغازي، وقد جاء حديثه في الرجل الذي اشترى منه الصديق بثلاثة عشر درهمًا (٣)، وليس في الصحابة عازب غيره (٤)، ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده. وأما أبو إسحاق فهو السبيعي -بفتح السين المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب، وأبعد من قَالَ: عرف بذلك لنزوله فيهم (٥)، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب (٦) - ابن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيوان بن نوف بن همدان. وهو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي، وقيل: عمرو بن عبد الله بن ذي يُحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه. ----------------- (١) «الطبقات» لابن سعد ٤/ ٣٦٥. (٢) بياض في (ف)، وهي (ج). (٣) ستأتي هذِه القصة برقم (٣٦٥٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين. (٤) انظر ترجمة عازب في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٢٣٦ (٢٣٤٤)، «أسد الغابة» ٣/ ١١٠ (٢٦٥٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٤٤ (٤٣٤٠). (٥) قاله يعقوب بن أبي شيبة فيما نقله عنه المزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٣. (٦) «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٦٢. والعلة في استغراب المصنف -رحمه الله- من ذكر المزي للسبيعي في الألقاب، أن السبيعي هذِه نسبة، فكيف يذكر في الألقاب؟ والجواب: أن المزي قد ذكره في الأنساب أولًا كما في ٣٥/ ١٢ ثم ذكره في الألقاب، على اعتبار أن الأنساب من الألقاب، وقد عنون بذلك الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٤٢، فقال: الأنساب من الألقاب. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليًّا وأسامة والمغيرة ولم يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلفا من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه: التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين، والثوري وهو أثبت الناس فيه، وخلق من الأئمة. قَالَ العجلي: سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني: روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائة (١). وأما زهير فهو أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم- بن الرُّحَيل -بضم الراء وفتح الحاء المهملة- بن زهير بن خيثمة الجعفي الكوفي. سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميدًا الطويل وغيرهما من التابعين وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، و(اتفقوا) (٢) على جلالته وحسن حفظه وإتقانه. قَالَ أبو زرعة: هو ثقة إلا أنه سَمِع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أحمد: ثبت بخ بخ لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره، قَالَ أبو حاتم: (هم) (٣) ثلاثة إخوة: زهير وحديج ورحيل، ------------------ (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣١٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٧ (٢٥٩٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٩ (١٣٩٤)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٢ (٤٤٠٠). (٢) في (ج): وأجمعوا. (٣) من (ف). (أَعْدَلُهم زهير ثم حُديج) (١). مات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة سبع وسبعين ومائة، وقال أبو داود عن النفيلي: فُلج قبل موته بسنة، ولم أسمع منه شيئًا بعدما فلج، وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق، وزهير ثقة متقن صاحب سنة، تأخر سماعه من أبى إسحاق. قَالَ الخطيب: حدث عنه ابن جُريج وعبد السَّلام بن عبد الحميد الحراني وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن إسحاق وبين وفاتيهما قريب من ذَلِكَ (٢). فائدة: يجاب عن إخراج البخاري له عن أبي إسحاق أنه لعله ثبت عنده سماعه منه قبل الاختلاط كما سلف في الفصول. وأما عمرو (خ، ق) بن خالد فهو أبو الحسن عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد -بالقاف- بن ليث بن واقد بن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر. روى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما من الأئمة، وعنه البخاري وانفرد به، وأبو زرعة وغيرهما من الأئمة، وروى ابن ماجه، عن ------------ (١) كذا في (ف)، (ج) وهو خطأ والصواب كما في «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨، ٥٩٦: أوثقهم زهير ثم رحيل. وكذا في «التعديل والتجريح» للباجي ٢/ ٥٩٦، و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٧٣. (٢) «السابق واللاحق» ص ٢٠٤ (٧٠). وانظر ترجمة زهير في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢٧ (١٤١٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨ (٢٦٧٤) ٦/ ٣٣٧، «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٢٠ (٢٠١٩). رجل عنه واسمه عمرو -بزيادة الواو- ويقع في بعض النسخ بإسقاطها والصواب الأول (١). قَالَ أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (٢). فائدة: لهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك (٣) انفرد بالإخراج له ابن ماجه، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث (٤). ------------ (١) قال أبو علي في «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٧: كان في نسخة أبي زيد المروزي: حدثنا عمر بن خالد. هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد الطليطلي وذلك وهم، والصواب: عمرو. بفتح العين وسكون الميم. وهو عمرو بن خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البخاري من يقال له: عمر بن خالد. اهـ. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٧ (٢٥٤٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ١٧٥ (١٣٧٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠١ (٤٣٥٦). وقد سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢). (٣) عمرو بن خالد الواسطي أبو خالد القرشي مولى بني هاشم، أصله كوفي وانتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين وسعيد بن زيد بن عقبة والثوري وغيرهم، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: متروك، وقال ابن معين: كذاب، وقال النسائي: ليس بثقة ويحكى عن وكيع، قال: كان في جوارنا يضع الحديث فلما فُطن له تحول إلى واسط. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٣)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٧)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٦، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٣ (٤٣٥٧). (٤) عمرو بن خالد الكوفي أبو حفص، روى عن سليمان الأعمش وهشام بن عروة وغيرهما. قال ابن حبان: يروي عن «الثقات» الموضوعات، لا تحل الرواية عنه، وقال الحافظ: منكر الحديث من التاسعة، ويقال: هو عمرو بن خالد أبو يوسف الأسدي وفرق بينهما ابن عدي. انظر ترجمته في «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٩، و«الكامل» لابن عدي ٦/ ٢٢٥ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٧ (٤٣٥٨). الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (يَعْنِي: صَلَاتُكُمْ عِنْدَ البَيْتِ) كذا وقع في الأصول، والمراد إلى البيت، يعني: بيت المقدس أو الكعبة؛ لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس. وقوله: (أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ) يعني: في الهجرة، ولها أسماء كثيرة ذَكَرتُ منها في «الإشارات للغات المنهاج» (١) تسعة وعشرين اسمًا مفصلة فراجعها منه. وقوله: (أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ) هو شك من الراوي وهم أخوال وأجداد مجازًا؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله - ﷺ - تزوج من الأنصار وقصته مشهورة، وقد سلف في أول الكتاب شأن الأنصار المذكور في السير أن أول ما نزل - ﷺ - على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، ثم على أبي أيوب الأنصاري خالدٍ ولَيْسَا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار وقد مر بهم، ونزل على بني مالك أخي عدي فلعل ذَلِكَ وقع تجوزًا لعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما. وقوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ): أي متوجهًا إليه، وقوله: (بيت المقدس) هو -بفتح الميم وإسكان القاف، وفيه لغة أخرى ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة- أي المطهر، وعلى الأول هو مصدر كالمرجع، أو مكان ومعناه: بيت مكان الطهارة، قاله أبو علي الفارسي. ------------------ (١) الكتاب قيد التحقيق بدار الفلاح. وقال الزجاج: أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال: البيت المقدس على الصفة. والمشهور بيت المقدس على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ومسجد الجامع وبابه، وله أسماء أخر ذكرتها في (الكتاب) (١) المشار إليه قريبًا. وقوله: (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا- أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا). كذا وقع هنا على الشك، وكذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية في «صحيح مسلم» وغيره عن البراء الجزم بالأولى (٢) فيتعين (اعتمادها) (٣) كما قاله النووي. وقال الداودي: إنه الصحيح، قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس والحربي؛ لأن بدرًا كانت في رمضان في السنة الثانية. وخالف القاضي فقال: الثاني أصح وهو قول مالك وابن إسحاق وابن المسيب (٤)، وفي «سنن أبي داود»: ثمانية عشر شهرًا (٥). وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى: سنتين، وأغرب منهما: تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان. وقال أبو حاتم بن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء؛ لأن قدومه - ﷺ - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان (٦). ------------- (١) في (ف): المكان. (٢) مسلم (٥٢٥/ ١١) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة. (٣) كذا في (ف) وفي (ج): إعمالها. (٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٩. (٥) «سنن أبي داود» برقم (٥٠٧). وفيه: ثلاثة عشر شهرًا. من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. (٦) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٦٢٠. وفي «تفسير ابن الخطيب» عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر، وهو غريب. وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عدّ شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب. وفي ابن ماجه أنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين (١). وقال إبراهيم بن إسحاق: حولت في رجب. وقيل: في جمادى فحصل في تعيين الشهر أقوال) (٢). والشهر سمي بذلك لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته في عبادتهم ومعايشهم. يُقال: شهرت الشيء إذا أظهرته، وفي لغة رديئة أشهرته، حكاها الزبيدي. وقوله: (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ). أي: كان يحب ذَلِكَ كما صرح به البخاري في رواية أخرى في باب: التوجه نحو القبلة (٣). وقوله: (صَلَاةَ العَصْرِ) هو بدل من قوله: (أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا). وقوله: (مَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) إلى آخره، هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويُعرف بمسجد القبلتين، ومر عليهم المار في صلاة العصر. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، كما صرح به البخاري ومسلم في موضعه من حديث ابن عمر (٤). --------------- (١) ابن ماجه (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق. قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٦: أبو بكر سيِّئ الحفظ وقد اضطرب فيه. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٢): منكر. (٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ف). (٣) سيأتي برقم (٣٩٩) كتاب: الصلاة. (٤) سيأتي برقم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة …، ومسلم (٥٢٦/ ١٣) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة. ويجوز أن تحمل الأولى على أن المراد: أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة العصر، وقيل: كان التحويل في ركوع الثانية من الظهر في المسجد السالف فاستدار واستدارت الصفوف، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة (١). وقوله: (وَأَهْلُ الكِتَابِ) هو: برفع اللام معطوف على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى؛ فإن اليهود أيضًا أهل كتاب. فائدة: هذا (المار) (٢) هو عباد بن نهيك بن إساف الخطمي، صلى القبلتين مع النبي - ﷺ - بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت، قاله ابن عبد البر (٣). وقال ابن بشكوال: هو عباد بن بشر الأشهلي (٤)، [و] (٥) ذكره الفاكهي في «أخبار مكة» عن خويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات، وفيه قول ثالث: أنه عباد بن وهب. الوجه الثالث: في فوائده: وهي جمة مفرقة في الأبواب ذكرت منها جملة في «شرح العمدة» (٦) ونذكر منها هنا عشر فوائد: ------------------ (١) «تفسير القرطبي» ٢/ ١٤٩. (٢) في (ج): المشار إليه. (٣) «الاستيعاب» ٢/ ٣٥٤ (١٣٧٦). (٤) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٢٢٣. (٥) زيادة يقتضيها السياق. (٦) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٨٧ - ٥٠٤. ونقدم عليها أن التحويل كان في السنة الثانية قطعًا، واختلف في الشهر الذي حولت فيه على ثلاثة أقوال سلفت: أحدها: في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، قاله محمد بن حبيب الهاشمي، وحكاه عنه النووي في «الروضة» في كتاب السير وأقره (١). وثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، ونقله بعضهم عن الأكثرين كما حكاه صاحب «المطلب». قَالَ: وفي رواية شاذة أن ذَلِكَ كان في جمادى الآخر، وهذا هو الثالث. الأولى: ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان، وقد اتفق المفسرون وغيرهم على أن المراد به هنا الصلاة، وكذا ذكره البراء في حديث الباب بفحواه وإن لم يصرح به، والآية إنما نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس. وقال ابن إسحاق وغيرُه: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالقبلة الأولى، وتصديقكم بنبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم أجرهما جميعًا (٢). وما زاده زهير في حديث البراء، أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس، قَالَ: لما وجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ١٤٣]. ------------------- (١) «روضة الطالبين» ١٠/ ٢٠٦. (٢) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ١٧٧. (٣) «سنن أبي داود» (٤٦٨٠)، «سنن الترمذي» (٢٩٦٤) وقال: حديث حسن صحيح. الثانية: جواز النسخ ووقوعه ولا عبرة بمن أحاله. قَالَ ابن عباس: أُول ما نُسخ من القرآن شأن القبلة والصيام (١)، وأول مَن صَلَّى إلى الكعبة البراء بن معرور (٢). الثالثة: قبول خبر الواحد (كما ترجم له فيما مضى) (٣) وقد يقال: إنه احتف به قرائن ومقدمات أفادت العلم؛ لأنهم كانوا متوقعين التحويل. الرابعة: استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم. الخامسة: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا بل هو محبوب. السادسة: أن النَّسْخَ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، لأن أهل المسجد وأهل قباء صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ، لكن قبل بلوغه إليهم وهو الصحيح في الأصول (٤)، وتظهر فائدة الخلاف في الإعادة، ويتعلق بذلك أن الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من بلوغ الخبر؟ والأصح عندنا الأول بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية به بخلاف الوكيل، ويتعلق به أيضًا أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟ ------------------- (١) رواه النسائي في «المجتبى» ٦/ ١٨٧، ٢١٢، وفي «الكبرى» ٣/ ٣٨٦، والطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ٣٢٦، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، والبيهقي في «الكبرى» ٢/ ١٢. (٢) رواه البيهقي ٣/ ٣٨٤ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميِّتًا. قال البيهقي: وهو مرسل جيد. (٣) من (ج). (٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٢٩. السابعة: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين، فمن صلَّى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذَلِكَ، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على صلاته ويجزئه، وإن كانت إلى جهتين وثلاث وأربع حتى لو صلى الرباعية إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، وهو الأصح عند أصحابنا (١). الثامنة: جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والأصح عند الجمهور نعم، وللشافعي فيه قولان: قَالَ مرة: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا (٢)، والأصح عند الجمهور: نعم بشرط كونها متواترة (٣). قَالَ القاضي عياض: أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا (٤). وقال ابن الخطيب: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في رواية بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه أبو حنيفة ومالك والجمهور (٥). واستدل المجوزون على الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم ------------- (١) انظر كلام الشافعي في «الرسالة» ص ١٠٦ - ١١٣. (٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٠٦. (٣) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «الغيث الهامع» ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧، «إرشاد الفحول» ٢/ ٨٠٩ - ٨١٥. (٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٥٤٥. (٥) انظر: «الرسالة» ص ١٠٦، «الواضح في أصول الفقه» ١/ ٢٢٨، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم ص ٥١٨ - ٥٢٠، «البحر المحيط» ٤/ ١٠٨ - ١٠٩. يكن (ثابتًا) (١) بالكتاب، وقد نسخ به، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فنسخ العهد والصلح على ردهن، وبقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] نسخ تحريم المباشرة وليس في القرآن، وصوم عاشوراء برمضان، وعلى الثانية بأنه نُسِخَت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: «لا وصية لوارث» (٢) ونسخ الإمساك في البيوت بالرجم والجلد الثابت بالسنة. وأجاب المانعون عن قصة القبلة بأنها نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولًا كان يخير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثم نسخ باستقبال القبلة. التاسعة: جواز النسخ بخبر الواحد، وهو ما مال إليه القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، كما نقله القاضي عياض عنهم (٣)، واختاره الغزالي (٤) والباجي (٥) وأهل الظاهري (٦)، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأبعد بعضهم فقال: النسخ به كان جائزًا في زمنه، وإنما منع بعده. والمختار كما قَالَ الغزالي: وقوع نسخ السنة المتواترة بالآحاد عقلًا ---------------- (١) من (ف). (٢) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد ٥/ ٢٦٧، والطيالسي ٢/ ٤٥٠ (١٢٢٣)، وعبد الرزاق ٤/ ١٤٨ - ١٤٩ (٧٢٧٧)، والطبراني ٨/ ١٣٧ (٧٦٢١) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٦٥٥). (٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٥. (٤) «المستصفى» ١/ ٢٤٠ - ٢٤١. (٥) «إحكام الفصول» ص ٤١٧. (٦) «الإحكام في أصول الأحكام» ص ٥١٨ - ٥٢٤. لو تعبد به وسمعًا في زمانه - ﷺ - بدليل قصة قباء، وأما بعده فممنوع بإجماع الصحابة على أن خبر الواحد لا يرفع قاطعًا (١). العاشرة: أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذَلِكَ من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه. وقد اختلف العلماء فيما حكاه القاضي فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلمه الشرائع، ولا علم أن الله فرض شيئًا من الشرائع، ثم علم بعد ذَلِكَ هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعلمها؟ فذهب مالك والشافعي (في آخرين) (٢) إلى إلزامه، فإنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أن ذَلِكَ يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه. قَالَ: وكيف يكون لله فرض على من لم [يعلم] (٣) بفرضه (٤). ------------------ (١) «المستصفى» ١/ ٢٤٠. (٢) في (ف): وآخرين. (٣) زيادة يقتضيها السياق، من «الإكمال». (٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٨. ٣١ - باب حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ ٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أنَهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا». [فتح: ١/ ٩٨] ٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». [مسلم: ١٢٩ - فتح: ١/ ١٠٠] قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيئَةٍ كَانَ زَلّفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا». حَدَّثنَي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا» (١). ------------- (١) ذكر في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على … وسمعه الشيخ شمس الدين … والصفدي والعاملي والباسطي والفخر الرازي. المصنف والبغوي وابن … ونور الدين … محمد بن … وسمعه آخرون … والصفدي سمعه بتدريسه قاله إبراهيم الحلبي القارئ. الكلام عليهما (من وجوه) (١): أما حديث أبي سعيد فمن وجوه: الأول: هذا الحديث أخرجه هنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم يسمع منه، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ. فقال أبو ذر: (أنا) (٢) النضروي، ثنا الحسين بن إدريس، (ثنا) (٣) هشام بن (خالد) (٤)، (ثنا) (٥) الوليد بن مسلم، (ثنا) (٦) مالك، فذكره. وأسنده النسائي، عن أحمد بن المعلى بن يزيد، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن مالك (٧). وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال: أخبرني الحسن بن سفيان، (ثنا) (٨) حميد بن قتيبة الأسدي قَالَ: قرأت على عبد الله بن نافع الصائغ، أن مالكًا أخبره قَالَ: (وأخبرني) (٩) عبد الله بن محمد بن مسلم (١٠)، أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، نا عبد الله بن وهب، أنبأنا مالك بن أنس -واللفظ لابن نافع- ------------------ (١) من (ج). (٢) كذا في (ف) وفي (ج): أخبرنا. (٣) في (ف): نا. (٤) في (ف)، (ج): خلف، والمثبت من «تغليق التعليق» ٢/ ٤٤، «فتح الباري» ١/ ٩٩، «عمدة القاري» ١/ ٢٨٦. (٥) في (ف): نا. (٦) في (ف): نا. (٧) النسائي ٨/ ١٠٥ - ١٠٦. (٨) في (ف): نا. (٩) في (ف): أخره. (١٠) انظره في «المعجم» للإسماعيلي ٢/ ٦٩٥. عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له: ائتنف العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله» أنبأنا به (غير واحد منهم) (١) شيخنا قطب الدين الحلبي، أنبأنا محمد بن عبد المنعم المؤدب، أنبأنا أبو بكر بن باقا (٢) (أنبأنا) (٣) يحيى بن ثابت، أنبأنا أبو بكر أحمد البرقاني، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي فذكره. قَالَ ابن بطال: هذا الحديث أسقط البخاري بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير «الموطأ» ونصه: «إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة كان زلفها» وذكر باقيه بمعناه، قَالَ: وذكره الدارقطني في «غرائب حديث مالك» من تسعة طرق، وأثبت فيها كل ما أسقطه البخاري: «إن الكافر إذا حسن إسلامه يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء» وهو كقوله - ﷺ - في حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير» (٤). ------------- (١) من (ف). (٢) هو الشيخ الأمين المرتضى المسند، صفي الدين، أبو بكر عبد العزيز ابن أبي الفتح أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا البغدادي الأصل، الحنبلي التاجر السّفّار نزيل مصر. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاثين وستمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٥١ - ٣٥٢، «الذيل» لابن رجب ٢/ ١٨٧، «شذرات الذهب» ٥/ ١٣٥ - ١٣٦. (٣) في (ف): أنا. (٤) سيأتي برقم (١٤٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم. قَالَ: ومعنى «حسن إسلامه» ما جاء في حديث جبريل - ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه» (١). أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة، هذا آخر كلام ابن بطال (٢). وقال الدارقطني في كتاب «غرائب مالك»: اتفق هؤلاء التسعة: ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، ورزين بن شعيب، وإسحاق الفروي، وسعيد الزبيري، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى، فرووه عن مالك عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك، عن زيد، عن عطاء، عن أبي هريرة. الوجه الثاني: (في) (٣) التعريف برجاله: وقد سلف. الثالث: في ألفاظه وأحكامه: قوله: («زلّفها») هو بتشديد اللام كما ضبطه النووي، يُقال: زلَّفه يزلِّفه تزليفًا إذا قدمه، وأزلفه إزلافًا مثله، ويقع في بعض النسخ: أزلفها. قَالَ ابن سيده: زلف الشيء وزلفه: قدمه. عن ابن الأعرابي، وأزلف الشيء: قربه (٤). وفي «الجامع»: الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي «الصحاح»: الزلف: التقدم عن أبي عبيد. وتزلفوا وازدلفوا أي: تقدموا (٥)، وفي «الجمهرة»: الزليف -بياء مثناة تحت قبل الفاء- ثم ----------- (١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل عن الإيمان و.... (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٩. (٣) من (ج). (٤) «المحكم» ٩/ ٤١، ٤٢. (٥) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٠، مادة (زلف). ![]() اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 106 الى صـــ 125 الحلقة (56) فسره بالتقدم من موضع إلى موضع (١). قُلْتُ: فمعنى أزلفها هنا: اكتسبها وقدمها وقربها قربة إلى الله تعالى، وازدلفت مثل أزلفت، وازدلفت القوم: (جَمَعْتُهم) (٢)، ومنه سميت المزدلفة؛ لجمعها الناس، وقيل: لقرب أهلها من منازلهم. مفتعلة من زلفت أبدلت التاء دالًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ [التكوير: ١٣] أي: قربت وأدنيت (٣) ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: قَرَّبْنَاهم (٤). قَالَ أهل اللغة: هذا من باب ما جاء على فعل وأفعل لاختلاف معنى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] فهي هنا اسم مصدر كأنه قَالَ: ازدلافًا، وأما زلف زلفى ثلاثيًا فبمعنى: تقدم، والزلفة والزلفي: القربى والمنزلة (٥). وقوله: («فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ») أي: أسلم إسلامًا محققًا بريئًا من الشكوك، ولا يشترط في تكفير سيئات زمن الكفر وكتب حسناته أن يكثر من الطاعات في الإسلام، ويلازم المراقبة والإخلاص في أفعاله كما (سلف) (٦). ثم اعلم أن هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام السالف مما اختلف في معناه، فقال أبو عبد الله المازري ثم القاضي وغيرهما: ---------------- (١) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٢١ مادة: زلف. (٢) في (ف)، (ج): جميعهم، والمثبت هو الصواب، كما في «الأفعال» لابن القوطية ص ١٧٣. (٣) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٤٦٦ (٣٦٤٧٣). (٤) انظر: «تفسير الماوردي» ٤/ ١٧٥. (٥) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٤٨ مادة: (زلف). (٦) في (ج): سبق. الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر (التقرب فلا يثاب على طاعة) (١)، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب (كنظيره) (٢) في الإيمان؛ فإنه مطيع (فيه) (٣) من حيث إنه موافق للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، ولا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرَّب إليه، فيتأول حديث حكيم على أنه اكتسب أخلاقًا جميلة ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل، أو أنه يزاد في حسناته في الإسلام بسبب ذَلِكَ، أو أنه سبب لهدايته إلى الإسلام (٤). وتعقبهم النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قالوه ضعيف بل الصواب الذي عليه المحققون -وقد ادُّعِي فيه الإجماع- أنّ الكافر إذا فعل (أفعالًا جميلة) (٥) على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وضيافة ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذَلِكَ ويثاب عليه إذا مات على الإسلام. ودليله حديث أبي سعيد السالف فهو نص صريح فيه، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد (ورد) (٦) الشرع به فوجب قبوله. وأما دعوى: كونه مخالفًا للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من كافر ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم: لا يعتد بها في ---------------- (١) في (ج): القرب ولا يثاب عليها. (٢) في (ف)، (ج): به. والمثبت هو الصواب، كما في «المعلم»، و«إكمال المعلم». (٣) في (ف)، (ج): كنظره، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في «شرح مسلم» للنووي ٢/ ١٤٢. (٤) «المعلم» ١/ ٧٦، «إكمال المعلم» ١/ ٤١٥. (٥) في (ج): فعلا جميلًا. (٦) في (ج): ولا ورد. أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الكافر (١)، فإن أقدم قائل عَلَى التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فَيُرَدُّ قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفَّر في حال كفره أجزأه ذَلِكَ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها. واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل؟ والأصح: اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كل (طهارة) (٢) غسلًا كانت أو وضوءًا أوا تيممًا وإذا أسلم صلى بها (٣). ثم حديث الباب حجة لمذهب أهل الحقِّ أن أصحاب المعاصي لا يُقطع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال. وأما الحديث الثاني: وهو حديث أبي هريرة: فالكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به (٤). ثانيها: في التعريف برجاله غير (ما) (٥) سلف. ---------------- (١) أي في الآخرة، كما في «شرح مسلم». (٢) في (خ): طاهرة. (٣) «شرح النووي على مسلم» ٢/ ١٤١. (٤) (١٢٩) في الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب. (٥) في (خ): من. أما همام فهو أبو عقبة همام بن منبه بن كامل بن سَيج، بسين مهملة مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، وقيل: بكسر السين وفتح الياء ثم جيم، اليماني الصنعاني الذماري، بكسر الذال المعجمة، ويقال: بفتحها، وذِمار على مرحلتين من صنعاء (١)، الأبناوي، بفتح الهمزة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون ثم ألف ثم واو. قَالَ أبو علي الغساني: نسبة إلى الأبناء وهم قوم باليمن من (ولد) (٢) الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة باليمن، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، فولدهم يقال لهم: الأبناء (٣). وقال أبو حاتم بن حبان: كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال له: أبناوي وهم الأبناء. وهمام هذا أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب، سمع ابن عباس وأبا هريرة، وعنه أخوه وآخرون، وهو ثقة مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة (٤). (فائدة: همام بن منبه من الأفراد وإن كان في الصحابة والتابعين من يشترك معه في الاسم دون الأب. ------------------ (١) «تقييد المهمل» ١/ ٩٦. (٢) في (ج): أبناء. (٣) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٧. (٤) انظر ترجمة همام في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٤٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٦ (٢٨٤٧)، «الثقات» ٥/ ٥١٠، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٩٨ (٦٦٠٠)، وانظر «الثقات» ٥/ ٥١٠ وقد سبق في المقدمة. فائدة أخرى: لا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين) (١). وأما عبد الرزاق فهو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم اليماني الصنعاني. سمع خلقًا من الأعلام: مالكًا وغيره، وعنه خلق من الأئمة والحفاظ: أحمد وابن معين وغيرهما. وأحواله ومناقبه مشهورة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قَالَ معمر: خليق أن تضرب إليه أكباد الإبل، وقال أحمد: ما رأيت أحسن منه. وأما ابن عدي: فنقل عن ابن معين أنه ليس بقوي، وعن ابن معين أنه قيل له: تركت حديث عبد الرزاق؟ فقال: لو ارْتَدَّ ما تركته (٢). ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب وأن الواقدي أصدق منه (٣)، قَالَ ابن عدي: ونسب إلى التشييع، وقد روى أحاديث في ---------------- (١) من (ج). (٢) «الكامل» ٦/ ٥٣٨. (٣) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ١٠٩ وفيه: والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق كذاب، ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه. اهـ. قال الذهبي في «السير» ٩/ ٥٧١ - ٥٧٢. قلت: بل والله ما بَرَّ عباس في يمينه، وبئس ما قال، يَعْمد إلى شيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح -وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه- فيرميه بالكذب ويُقَدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذِه خارق للإجماع بيقين. اهـ. وقال في «الميزان» ٣/ ٣٢٥: هذا ما وافق العباس عليه مُسْلِمُ، بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به إلا تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى. اهـ. قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٧٤ معقبًا على كلام الذهبي: وهذا إقدام على الإنكار بغير تثبُّت، فقد ذكر الإسماعيلي في "المدخل عن الفرهياني أنه قال: وحدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ها هنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه انتهى. = فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذمُّوه به من روايته للمناكير (١)، وقال النسائي في «ضعفائه»: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره (٢). وزاد بعضهم عن النسائي: كتبت عنه أحاديث مناكير، وقال البخاري في «تاريخه الكبير»: ما حدَّث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح (٣). وأما إسحاق بن منصور فهو أبو يعقوب إسحاق (خ، م، ت، س، ق) بن منصور بن بهرام -بكسر الموحدة- الكوسج من أهل مرو سكن نيسابور، ورحل إلى الحجاز والعراق والشام وسمع الأعلام منهم ابن عيينة، وعنه البخاري ومسلم وبقية الجماعة إلا أبا داود، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه في آخر «جامعه». قَالَ مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا، وهو الذي دوَّن عن أحمد وابن راهويه المسائل (٤). مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين (٥). ---------------- = قال الحافظ: وهذا وإن كان مردودًا على قائله فغرض من ذكره الإشارة إلى أن للعباس بن عبد العظيم موافقًا. اهـ. (١) «الكامل» ٦/ ٥٣٨. (٢) «الضعفاء» للنسائي ص ٧٠ (٣٧٩). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٣٠ (١٩٣٣)، «الكامل» ٦/ ٥٣٨ (١٤٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٢ (٣٤١٥)، قال ابن حجر في «تقريب التهذيب» ص ٣٥٤ (٤٠٦٤): ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع. (٤) «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٦٢، والكتاب طبع في مجلدين باسم: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه رواية الكوسج». (٥) انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٠٤ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٧٤ (٣٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٥٨ (٩٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢٦٨). ثالثها: أَخَذَ بظاهر هذا الحديث بعض العلماء وقال: التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، حكاه الماوردي عن بعضهم، والجمهور -كما حكاه النووي عنهم- (على) (١) خلافه وهو أنه لا يقف على سبعمائة بل يضاعف الله لمن يشاء أضعافًا كثيرة زائدة على ذَلِكَ، ويدل عليه ما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، والبخاري في كتاب الرقاق من حديث ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربه -عز وجل- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا وعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» (٢). فقوله: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» دال عَلَى الزيادة على (سبعمائة) (٣). وفي كتاب «العلم» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل: (نا) (٤) شيبان الأيلي، (نا) (٥) سويد بن حاتم، نا أبو العوام الجزار، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قَالَ: «إنَّ الله تعالى يعطي بالحسنة أَلفي ألف حسنة» (٦). --------------- (١) في (ج): في. (٢) سيأتي برقم (٦٤٩١) باب: من هم بحسنة أو سيئة، ورواه مسلم (١٣١) باب: إذا هم العبد بحسنة. (٣) في (ج): السبعمائة. (٤) في (ج): حدثنا. (٥) في (ج): ثنا. وكذا التي بعدها. (٦) رواه أحمد ٢/ ٥٢١، البيهقي في «الزهد الكبير» ٢/ ٧٨ (٧١٣)، أورده الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ١٤٥ وقال: رواه أحمد بإسنادين والبزار بنحوه، وأحد إسنادي أحمد جيد. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٩٧٥) لأن مداره على عليّ بن زيد وهو ابن جدعان وطريق المصنف مختلفة. ٣٢ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ ٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا اَمْرَأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِه؟». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَامَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ. [١١٥١ - مسلم:٧٨٥ - فتح: ١/ ١٠١] ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَام قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا أمْرَأَةٌ قَالَ: «مَنْ هذِه». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ (من العمل) (١) بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة، وقال فيه: كانت عندي امرأة من بني أسد (٢)، وسماها في مسلم، لكن قَالَ فيه: إن الحولاء بنت (تويت) (٣) بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله. فقلت: هذِه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال - ﷺ -: «لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون --------------------- (١) كذا في (ف)، (ج)، وليست في اليونينية، ولم أقف على من أشار إليها إلا الشيخ زكريا الأنصاري في»منحة الباري بشرح صحيح البخاري" ١/ ٢٠٩ بتحقيقنا، ط الرشد، والله أعلم. (٢) سيأتي برقم (١١٥١) أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد. (٣) في (ف): تويب. فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا» (١). وذكره مالك في «الموطأ» وفيه: فقيل له: هذِه الحولاء لا تنام الليل. فكره ذَلِكَ رسول الله - ﷺ - حتى عرفت الكراهية في وجهه (٢). وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة (٣) ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة (٤). كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: أنه - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة. فيحتمل أن تكون هذِه واقعة أخرى. الثاني: في التعريف برجاله: وقد سلف، (وهشام سيأتي في الباب بعده) (٥). الثالث: هذِه المرأة هي الحولاء كما سلف، وهي -بحاء مهملة والمد- بنت تويت بتائين مثناتين من فوق مُصغّر، وهى امرأة صالحة مهاجرة عابدة (٦). الرابع: في ألفاظه: (قولها (٧) (تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا): -هو بالمثناة أول- تذكر مفتوحة---------------- (١) «مسلم» (٧٨٥/ ٢٢٠) صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك. (٢) «الموطأ» برواية يحيى ص ٩٣. (٣) هي الرواية السابقة. (٤) مسلم (٧٨٥/ ٢٢١). (٥) ما بين المعقوفين من (ج). (٦) هي الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي أسلمت وبايعت الرسول - ﷺ - وكانت من المجتهدات في العبادة، انظر: «الطبقات» ٨/ ٢٤٤، «حلية الأولياء» ٢/ ٦٥، «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٧ (٣٣٤٢)، «الإصابة» ٤/ ٢٧٨ (٣١٥). (٧) من (ج). على المشهور، كما قَاله النووي قَالَ: وروي بالمثناة تحت مضمومة (على) (١) ما لم يسم فاعله، و«مه»: كلمة زجر وكف (٢). قَالَ الجوهري: مه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به الفعل، ومعناه: اكفف. فإن وصلت نونت فقلت: مهٍ مهٍ، ويقال: مهمهت به أي: زَجَرْتَهُ (٣). فأراد - ﷺ - زجرها بالسكوت، ثم ابتدأ بقوله: «عَلَيْكُمْ من العمل بِمَا تُطِيقُونَ». أي: الزموا ما تطيقون الدوام عليه. (قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال: وهو أنسب للسياق) (٤) والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل على سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي (٥). قَالَ أبو الزناد والمهلب: إنما قَالَ - ﷺ - ذَلِكَ خشية الملال اللاحق، ويمل -بفتح الياء- وكذا تملوا - (هو) (٦) بفتح التاء والميم- ومعنى: الملالة: السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا؛ لأن الملال من صفة المخلوقين، وهو ترك الشيء استثقالًا وكراهة له بعد حرص ومحبة فيه، وهذِه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه: لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل (٧). ---------------- (١) من (ف). (٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٨١٤ مادة: (مهه). (٣) «الصحاح» ٦/ ٢٢٥٠ مادة: (مهه). (٤) ما بين المعقوفين من (ج). (٥) «المنتقى» ١/ ٢١٣، «إكمال المعلم» ٣/ ١٤٧. (٦) من (ج). (٧) سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن هذا الحديث، هل يفهم منه أن الله = وقيل: معناه: لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة (١) وغيره، وحكاه الخطابي (٢) وآخرون وأنشدوا عليه شعرًا، ومثله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي: لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له ----------------- = يوصف بالملل؟ فأجاب قائلًا: من المعلوم أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أننا نصف الله -تبارك وتعالى- بما وصف به نفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، فإذا كان هذا الحديث يدل على أن لله مللًا فإن ملل الله ليس كمثل مللنا نحن بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص، أما ملل الإنسان فإن فيه أشياء من النقص؛ لأنه يتعب نفسيًّا وجسميًّا مما نزل به لعدم قوة تحمله، وأما ملل الله إن كان هذا الحديث يدل عليه فإنه ملل يليق به -عز وجل- ولا يتضمن نقصًا بوجه من الوجوه. وعن سؤال آخر قال: جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن الله لا يمل حتى تملوا» فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثباث الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري فيه كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا. ومن العلماء من يقول إن قوله: «لا يمل حتى تملوا» يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهنا أيضًا «لا يمل حتى تملوا» لا يستلزم ثبوت الملل لله -عز وجل-. وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله -تعالى- منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق. انظر: «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» ١/ ١٧٤ - ١٧٥. (١) «تأويل مختلف الحديث» ص ٤٨٦. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٣. فضل على غيره (١)، وقيل: إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه المازري (٢)، وفيه ضعف. وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٣)، لأن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر. الخامس: في أحكامه وفوائده: الأول: مراد البخاري بالباب أن الدين يطلق على الأعمال وقد سبق أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة: (وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه) أي: أحب الأعمال كما جاء مصرحًا (به) (٤) في غير هذِه الرواية (٥). الثاني: الدين هنا: الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج «يمرقون من الدين» (٦). أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي «المحكم»: الدين: الإسلام. وقد دنت به، وفي حديث علي: محبة العلماء دين يدان به (٧) والدينة كالدين (٨)، وفي «الجامع»: الدين: العبودية والذل، والدين: الملة والدين: (الخالص) (٩). ------------------ (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٠ - ١٠١. (٢) «المعلم» ١/ ٢٢٢. (٣) في (ف): صاحب العمل. (٤) من (ج). (٥) سيأتي من حديث عائشة (٥٨٦١) كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير. (٦) سيأتي برقم (٣٣٤٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. (٧) قطعة من أثر رواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٧٩ - ٨٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٧٩ (٣٤١٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٢٢٠ - ٢٢١، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١١/ ١. باختلاف في اللفظ. (٨) «المحكم» ١٠/ ١٠٦. (٩) في (ج): الحال. قُلْتُ: والدين الخالص في الآية: التوحيد (١)، والحكم في قوله: «في دين الله» والدين اسم لجميع ما يتعبد الله تعالى به خلقه. الثالث: استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه تعالى (٢). الرابع: جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان (فيه) (٣) تفخيم أمر أوجب عليه، أو تنفير عن أمر محذور، ونحو ذَلِكَ. قَالَ أصحابنا: يُكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في طاعة كالبيعة (على) (٤) الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقًا (٥). الخامس: فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم. السادس: بيان شفقته ورأفته بأمته - ﷺ -؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس تكون فيه أنشط، والقلب منشرح، فتستمر العبادة، ويحصل مقصود الأعمال، وهو الخضوع فيها واستلذاذها، والدوام عليها، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما لا يمكنه الدوام، وما يشق عليه، فإنه مُعَرَّض لأن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته الخير العظيم. ------------------ (١) انظر: «تفسير الطبري» ١٠/ ٦١١. (٢) اعلم رحمك الله أن المجاز قد اختلف في أصل وقوعه، هل في اللغة مجاز أم لا؟ ثم أعلم أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند القائلين بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الكلام على المجاز في مواضعه. (٣) من (ف). (٤) في (ج): في. (٥) انظر: «روضة الطالبين» ١١/ ٢٠. وقد قَالَ - ﷺ - في الحديث: «ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» (١) وقد ذمَّ الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، والأحاديث الصحيحة دالة عليه في قوله: «لا تكن كَفُلَان كان يقوم الليل فتركه» (٢)، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصته - ﷺ - في التخفيف في العبادة. السابع: كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به (٣). قَالَ القاضي عياض: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبًا وفي رسول الله أسوة، ثم قَالَ: لا بأس به ما لم يضر ذَلِكَ بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور و(كسل) (٤) فلا بأس به (٥). -------------- (١) سيأتي برقم (١١٥٠) في الصلاة، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، ورواه مسلم (٧٨٤/ ٢١٨) في صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته .. (٢) سيأتي برقم (١١٥٢) كتاب: الصلاة، أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٥)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر. (٣) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» ٦/ ٧١، ٧٣، «المجموع» ٣/ ٥٣٧، «الفروع» ١/ ٥٦١. (٤) في (ج): كلُّ. (٥) «إكمال المعلم» ٣/ ١٥٠. ٣٣ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣] وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ. ٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ: «مِنْ خَيْرٍ». [٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١/ ١٠٣] ٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١/ ١٠٥] ثنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا هِشَامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». وقَالَ أَبَانُ: نَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ». ثنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، ثنَا أَبُو العُمَيْسِ، ثنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَاب، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برواة الحديثين: وقد (سلف) (١) التعريف بعمر وأنس وقتادة. أما حديث أنس فبقي منه هشام ومسلم بن إبراهيم. أما هشام فهو ابن أبي عبد الله (سَنْبر) (٢) الدَّسْتوائي بفتح الدال وإسكان السين المهملة وفتح التاء، واقتصر السمعاني في «أنسابه» (٣) على ضمها ثم واوًا وآخره همزة ممدودة بلا نون، وقيل: الدستواني بالقصر والنون، والصحيح: المشهور الأول، ودستوا: كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها (٤). سمع جمعًا من التابعين منهم أبو الزبير، وعنه الحفاظ منهم: شعبة وأبو داود الطيالسي وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد: ------------------- (١) في (ج): سبق. (٢) في (ف)، (ج): سندر، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج. (٣) «الأنساب» ٥/ ٣١٠. (٤) «معجم البلدان» ٢/ ٤٥٥. لا يسأل عنه، ما أرى الناس يَرْوُون عن أثبت منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حجة إلا أنه كان يرى القدر. وقال العجلي: لم يكن داعية إليه. مات سنة أربع، وقيل: ثلاث. وقيل: سنة اثنتين. وقيل: إحدى وخمسين ومائة (١). وأما مسلم بن إبراهيم فهو أبو عمرو البصري القصاب الأزدي الفراهيدي مولاهم، وفراهيد -بفتح الفاء وبالدال المهملة، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين بالمعجمة- بن شبابة بن مالك بن فهم بن عمرو بن أوس بطن من الأزد، ومنهم الخليل بن أحمد الإمام النحوي. سمع خلقًا من الكبار منهم: شعبة وهشام، وعنه الأعلام منهم: ابن معين والذهلي والبخاري وأبو داود، وروى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه. قَالَ أبو زرعة: سمعته يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قط، وكان أتى عليه نيف وثمانون سنة، وقال أحمد بن عبد الله: سمع من سبعين امرأة، وكان ثقة عمي بآخره (٢). وقال يحيى بن معين: هو ثقة مأمون وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين بالبصرة، وكان مولده سنة ثلاث (وثلاثين) (٣) ومائة (٤). ------------------ (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧٩، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٨ (٢٦٩٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٣٠ (١٩٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢١٥ (٦٥٨٢). (٢) «معرفة الثقات» ٢/ ٢٧٦. (٣) في (ج): وثمانين. (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٤، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٥٤ (١٠٧٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٨٠ (٧٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧ (٥٩١٦)، «السير» ١٠/ ٣١٤ - ٣١٨. فائدة: سند حديث أنس هذا كله بصريون. وأما أبان فهو ابن يزيد أبو يزيد البصري العطار سمع قتادة وغيره، وعنه (الأعلام) (١): الطيالسي وغيره، أخرج له البخاري متابعة هنا، وقال في كتاب الصلاة: وقال موسى: حدثنا أبان عن قتادة. وأخرج له مسلم استقلالًا في البيوع وغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، ووثقه يحيى بن معين والنسائي (٢). وقول البخاري: (وقَالَ أَبَانُ: حَدَّثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ). إنما أتى به لتصريح قتادة بالسماع؛ فإنه (يدلس) (٣)، وإن عنعن في الأول، وإن كان كل ما في الصحيحين من هذا النوع يحمل على الاتصال كما سلف في الفصول السابقة أول الكتاب، وأتى به لزيادة أيضًا في المتن (وهي) (٤) قؤله: «من إيمان» وكان «خير» يعني: قَالَ في روايته: «يخرج من النار من قَالَ: لا إلة إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان»، و«وزن برة من إيمان»، و«وزن ذرة من إيمان» وهو دال على زيادة الإيمان ونقصه وتفاوته. ---------------- (١) من (ج). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٥٤ (١٤٥٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ١٩٩ (١٨)، «الثقات» ٦/ ٦٨، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٤ (١٤٣). (٣) في (ج): مدلس. (٤) في (ج): وهو. فائدة: في أبان لغتان: الصَّرْفَ؛ على أنه فعال كغزال ونظائره، والهمزة أصل وهي فاء الكلمة، ومَنْعُهْ على أن الهمزة زائدة والألف بدل من ياء وجعله أفعل فمنع صرفه؛ لوزن الفعل مع العلمية. والصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون صرفه، وغلط (بعضهم) (١) من منع صرفه حتى قَالَ بعضهم: لا يَمْنَعُ صَرفَ أبان إلا أتان. قَالَ ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل من أبان يبين، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبين. بالتصحيح (٢). وأما حديث عمر فالراوي عنه طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشْم بن زفر بن عمرو بن لؤي بن رُهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار أبو عبد الله البجلي الأحمسي -بطن منها- الكوفي الصحابي. رأى النبي - ﷺ - وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثلاثًا وثلاثين، أو ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، مات سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة اثنتين. وقيل: سنة أربع. وجزم شيخنا قطب الدين في «شرحه» بأنه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو ما حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين (٣)، وهو وهمٌ كما نبَّه عليه المزي (٤). ----------------- (١) كذا في (ف) وفي (ج): أكثرهم. (٢) «شواهد التوضيح» ص ٢١٣. (٣) «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٥١ (٣٧٨٠). (٤) «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤٣، وانظر ترجمته في: «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٤٩ (٣٧٧٢)، «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٢٣، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٣ (٣١١٥)، = قُلْتُ: وأخرج له البخاري عن أبي بكر (١) وابن مسعود (٢)، ومسلم عن أبي سعيد (٣)، وأبو داود (٤) والنسائي (٥) عن النبي - ﷺ -. فائدة: قَالَ أبو داود: رأى طارق النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا (٦). فائدة أخرى: بجيلة هي أم ولد أنمار بن أراش، وهي بنت صعب بن سعد العشيرة (٧). وأما قيس فهو أبو عمرو قيس بن مسلم الجدلي الكوفي العابد، سمع طارق بن شهاب ومجاهد وغيرهما، وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما. مات سنة عشرين ومائة (٨)، وأهمله شيخنا في «شرحه». وأما أبو العُمَيْس فهو بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم سين مهملة، وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المستوردي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي. ------------------- = «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٨٥ (٢١٣٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤١ - ٣٤٣ (٢٩٥٠). (١) سيأتي برقم (٣٩٥٢) كتاب المغازي. (٢) سيأتي برقم (٧٢٢١) كتاب الأحكام، باب الاستخلاف. (٣) برقم (٤٩) كتاب الإيمان. (٤) «سنن أبي داود» (١٠٦٧). (٥) «المجتبى» ١/ ١٧٢ - ١٧٣. (٦) «سنن أبي داود» ١/ ٦٤٤. (٧) بجيلة بنت صعب بن علي بن سعد العشيرة ذكرها ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٣٠٨ (٣٠٨). (٨) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٥٤ (٦٩١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٠٣ (٥٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٨١ (٤٩٢١). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 126 الى صـــ 145 الحلقة (57) سمع جمعًا من التابعين منهم: الشعبي وقيس، وعنه ابن إسحاق وهو تابعي وشعبة وخلق، وثَّقوه، مات سنة عشرين ومائة (١). وأما جعفر فهو أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن (عمرو) (٢) بن حريث القرشي المخزومي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين، منهم يحيى الأنصاري، وعنه ابن راهويه وغيره. قَالَ ابن معين: ثقة. وقال أحمد: صالح، ليس به بأس. مات سنة ست، وقيل: سنة سبع ومائتين. قيل: عن سبع وتسعين وقيل: عن سبع وثمانين (٣). وأما الحسن فهو أبو علي الحسن بن الصباح بن محمد البزار -آخره راء مهملة- الواسطي سكن بغداد، وكان من الثقات الخيار، صاحب سُنَّة، سمع وكيعًا وغيره، وعنه البخاري (٤)، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه، مات ببغداد سنة تسع وأربعين ومائتين (٥)، قَالَه الكلاباذي وغيره (٦). ---------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٦٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٢٧ (٣٢١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٧٢ (٢٠٥٤)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٠٩ (٣٧٧٦). (٢) في (ج): عمر. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٩٧ (٢١٧٩)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٧٠ (٢٢٠)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٧٠ (٩٤٨). (٤) ورد بهامش (ف) ما نصه: وأبو داود والترمذي، زاد صاحب «الكمال» النسائي، وهو ما في … لابن عساكر. (٥) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ١٩ (٧١)، «الثقات» ٨/ ١٧٧، «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٣٠ (٣٤٨٥)، «تهذيب الكمال» ٦/ ١٩١ (١٢٣٦). (٦) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٨٣. وقال ابن عساكر وغيره: سنة ستين ومائتين. فعلى هذا تكون وفاته (بعد) (١) البخاري بأربع سنين. الوجه الثاني: في ضبط الألفاظ الواقعة فيه: «يَخْرُج». يجوز فيه ضم الياء وفتحها، والذرة -بفتح الذال وتشديد الراء- واحدة الذر المعروف، وهي أقل الأشياء الموزونات، قاله المهلب (٢)، وهي هنا: التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة إنما هو بزيادة الأعمال، وسيأتي ذَلِكَ أيضًا. وقال عياض: الذر: النمل الصغير. وعن بعض نقلة الأخبار أنه الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، ويروى عن ابن عباس: إذا وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب فهو ذرة. قَالَ: وحكي أن أربع ذرات خردلة، وقيل الذرة من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من شعيرة، وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء (٣). والمعشر: سلف بيانه في قصة هرقل. والجمعة بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، حكى الفتح الفراء والواحدي وغيرهما قالوا: لأنه يجمع الناس (٤) كما يقال: رجل حطمة. --------------- (١) في (ف)، (ج): قبل، وهو خطأ فاحش، فالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، فيكون الحسن بن الصباح قد مات بعده لا قبله على هذا القول. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢. (٣) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ مادة: ذرا. (٤) «معاني القرآن» ٣/ ١٥٦، «الوسيط» ٤/ ٢٩٦. وقوله: (لاتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا معناه: لعظمناه وجعلناه) (١) عيدًا لنا في كل سنة؛ لعظم ما يحصل فيه من كمال الدين. وقول عمر - رضي الله عنه -: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ). معناه: أنا لم نهمل هذا، ولا خفي علينا زمن نزولها ومكانها، ولا تركنا تعظيم ذَلِكَ اليوم والمكان: أما المكان وهو عرفات فهو معظم (الحج) (٢) الذي هو أحد أركان الإسلام. وأما الزمان فيوم الجمعة ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا وأي عيد، فعظمناه وعظمنا مكان النزول، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش - ﷺ - بعدها ثلاثة أشهر. ومعنى ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله تعالى قبض نبيه، وكمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة، فتصور الكمال يقتضي تصور النقصان وليس المراد: التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية، فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من إيمان من قصر. وقوله: («وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ») وفي الرواية الأخرى «من إيمان» قَالَ المهلب فيما نقله ابن بطال: المراد بالشعيرة والبرة والذرة: زيادة الأعمال التي يكمل بها التصديق؛ (لا أنها) (٣) من نفس التصديق (٤)، ------------------- (١) من (ج). (٢) من (ج). (٣) في (ف): لأنها. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢. وهذا موافق للرواية الأخرى في «الصحيح» أنه قَالَ بعد ذكره الذرة: «ثم يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط» (١) يعني غير التوحيد. وقال غيره: يحتمل أن تكون الشعيرة وما بعدها من نفس التصديق؛ لأن قول: لا إله إلا الله لا ينفع حتى ينضم إليه تصديق القلب، والناس يتفاضلون على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧] فجعل له مزية على علم اليقين، وهذا التأويل هو الصحيح المختار كما قَالَه النووي (٢). الوجه الثالث: في فقهه: وهو دال على ما ترجم البخاري له وهو زيادة الإيمان ونقصه، وقد سبق تقريره في أول كتاب الإيمان. وفيه: دخول طائفة من عصاة الموحدين النار. وفيه: أن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يكفرون بفعلها ولا يخلدون في النار. وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون النطق بكلمتي الشهادة ولا النطق من غير اعتقاد. وهذا مذهب أهل السنة في هذِه المسائل (٣). ----------------- (١) «صحيح مسلم» (١٨٣/ ٣٠٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٢) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ٣١. (٣) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ بقراءة الشيخ برهان الدين الحلبي على مؤلفه في … وسمعه الصفدي والبستاني والسحوري والعاملي … وابن المصنف والباسطي … والكرخي .... ٣٤ - باب الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْل الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - مسلم: ١١ - فتح: ١/ ١٠٦] ثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات (١) عن إسماعيل كما ترى، وفي: الصوم (٢)، وترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل (٣). وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة عن مالك (٤)، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة عن إسماعيل به. وقال مسلم: في حديث يحيى: وقال - ﷺ -: «أفلح وأبيه إن صدق» (٥). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم غير طلحة وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في الأب السابع (كعب) (٦) مثل الصديق، أسلمت أمه وهاجرت، شَهِد المشاهد كلها إلا بدرًا كسعيد بن زيد، وقد ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره فيها، وكان الصديق إذا ذكر أُحدًا قَالَ: ذَلِكَ يوم كله لطلحة. ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٦٧٨) باب: كيف يُسْتَحلف. (٢) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان. (٣) سيأتي برقم (٦٩٥٦) كتاب: الحيل. (٤) مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. (٥) مسلم (١١/ ٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. (٦) من (ج). وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرًا، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض. وهو ممن ثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت، رماه مالك بن زهير يوم أحد، فالتقاها طلحة بيده عن وجه رسول الله - ﷺ - فأصابت خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حس. فقال - ﷺ -: «لو قَالَ: بسم الله لدخل الجنة» (١) والناس ينظرون. وقيل: إنه جُرح في ذَلِكَ اليوم خمسًا وسبعين جراحة وشلت إصبعاه، وذكر ابن إسحاق أنه - ﷺ - نهض ليعلو صخرة وقد كان تترس وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس طلحة تحته فنهض به حتى استوى عليها، فقال - ﷺ -: «أوجب طلحة حين فعل برسول الله - ﷺ - مافعل» (٢). وسماه النبي - ﷺ -: طلحة الخير وطلحة الجود. روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة. قتل يوم الجمل أتاه سهم لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر خلت من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين، وقيل: --------------- (١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٧، الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٦٩. (٢) رواه الترمذي (١٦٩٢)، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٨، وأحمد ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٢/ ٣٣ (٦٧٠)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٧٨٣). اثنتين وستين. وقيل: ثمان وخمسين. (وقبره) (١) بالبصرة (٢). روى عنه السائب بن يزيد الصحابي وجمع من التابعين، روينا عن عائشة مرفوعًا: «طلحة ممن قضى نحبه، وما بدلوا تبديلا» (٣). فائدة: طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله (اثنان) (٤)، هذا أحدهما، وثانيهما: التيمي (٥)، وكان يسمى أيضًا: طلحة الخير، فأشكل على الناس. فائدة: قد أسلفنا نكتة في سماع جد مالك من طلحة في باب: علامات (المنافق) (٦)، فراجعها. -------------- (١) في (ج): وقبر. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢١٤ - ٢٢٥، «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٢٨ - ٩٣٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٤٤ (٣٠٦٩)، «أسد الغابة» ٣/ ٨٥ (٢٦٢٥)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤١٢ - ٤٢٦، «الإصابة» ٢/ ٢٢٩ (٤٢٦٦). وأثر أبى بكر رواه الطيالسى ١/ ٨ - ٩ (٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٨٧. (٣) رواه الترمذي (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩ (١٣٩٩)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٧٣٩)، «الأوسط» ٥/ ١٧٨ (٥٠٠٠)، والحاكم ٢/ ٤١٥، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩١٦). (٤) في (ج): اسمان. (٥) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٩٠ (٢٦٢٦)، «الإصابة» ٢/ ٢٣٠ (٤٢٦٧). (٦) في (ج): (المنافقين). ثالثها: هذا النجدي هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١) قاله القاضي (٢) مستدلًّا بأن البخاري سماه في حديث الليث، يريد ما أخرجه في باب: القراءة والعرض على المحدث. عن شريك عن أنس قَالَ: بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد. وفيه: ثم قَالَ: أيكم محمد؟ وذكر الحديث (٣). وقال فيه: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. فجعل حديث طلحة هذا وحديث أنس هذا له، وتبعه ابن بطال وغيره (٤). وفيه نظر لتباين ألفاظهما ومساقهما كما نبه عليه القرطبي (٥)، وأيضًا فابن إسحاق فمن بعده كابن سعد وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير حديث أنس (٦). رابعها: في ألفاظه ومعانيه: ﴿حُنَفَاءَ﴾: في الآية -جمع: (حنيف) (٧). وهو: المائل، وقيل: المستقيم. والمراد هنا: المائل عن الشرك وغيره من أنواع الضلالة إلى الإسلام والهداية. ---------------- (١) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ (١٢٧٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٥٧ (٢٥٦٨)، «الإصابة» ٢/ ٢١٠ (٤١٧٧). (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢١٦. (٣) سيأتي برقم (٦٣) كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم .... (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٤٣. (٥) «المفهم» ١/ ١٦٢ - ١٦٥. (٦) «الطبقات» ١/ ٢٩٩، «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥. (٧) في (ف): حنيفة. وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي: دين الملة المستقيمة (١). و(نجد): بلاد معروفة، وهو ما بين جَرْس وسواد الكوفة، وحدّه من الغرب الحجاز. و(ثائر الرأس): منتفش شعر رأسه. و(نسمع) و(نفقه) -بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة- روايتان، والنون أشهر وأكثر وعليها الاعتماد، والدَّوي: بفتح الدال على المشهور، وحكى صاحب «المطالع» ضمها أيضًا، ومعناه: بعده في الهوى وخلوه. أي: بحيث لا يفهم، ولهذا لما دنا فهم كلامه وأنه يسأل عن الإسلام. و(إذا): للمفاجأة، و«تطَوَّع» بتشديد الطاء والواو على إدغام أحد التائين في الطاء، ومنهم من جوَّز تخفيف الطاء على الحذف، والأول هو المشهور. ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. وفي ماضيه لغتان: تطوع، واطوَّع وكلاهما تفعل، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن، فأما المضارع للمخاطب فيجوز فيه: تطَّوَّع بالتشديد على الإدغام، وتتطوع بتائين من غير إدغام، وتطوع بالتخفيف على حذف إحدى التائين، وأي التائين هي المحذوفة فيه خلاف ليس هذا موضعه. والفلاح: الفوز والبقاء. أي: يبقى في النعيم. والعرب تقول لكل من أصاب خيرًا: (مفلح) (٢). قَالَ ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح: إذا أدرك مطلوبه (٣). ---------------------- (١) انظر: «زاد المسير» ٩/ ١٩٩. (٢) في (ج): أفلح. (٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٥٥٥. وقوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَن الإِسْلَامِ). أي: عن شرائعه، كما ذكره البخاري في كتاب: الصيام (١)، بخلاف حديث جبريل فإنه (سأله) (٢) عن حقيقة الإسلام (٣)، وإنما أجابه بها؛ لأنه كان مسلمًا، وكان - ﷺ - فهم عنه أنه إنما سأل عن ما يتعين عليه فعله. ويحتمل أنه سمَّى الأفعال إسلامًا كما سميت إيمانًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم كما مضى في موضعه. خامسها: في فوائده وأحكامه: الأولى: ما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام وموضع الدلالة قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام). فذكر الصوم والصلاة والزكاة وهذا ظاهر في كونها من الإسلام، وهو والإيمان بمعنًى كما سلف. وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فإنه إشارة إلى الصلاة والزكاة. الثانية: أن (الصلوات) (٤) الخمس واجبة على كل مكلف في كل يوم وليلة، وخرج بالمكلف الحائض والنفساء، وكذا الصبي والمجنون، والكافر مكلف بها على المذهب الصحيح أنهم مخاطبون بالفروع كما في التوحيد، وفيه قولٌ ثان: أنهم غير مخاطبين بها، وفيه قول ثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي كالخمر والزنا؛ لأنه يصح منهم تركه دون ------------- (١) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان. (٢) في (ج): سأل. (٣) سبق تخريجه. (٤) في (ف): الصلاة. الأوامر، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الأصول (١). الثالثة: عدم وجوب قيام الليل، وهو إجماع في حق الأمة وكذا في حق سيدنا رسول الله - ﷺ - على الأصح (٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله وقدره. الرابعة: عدم وجوب الوتر (٣) والعيدين (٤)، وهذا مذهب الجمهور فيهما. وقال أبو حنيفة وطائفة: الوتر واجب (٥). وقال الإصطخري من الشافعية: صلاة العيد فرض كفاية (٦). الخامسة: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان (٧)، وهذا مجمع عليه الآن، وكان فيه خلاف في صوم عاشوراء قبل رمضان، فقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا: كان فرضًا. وقال أكثر أصحابنا: كان ندبًا. ------------------ (١) انظر: «تخريج الفروع على الأصول» ص ٩٨ - ٩٩، «التمهيد» للإسنوي ص ١٢٦ - ١٢٧. (٢) انظر «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٥١١ - ٥١٢ (٩٤٩ - ٩٥١). (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٣٣، «روضة الطالبين» ١/ ٣٢٨، «المقنع» ٤/ ١٠٥. (٤) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٧٣، «البيان» ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، «المغني» ٣/ ٢٥٣. وذهب الحنفية إلى وجوب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة. انظر: «الهداية» ١/ ٩٢. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧. (٦) انظر: «البيان» ٢/ ٦٢٥. (٧) انظر: «المحيط البرهاني» ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «المغني» ٤/ ٤٣٨ - ٤٤٢. السادسة: جواز قول: رمضان. من غير ذكر شهر، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب الصيام، حيث ذكره البخاري إن شاء الله تعالى. (السابعة) (١): أنه ليس في المال حق سوى الزكاة. الثامنة: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرته الشريفة ولم ينكر عليه، وقد سلف ما في هذِه المسألة من التفصيل في باب: أحب الدين إلى الله أدومه. التاسعة: اختلف العلماء في قوله - ﷺ -: «إلا أن تَطَوَّعَ» فقال الشافعي وأصحابه وغيرهم ممن يقول لا تلزم النوافل بالشروع: هو استثناء منقطع (تقديره: لكن إن تطوعت فهو خير لك. وهؤلاء يقولون: من شرع في صوم تطوع أو صلاة تطوع استُحِب له إتمامها ولا يجب، بل يجوز قطعهما. وقال آخرون: هو استثناء متصل) (٢). وهؤلاء يقولون: يلزم التطوع بالشروع؛ لأنه الأصل في الاستثناء، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالقياس على حج التطوع وعمرته. العاشرة: قيل: الفلاح في قوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». راجع إلى قوله: (ولا أنقص). خاصة، والأظهر أنه راجع إليه وإلى الزيادة بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذَلِكَ لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. ---------------- (١) من (ف). (٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). الحادية عشرة: إن قُلْتَ: كيف قَالَ: (لا أزيد على هذا) وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيات ولا السنن المندوبات، وأقره الشارع وزاده بقوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»؟. فالجواب: أنه جاء في رواية البخاري في أول كتاب الصيام زيادة توضح ذَلِكَ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ - ﷺ - بشَرَائِعِ الإِسْلَام. فقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ (١). فعلى عموم قوله: بشرائع الإسلام وقوله: مما فرض الله. يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فيحتمل أن هذا كان قبل شرعها، ويحتمل أن المراد أنه لا يزيد في الفرض لتغيير صفته كأنه قَالَ: لا أصلي الظهر خمسًا. وهذا ضعيف جدًا، لأنه قَالَ -فيما أسلفناه-: لا أتطوع. والجواب الصحيح أنه على ظاهره، وأنه أراد أنه لا يُصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض. وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك النوافل (مذمومة) (٢) وترد بها الشهادة إلا أنه غير آثم بل هو مفلح ناج، وإن كان فاعل النوافل أكمل فلاحًا منه. الثانية عشرة: لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في حديث جبريل -عليه السلام- من رواية أبي هريرة (٣)، وكذا غيرهما من الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يذكر في بعضها الإيمان. --------------- (١) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان. (٢) في (ج): مفهومة. (٣) سيأتي قريبًا برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي عن الإيمان … فتفاوتت هذِه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصًا (وإثباتًا وحذفًا) (١). والجواب: أن هذا ليس اختلافًا صادرًا من الشارع، وإنما هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذَلِكَ يشعر بأنه الجميع، فقد بان بما أثبته (غيره) (٢) من الثقات أن ذَلِكَ ليس بالجميع، وإن كان اقتصاره عليه كان لقصور ضبطه؛ ولهذا يختلف نقلهم القضية الواحدة كحديث جبريل، فإنه جاء في رواية عمر إثبات الحج، وفي رواية أبي هريرة حذفها. وقصة النعمان بن قَوْقَل في «صحيح مسلم» (٣) اختلفت الرواة فيها زيادة ونقصًا مع أن راويها واحد وهو جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، ثم لا يمنع هذا كله من ذكر هذِه الروايات في «الصحيح» لما تقرر من مذهب الجمهور أن زيادة الثقة مقبولة، ويحتمل أن الحج لم يكن فُرضَ بَعدُ، فإنه فرض سنة ست أو خمس على المشهور. الثالثة عشرة: قوله - ﷺ -: («أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»). جاء في موضع آخر من البخاري ومسلم: «أفلح وأبيه إن صدق» (٤) وفي أخرى: «أفلَحَ إِنْ صَدَقَ» أو: «دخل الجنة إن صدق» (٥). -------------- (١) من (ج). (٢) من (ف). (٣) مسلم (١٥/ ١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدْخَل به الجنة وأن من تمسك بما أُمِرَ به دخل الجنة. (٤) رواه مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. (٥) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان. وفي الجمع بين هذا وقوله - ﷺ -: «من كان حالفًا فليحلف بالله» (١)، وقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٢) أوجه: أصحها: أن هذا ليس حلفًا إنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المخلوف به ومضاهاته به الله تعالى. ثانيها: أنه يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى. وهو بعيد؛ لأنه (ادعاءٌ للنسخ) (٣) ولا يصار إليه إلا إذا تعذر التأويل وعلمنا التاريخ كما تقرر في فن الأصول وليس هنا واحدًا منهما. ثالثها: أنه على حذف مضاف أي: ورب أبيه، فأضمر ذَلِكَ فيه. قَالَ البيهقي في «سننه»: وغيره لا يُضمِر، بل يذهب فيه (٤). وسمعت بعض مشيختنا يجيب بجوابين آخرين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون الحديث: أفلح والله. فقصر الكاتب اللامين فصارت: وأبيه. ثانيهما: خصوصية ذَلِكَ بالشارع دون غيره، وهذِه دعوى لا برهان عليها، وأغرب القرافي حيث قَالَ: هذِه اللفظة وهي: «وأبيه» اختلف في --------------- (١) سيأتي برقم (٢٦٧٩) كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف؟. (٢) رواه مسلم (١٦٤٦/ ٤) كتاب: الإيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي ٧/ ٤، وابن ماجه (٢٠٩٤)، وأحمد ٢/ ٧. (٣) في (ج): ادعى النسخ. (٤) كذا في (ف)، (ج)، والكلام ناقص، ونصه كما في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٩: وغيره لا يُضْمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه. صحتها، فإنها ليست في «الموطأ»، وإنما (فيه) (١): «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (٢) وهذا عجيب؛ فالزيادة ثابتة لا شك في صحتها ولا مرية. الرابعة عشرة: صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال، لكنه يحتمل أن ذَلِكَ صح عنده بالدليل وإنما أشكلت عليه الأحكام. الخامسة عشرة: استعمال الصدق في خبر المستقبل. وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف في مخالفته في المستقبل (٣). فعلى هذا يكون الصدق في الخبر عن الماضي والوفاء في المستقبل، وهذا الحديث يرد عليه مع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. السادسة عشرة: الرد على المرجئة؛ إذ شَرطَ في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة. ----------------- (١) في (ف): فيها. (٢) «الموطأ» ص ١٢٦. (٣) «أدب الكاتب» ص ٢٨. ٣٥ - باب اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ ٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِّي الَمنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الَحسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجعُ مِن الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الُمؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ. [١٣٢٤، ١٣٢٣، ١٣٢٥ - مسلم ٩٤٥ - فتح: ١/ ١٠٨] ثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، ثنَا رَوْحٌ، ثنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برواته غير من سلف، وهو أبو هريرة والحسن، وهو البصري. وأما محمد فهو ابن سيرين وهو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم البصري التابعي الجليل، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين، وسيرين مولى أنس من سبي عين التمر، وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون. ذكر أبو علي الحافظ: خالدًا بدل: كريمة قَالَ: وأكبرهم معبد وأصغرهم حفصة. قُلْتُ: ومن أولاد سيرين أيضًا عمرة وسودة، قَالَ ابن سعد: أمهما أم ولدٍ كانت لأنس (١). وذكر بعضهم من أولاده: أشعث أيضًا، فهؤلاء عشرة. وروى (محمد، عن يحيى، عن أنس، عن أنس بن مالك) (٢) حديثًا. قَالَ ابن الصلاح: وهذِه غريبة عايا بها بعضهم فقال: ثلاثة إخوة يروي بعضهم عن بعض (٣). وكانه تبع الرامهرمزي فإنه ذكره في «فاصله» كذلك وزاد: ثلاثة إخوة (فقهاء) (٤). وزاد ابن طاهر أخًا رابعًا فيه وهو: معبد بين يحيى وأنس، فاستفد ذَلِكَ. وقد أوضحته في «المقنع في علوم الحديث» (٥). كَاتَبَ أنسُ سيرينَ على عشرين ألف درهم فأدَّاها وعتق. وأم محمد وإخوته صفية مولاة الصديق، طيبها ثلاث من أمهات المؤمنين ودَعَوْنَ لها، وحضر إِمْلاكها ثلاثة عشر بدريًّا، منهم: أبي بن كعب يدعو وهم يُؤَمِّنُون. سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين. قَالَ هشام بن حسان: أدرك ثلاثين صحابيًّا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو أكبر من --------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٣٩. (٢) في (ف): (محمد بن يحيى، عن أنس بن مالك). وهو خطأ، والمثبت من (ج)، وهو الصواب كما سيتضح مما يلي. (٣) «علوم الحديث» ص ٣١٢. (٤) «المحدث الفاصل» ص ٦٢٤ (٩٠٤)، وما بين القوسين من (ف). (٥) «المقنع» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٨. أخيه أنس، وعنه خلق من التابعين: الشعبي وقتادة وأيوب وغيرهم. مات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم (١). وقد أسلفنا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فلهذا قرنه البخاري بمحمد لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه إذن. وأما عوف فهو أبو سهل بن أبي جميلة بندويه الأعرابي -ولم يكن أعرابيًّا- العبدي الهَجَري البصري. سمع (جمعًا) (٢) من كبار التابعين منهم: الحسن، وعنه الأعلام: الثوري وشعبة وغيرهما. وثقته مجمع عليها. وُلد سنة تسع وخمسين، ومات. سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائة. ونسب إلى (التشيع) (٣). وأما روح (ع) فهو أبو محمد روح بن عبادة بن العلائي حسان بن عمرو بن مرثد القيسي البصري. سمع خلقًا من الأعلام أشعث ومالكًا وغيرهما، وعنه أحمد وغيره من الأعلام. قَالَ الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير، وكان ثقة. وقال ابن المديني: نظرت لروح في أكثر من مائة ألف حديث، كتبت منها عشرة آلاف. وقال يحيى بن معين: لا بأس به صدوق. مات سنة خمس ومائتين (٤). ---------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٩٣، «التاريخ الكبير» ١/ ٩٠ (٢٥١)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٤٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٦٠٦ (٢٤٦). (٢) في (ج): خلقا. (٣) في (ج): التشييع، وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٨، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٩٦، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٤٣٧ (٤٥٤٥). (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ترجمة ١٠٥٢، «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٠١، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٠٢، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٣٨ (١٩٣٠) .. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 146 الى صـــ 165 الحلقة (58) وأما أحمد شيخ البخاري فهو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف -بفتح الميم ثم نون ساكنة ثم جيم ثم فاء- السدوسي المنجوفي البصري، سمع ابن مهدي وغيره، وعنه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (١). وأما عثمان المذكور في المتابعة فهو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن جهضم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري العبدي مؤذن جامعها، سمع عوفًا وغيره، وعنه الذهلي وآخرون، وروى البخاري عنه في مواضع، وروى هو والنسائي عن رجل عنه، وروى البخاري عن محمد غير منسوب وهو الذهلي عنه، مات في رجب سنة عشرين ومائتين (٢). الوجه الثاني: قوله: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ) أي: تابع روحًا في الرواية عن عوف، فالهاء عائدة على روح، فالحديث من رواية عثمان رباعي، ومن رواية المنجوفي خماسي، وذكر هذا أولًا؛ لأنه أتم سياقًا؛ ولهذا قَالَ: تابعه عثمان نحوه. الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: الجنازة -بفتح الجيم وكسرها-: اسم للميت وللسرير أيضًا، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت. وقيل: عكسه. مشتقة من جنز إذا ستر. -------------------- (١) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١/ ٣٦٥ (٥٨). (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ الترجمة ٢٣٣٠، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٤٥٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٠٢ (٣٨٦٩). ومعنى: اتبعها: مشى معها وحضرها. يُقال: تبعت الشيء تبعًا وتباعة -بفتح التاء- وتبع وأتْبَع (واتَّبع) (١) واحد، وقيل: أتْبعه: لحقه ومشى خلفه، واتَّبعه: حذا حذوه. وتقدم تفسير قوله: («إيمانًا واحتسابًا»)، وقوله: («ويُفْرَغ») هو بضم أوله وفتح ثالثه وهو أعم. والقيراط: اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير، بيَّن في هذا الحديث أنه مثل أُحُد، وفي رواية للحاكم: «القيراط أعظم من أُحُد» ثم قَالَ: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٢). وفي رواية للحاكم من حديث أُبي بن كعب مرفوعًا: «والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» (٣) في إسناده الحجاج بن أرطاة، (حالته) (٤) معلومة. وفي «السنن الصحاح المأثورة» (٥) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من أوذن بجنازة فأتى (أهلها) (٦) فعزاهم كتب الله له قيراطًا، فإن شيَّعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد --------------------- (١) من (ف). (٢)»المستدرك«٣/ ٥١٠ - ٥١١. (٣) الحديث ليس في»المستدرك«، وهو بنصه عند أحمد ٥/ ١٣١ من حديث أبي بن كعب، وكذا عزاه لأحمد المصنف في»شرح العمدة«٤/ ٥٣٠، ورواه ابن ماجه (١٥٤١)، والضياء في»المختارة«(١١٦٧)، (١١٧٠) وليس فيه موضع الشاهد، والحديث فيه الحجاج بن أرطاة وحالته معروفة كما قال المصنف. قال البوصيري في»زوائد ابن ماجه" (٥١٤): إسناد حديث ابي بن كعب ضعيف لتدليس حجاج بن أرطاة. (٤) في (ج): حاله. (٥) للحافظ ابن السكن. (٦) في (ف): لها. دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد» (١). الوجه الرابع: في أحكامه وفوائده: الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه. وسيأتي بسط هذا كله في موضعه إن شاء الله تعالى وقدره. قَالَ أبو الزناد: حضَّ الشارع على التواصل في الجنازة بقوله: «صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك» (٢)، و«لا تقاطعوا ولا تدابروا» (٣) وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له. قُلْتُ: والتشييع من حقوق المسلم على المسلم. كما أخرجه الترمذي من حديث (…) (٤): «للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا ---------------- (١) رواه ابن حبان في»المجروحين«٣/ ٤٠ - ٤١ مرفوعًا. ورواه أبو يعلى في»مسنده«١١/ ٣٣٦ (٦٤٥٣) موقوفًا على أبي هريرة بألفاظ مختلفة وإسنادهما ضعيف؛ لضعف معدي بن سليمان، ومعدي بن سليمان قال فيه ابن حبان: كان ممن يروي المقلوبات عن الثقات، والملزقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، يحدث عن ابن عجلان بمناكير. وضعفه النسائى. انظر:»الجرح والتعديل«٨/ ٤٣٨ (١٩٩٧)،»التقريب«(٦٧٨٨). (٢) رواه أحمد ٤/ ١٤٨، ١٥٨، والطبراني ١٧/ ٢٧٠ (٧٤٠)، وابن عدي في»الكامل«٦/ ٢٨١، والحاكم ٤/ ١٦١ - ١٦٢، وقال الهيثمي في»المجمع«٨/ ١٨٨: رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وصححه الألباني في»الصحيحة" (٨٩١). (٣) سيأتي برقم (٦٠٦٥) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ورواه مسلم (٢٥٥٩/ ٢٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم التحاسد … (٤) بياض في (ج)، (ف) بمقدار كلمة قد تكون اسم راوي الحديث وهو عليٌّ. مرض، ويشيع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه» (١). الثانية: القيراط الأول يحصل بالصلاة إذا انفردت، فإن ضُمّ إليها اتِّباعه وحضوره حتى يفرغ من دفنه حصل له قيراط ثان. ولا يقال: يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة كما قد يتوهم من ظاهر بعض الأحاديث، فالمطلق والمجمل محمول على هذا المصرح، وممن صرح بحصولهما فقط أبو الحسن علي بن عمر القزويني (٢) وابن الصباغ، من أصحابنا. قَالَ -أعني: ابن الصباغ-: وأما رواية: «ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» (٣) (فمعناها) (٤): فمن تبعها حتى تدفن فله تمام قيراطين بالمجموع، قَالَ: ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، (أي: تمام أربعة) (٥). ثم قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٦). ----------------- (١) الترمذي (٢٧٣٦)، ورواه ابن ماجه (١٤٣٣)، والدارمي ٣/ ١٧٢٠ (٢٦٧٥) وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١١٧٩): صحيح دون زيادة «ويحب له ..» وهي ثابتة في حديث آخر. (٢) هو الإمام العارف شيخ العراق أبو الحسن عليّ بن عمر بن محمد، المعروف بابن القزويني البغدادي الحربي الزاهد. مات ابن القزويني في ليلة الأحد لخمس خلون من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤٣، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٠٩ - ٦١٣، «طبقات الشافعية الكبرى» ٥/ ٢٦٠ - ٢٦٦. (٣) سيأتي برقم (١٣٢٣) كتاب: الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز، ورواه مسلم (٩٤٥/ ٥٢) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة. (٤) في (ف): فمعناه. (٥) من (ف). (٦) انظر كلام ابن الصباغ في «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦. الثالثة: في (الدفن الذي يحصل به) (١) القيراط الثاني وجهان: أصحهما: بالفراغ منه. أي: من تسوية القبر، والثاني: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يُلْق عليه التراب. وفي وجه ثالث بعيد أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، ورواية مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (٢) تدل عليه، لكنها تؤول بالفراغ من الدفن جمعًا بين الروايتين، وسيكون لنا عودة -إن شاء الله تعالى- إلى هذا الموضع في بابه. الرابعة: الحديث (دلَّ) (٣) على أن حصول القيراطين إذا اتَّبعها وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها، ومن سبقها إلى الصلاة أو إلى القبر فأجره دون ذَلِكَ؛ لأنه ليس معها (٤). وكره أشهب اتِّباعها والرجوع قبل الصلاة. الخامسة: حكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا ينصرف بعد الدفن إلا بإذن، وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه. ------------------ (١) من (ج). (٢) (٩٤٥) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. (٣) في (ج): دال. (٤) وجد بهامش (ف) تعليق نصه: قال الكرماني: وهذا -يعني القيراط- لا يحصل من الصلاة فقط بل لابد أن يكون معه ومتبعًا له بقرينة (يرجع)، إذ الرجوع عنه مسبوق بالذهاب معه، أو بقرينة ما تقدم. ثم قال عن النووي: في الحديث تنبيه على أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة، وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة، والله أعلم. انتهى. انظر: «البخاري بشرح الكرماني» ١/ ١٨٥ - ١٨٦، وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٧/ ١٤. السادسة: قد يستدل بلفظ الاتباع من يرى أن المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، والجمهور على خلافه، وبه قَالَ باقي الأئمة الأربعة (٢)، وقال الثوري وطائفة: هما سواء (٣). ولا فرق عندنا بين الراكب والماشي، خلافًا للثوري، حيث قَالَ: إن الراكب يكون خلفها (٤). وتبعه الرافعي في «شرح المسند» (٥)، وكانه قلد الخطابي؛ فإنه كذا ادعى (٦). وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة (٧)، وقال به من المالكية أيضًا أبو مصعب (٨). السابعة: الحديث دالٌّ على أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا، فإنّ حضورها على ثلاثة أقسام: احتساب، ومكافاة، ومخافة. والأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر، والثاني: لا يبعد ذَلِكَ في حقه، والثالث: الله أعلم بما فيه. الثامنة: إنما كان الجزاء بالقيراط دون غيره؛ لأنه أقلُّ مقابلٍ عادةً، وإنما خص بأُحُدٍ؛ لأنه أعظم جبال المدينة، والشارع كان يحبه وهو يحبه. --------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٠٤، «المحيط البرهاني» ٣/ ٧. (٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٥، و«البيان» ٣/ ٩٠ - ٩١، و(المغني«٣/ ٣٩٧. (٣) انظر:»التمهيد«٣/ ٩١. (٤) انظر:»البيان«٣/ ٩٠ - ٩١. (٥)»شرح مسند الشافعي«حديث (١٦١٥). (٦)»معالم السنن«١/ ٢٦٨. (٧)»المستدرك«١/ ٣٦٣ ونصه:»الراكب خلف الجنازة، والماشي قريبًا منها، والطفل يصلى عليه«. (٨) انظر:»الذخيرة" ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦. التاسعة: وجوب الصلاة على الميت ودفنه وهو إجماع. العاشرة: الحض على (الاجتماع) (١) لهما والتنبيه على عظم ثوابهما وهي مما خصت بها هذِه الأمة، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه. ------------------- (١) في (ج): الإجماع. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٥٣٩. ٣٦ - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. [فتح: ١/ ١٠٩] ٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا وَائِلٍ عَنِ الُمرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». [٦٠٤٤، ٧٠٧٦ - مسلم: ٦٤ - فتح: ١/ ١١٠] ٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُون خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ». [٢٠٢٣، ٦٠٤٩ - فتح: ١/ ١١٣] المراد بالحبط: نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر ويخرج عن الملة إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر. وأما حديث: «الشرك فيكم أخفي من دبيب النمل» (١) المراد به: الرياء لا الكفر، كما نبه عليه ابن بطال (٢). قَالَ البخاري رحمه الله: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - كلّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُول: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِن، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِق. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، ثنَا شعْبَة، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَان وَفُلَان فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ». --------------- (١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٣٥٦٦)، الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٩١، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٢٥٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٢٣: رواه البزار وفيه عبد الأعلى بن أعين وهو ضعيف. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٢، ١١٣. الكلام عَلَى ذَلِكَ من وجوه: الأول: في تخريج هذِه الآثار التي ذكرها البخاري معلقة. أما أثر إبراهيم فأخرجه أبو القاسم اللالكائي في «سننه» بإسناد جيد عن القاسم بن جعفر. (أنا) (١) محمد بن أحمد بن حماد، ثنا العباس بن عبد الله، ثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن أبي حيان، عن إبراهيم به (٢). وأما أثر ابن أبي مليكة فأخرجه (…) (٣). وأما أثر الحسن فأخرجه الفريابي عن قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن (٤)، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. قَالَ: وحَدَّثنَا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، ثنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن: والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه. وثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول: إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هَمٌّ غير النفاق. ----------------- (١) في (ف): أبنا. (٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٤/ ٩٢٩ (١٥٨٠). (٣) بياض بالأصل، والتعليق وصله ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٢١ (٦٥١)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٦٨٨). (٤) رواه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٦٣٤ (٦٨٧). وحَدَّثنَا هشام بن عمار، ثنا أسد بن موسى، عن أبي الأشهب، عن الحسن: لما ذُكِرَ أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه. وثنا هشام، ثنا أسد بن موسى، ثنا محمد بن سليمان قَالَ: سأل أبان الحسن فقال: تخاف النفاق؟ (قال) (١): وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب. وثنا (شيبان، ثنا أبو الأشهب) (٢)، عن طريف قَالَ: قُلْتُ للحسن: إن ناسًا يزعمون ألا نفاق أو لا يخافون (النفاق) (٣) شك أبو الأشهب فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إليَّ من طلاع الأرض ذهبًا (٤). الوجه الثاني: الحديث الأول أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن محمد بن بكار وعون بن سلام قالا: ثنا محمد بن طلحة، وثنا محمد بن المثنى، (ثنا غندر) (٥)، ثنا شعبة، وثنا ابن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، كلهم عن زبيد، عن أبي وائل (٦). ---------------- (١) من (ج). (٢) في (ف): شهاب بن الأشهب. وفي (ج): شهاب ثنا ابن الأشهب. وكلاهما خطأ والمثبت هو الصواب كما في «صفة المنافق». (٣) من (ج). (٤) انظر هذِه الآثار في «صفة المنافق» للفريابي ص ٧١ - ٧٣. (٥) في (ف)، (ج): وثنا غندر، وهو خطأ والمثبت من «صحيح مسلم». (٦) برقم (٦٤) كتاب: الإيمان، باب: بيان قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». والحديث الثاني أخرجه البخاري هنا عن قتيبة كما سقناه وفي الصوم (١) عن أبي موسى، عن خالد بن الحارث، وفي الأدب (٢) عن مسدد، عن بشر بن المفضل ثلاثتهم عن حميد به. الوجه الثالث: في التعريف برواتهما: وقد سلف منهم التعريف بعبد الله، وهو ابن مسعود، وعبادة وأنس وشعبة وإسماعيل بن جعفر وقتيبة. وأما أبو وائل الراوي عن عبد الله فهو شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، كوفي تابعي، أدرك زمن رسول الله - ﷺ - ولم يره، قَالَ: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية. وقَالَ: كنت قبل. مبعث النبي - ﷺ - ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي. وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًّا وابن مسعود وعمارًا وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه خلق من التابعين وغيرهم. وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وهو من أجَلِّ أصحاب ابن مسعود، وكان ابن مسعود يثني عليه، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال الواقدي وأبو نعيم: في خلافة عمر بن عبد العزيز. وفي «الكمال» أنه توفي سنة سبع وتسعين -وعلى سبع عَلامَةُ إِصْلاحٍ- وقال النووي في (شرحه) (٣) في القطعة التي (له) (٤) على هذا الكتاب: مات سنة مائة. ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٠٢٣) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر؛ لتلاحي الناس. (٢) سيأتي برقم (٦٠٤٩) باب: ما ينهى من السباب واللعن. (٣) من (ج). (٤) من (ف). وقيل: سنة تسع وتسعين، وهو ماش على قول الواقدي وأبي نعيم السالفين، فإن عمر بن عبد العزيز مات سنة إحدى ومائة في رجب. وقيل: سنة اثنتين ومائة، وكانت خلافته سنتين ونصفًا. وقيل: سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا (١). وأما زُبَيد الراوي عنه فهو -بزاي مضمومة ثم باء موحدة ثم مثناة تحت- بن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله اليامي بمثناة تحت، جد القبيلة، بطن من همدان- ويقال: الأيامي الكوفي، روى عن أبي وائل وجمع من التابعين، وعنه: الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة (٢). فائدة: في الصحيحين زُبيد بضم الزاي ثم موحدة إلا هذا، كما سلف التنبيه عليه في الفصول السالفة. وأما زبيد بن الصلت (٣): فليس له ذكر فيهما، ذاك في «الموطأ». وأما محمد (خ. م. د) بن عَرْعَرة الراوي عن شعبة فهو بفتح العينين المهملتين، وبالراء المكررة الأولى ساكنة، وهو أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله محمد بن عرعرة بن البِرِند -بموحدة ثم راء مكسورتين، ويقال بفتحهما، والأول أصح وأشهر، ثم نون ثم دال مهملة- ---------------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٩٦، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٥ (٢٦٨١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٤٨ (٢٧٦٧). (٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٠٩، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٥٠ (١٤٩٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٢٣ (٢٨١٨)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٨٩ (١٩٥٧). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤٧ (١٤٩٦)، «ثقات ابن حبان» ٤/ ٢٧٠. (ابن النعمان) (١) القرشي السامي -بالسين المهملة- (ولد) (٢) سامة بن لؤي بن غالب البصري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة. قَالَ شيخنا قطب الدين في «شرحه»: انفرد به البخاري عن مسلم. قُلْتُ: لا، فقد روى له معه، وكذا أبو داود. كما نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي في «تهذيبه» (٣). وأما حميد الراوي عن أنس فهو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد تِير -ويقال: تِيرويه، بكسر المثناة فوق. ويقال: غير ذَلِكَ- الخزاعي البصري مولى طلحة الطَّلْحات، سمع أنسًا وغيره من التابعين، وعنه يحيى الأنصاري وغيره من الأعلام. وحميد هذا هو الطويل (تمييزًا له) (٤)، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له ذَلِكَ. وقال الأصمعي: لم يكن بذاك الطويل لكن كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير. فقيل: حميد الطويل تمييزًا له. وقال البخاري عن الأصمعي: رأيتُه ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة عن خمس وسبعين سنة. وقيل: سنة اثنتين وأربعين. وقيل: سنة أربعين (٥). ----------------- (١) من (ج). (٢) في (ف): وله. (٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٣ (٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠ (٢٣٠)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٠٨ (٥٤٦٣). (٤) من (ج). (٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٢ (٢٧٠٤)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٩ (٩٦١)، «تهذيب الكمال» ٣٥٥/ ٧. فصل: وقع في أوائل الباب ذكر إبراهيم التيمي وعبد الله بن أبي مليكة والحسن. أما إبراهيم فهو ابن يزيد بن شريك التيمي -تيم الرباب- الكوفي أبو أسماء. روى عن أنس وغيره، وعنه الثوري وغيره، قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي فوقع الرسول به فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال: أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء الساحة فصبر في السجن حتى مات. وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ قتله الحجاج. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ومن غرائبه ما رواه الأعمش عنه: إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل. مات سنة اثنتين وتسعين ولم يبلغ أربعين سنة (١). فائدة: تيم الرباب: بكسر الراء، قَالَ الحازمي: وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة، وقال معمر بن المثنى: هو ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل: سموا به، لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه. قَالَ الحازمي: هذا قول ابن الكلبي، وقال غيره: سموا به؛ لأنهم ترببوا، أي: تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة. --------------------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٨٥، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٤٥ (٤٧٤)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٣٢ (٢٦٤). وأما ابن أبي مليكة فهو عبد الله بن (عبيد الله) (١) بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن (عمر) (٢) بن كعب بن تيم بن مرة القرشي، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا. جلالته متفق عليها. سمع العبادلة، ومات سنة سبع عشرة ومائة (٣). وأما الحسن فهو البصري، وقد تقدم حاله (٤). الوجه الرابع: فيما فيه من المبهمات: الرجلان المذكوران في قوله: (فتلاحى رجلان). مكثت مدة فلم أعثر على من سماهما إلى أن رأيت ابن دحية في كتابه «العَلَم المشهور». قَالَ: هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد. قُلْتُ: وحديثهما ذكره البخاري في الخصومات (٥) وغيره كما ستعلمه. الوجه الخامس: في ألفاظه ومعانيه: معنى قول إبراهيم التيمي أنه خشي أن يكون قصر في العمل، وكذا ينبغي أن تغلب الخشية المؤمن، كما قَالَ الحسن: ما خافه إلا مؤمن. وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في عمله. فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ ------------------ (١) في (ف): عبيد. (٢) في (ج): عمرو. (٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٧٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٧ (٤١٢)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٥٦ (٣٤٥٥). (٤) سبقت ترجمته في حديث (٣١). (٥) سيأتي برقم (٢٤١٨) باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض. ﴿تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف:٢ - ٣]. وهذا على المختار في ضبط قوله: (مكذبًا) أنه بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها. ومعناه: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا قولي ويقول: لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل. ومعنى قول ابن أبي مليكة عن الصحابة: (أنهم) (١) خافوا أن يكونوا في جملة من داهن ونافق. قَالَ ابن بطال: وإنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا (٢). وروي عن عائشة أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: «هم الذين يُصلُّون ويصومون ويتصدقون ويَفْرَقون أن لا تقبل منهم» (٣). وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] أعمال كانوا يحسبونها (حسنات) (٤) بُدِّلت سيئات وقوله: (ما منهم من يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل) هو على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، (فإنّ) (٥) إيمان جبريل وميكائيل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة. وقول الحسن: (مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ). يعني: الله تعالى، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ------------------- (١) من (ج). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٩. (٣) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحميدي ١/ ٢٩٨ (٢٧٧)، وأبو يعلى ٨/ ٣١٥ (٤٩١٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٢). (٤) من (ج). (٥) في (ف). وأن. ﴿جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ونظائره كثيرة. والسب في اللغة: الشتم والتكلم في العرض بما يعيبه (١). والفسق: الخروج لغة، وشرعًا: الخروج عن الطاعة (٢). وقوله: («وقتاله كفر») لابد من تأويله فإن قتاله بغير حق لا يخرجه عن الملة عند أهل الحق ولا يكفر به، وفيه أقوال: أصحها: أن المراد به (كفران) (٣) الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على أخيه كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة منها: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٤) الحديث. فإذا قاتله فقد كفر تلك الحقوق. ثانيها: أن المراد به: من استحله (من غير) (٥) موجب ولا تأويل. أشار إليه الخطابي (٦) وهو محتمل على بُعد، والأصح الأول وبه يحصل الزجر عن انتهاك حرمات المسلمين فهو أكثر فائدة. ثالثها: أنه شابه فعل الكفار. رابعها: أن المراد بالمقاتلة: المشادة والتناول باليد والتطاول عليه. قَالَ ابن بطال: العرب تسمي المشادة: المقاتلة. كما قَالَ - ﷺ - في المار -------------------- (١) انظر: «لسان العرب» ٤/ ١٩٠٩. (٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٧٢١ مادة: (فسق). (٣) في (ف): كفر. (٤) رواه مسلم (٢٥٦٤/ ٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله. (٥) في (ج): بغير. (٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٦. بين يدي المصلي: «فليقاتله» (١) أي: فليدفعه بالقوة ولم يرد قتله (٢). وإيراد البخاري حديث التلاحي في الباب رمز إلى هذا المعنى، وقد ترجم عليه في كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣). وقد سلف أيضًا باب: كفر دون كفر وذكر كفران العشير، ثم هذا كله فيمق لا تأويل (له) (٤) (أما) (٥) المتأول فلا يكفر ولا يفسق كالبغاة والخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقال عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنق هذا المنافق (٦). فلم ينكر عليه - ﷺ - لما كان فعل حاطب يشبه فعل المنافقين، وكما قَالَ معاذ للمنصرف من الصلاة: نافقت (٧). وأشباه ذَلِكَ. والمرجئة -بضم الميم، وجيم ثم همزة- مشتقة من الإرجاء، وهو التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخره، والمرجئ مَنْ أخر العمل عن الإيمان، وقيل: من الرجاء: لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل: من الإرجاء، بمعنى: تأخير حكم الكبيرة، فلا يقضى بها بحكم في الدنيا، وهم أضداد الخوارج والمعتزلة. -------------------- (١) رواه مسلم (٥٠٦) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلى. (٢) «ابن بطال» ١/ ١١١ بتصرف. (٣) سيأتي برقم (٧٠٧٧) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارا …». (٤) في (ج): معه. (٥) في (ف): إنما. (٦) سيأتي برقم (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس. (٧) رواه مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء. فالخوارج تكفر بالذنب، والمعتزلة يفسقون به وكلهم يوجب الخلود في النار. والمرجئة تقول: لا يضر الذنب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره. ومنهم من يقول: لابد مع ذَلِكَ من الإقرار باللسان حكاه القاضي، ومنهم من وافق القدرية كالخالدي (١)، ومنهم من لم يوافقهم وهم خمس فرق كفر بعضهم (بعضًا) (٢)، وهؤلاء هم مراد البخاري في الرد عليهم. وقوله: (فَتَلَاحَى رَجُلَانِ). أي: تخاصما وتنازعا. والملاحاة: المخاصمة والمنازعة والسباب، والاسم اللِّحاء مكسور ممدود. وجاء في رواية لمسلم: «يحْتَقَّان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها» (٣) أي: يطلب كل منهما حقه ويدعي أنه محق في دعواه. ومعنى «رُفِعَت»: رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة بدليل قو له: «التمسوها». وقوله: («الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ») كذا هو في أكثر النسخ بتقديم السبع على التسع وفي بعضها تقديم التسع. ----------------- (١) ذكره الشهرستاني في «الملل والنحل» ص ١٣٩. (٢) من (ج). وذكر البغدادي في «الفَرق بين الفِرق» ص ٢٠٢ أن المرجئة ثلاثة أصناف: منهم من قال بالإرجاء في الإيمان والقدر على مذاهب القدرية المعتزلة كغيلان وأبي شمر، ومنهم من قال بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، ومنهم خارجون عن الجبرية والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق: اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. ثم قال: والفرق الخمس التي ذكرناها من المرجئة تضلل كل فرقة منها أختها ويضللها سائر الفرق. اهـ. (٣) مسلم (١١٦٧/ ٢١٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 166 الى صـــ 185 الحلقة (59) الوجه السادس: في أحكامه: الأول: مقصود البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعمالهم بشيء من الذنوب، وإن إيمان العاصي والمطيع سواء. فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين وما نقلوه عن الصحابة، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم في هذا، وأنهم مع اجتهادهم وفضلهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من العذاب، وبهذا المعنى استدل أبو وائل لما سأله (١) عن المرجئة: أمصيبون أم مخطئون في قولهم: إن سباب المسلم وقتاله وغير ذَلِكَ لا يضر إيمانهم؟ فروى حديث: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وأراد أبو وائل الإنكار عليهم وإبطال قولهم المخالف لصريح الحديث. الثاني: أدخل البخاري حديث عبادة في هذا الباب-والله أعلم-؛ لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحِيهما ورفعهما الصوت بحضرة الشارع، ففيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها. الثالث: حرمة سب المسلم، وهو حرام بغير حق بالإجماع وفاعله فاسق. الرابع: ذم المخاصمة والمنازعة وأنها سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذِه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة. لكن في قوله: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا» بعض التأنيس لهم. -------------- (١) أي: زُبَيد. كما في حديث الباب. الخامس: اختلفت الأحاديث في سبب النسيان، ففي حديث عبادة هذا أن سببه التلاحي، وفي «صحيح مسلم» في حديث أبي هريرة: «فجاء رجلان يحتقان» (١). كما سلف، فيحتمل أن السبب المجموع. وسيأتي الكلام في ليلة القدر في كتاب: الاعتكاف، حيث ذكره البخاري إن شاء الله (٢). -------------- (١) سبق تخريجه. (٢) ورد في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على … وسمعه الصفدي … والبستاني .... ٣٧ - باب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِىَّ - ﷺ - عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّىَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللهُ». ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. [٤٧٧٧ - مسلم:٩،١٠ - فتح: ١/ ١١٤] ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَّنكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ». ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن مسدد كما ترى، وفي الزكاة مختصرًا عن محمد بن عبد الرحيم، عن عقيل، عن وهيب، عن أبي حيان [وعن مسدد، عن يحيى، عن أبي حيان] (١) به (٢)، وفي التفسير عن إسحاق، عن جرير (٣). وأخرجه مسلم هنا عن أبي بكر وزهير، عن ابن علية (٤)، وعن ابن نمير عن ابن بشرٍ (٥)، وعن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان، عن وهيب (٦)، كلهم عن أبي حيان، وعن زهير، عن جرير، (عن ------------------ (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ف). (٢) سيأتي برقم (١٣٩٧) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة. (٣) سيأتي برقم (٤٧٧٧) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. (٤) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان … (٥) مسلم (٩/ ٦). (٦) مسلم (١٤/ ١٥). عمارة) (١)، كلاهما عن أبي زرعة (٢). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا غير أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي -تيم الرباب-. سمع أباه والشعبي وغيرهما، وعنه أيوب والأعمش، وهما تابعيان وليس هو بتابعي، وجماعات من الأعلام، واتفقوا على الثناء عليه وتوثيقه (٣). وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية. وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو كما سلف. ثالثها: هذا الحديث مشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة راجعة إليه والأحكام منطبقة عليه، فلنذكر نبذًا منه: الأولى: البروز: الظهور، فمعنى (كان بارزًا): ظاهرًا لهم جالسًا معهم. قَالَ ابن سيده: بَرَزَ يبرز بروزًا: خرج إلى البَرَاز -وهو الفضاء- وبَرزَه إليه وأبرزه، وكل ما ظهر بعد خفاء فقد بَرَز (٤). ------------------ (١) من (ف). (٢) مسلم (١٠/ ٧). (٣) انظر ترجمة أبي حيان في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣٥٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٦ (٢٩٨١)، «معرفه الثقات» للعجلي ٢/ ٣٥٢ (١٩٧٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٤٩ (٦٢٢)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٥٩٢، «الكاشف» ٢/ ٣٦٦ (٦١٧٣). (٤) «المحكم»: ٩/ ٣٢ - ٣٣. قَالَ تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. قَالَ الهروي: ظاهرة ليس فيها مُسْتَظَل ولا منقبًا. وحكى صاحب «الواعي» عن «أفعال ابن طريف»: برز الشيء برزًا (ولم أره) (١) فيها. الثانية: اختلف في الجمع بين الإيمان باللقاء والبعث، فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإن أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، ولا يدري الإنسان ما يختم له. الثالثة: رواية مسلم: البعث الآخِر (٢) -بكسر الخاء المعجمة- وقيده بذلك مبالغة في الإيضاح لشدة الاهتمام به. وقيل: إن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر إلى المحشر بعث من الأرض. فَقُيِّد البعث بالآخِر؛ ليتميز. الرابعة: العبادة: الطاعة مع خضوع، وتذلل قَالَ الهروي: يُقال: طريق معبَّد. إذا كان مذللًا للسالكين، وكل من دان لملك فهو عابد له. وفي «المحكَم»: عبد الله تعالى يعبده، ويعبُدُه عِبَادةً (ومعبَدة ومعبُدة) (٣): تألَّه له (٤). وفي «الصحاح»: التَّعَبُّد: التنسك (٥). فيحتمل أن يكون المراد هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته، --------------------- (١) في (ف): برازة. (٢) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله. (٣) في (ف): مَعْبُدة، وفي «المحكم»: ومَعْبَدًا ومَعْبَدَة. (٤) «المحكم» ٢/ ٢٠. (٥) «الصحاح» ٢/ ٥٠٣ مادة: (عبد). ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها؛ لإدخالها في الإسلام؛ لأنها لم تكن دخلت في لفظ العبادة، واقتصر على هذِه الثلاث؛ لكونها من أظهر شعائر الإسلام وأركانه، والباقي مُلحق بها، وترك الحج إما لأنه لم يفرض إذن، أو أن بعض الرواة لم يجوده وأسقطه. ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة: الطاعة مطلقًا كما هو حَدُّها ومقتضى إطلاقها، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها. وعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على شرفه ومزيته كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ونظائره. الخامسة: الإيمان (بالله) (١): هو التصديق بوجوده تعالى وأنه لا يجوز عليه العدم، (وأنه) (٢) تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة (٣)، وأنه تعالى مُنزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك ----------------- (١) من (ج). (٢) في (ف): والله. (٣) ما ذكره المصنف من أن الله تعالى متصف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة هو مذهب الأشاعرة، فهم يثبتون لله تعالى سبع صفات فقط والباقي ينكرونه تحريفًا لا تكذيبًا وهذِه الصفات السبع مجموعة في قول السفاريني: له الحياة والكلام والبصر … سمع إرادة وعلم واقتدار فآمنوا ببعض الصفات وأنكروا الباقي، وهذا مذهب باطل مردود، وأما مذهب أهل السنة -كما سوف يمر معك مرارًا- الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله - ﷺ - فيما صح عنه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف وتمثيل، على ما يليق به -سبحانه وتعالى-، مصداقًا لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. الصفات، وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء. السادسة: في «صحيح البخاري» في كتاب: التفسير (١)، ومسلم هنا زيا دة: «وكتبه». بعد: «وملائكته» وفي بعضها: «وكتابه» (٢). والإيمان بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله ومن عنده، وأن ما تضمنته حق وأن الله تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بأحكامها وفهم معانيها. السابعة: (الملائكة) جمع: مَلَك. فقيل: لا اشتقاق له. وقيل: وزنه فعل. وقيل: مفعل من لاك أي: أرسل. وقيل: مأخوذة من الألوكة التي هي الرسالة، فأصله على هذا: مالك؛ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: (ملأك) (٣). وقيل: هو مثل سمأل. الثامنة: يجب الإيمان بجميع ملائكة الله تعالى، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل وجب الإيمان به، ومن لم يثبت آمنَّا به إجمالًا، وكذلك الأنبياء والرسل، وما ثبت من ذَلِكَ بالنص والتواتر كَفَرَ مَنْ يَكْفُر به. التاسعة: الإيمان برسل الله هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بَلّغوا عن الله رسالته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم. ------------------ (١) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. (٢) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله. (٣) في (ف): أملاك، وهو خطأ. العاشرة: قوله: («وَلَا تُشْرِكَ بِهِ»). وفي مسلم: «لا تشرك به شيئًا» (١). إنما ذكر بعد العبادة؛ لأن الكفار كانوا يأتون بصورة عبادة الله تعالى في بعض الأشياء، ويعبدون الأوثان وغيرها يزعمون أنها شركاء فنفي هذا. الحادية عشرة: جاء هنا وفي كتاب التفسير (٢): «تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ»، وجاء في حديث ابن عمر في مسلم فيه: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٣) فكان أبا هريرة نقل الحديث بالمعنى، وابن عمر نقله باللفظ. الثانية عشرة: جاء في حديث ابن عمر: «ويحج البيت» ولم يأت في رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله، وقد سلف الجواب عنه قريبًا (٤). الثالثة عشرة: المراد بإقامة الصلاة فعلها بحدودها، وقَيَّدَها في رواية مسلم بالمكتوبة تبركًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وقد اشتهر في غير ما حديث صحيح تسميتها مكتوبة كقوله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٥) و"خمس صلوات كتبهن الله ---------------- (١) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله. (٢) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. (٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان … (٤) انظر ٣/ ١٤٠. (٥) مسلم (٧١٠/ ٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي ٢/ ١١٦ - ١١٧، وابن ماجه (١١٥١)، وأحمد ٢/ ٥١٧. (على العبد) (١)» (٢) و«أفضل الصلاة بعد المكتوبة» (٣). فيحتمل تقييدها بالمكتوبة؛ للاحتراز من النافلة، فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه، ويحتمل أن تكون لمراعاة الأدب مع لفظ القرآن، وكان - ﷺ - يُلازم هذا الأدب كما هو مشهور في الأحاديث، ومنها تنكيره المقام في قوله: «وابعثه مقامًا محمودًا» (٤) وهو معين؛ لتوافق الآية وهي مقامًا محمودًا. الرابعة عشرة: تقييد الزكاة بالمفروضة لتخرج صدقة التطوع؛ فإنها زكاة لغوية. وقيل: للاحتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة وليست مفروضة الآن. الخامسة عشرة: إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد. فقال في الأولى: المكتوبة، وفي الثانية: المفروضة للبلاغة. السادسة عشرة: جواز قول القائل رمضان من غير إضافة لفظِ الشهرِ إليه، وهو الصواب. السابعة عشرة: الإحسان مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، وهو بمعنيين: --------------- (١) من (ج). (٢) رواه أبو داود (١٤٢٠) وابن ماجه (١٤٠١)، وعبد الرزاق ٣/ ٥ - ٦ (٤٥٧٥)، وابن حبان ٥/ ٢٣ (١٧٣٢)، والبيهقي ١/ ٣٦١، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٠). (٣) رواه مسلم (١١٦٣، ٢٠٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صيام المحرم، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي ٣/ ٢٠٧، وأحمد ٢/ ٣٤٢، وأبو يعلى ١١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٦٣٩٥)، والبيهقي ٤/ ٢٩١. (٤) سيأتي برقم (٦١٤) كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند النداء. أحدهما: متعد بنفسه، كأحسنت كذا وحسنته: إذا أكملته، منقول بالهمزة من حسن الشيء. والثاني: متعد بحرف الجر، كأحسنت إليه: إذا أوصلت إليه النفع، والإحسان في هذا الحديث بالمعنى الأول؛ فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله ومراقبته. فمعنى: «تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أن تعبد عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئًا من الخضوع والخشوع والإخلاص وحِفْظِ القلب والجوارح، ومراعاةِ الآداب الظاهرة والباطنة مادمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر وإنما تراعي الآداب المذكورة إذا رأيته ورآك؛ لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك. وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ومراقبة الله تعالى في جميع أنواعها مع قيام الخشوع والخضوع والحضور. فحال من غلب عليه مشاهدة الحق كأنه يراه. ولعل هذِه الحالة هي المشار إليها بقوله - ﷺ -: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١). والثاني: حال من يغلب عليه اطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ [الشعراء: ٢١٨]. ------------------- 0(١) رواه النسائي ٧/ ٦٢، وأحمد ٣/ ١٢٨، وابن أبي عاصم في «الزهد» (٢٣٤)، وأبو يعلى ٦/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٣٤٨٢)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٤١ (٥٢٠٣)، والحاكم ٢/ ١٦٠، والبيهقي ٧/ ٧٨، وقال ابن حجر في «التلخيص» ٣/ ١١٦: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٩٨). فائدة: الألف واللام في: (مَا الإِحْسَانُ؟) إلى المعهود في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولتكراره في القرآن ولترتب الثواب عليه سأل عنه جبريل -عليه السلام-. الثامنة عشرة: أصل الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد يطلق في عرف الميقاتيين على جزء من أربعة وعشرين جزءًا. التاسعة عشرة: قوله: («مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ») فيه أن الأدب للمفتي والعالم إذا سئل عن ما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. العشرون: (أشراطها) بفتح الهمزة وسكون الشين واحدها: شَرَط بفتحهما: علاماتها، ومنه سمي الشرط؛ لأنهم يعلمون لأنفسهم علامات وقيل: أوائلها ومقدماتها. وقيل: صغار أمورها، واحدها: شرط كما سلف. وجزم صا حب «المحكم» و«الجامع» بأنه أوائلها، وفي «الغريبين» عن الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم (١). قَالَ النووي في («شرحه») (٢): والمراد -والله أعلم- بأشراطها السابقة لا أشراطها المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما. الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ -: («أن تلد الأَمَةُ رَبَّهَا»)، وفي رواية -------------------- (١) انظر: «غريب الحديث» ١/ ٣٤. (٢) من (ف). لمسلم: «ربتها» (١)، وفي رواية: «بعلها» (٢). ومعنى الأولتين: السيد. كما يُقال: رب الدار، وهو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبًا، وقد يتصرف فيه في حياته تصرف المالكين إما بإذن أبيه له فيه أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال، وهذا ما عليه الأكثرون. وعبر بعضهم عنه بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة فتكون الأَمَة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح والتسري، وقيل: معناه: أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وولي أمورهم، وهذا قول إبراهيم الحربي. وقيل: معناه: أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري. وعلى هذا القول لا تختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حرًّا بوطءِ غير سيدها بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها وبنتها؛ وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، وقيل: إن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها. --------------------- (١) مسلم برقم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان .. (٢) مسلم برقم (٩/ ٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان .. وقيل: معناه: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة. وقيل: غير ذَلِكَ مما فيه ضعف (١). وأما رواية: «بعلها» فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف. قَالَ أهل اللغة: بَعْلُ الشيء: ربُّه ومالكه (٢). قَالَ تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: ربَّا؛ قاله ابن عباس والمفسرون (٣)، وقيل: المراد هنا: الزوج. وعلى هذا معناه نحو ما سبق: أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى. ومع هذا فللقائل بأن المراد الزوج أن يقول: ليس في هذا ترجيح هنا؛ لأن المراد هنا بيان علامات من علامات الساعة وهي غير منحصرة في هذا المذكور، فإن من جملتها: رفع العلم، وظهور الجهل، وظهور الزنا، وقلة الرجال، وكثرة النساء، وكثرة الهرج، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وغير ذَلِكَ مما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وهذِه العلامات قد وقع أكثرها وتزايدت. ونسأل الله حسن الخاتمة. الثانية بعد العشرين: ليس في الحديث دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهن، وقد استدل به إمامان جليلان أحدهما: على ------------------- (١) انظر هذِه الأقوال في «المفهم» ١/ ١٤٨. (٢) انظر: «تهذيب اللغة» ١/ ٣٦٢. (٣) انظر: «تفسير الطبري» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١ (٢٩٥٧٠ - ٢٩٥٧١ - ٢٩٥٧٢ - ٢٩٥٧٣). الإباحة، والآخر: على المنع (١). وهو عجيب منهما، وليس كل ما أخبر الشارع بكونه من العلامات يكون محرمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وإنما هذِه علامة، والعلامة قد تكون بالخير والشر والحرام والواجب والمباح وغير ذَلِكَ (٢). الثالثة بعد العشرين: «الرعاة» -بضم الراء وبالهاء في آخره- جمع: راع، كقاض وقضاة، وداع ودعاة ونحوه، ويُقال أيضًا: رعاء -بكسر الراء وبالمد من غير هاء- كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار. يقال: راع ورعيان ورعاة ورعاء؛ لأن فاعلًا إذا كان اسمًا فجمعه على فواعل قياسًا كحائط وخاتم وكاهن وشبهها. وإن كان صفة استعمل استعمال الأسماء كراع ويجمع على فعلان بضم الفاء -كرعيان، وعلى فعال- بكسر الفاء، وعلى فُعَلَة كرُعَاة وقُضَاة وغُزَاة؛ فإن أصلها رُعيَة وقُضوَة وغُزَوَة قلبت لام الكلمة ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت رُعاة وقُضاة وغزاة، وأصل الرعي: الحفظ. الرابعة بعد العشرين: قوله: («وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ») كذا في رواية البخاري وفي مسلم حذف الإبل؛ لأنهم أضعف أهل البادية؛ لأن أهل الإبل أصحاب الفخر والخيلاء، وفي رواية: «وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان» (٣). والبهم -بضم الباء بلا خلاف، وروي بجر الميم ورفعها، فمن جر ------------------- (١) هو الإمام أحمد كما ذكره الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» ١/ ٢٨. (٢) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٥٩. (٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام .. جعله وصفًا للإبل -أي: رعاة الإبل السود- قالوا: وهي شرها، ومن ضم جعله صفة للرعاة، ومعناه: الرعاة السود. وقَالَ الخطابي: معناه: الرعاة المجهولون الذين لا يُعرفون. جمع: بهيم، ومنه أبُهم الأمر، وقيل: الذين لا شيء لهم، ومنه: «يحشر الناس حفاة عراة بُهمًا» (١) أي: لا شيء معهم، ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يبسط لهم في الدنيا حتى يتباهوا في البنيان وإطالته (٢). وقولي: إن باء البُهم بالضم بلا خلاف هو كذلك، وصرح به النووي في «شرحه» (٣)، وقال القاضي عياض: إنه الصواب (٤). ورواه الأصيلي بالفتح أيضًا، ولا وجه له. الخامسة بعد العشرين: «البُهم»: صغار الضأن والمعز، هذا قول الجمهور، وقال الزبيدي في «مختصر العين»: البُهمة اسم لولد الضأن والمعز والبقر، وجمعه: بهم وبهام، وأما البهيمة فهي ذوات الأربع من دواب البر والبحر (٥). ------------------ (١) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٠)، و«التاريخ الكبير» ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ (٧٦١)، «زوائد»، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ٧٩ (٢٠٣٤)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٠٤ (١٥٦)، والحاكم في «مستدركه» ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨، والخطيب في «الرحلة» (٣١)، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢/ ٢٢٥ (١٦٨٦). والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١٣١) (٦٠٠)، وحسن إسناده ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٧٤، والألباني في تعليقه على «الأدب المفرد» (٩٧٠). (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٨٣ بمعناه. (٣) انظر «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٦٤. (٤) «الإكمال» ١/ ٢١١ بمعناه. (٥) انظر هذا الكلام في: «العين» ٤/ ٦٢. وذكر التيَّاني (١) في «الموعب»: أن البهم صغار الضأن، الواحدة بهمة للذكر والأنثى والجمع بهم، وجمع البهم: بهام وبهامات. وفي «المخصص»: تكون بعد العشرين يومًا بهمة من الضأن والمعز إلى أن تفطم (٢). وفي «المحكم»: وقيل: هو بَهْمَة إذا شَبَّ، والجمع: بَهْم وبُهْم وبهام، وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب: البهم: صغار المعز (٣). وفي «الجامع» للقزاز: بَهْمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء، يقال لأولاد الوحش من الظباء، وما جانس الضأن والمعز: بهم. وفي «الصحاح»: البِهَام جمع بَهْم. والبَهْم جمع بَهمْة. والبَهْمَة للمذكر والمؤنث للضأن خاصة، والسِّخَال أولاد المعز، وإذا اجتمعت البِهَام والسخال قُلْتَ لهما جميعًا: بِهَام وبَهْم أيضًا (٤). وفي «المغيث» لأبي موسى المديني: وقيل: البَهْمة: السَّخْلة. وفي الحديث أنه - ﷺ - قَالَ للراعي: «ما ولدت» قَالَ: بَهْمة. قَالَ: «اذبح مكانها شاة» (٥) فلولا أن البهمة اسم لجنس خاص لما كان في سؤاله الراعي وإجابته عنه بِبَهْمة كثير فائدة، إذ يعرف [أن] (٦) ما تلد الشاة إنما يكون ذكرًا أو أنثى فلما أجاب عنه ببهمة وقال: «اذبح مكانها شاة» دل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي: دَعْ هذِه الأنثى ----------------- (١) سبقت ترجمته. (٢) «المخصص» ٢/ ٢٣٢، مادة: (بهم). (٣) «المحكم» ٤/ ٢٤٢. (٤) «الصحاح» ٥/ ١٨٧٥، مادة: بهم. (٥) أبو داود (١٤٢)، وأحمد ٤/ ٣٣، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٢٤١ (١٣٠). (٦) ساقطة من (ف)، (ج) ومثبتة من «المجموع المغيث». في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرًا (١). السادسة بعد العشرين: قوله: («فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ»). أي: استأثر بعلمها، وفي الكلام حذف تقديره: في خمس، أي: هي في خمس انفرد الله تعالى بعلمها، أي: هي في عدد خمس ولا مطمع لأحد في علم شيء من هذِه الخمس إلا أن يعلمه الله تعالى به. السابعة بعد العشرين: قوله: (ثم أدبر (الرجل) (٢) فقال: «ردوه»، فلم يروا شيئًا، فقال - ﷺ -: «هذا جبريل») الحديث. وفي «الصحيح» أيضًا: فلبثت مليًّا، ثم قَالَ لي: يا عمر، «أتدري من السائل؟». وفيه: فقال - ﷺ -: «إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» (٣). وفي أبي داود والترمذي قَالَ عمر: ثم انطلق فلبثت ثلاثًا ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» الحديث (٤)، وظاهر هذِه الرواية أنه قَاله: بعد ثلاث ليالٍ، وهو مغاير لما تقدم من قوله: فلبثت مليًّا. فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله - ﷺ - أولا «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» في الحال، بل (كان) (٥) قام من المجلس فأخبر - ﷺ - الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث. الثامنة بعد العشرين: قوله: («هذا جِبْرِيلُ»). فيه دلالة على تشكل الملائكة في صور بني آدم كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي - ﷺ - على خلقته -------------------- (١) «المجموع المغيث» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤. (٢) من (ج). (٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام … (٤) رواه أبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠). (٥) من (ج). التي خُلق عليها غير مرتين كما تقدم في بدء الوحي. التاسعة بعد العشرين: قوله: («جَاءَ يُعَلَّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ») أي: قواعد دينهم وكلياتها، وهذا دال على أنه إنما عرفه - ﷺ - في آخر الأمر. وقد جاء مبينًا في الدارقطني في آخر هذا الحديث: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه عليَّ مذ أتاني قبل مرتي هذِه وما عرفته حتى ولَّى» (١). الثلانون: زاد سليمان التيمي في الحديث من طريق ابن عمر: «وتغتسل وتتم الوضوء». قَالَ ابن حبان: تفرد بها (٢). قُلْتُ: وهو ثقة بإجماع، وفيه بَعْدُ «وتحج البيت وتعتمر»، وصححها الحاكم (٣) وغيره. الحادية بعد الثلاثين: أخرج هذا الحديث الثاني النسائي من طريق أبي ذر وأبي هريرة أيضًا بزيادة حسنة: كان - ﷺ - يجلس بين ظهراني أصحابه فيَجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يَسأل، فطلبنا أن نجعل لرسول الله - ﷺ - مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فَبَنَيْنَا له دكانًا من طين يجلس عليه، [و] (٤) إنَّا لجُلُوسٌ عنده ورسول الله - ﷺ - بمجلسه إذ أقبل أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحة كان ثيابه لم يمسها دنس ------------------- (١) «سنن الدارقطن» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، وقال: إسناد ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد. (٢) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣ (١)، ٤/ ٣٥٦ (٣٠٦٥)، وأبو نعيم في «مستخرجه» ١/ ١٠٢ (٨٢) وابن حبان في «صحيحه» ١/ ٣٩٧ (١٧٣)، وقال الهيثمي في «موارد الظمآن» (١٦): رواه مسلم باختصار، وقال الألباني في «صحيح موارد الظمآن» ١/ ١٠٤: صحيح. (٣) «المستدرك» ١/ ٥١. (٤) ساقطة من (ف)، (ج)، ومثبتة من «المجتبى». حتى سلم من طرف البساط، قال: السلام عليك يا محمد. فردَّ -عليه السلام-، فقال: أَدْنُو يا محمد؟ فقال: «ادنُ» فما زال يقول: أَدْنُو؟ مرارًا، ويقول: «ادنُ» حتى وضع يديه على ركبتي رسول الله - ﷺ -، وذكر نحوه (١). الثانية بعد الثلانين: في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة أيضًا أنه - ﷺ - قَالَ: «سلوني» فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ الحديث (٢). كأنه لما كثر سؤالهم وخيف التعنت به غضب - ﷺ - وأنزل الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فانكف الناس. فأرسل الله إليهم جبريل فسأل فقال: «هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا» (٣). الثالثة بعد الثلاثين: ظاهر الحديث تغاير (الإسلام والإيمان) (٤) وقد قدمت الكلام على ذَلِكَ في أوائل كتاب الإيمان، ومراد البخاري أنهما واحد، وَيَرُدُّ ما وقع من الفرق بينهما في حديث جبريل إلى ما جاء في حديث وفد عبد القيس من إطلاق لفظ الإيمان على الإسلام والأعمال (٥). وقد قَالَ بمثل قوله جماعة، منهم البغوي (٦). الرابعة بعد الثلاثين: قد جمع هذا الحديث أنواعًا من القواعد ومهمات من الفوائد، وقد أشرنا إلى جمل منها: ----------------- (١) «المجتبى» ٨/ ١٠١. (٢) مسلم (١٠/ ٧) كتاب: الإيمان، باب: الإسلام ما هو؟ وبيان خصاله. (٣) التخريج السابق. (٤) في (ف): الإيمان للإسلام. (٥) سيأتي برقم (٥٣). (٦) «شرح السنة» ١/ ١٠. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 186 الى صـــ 205 الحلقة (60) ومنها: وجوب الإيمان بهذِه المذكورات، وعظم مرتبة هذِه الأركان التي فسر الإسلام بها، وجواز قول: رمضان بلا شهر كما سلف، وعظم محل الإخلاص والمراقبة. ومنها: لا أدري من العلم، ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعدم العلم، وأن ذَلِكَ لا ينقصه ولا يزيل ما عُرف من جلالته، بل ذَلِكَ دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تكثره وتبجحه بما ليس عنده. وبيَّن البغوي ما أراده البخاري من التبويب، حيث قَالَ: جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بَطن من الاعتقاد، وجماعها الدين (١). وقد قدمنا ذَلِكَ عنه في أوائل كتاب الإيمان. ------ (١) «شرح السنة» ١/ ١٠. ٣٨ - باب ٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. [انظر:٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١/ ١٢٥] ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَألْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. هذا الحديث سبق شرحه مبسوطًا أول الكتاب (١)، وبيان رجاله إلا إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله ابن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، روى عن جماعة من الكبار، وعنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وروى النسائي عن رجل عنه. قَالَ ابن سعد: ثقة صدوق. مات سنة ثلاثين ومائتين بالمدينة (٢). ----------------- (١) سبق برقم (٧) كتاب: بدء الوحي، باب: (٥). (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٢١، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٨٣ (٩١٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٩٥، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٦٠ «شذرات الذهب» ٢/ ٦٨. ثم اعلم أن هذا الحديث وقع هكذا مفردًا بباب، وهو ظاهر، فإن مقصود البخاري به أنه سماه دينًا وإيمانًا، ووقع في بعض النسخ مدرجًا مع الحديث الذي قبله من غير تخصيصه بباب، وليس بجيد؛ إذ ليس مطابقًا للترجمة. قَالَ ابن بطال: سماه مَرَّةً بالدّين، ومَرةً بالإيمان، فهي أسماء متعاقبة لمعنى واحد بخلاف قول المرجئة (١) وإنما اعْتُبِرَ قول هرقل وإن كان كافرًا لا يوثق بقوله؛ لأنه (يأثر) (٢) هذِه الأشياء عن الكتب المتقدمة، وتداولت الصحابة وسائر العلماء قوله ولم ينكروه بل استحسنوه. ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٥. (٢) في (ج): باشر. ٣٩ - باب فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ». [٢٠٥١ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ١/ ١٢٦] ثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّن وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع عن علي وعبد الله بن محمد، عن سفيان، عن أبي فروة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن (أبي) (١) عدي [عن ابن عون] (٢)، كلهم عن الشعبي. -------------- (١) من (ج). (٢) ساقط من (ف)، (ج): ومثبتة من «صحيح البخاري». وقال فيه في البيوع: «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتتانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَتَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ» (١). وأخرجه مسلم في البيوع، عن ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا، وعن أبي بكر، عن وكيع، عن زكريا. وعن إسحاق [عن] (٢) عيسى، عن زكريا. وعن إسحاق، عن جرير، عن مطرف وأبي فروة الهمداني. وعن عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وعن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله. وعن قتيبة، عن يعقوب، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد، كلهم عن الشعبي به (٣). وفي الباب عن ابن عمر وواثلة. أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن حذلم (٤) في «جزئه» من جهة عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «الحلال بين والحرام بين، وبين ذَلِكَ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥). ----------------- (١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات. (٢) في (ف)، (ج): بن، وهو خطأ، والمثبت من (مسلم). (٣) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات. (٤) هو الإمام العلامة، مفتي دمشق، وبقية الفقهاء الأوزاعية، القاضي أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حذلم الأسدي الدمشقي الأوزاعي. توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥١٤، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٤٠٥. (٥) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٢٥٣، وابن الأعرابي في «معجمه» ٢/ ٧٥٤ (١٥٢٨)، = وأما حديث واثلة فأخرجه (الجوزي) (١) من حديث العلاء بن ثعلبة الأسدي، عن أبي المليح، عن واثلة مرفوعًا: «لتفتك نفسك» قُلْتُ: وكيف لي بذلك؟ قَالَ: «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون» قُلْتُ: وكيف لي بذلكِ؟ قَالَ: «تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن إلى الحلال ولا يسكن إلى الحرام، وإن الوَرعَ المسلم يدع الصغيرة مخافة أن يقع في الكبيرة» (٢). ---------------- = والطبراني في «الأوسط» (٢٨٦٨)، و«الصغير» (٣٢)، والرامهرمزي في «الأمثال» ص ١٣ من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عبد الله بن رجاء بالسند المذكور. قال الإمام أحمد كما في «ضعفاء العقيلي» ٢/ ٢٥٢: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٤: في إسناد «الأوسط» سعد بن زنبود، قال أبو حاتم: مجهول، وإسناد «الصغير» حسن. اهـ. ورواه البيهقي في «الزهد الكبير» (٨٧٥) من طريق أبي حاتم الرازي، عن إبراهيم ابن محمد وأحمد بن شبيب، ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال البيهقي: يشبه أن تكون رواية أبي حاتم عنهما عن ابن رجاء، عن عبد الله بن عمر أصح من رواية من قال: عبيد الله. اهـ. (١) كذا في (ج)، وغير واضحة ب (ف). (٢) رواه أبو يعلى في «مسنده» ١٣/ ٤٧٦ (٧٤٩٢)، والطبراني ٢٢/ ٧٨ (١٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٤٤ بمعناه وضعفه الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٩٤، وقال: رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو متروك، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٩٨): هذا حديث حسن غريب أخرجه أبو يعلى في «مسنده» كذا ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء بن ثعلبة. فقال أبو حاتم الرازي: إنه مجهول، وإنما حسنته؛ لأن لجميع ما تضمنه المتن شواهد مفرقة. والله أعلم. اهـ. قلت: والعلاء بن ثعلبة، قال ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١٧٥: كان ممن يروي المعضلات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. الوجه الثاني: في التعريف برواته: أما النعمان فهو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن خَلّاس -بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام- الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - وعنها. وُلد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلد للأنصار بعد الهجرة، والأكثرون يقولون: وُلد هو وعبد الله بن الزبير في العام الثاني من الهجرة. وقال ابن الزبير: هو أكبر مني. روي له مائة حديث وأربعة عشر حديثًا. قُتِل بقرية عند حمص سنة أربعة وستين، وقيل: سنة ستين (١). تنبيه: نقل عن يحيى بن معين وأهل المدينة أنه لا يصح للنعمان سماع من النبي - ﷺ -، وهو باطل يرده هذا الحديث، فإن فيه التصريح بسماعه، وكذا رواية مسلم: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه (٢). وهو ما صححه أهل العراق. فائدة: ليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا فهو من الأفراد، وفيهم النعمان جماعات فوق الثلاثين. وأما عامر فهو الشعبي، وقد تقدمت ترجمته (٣)، وكررها شيخنا قطب الدين في «شرحه». -------------- (١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٥٨ (٢٨٥٨)، «الاستيعاب» ٤/ ٦٠ (٢٦٤٣)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٢٦، (٥٢٣٠)، «الإصابة» ٣/ ٥٥٩ (٨٧٢٨). (٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧). (٣) سبق ترجمته في حديث (١٠). وأما زكريا فهو أبو يحيى زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين منهم الشعبي، والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق. مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومائة (١). وأما أبو نعيم فهو الفضل بن دكين -بضم الدال المهملة ثم كاف مفتوحة- وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير القرشي التيمي الطلحي المُلائي. مولى آل طلحة بن عبيد الله، وكان يبيع المُلاء فقيل له: المُلائي -بضم الميم والمد- سمع الأعمش وغيره من الكبار، وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ الأعلام. قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا، أو خمسين شيخًا. واتفقوا على الثناء عليه ووصفه بالحفظ والإتقان، ومناقبه جمة. وُلِد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين. وكان أتقن أهل زمانه، قاله ابن منجويه. قَالَ أبو نعيم: أدركت ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحدًا يقول بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رُمي بالزندقة. روى عنه البخاري بغير واسطة، وهو ومسلم (والأربعة) (٢) (بواسطة) (٣). ------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢١ (١٣٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٩٣ (٢٦٨٥)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٣٣٤، «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٥٩ (١٩٩٢). (٢) من (ف). (٣) في (ف): بها، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١١٨ (٥٢٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٦١ (٣٥٣)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٣١٩، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ١٩٧ (٤٧٣٢). ووقع للبخاري هذا الحديث رباعيًّا من جهة شيخه هذا، ووقع له من طريق غيره خماسيًّا كما أسلفناه، وكذا وقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيًّا كما سلف. الوجه الثالث: هذا الحديث حديث عظيم حفيل جليل، وهو أحد قواعد الإسلام بل هو مدارها وأُسّها، وإن جعله بعضهم ثلثها وبعضهم ربعها كما سلف في الكلام على حديث: «إنما الأعمال بالنيات» (١) فإنه متضمن لأحكام الشريعة لذكر الحلال والحرام والمتشابهات، وما يصلح القلوب وما يفسدها وتعلق أعمال الجوارح بها؛ فيستلزم معرفة تفاصيل الأحكام كلها أصلًا وفرعًا. ولنذكر نبذة منه على وجه الاختصار، فإنا قد بسطنا شرحه في «شرح العمدة» (٢) و«شرح الأربعين». الأولى: ذكر - ﷺ - أن الأشياء على أضرب: ضرب لا شك في حله، وضرب لا شك في تحريمه، وضرب ثالث مشكوك فيه مشتبه، فمن اجتنبه فقد برَّأ نفسه من المعصية، ومن خالطه وقع في الحرام، وفي هذا المشكوك فيه تفاصيل معروفة في كتب الفروع، فمنه ما يُرَدُّ إلى أصله من حِلٍّ وحرمة وغيرهما، ومنه ما يحكم فيه بالظاهر من ذَلِكَ، ومنه ما يغلب فيه الإباحة، ومنه ما يحكم فيه بالتحريم احتياطًا، فمعاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا مكروهة. الثانية: قوله - ﷺ -: («وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ») كذا في البخاري هنا، وفيه -------------------- (١) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي … (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٥٩ - ٧٣. في البيوع: «أمور مشتبهة» (١)، وجاء أيضًا «مشتبهات» (٢) و«متشبهات»، وذلك كله بمعنى: مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين (مخالفين) (٣)، وتشتبه: تفتعل، أي: تشكل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وأما قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] فمعناه: في الصدق والحكمة غير متناقض. الثالثة: اختلف في المراد بالمتشابهات التى ينبغى اجتنابها على أقوال: أحدها: أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبه أمره، وبه جزم القرطبي ثم ذكر في حكمه أقوالًا: أحدها: حرمته؛ لأنه يوقع في الحرام. وثانيها: كراهته، والورع تركه. ثالثها: يتوقف فيه. وصوب الثاني؛ لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها (٤)، وصح أنه - ﷺ - قَالَ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥). وهذا هو الورع. وقول من قَالَ: إنها حلال يتورع عنها ليس بجيد؛ لأن أقل مراتب --------------------- (١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن». (٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧). (٣) في (ف): متخالفين. (٤) «المفهم» ٤/ ٤٨٨. (٥) رواه الترمذي (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٨/ ٣٢٧، ٣٢٨، أحمد ١/ ٢٠٠، والدارمي في «مسنده» ٣/ ١٦٤٨، ١٦٤٩ (٢٥٧٤)، والطبراني في «الكبير» ٣/ ٧٥ (٢٧٠٨)، ٧٦ (٢٧١١)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٣ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢). الحلال استواء الفعل والترك؛ وهذِه الأقوال حكاها القاضي عياض (١) أيضًا عن أهل الأصول. قَالَ النووي: والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه مذاهب: أصحها: لا يحكم بشيء، والثاني: الإباحة، والثالث: المنع (٢). القول الثاني: أن المراد بها المكروهات، قاله الخطابي والمازري وغيرهما (٣). الثالث: أنها المباح وهو مردود كما سلف، وزُهْدُ الأولين فيه محمول على موجب شرعي اقتضى ذَلِكَ خوف الوقوع فيما يُكره إما من الميل إلى الدنيا، وإما من الحساب عليه وعدم القيام بالشكر؛ (لأن) (٤) حقيقة المباح التساوي. الرابعة: قوله - ﷺ -: («لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ») أي: بسبب اشتباهها على بعضهم دون بعض لا أنها في أنفسها مشتبهة مستبهمة على كل الناس لا بيان لها، فإن العلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ولكن كل أحد لا يقدر على تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا نفي علمها عن كثير من الناس، ولم يقل: لا يعلمها كل الناس أو أحد من الناس. الخامسة: لما ذكر البخاري في البيوع، باب تفسير (المشتبهات) (٥) ------------------- (١) «الإكمال» ٥/ ٢٨٤ - ٢٩٠. (٢) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٢٨. (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٧٧ - ١٠٠٠، «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٣٣ بمعنى. (٤) في (ج): لا. (٥) في (ج): المتشبهات، والمثبت من «الصحيح»، ومن «الإعلام» ١٠/ ٧٢. ذكر هذا الحديث عقبه بقول حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقال: «كيف وقد قيل؟» (١)، وحديث: «احتجبي منه» (٢)، وحديث عدي بن حاتم في الصيد: «لا تأكل» (٣). ثم ترجم باب: ما يتنزه من الشبهات، وذكر فيه حديث التمرة الساقطة وتَرْكُهَا خشية الصدقة (٤)، عَقَّبَه بباب آخر فيما لا يُجتنب فقال: باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. ثم ذكر فيه حديث الرجل (الذي) (٥) يجد الشيء في الصلاة، وقوله: «لا ينصرف حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦) وحديث عائشة: إن قومًا يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا عليه (وَكلُوه) (٧)» (٨) وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى. السادسة: اختلف أصحابنا في ترك الطيب وترك لبس الناعم. هل هو طاعة أم لا؟ فقال القاضي أبو الطيب: إنه طاعة لما علم من أمور السلف من خشونة العيش، وخالف الشيخ أبو حامد واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٠٥٢). (٢) سيأتي برقم (٢٠٥٣). (٣) سيأتي برقم (٢٠٥٤). (٤) سيأتي برقم (٢٠٥٥) باب: ما يتنزه من الشبهات. (٥) من (ج). (٦) سيأتي برقم (٢٠٥٦) باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات. (٧) في (ف): وكلوا. (٨) سيأتي برقم (٢٠٥٧). حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. وقال ابن الصباغ: يختلف ذَلِكَ باختلاف الناس وتفرغهم للعبادة، وقصحورهم، واشتغالهم بالضيق والسعة، وصوبه الرافعي. السابعة: ما يخرج إلى الوسوسة من تجويز الأمر البعيد ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها بل وسواس شيطاني، وسبب الوقوع في ذَلِكَ عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وقد نبه الشيخ أبو محمد الجويني على جملة من ذَلِكَ منها غسل الثياب الجدد، وغسل القمح، وغير ذَلِكَ من التنطع البارد. الثامنة: معنى («اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ») سلم دينه مما يفسده أو ينقصه، وعرضه مما يشينه، واستبرأ لنفسه طلب البراءة من الإثم فبرأها. فمن لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد به، كما نبه عليه ابن بطال (١). التاسعة: معنى: «يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» وفي رواية أخرى: «وقع في الحرام» أي: يقع فيه ولا يدري، أو إذا اعتادها فأدته إلى الوقوع فيه متعمدًا فيتجاسر عليه ويواقعه غالبًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر به عنده، ولما قد ألفه من المساهلة. العاشرة: («يُوشِكُ») -بكسر الشين- أي: يسرع ويقرب، وماضيه: أوشك، ولا عبرة بمن أنكره. وفي «الصحاح»: الكلمة بفتح الشين، وهي لغة رديئة (٢). ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧. (٢) «الصحاح» ٤/ ١٦١٥ (مادة: وشك). الحادية عشرة: قوله فيما مضى: («فَمَنِ اتَقَى المُشَبَّهَاتِ»). قَالَ النووي في «شرحه»: ضُبط على وجهين: بفتح الباء المشددة، وبكسرها مع التخفيف والتشديد، وكله صحيح، فمعناه: مُشْبِهات أنفسها بالحلال أو مُشْبِهات الحلال، وعلى رواية الفتح فمعناه: (مُشَبهات) (١) بالحلال. الثانية عشرة: قوله - ﷺ -: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى». هذا مثل ضربه - ﷺ - وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها، وتتوعد من يقربها؛ (فيبعد) (٢) عنها خوف ذَلِكَ، (ويحمي) (٣) أيضًا ما يحيط بها ويقاربها، والله تعالى ملك الملوك وله حمى، وهي المحرمات التي ورد الشرع بها كالزنا وغيره فهي حمى الله تعالى التي منع من في خوله والتعرض له ولمقدماته وأسبابه، فمن خالف شيئًا من ذَلِكَ استحق العقوبة. نسأل الله تعالى العفو والحماية عما يكره. الثالثة عشرة: المضغة: القطعة من اللحم، سُميت به؛ لأنها تمضغ في الفم لصغرها. وجمعها: مُضَغ (٤). الرابعة عشرة: قوله: («إِذَا صَلَحَتْ»، «وَإِذَا فَسَدَتْ») هو بفتح اللام والسين، ويضمان في المضارع، ويُقال صَلُح وفسُد -بالضم- إذا صار الصلاح والفساد هيئة لازمة كظرف وشَرُف والمعنى: صارت تلك المضغة ذات صلاح وفساد. الخامسة عشرة: القلب سُميَّ بذلك؛ لتقلبه وسرعة الخواطر فيه ------------- (١) في (ف): مشتبهات. (٢) في (ج): وبعد. (٣) في (ج): ويحتمي. (٤) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٥١ مادة: (مضغ). وترددها عليه، وأصله المصدر ثم نقل إلى هذا العضو، والتزمت العرب التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله، وقد قَالَ بعضهم: ليحذر اللبيب سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. السادسة عشرة: قوله - ﷺ -: («إِذَا صَلَحَتْ») إلى قوله: («أَلَا وَهِيَ القَلْبُ») هذا أصل عظيم. فحق على كل مكلف السعي التام في إصلاح قلبه ورياضة نفسه وحملها على الأخلاق الجميلة المحصلة لطهارة قلبه وصلاحه. أعاننا الله تعالى على ذَلِكَ. السابعة عشرة: استدل بهذا ابن بطال على أن العقل في القلب، وأن ما في الرأس فهو من سبب العقل (١)، وهو مذهب أصحابنا، وذهب آخرون إلى أنه في الرأس (٢)، ولا دلالة في الحديث لواحد من المذهبين كما نبَّه عليه النووي في «شرحه». الثامنة عشرة: استدل به بعض أصحابنا على أحد الوجهين فيما إذا حلف لا يأكل لحمًا، فأكل قلبًا أنه يحنث به. وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي، والأصح أنه لا يحنث به؛ لأنه لا يُسمَّى لحمًا عرفًا. --------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧. (٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» ١١/ ٢٩. ٤٠ - باب أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ ٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْث أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسِ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ» أَوْ «مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إَلَّا فِي شَهْرِ الَحرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الَحيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُل بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأشرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الَحنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالُمْزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الُمقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». [٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٥٥٦ - مسلم:١٨ - فتح: ١/ ١٢٩] ثنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ، فيُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَمهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلهُ عَنِ الأَشرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إلة إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالمقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه، لبخاري في عشرة مواضع من «صحيحه» هنا كما ترى، وفي خبر الواحد: عن علي بن الجعد، عن شعبة، وعن إسحاق، عن النضر، عن شعبة (١). وفي كتاب: العلم عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٢)، وفي: الصلاة عن قُتيبة، عن عبَّاد بن عبَّاد (٣)، وفي: الزكاة عن حجَّاج بن المنهال، عن حمَّاد (٤)، وفي الخمس عن أبي النعمان، عن حمَّاد (٥)، وفي مناقب قريش عن مسدد، عن حمَّاد (٦)، وفي المغازي عن سُليمان بن حَرْب، عن حماد، و(٧) عن إسحاق، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨)، وفي الأدب: عن عمران بن ميسرة، عن ---------------- (١) سيأتي برقم (٧٢٦٦) باب: وصاة النبي - ﷺ -، وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم. (٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي - ﷺ - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم. (٣) سيأتي برقم (٥٢٣) باب: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾. (٤) سيأتي برقم (١٣٩٨) باب: وجوب الزكاة. (٥) سيأتي برقم (٣٠٩٥) باب: أداء الخمس من الدين. (٦) سيأتي برقم (٣٥١٠). (٧) الواو: من (ف). (٨) سيأتي برقمي (٤٣٦٨، ٤٣٦٩) باب: وفد عبد القيس. عبد الوارِث، عن أبي التياح (١)، وفي التوحيد: عن عَمْرو بن علي، عن أبي عاصم، عن قُرَّة (٢). وأخرجه مسلم في: الإيمان والأشربة: عن خَلَف بن هشام، عن حمَّاد، وعن يحيى بن يحيى، عن عباد (٣)، وفي: الإيمان وحده، عن أبي موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وبندار، عن غندر، عن شعبة (٤)، وعن ابن معاذ، عن أبيه، عن قرة، وعن نصر بن علي، عن أبيه، عن قرة، كلهم عن أبي جمرة به (٥)، ولم يذكر البخاري في شيء من طرقه قصة الأشج وذكرها مسلم في الحديث فقال - ﷺ - للأشج -أشج عبد القيس-: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» (٦). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بابن عباس وشعبة، وأما أبو جمرة فهو -بالجيم والراء- وليس في «الصحيحين» من (يكنى) (٧) بهذِه الكنية غيره ولا من اسمه جمرَة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضًا، ولا في «الموطأ»، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم -بالحاء والزاي- وذلك وهم (٨)، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع الضبعي البصري. ---------------- (١) سيأتي برقم (٦١٧٦) باب: قول الرجل مرحبًا. (٢) سيأتي برقم (٧٥٥٦)، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. (٣) مسلم (١٧/ ٢٣) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله …، (١٧/ ٣٩) بعد حديث (١٩٩٥) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت .. مختصرًا. (٤) مسلم (١٧/ ٢٤). (٥) مسلم (١٧/ ٢٥). (٦) مسلم (١٧/ ٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله. (٧) من (ف). (٨) «تقييد المهمل» ١/ ١٥٧. سمع: ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه: أيوب وغيره من التابعين وغيرهم. كان مقيمً بنيسابور ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها تُوفيَّ سنة ثمان وعشرين ومائة، وثَقِتُهُ مُتفقٌ عليها. والضبعي -بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة ثم عين مهملة- نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال أبو أحمد الحاكم: ليس في المحدثين أبو جمرة غيره وما عداه أبو حمزة بالحاء المهملة (١). وقد روى مسلم عن أبي حمزة -بالحاء المهملة- (عمران) (٢) بن أبي عطاء القصاب -بياع القصب- الواسطي حديثًا واحدًا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية وإرسال النبي - ﷺ - ابن عباس خلفه (٣). قَالَ بعض الحفاظ: يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة -بالحاء والزاي- إلا هذا ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن ابن عباس أبو حمزة فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب أو الوصف (٤) كأبي حمزة القصاب في --------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٠٤ (٢٣٥٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٥ (٢١٣٠)، «الثقات» ٥/ ٤٧٦، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٣٦٢، ٣٦٥ (٦٤٠٨). (٢) في (ف): عمر. والمثبت من (ج) وهو الصواب. (٣) مسلم (٢٦٠٤) كتاب: البر والصلة، باب: من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه. (٤) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» ص ٣٦٣، و«صيانة صحيح مسلم» ص ١٤٩. قال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص ٣٩٤: وفيه نظر من حيث أن شعبة قد يروي عن غير نصر بن عمران ويطلقه فلا يذكر اسمه ولا نسبه مثاله ما رواه أحمد في «مسنده» ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة سمعت ابن عباس يقول: مر بي رسول الله - ﷺ - وأنا ألعب مع الغلمان = آخر «صحيح مسلم» في قصة معاوية كما أسلفناه. وأما علي بن الجعد (خ، د) فهو: الإمام أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي، سمع: الثوري ومالكًا وغيرهما من الأعلام، وعنه: أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم. قَالَ موسى بن داود: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يحض على الكتابة عنه. وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم ثقة (ثقة) (١) فقيل له: هذا الذي (قد) (٢) كان منه -يعني: أنه كان يتهم بالجهم- فقال: ثقة صدوق، وقيل: إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد، وأقوالهم في الثناء عليه والحفظ والإتقان مشهورة. وبقي ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، وُلِد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد (٣).= فاختبأت من خلف باب .. الحديث فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة وليس هو نصر بن عمران وإنما هو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي القصاب واسمه عمران بن أبي عطاء. ثم قال: وقد يروي شعبة أيضًا عن أبي جمرة، عن ابن عباس وهو نصر بن عمران وينسبه، مثاله ما رواه مسلم في الحج من رواية محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت أبا جمرة الضبعي يقول: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس … الحديث فهذا شعبة لم يطلق الرواية عن أبي جمرة بل نسبه بأنه الضبعي، وهذا لا يرد على عبارة المصنف ولكن أردت بإيراده أنه ربما نسب أبا جمرة الذي بالجيم وربما لم ينسب أبا حمزة الذي بالحاء كما تقدم من «مسند أحمد» والله أعلم. أهـ. ----------- _________ (١) من (ج). (٢) من (ج). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٦٦ (٢٣٦٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٧٨ (٩٧٤)، «الثقات» ٨/ ٤٦٦، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٤١ - ٣٥٢ (٤٠٣٤). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|