![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 446 الى صـــ 465 الحلقة (73) ٢٨ - باب الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ ٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي مَوْعِظِةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَؤمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ». [٧٠٢، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩ - مسلم: ٤٦٦ - فتح: ١/ ١٨٦] ٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن محَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْن بِلَالٍ الَمدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ -يَزِيدَ مَوْلَى الُمنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الُجهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلة رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاة -أَوْ قَالَ اَحْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». [٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢ - مسلم ١٧٢٢ - فتح: ١/ ١٨٦] ٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أَكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ». قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ». فَلَمَّا رَأى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ -عز وجل-. [٧٢٩١ - مسلم: ٢٣٦٠ - فتح: ١/ ١٨٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَني سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حَازِمٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَكَادُ أدْرك الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة عن محمد بن يوسف، عن سفيان. وعن أحمد بن يونس عن زهير (١). وفي الأدب عن مسدد، عن يحيى (٢). وفي الأحكام في باب: الفتوى وهو غضبان، عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله (٣). وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، عن هشام. وعن أبي بكر، عن هشام، ووكيع وعن ابن نمير، عن أبيه. وعن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس به (٤). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا شيخ البخاري، وأبو مسعود: عقبة بن عمرو سلفت ترجمته وكررها شيخنا قطب الدين في «شرحه». وشيخ البخاري هو: أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، أخو سليمان بن كثير، وسليمان أكبر منه بخمسين سنة. --------------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٢) كتاب: الأذان، باب: تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود. وبرقم (٧٠٤) كتاب: الأذان، باب: من شكا إمامه إذا طوَّل. (٢) سيأتي برقم (٦١١٠) باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله. (٣) سيأتي برقم (٧١٥٩) باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان. (٤) رواه مسلم (٤٦٦) باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة. روى عن أخيه سليمان وشعبة والثوري. وعنه البخاري وأبو داود، وغيرهما، وروى مسلم والترمذي والنسائي عن رجل عنه. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين عن تسعين سنة. قَالَ أبو حاتم: صدوق. وقال يحيى بن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة. أخرج لَهُ مسلم حديثًا واحدًا في الرؤيا أنه - ﷺ - كان يقول لأصحابه: «مَنْ رَأى مِنْكُم رُؤْيا» عن الدارمي عنه عن أخيه سليمان (١). فائدة: ليس في الصحيحين محمد بن كثير غير هذا، وفي أبي داود والترمذي والنسائي محمد بن كثير الصنعاني. روى عن الدارمي، وهو ثقة اختلط بأَخِرِهُ (٢). ثالثها: معنى قوله: (لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ) أنه كان رجلًا (٣) ضعيفًا، فكان إِذَا طول به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع ------------------- (١) رواه مسلم (٢٢٦٩) باب: في تأويل الرؤيا. ومحمد بن كثير انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٧٠ (٣١١). «الثقات» لابن حبان ٩/ ٧٧ - ٧٨. «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٣٤ - ٣٣٦ (٥٥٧١). «تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٨٣. (٢) ضعفَّه أحمد بن حنبل وقال: هو منكر الحديث، يروي أشياء منكرة. وقال: لم يكن عندي ثقة. وقال يحيى بن معين: كان صدوقًا. وعنه قال: ثقة. وقال البخاري: ليِّن جدًّا. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يخطئ، ويغرب. مات سنة ست عشرة ومائتين. وقيل: سبع عشرة ومائتين. وقيل: ثماني عشرة أو تسع عشرة ومائتين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢١٨ (٦٨٤). «الثقات» ٩/ ٧٠. «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٢٩ - ٣٣٤ (٥٥٧٠). «تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٨٢ - ٦٨٣. (٣) في هامش الأصل: فائدة: الرجل الذي قال: يا رسول الله لا أدرك الصلاة. الحديث في «مسند أحمد» = أو السجود إلا وقد ازداد ضعفًا عن اتباعه، فلا يكاد يركع معه ولا يسجد، كذا قاله أبو الزناد. واستشكل القاضي ظاهرها وقال: لعل الألف زيدت بعد (لا) وقد رواه الفريابي: إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر (١)، وجاء في غير البخاري: إني لأدع الصلاة (٢)، وفي لفظ: إني لأدع المسجد (٣)، إن فلانًا يطيل بنا القراءة. والروايات يفسر بعضها بعضًا. رابعها: فيه الأمر بالتخفيف، وما ورد من إطالته - ﷺ - في بعض الأحيان محمول عَلَى تبيين الجواز أو أنه علم من حال من وراءه في تلك الصلاة إيثار التطويل، وسيأتي بسط ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى. الحديث الثاني: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المسندي، ثنَا أَبُو عَامِرٍ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ -يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ- ---------------- = من حديث معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم، فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي للصلاة إلى قوله: فقال: «يا معاذ، لا تكن فتانًا» وهو القائل: لا أحسن دندنتك ولا دندة معاذ .. وهو بقية هذا الحديث، وفي «المسند» من حديث أنس قال: كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام يريد أن يسقي نخله، إلى أن قال: فتجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه، فقال: إنه منافق، وفي آخره: «أفتان أنت؟» كذا قال في الحديث مرتين، فقال: اقرأ باسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحو ذلك. وقال ابن شيخنا العلامة البلقينى في «مبهماته»: لم أره مثبتًا، لكن في «مسند أبي يعلى» ما يدل على أن الإمام أُبي بن كعب، وسنبسطه في تراجمه. (١) سيأتي برقم (٧٠٤) كتاب: الأذان، باب: من شكا إمامه إذا طول. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ١٧٥ (٧٧٨٢). (٣) لم أعثر على هذِه الرواية. عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدهَا إِلَيْهِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في نحو عشرة مواضع، هنا كما ترى، وفي الشرب، في شرب الناس والدواب من الأنهار، عن إسماعيل، عن مالك (١). وفي اللقَطَة في مواضع، عن عبد الله بن يُوسف، عن مالِك (٢). وعن قُتيبة عن إسماعيل (٣). وعن عَمْرو بن العباس، عن ابن مهدي. وعن محمد بن يوسف؛ كلاهما عن سُفيان (٤). وفي الأدب عن محمد (عن) (٥) إسماعيل بن جَعْفر؛ كلهم عن ربيعة (٦). وفي الطلاق، في باب حُكْمِ المَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد به (٧). وأخرجه ------------------- (١) سيأتي برقم (٢٣٧٢). (٢) سيأتي برقم (٢٤٢٩) باب: إذا لم يوجد صاحب اللقطة. (٣) سيأتي برقم (٢٤٣٦) باب: إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة. (٤) سيأتيان برقم (٢٤٢٧)، (٢٤٣٨). (٥) في (س)، (ج): بن، والمثبت الموافق لما في «الصحيح». (٦) سيأتي برقم (٦١١٢) باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله. (٧) سياقى برقم (٥٢٩٢). في اللقطة أيضًا عن إسماعيل بن عبد الله، عن (سليمان) (١)، عن يحيى، عن يزيد به (٢). وأخرجه مسلم في القضاء من طرق منها: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ربيعة (٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما زيد بن خالد، فهو: أبو طَلْحَةَ وقيل: أبو عبد الرحمن المدني من جهينة ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم -بضم اللام- بن الحاف بن قضاعة، شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح. ومات سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين سنة بالمدينة، أو بمصر، أو بالكوفة، أقوال. وليس في الصحابة زيد بن خالد سواه (٤). وأما الراوي عنه فهو: يزيد مولى المنبعث المدني. روى عن أبي هريرة، وزيد بن خالد. وعنه ربيعة، ويحيى بن سعيد، ثقة (٥). وأما الراوي عنه، فهو: الإمام العلامة أبو عثمان ربيعة بن أبي ------------ (١) في الأصل: سفيان، والصواب ما أثبتناه كذا في مصادر التخريج. (٢) سيأتي برقم (٢٤٢٨) كلتاب: اللقطة، باب: ضالة الغنم. (٣) رواه مسلم (١٧٢٢) كتاب: اللقطة. (٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٤٨٠. و«معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٢٢٤ (٢٤٩). و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١١٨٩ (١٠٢٩). و«الاستيعاب» ٢/ ١١٩ (٨٥٠). و«أسد الغابة» ٢/ ٢٨٤ (١٨٣٢). و«الإصابة» ١/ ٥٦٥ (٢٨٩٤). (٥) يزيد هذا قد سأل البرقانيُّ عنه الدارقطنيَّ، فقال: ثقة. وذكره ابن حبان في «ثقاته». وروى له الجماعة وأبو جعفر الطحاوي. وقال الذهبي: ثقة. وقال ابن حجر: صدوق من الثالثة. انظر ترجمته في: «الثقات» ٥/ ٥٣٣. و«الكاشف» ٢/ ٣٩٢ (٦٣٧٣). و«التقريب» ص ٦٠٦ (٧٧٩٨). و«مغاني الأخيار» ٣/ ١١٠. و«سؤالات البرقاني» ص ٤٠ (٢٥٥). عبد الرحمن، فروخ، مولى آل المنكدر، فقيه المدينة، صاحب الرأي، القرشي، مولاهم، التابعي. روى عن: السائب بن يزيد وأنس وابن المسيب. وعنه: مالك، والليث وخلق. وهو ثقة، إمام صاحب معضلات أهل المدينة ورئيسهم في الفتيا، وهو أستاذ مالك، وحظي به، فقيل لَهُ: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت نفسك؟ فقال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خيرٌ من حمل علم. وإذا قَالَ مالك: وعليه أهل بلدنا والمجتمع عليه عندنا، فإنه يعنيه. قَالَ يونس بن يزيد: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة وكان مجهوده أن يحفظ ما قاله ربيعة، تركه أبوه حملًا، ثمَّ عاد بعد سبع وعشرين سنة فوجده إمامًا، وله معه عند عوده قصة مشهورة، أَقْدَمه السفاحُ عليهِ الأنبارَ؛ ليوليه القضاء فلم يفعل وعرض عليه العطاء فلم يقبل. ومات بالمدينة. وقيل: بالأنبار سنة ست وثلاثين ومائة، في خلافة أبي العباس أول خلفائهم (١). وباقي السند تقدم التعريف بهم (٢). ثالثها:. قوله: (اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا) كذا جاء هنا عَلَى الشك وجاء في موضع آخر منه بغير شك: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا ووِكَاءَهَا» (٣) وفيه من حديث أُبي: وجدت صرة مائة دينار، فقال - ﷺ -: «عرفها حولًا» فعرفتها ------------------ (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٨٦ (٩٧٦). و«معرفة الثقات» ١/ ٣٥٨ (٤٤٦). و«الجرح والتعديل» ٣/ ٤٧٥ (٢١٣١). و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٢٣ (١٨٨١)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٨٩ - ٩٦، «شذرات الذهب» ١/ ١٩٤. (٢) ورد بهامش (س): واسم أبي عامر: عبد الملك. (٣) سيأتي برقم (٢٣٧٢). فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: «عرفها حولًا» فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثًا فقال: «احفظ وعاءها وعددها ووكاءها» الحديث. قَالَ الراوي: فلقيت، يعني: أبي بن كعب فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا (١). وفي بعض طرق حديث زيد «اعْرِفْ وِكَاءهَا وَعِفَاصَهَا، وَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ» (٢). وفي بعضها: «عرِّفها سنة، ثمَّ اعرف وِكاءها وعِفاصها، ثمَّ استنفق بها، فإن جاءَ ربُّها فأدِّها إليه» (٣) وفي مسلم: «فإن جاء صاحبها فعَرِف عفاصها وعددها ووِكاءها، فأعْطِها إياه، وإلا فهي لك» (٤) وفيه أيضًا: «ثمَّ عَرِّفها سنةً، فإنْ لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك» (٥). رابعها: اللقطة: -بضم اللام وفتح القاف- وهو: الشيء الملقوط. قَالَ القاضي: لا يجوز غيره (٦). وقال النووي: إنه المشهور (٧). قَالَ الأزهري، عن الخليل: إنها بالإسكان، وبالفتح: الرجل الملتقط. قَالَ: والذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة ورواه الأخيار --------------------- (١) سيأتي برقم (٢٤٢٦) كتاب: اللقطة، باب: إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه. ورواه مسلم (١٧٢٣) كتاب: اللقطة. (٢) سيأتي برقم (٥٢٩٢). (٣) سيأتي برقم (٢٤٣٦). (٤) برقم (٢٧٢٢/ ٦). (٥) رواه مسلم برقم (١٧٢٢/ ٥). (٦) انظر: «مشارق الأنوار» ١/ ٣٦٢. (٧) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٢/ ٢٠. فتحها (١). كذا قَالَ الأصمعي والفراء وابن الأعرابي. وفيه لغة ثالثة لقاطة بضم اللام، ولقط بفتحها، فهذِه أربع لغات، وقد جمعها ابن مالك في بيت فقال: لُقاطة ولُقْطة ولُقَطَهْ … ولقَط ما لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ والالتقاط: وجود الشيء من غير طلب، وهي مختصة بغير الحيوان كما قاله الأزهري (٢)، والحيوان يسمى ضالَّة وهوامي وهوافي بالفاء. قَالَ البيهقي: وظن مطرف أنهما بمعنى -أعني: الضالة واللقطة- واستشكل حديث الجارود: «ضالة المؤمن حرق النار» (٣) ولا إشكال ولا نسخ لما لا من الفرق. خامسها: الوِكَاء -بكسر الواو وبالمد- الخيط الذي تُشد به الصُّرة وغيرها. يقال: أوْكَيته إيكاءً، فهو مُوكى مقصور، والفعل منه مُعتل اللام بالياء، يقال: أوكى عَلَى ما في سقائه أي: شده بالوكاء، ومنه: أوكو قربكم، ومن أمثالهم بذاك أوكا وأوكي يوكي كأعطى يعطي إعطاء. وأما المهموز، بمعنى آخر، تقول: أوكأت الرجل: أعطيته ما يتوكأ ------------------ (١) انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٢٨٦ - ٣٢٨٧، مادة: «اللقط». (٢) المصدر السابق. (٣) رواه أحمد ٥/ ٨، والدارمي ٣/ ١٦٩٥ - ١٦٩٦ (٢٦٤٣ - ٢٦٤٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١٤ (٥٧٩٢ - ٥٧٩٧)، وعبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣١ (١٨٦٠٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤ (١٦٣٧ - ١٦٤١)، وأبو يعلى ٣/ ١٠٩ (١٥٣٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٣، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٥٤ ترجمة: (١٦٤). وابن حبان ١١/ ٢٤٨ (٤٨٨٧). والطبراني في «الصغير» ٢/ ٩٥ (٨٤٦)، والبيهقي ٦/ ١٩٠. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٦٢٠). عليه، واتكأ عَلَى الشيء بالهمز فهو متكئ (١). سادسها: الوِعاء بكسر الواو، ويجوز ضمها، وهي قراءة الحسن: ﴿وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] وهي لغة. وقرأ سعيد بن جبير: (إعاء أخيه)، بقلب الواو همزة، ذكره الزمخشري (٢). والعِفاص: بكسر العين المهملة ثمَّ فاء، وهو: الوعاء من جلد أو غيره. ويقال أيضًا للجلد الذي يكبس رأس القارورة؛ لأنه كالوعاء لَهُ وهو المسمى بالصمام بكسر الصاد المهملة. والسداد: بكسر السين المهملة، وهو بالفتح: القصد في الدين والسبيل. وقيل العفاص: ما يدخل فيه رأس القارورة ونحوها، والسداد والصمام: ما يدخل فيها، حكاه البطليوسي في «شرح أدب الكاتب». سابعها: الوَجنة: ما علا من لحم الخدين، وهي مثلثة الواو وفيها لغة رابعة أجنة بضم الهمزة، حكاهن الجوهري وغيره (٣). والسِّقاء والحذاء، بكسر أولهما وبالمد، والحذاء: الخف. واستعار - ﷺ - ذَلِكَ لها تشبيهًا بالمسافر الذي معه الحذاء والسقاء فإنه يقوى عَلَى قطع المفاوز، وذلك لأنها تشرب وتملأ أكراشها لما يكفيها الأيام. --------------------- (١) انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٩٤٨، مادة: [وكي]، «لسان العرب» ٨/ ٤٩١١، ٤٩١٢، مادة: [وكأ]. (٢) انظر: «الكشاف» ٢/ ٤٨٥، «المحتسب» لابن جني ٣٤٨/ ١. (٣) انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٨٤١ في مادة: [وجن]، «الصحاح» ٦/ ٢٢١٢. ثامنها: إنما أمره بمعرفة العفاص والوكاء؛ ليعرف صدق واصفها من كذبه، ولئلا يختلط بماله، ويستحب التقييد بالكتابة (خوف النسيان) (١). وعن ابن داود من الشافعية: أن معرفتهما قبل حضور المالك مستحب، وقال المتولي: يجب معرفتهما عند الالتقاط، ويعرف أيضًا الجنس والقدر وكيل المكيل وطول الثوب وغير ذلك ودقته وصفاقته. تاسعها: قوله: (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً) الإتيان بـ «ثم» هنا دال عَلَى المبالغة وسعة التثبت في معرفة العفاص والوكاء، إذ كان وضعها للتراخي والمهلة، فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذَلِكَ، وهو مؤيد لما أسلفناه عن ابن داود. العاشر: الأمر بالاستمتاع بها أمر إباحة لا وجوب. الحادي عشر: قوله: (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) الرب، هنا المالك. أي: إذا تحقق صدق واصفها إما بوصفه لها بأمارة وإما ببينة وجب ردها إليه بعد تعريف الملتقط إياها، وفي التحليف عند وصفها قولان في مذهب مالك. الثاني عشر: غضبه - ﷺ -، إنما كان استقصارًا لعلم السائل، وسوء فهمه، إذ لم يراع المعنى المشار إليه ولم يتنبه له فقاس الشيء عَلَى غير نظيره، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ولا يدري أين ----------------- (١) في (ج): خوفا من النسيان. موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنها مخالفة اللقطة اسمًا وصفة، فإنها غير عادمة أسباب القدرة عَلَى العود إلى ربها لقوة سيرها. وكون الحذاء والسقاء معها؛ لأنها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع، ومن التردي وغير ذلك، بخلاف الغنم، فإنها بالعكس، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة. الثالث عشر: قوله: (قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ» ..) إلى آخره أي: إنها مضيعة إن لم تأخذها أنتَ أخذها أخوك. أي: غيرك. أو أكلها السبع، وأبعد من قَالَ: المراد به هنا: صاحبها. ونبه بقوله: «أو للذئب» أنها كالتالفة عَلَى كل حالٍ. الرابع عشر: في أحكامه: وستأتي مبسوطة في بابه حيث ذكره إن شاء الله. ونقدم هنا مسائل: الأولى: جواز أخذ اللقطة، وهل هو مستحب أو واجب؟ فيه خلاف، وتفصيل محله كتب الفروع، والأصح عدم الوجوب. ثانيها: وجوب التعريف سنة، وهو إجماع، كما حكاه القاضي، قَالَ: ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين، إلا ما روي عن عمر، ولعله لم يثبت عنه (١). قُلْتُ: وقد روي عنه أنه يعرفها ثلاثة أشهر، وعن أحمد: يعرفها شهرًا، حكاه المحب الطبري في «أحكامه» عنه. وحكي عن آخرين: أنه يعرفها ثلاثة أيام، وحكاه عن الشاشي. --------------------- (١) انظر: «إكمال المعلم» ٦/ ١٠ - ١١. وحديث أُبي السالف مخالف لباقي الأحاديث، فيحمل عَلَى زيادة الاحتياط، ثمَّ هذا إِذَا أراد تملكها، فإن أراد حفظها عَلَى صاحبها فقط؛ فالأكثرون من أصحابنا عَلَى أنه لا يجب التعريف والحالة هذِه، والأقوى الوجوب (١). الثالثة: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير في وجوب التعريف وفي مدته، والأصح عند الشافعية أنه لا يجب التعريف في القليل سنة، بل يعرفه زمنًا يظن أن فاقده يعرض (عنه) (٢) غالبًا، والأصح في ضابط الحقير من الأوجه الخمسة أنه ما يَقِل أسف فاقده عليه غالبًا (٣). الرابعة: وجوب ردها إلى صاحبها بعينها أو ما يقوم مقامه بعد تعريفها، وأغرب الكرابيسي من الشافعية فقال: لا يلزمه ردها ولا رد بدلها (٤)، وهو قول داود في البدل وقول مالك في الشاة. الخامسة: لا فرق في إباحة الاستمتاع بها بعد التعريف بين الغني والفقير (٥)، وأباحه أبو حنيفة للفقير (٦)، وعن علي وابن عباس: يتصدق بها ولا يأكلها، وهو قول ابن المسيب، والثوري. وقال مالك: يستحب أن يتصدق بها مع الضمان (٧). وقال الأوزاعي في المال الكثير: يجعله في بيت المال بعد السنة. ----------------- (١) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٤٠٩. (٢) في (ج): عليه. (٣) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٤١٠. (٤) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٤١٣. (٥) انظر: «البيان» ٧/ ٥٣١ - ٥٣٢. (٦) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٤٠. (٧) انظر: «المعونة» ٢/ ٢٢٤. السادسة: امتناع التقاط ضالة الإبل إِذَا استغنت بقوتها عن حفظها، وخالف أبو حنيفة فقال: يجوز التقاطها مطلقًا (١). وعند الشافعية: يجوز للحفظ فقط، إلا أن توجد بقرية أو بلد فيجوز للتملك عَلَى الأصح (٢). وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل ثالثها: يجوز في القرى دون الصحراء. قيل: نهي عن التقاطها إذ بقاؤها حيث ضلت أقرب لأن يجدها ربها من أن يطلبها في أملاك الناس أو للمنع من التصرف فيها بعد التعريف أو لأكلها أو لركوبها. قالوا: وكان هذا أول الإسلام وعليه استمر الأمر في زمن أبي بكر، وعمر، فلما كان زمن عثمان وكثر فساد الناس واستحلالهم رأوا التقاطها وضمها والتعريف بها، وإن لم يأت لها صاحب بيعت ووقف ثمنها إلى أن يأتي صاحبها، وبه قَالَ مالك في رواية: لا يأخذها ولا يعرفها قبل ذَلِكَ؛ لما رأى من جور الأئمة (٣)، وقال الليث: إن وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يعرفها. السابعة: في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته (عن) (٤) صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي، وعند المالكية خلاف في ذَلِكَ، (ثالثها) (٥): (لابن القاسم) (٦) يلحق البقر دون غيرها إِذَا كانت بمكان لا يخاف -------------------- (١) انظر: «الهداية» ٢/ ٤٧١. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣. (٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ١٣٩ - ١٤٠. (٤) في (ج): من. (٥) كذا بالأصل. (٦) ساقطة من (ج). عليها فيه من السباع (١). الثامنة: جواز التقاط الشاة إِذَا خيف إتلاف ماليتها عَلَى مالكها، وفي معناها كل ما يسرع إليها الفساد من الأطعمة فيأكله ويضمنه، وقال ابن القاسم: إِذَا وجدها في مفازة أو فلاة أكلها من غير تعريف ولا ضمان (٢)، واستدل المازَري له بقوله: «هي لك» وظاهره التمليك والملك لا يعرَّف، وأجاب الأول بأن اللام للاختصاص. التاسعة: التعريف يكون عَلَى العادة كما أوضحناه في كتب الفروع. العاشرة: فيه جواز قول: رب المال ورب المتاع، ورب الماشية، بمعنى صاحبها، وأبعد من كره إضافته إلى ما له روح، دون الدار والمال ونحوه. الحادية عشرة: جواز الحكم (والفتوى) (٣) في حال الغضب، وتعوده وهو مكروه في حقنا بخلافه؛ لأن غضبه لله وهو مأمون، وقد حكم أيضًا للزبير في شراج الحرة في حال غضبه. الثانية عشرة: إِذَا عرفها سنة لم يملكها حتَّى يحتازه بلفظ عَلَى (أصح الأوجه) (٤) عندنا، وقيل: يكفي النية. وقيل: يملك بمضي السنة، وإن لم يرض بالتملك إِذَا كان قصد عند الأخذ التملك بعد التعريف (٥) لأنه جاء في رواية لمسلم: «وإلا فهي لك» (٦). ----------------- (١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ٩٨٩. (٢) انظر: «المنتقى» ٦/ ١٣٩. (٣) في (خ): والفتيا. (٤) في (خ): الأصح الأوجه. (٥) انظر: «البيان» ٧/ ٥٣١. (٦) رواه برقم (١٧٢٢/ ٦). الحديث الثالث: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَا شِئْتُمْ». قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ». فَلَمَّا رَأى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ -عز وجل-. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع (١): هنا كما ترى. ثانيها: في الاعتصام في باب: ما يُكْره مِنْ كثرةِ السؤال، وفيه: فلمَّا رَأى عُمَرُ ما في وجهِهِ من الغضبِ؛ عن يوسف بن موسى (٢). ثالثها (٣): في الفضائل، عن أبي كريب وعبد الله بن براد؛ كلهم عن أبي أسامة به (٤). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف، وحُذافة ولده عبد الله وهو السائل، وقد ذكره البخاري في الباب بعده أصرح منه. ثالثها: فيه النهي عن كثرة السؤال، وسيأتي حديث سعد: «إِنَّ أَعْظَمَ --------------------- (١) بل في موضعين، كما عند المزي في»التحفة" (٩٠٥٢). (٢) سيأتي برقم (٧٢٩١). (٣) الأولى أن يكتب هنا (ومسلم) كما عند المزي. (٤) ليس في البخاري، ورواه مسلم (٢٣٦٠) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله. المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَل عَنْ شَيْءٍ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلتِهِ» (١). وحديث المغيرة: النهي عن كَثْرَةِ السؤال (٢). وحديث أنَس أيضًا (٣)، وكلها محمولة عَلَى السؤال تكلُّفًا وتعنتًا، وما لا حاجة لَهُ به كسؤال اليهود. أما من سألَ لحادثة وقعت لَهُ فلا ذمُّ عليه بل هو واجب. قَالَ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وأما قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فالنهي عن السؤال عما لا فائدة فيه، كما سيأتي -إن شاء الله- في كتاب التفسير عن ابن عباس قَالَ: كان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت الآية (٤). ويجوز أن يكون (النهي) (٥) عما لم يذكر في القرآن مما عفا عنه، فحرم من أجل ذَلِكَ كما سلف في الحديث، وربما كان في الجواب ما يسوء السائل، كما في الآية. رابعها: سبب غضبه - ﷺ - كثرة السؤال وإحفاؤهم في المسألة وفيه إيذاء له، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فلما أكثروا عليه قَالَ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» وأخبر بما سألوه، وسكوته عند قول عمر دليل عَلَى أنه إنما قَالَ ذَلِكَ غضبًا، --------------------- (١) سيأتي برقم (٧٢٨٩) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه. (٢) سيأتي برقم (٢٤٠٨) كتاب: في الاستقراض، باب: ما ينهى عن إضاعة المال. (٣) انظر الحديث الآتي. (٤) سيأتي برقم (٤٦٢٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. (٥) في (ج): للنهي. وكأنه - ﷺ - أجاز لهم ترك تلك المسائل، فلما سألوه أجابهم، ولما رأى عمر حرصهم وقدر ما علمه الله خشي أن يكون ذَلِكَ كالتعنت له، والشك في أمره؛ فقال: إنا نتوبُ إلى الله. وقال في الحديث الأتي: (رضينا بالله ربًّا) .. إلى آخره، فخاف أن تحل بهم العقوبة لتعنتهم له، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] ولهذا قَالَ لذلك السائل أين أبي؟ «هو في النار»؛ لأنه كان منافقًا مستوجبًا لها أو عاصيًا، وأبعد من قَالَ: إنه قاله عقابًا؛ لتعنته بسؤاله، فاستوجب ذلك. خامسها: قول الرجل: (مَنْ أبي؟) إنما سأله عن ذَلِكَ -والله أعلم- لأنه كان ينتسب إلى غير أبيه إِذَا لاحى أحدًا فنسبه - ﷺ - إلى أبيه. قَالَ ابن بطال: وفي الحديث فهم عمر، وفضل علمه، وأن العالم لا يسأل إلا فيما يحتاج إليه (١). ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٧١ - ١٧٢. ٢٩ - باب مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي». فَبْرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيهِ فَقَالَ: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيًّا فَسَكَتَ. [٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ١/ ١٨٧] حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذافَةُ». ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي». فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيًّا فَسَكَتَ. هذا الحديث تقدم الكلام عليه في الحديث قبله، وبرك عمر - رضي الله عنه - على ركبتيه أدب منه وإكرام للنبي - ﷺ -، وشفقة عَلَى المسلمين؛ لئلا يؤذي أحد النبي - ﷺ - فيهلك، وقد ظهر أثر ذَلِكَ بسكوته - ﷺ - إذ ذاك. وفي بعض الروايات: فسكن غضبه (١)، فلم يزل موفقًا في رأيه ينطق الحق عَلَى لسانه. ورجال السند تقدم التعريف بهم. ------------------ (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٨٣ (١٢٨٠٦) من حديث أبي هريرة. ٣٠ - باب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ». فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا. وَقَالَ ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «هَلْ بَلَّغْتُ؟». ثَلَاثًا. [انظر: ١٧٤٢] ٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا. [٩٥، ٦٢٤٤ - فتح: ١/ ١٨٨] ٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. [انظر: ٩٤ - فتح: ١/ ١٨٨] ٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [انظر: ٦٠ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١/ ١٨٩] حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المثَنَّى ثَنَا ثُمَامَةُ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ![]() اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 466 الى صـــ 485 الحلقة (74) الكلام عَلَى ذَلِكَ من أوجه: أحدها: أما الحديث الأول وهو قوله: «أَلَا وَقَوْلُ الزورِ». هو حديث أبي بكرة، وسيأتي في كتاب: الأدب إن شاء الله بطوله (١). وأما الحديث الثاني فيأتي في خطبة الوداع إن شاء الله تعالى (٢). وأما حديث أنس، فأخرجه البحاري في الاستئذان أيضًا عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد به (٣)، وهو من أفراده. وأما حديث عبد الله بن عمرو فسلف في باب مَنْ رَفَعَ صوتَه بالعلم (٤). ثانيها: في التعريف برواتب غير من سلف التعريف به: وقد سلف التعريف بإسناد حديث عبد الله بن عمرو. وأما حديث أنس، فثمامة -بضم الثاء المثلثة- أبو عمرو ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها. روى عن جده، والبراء. وعنه عبد الله بن المثنى، ومعمر، وغيره. وثقه أحمد والنسائي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأشار ابن معين إلى تضعيفه، وقيل: إنه لم يحمد في القضاء (٥). ------------------- (١) سيأتي برقم (٥٩٧٦) باب: عقوق الوالدين من الكبائر. (٢) سيأتي برقم (٤٤٠٣) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٣) سيأتي برقم (٦٢٤٤) باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا. (٤) سلف برقم (٦٠) كتاب: العلم. (٥) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٩، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٧٧ (٢١١٦)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٦٦ (١٨٣٩)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٠٥ - ٤٠٩ (٨٥٤)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٠٤، ٢٠٥ (٧٨)، «التقريب» (٨٥٣). وقال: صدوق. وذكر حديث الصدقات لابن معين فقال: لا يصح، يرويه ثمامة عن أنس، وهو في «صحيح البخاري» كما سيأتي (١). وانفرد بحديث: كان قيس بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وهو في البخاري أيضًا كما سيأتي (٢). وروى حماد عنه، عن أنس، أنه - ﷺ - صلى على صبي فقال: «لو نجا أحدٌ من ضمة القبر لنجا هذا الصبي» وهذا منكر (٣). وأما الراوي عنه، فهو: أبو المثنى عبد الله (خ، ت، ق) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، والد محمد، القاضي بالبصرة. روى عن عمومته والحسن. وعنه ابنه وغيره. قَالَ أبو حاتم وغيره: صالح. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه (٤). وأما الراوي عنه فهو أبو سهل عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان البصري التميمي العنبري، الحافظ الحجة. روى عن ---------------- (١) سيأتي برقم (١٤٤٨) كتاب: الزكاة، باب: العرض في الزكاة. (٢) سيأتي برقم (٧١٥٥) كتاب: الأحكام، باب: الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه. (٣) رواه الطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٤٦ (٢٧٥٣). وابن عدي ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢. والضياء في «المختارة» ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٨٢٤ - ١٨٢٦). كلهم من حديث أنس. وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٤٧ (٤٢٦٠) وقال: رجاله موثقون. ورواه الطبراني ٤/ ١٢١ (٣٨٥٨) من حديث أبي أيوب، وصحح الألباني هذِه الرواية في: «الصحيحة» (٢١٦٤). (٤) أبو المثنى هذا: وثقة الترمذي والدارقطني. وسئل عنه أبو زرعة فقال: هو صالح. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٠٥ (٦٥٩). «الجرح والتعديل» ٥/ ١٧٧ (٨٣٠). «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٥ - ٢٧ (٣٥٢١). «مقدمة فتح الباري» ص ٤١٦. شعبة وغيره. وعنه ابنه، وعبدة، والذهلي. مات سنة سبع ومائتين (١). وأما الراوي عنه، فهو: عبدة (خ، الأربعة) بن عبد الله بن عبدة الخزاعي الصفار. روى عن عبد الصمد وغيره. وعنه البخاري والأربعة وابن خزيمة، وخَلْق. وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثمانٍ وخمسين ومائتين (٢). فائدة: سلف لنا أيضًا عبدة بن سليمان. وفي الكتب الستة: عبدة ثلاثة أخر: ابن سليمان المروزي، روى لَهُ أبو داود (٣)، وابن عبد الرحيم (س) المروزي، روى له النسائي (٤)، وابن ------------------- (١) أبو سهل هذا: قال عنه ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٠. «التاريخ الكبير» ٦/ ١٠٥٤ (١٨٤٨). «الجرح والتعديل» ٦/ ٥٠ - ٥١ (٢٦٩). «الثقات» لابن حبان ٨/ ٤١٤. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٩٩ - ١٠٢ (٣٤٣١). «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥١٦ - ٥١٧ (١٩٨). (٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٩٠ (٤٢٦). «الثقات» ٨/ ٤٣٧. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٣٧ - ٥٣٩ (٣٦١٦)، ١/ ٦٧٧ (٣٥٢٨)، «التقريب» (٤٢٧٢). (٣) هو عبدة بن سليمان المروزي، أبو محمد، ويقال: أبو عمرو، صاحب ابن المبارك نزل المصيصة، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مستقيم الحديث. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٥ (١٨٨٠). «الجرح والتعديل» ٦/ ٨٩ (٤٥٨). «الثقات» ٨/ ٤٣٧. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٣٤ (٣٦١٤). (٤) هو عبدة بن عبد الرحيم بن حسان المروزي، أبو سعيد، نزيل دمشق. قال أبو حاتم: صدوق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: شيخ صالح. وقال النسائي: ثقة. = أبي لبابة (خ، م، ت، س، ق) رووا له خلا أبي داود (١). فائدة ثانية: في الكتب الستة: عبد الصمد ثلاثة: هذا أحدهم، وثانيهم: ابن حبيب العوذي، أخرج لَهُ أبو داود وفيه لين (٢). وثالثهم: ابن سليمان (ت) البلخي الحافظ، عنه الترمذي (٣). -------------------- = وقال في موضع آخر: صدوق لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٩٠ (٤٦١). «الثقات» ٨/ ٤٣٦. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٣٩ (٣٦١٧)، «التقريب» (٤٢٧٣). (١) هو عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري، مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم الكوفي البزار، نزيل دمشق، وهو خال الحسن بن الحر. قال يعقوب بن سفيان، وأبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وزاد يعقوب: من ثقات أهل الكوفة. انظر ترجمته في: «الطبقات» ٦/ ٣٢٨. «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٤ (١٨٧٧). «معرفة الثقات» ٢/ ١٠٨ (١١٤٩). «الجرح والتعديل» ٦/ ٨٩ (٤٥٥). «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٤١ (٣٦١٨). (٢) عبد الصمد هذا ضعفه أحمد. وقال يحيى بن معين عندما سئل عنه: ليس به بأس. وليَّن حديثه أبو حاتم والبخاري وأحمد. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٠٦ (١٨٥٣). «الجرح والتعديل» ٦/ ٥١ (٢٧١). «الضعفاء الكبير» للعقيلي ٣/ ٨٣ (١٠٥٢). «الكامل» ٧/ ٣٢ (١٤٩١). «تهذيب الكمال» ١٨/ ٩٤ (٣٤٢٨). «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٧٩. (٣) عبد الصمد هذا هو ابن سليمان بن أبي مطر العتكي، أبو بكر البلخي الأعرج الحافظ، لقبه عبدوس. ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: كان ممن يتعاطى الحفظ. قال ابن حجر: ثقة حافظ. انظر: ترجمته في «الثقات» ٨/ ٤١٥. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٩٦ (٣٤٢٩). «تقريب التهذيب» ٣٥٦ (٤٠٧٨). «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٨٠. فائدة ثالثة: ليس في الستة ثمامة بن عبد الله غير هذا، وفيهم ثمامة ستة غيره (١). ثالثها: كرر - ﷺ - الكلام ثلاثًا ليفهم عنه كما سلف ويحفظ أيضًا، فينقل عنه، قَالَ أبو الزناد: إنما كان كان يكرر الكلام والسلام إِذَا خشي أن لا يفهم عنه، أو لا يسمع كلامه، أو أراد الإبلاغ في التعليم والزجر في الموعظة. وفي الحديث دلالة عَلَى أن الثلاث غاية ما يقع به البيان، إذ لم يتعده وقد جاء في حديث أبي موسى في الاستئذان: «إذا استأذنَ أحدُكم ثلاثًا» (٢) الحديث، واختلف فيما إِذَا ظن أنه لم يسمع هل يزيد عَلَي الثلاث؟ فقيل: لا، عملًا بظاهر الحديث، وقيل: نعم. ------------------ (١) هم: ١ - ثمامة بن حزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير القشيري البصري. ٢ - ثمامة بن شراحيل اليماني. ٣ - ثمامة بن شُفيّ الهمداني. ٤ - ثمامة بن عقبة المحملي الكوفي. ٥ - ثمامة بن كلاب. ٦ - ثمامة بن وائل بن حصين بن حمام. انظر ترجمتهم في «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٠١ - ٤١١ (٨٥١ - ٨٥٧). (٢) سيأتي برقم (٦٢٤٥) باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا. ٣١ - باب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ ١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ- حَدَّثَنَا الُمحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاَثةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَالْعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ [يَطَؤُهَا] (١) فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ». ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الَمدِينَةِ. [٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ١/ ١٩٠] حدثنا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابن سَلَامٍ - ثنَا المُحَارِبِيُّ ثنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَالْعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ». ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع هذا أحدها. ثانيها: في العتق مختصرًا عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن فضيل، عن ----------------- (١) هذِه اللفظة ليست في «اليونينية» وفي هامشها مصححا أنها من رواية أبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت والأصيلي. وستأتي في نص ابن الملقن. مطرف، عن الشعبي (١). وفيه أيضًا عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن صالح (٢). ثالثها: في الجهاد، عن علي عن ابن عيينة (٣). رابعها: في النكاح عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن صالح به (٤). وفيه في رواية: «أعتقها ثمَّ أصدقها» (٥) وأخرجه مسلم في الإيمان من طرق إلى الشعبي (٦). وفي النكاح مختصرًا أيضًا (٧). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا صالح بن حيان، والمحاربي. أما صالح: فهو أبو الحسن صالح بن صالح بن مسلم بن حيان. ويقال: صالح بن حي -وحي لقب- الهمداني الكوفي الثوري ثور همدان، وهو ثور بن مالك بن معاوية بن دومان بن بكيل بن جشم بن خيوان (بن) (٨) نوف بن همدان- وهو والد الحسن وعلي. أخرج لَهُ البخاري في العتق والجهاد والنكاح والأنبياء من حديث الثوري، وابن عيينة، وغيرهما عنه، عن الشعبي، ونسبه هنا إلى جده -------------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٤٤) باب: فضل من أدب جاريته وعلمها. (٢) سيأتي برقم (٢٥٤٧) باب: العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده. (٣) سيأتي برقم (٣٠١١) باب: فضل من أسلم من أهل الكتابين. (٤) سيأتي برقم (٥٠٨٣) باب: اتخاذ السراري. (٥) ذكره البخاري معلقًا بعد حديث (٥٠٨٣) كتاب: النكاح، باب: اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها. (٦) رواه برقم (١٥٤) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ -. (٧) برقم (١٥٤/ ٨٦) بعد (١٣٦٥) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثمَّ يتزوجها. (٨) من (ج). الأعلى. فقال: صالح بن حيان، وليس بصالح بن حيان القرشي الكوفي الذي يحدث عن أبي وائل وابن بريدة. وعنه يعلى بن عبيد، ومروان بن معاوية، فإن فيه نظرًا، قاله البخاري في «تاريخه»، نبه عَلَى ذَلِكَ الكلاباذي، وابن طاهر وغيرهما (١). وقال الدارقطني: هما رجلان أخرج لهما البخاري: صالح بن حي الهمداني وصالح بن حيان. وقال أحمد ويحيى: صالح بن صالح بن مسلم ثقة. وقال سفيان بن عيينة: ثنا صالح بن صالح بن حي وكان خيرًا من ابنيه علي والحسن، وكان علي خيرهما. وقال العجلي: ثنا صالح بن صالح الثوري من ثور همدان، كان ثقة يروي عن الشعبي أحاديث يسيرة، وما نعرف عنه في المذاهب إلا خيرًا. وقال في موضع آخر: جائز الحديث، يكتب حديثه، وليس بالقوي في أعداد الشيوخ. قَالَ الكلاباذي: مات هو وابنه علي سنة ثلاث وخمسين، وابنه الحسن سنة سبع وستين ومائة (٢). وأما المحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد. عنه محمد بن سلام وغيره. قَالَ يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق إِذَا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد ------------------- (١) صالح بن حيان القرشي، ويقال: الفراسي، ضعفه يحيى بن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، شيخ. وقال النسائي: ليس بثقة. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٧٥ (٢٧٨٩). «ضعفاء العقيلي» ٢/ ٢٠٠ (٧٢٥). «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٩٨ (١٧٢٩). «تهذيب الكمال» ٣٣/ ١٣ (٢٨٠٢)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (١٧٣). (٢) انظر ترجمته في «معرفة الثقات» ١/ ٤٦٤ (٧٤٩). «الثقات» ٦/ ٤٦١. «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٤ (٢٨١٦)، «الكاشف» ١/ ٤٩٥ (٣٢٤٢). حديثه بروايته عنهم. مات سنة خمس وتسعين ومائة (١). الوجه الثالث: قوله: «يطؤها» هو مهموز، وكان القياس: «يوطؤها» مثل يوجل؛ لأن الواو إنما تحذف إِذَا وقعت بين الياء ونظائرها. قَالَ الجوهري: إنما سقطت الواو لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلا لازمًا، فلما جاءا من بين أخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما (٢). وقول الشعبي: (أعطيناكها بغير شيء)، فيه تعريف المتعلم قدر ما أفاده من العلم، وما خصه به ليكون ذَلِكَ أدعى لحفظه وأجلب لحرصه. وقوله: (قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ). فيه: إثبات فضل المدينة، وأنها معدن العلم وموطنه، وإليها كان يرحل في طلبه ويقصد في اقتباسه. الرابع: نطق الشارع بأن هؤلاء الثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، والمراد بالكتابي: من كان عَلَى الحق في شرعه، ثمَّ تمسك به إلى أن جاء نبينا - ﷺ - فآمن به واتبعه، فله أجران باتباع الحق الأول والحق الثاني، فأما من لم يكن عَلَى الحق في شرعه، ثمَّ أسلم فلا يؤجر إلا عَلَى الإسلام خاصة، وإليه يرشد تبويب البخاري في الجهاد باب: فضل ----------------- (١) وثقه النسائي وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن حجر في «التقريب»: لا بأس به وكان يدلس، قاله أحمد. انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٨٢ (١٣٤٢). «تهذيب الكمال» ١٧/ ٣٨٦ (٣٩٤٩)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٣٦ - ١٣٨ (٤٦)، «التقريب» ٣٤٩ (٣٩٩٩). (٢) «الصحاح» ١/ ٨١. من أسلم من أهل الكتابين، وقال في الحديث: «وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ الذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَهُ أَجْرَانِ» (١)، وقيل ذَلِكَ في كعب وعبد الله بن سلام. وقال الداودي: يريد النبي - ﷺ - النصارى خاصة الذين بعث النبي - ﷺ - وهم عَلَى دين عيسى، ولا يصح أن يرجع إلى اليهود؛ لأنهم كفروا بعيسى، ولا ينفع معه الإيمان بموسى ولا إلى غيرهم ممن كان عَلَى غير الإسلام، وإنما يوضع عنه بالإسلام ما كان عليه من الكفر. قَالَ: ويحتمل أن يكون ذَلِكَ في سائر الأمم فيما فعلوه من خير؛ لقوله - ﷺ - لحكيم بن حزام: «أسلمت عَلَى ما أسلفت من خير» (٢)، وقوله: «إِذَا أَسْلَمَ الكافر فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كتب له بكل حسنة كَانَ زَلَفَهَا» (٣). وقال المهلب: فيه دليل عَلَى أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين والله يضاعف لمن يشاء، وحصول الأجر مرتين بكونه أدى حق الله وحق مواليه كما نطق به الحديث. وفي رواية: «ونصح لسيده» (٤) وحصول الأجر مرتين في حق الأمة بأجر التأديب والتعليم والعتق والتزويج إِذَا قارنتها النية. والمعنى فيه: أن الفاعل لهذا بريء من الكبر والمباهاة إِذَا لم ينكح --------------- (١) سيأتي برقم (٣٠١١) (٢) سيأتي برقم (٢٢٢٠) كتاب: البيوع، باب: شراء المملوك من الحربي. ورواه مسلم برقم (١٢٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. (٣) سبق برقم (٤١) كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء. (٤) رواه أحمد ٤/ ٤٠٥، والطبري في «تفسيره» ١١/ ٩٥ (٣٣٦٩٧)، والجرجاني في «تاريخ جرجان» ١/ ٤١٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٢٩. ذات شرف ومنصب. والرواية (السالفة) (١): «أعتقها ثمَّ أصدقها» (٢) لا ينافيه. وفي أخرى: «ومن كانت عنده جارية فعالها وأحسن إليها، ثمَّ أعتقها وتزوجها» (٣). وفي مسلم: «فغذاها وأحسن غذاءها، ثمَّ أدبها» (٤) وفي أوله: أن رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال: يا أبا عمرو، إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثمَّ تزوجها فهو كالراكب بدنته. وفي طريق: كالراكب هديه (٥). كأنهم توهموا في العتق التزوج، والرجوع بالنكاح فيما خرج عنه بالعتق، فأجابه الشعبي بما يدل عَلَى أنه محسن إليها إحسانًا بعد إحسان، وأنه ليس من الرجوع في شيء فذكر لهم الحديث. ----------------- (١) في (ج): الثانية. (٢) سيأتي برقم (٥٠٨٣). (٣) سبق تخريجه. (٤) سبق تخريجه. (٥) رواه أبو عوانة في «مسنده» ٣/ ٦٧ (٤٢٢٢)، وابن حبان ٩/ ٣٦٠ (٤٠٥٣). ٣٢ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ ٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشهَدُ عَلَى ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُسْمِعِ [النِّسَاءَ] فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الَمرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. [٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ١/ ١٩٢] حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم في العيدين عن أبي بكر وابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب (١). وعن ابن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج كلاهما عن عطاء (٢)، وسيأتي من حديث جابر في العيد ------------------- (١) رواه برقم (٨٨٤/ ٢). (٢) فأما الأول فنعم. وأما الثاني فرواه مسلم (٨٨٤/ ١)، عن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس. وما ذكره المصنف هو إسناد حديث جابر (٨٨٥) التالي لحديث ابن عباس. إن شاء الله (١). وفيه: (فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها (٢). وفي مسلم: فجعلن يلقين الفتخ (والخواتيم) (٣). وفي بعضها: قُلْتُ لعطاء: زكاة الفطر؟ قَالَ: لا، ولكن صدقة تصدقنَ بها حينئذ (٤). وفي حديث جابر قَالَ: «تصدقنَ فإن أكثركنَّ حطب جهنم». وفيه فقالت امرأة: لم يا رسول الله؟ قَالَ: «لأنكنَّ تُكْثرن الشكاةَ وتَكْفُرنَ العَشِير» قَالَ: فجعلن يتصدقن من أقرُطِهن وخَواتيمِهِنَّ (٥). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء، وهو الإمام الجليل أبو محمد عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم المكي القرشي، مولى ابن خثيم الفهري، وابن خثيم عامل عمر بن الخطاب عَلَى مكة. ولد عطاء في آخر خلافة عثمان. وروي عنه أنه قَالَ: أعقل قتل عثمان. ويقال: إنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن، ونشأ بمكة وصار مفتيها. وهو من كبار التابعين. روى عن العبادلة وعائشة وغيرهم. وروى عنه الليث حديثًا واحدًا. وجلالته وبراعته وثقته وديانته متفق عليها، وحج سبعين حجة، وكانت الحلقة بعد ابن عباس له. --------------------- (١) سيأتي برقم (٩٧٨) باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد. (٢) سيأتي معلقًا قبل حديث (١٤٤٨) كتاب: الزكاة، باب: العرض في الزكاة. (٣) في مسلم: الخواتم. (٤) سيأتي برقم (٩٧٨) كتاب: الجمعة، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد، ومسلم (٨٨٥) كتاب: العيدين، وابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٣٤٨ (١٤٤٤) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن خزيمة. (٥) رواه مسلم (٨٨٥). مات سنة خمس عشرة وقيل: أربع عشرة ومائة. عن ثمانين سنة. وكان حبشيًا أسود أعور أفطس أشل أعرج لامرأة (له) (١)، من أهل مكة، ثم عمي بآخره، ولكن العلم والعمل به رفعه. ومن غرائبه أنه: إِذَا أراد الإنسان سفرًا لَهُ القصر قبل خروجه من بلده، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود، وخالفه الجمهور. ومن غرائبه أيضًا أنه: إِذَا وافق يوم عيد يوم جمعة يصلي العيد فقط ولا ظهر ولا جمعة في ذَلِكَ اليوم (٢). ثالثها: القرط: ما كان في شحمة الأذن ذهبًا كان أو غيره، قاله ابن دريد. والخاتم: بفتح التاء وكسرها وخَاتَام وخِيتَام وخِتَام وخَتَم هذِه ست لغات تقدمت (٣). والخرص: بضم الخاء المعجمة، حلقة صغيرة من الحلي تكون في الأذن كما قاله عياض (٤)، وفي «البارع»: هو القرط يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة. والسخاب: قلادة من طيب أو مسك قاله البخاري (٥). -------------------------- (١) من (ج). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤ (٢٩٩٩). «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٥ (١٢٣٦). «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٠ (١٨٣٩). «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٦٩ (٣٩٣٣)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٧٨ - ٨٨ (٢٩)، «جامع التحصيل» رقم (٥٢٠)، «شذرات الذهب» ١/ ١٤٧. (٣) انظر: «الجمهرة» ١/ ٣٨٩، وراجع كلام المصنف في الحديث رقم (٦٥). (٤) انظر: «مشارق الأنوار» ١/ ٢٣٣. (٥) ذكره البخاري قبل حديث (٥٨٨١) كتاب: اللباس، باب: القلائد والسخاب للنساء. قَالَ ابن الأنباري: هي خيط تنظم فيه خرزات ويلبسه الصبيان والجواري. وقيل: قلادة من قرنفل ومسك ليس فيها من الجوهر شيء. والفتخ بالخاء المعجمة، قَالَ البخاري عن عبد الرزاق: هي خواتيم عظام (١). وأطلق غيره: أنها الخواتيم، واحدها فتخة. وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها. وفي «الجمهرة»: الفتخة: حلقة من ذهب أو فضة لا فصوص لها، وربما اتخذلها فص كالخاتم (٢). وقوله فيما مضى: «أقرطتهن»: قَالَ القاضي: صوابه قِرَطتهن؛ لأن القرط يجمع عَلَى قرطة مثل خرج وخرجة، وعلى أقراط وقراط وقروط، ولا يبعد أن يكون جمع الجمع لاسيما وقد صح في لفظ الحديث. رابعها: في أحكامه: الأول: افتقاد (٣) الإمام رعيته وتعليمهم ووعظهم الرجال والنساء في ذَلِكَ سواء لقوله: (فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن). الثاني: عدم افتقار صدقة التطوع إلى إيجاب وقبول، بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره، وهذا هو الصحيح عندنا، وأبعد من قَالَ بافتقاره. الثالث: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذَلِكَ عَلَى الثلث من مالها وهو مذهب الشافعي والجمهور، وقال مالك: لا تجوز الزيادة عَلَى الثلث من مالها إلا برضا زوجها. وجه الدلالة للجمهور: أنه - ﷺ - لم يسألهن هل استأذنَّ أزواجهن في ذَلِكَ أم لا؟ ------------------------ (١) سيأتي برقم (٩٧٩) كتاب: العيدين، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد. (٢) «الجمهرة» ١/ ٣٨٩. (٣) في «اللسان» ٦/ ٣٤٤٤: وافتقد الشيء: طلبه. وهل هو خارج عن الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأجاب القاضي: بأن الغالب حضور أزواجهن. وإذا كان كذلك فتركهم الإنكار رضا منهم بفعلهن، وهو ضعيف كما قَالَ النووي؛ لأنهن معتزلات لا يعلم الرجال المتصدقة منهن من غيرها، ولا قدر ما يتصدقن به ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا (١). وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا يجوز لامرأةٍ أمر في مالها إِذَا ملك زوجها عصمتها» رواه أبو داود (٢) وله وللنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لا تحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» (٣). قَالَ البيهقي: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثباته (٤). فالجواب عنه من أوجه: أحدها: معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة عَلَى الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه فقدمت عليه، وقد يقال: هي واقعة حال؛ فيمكن حملها عَلَى أنها كانت قدر الثلث. ثانيها: عَلَى تسليم الصحة، أنه محمول عَلَى الأولى والأدب والاختيار، ذكره الشافعي في البويطي، قَالَ: وقد أَعْتَقَتْ ميمونة فلم يعب النبي - ﷺ - عليها. ----------------------- (١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٦/ ١٧٣. (٢) رواه برقم (٣٥٤٦) كتاب: البيوع، باب: في عطية المرأة بغير إذن زوجها، والحاكم ٢/ ٤٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٢٥). (٣) رواه أبو داود (٣٥٤٧). والنسائي ٥/ ٦٥ - ٦٦. وابن ماجه (٢٣٨٨)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٨٢٥). (٤) «السنن الكبرى» ٦/ ٦٠. ثالثها: الطعن فيه، قَالَ الشافعي: هذا الحديث سمعناه وليس بثابت فيلزمنا أن نقول به، والقرآن يدل عَلَى خلافه، ثمَّ الأثر، ثم المنقول، ثمَّ المعقول. قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] الآية ولم يفرق، فدلت هذِه الآيات عَلَى نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها، وقال - ﷺ - لزوجة الزبير: «ارضخي ولا توعي فيوعي الله عليك» (١) متفق عليه. وقال: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٢). واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها بكل شيء فلم ينكر ذَلِكَ ابن عمر. وأما أبو محمد بن حزم فإنه طعن في حديث عمرو بن شعيب بأن قَالَ: صحيفة منقطعة وقد علمت أن شعيبًا صرح بعبد الله بن عمرو (فلا) (٣) انقطاع (٤)، وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم عن عمرو به، ثمَّ قَالَ: صحيح الإسناد (٥). ----------------------- (١) سيأتي برقم (١٤٣٤) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة فيما استطاع. ومسلم برقم (١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء. (٢) سيأتي برقم (٢٥٦٦) كتاب: الهبة، باب: فضل الهبة. ومسلم (١٠٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة من حديث أبي هريرة. (٣) في (ج): بلا. (٤) انظر: «المحلى» ١١/ ١٥١. (٥) في «المستدرك» ٢/ ٤٧. ثمَّ ذكره ابن حزم من حديث ابن عمر: سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: ما حق الزوج عَلَى زوجته؟ قَالَ: «لا تصدق إلا بإذنه، فإنْ فعلتْ كان له الأجْر وكان عليها الوِزر». ثمَّ قَالَ: هذا خبر هالك؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول، وليث بن أبي سليم، وليس بالقوي. وهو غريب منه فإن موسى بن أعين روى عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي (١)، نعم فيه الحسن بن عبد الغفار (٢) وهو مجهول فليته أعله به. ثمَّ ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة رفعه: «لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه» قيل: يا رسول الله، ولا الطعام. قَالَ: «ذَلِكَ أفضل أموالنا» ثمَّ قَالَ: إسماعيل ضعيف وشرحبيل مجهول لا يدرى من هو (٣). وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشرحبيل شامي وحاشاه من الجهالة. روى عنه جماعة، وقال أحمد: هو من ثقات الشاميين، ووثقه. -------------------- (١) هو موسى بن أعين الجزري، أبو سعيد الحراني مولى بني عامر ابن لؤي، وهو والد محمد بن موسى بن أعين، وعم الحسن بن محمد بن أعين. قال الجوزجاني وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، كما ذكره ابن حبان في «الثقات»، قدم مصر وكتب بها وكتب عنه، وقال أبو سعيد بن يونس مات سنة خمس وسبعين ومائة، وقال ابن حجر: ثقة عابد. سنة خمس أو سبع وسبعين ومائة. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١ (١١٩٠). «الجرح والتعديل» ٨/ ١٣٦ - ١٣٧ (٦١٦). «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٧ - ٢٩ (٦٢٣٦). (٢) ورد بهامش (س): الحسن بن عبد الغفار لم أر له ترجمة في الميزان. (٣) انظر: «المحلى» ٨/ ٣١٥ - ٣١٩ بتصرف. نعم ضعفه ابن معين (١). وقد أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن (٢). الرابع: أن الصدقة تنجي من النار، فإنه - ﷺ - أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وقيل: إنما أمرهن بها؛ لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة وكانت الصدقة يومئذ أفضل وجوه البر. ---------------------- (١) شرحبيل بن مسلم بن حامد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ضعيف لكن نقل عباس الدوري عنه أنه ثقة. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: صدوق فيه لين، من الثالثة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٥٢ (٢٧٠٠). و«معرفة الثقات» ١/ ٤٥١ (٧٢٢). «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٤٠ (١٤٩٥). «ثقات ابن حبان» ٤/ ٣٦٣. «التقريب» ٢٦٥ (٢٧٧١). (٢) الترمذي (٦٧٠)، ابن ماجه (٢٢٩٥). ٣٣ - باب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ ٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيِدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ -أَوْ- نَفْسِهِ». [٦٥٧٠ - فتح: ١/ ١٩٣] حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ الناسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ -أَوْ- نَفْسِهِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه هنا عن عبد العزيز، عن سليمان بن بلال. وأخرجه في صفة الجنة عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر كلاهما عن عمرو به، وفيه: قُلْتُ: (يا رسول الله) (١). والحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا شيخ البخاري، وعمرو بن أبي عمرو. ------------------ (١) سيأتي برقم (٦٥٧٠) كتاب: الرقاق. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 486 الى صـــ 505 الحلقة (75) أما عمرو (ع): فهو أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو ميسرة، وميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي المدني. عن أنس بن مالك وغيره. وعنه: مالك، والدراوردي. قَالَ أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وأما يحيى بن معين فقال: ضعيف ليس بالقوي وليس بحجة. وقال ابن عدي: لا بأس به؛ لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي إلا عن صدوق ثقة. مات في أول خلافة المنصور وكانت أول سنة ست وثلاثين ومائة وزياد بن (عبيد) (١) الله عَلَى المدينة (٢). وأما شيخ البخاري فهو أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن (سعد) (٣) بن أبي سرح بن حذيفة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن فهر أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المديني الثقة. روى عنه البخاري بغير واسطة، وأبو داود والترمذي عن رجل عنه، وروى البخاري في الإصلاح عن محمد بن عبد الله مقرونًا بالفروي عنه، عن محمد بن جعفر. قَالَ أبو حاتم: مديني صدوق. وعنه قَالَ: هو أحب إلي من يحيى بن بكير (٤). -------------------- (١) في (ج): عبد. (٢) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٨). «الكامل» لابن عدي ٦/ ٢٠٥ (١٢٨٢). «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٦٨ (٤٤١٨)، «ميزان الاعتدال» ٤/ ٢٠١ (٦٤١٤)، «جامع التحصيل» (٥٧٩). (٣) في الأصل: سعيد، وهو خطأ. انظر ترجمته من «التعديل والتجريح» ٢/ ٨٩٨. (٤) انظر ترجمته في «الثقات» ٨/ ٣٦٩. «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٨٧ (١٨٠٤). «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٦٠ (٣٤٥٧)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٨٩ (١٠٦)، «الكاشف» ١/ ٦٥٦ (٣٣٩٧). ثالثها: قوله: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ): كذا وقع في رواية أبي ذر، والصواب حذف قيل كما جاء عند الأصيلي والقابسي (١)؛ لأن السائل هو أبو هريرة نفسه، وقد أسلفنا أن البخاري رواه مرة بلفظ: (قُلْتُ: يا رسول الله). رابعها: قوله: «أَوَّلُ مِنْكَ» يجوز في أول الرفع عَلَى الصفة والنصب عَلَى الظرف، والرواية بالرفع. وذكر بعضهم أنه روي بالنصب أيضًا، أي: قبلك. قَالَ سيبويه: معنى أول منك: أقدم منك. وقال السيرافي: يقال: هذا أول منك، ورأيت أول منك، ومررت بأول منك، فإذا حذفوا منك قالوا: هو الأول، ولا يقولوا: الأول منك؛ لأن الألف واللام تعاقب منك. وقال أبو علي الفارسي: أول تستعمل اسمًا وصفة، فإن استعملت صفة كانت بالألف واللام أو بالإضافة أو بـ (من) ظاهرة أو مقدرة، فإن كانت بـ (من) جرت في الأحوال كلها عَلَى لفظ واحد تقول: هذا أول من زيد. والزيدان أول من العمرين، ولا ينصرف لوزن الفعل والصفة. قَالَ: وإن شئت نصبت أول عَلَى الظرف، وإن كان معناه الصفة تقول: رأيت زيدًا أول، تريد أول من عامنا، فأول بمنزلة قبل، كانك قُلْت: رأيت زيدًا عامًا قبل عامنا، فحكم له بالظرف، حتَّى قالوا: ابدأ بهذا أوله، وبنوه عَلَى الضم. كما قالوا: ابدأ به قبل. فصار كأنه --------------------- (١) «اليونينية» ١/ ٣١. قطع عن الإضافة، ومن النصب عَلَى الظرف قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كما تقول: الركب أمامك، وأصله الصفة، وصار أسفل ظرفًا، والتقدير: والركب في مكان أسفل من مكانكم، ثمَّ حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، فصار أسفل منكم بمنزلة تحتكم، ومن لم يجعل أولًا صفة صرفه، يقول: ما ترك لنا أولًا ولا آخرًا. وأما أصله، فقال الجوهري: أَوْأَلْ بهمزة متوسطة فقلبت الهمزة واوًا وأدغمت، يدل عليه قولهم: هذا أول منك، والجمع الأوائل، والأوائل: عَلَى القلب، وهذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: وزنه فوعل أصله وَوْأَل فنقلوا الهمزة إلى موضع الفاء، ثمَّ أدغموا الواو في الواو، وهو من وَأَلَ إِذَا نجا، كأن في الأول النجاة. خامسها: في فوائده: الأولى: الحرص عَلَى العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض، ودقيق المعاني؛ لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها؛ لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ، فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليه أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. الثانية: تفرس العالم في متعلمه وتنبيهه عَلَى ذَلِكَ؛ ليكون أبعث عَلَى اجتهاده. الثالثة: سكوت العالم عن العلم إِذَا لم يُسأل حتَّى يُسأل، ولا يكون ذَلِكَ كتمًا؛ لأن عَلَى الطالب السؤال، اللَّهُمَّ إلا إِذَا تعين عليه فليس لَهُ السكوت. الرابعة: أن الشفاعة إنما تكون في أهل التوحيد، وهو موافق لقوله - ﷺ -: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وإني اختبأت دَعْوَتي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَة، فهي نائلة - إن شاء الله تعالى- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١). الخامسة: ثبوت الشفاعة، والأحاديث جارية مجري القطع في ذَلِكَ، وهو مذهب أهل السنة، وأنها جائزة عقلًا وواجبة بصريح الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لمذنبي المؤمنين، وهو إجماع السلف ومن بعدهم منهم. ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث عَلَى زيادات الدرجات والثواب، واجتمعوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وهذا إنما جاء في الكفار، والأحاديث مصرحة بها في (الموحدين) (٢) المؤمنين. ثمَّ هي أقسام: أحدها: الإراحة من هول الموقف. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: عدم دخول النار لمن استوجبها بذنبه. الرابعة: في إخراجهم منها، ويشفع في هذِه المؤمنون أيضًا. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها. السادسة: في تخفيف العذاب كما في حق أبي طالب. ---------------- (١) سيأتي برقم (٧٤٧٤) كتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرداة. رواه مسلم برقم (١٩٩) كتاب: الإيمان، باب: اختباء النبي - ﷺ - دعوة الشفاعة لأمته. (٢) من (ج). السابعة: فيمن مات بالمدينة كما صح في الحديث. وقد أوضحتُ هذِه الأقسام في كتابي «غاية السّوْل في خصائص الرسول» (١)، وقد عُرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة، ولا التفات إلى من كره سؤالها؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فقد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثمَّ كل عاقل معترف بالتقصير مشفق من الأمر الخطير، ويلزم هذا القائل أن لا يدعي بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب وهذا كله خارج عن المطلوب. اللَّهُمَّ لا تحرمنا شفاعة رسولك يا علام الغيوب. ---------------------- (١) ص ١٨٠: ص ١٨٤. ٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ؟ (١) وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْم وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلْتُفْشوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ. ١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [٧٣٠٧ - مسلم: ٢٦٧٣ - فتح: ١/ ١٩٤] حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ الثهِ بْن عَمْرِو بْنِ العَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا،. فَأَفتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ. الكلامُ عَلَى ذَلِكَ من وجوهٍ: ------------------- (١) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الثاني بعد الثلاثين كتبه مؤلفه، غفر الله له. أحدها: حديث عبد الله بن عمرو أخرجه هنا كما ترى، وفي الاعتصام عن سعيد بن تليد، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة به (١). وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة، عن جرير وغيره، عن هشام، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن أبي شريح، عن أبي الأسود به (٢). وفي بعض طرق البخاري: «فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ» (٣). وفي بعض طرق الحديث: «لكن يقبضُ العلماءَ فيرفع العِلم مَعَهم» (٤). ثانيها: قوله: (حَدَّثَنَا العلاء) إلى قوله: (ذِهاب العلماء). وقوله: (قَالَ الفربري) إلى قوله: (نحوه) سقط عند الكُشْمِيْهَني، وذكره البرقاني عن الإسماعيلي: حَدَّثنَا العلاء كما ذكره البخاري سواء. ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف. أما ابن حزم: فهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري المدني. قَالَ الخطيب: إن اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد. ومثله أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، كنيته أبو عبد الرحمن. قَالَ: ولا نظير لهما. أي: ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من اشتهر بكنيته ولم يعرف لَهُ اسم غيره فكثير، ذكر ابن عبد البر وغيره -------------------- (١) سيأتي برقم (٧٣٠٧) باب: ما يذكر من ذم الرأي. (٢) سيأتي برقم (٢٦٧٣) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل. (٣) سيأتي برقم (٧٣٠٧). (٤) رواه مسلم برقم (٢٦٧٣). منهم جماعة كثيرة. وقد قيل في أبي بكر بن محمد: أنه لا كنية لَهُ غير أبي بكر اسمه. وقال ابن عبد البر: قيل اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا المغيرة. ولا يصح. وَلِي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك. وعمر بن عبد العزيز، وكان يخضب بالحناء والكتم ويتختم في يمينه. مات سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك. ابن أربع وثمانين سنة. سُئِلَ يحيى بن معين عن حديث عثمان بن حكيم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عرضت عَلَى النبي - ﷺ -، فقال: مرسل (١). وأما عبد العزيز بن مسلم: فهو القسملي مولاهم أخو المغيرة بن مسلم الخراساني المروزي، نسبه إلى القساملة، وقيل لهم ذَلِكَ؛ لأنهم من ولد قسملة، واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان، وهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل، وقيل: نزل فيهم فنسب إليهم. وكان عبد العزيز هذا من الأبدال (٢)، وثقه يحيى بن معين وغيره. مات سنة سبع وستين ومائة (٣). ------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ٠٦٩. «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٣٧ (١٤٩٢). «الثقات» ٥/ ٥٦١. «تهذيب الكمال» ٣٣/ ١٣٧ (٧٢٥٤)، «التقريب» (٧٩٨٨). (٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٩٤ (١٨٣١). «الثقات» ٧/ ١١٦. «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٠٢ (٣٤٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ١٩٢ - ١٩٣ (٣٠)، «التقريب» (٤١٢٢). (٣) سئل شيخ الإسلام عن الأبدال وغيرها من الأسماء التي تسمى بها أقوام مثل غوث الأغواث، وقطب الأقطاب وغيرها. فقال: هذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي - ﷺ - بإسناد صحيح، ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال. «مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٣٣. وأما العلاء (خ. ت. ق) فهو أبو الحسن العلاء بن عبد الجبار البصري العطار الأنصاري مولاهم، سكن مكة، روى لَهُ البخاري هنا عن عبد العزيز، عن إبن دينار هذا الأثر، لم يخرج عنه غيره. وثقه أبو حاتم والعجلي، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، روى الترمذي وابن ماجه، والنسائي في «اليوم والليلة» عن رجل عنه ولم يخرج لَهُ مسلم شيئًا (١). رابعها: معنى كتاب عمر بن عبد العزيز الحض على اتباع السنن وضبطها إذ هي الحجة عند الاختلاف والتنازع، وإنما يسوغ الاجتهاد عند عدمها، وإنه ينبغي للعالم نشر العلم وإذاعته. ومعنى: «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا»: أن الله لا يهب العلم لخلقه ثمَّ ينتزعه بعد تفضله عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون انتزاعه بتضيعهم العلم فلا يوجد من يخلف من مضى فأنذر -ﷺ- بقبض الخير كله، قال الداودي: فالحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص كقوله - ﷺ -: «لا تزال طائفه من أمتي ظاهرين علي الحق حتَّى يأتي أمر الله» (٢) وقد تقدم الكلام عَلَى هذا الحديث مع الجمع بينه وبين ما خالفه في باب: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين. -------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٥١٨ (٣١٧٣). «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٥٨ (١٩٧٧). «ثقات العجلي» ٢/ ١٥٠ (١٢٨١). «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥١٧ (٤٥٧٦)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٠٢ (٩٠). (٢) رواه مسلم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، باب: قوله: (لا تزال طائفة). ٣٥ - باب هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فيِ العِلْمِ ١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شعْبَة قَالَ: حَدَّثَنِي ابن الأصبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: غَلَبَنَا عَلَيْكُ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكُ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُن، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأة تُقَدِّمُ ثَلَاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». [١٢٤٩، ٧٣١٠ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح: ١/ ١٩٥] ١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الُخدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاَثةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». [١٢٥٠ - مسلم: ٣٦٣٤ - فتح: ١/ ١٩٦] حدثنا آدَمُ ثنا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي ابن الأَصْبَهَانِيِّ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَة: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي الجنائز عن مسلم، عن شعبة به (١). وعن بُندار، عن غندر، عن شعبة به، وزاد غندر طريق أبي هريرة. قَالَ البخاري: وقال شَريك، عن ابن الأصبهاني: حَدَّثَنِي أبو صالحٍ، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قَالَ أبو هريرة: «ثَلَاَثَةَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ» (٢). ورواه في كتاب الاعتصام عن مسدد، عن أبي عوانة، عن ابن الأصبهاني، عن أبي صالح، عن أبي سعيد (٣). وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي كامل، عن أبي عوانة، وعن أبي موسى وبُندار، عن غندر، عن شعبة. وعن عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة كلاهما عن ابن الأصبهاني، عن أبي سعيد به، وزاد في حديث شعبة طريق البخاري عن أبي هريرة (٤). وسيأتي في الجنائز من حديث أنس مرفي عًا: «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ» (٥). ورواه مسلم بلفظ: «لا يَمُوتَن ثلائةٌ من الولدِ فتحتسِبُهُ إلا دَخَلَتِ الجنَّةَ» (٦). -------------------- (١) سيأتي برقم (١٢٤٩) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب. (٢) سيأتي برقم (١٢٥٠، ١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب. (٣) سيأتي برقم (٧٣١٠) باب: تعليم النبي - ﷺ - أمته من الرجال والنساء. (٤) رواه برقم (٢٦٣٤) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه. (٥) سيأتي برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب. (٦) برقم (٢٦٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه، من حديث أبي هريرة. وفيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِم ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَتمسهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» (١). وأخرج في الرقاق من حديثه أيضًا: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجَنَّةُ» (٢). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به: فأبو حازم (ع) اسمه: سلمان الأشجعي، مولئ عزة الأشجعية. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كوفي تابعي ثقة (٣). قُلْتُ: وأبو حازم (ع) سلمة بن دينار الزاهد آخر يروي عن سهل بن سعد. وعنه: مالك وغيره، وهو ثقة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث. وقيل: بعد الأربعين (٤). -------------------- (١) سيأتي برقم (١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد .. وفي مسلم برقم (٢٦٣٢) كتاب: البر والصلة. (٢) سيأتي برقم (٦٤٢٤) باب: العمل الذي يبتغي به وجه الله. (٣) وثقه أبو داود، وابن معين، والعجلي، وابن حجر. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ١٣٧ (٢٢٤٠). «معرفة الثقات» ١/ ٤٢٣ (٦٥٢). «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٢٩٣). «التقريب» ٢٤٦ (٢٤٧٩). (٤) سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم، مولى الأسود بن سفيان المخزومي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقد اختلف في وفاته، فقيل مات سنة ثلاث وثلاثين، وقيل فيما بين الثلاثين والأربعين، وقال يحيى بن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال خليفة: مات سنة خمس وثلاثين، وقال العجلي عنه: ثقة تابعي رجل صالح. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٧٨ (٢٠١٦). «معرفة الثقات» ١/ ٤٢٠ (٦٤١). «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٩ (٧٠١). «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٧٢ (٢٤٥٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٩٦، «شذرات الذهب» ١/ ٢٠٨. وابن الأصبهاني (ع): عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي مولى لجديلة قيس- وهم بطن من قيس غَيْلان وهم: فهم وعدوان ابنا عمر بن قيس، أمهم جَديلة بفتح الجيم نُسبوا إليها، أصله من أصبهان، خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعري. قَالَ أبو حاتم: لا بأس به. مات في إمارة خالد عَلَى العراق، قاله ابن منجويه (١). ثالثها: في ألفاظه: المراد بالحِنْث: الإثم، المعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف، فلم تكتب عليهم الآثام، وخص الحكم بالذين لم يبلغوا الحنث -وهم الصغار- لأن قلب الوالدين عَلَى الصغير أرحم وأشفق دون الكبير؛ لأن الغالب عَلَى الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه وعقوقهم. وقوله: «إِلَّا كَانَ لَهَا» كذا جاء هنا: «كان» وفي كتاب الاعتصام ومسلم: «إلا كانوا لها». وفي البخاري في الجنائز: «إلا كن لها» وأتى بلفظ التأنيث عَلَى معنى النسمة والنفس كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٩]. وقوله: «وَاثْنَتَيْنِ» قاله بوحي عقب السؤال ويجوز أن يكون قبله. والمراد: بالحِدَةِ في تبويب البخاري: الناحية، يعني: منفردات وحدهن، والهاء في آخر الكلمة عوض من الواو المحذوفة من أول الكلمة، كما فعلوا في عدة وزنة أصلها وعدة ووزنة من الوعد والوزن. --------------------- (١) وقال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وابن حجر: ثقة. قال ابن حجر: مات في إمارة خالد القسرى على العراق، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر ترجمته في: «معرفة الثقات» ٢/ ٨٠ (١٠٥١). «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٥٥ (١٢٠٧). «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٧٣٧٩). «التقريب» ٣٤٥ (٣٩٢٦). رابعها: في فوائده: الأولى: فضل تقديم الأولاد، وقد جاء في الترمذي وقال: غريب. وابن ماجه ذكر الواحد من حديثما ابن مسعود مرفوعًا: «من قدَّمَ ثلاثةً مِنَ الوَلَد لم يبلغوا الحِنْثَ كانوا لَهُ حصنًا حصينًا من النار» فقال أبو ذر: قدمت اثنين قَالَ: «واثنين». قَالَ أبي بن كعب: قدمت واحدًا قَالَ: «وواحدًا» (١). واستنبط القابسي وغيره الواحد من حديث أبي هريرة السالف في الرقاق، وهذا صريح فيه. الثانية: ما ترجم لَهُ وترجم عليه في الجنائز: فضل من مات لَهُ ولد فاحتسب. والاحتساب والحسبة والحسبان بالكسر: ادخار الأجر عند الله، وأن يعتبر بمصابه ويحتسبه من حسناته، فهذا الثواب حاصل لمن احتسب أجره عَلَى الله وصبر. الثالثة: إن مفهوم العدد لا يدل عَلَى الزائد ولا عَلَى الناقص؛ لقولها: (واثنتين يا رسول الله؟) وهي من أهل اللسان، كذا قاله عياض (٢) وابن بطال (٣) وغيرهما، وفيه نظر. الرابعة: أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه إِذَا أدخل الآباء الجنة بفضل رحمة الأبناء فالأبناء أولى بها. قَالَ المازري: وهو إجماع في حق أطفال الأنبياء، وقول الجمهور في أولاد من سواهم من المؤمنين وبعضهم لا يحكي خلافا، ويحكي ---------------------- (١) رواه الترمذي (١٠٦١). وابن ماجه (١٦٠٦). وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٣٥١). (٢) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ١١٥. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٦. الإجماع عَلَى دخولهم الجنة، ويستدل بظاهر الأحاديث والآيات وبعض الآثار، قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا﴾ (١) [الطور: ٢١] الآية. وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصًا مقطوعًا به بكونهم فيها ولم يثبت الإجماع (عندهم) (٢). قُلْتُ: وما أبعده! فالصواب القطع بالإجماع. الخامسة: سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذَلِكَ وفيما تمس الحاجة إليه، وقد أُخذ العلم عن أمهات المؤمنين وعن غيرهن من نساء السلف. ------------------ (١) قرأها كذلك أبو عمرو، انظر: «الحجة» للفارسي ٦/ ٢٢٤، «الكشف» لمكي ٢/ ٢٩٠. (٢) ساقطة من (ج). ٣٦ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- كَانَتْ لَا تَسْمَع شَيْئَا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ». [٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧ - مسلم: ٢٨٧٦ - فتح: ١/ ١٩٦] حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي التفسير والرقاق عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن عثمان بن الأسود (١)، وفي الرقاق أيضًا عن عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود (٢)، وفي التفسير عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب (٣)، وقال عقب حديث عمرو بن علي: تا ابعه ابن جريج، ---------------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٣٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾. (٢) سيأتي برقم (٦٥٣٦) باب: من نوقش الحساب عذب. (٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩). ومحمد بن سليم، وأيوب، وصالح بن رستم، عن ابن أبي ملكية: سمعت عائشة (١). وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب عن أبي بكر، وابن حجر، عن ابن عُلَية، عن أيوب، وعن أبي الربيع، وأبي كامل، عن حماد، عن أيوب، وعن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود كلاهما عن ابن أبي مليكة (٢). وأخرجه في التفسير عن مسدد، عن يحيى (٣)، وفي الرقاق عن إسحاق بن منصور، عن روح (٤). وأخرجه مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى كلاهما عن أبي يونس حاتم، عن ابن أبي ملكية، عن القاسم، عن عائشة، زاد فيه القاسم: بينهما (٥). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف بهم. فأما نافع (ع) فهو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر (بن خثيم بن سعيد بن عامر) (٦) بن حذيم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح القرشي الجمحي المكي، وهو ثبت حجة، مات سنة تسع وستين ومائة (٧). ------------------- (١) سيأتي برقم (٦٥٣٦). (٢) رواه برقم (٢٨٧٦) كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: إثبات الحساب. (٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩). (٤) سيأتي برقم (٦٥٣٧). (٥) رواه مسلم (٢٨٧٦/ ٨٠). (٦) كذا في الأصل، و(ج)، لكني لم أقف عليها في ترجمته. (٧) قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ، صحيح الحديث، ووثقه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: ثقة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٤. «الجرح والتعديل» = وأما سعيد: فهو أبو محمد (ع) سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي البصري. سمع مالكًا وغيره، وعنه البخاري هنا وغيره، وروى مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، وروى البخاري في تفسير سورة الكهف عن محمد بن عبد الله عنه. قَالَ الحاكم: يقال: إنه الذهلي محمد بن يحيى، وكان فقيهًا مصريًّا ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. قَالَ أحمد بن عبد الله: كان لَهُ دهليز طويل، يأتيه الرجل يقف يسلم عليه فيرد عليه: لا سلم الله عليك ولا حفظك. فأقول: ما لهذا؟ فيقول: قدري. ويقول مثله لآخر، فأقول: ما لهذا؟ فيقول: رافضي خبيث. لا يظن إلا ردَّ عليه سلامه. وكان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه. وأتاه رجل فسأله أن يحدثه فامتنع، وسأله آخر فأجابه، فقال لَهُ الأول: سألتك فلم تجبني، وسألك فأجبته؟ فقال: إن كنتَ تعرف الشيباني من السيناني، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك (١). -------------------- = ٨/ ٤٥٦ (٢٠٨٨). «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٨٧ (٦٣٦٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (١٦٣)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٧٠. (١) قال عنه الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد بن حنبل، عمّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم. وقال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: ولد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٦٥ (١٥٤٧). «ثقات العجلي» ١/ ٣٩٦ (٥٨١). «الجرح والتعديل» ٤/ ١٣ (٤٩). «تهذيب الكمال» ١٠/ ٣٩١ (٢٢٥٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٢٧ - ٣٣٠ (٨٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ٥٣. ثالثها: استدرك الدارقطني هذا الحديث عَلَى الشيخين وقال: اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة فروى عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم عنها (١). والجواب أن هذا ليس علة لجواز أن يكون سمعه منها ومن القاسم عنها. رابعها: قوله: (كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ): انفرد به البخاري عن مسلم، وفي بعض طرقه: «ليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (٢). وذكره البخاري في التفسير بلفظ: «إلا هلك» (٣) قَالَ الهروي: انتقشت منه حقي: استقضيته منه، ومنه نقش الشوكة استخرجها (٤). ومعنى الحديث: أنه مفض إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وبفضله وإقداره لَهُ عليها وهدايته لها، وأن الخالص من الأعمال قليل، ويؤيده قوله: «يهلك» مكان «يعذب». ويحتمل كما قَالَ القاضي: أن نفس مناقشة الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف عَلَى قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ (٥). وسيأتي إيضاح هذا الحديث في سورة الانشقاق من التفسير إن شاء الله تعالى. ------------------ (١) انظر: «الإلزمات والتتبع» ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٩٠). (٢) سيأتي برقم (٦٥٣٧). (٣) سيأتي برقم (٤٩٣٩). (٤) انظر: «غريب الحديث» ١/ ١٢٤ - ١٢٥. (٥) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٠٧. ٣٧ - باب لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَث البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأبِي شُرَيْحِ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيدُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [١٨٣٢، ٤٢٩٥ - مسلم ١٣٥٤ - فتح: ١/ ١٩٧] ١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّد: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّد يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَانَ ذَلِكَ «ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ. [انظر: ٦٧ - مسلم ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٩٩] حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ -هو ابن أبي سَعِيد- عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاي، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاي حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 506 الى صـــ 525 الحلقة (76) وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَاَ أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ، يعني: السرقة. حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّد يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَانَ ذَلِكَ «ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ. الكلام عليهما من وجوه: أحدها: أما حديث ابن عباس فقد أسنده في كتاب: الحج في باب: الخطبة أيام منى. عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان، عن عكرمة، عنه مطولًا (١). وأما حديث أبي شريح: فأخرجه هنا كما ترى، وفي الحج عن قتيبة (٢). وفي المغازي عن سعيد بن شرحبيل (٣). وأخرجه مسلم في الحج عن قتيبة، كلهم عن الليث، به (٤). -------------------- (١) سيأتي برقم (١٧٣٩). (٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم. (٣) سيأتي برقم (٤٢٩٥) كتاب: المغازي. (٤) مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلَّا لمنشد على الدوام. وأخرجاه بمعناه من حديث ابن عباس، وأبي هريرة - رضي الله عنهم - (١)، وأخرجه في كتاب الحج -أعني: حديث أبي شريح- وفيه: «إن الحرم لا يعيذ»، إلى آخره (٢). وفي حديث ابن إسحاق، عن أبي شريح، في أوله: لما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة عَلَى رجل من هذيل (فقتلوه) (٣) وهو مشرك، فقام - عليه السلام - خطيبًا، فقال: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة»، وفيه: «لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تَحْلُلْ لي إلا هذِه الساعة غضبًا عَلَى أهلها ألا ثمَّ رجعت لحرمتها بالأمس»، وفيه: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم من القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث (٤). وأخرجاه من حديث أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا قتيلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه. وفي رواية: بقتيل لهم في الجاهلية، فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ - فركب راحلته، فخطب فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من ------------------ (١) حديث ابن عباس سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر. من حديث ابن عباس، رواه مسلم (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها. (٢) سيأتي برقم (١٨٣٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يعضد شجر الحرم. (٣) في الأصل: قتلوه، والمثبت من (ج). (٤) رواه أحمد ٤/ ٣٢، والطحا وي في»شرح معا ني الآثار«٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨ والطبراني ٢٢/ ١٨٥ - ١٨٦ (٤٨٥)، والبيهقي في»الدلائل" ٥/ ٨٣ - ٨٤. نهار، ألا وإنها ساعتي هذِه» الحديث وسيأتي قريبًا (١). وأما حديث أبي بكرة: فتقدم الكلام عليه في باب: رب مبلغ أوعى من سامع (٢). ثمَّ اعلم أنه وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري. قَالَ أبو علي الغساني: وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم، عن الفربري، عن محمد، عن أبي بكرة فأسقط ابن أبي بكرة، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بينهما، ووقع الخلل فيه أيضًا في كتاب بدء الخلق والمغازي (٣)، وقال أبو الحسن القابسي في نسخة أبي زيد: أيوب عن محمد بن أبي بكرة، وفي نسخة الأصيلي: محمد عن أبي بكرة على الصواب. وذكر الدارقطني في «علله» أن إسماعيل بن علية وعبد الوارث روياه، عن أيوب، عن محمد، عن أبي بكرة (٤)، ورواه قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل منه (٥)، وسماه أبو عامر العقدي: حميد بن عبد الرحمن الحميري (٦). -------------------- (١) سيأتي برقم (١١٢) باب: كتابة العلم، ورواه مسلم برقم (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها. (٢) سلف برقم (٦٧)، كتاب: العلم. (٣) سيأتي في بدء الخلق برقم (٣١٩٧) باب: ما جاء في سبع أرضين، وسيأتي في المغازي برقم (٤٤٠٦)، باب: حجة الوداع. (٤) «علل الدارقطني» ٧/ ١٥١ - ١٥٧. (٥) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى، (٧٠٧٨) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا». (٦) مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال. قَالَ الغساني: واتصال هذا الإسناد وصوابه: أن يكون عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وعن محمد بن سيرين، أيضًا عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة (١). الوجه الثاني: في الكلام عَلَى رجالهما غير من سلف. أما حديث أبي شريح فسلف التعريف بهم، وأبو شريح خزاعي عدوي كعبي، وفي اسمه أقوال وصلتها في «شرح العمدة» إلى ستة (٢)، وأصحها كما قَالَ ابن عبد البر: خويلد (٣) بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش (٤) بن عمرو بن زمَّان (٥) بن عدي بن عمرو بن ربيعة. أسلم قبل الفتح وحمل لواء من ألوية بني كعب بن خزاعة يومئذ. روى عن النبي - ﷺ - عشرين حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين، هذا أحدهما، والآخر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٦)، وانفرد البخاري بحديث: «والله لا يؤمن -ثلاثًا- من لا يأمن جاره بوائقه» (٧) روى عنه: نافع بن جبير وغيره. --------------------- (١) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٩ - ٥٧٢ بتصرف، وانظر في ذلك كتاب «اختلاف رواة البخاري عن الفربري» لابن عبد الهادي ص ٢١ - ٢٤. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٦/ ٩٨ - ٩٩. (٣) وقع في (ج): حرملة. (٤) وقع في الأصل: المحتوش، والمثبت من كتب التراجم، انظر: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٤٠٠ (٧٤٢٤). (٥) ورد في «أسد الغابة» ٢/ ١٥٢، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٣٦: ابن مازن. (٦) سيأتي برقم (٦٠١٩) كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله. «صحيح مسلم» (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير. (٧) سيأتي برقم (٦٠١٦) كتاب: الأدب، باب: إثم من لا يأمن جاره بوائقه. قَالَ الواقدي: وكان من عقلاء أهل المدينة، وكان يقول: إِذَا رأيتموني أبلغ من أنكحته أو نكحت إليه (السلطان) (١) فاعلموا أني مجنون فاكووني، وإذا رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في حائطي، فاعلموا أني مجنون فاكووني، ومن وجد لأبي شريح سمنًا أو لبنًا أو جداية (٢) فهو لَهُ حل (٣). مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وقيل: سنة (ثمان) (٤) وخمسين، حكاه العسكري (٥). فائدة: في الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان: أبو شريح هانئ بن يزيد الحارثي (٦)، وأبو شريح راوي حديث: «أعتى الناس عَلَى الله -عز وجل-» (٧) الحديث (٨). --------------------- (١) في (ج): للسلطان. (٢) الجَدَايةُ والجِدَايةُ: الذكر والأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر وسبعة وعدا وتشدَّد، والجداية، بمنزلة العناق من الغنم. انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٢٩٩، و«لسان العرب» ١/ ٥٨٣ مادة: [جدا]. (٣) «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ (٣٠٦٣). (٤) في الأصول: ثماني. (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ١٢١ - ١٢٣، «أسد الغابة» ٢/ ١٥٢ (١٥٠٠)، «الإصابة» ٤/ ١٠١ (٦١٣). (٦) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ٢٠١ (١١٧٩)، «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦١)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٥ (٥٩٩٨)، «الإصابة» ٣/ ٥٦٩ (٨٩٢٧). (٧) انظره في «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٢)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٦ (٥٩٩٩)، «الإصابة» ٤/ ١٠٢ (٦١٥). قال ابن حجر بعد أن ذكر أنه روى هذا الحديث: وهذا من حديث أبي شريح الخزاعي. (٨) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٧٧ (١١٧٢)، وأحمد ٤/ ٣١ - ٣٢، ٣٢. والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨. وابن أبي عاصم في "الآحاد = قالوا: هو الخزاعي، وقالوا غيره، وفي الرواة أيضًا أبو شريح المعافري (١) وآخر أخرج لَهُ ابن ماجه (٢). وأما عمرو بن سعيد فهو: الأشدق، أرسل (٣). ووالده مختلف في ----------------------- = والمثاني«٤/ ٢٨٣ (٢٣٠٣ - ٢٣٠٤) (٦٩٧)، والطبراني ٢٢/ ١٩٠ - ١٩١، والحاكم ٤/ ٣٤٩ كتاب: الحدود، والبيهقي ٨/ ٢٦ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري، وقال الذهبي: صحيح، لكن اختلف على الزهري فيه،. وذكره الهيثمي في»المجمع«٧/ ١٧٤، وقال: هو في الصحيح غير قوله:»أو بصر عينيه«رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في»إرواء الغليل«٧/ ٢٧٦ - ٢٧٩ (٢٢٢٠): أخرجه أحمد والبيهقي عن يونس عن الزهري عنه ورجاله ثقات رجال الشيخين غير مسلم بن يزيد وهو مقبول عند ابن حجر. (١) هو: عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري أبو شريح الإسكندراني، قال أحمد ويحيى بن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي بالإسكندرية سنه سبع وستين ومئة، وكانت له عبادة وفضل. وروى له الجماعة. انظر: ترجمته في:»الطبقات الكبرى«٧/ ٥١٦،»التاريخ الكبير«٥/ ٢٩٦ (٩٦٦)،»المعرفة والتاريخ«١/ ١٥٤،»الجرح والتعديل«٥/ ٢٤٣ (١١٦١)،»تهذيب الكمال«١٧/ ١٦٧ (٣٨٤٥). (٢) هو: أبو شريح الذي روى عن أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، وروى عنه قتادة، ومحمد بن زيد العبدي قاضي مرو، وذكره ابن حبان في كتاب»الثقات«، وقال ابن حجر: مقبول من السادسة. انظر ترجمته في:»الثقات«٧/ ٦٦٠،»تهذيب الكمال«٣٣/ ٤٠١ (٧٤٢٥)،»التقريب" ص ٦٤٨ (٨١٥٩). (٣) هو عمرو بن سعيد بن العاص أبو أمية المدني، المعروف بالأشدق، وهو عمرو الأصغر؛ لأن الأكبر عم أبيه. وعمرو هذا يقال: له رؤية من النبي - ﷺ -. وقال البخاري: كان غزا ابن الزبير ثم قتله عبد الملك بن مروان. وقال ابن حجر: وقد أخطأ من زعم أن له رؤية؛ فإن أباه لا تصح له صحبة، بل يقال: إن له رؤية، وإن النبي - ﷺ - لما مات كان له نحو ثماني سنين. وقال أبو حاتم: ليست له صحبة. = صحبته، وترجمته موضحة في شرحي للعمدة فراجعها منه (١). وأما حديث أبي بكرة فسلف التعريف برجاله خلا عبد الله بن عبد الوهاب (خ، س) وهو أبو محمد الحجبي البصري، روى عن مالك، وأبي عوانة. وعنه البخاري منفردًا به، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرِّج لَهُ مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وهو ثقة ثبت، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين (٢). الوجه الثالث: في فوائدها: أما حديث ابن عباس فسيأتي إن شاء الله في موضعه. وأما حديث أبي بكرة فسلف الكلام عليه فيما مضى. وأما حديث أبي شريح فالكلام عليه من وجوه: أحدها: البعوث: جمع بعث بمعنى: المبعوث، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث: القوم المرسلون للقتال ونحوه. --------------------- =روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن أبيه وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه: أولاده ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: قتل سنة سبعين، وذلك ما رجحه ابن حجر. انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٣٨ (٢٥٧٠)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٦ (١٣٠٨)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٧٢. (١) «الإعلام بفوائد الأحكام» ٦/ ١٠٠ - ١٠١. (٢) هو أبو محمد الحَجَبي، وعند ابن سعد الجُحَني، وذكره البخاري في «تاريخه الكبير» ٥/ ١٤١ (٤٢٥) وقال: الجمحِي. وثقه يحيى بن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن حجر: ثقة من العاشرة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ٣٠٧، «الثقات» ٨/ ٣٥٣، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٤٦ (٣٤٠٠)، «التقريب» ص ٣١٢ (٣٤٤٩). ويعني بها: الجيوش التي وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذاك أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذِ بيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتَّى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال: أنا عائذ بالبيت. فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث هذِه البعوث. قَالَ ابن بطال: وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي - ﷺ -، وقد قَالَ مالك: إن ابن الزبير أولى من عبد الملك (١). ثانيها: مكة سيأتي إن شاء الله في الحج بيان أسمائها مستوفاة، سميت بذلك لقلة مائها، أو لأنها تمك الذنوب. ومن أسمائها أيضًا بكة بالباء، وهي لغة فيها: لأنها تبك أعناق الجبابرة أي: تدقها. والبك: الدق، أو لازدحام الناس ما يبك بعضهم بعضا أي: يدفعه في زحمة الطواف. وقال آخرون: إن مكة غير بكة، فقيل: الأولى الحرم كله، والثانية المسجد خاصة. وقيل: الأولى البلد، والثانية البيت. قيل: وموضع الطواف أيضًا (٢). ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٨٠. (٢) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٩، و«معجم البلدان» ٥/ ١٨٢، و«تهذيب الأسماء» ٣/ ٣٩. ثالثها: أصل (ائذن) اأذن بهمزتين همزة وصل وفاء الكلمة، فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فبقيت ائذن. وقوله: (أيها الأمير)، الأصل يا أيها، فحذف حرف النداء. رابعها: فيه حسن التلطف في الإنكار، لاسيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم، لأنه أدعى لقبولهم، لاسيما من عرف منهم بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندته، فاستأذنه (في ذلك) (١) لأجل ذَلِكَ في التحديث. خامسها: فيه النصيحة لولاة الأمور، وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم. سادسها: فيه تبليغ الدين ونشر العلم، وذكر ابن إسحاق في آخره أنه قَالَ لَهُ عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال لَهُ أبو شريح: إني كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا رسول الله - ﷺ - أن يبلغ شاهدنا لغائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك (٢). قَالَ ابن بطال: كل من خاطبه الشارع بالعلم فتبليغه عليه متعين، وأما من بعدهم ففرض كفاية. وقال ابن العربي: التبليغ عنه فرض كفاية، وقد كان - عليه السلام - إِذَا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس، لكن يخبر به من حضره، --------------------- (١) من (ج). (٢) ذكره ابن هشام في «سيرته» ٤/ ٣٥ عن ابن إسحاق. ثمَّ عليهم التبليغ إلى من وراءهم قوما بعد قوم، فالتبليغ فرض كفاية، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترادان (١) عَلَى معنى ما يستمع، فإن كان مما يخصه تعين عليه، وإن كان يتعلق به وبغيره، أو بغيره، فالعمل فرض عين والتبليغ فرض كفاية (٢). وذلك عند الحاجة إليه ولا يلزمه أن يقوله ابتداءً ولا بعضه، فقد كان قوم يكثرون الحديث فحبسهم عمر حتَّى مات وهم في سجنه (٣). ---------------------- (١) كذا بالأصل، وفي «عارضة الأحوذي»: يتركبان. (٢) «عارضة الأحوذي» ١٠/ ١٢٥. (٣) هذا الأثر رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص ٥٥٣ (٧٤٥) عن أبي عبد الله بن البري، عن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، عن معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي - ﷺ - فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله - ﷺ -. قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس. ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٣/ ٣٧٨ (٣٤٤٩) وقال: لم يحدث به إلا إسحاق بن موسى الأنصاري. وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٤٩: رواه الطبراني في «الأوسط» وهذا أثر منقطع، وإبراهيم ولد سنة عشرين ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين، وابن مسعود كان بالكوفة، ولا يصح هذا عن عمر. - ولقد ناقش ابن حزم هذا الخبر ورده حيث قال في «الإِحكام في أصول الأَحكام» ٢/ ١٣٩: هذا مرسل ومشكوك فيه ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله - ﷺ - إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي - ﷺ - فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذِه = سابعها: يوم الفتح هو: فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في السنة الثامنة من الهجرة (١). ثامنها: قوله: (سَمِعَتْهُ أُذُنَاي) إلى آخره. هو إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه، ففي قوله: (سَمِعَتْة أُذُنَاي). نفي أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه (٢). (وَوَعَاهُ قَلْبِي): تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه. (وَأَبْصَرَتْة عَيْنَاى حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ)، زيادة في تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا عَلَى الصوت دون حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة. والهاء، في قوله: (تكلم به) عائدة عَلَى قوله: (أحدثك قولًا). تاسعها: يؤخذ من قوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي). أن العقل محله القلب لا الدماغ، -------------------- = الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما .. ثم قال: وقد حدث عمر بحديث كثير، فإنه قد روى خمسمائة حديث ونيفا على قرب موته من موت النبي - ﷺ -، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم. (١) ورد في هامش الأصل: اختلف في تاريخ الفتح … (٢) سبق حديثه برقم (٥٢) كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، واللفظة هذِه رواها مسلم برقم (١٥٩٩) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، وابن ماجه (٣٩٨٤). وهو قول الجمهور (١). لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي. وفي المسألة قول ثالث: أنه مشترك بينهما. عاشرها: قوله: (حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ): يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين تعليم العلم وتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء عَلَى الله تعالى في الخطبة (٢). ------------------ (١) قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١٢/ ٧٧ في معرض حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] أضاف العقل إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ؛ وروي عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة. وانظر: «زاد المسير» لابن الجوزي ٨/ ٢٢. وكتاب «ذم الهوى» ص ٥ حيث يقول فيه: أكثر أصحابنا يقولون: محله القلب. وهو مروي عن الشافعي رحمه الله، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قالوا: المراد: لمن كان له عقل فعبر بالقلب عن العقل؛ لأنه محله. ونقل الفضل بن زياد عن أحمد أن محله الدماغ، وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة. وذهب ابن القيم -رحمه الله- إلى أن شق صدر النبي - ﷺ - والاعتناء بتطهير قلبه وحشوه إيمانًا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب. انظر: «بدائع الفوائد» ٣/ ٧٢١. (٢) قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» ١/ ١٨٦: وكان لا يخطُب خُطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قولُ كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير، فليس معهم فيه سنة عن النبي - ﷺ - البتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاحُ جميع الخطب بـ«الحمد لله»، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله سِرَّه. الحادي عشر: يؤخذ منه أيضًا الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة. الثاني عشر: قوله: («إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ») معناه: تفهيم المخاطبين تعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها، ونفي ما يعتقده (الجاهلون) (١) وغيرهم من أنهم يحرموا ويحللوا (٢) كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم، وأكد ذَلِكَ المعنى بقوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ». فتحريمها ابتدائي من غير سبب يُعزى لأحد، لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، ثمَّ بين التحريم بقوله: «فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا» إلى آخره لأن من آمن بالله لزمه طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهي عنه مخلصًا خوف الحساب عليه. الثالث عشر: فيه أن التحريم والتحليل من عند الله تعالى لا مدخل لبشر فيه، وأن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع، وأن ذَلِكَ لا يعرف إلا منه فعلًا وقولًا وتقريرًا. الرابع عشر: فيه عظم مكة وشرفها، زادها الله شرفًا وتعظيمًا. الخامس عشر: يقال: امرؤ، ومرء. وسمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه لا ليل -------------------- (١) في الأصل: الجاهلية، والمثبت مناسب للسياق. (٢) ورد في هامش الأصل: الجادة: يحرمون ويحللون. بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل. السادس عشر: قَدْ يتوهم من قوله: «واليوم الآخر» أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة (١)، وليس كذلك، بل هذا من خطاب --------------------- (١) قال النووي -رحمه الله- في «المجموع» ٣/ ٥: وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام. فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان، وقيل: لا يخاطب بالفروع. وقيل: يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة. والصحيح الأول، وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد هنا غير المراد هناك، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر، والله أعلم. وهو ما ذهب إليه جمهور المالكية من أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ومعاقبون على المخالفات في أحكام الشرائع، وهو قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وذهب إليه العراقيون من أصحاب أبي حنيفة. وإليه ذهب أكثر المعتزلة واحتجوا في ذلك بعموم من القرآن، كقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] وقال أبو حنيفة وجماهير أصحابه، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: إنهم غير مخاطبين، واحتجوا في ذلك بأن قالوا: لو وجبت الصلاة على الكافر مثلًا، لوجبت إما في حال كفره، أو بعده، والأول: باطل؛ لامتناع الصلاة من الكافر حال كفره، والثاني: أيضًا باطل؛ لاتفاقنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضاء = التهييج وهو معلوم عند علماء البيان، فاستحلال ذَلِكَ لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف (١)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وغير ذلك. السابع عشر: («يسفك») بكسر الفاء وحكي ضمها، وهي قراءة شاذة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٢) [البقرة: ٣٠] والسفك لغة: صب الدم. قَالَ المهدي: ولا تستعمل إلا فيه، وقد تستعمل في نشر الكلام إِذَا نشره (٣). الثامن عشر: سياق الحديث ولفظه يدلان عَلَى تحريم القتال لأهل مكة، وبه قَالَ القفال من أصحابنا، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: من الغارات وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة. --------------------- = الصلوات الفائتة في أيام الكفر. انظر: «لباب المحصول في علم الأصول» ١/ ٢٥٦، «تخريج الفروع على الأصول» ص ٩٨، «الوصول إلى الأصول» ١/ ٩١. وفي المسألة أقوال أخرى: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال بعضهم: إنهم مكلفون فيما عدا الجهاد. «شرح الكوكب المنير» ١/ ٥٠١، «روضة الناظر» ص ٥٠. (١) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٩. (٢) أوردها ابن خالويه في «مختصر شواذ القرآن» ص ١٢ وعزاها لطلحة بن مصرف. (٣) «لسان العرب» ٤/ ٢٠٣٠ مادة (سفك)، وقيل: الإراقة، وفيه: سفك الكلام: نثره، بالثاء. وقال الماوردي (١) في «أحكامه»: من خصائص حرم مكة ألا يحارب أهله، فلو بغى أهله عَلَى أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغي بغير قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلا به فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها (٢). وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل (٣). قَالَ النووي في «شرح مسلم»: والأول هو الصواب المنصوص عليه في «الأم» (و) (٤) في «اختلاف الحديث»، و«سير الواقدي»، وقول القفال غلط، وأجاب الشافعي في «سير الواقدي» (٥) عن الأحاديث ---------------------- (١) الماوردي: الإمام العلامة قاضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، البصري الماوردي الشافعي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع والتفسير: «الأحكام السلطانية» و«أدب الدنيا والدين»، قال: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة. يعني «الإقناع» وله «الحاوي» قال الأسنوي: ولم يصنف مثله. و«قانون الوزارة». قال الخطيب: كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعيين، وُلِّي القضاء ببلدان شتى ثم سكن بغداد. وقال ابن خيرون: كان رجلًا عظيم القدر متقدمًا عند السلطان. وقال ابن كثير: وكان حليمًا وقورًا أديبًا، لم يرَ أصحابه ذراعه يومًا من الدهر من شدة تحرزه وأدبه. وفي وفاته قال الخطيب: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مئة، وقد بلغ ستًا وثمانين سنة. انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» ١٢/ ١٠٢، و«سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٦٤، و«البداية والنهاية» ١٢/ ٥٣٩، و«شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٥. (٢) «الأحكام السلطانية» ص ١٩٣ - ١٩٤. (٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨. (٤) زيادة ليست في الأصول والسياق يقتضيها. (٥) هذا الكتاب أحد الأبواب في كتاب «الأم»، والنص بمعناه في «الأم» ٤/ ٢٠٢. بأن معناها: تحريم نصب القتال عليهم، وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق وغيره إِذَا لم يكن إصلاح الحال بدون ذَلِكَ، بخلاف ما إِذَا تحصن الكفار ببلد آخر، فإنه يجوز قتالهم عَلَى كل وجه، وبكل شيء (١). ونازع الشيخ تقي الدين القشيري (٢) في ذَلِكَ وقال: إنه خلاف الظاهر القوي الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي، والمأذون له فيه هو مطلق القتال ولم يكن بما يعم (٣). وهو كما قَالَ، فالحديث نص في الخصوصية، وقد اعتذر فيه عما أبيح لَهُ من ذَلِكَ وهو ما فهمه راوي الحديث، وما أبعد من ادعى نسخ الحديث بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ذكرتها لأنبه عَلَى وهنها. ---------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٢٥. (٢) «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨ - ٤٥٩ حيث قال: هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي، الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي، في قوله - ﷺ -: «فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» وأيضَا فإن النبي - ﷺ - بين خصوصيته؛ لإحلالها له ساعة من نهار وقال: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» فأبان بهذا اللفظ: أن المأذون للرسول - ﷺ - فيه لم يؤذن فيه لغيره. والذي أذن للرسول فيه: إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال رسول الله - ﷺ - لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم، كما حمل عليه الحديث في هذا التأويل. وأيضًا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها وسفك الدم. وذلك لا يختص بما يستأصل. وأيضا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه؛ لأن يحمل عليه الحديث. فلو أن قائلًا أبدى معنى آخر، وخص به الحديث لم يكن بأولى من هذا. (٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٤٥٨. التاسع عشر: الحديث دال دلالة واضحة عَلَى تحريم مكة، وأبعدَ مَنْ قال: إن إبراهيم - عليه السلا - أول من افتتح ذَلِكَ، والصواب أنها لم تزل محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وإضافة التحريم إلى إبراهيم في بعض الأحاديث؛ إما لأنه أول من أظهر ذَلِكَ بعد خفائه وبلَّغه، أو أنه حرمها بإذن الله فأضيف التحريم إليه، أو أنه دعا لها فكان تحريم الله لها بدعوته (١). العشرون: ربما استدل به أبو حنيفة عَلَى أن الملتجئ إلى الحرم إِذَا وجب عليه قتل لا يقتل به؛ لأن قوله: «لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ .. أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا» عام يدخل فيه صورة النزاع. قَالَ أبو حنيفة: بل يلجا إلى أن يُخرج من الحرم، فيقتل خارجه وذلك بالتضييق عليه (٢). وهو قول عمر بن الخطاب وجماعات. وقال أبو يوسف ومالك وجماعة: يُخرج فيقام عليه الحد (٣) وحكاه القاضي عن الحسن وغيره، ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود بالحرم. غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قومًا من الحرم إلى الحل فصلبهم. ---------------------- (١) دل على ذلك ما رواه البخاري برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ - ومده. (٢) انظر: «أحكام القرآن للجصاص» ١/ ٧٣، «بدائع الصنائع» ٧/ ١١٤. (٣) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢. وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل ثمَّ لجأ إلى الحرم يخرج منه فيقتل، وأما من تعدي عليه في الحرم فليدفع عن نفسه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآية (١). وحكى ابن بطال، عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي فيمن أصاب حدًا من قتل أو زنا أو سرقة، أنه إن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد، وإن أصابه في غيره لا يجالس ولا يؤوى حتَّى يخرج فيقام عليه الحد (٢). وقال ابن الجوزي: انعقد الإجماع عَلَى أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمِّن؛ لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان (٣). واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم، ثمَّ لجأ إليه، فروي عن أبي حنيفة (٤) وأحمد: أنه يلجأ إلى الخروج فيقام عليه الحد (٥). قُلْتُ: ومذهب الشافعي (٦) ومالك: يقام فيه (٧). ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثمَّ قَالَ: ولا مخالف لهم من الصحابة. ثمَّ نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثمَّ شنع عَلَى مالك والشافعي فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب -------------------- (١) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢، وروى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩). (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩. (٣) «زاد المسير» ١/ ٤٢٧. (٤) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٧٣، «حاشية رد المحتار» ٦/ ٥٤٧، «بدائع الصنائع» ٧/ ١١٤. (٥) انظر: «الكافي» ٥/ ١٨٠ - ١٨٢، «الإقناع» ٤/ ٢١٤. (٦) انظر: «تقويم النظر» ٤/ ٤٣٣، «روضة الطالبين» ٩/ ٢٢٤. (٧) انظر: «التفريع» ٢/ ٢١٧، «عيون المجالس» ٥/ ٢٠١٩، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١١٠٦. والسنة (١). وليس كما قَالَ. وأما قصة ابن خطل وقوله - عليه السلام -: «اقتلوه» (٢). فأجيب عنها (بأوجه) (٣): أحدها: أنه ارتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي - ﷺ -. ثانيها: أنه لم يدخل في الأمان، فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة. ثالثها: أنه كان ممن التزم الشرط وقاتل. وأجاب بعضهم: بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له، وهو غريب، فإن الساعة للدخول حتَّى استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن خطل كان بعد ذَلِكَ، وبعد قوله: «من دخل المسجد فهو آمن» (٤) وقد دخل لكنه استئني مع جماعة غيره. الحادي بعد العشرين: قوله: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» فيه دلالة عَلَى أن مكة -شرفها الله تعالى- فُتحت عَنْوة، وهو قول الأكثرين (٥). -------------------- (١) انظر: «المحلى» ٧/ ٢٦٢ بتصرف. (٢) سيأتي برقم (١٨٤٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: دخول الحرم ومكة. (٣) في (ج): بأجوبة. (٤) رواه أبو داود (٣٠٢٢). ورواه الطبراني ٨/ ١٢ (٧٢٦٤). والبيهقي ٩/ ١١٩. وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٦/ ١٦٧ (١٠٢٣٤)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٧١). (٥) قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٢. وفيها [أي: في قصة فتح مكة] البيانُ الصريح بأن مكة فُتحت عَنْوَة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يُعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد = ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 526 الى صـــ 545 الحلقة (77) = قوليه، وسياق القصة أوضحُ شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنها فُتحت صلحًا، حكى قول الشافعي أنها فُتحت عَنوة في «وسيطه»، وقال: هذا مذهبُه. قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوة، لقسمها رسولُ الله - ﷺ - بين الغانمين كما قسم خيبر، وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات، فكان يُخمسها ويقسمها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمنهم، كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فُتحت عَنوة، لملك الغانمون رباعها ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله - ﷺ - فيها بهذا الحُكم، بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها، وهي بأيدي الذين أخرجوهم، وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العَنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها، فقال: «دخل دار أبي سُفيان، فهو آمن، ومن دخل داره، فهو آمن». قال أرباب العَنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، وإغلاقه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يُقاتهلم خالد ابن الوليد حتى قتل منهم جماعة، ولم يُنكر عليه، ولما قتل مقيس ابن صُبابة وعبد الله بن خَطَل ومن ذُكر معهما، فإن عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثنى فيه هؤلاء قطعًا، ولنقل هذا وهذا، ولو فُتحت صُلحًا، لم يُقاتلهم، وقد قال: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم». ومعلوم أن هذا الإذن المختص برسول الله - ﷺ -، إنما هو الإذن في القتال لا في الصلح، فإن الإذن في الصلح عام. وأيضًا فلو كان فتحها صلحًا، لم يقل: إن الله قد أحلها له ساعة من نهار، فإنها إذا فُتحت صُلحًا كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة، وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حرامًا، وأنها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حُرمتها الأولى. وأيضًا فإنها لو فُتحت صلحًا لم يعبئ جيشه: خيالتَهم ورجالتهم مَيمنةً ومَيسرة، ومعهم السلاح، وقال لأبي هريرة: «اهتف لي بالأنصار»، فهتف بهم، فجاءوا، فأطافوا برسول الله - ﷺ -، فقال: «أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم»، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا»، حتى قال = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله - ﷺ -: «من أغلق بابه، فهو آمن». وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن كان قد تقدم صلح -وكلا- فإنه ينتقضُ بدون هذا. وأيضًا فكيف يكون صلحًا، وإنما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله خيل رسوله وركابه عنها، كما حبسها يوم صُلح الحُديبية، فإن ذلك اليوم كان يوم الصلح حقًا، فإن القصواء لما بركت به، قالوا: خلأت القصواءُ، قال: «ما خلأت وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والله لا يسألوني خطة يُعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها». وكذلك جرى عقدُ الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملإٍ من المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثل هذا الصلح في يوم الفتح، ولا يُكتب ولا يُشهد عليه، ولا يحضره أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه! هذا من الممتفع البين امتناعه. وتأمل قوله: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين»، كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عَنوة، فحبسه عنهم، وسلط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عنوة بعد القهر، وسلطان العنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، وأظهر آية، وأتم نصرة، وأعلى كلمة من أن يدخلهم تحت رقِّ الصلح، واقتراحِ العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العَنوة وعِزها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعز به دينه، وجعله آية للعالمين. قالوا: وأما قولكم: أنها لو فتحت عنوة، لقُسمت بين الغانمين، فهذا مبني على أن الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها، وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذِه كانت سيرة الخُلفاء الراشدين، فإن بلالًا وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقسم بينهم الأرض التي افتتحوها عَنوة وهي الشام وما حولها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئًا يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه - رضي الله عنهم -: اقسمها بيننا، فقال عمر: «اللهم اكفني بلالًا وذويه»، فما حال الحول ومنهم = وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكنه مَنّ عَلَى أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولا جعلها فيئا (١). قَالَ أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد، وقال الشافعي وغيره: فُتِحَتْ صلحًا (٢)، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزًا له لو احتاج إليه، لكن يضعفه قوله: (فإن ترخص أحد لقتال رسول الله - ﷺ -) فإنه يقتضي وجود قتال منه ظاهرًا (٣) وقوله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٤) إلى غيره من الأمان المعلق عَلَى أشياء مخصوصة، وتوسط الماوردي في المسألة فقال: --------------------- = عين تطرف، ثم وافق سائر الصحابة - رضي الله عنهم - عمر - رضي الله عنه - على ذلك، وكذلك جرى في فتوح مِصر والعراق، وأرض فارس، وسائر البلاد التي فُتحت عَنوة لم يَقسم منها الخلفاء الراشدون قريةً واحدة. ولا يَصح أن يقال: إنه استطاب نفوسهم، ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعُوه في ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلالٍ وأصحابه - رضي الله عنهم - وكان الذي رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قُسمت، لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم، فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة، أو صبي صغير، والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظمُ الفساد وأكبره، وهذا هو الذي خاف عمر - رضي الله عنه - منه، فوفقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفًا على المقاتلةِ تجري عليهم فيئًا حتى يغزو منها آخرُ المسلمين، وظهرت بركةُ رأيه ويُمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة. (١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٢/ ٣٣. (٢) انظر المرجع السابق. (٣) انظر: «إِحكام الأحكام» ص ٤٦٠. (٤) رواه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، وأبو داود (٣٠٢٤)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (١١٢٩٨)، والطيالسي ٤/ ١٨٨ (٢٥٦٤)، وأحمد ٢/ ٢٩٢، وابن خزيمة ٤/ ٢٣٠ (٢٧٥٨)، وابن حبان ١١/ ٧٥ (٤٧٦٠)، والبيهقي في «السنن» ٩/ ١١٧، وفي «دلائل النبوة» ٥/ ٥٥ - ٥٦، من حديث أبي هريرة. عندي أن أسفلها دخله خالد بن الوليد عَنْوةَ، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحًا، ودخلها الشارع من جهته (فصار حكم جهته الأغلب) (١)، ولم يغنم أسفل مكة؛ لأن القتال كان عَلَى جبالها ولم يكن فيها. قَالَ الخطابي: وتأول غيرهم الإذن لَهُ في ساعة من نهار عَلَى معنى دخوله إياها من غير إحرام. لأنه - ﷺ - دخلها وعليه عمامة سوداء، وقيل: إنما أُحل لَهُ في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حَرُمَ عَلَى الناس (٢). الثاني بعد العشرين: قوله: («وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً») أي: يقطع بالمُعْضَد وهو: سيف يمتهن في قطع الشجر. ويقال: المعضاد أيضًا فهو معضود يقال منه: عَضَدَ بالفتح يَعْضِد بالكسر كضرب يضرب، ويعضُد بالضم إِذَا أعان؛ والمعاضَدة: المعاونة، فقوله: «وَلَا يَعْضِدَ» هو بكسر الضاد فقط أي: لا يقطع أغصانها. قَالَ المازري: ويقال: عضد واستعضد (٣). وقال الطبري: معنى «لَايَعْضِدَ»: لا يفسد ويقطع، وأصله من عَضَد الرجل إِذَا أصاب عضده، لكنه يقال منه: عضده يعضده بالضم في المضارع كما سلف فيما إذا أعانه، بخلاف العضد بمعنى: القطع، والشجر: ما كان عَلَى ساق (٤). ----------------------- (١) في (ج): فصار الأغلب من جهته. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٢١٠. (٣) انظر: «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٣٧٥. (٤) «تهذيب الآثار» مسند ابن عباس: السفر الأول ص ٤٤. الثالث بعد العشرين: فيه دليل عَلَى تحريم قطع شجر الحرم، وهو إجماع (١) فيما لا يستنبته الآدميون في العادة، وسواء الكلأ وغيره، وسواء كان لَهُ شوك يؤذي أم لا. وقال جمهور الشافعية: لا يحرم قطع الشوك، لأنه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، وصحح المتولي منهم التحريم مطلقا وهو قوي دليلًا لقوله - ﷺ - في «الصحيح» أيضًا: «ولا يعضد شوكه» (٢) وفي لفظ: «ولا يخبط شوكها» (٣) والخبط: ضرب بالعصا؛ ليسقط الورق. ولأن غالب شجر الحرم ذو شوك. والقياس المذكور ضعيف؛ لقيام الفارق، وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشجر (٤). وقال الخطابي: أكثر العلماء عَلَى إباحة الشوك، ويشبه أن يكون المحظور منه ما يرعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذَلِكَ كالحطب وغيره (٥). أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت (٦) خلافًا للمالكية (٧) ولأصحاب أبي حنيفة. ------------------- (١) نقل الإجماع النووي في «المجموع» ٧/ ٤٥١، وابن قدامة في «المغني» ٥/ ١٨٥. (٢) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة. (٣) رواه مسلم برقم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، وابن حزم في «المحلى» ٨/ ٢٥٨، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ١٩٥. (٤) انظر: «البيان» ٤/ ٢٥٨، «المجموع» ٧/ ٤٥١. (٥) «معالم السنن» ٢/ ١٩٠. (٦) انظر: «البيان» ٤/ ٢٥٨. (٧) انظر: «التفريع» ١/ ٣٣١. فرع: لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ قَالَ مالك: لا، ويأثم (١). وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم. ثمَّ اختلفا، فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة (٢). كما جاء عن ابن عباس وابن الزبير، وبه قَالَ أحمد (٣). وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة (٤). قَالَ الشافعي: ويضمن الخلى بالقيمة (٥)، والخَلَى والعشب: اسم للرطب، والحشيش: اسم لليابس منه عَلَى الأشهر، والكلأ يطلق عليهما. فرع: يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الشجر (٦). وقال أبو حنيفة (٧) وأحمد (٨) ومحمد: لا يجوز. الرابع بعد العشرين: قوله: («وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ») فيه صراحة بنقل العلم وإشاعة السنن والأحكام، وهو إجماع، وقد أسلفنا ذَلِكَ، وكل من حضر شيئًا وعاينه فقد شهده، وقيل: لَهُ شاهد. والغائب: من غاب عنه، وهذا اللفظ قَدْ جاء في عدة أحاديث، وقد ذكر البخاري منها ثلاثة (٩). --------------------- (١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٨٨٠، «الذخيرة» ٣/ ٣٣٧. (٢) انظر: «البيان» ٤/ ٢٦٠، «المجموع» ٧/ ٤٥٥. (٣) انظر: «المغني» ٥/ ١٨٨، «الفروع» ٣/ ٤٧٨. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٢١٠، «البحر الرائق» ٣/ ٧٧. (٥) انظر: «البيان» ٤/ ٢٦١. (٦) «البيان» ٤/ ٢٦١، «المجموع» ٧/ ٤٥٧. (٧) «بدائع الصنائع» ٢/ ٢١٠. (٨) وللحنابلة وجهان: أحدهما: لا يجوز، والآخر: يجوز. انظر: «الكافي» ٢/ ٣٩٦، «المغني» ٥/ ١٨٧ - ١٨٨. (٩) منها حديث هذا الباب وحديث ابن عباس يأتي برقم (١٧٣٩) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. الخامس بعد العشرين: قول عمرو لأبي شريح: (أنا أعلم منك يا أبا شريح) إلى آخره. هو كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم في ذَلِكَ في «محلاه» في كتاب الجنايات، فقال: لا كرامة للطيم الشيطان الشرطي الفاسق، يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله - ﷺ -، قَالَ: وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن ولَّاه أو قلده، وما حامل الخَرْبة في الدنيا والآخرة إلا هو ومن أمره وأيده وصوب قوله (١). وكان ابن حزم إنما ذكر ذَلِكَ؛ لأن عمرًا ذكر ذَلِكَ عَلَى اعتقاده في ابن الزبير، وقد اعترض عليه أيضًا غير واحد في ذَلِكَ. قَالَ ابن بطال: ما قاله ليس بجواب؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًّا في غير الحرم ثمَّ لجأ إلى الحرم هل يقام عليه، وإنما أنكر عليه أبو شريح بعثه البعوث إلى مكة واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح بعد ولا ينصب الحرب عليها بقتال بعدما حرمها الشارع (٢). وقال القرطبي: قول عمرو ليس بصحيح للذي تمسك به أبو شريح، وحاصل كلام عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل (٣). فرع: هل تأويل الصحابي للحديث أولى ممن يأتي بعده؛ لأنه أعلم بمخرجه أم لا إِذَا لم يصبه؟ خلاف. -------------------- (١) «المحلى» ١٠/ ٤٩٨. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٨٠. (٣) «المفهم» ٣/ ٤٧٥. قَالَ المازري في «شرح البرهان»: مخالفة الراوي لما رواه مخالفة كلية أو ظاهرة عَلَى وجه التخصيص، أو لتأويل محتمل أو مجمل كله، فيه خلاف. وعند الشافعي: العبرة بما روى لا بما رأى خلافًا لأبي حنيفة (١). وقال الرازي: ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويله مخالفًا للظاهر رجع إلى الحديث، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه (٢). السادس بعد العشرين: معنى «لا يعيذ»: لا يعصم. والاستعاذة: الاستجارة بالشيء والاعتصام به. والفار: الهارب. والخَرْبَة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء عَلَى المشهور في جميع الروايات غير الأصيلي فقال: بضم الخاء أي: الفعلة الواحدة (٣). ورواه بعضهم كما ذكره ابن بَزيزة: بخزية -بالمثناة تحت- وأصلها: سرقة الإبل وكذا الخرابة، وتطلق عَلَى كل جناية سواء كانت في الإبل أو غيرها. والحرابة -بالحاء المهملة- تقال في كل شيء، وقد سلف تفسيرها بالسرقة، وفي موضع آخر منه: بالبلية، ذكره في المغازي (٤). والأول رواية المستملي. وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب: وهو اللص المفسد، وقيل: هي العيب (٥). ---------------------- (١) «إيضاح المحصول من برهان الأصول» للمازري ص ٣٢٨. (٢) «المحصول» للرازي ٤/ ٦٣١. (٣) انظر: مادة (خرب) في «الصحاح» للجوهري ١/ ١١٨، «غريب الحديث» ٢/ ٣١٤، «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ١٧. (٤) سيأتي برقم (٤٢٩٥) كتاب: المغازي، باب: منزل النبي - ﷺ -. (٥) ورد بهامش الأصل (س): ثم بلغ في الثالث بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له. ٣٨ - باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِىِّ - ﷺ - ١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». [مسلم: ١ - فتح: ١/ ١٩٩] ١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنيِّ لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ ولكن سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [فتح: ١/ ٢٠٠] ١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَى كَذِبًا فَلْيَتبوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [مسلم: ٢ - فتح: ١/ ٢٠١] ١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [فتح: ١/ ٢٠١] ١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «تَسَمَّوْ ابِاسْمِي، وَلَاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣ - مسلم: ٣/ ٢١٣٤، ٢٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٠٢] حدثنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي مَنصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ ولكن سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». حَدَّثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قال: قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثيرًا أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». حَدَّثنَا مُوسَى، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَام فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». الكلام عَلَى هذِه القطعة من وجوه: أحدها: حديث علي - رضي الله عنه -، أخرجه مسلم في المقدمة من حديث غُنْدر، عن شعبة به (١). وحديث (ابن الزبير) (٢) من أفراده. وزاد أبو داود فيه: «متعمدًا» (٣) والمحفوظ في البخاري والنسائي ----------------- (١) «صحيح مسلم» (١) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -. (٢) بهامش الأصل تعليق نصه: صوابه حذف ابن؛ لأن الحديث من مسند الزبير لا من مسند ابنه. (٣) «سنن أبي داود» (٣٦٥١) كتاب: العلم، باب: التشديد في الكذب على رسول الله - ﷺ -. حذفها (١). وحديث أنس أخرجه مسلم عن زهير، عن ابن عُلَيَّة، عن عبد العزيز به (٢). ودعوى الحميدي في «جمعه» (٣) أنه من أفراد مسلم غريب، فإنه في البخاري كما تراه. وحديث سلمة من ثلاثيات البخاري، وهو من أفراده. وحديث أبي هريرة سيأتي واضحًا في الأدب إن شاء الله (٤)، وأخرجه مسلم أيضًا (٥)، وأخرجه مع البخاري أيضًا من حديث المغيرة أيضًا (٦). الوجه الثاني: (في) (٧) التعريف برواتها كير من سلف: أما حديث علي فراويه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم- ابن عم النبي - ﷺ - وصهره، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة، كناه النبي - ﷺ - أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًّا، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت وصلى عليها النبي - ﷺ - ونزل قبرها -وكان علي أصغر من جعفر وعَقِيل وطالب، وهو أول الناس إسلامًا في قول جماعة، قيل: إنه أسلم وهو ابن عشر سنين وقيل: خمس عشرة. -------------------- (١) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٥٧ (٥٩١٢) كتاب: العلم، باب: من تعلم؛ ليقال: فلان تعلم. (٢) «صحيح مسلم» (٢) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -. (٣) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٦٥٢ (٢١٥٣). (٤) سيأتي برقم (٦١٨٨) كتاب: الأدب، باب: قول النبي - ﷺ - «تسموا باسمي …». (٥) «صحيح مسلم» (٣) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -. (٦) سيأتي برقم (١٢٩١) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت. وفي «صحيح مسلم» (٤) المقدمة، باب: تغليظ الكذب. (٧) زائدة من (ج). وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها إلا تبوكًا، فإنه - ﷺ - خلفه عَلَى أهله، وآخاه رسول الله - ﷺ - مرتين، وقال في كل منهما: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (١) وفضائله مشهورة، وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري إن شاء الله (٢). وحديث: «أنا مدينة العلم» (٣) وفي لفظ: «أنا دار الحكمة وعلي بابها» (٤) منكر كما قاله الترمذي. ولي الخلافة خمس سنين وقيل: -------------------- (١) رواه الترمذي (٣٧٢٠) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي. وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٥١٠ ترجمة حكيم بن جبير. والحاكم ٣/ ١٤ كتاب: الهجرة كلهم من حديث ابن عمر. قال الألباني في «السلسة الضعيفة» (٣٥١): موضوع. (٢) ستأتي برقم (٣٧٠١ - ٣٧٠٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب علي. (٣) رواه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٧٣ (٨٤٠)، ٦/ ١٣٠ (١٢٤٤). والطبراني ١١/ ٦٥ - ٦٦. والحاكم ٣/ ١٢٦ كتاب: معرفة الصحابة. والخطيب في «تاريخ بغداد» ١١/ ٤٨ ترجمة عبد السلام بن صالح، وفي إسناده عبد السلام بن صالح. قال ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١٥١ ترجمة عبد السلام بن صالح يروي عن حماد بن زبد وأهل العراق العجائب في فضائل علي وأهل بيته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وهو الذي روى عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وقال: هذا لا أصل له، ليس من حديث ابن عباس ولا مجاهد ولا الأعمش ولا أبي معاوية حدث به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: بل موضوع، وقال: أبو الصلت لا ثقة ولا مأمون. وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ١١٤: رواه الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ١١٠ - ١١٨ (٦٥٤ - ٦٦٦): في ذكر مدينة العلم: وفيه عن علي، وابن عباس، وجابر … ثم ذكر طرق كل حديث وأوضح ما بها من علل وذكر ما فيها من وضع. وقاو الألباني في «الضعيفة» (٢٩٥٥): موضوع. (٤) رواه الترمذي (٣٧٢٣) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب. وراجع التخريج السابق. إلا شهرًا، بويع لَهُ بعد عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ. روي لَهُ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا، اتفقا منها عَلَى عشرين، وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر. روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وخلق. ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي -وهو من حمير- بسيف مسموم فأوصله دماغه في ليلة الجمعة ومات بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين. ولما ضربه ابن ملجم قَالَ: فزت ورب الكعبة، ولما فرغ من وصيته قَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثمَّ لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتَّى مات عن ثلاث وستين سنة في قول الأكثر. وكان آدم اللون، أصلع ربعة أبيض الرأس واللحية وربما خضب لحيته. وأولاده: الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم من فاطمة، ومحمد بن الحنفية وغيره من غيرها. وليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب غيره. وإن كان في الرواة علي بن أبي طالب ثمانية سواه ذكرتهم في «العدة في معرفة رجال العمدة» وبسطت فيه ترجمته وقد أُفردت بالتأليف (١). وأما الراوي عنه فهو ربعي بن حراش-بكسر الحاء المهملة- بن بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس (بن) (٢) سعد بن غيلان بن مضر ------------------- (١) انظر: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٩٦٨ (٢٠٢٦)، «الاستيعاب» ٣/ ١٩٧ (١٨٧٥)، «أسد الغابة» ٤/ ٩١ (٣٧٨٣) - «الإصابة» ٢/ ٥٠٧ (٥٦٨٨). (٢) زائدة من (ج)، (ف). الغطفاني العبسي -بالموحدة- أبو مريم الكوفي، أخو مسعود الذي تكلم بعد الموت (١)، وأخوهما ربيع. قَالَ الكلبي: كتب النبي - ﷺ - إلى حراش بن ، فحرق كتابه، وليس لربعي عقب، والعقب لأخيه مسعود. قَالَ ابن سعد: روى عن عمر وعلي، وخرشة بن (الحر) (٢)، قَالَ: قيل لشعبة: أدرك ربعي عليًّا؟. قَالَ: نعم حدّث عن علي. ولم يقل: سمع (٣). وعن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي غير هذا الحديث، وقدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية. قَالَ العجلي: تابعي ثقة، لم يكذب كذبة قط، وكان لَهُ ابنان يعصيان عَلَى الحجاج، فقيل للحجاج: إنه لم يكذب كذبة قط، فلو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه. فقال: أين ابناك؟ فقال: هما في البيت. فقال: قد عفونا عنهما بصدقك (٤). وقيل: إنه آلى أن لا يفتر ضاحكًا حتَّى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقيل: توفي سنة أربع ومائة (٥). ------------------- (١) كذا في «تهذيب الكمال» ٩/ ٥٤ (١٨٥٠) في ترجمة ربعي بن حراش، في «الحلية» ٤/ ٣٦٧ أن الذي تكلم بعد الموت الربيع، وفي «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٣٥٩ (١٣٩) في ترجمة ربعي، ذكر أنه العبد الصالح مسعود، ثم ذكر رواية أبي نعيم المثبت فيها الربيع، والله أعلم بالصواب. (٢) في (ج): الحسن، والذي في «الطبقات»: الحر. (٣) «طبقات ابن سعد» ٦/ ١٢٧. (٤) «معرفة الثقات» ١/ ٣٥٠ (٤٤٧). (٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٢٧ (١١٠٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٠٩ (٢٣٠٧)، «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٣٣، «تهذيب الكمال» ٩/ ٥٤ (١٨٥٠). وأما الراوي عنه فهو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبيعة -بضم الراء- أبو عتاب. ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله. ويقال: ابن المعتمر بن عباد بن فرقد الكوفي السلمي، المجمع عَلَى جلالته وتوثيقه وفضله وصلاحه وعبادته. روى عن أبي وائل وغيره، وعنه السفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. ومناقبه جمة. وهو أتقن من الأعمش، أُكْره عَلَى قضاء الكوفة، وكان فيه تشيع. ويقال: إنه صام أربعين سنة وقام ليلها وعمش من البكاء. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما حديث الزبير: فراويه حواري النبي - ﷺ - وابن عمته الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. يلتقي مع النبي - ﷺ - في الأب الخامس وهو أول من سلَّ سيفه في سبيل الله، وأمه صفية بنت عبد المطلب، هاجرت إلى المدينة، وهو أحد العشرة، وأحد الستة الشورى. آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود من المهاجرين، وبينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش من الأنصار، شهد بدرًا والمشاهد كلها واليرموك وفتح مصر، وهاجر الهجرتين، وأسلم وهو ابن ست عشرة سنة. وكان أسمر. وقيل: أبيض. ربعة معتدل اللحم أشعر الكتف طويلًا تخط رجلاه بالأرض إِذَا ركب الدابة. روى عنه ابناه عبد الله، وعروة، ونافع بن جبير. استشهد يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان ترك القتال وانصرف بوادي --------------------- (١) تقدمت ترجمته في حديث (٧٠). السباع بناحية البصرة، فقتله عمرو بن جرموز بغيًا وظلما، وقبره هناك، وسنه بضع وستون. وقيل: خمس وسبعون. وكان لَهُ ألف مملوك يؤدون الخراج إليه، فيتصدق به في مجلسه، ما يقوم منه بدرهم، روي لَهُ ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بسبعة (١). وراويه عنه ولده عبد الله (ع) أبو بكر وأبو خبيب أمير المؤمنين، روى عنه أخوه عروة، وابنه عامر وكان نهاية في الشجاعة، غاية في العبادة، استخلف سنة أربع وستين. ومات شهيدًا في حصر الحجاج له بالبيت العتيق سنة ثلاث وسبعين (٢). وراويه عنه ولده عامر (ع) بن عبد الله أبو الحارث المدني أخو عباد وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر كان عابدًا فاضلًا ثقة. مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة (٣). والراوي عنه جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، وقيل: أبو صخر الكوفي الثقة روى عنه شعبة وغيره، وهو قليل الحديث، لَهُ نحو عشرين ------------------- (١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ١/ ١٠٤ (٦)، «الاستيعاب» ٢/ ٨٩ (٨١١)، «أسد الغابة» ٢/ ٢٤٩ (١٧٣٢)، «الإصابة» ١/ ٥٤٥ (٢٧٨٩). (٢) وانظر ترجمته في: «الطبقات» ٣/ ١٠٠، «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣١ (١٠٠٠)، و«الاستيعاب» ٢/ ٨٩، «أسد الغابة» ٢/ ٢٤٩ (١٧٣٢)، و«الإصابة» ١/ ٥٤٥. (٣) سمع من أنس بن مالك وأبيه، وعمرو بن سليم، وعنه بيان بن بشر وخارجة وسلمة بن دينار وابن جريج وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة، من أوثق الناس. وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. قال مالك: كان يغتسل كل يوم طلعت شمسه. روى له الجماعة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ١١٠، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٤٨ (٢٩٥١)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٤ (٨٢٦) «الجرح والتعديل» ٦/ (١٨١٠)، «ثقات» ابن حبان ٥/ ١٨٦، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٧ (٣٠٤٩). حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمانٍ وعشرين (١). وأما حديث أنس: ففيه عبد العزيز بن صهيب البُنَاني مولاهم الأعمى التابعي الحجة، وعنه شعبة وغيره، مات سنة ثلاثين ومائة، وقد سلف أيضًا. وأما حديث سلمة فراويه سلمة (ع) بن عمرو بن الأكوع (٢) سنان الأسلمي أحد من بايع تحت الشجرة. عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وكان راميًا محسنًا يسبق الفرس، مات سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة، أحاديثه سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة، كلمه الذئب، وقيل: إنه شهد مؤتة، ولما قتل عثمان خرج إلى الربذة، فتزوج هناك وأقام بها إلى قبل موته بليال، فنزل المدينة ومات بها (٣). والراوي عنه يزيد (ع) بن أبي عبيد مولاه، كنيته أبو خالد، روى عنه مكي وغيره، ومات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (٤). ------------------- (١) قال عنه يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال العجلي: هو شيخ عالٍ ثقة وهو من قدماء شيوخ سفيان وكان شيخًا عاقلًا ثقة ثبتًا. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٨، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ (٢٣٢٢)، «معرفة الثقات» ١/ ٢٦٥ (٢٠٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٢٩ (٢٢٠١)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٨٦ (٨٨٩). (٢) ورد بهامش الأصل: واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير، وكنية سلمة أبو إياس وأبو مسلم. (٣) انظر: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣٣٩ (١٢١٩)، «الاستيعاب» ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ (١٠٢١)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٢٣ (٢١٥٤)، «الإصابة» ٢/ ٦٦ - ٦٧ (٣٣٨٩). (٤) يزيد بن أبي عبيد الحجازي الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه، وعمير مولى لأبي اللحم، وهشام بن عروة. وروى عنه بكير بن الأشج ويحيى القطان وأبو عاصم وغيرهم. قال أبو داود: ثقه. وذكره ابن حبان في «الثقات». = وأما حديث أبي هريرة: ففيه موسى وهو: ابن إسماعيل التبوذكي، سلف، وأبو عَوَانة، واسمه: الوضاح. وقد سلف أيضًا. وأبو حصين بفتح الحاء -كما سلف في الفصول أول الكتاب- واسمه: عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا صاحب سنة، من حفاظ الكوفة، مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة (١). الوجه الثالث: في فوائده: وهو حديث جليل حفيل متواتر مقطوع به لا يوجد لَهُ مشابه في طرقه وكثرتها. قَالَ الحافظ أبو بكر البزار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًا (٢). وقال ابن الصلاح: إنه حديث بلغ عدد التواتر، رواه الجم الكبير من -------------------- = وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: حجازي تابعي ثقة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (٣٢٧٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٦٦ (٢٠٢٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٨٠ (١١٧٧)، «الثقات» ٥/ ٣٥٣، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٠٦ (٧٠٢٨). (١) ويقال: عثمان بن عاصم بن كثير بن زيد بن مرة، أبو حصين الأسدي، قال أبو حاتم: يقال: إنه من ولد عبيد بن الأبرص الشاعر. قال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم، منهم: أبو حصين الأسدي. وأثنى عليه أحمد بن حنبل، وقال العجلي: كان شيخًا عاليًا وكان صاحب سنة، وقال أيضًا: كوفي ثقة. وقال يحيى وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خِراش: ثقة. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٢١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٧)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٢٩ (١٢١٣) «تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٠١ (٣٨٢٨). (٢) «مسند البزار» ٣/ ١٨٨. الصحابة، قيل: إنهم يبلغون ثمانين نفسًا، ولم يزل في اشتهار وكثرة طرق في هذِه الأزمان (١). وحكى أبو بكر الصيرفي (٢) في «شرح الرسالة»: إنه رواه أكثر من ستين صحابيًا، وجمع الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (٣) طرقه في جزء ضخم بلغ رواته فوق سبعين صحابيًا، وذكر في جملة من رواه العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف. وبلغ بهم الطبراني (٤) وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة، ويجتمع من كلام ابن منده في «مستخرجه» وكلام ابن خليل نحو المائة. وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ولم يزل في ازدياد. وقال ابن دحية (٥) في كلامه عَلَى رجب بعد أن قَالَ روي من نحو تسعين صحابيًّا: قد أخرج من نحو أربعمائة طريق. قَالَ بعضهم: ولا يُعْرَف حديثٌ اجتمع عَلَى روايته العشرة سواه. وليس كما ذكر، فقد اجتمع ذَلِكَ في رفع اليدين والمسح عَلَى الخفين، كما أوضحته في تخريج أحاديث الرافعي (٦) ولله الحمد. -------------------- (١) «علوم الحديث» ص ٢٦٩. (٢) سبق ترجمته في المقدمة. (٣) هو ابن قراجا عبد الله الإمام المحدث الصادق، الرحال النقال، شيخ المحدثين. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، طلب العلم في قرابة الثلاثين، كان حسن الخلق مرضي السيرة، قال ابن الحاجب: متقن، حافظ ثقة، سمع من البوصيري وإسماعيل بن ياسين وجماعة، وعنه الدمياطي وابن الظاهري وآخرون. توفي سنة ثماني وأربعين وست مائة. انظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» ٤٧/ ٤٠٦ (٥٤٢)، «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ١٥، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤١٠، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٤٣. (٤) في «طرق حديث من كذب عليّ متعمدًا» ط: المكتب الإسلامي. (٥) ورد بهامش الأصل: نقله النووي في «شرح مسلم» في المقدمة. (٦) «البدر المنير» ٣/ ٥، ٣/ ٤٥٩. إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى: «فَلْيَتَبَوَّأْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١)» فليتخذ، وقال الخطابي: تبوأ بالمكان إِذَا أخذه موضعًا لمقامه، وأصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها (٢). والمعنى بالحديث: لينزل منزله منها، وإن كان بلفظ الأمر فمعناه: الخبر. أي: أن الله يبوؤه مقعده من النار، أو أنه استوجب ذَلِكَ واستحقه فليوطن نفسه عليه. ويوضحه ما جاء في بعض طرق مسلم (٣)، وفي حديث علي السالف: «فليلج النار» وقيل: معناه: التهديد والوعيد. وقال الطبري: هو عَلَى معنى الدعاء منه - ﷺ - أي: بوأه الله ذَلِكَ والمعنى: أنَّ هذا جزاؤه وقد يعفي عنه، وكل ما جاء من الوعيد بالنار لأهل الكبائر غير الكفر ينزل عَلَى هذا ومنه: «لا يدخل الجنَّةَ نَمَّام» (٤) أي: جزاؤه أن لا يدخل الجنة. ثانيها: الكذب عند الأشاعرة: الإخبار عن الشيء عَلَى خلاف ما هو عليه، وإن كان سهوًا، واشترطت فيه المعتزلة العمدية، ودليل الخطاب في هذِه الأحاديث عليهم؛ لأنه يدل عَلَى أن من لم يتعمد يقع عليه اسم -------------------- (١) زيادة من (ج). (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٢١٢. (٣) «صحيح مسلم» (٣) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -. (٤) رواه مسلم (١٠٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة. وأحمد ٥/ ٣٩١، ٣٩٦، وابن أبي الدنيا في «الصمت» ص ١٥٣ (٢٥١)، والبزار في «مسنده» ٧/ ٣٠١ (٢٨٩٨)، والدولابي في «الكنى» ١/ ١٨٤ (٦٢٥) ترجمة: محمد بن أبي إسماعيل. والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٤٩٢ - ٤٩٣ (١١١٠١). - والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٦٣ (٣٢٩٥) ترجمة: إسماعيل بن إبراهيم الخراساني. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 546 الى صـــ 565 الحلقة (78) الكذب (١)، وقيد بالعمد في رواية لبيان أنه يكون سهوًا وعمدًا، والإجماع منعقد عَلَى أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول عَلَى المقيد في الإثم. ثالثها: الأحاديث دالة عَلَى تعظيم حرمة الكذب عليه - ﷺ -، وأنه كبيرة؛ والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله خلافًا للجويني حيث قَالَ: يكفر ويراق دمه. وضعفه ولده الإمام، وجعله من هفوات والده. نعم من كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت رواياته كلها وإن تاب، وبه قَالَ أحمد بن حنبل (٢) وغيره. وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إِذَا تاب، أنه لا تقبل شهادته. وما قاله الشافعي (٣) وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق أو العداوة ثمَّ تاب وحسنت (توبته و) (٤) حالته (٥)، لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، وما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إِذَا تاب لا تقبل شهادته أبدا (٦). وما قاله أيضًا من أنه إِذَا ردت شهادة أحد الزوجين بالآخر ثمَّ مات لا تسمع للتهمة، ولأنها مفسدة عظيمة؛ لأنه يصير شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامة. فجعل ذَلِكَ تغليظًا وزجرًا من الكذب عليه بخلاف غيره.(١) ورد بهامش الأصل: ثبت من خط المصنف: لم يصح التقييد بالعمد من طريق الزبير في أبي داود. (٢) انظر: «الأخبار العلميه من الاختيارات الفقهية» ص ٥١٧. (٣) انظر: «البيان» ٣٢٢/ ١٣. (٤) من (ج). (٥) انظر: «الاختيار لتعليل المختار» ٢/ ١٧٥. (٦) انظر: «الاختيار لتعليل المختار» ٢/ ١٧٦. قَالَ عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب أنه يرد عليه صدقه. وخالف النووي فقال: المختار القطع بصحة توبته من ذَلِكَ وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا عَلَى قبول رواية من كان كافرًا ثمَّ أسلم، وأجمعوا عَلَى قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة (١). رابعها: لا فرق في تحريم الكذب عليه - ﷺ - بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد به، ولا عبرة بالكرَّامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب، وتشبثهم برواية: «مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا ليُضل به» (٢) بهذِه الزيادة، ولأنه كذب لَهُ لا عليه. وهو من الأعاجيب، فهذِه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، أو أنها ------------------- (١) وانظر ما قاله النووي في «شرح مسلم» ١/ ٧٠ - ٧١. (٢) رواه بهذِه الزيادة البزار في «مسنده» ٥/ ٢٦٢ (١٨٧٦)، والشاشي في «المسند» ٢/ ٢١٢ (٧٧٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٧/ ٤١٥ (٥٤٤٠، ٥٤٤٢) وابن عدي في «الكامل» ١/ ٨٤، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٤٧، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٣٢٩ (٥٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أسنده عن الأعمش، عن طلحة إلا يونس بن بكير وقد رواه غير يونس، عن الأعمش مرسلًا. وقال الطحاوي: وهذا حديث منكر، وليس أحدٌ يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير … وقال ابن عدي: وهذا الحديث اختلفوا فيه على طلحة بن مصرف: فمنهم من أرسله ومنهم من قال: عن علي بدل عبد الله، ويونس بن بكير جود إسناده. وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث طلحة والأعمش لم يروه مجودًا مرفوعًا إلا يونس بن بكير. وأورده الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٤٤ وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهو عند الترمذي والنسائي دون قوله: ليضل به الناس. اهـ. للتكثير لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أو أن اللام في «ليُضِلَّ» ليست للتعليل بل للصيرورة والعاقبة، والمعنى عَلَى هذا يصير كذبه إلى الإضلال، والكذب لَهُ لما بما لم يخبر به كذب عليه (١). ثمَّ الواضع عَلَى أقسام بينتها في كتابي «المقنع في علوم الحديث» فليراجع منه (٢). خامسها: من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد، إِذَا لم يبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله - ﷺ -: «مَنْ حدَّث عنِّي بحديثٍ يرى أنه كَذِب فهو أحد الكاذِبين» (٣) ومن روى حديثًا ضعيفًا، لا يذكره بصيغة الجزم بخلاف الصحيح والحسن. تنبيه: ينعطف عَلَى ما مضى: قَالَ أبو العباس القرطبي في «المفهم»: استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله - ﷺ - نسبة قولية وحكاية نقلية، فنقول في ذَلِكَ: قَالَ رسول الله - ﷺ - كذا وكذا. --------------------- (١) انظر في ذلك «شرح مشكل الآثار» ٧/ ٤١٦، «شرح مسلم» للنووي ١/ ٧٠ - ٧١، «السلسلة الضعيفة» (١٠١١). فقد بسط الألباني الكلام على هذِه الزيادة بما يكفي. (٢) «المقنع» النوع الحادي والعشرون ١/ ٢٣٣ - ٢٣٥ وانظر: «مقدمة ابن الصلاح» في النوع الحادي والعشرون ص ٩٩. (٣) رواه الترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٤١)، وأبو داود الطيالسي ٢/ ٦٩ (٧٢٥)، وأحمد ٤/ ٢٥٠، وابن أبي الدنيا في «الصمت» ص ٢٥٦ (٥٣٣)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٧، والطبراني ٢٠/ ٤٢٢ - ٤٢٣، وأبو نعيم في «الحليه» ٤/ ٣٧٨. وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٤١، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» ٢/ ٩٨ (١٢٨٧). والبغوي في «مسند الجعد» ص ٩٣ (٥٤١) من حديث المغيرة بن شعبة. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢١٤٤). قَالَ: ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة (تشهد) (١) متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين، مع أنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد (٢). سادسها: ذهب قوم إلى أن هذا الحديث ورد في رجل بعينه، كذب على النبي - ﷺ - في حياته وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم، فأمر - ﷺ - بقتله إن وجد حيًّا وبإحراقه إن وجد ميتًا. والصواب عمومه في كل خبر تعمد به الكذب عليه في الدين والدنيا، ولا يخص بالدين، ولهذا قال - ﷺ -: «إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذبٍ عَلَى أحدِكم» (٣). ومما يؤيد عمومه استدلال عمر والزبير بهذا الوعيد لتوقفهم عن (التحديث) (٤)، ولو كان في رجل بعينه أو مقصورًا عَلَى سبب لما حذروا، وذكر ابن الجوزي سبب وروده من طرق في مقدمة كتابه «الموضوعات» (٥). سابعها: فيما يظن دخوله في النهي: اللحن وشبهه، ولهذا قَالَ العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم به من قول ما لم يقل. قَالَ الأصمعي: أخوف ما أخاف عَلَى طالب العلم إِذَا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله - ﷺ -: «من كذب علي ..» الحديث؛ لأنه - ﷺ - ---------------------- (١) في الأصول: تشبه، والمثبت من «المفهم». (٢) «المفهم» ١/ ١١٥. (٣) سيأتي برقم (١٢٩١) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت. (٤) في (ج): الحديث. (٥) «الموضوعات» ١/ ٥٠ - ٥٣. لم يكن يلحن فمهما لحن الراوي فهو كذب عليه (١). وكان الأوزاعي يعطي كتبه إِذَا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مقيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها عَلَى ما يجوز فيه، روي ذَلِكَ عن أحمد وغيره، قَالَ أحمد: يجب إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون (٢). وقال النسائي فيما حكاه القابسي: إِذَا كان اللحن شيئًا تقوله العرب -وإن كان في غير لغة قريش- فلا يغير لأنه - ﷺ - كان يكلم الناس بلسانهم، وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن (٣). قَالَ الأوزاعي: كانوا يعربون، وإنما اللحن من حملة الحديث فأعربوا الحديث (٤). وقيل للشعبي: أسمع الحديث ليس بإعراب، أفأعربه؟ قَالَ: نعم. فرع: لو صح في الرواية ما هو خطأ، فالجمهور عَلَى روايته عَلَى الصواب، ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية: كذا وقع، وصوابه كذا وهو الصواب. وقيل: يغيره ويصلحه، روي ذَلِكَ عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قَالَ: كان أبي إِذَا مر به لحن فاحش غيره، وإن كان سهلًا تركه (٥). --------------------- (١) ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣٨٨. (٢) رواه بمعناه الخطيب في «الكفاية» ص ٢٨٦. (٣) انظر التخريج السابق. (٤) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ١/ ٣٣٩ (٤٥٤، ٤٥٥) والخطيب في «الكفاية» ١/ ٢٩٦. (٥) رواه الخطيب في «الكفاية» ص ٢٨٦ - ٢٨٧. وعن أبي زُرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم (١). ومحل بسط ذَلِكَ «علوم الحديث»، وكذا ما يتعلق به من استفهام الكلمة الساقطة عَلَى الراوي من المستملي، وكذا رواية الحديث بالمعنى، وغير ذلك، وقد أوضحت ذَلِكَ في «علوم الحديث» (٢). ثانيها: توقى جماعة (٣) من الإكثار في الرواية خوف دخول الوهم عليهم ولقيام غيرهم به. وأما حديث أبي هريرة: «تسموا باسمي ..» إلى آخره، فاختلف في هذا النهي، هل هو عام أو خاص أو منسوخ؟ عَلَى أقوال. ومذهب الشافعي وأهل الظاهر المنع مطلقًا، ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم؛ لكيلا يكون سببًا للتكنية، وقيل: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا دون غيره، وفيه حديث (٤) صحيح، ووقع في بعض نسخ «الروضة» التعبير عنه بعكسه، وهو أنه يجوز لمن اسمه محمد دون غيره (٥)، وهو سهو فاحذره، فإن أحدًا لم يقل به. ---------------------- (١) رواه الخطيب في «الكفاية» ص ٣٧١. (٢) «المقنع في علوم الحديث» ١/ ٣٧٨ وما بعده. (٣) ورد بهامش الأصل: بخط المصنف في الهامش: منهم عمر وعلي والزبير وسعد. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: … المصنف بقوله: (وفيه حديث …) الذي رواه أحمد وأبو داود … من حديث أبي الزبير، عن جابر … «من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي». وقال الترمذي: حسن غريب. والبيهقي بعد إخراجه … هذا إسناد صحيح … أيضًا ابن حبان وابن السكن … مذهب أبي حاتم بن حبان. (٥) انظر: «روضة الطالبين» ٧/ ١٥. ومذهب مالك أنه يجوز التكني به مطلقًا، وجعل النهي مختصًّا بحياته (١)؛ لأن الحديث ورد عَلَى سبب، فإن اليهود تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فيلتفت - ﷺ - فيقولون: لم نَعْنِكَ؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذَلِكَ المعنى. قَالَ في «الروضة»: وهذا المذهب أقرب (٢). ومنع قوم، كما قَالَ القاضي التسمية بالقاسم، كيلا يكون سببًا للتكنية (٣) ويؤيد هذا قوله فيه: «إنما أنا قاسِم» (٤) فأخبر بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذِه الكنية. وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة (٥)، ونقل عن الجمهور وسمى جماعة أبناءهم محمدًا وكنوهم بأبي القاسم. وفي «سنن أبي داود» من حديث محمد بن الحنفية قَالَ: قَالَ علي: يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟ قَالَ: «نعم» (٦). قَالَ أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم، رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وسيأتي لنا عودة إلى هذِه المسألة في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى ذلك وقدره، وقد أوضحتها في كتابي «الخصائص» (٧) أيضًا. ---------------------- (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٩٦، «الذخيرة» ١٣/ ٣٣٨. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٧/ ١٦. (٣) انظر: «إكمال المعلم» ٧/ ٨. (٤) سلف برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله بن خيرًا. (٥) سيأتي في شرح حديث (٦١٨٧ - ٦١٨٩) كتاب: الأدب، باب: قول النبي - ﷺ - «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي». (٦) «سنن أبي داود» (٤٩٦٧). (٧) «خصائص النبي - ﷺ -» ص ٢٠٣ - ٢٠٧. وأما قوله - ﷺ -: («وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَام فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي»). وجاء في موضع آخَر: «ومن راَني فقد رأى الحق» (١). وجاء أيضًا: «فسيراني في اليقظة» (٢) وجاء أيضًا: «فكأنما رآني في اليقظة» (٣). وجاء أيضًا: «فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٤) وهو تفسير للأولى واختلف في تأويله، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنها صحيحة وليست بأضغاث أحلام (٥). وقال غيره: معناه: رآه حقيقة (٦). وفي قول ثالث: إنه إن رآه عَلَى صفته فهو حقيقة، وإن رآه عَلَى غيرها فهو رؤيا تأويل لا حقيقة، قاله ابن العربي والقاضي وضعفه النووي وصوب الثاني (٧). ومعنى: «فسيراني» أي: يرى تفسيره؛ لأنه حق، أو يراه في القيامة، أو المراد أهل عصره ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام علمًا لَهُ عَلَى رؤيته في اليقظة أقوال. وخص - ﷺ - بذلك لئلا يكذب عَلَى لسانه في النوم، كما منعه أن يتصور في صورته في اليقظة؛ إكرامًا له، وقد ذكرت فروعًا فقهية تتخرج عَلَى ذَلِكَ في «الخصائص» (٨) فراجعها منه. ------------------- (١) سيأتي برقم (٦٩٩٦) كتاب: التعبير، باب: من رأى النبي - ﷺ - في المنام. (٢) سيأتي برقم (٦٩٩٣) كتاب: التعبير، باب: مَنْ رأى النبي - ﷺ - في المنام. (٣) رواه مسلم (٢٢٦٦) كتاب: الرؤيا، باب: قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام». (٤) رواه مسلم (٢٢٦٨) كتاب: الرؤيا، باب: قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام». (٥) و(٦) انظر: «البخاري بشرح الكرماني» ١١٧/ ٢. (٧) انظر: «عارضة الأحوذي» ٩/ ١٣٠، و«إكمال المعلم» ٧/ ٢١٨ - ٢٢١، و«صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٤. (٨) ص ٢١٤. فائدة: اختلف في حقيقة الرؤيا هل هي اعتقادات أو إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد؟ عَلَى قولين: وبالأول قَالَ القاضي أبو بكر، وبالثاني قَالَ الشيخ أبو إسحاق. ومنشأ الخلاف كما قَالَ ابن العربي إن الشخص قَدْ يرى نفسه بهيمة أو ملكًا أو طيرًا، وهذا ليس إدراكًا، لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي إلى أنها اعتقادات، لأن الاعتقاد قَدْ يأتي عَلَى خلاف المعتقد (١). قَالَ: وذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل، والإدراك إنما يتعلق بالمثل (٢) وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره. ------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ٩/ ١٣٠ - ١٣٢ وانظر: «الفتح» ١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣. (٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٩/ ١٢٥ - ١٢٦، «طرح التثريب» ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦، «عارضة الأحوذي» ٩/ ١٣٠ - ١٣٢. ٣٩ - باب كِتَابَةِ الْعِلْمِ ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هذِه الصَّحيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسَيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ١/ ٢٠٤] ١١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحٍ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَرَكِبَ رَاحِلَتَة، فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ -أَوِ الفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّا الإِذْخِرَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَة هذِه الُخطْبَةَ. [٢٤٣٤، ٦٨٨٠ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح: ٥/ ٢٠١] ١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْروٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكتُبُ وَلَا أَكْتبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [فتح: ٢٠٦/ ١] ١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَعُة قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَلَبَهُ الوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَط. قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ كِتَابِهِ. [٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - مسلم: ١٦٣٧ - فتح: ١/ ٢٠٨] ذكر فيه رحمه الله أربعة أحاديث: الحديث الأول: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. الكلام عليه من (أوجه) (١): أحدها: هذا الحديث خرجه البخاري أيضًا في الجهاد عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن مطرف (٢)، وفي الديات عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة، عن مطرف (٣). قَالَ أبو مسعود الدمشقي: يقال: إن حديث وكيع، عن سفيان هو ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه قَالَ: وقد رواه يزيد العدني عن --------------------- (١) في (ج): وجوه. (٢) سيأتي برقم (٣٠٤٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: فكاك الأسير. (٣) سيأتي برقم (٦٩٠٣) كتاب: الديات، باب: العاقلة. الثوري أيضًا. قَالَ الغساني: هو محفوظ من حديث سفيان بن عيينة. وانفرد به البخاري عن مسلم من طريق أبي جحيفة، واتفقا عَلَى معناه بدون بيان ما في الصحيفة من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي (١). ورواه أبو داود من حديث قيس بن عباد عن علي (٢)، ورجاله رجال الصحيح. ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما أبو جحيفة فهو وهب (ع) بن عبد الله السُوَائي -بضم السين وفتح الواو- ويقال: وهب بن وهب. ويقال: وهب الخير، من بني حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله - ﷺ - ولم يبلغ الحلم. نزل الكوفة، (روي لَهُ خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بثلاثة، وكان علي - رضي الله عنه - يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله عَلَى بيت المال بالكوفة) (٣) وشهد مشاهده كلها. مات سنة أربع وسبعين في خلافة بشر بن مروان (٤). وأما مُطَرِّف (ع) فهو أبو بكر ويقال: أبو عبد الرحمن مطرِّف بن طريف الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو، --------------------- (١) سيأتي برقم (١٨٧٠) كتاب: فضائل المدينة، باب: حرم المدينة، ومسلم برقم (١٣٧٠) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة. (٢) «سنن أبي داود» (٤٥٣٠). (٣) ساقط من (ج). (٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٧٩ (١١٥٤)، «الاستيعاب» ٤/ ١٢١ (٢٧٦١)، «أسد الغابة» ٥/ ٤٦٠ (٥٤٨٦)، «الإصابة» ٣/ ٦٤٢ (٩١٦٦). ويقال: الخارفي -بالخاء المعجمة والفاء- نسبة إلى خارف بن عبد الله. وثقه أحمد وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين (١). وأما وكيع فهو أحد الأعلام الثقات أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة، وقيل: غيره. أصله من قرية من قرى نيسابور، الرؤاسي الكوفي، من قيس غيلان، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد، وقال: إنه أحفظ من ابن مهدي. وقال حماد بن زيد: لو شئت قُلْتُ: إنه أرجح من سفيان. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ومات بفيد سنة سبع وتسعين ومائة (٢). ثالثها: في فوائده: الأولى: كتابة الحديث: وقد اختلف الصدر الأول في ذَلِكَ، فمنهم من كره كتابته وكتابة العلم وأمروا بحفظه، ومنهم من جوز ذَلِكَ (٣). ------------------ (١) وثقه أحمد وأبو حاتم وأبو داود. وقال الشافعي: ما كان ابن عينية بأحد أشد إعجابًا منه بمطرف، وقال علي بن المديني: كان ثقة. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٣ (١٤٤٨)، و«الثقات» ٧/ ٤٩٣، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٦٢ (٦٠٠). (٢) وقال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ. وقال: كان مطبوع الحفظ، وكان حافظًا حافظًا، وقال: عليكم بمصنفات وكيع. وقال ابن معين: ما رأيت أفضل من وكيع. وقال نوح بن حبيب القومسي: رأيت الثوري ومعمرًا ومالكًا فما رأت عيناي مثل وكيع. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيع القدر كثير الحديث حجة. وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٧ (١٦٨)، و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٣١١ - ٣١٥. (٣) انظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح النوع الخامس والعشرون من ص ١٨١ - ٢٠٨ و«المقنع» ١/ ٣٣٧ - ٣٦٧. وجاء في النهي حديث: «لا تكتبوا عني شيئًا (إلا القرآن) (١) ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» أخرجه مسلم (٢). وفي الإباحة الحديث الأتي: «اكتبوا لأبي شاة» (٣) ولعل الإذن لمن خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف اتكاله، أو نهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، وأذن حين أمن، ثم إنه زال ذَلِكَ الخلاف وأجمعوا عَلَى الجواز، ولولا تدوينه لدرس في الأعصار الأخيرة (٤). --------------------- (١) ساقطة من (ج). (٢) «صحيح مسلم» (٣٠٠٤) كتاب: الزهد والرقائق، باب: التثبت في الحديث وحكم كتابة الحديث. (٣) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة. (٤) اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الحديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: كراهة الكتابة. وإليه ذهب ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وآخرون. القول الثاني: إباحة الكتابة. وإليه ذهب عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمرو وأنس وجابر وابن عمر والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز. وحكاه القاضي عن أكثر الصحابة والتابعين. القول الثالث: الكتابة ثم المحو بعد الحفظ. وهذا القول حكاه الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاصل». قلت: وقيل بخلاف ما ذكره المصنف من تعليل الكراهة والإباحة ما يلي: ١ - أن المراد النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها، فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه. ٢ - أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره. ٣ - أن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: لا تكتبوا عني شيئًا ..... الحديث. معل، والصواب وقفه عليه، كما قاله البخاري وغيره. انظر: المحدث الفاصل ص ٣٧٩ - ٣٨٣، «تقييد العلم» ص ٣٠ - ٦٣، «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٨١ - ١٨٣، «التقييد والإيضاح» ص ١٩٠ - ١٩١، «المقنع» ١/ ٣٣٧ - ٣٤٢، «تدريب الرواي» ٢/ ١٠٥ - ١٠٧. الثانية: فيه إبطال ما يخترعه الرافضة والشيعة من قولهم: إن عليًّا - رضي الله عنه - أوصى إليه النبي - ﷺ - بأسرار العلم، وقواعده وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره، وإنه - ﷺ - خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهي دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها. الثالثة: فيه دلالة لمالك والشافعي والجمهور في أن المسلم لا يقتل بكافرٍ قصاصًا (١)، وروي ذَلِكَ عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وبه قَالَ جماعة من التابعين (٢)، وهو مذهب الأوزاعي أيضًا والليث والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٣)، إلا أن مالكًا والليث قالا: إن قتله غيلة قتل. والغيلة: أن يقتله عَلَى ماله كما يصنع قاطع الطريق (٤). وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى أنه يُقتل المسلم بالذمِّي ولا يُقتل بالمستأمن والمعاهد (٥)، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي، واحتجوا بحديث ابن عمر أنه - ﷺ - قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: «أنا كرم من وَفَّى بذمته» أخرجه الدارقطني ووهاه فقال: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، والصواب إرساله، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إِذَا وصل الحديث، ---------------------- (١) انظر: «التفريع» ٢/ ٢١٦، «عيون المجالس» ٥/ ١٩٧٧، «البيان» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٦، «روضة الطالبين» ٩/ ١٥٠، «المحلى» ١٠/ ٢٢٣. (٢) روى هذِه الآثار عبد الرزاق في «مصنفه» ١٠/ ٩٨ - ١٠٢، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٥/ ٤٠٨ - ٤٠٩، والبيهقي في «الكبرى» ٨/ ٢٨ - ٢٩، ٣٢ - ٣٤. (٣) انظر: «عيون المجالس» ٥/ ١٩٧٧، «البيان» ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٦، «الكافي» ٥/ ١٢٧، «المحلى» ١٠/ ٢٢٣. (٤) انظر: «الكافي» لابن عبد البر ص ٥٨٧، «جامع الأمهات» ص ٣١٩. (٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٢٣٠، «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ١٥٧ - ١٥٩. فكيف إِذَا أرسله (١)؟! واحتجوا أيضًا بالإجماع عَلَى أن المسلم تقطع يده إِذَا سرق مال الذمي، وبحديث علي في أبي داود: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (٢) أي: بكافر، وجعلوه من باب عطف الخاص عَلَى العام، وأنه يقتضي تخصيصه؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. والجواب: أما القياس فهو في مقابلة النص وهو باطل، وأما الحديث فجوابه من أوجه: أحدها: أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف، وما بعد ذَلِكَ جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر. ثانيها: سلمنا أنه من باب العطف لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما في قول القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرٍو. فإن المنقول كما قَالَ القرافي عن أهل اللغة والنحو أن ذَلِكَ لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقًا بل الاشتراك في مطلق المرور. -------------------- (١) «سنن الدارقطني» ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ (١٦٥) كتاب: الحدود والديات. وكذا قال البيهقي في «السنن الكبرى» ٨/ ٣٠ وزاد أيضًا: والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي، فقد كان يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته وسقط عن الاحتجاج به. اهـ. (٢) «سنن أبي داود» (٤٥٣٠) كتاب: الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٦٦). ثالثها: أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد؛ لأن الذمة تنعقد له ولأولاده. الرابعة: الكلام عَلَى العقل وفكاك الأسير يأتي إن شاء الله في الجهاد (١). الحديث الثاني: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ -أَوِ القَتْلَ قال أبو نُعَيمٍ: وجعلوه على الشَّك؟ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ، وغيره يقول: الفِيلَ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحَلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَا الِاذْخِرَ». --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٠٤٧) كتاب: الجهاد، باب: فكاك الأسير. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الديات عن أبي نعيم به وقال فيه: «فمن قتل له قتيل» (١) وهو الصواب، خلاف ما وقع هناا. وأخرجه أيضًا في اللقطة عن يحيى بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي (٢)، وفي الديات، وقال عبد الله بن رجاء: حَدَّثنَا حرب (٣). وأخرجه مسلم في المناسك: عن زهير و(عبيد) (٤) الله بن سعيد، عن الوليد، عن الأوزاعي، وعن إسحاق بن منصور، عن (عبيد) (٥) الله بن موسى، عن شيبان ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به (٦). ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف. أما يحيى فهو: أبو نصر يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل، ويقال: نشيط. ويقال: دينار. ودينار مولى على اليمامى الطائى مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد. روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام الدستوائي وغيره. قَالَ أيوب: ما بقي عَلَى وجه الأرض مثله. مات ------------------- (١) سيأتي برقم (٦٨٨٠) كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. (٢) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: اللقطة، باب: كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة. (٣) سيأتي برقم (٦٨٨٠). (٤) في الأصول: عبد، والمثبت من «صحيح مسلم» (١٣٥٥)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٦٤ (٣٦٨٩). (٥) في الأصول: عبد، والمثبت من «صحيح مسلم» (١٣٥٥)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٠ (٣٦٣٩). (٦) «صحيح مسلم» (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة (١). وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره، نعم فيها يحيى بن كثير العنبري (٢)، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي (٣)، وابن ماجه: يحيى بن كثير صاحب البصري (٤) وهما ضعيفان. ------------------- (١) عن أحمد قال: قال أيوب السختياني: ما أعلم أحدًا بالمدينة بعد الزهري أعلم من يحيى بن أبي كثير. وكان شعبة يقدمه على الزهري، وقال أحمد: يحيى من أثبت الناس وقال العجلي ثقة، كان يعد من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٥٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠١ (٣٠٨٧)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٥٧ (١٩٩٤) و«الجرح والتعديل» ٩/ ١٤١ (٥٩٩)، و«تهذيب الكمال» ٣١/ ٥٠٤ (٦٩٠٧)، و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٨٣. (٢) يحيى بن كثير بن درهم العنبري، مولاهم، أبو غسان البصري خراساني الأصل، وهو الذي يقال له: السعيري قال عباس العنبري: كان ثقة وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠٠ (٣٠٨٤)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٨٣ (٧٦٠)، و«الثقات» ٩/ ٢٥٥، و«تهذيب الكمال» ٣١/ ٤٩٩ (٦٩٠٤). (٣) كذا في الأصول: [الباهلي] وما في ترجمته: الكاهلي. وهو يحيى بن كثير الكاهلي الأسدي الكوفي، روى عن: صالح بن ضباب الفزاري ومسور بن يزيد الكاهلي، وروى عنه: مروان بن معاوية الفزاري. قال أبو حاتم: شيخ وقال النسائي ضعيف وذكره ابن حبان في «الثقات» وقد روى له البخاري في «القراءة خلف الإمام» وقال ابن حجر: لين الحديث من الخامسة. انظر: ترجمته في «الجرح والتعديل» ٩/ ١٨٣ (٧٦١)، «الثقات» ٥/ ٥٢٧. و«تهذيب الكمال» ٣١/ ٥٠١ (٦٩٠٥)، و«تقريب التهذيب» ص ٥٩٥ (٧٦٣٥). (٤) هو يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري، روى عن أيوب السختياني وعاصم الأحول وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن السائب الكلبي وروى عنه شيبان بن فروخ وفضيل بن حسين الجحدري ومحمد بن مرداس. قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال العقيلي منكر الحديث. = وأما شيبان (ع) فهو أبو معاوية (شيبان بن عبد الرحمن) (١) النحوي المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم، سمع الحسن وغيره. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات. قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي (٢). فائدة: النحوي نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، وليس في هذِه القبيلة من يروي الحديث سواه ويزيد بن أبي سعيد (م، د)، وأما من عداهما فنسبه إلى النحو علم العربية كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره (٣). -------------------- = انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٨٢ (٧٥٩)، «المجروحين» ٣/ ١٣٠، و«ضعفاء العقيلي» ٤/ ٤٢٤ (٢٠٥٢)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٥٠٢ (٦٩٠٦)، «تقريب التهذيب» (٧٦٣١). (١) في الأصول: شيبان بن معاوية بن عبد الرحمن، والصواب ما أثبتناه من «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٩٢ (٢٧٨٤)، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٥٤ (٢٧٠٩)، «جامع الترمذي» (٢٨٢٢). (٢) شيبان هو التميمي سكن الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد. قال يحيى بن معين: شيبان أحب إليَّ من معمر في قتادة، ثقة وهو صاحب كتاب. وقال محمد بن سعد وأحمد بن عبد الله العجلي والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح الحديث، يكتب حديثه. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٧٧، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٥٤ (٢٧٠٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٥٥ (١٥٦١)، «تاريخ بغداد» ٩/ ١٧، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٩٢ (٢٧٨٤). (٣) ورد في هامش الأصل: قاله ابن السمعاني. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|