استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-11-2026, 05:10 AM   #109

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 551 الى صـ 555
الحلقة (109)



وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر أنه قال - لما نزل تحريم الخمر -: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! فنزلت هذه الآية التي في البقرة: يسألونك عن الخمر والميسر الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت [ ص: 551 ] الآية التي في النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا أقام الصلاة - نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا انتهينا.

وحقيقة الخمر: ما أسكر من كل شيء، وروى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة » .

وأما الميسر: فهو القمار - بكسر القاف - مصدر من يسر - كالموعد والمرجع من فعلهما. يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره.

وصفته: أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام وهي:

الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككتف - والنافس، والمسبل - كمحسن - والمعلى - كمعظم، والمنيح - كأمير، والسفيح - بوزن ما قبله، والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء كما قاله أبو عمر أو ثمانية وعشرين جزءا كما قال الأصمعي وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي المنيح والسفيح والوغد فلا أنصباء لها. وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم:


لي في الدنيا سهام ليس فيهن ربيح

وأساميهن: وغد
وسفيح ومنيح



[ ص: 552 ] فللفذ سهم - أي: فرض واحد - وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج. باسم رجل رجل، قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه: البرم بفتحتين كذا في " الكشاف " بزيادة.

وفي " القاموس وشرحه ": الميسر: اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه وقسموه ثمانية وعشرين قسما، أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل، ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ميسرا، لأنه يجزأ أجزاء. وكل شيء جزأته فقد يسرته ; ويسرت الناقة جزأت لحمها، ويسر القوم الجزور أي: اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعي:


أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم


كان وقع عليه سباء فضرب عليهم بالسهام. وقوله ييسرونني هو من الميسر، أي: يجزونني ويقتسمونني. وقاللبيد:


واعفف عن الجارات وامنحهن ميسرك السمينا


فجعل الجزور نفسه ميسرا. ونقل الصاغاني، أن الميسر: النرد. وقال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز.

قل فيهما إثم كبير أي: عظيم - وقرئ بالمثلثة - وذلك لما فيها من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير: ومنافع للناس [ ص: 553 ] دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كد في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكبر، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به قوله تعالى: وإثمهما أكبر من نفعهما أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة ; ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون

تنبيه:

ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات.

ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي، ومما قرره خمسون طبيبا منهم هذه الجمل:

1 - إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده.

2 - إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال.

3 - إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد.

4 - إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر والشقاء.

5 - هي من المسكنات كالبنج والإيثر.

[ ص: 554 ] 6 - إنها تعد للأمراض المعدية.

7 - إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل.

8 - إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع.

9 - إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت، وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة.

10 - إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر.

11 - إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد.

12 - إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.

13 - إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة.

14 - إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم.

15 - إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم.

16 - إن الامتناع عنها مما يقضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري.

ويسألونك ماذا ينفقون أي: يتصدقون به من أموالهم: قل العفو وهو ما يفضل عن النفقة، أي: الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه.

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» .

وأخرج مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل [ ص: 555 ] شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» .

وروى أبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندي دينار، قال: « أنفقه على نفسك » . قال عندي آخر، قال: « أنفقه على ولدك» . قال: عندي آخر، قال: « أنفقه على أهلك» . قال: عندي آخر، قال: « أنفقه على خادمك» . قال: عندي آخر، قال: « أنت أعلم» .

كذلك - أي: كما بين لكم ما ذكر -: يبين الله لكم الآيات أي: الأمر والنهي وهوان الدنيا: لعلكم تتفكرون
القول في تأويل قوله تعالى:

[220] في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم .

في الدنيا أنها فانية - والآخرة - أنها باقية، وفي أمورهما لتصلحوها ولا تتحملوا مفسداتهما، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 05:12 AM   #110

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 556 الى صـ 560
الحلقة (110)


[ ص: 556 ] ويسألونك عن اليتامى أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ويسألونك عن اليتامى الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وقوله تعالى: قل إصلاح لهم خير أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. وإنما أقيم غاية المداخلة - أعني الإصلاح - مقامها، تنبيها على أن المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ظاهرا، كأنها عين الإصلاح: وإن تخالطوهم تعاشروهم ولم تجانبوهم: فإخوانكم فهم إخوانكم في الدين - الذي هو أقوى من العلاقة النسبية. ومن حقوق الأخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع.

قال الأصبهاني: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم أوسع. وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار. يخرجون النفقات بالسوية، ويتباينون في قلة المطعم وكثرته.

[ ص: 557 ] والله يعلم المفسد لأموالهم: من المصلح لها، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح: ولو شاء الله لأعنتكم لحملكم على العنت - وهو المشقة - وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء إن الله عزيز أي: غالب على ما أراد: حكيم أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة.

هذا، وقد حمل القاضي قوله تعالى: قل إصلاح لهم خير على جهات المصالح والخيرات العائدة إلى الولي واليتيم. قال رحمه الله: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة. ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة. ويدخل أيضا معنى قوله تعالى: وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ومعنى قوله: خير يتناول حال المتكفل. أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم. ويتناول حال اليتيم أيضا. أي: هذا العمل خير لليتيم من حيث إنه يتضمن صلاح نفسه وصلاح ماله. فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي.

وقد روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» . وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وروى نحوه مسلم أيضا في صحيحه.
[ ص: 558 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[221] ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون .

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أي: لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمن بالله تعالى.

قال ابن كثير: هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين

وقد بسط العلامة الرازي ههنا الكلام على أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب؟ فانظره.

والتحقيق: أن المشرك لا يتناول الكتابي، لأن آيات القرآن صريحة في التفرقة بينهما. وعطف أحدهما على الآخر في مثل: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين وسر ذلك أن المشرك هو من يتدين بالشرك. أي: يكون أصل دينه الإشراك، والكتابي - وإن طرأ في دينه الشرك - فلم يكن من أصله وجوهره.

وقوله تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة تعليل للنهي عن مواصلتهن، وترغيب في مواصلة المؤمنات ; أي: ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر ; خير من مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن. فإن نقصان الرقية فيها مجبور بالإيمان الذي هو أجل كمالات الإنسان: ولو أعجبتكم أي: المشركة بحسنها ونسبها [ ص: 559 ] وغيرهما. فإن نقصان الكفر لا يجبر بها: ولا تنكحوا المشركين بضم التاء - من الإنكاح، وهو التزويج أي: لا تزوجوا الكفار - بأي كفر كان - من المسلمات: حتى يؤمنوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر: ولعبد مؤمن مع ما به من ذل الرقية: خير من مشرك ولو أعجبكم بداعي الرغبة فيه الدنيوية، فإن ذهاب الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها. وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما، إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان، ومن يعدونه شريفا فحقره الكفران. ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه - وإن كان دنيا - موضع التفضيل لعلو وصفه. وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه، لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه - أفاده البقاعي.

ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى: أولئك أي: المذكورون من المشركات والمشركين: يدعون من يقارنهم ويعاشرهم: إلى النار أي: إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق ; فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا..!: والله يدعو أي بما يأمر به على ألسنة رسله: إلى الجنة والمغفرة أي: العمل المؤدي إليهما. وتقديم الجنة هنا على المغفرة مع سبقها عليها، لرعاية مقابلة النار ابتداء: بإذنه بأمره: ويبين آياته أمره ونهيه في التزويج: للناس لعلهم يتذكرون لكي يتعظوا وينتهوا عن تزويج الحرام، ويوالوا أولياء الله - وهم المؤمنون - بالمعاشرة والمصاهرة فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران.

هذا وقد قيل: معنى: والله يدعو وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ; تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعلهم فعل نفسه صورة، وملحظه رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله [ ص: 560 ] يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا أن فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: ويبين لله تعالى، فيلزم التفكيك.

تنبيه:

قال الراغب: حقيقة التذكر، الاستذكار عن نسيان أو غفلة لما اشتبه القلب. قال: إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟ قيل: إن الله عز وجل ركب فينا بالفطرة معرفته ومعرفة آلائه. والإنسان - باستفادة العلم - يتذكر ما ذكر فيه، فهذا معنى التذكر. ثم قال: وقد قيل: الرجاء من الله واجب، بمعنى أنه إذا رجانا حقق رجانا. قال: وهذه مسألة لا يمكن تصورها إن لم نبلغها بتعاطي هذه الأفعال التي شرطها الله تعالى. فلذلك صعب إدراكها لنا.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 05:17 AM   #111

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 561 الى صـ 565
الحلقة (111)

القول في تأويل قوله تعالى:

[222] ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين .

ويسألونك عن المحيض وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضا. أي: هل يسبب ويقتضي مجانبة مس من رأته؟: قل هو أذى أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له فاعتزلوا النساء في المحيض أي: فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه.

قال الراغب: في قوله تعالى: هو أذى تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه، كأن قيل: الحيض أذى وكل أذى متحاشى منه. ولما كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرما، صرح بتحريمه بقوله: فاعتزلوا النساء

روى الإمام أحمد ومسلم عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن اليهود كانوا إذا حاضت [ ص: 561 ] المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى إلى آخر الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اصنعوا كل شيء إلا النكاح » . فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما.

ولا تقربوهن حتى يطهرن تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به عدم قربانهن، لا عدم القرب منهن، وكنى بقربانهن، المنهي عنه، عن مباضعتهن. فدل على جواز التمتع بهن حينئذ فيما دون الفرج.

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض.

وفيهما عنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن.

وروى مسلم عنها أيضا قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 562 ] فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في.

وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ميمونة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض.

وفي لفظ له: كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب.

وقوله: حتى يطهرن بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع: بفتح الطاء والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدل صريحا على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى: فإذا تطهرن إلخ. والقراءة الثانية وإن دلت على أن الغاية هو انقطاع الدم - بناء على ما قيل: إن الطهر انقطاع الدم، والتطهر الاغتسال - إلا أنه لما ضم إليها قوله تعالى: فإذا تطهرن صار المجموع هو الغاية ; وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا، وكذلك الآية - لما دلت على وجوب الأمرين - وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد كما بينا.

وقد روى مسلم عن عائشة: أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: [ ص: 563 ] « تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها - والفرصة بالكسر: قطعة من صوف أو قطن أو غيره - تتبع بها أثر الدم » .

ثم آذن تعالى أن التطهر شرط في إباحة قربانهن، لا يصح بدونه، بقوله سبحانه: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله أي: فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل، ولا تتعدوه إلى غيره إن الله يحب التوابين من الذنوب: ويحب المتطهرين أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان فيغير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها - بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه - وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[223] نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين .

نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم روى الشيخان عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم

[ ص: 564 ] وعند مسلم عن الزهري: إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهري، لخلوها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم.

والمجبية كملبية: المنكبة على وجهها، والصمام الواحد: الفرج، وقوله تعالى: حرث لكم الحرث: إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله ; والكلام إما بحذف المضاف، أي: مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول، أي: محروثات. وإنما شبهن بذلك لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث إن كلا منهما مادة لما يحصل منه. ولما عبر تعالى عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان كما تقدم، فقال: فأتوا حرثكم أنى شئتم أي: فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة. والمعنى: جامعوهن من أي جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. وفي تخصيص الحرث بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه.

قال الزمخشري: وقوله تعالى: هو أذى فاعتزلوا النساء -: من حيث أمركم الله -: فأتوا حرثكم أنى شئتم من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم.

وقد ورد - في سبب نزول هذه الآية - رواية أخرى أخرجها أبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش [ ص: 565 ] يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجنبني، حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد.

تنبيه:

ما ذكرناه من الروايات هو المعول عليه عند المحققين.

وثمة روايات أخر تدل على أن هذه الآية إنما أنزلت رخصة في إتيان النساء في أدبارهن.

قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: نساؤكم حرث لكم ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي نقلها ابن كثير.

وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: قال ابن القاسم: ولم أدرك أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه، والمدنيون يروون فيه الرخصة عن النبي صلى الله عليه وسلم. يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد.

أما حديث ابن عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم، وسعيد بن يسار، وغيرهم.

أما نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدا، منها: رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر العمري، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 05:22 AM   #112

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 566 الى صـ 570
الحلقة (112)


قال الدارقطني، في أحاديث مالك التي رواها خارج الموطأ: نا أبو جعفر الأسواني المالكي بمصر. ثنا محمد بن أحمد بن حماد. نا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفهري نا أبو ثابت [ ص: 566 ] محمد بن عبيد الله. حدثنا الدراوردي عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك علي المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية: نساؤكم حرث لكم فقال: تدري يا نافع فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال: قلت: لا؟ قال، فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها. فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله: نساؤكم حرث لكم الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا. إلا في دبرها.

قال أبو ثابت: وحدثني به الدراوردي عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع مثله.

وفي تفسير البقرة من صحيح البخاري: حدثنا إسحاق. حدثنا النضر. حدثنا ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت عليه يوما، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال: تدري فيم أنزلت؟ فقلت: لا! قال: نزلت في كذا وكذا. ثم مضى.

وعن عبد الصمد: حدثني أبي - يعني عبد الوارث - حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم قال: يأتيها في... قال: ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، هكذا وقع عنده.

والرواية الأولى - في تفسير إسحاق بن راهويه مثل ما ساق، لكن عين الآية وهي: نساؤكم حرث لكم وعين قوله كذا وكذا. فقال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وكذا رواه الطبري من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد الصمد فهي في تفسير إسحاق أيضا عنه، وقال فيه: يأتيها في الدبر.

وأما رواية محمد: فأخرجها الطبراني في " الأوسط " عن علي بن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما أنزلت: نساؤكم حرث لكم رخصة في إتيان الدبر. وأخرجها الحاكم في " تاريخه " من طريق عيسى بن مثرود عن [ ص: 567 ] عبد الرحمن بن القاسم، ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. ورواه الدارقطني في " غرائب مالك " من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحارث المدني عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في " الرواة " عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي. ورواه أبو إسحاق الثعلبي في " تفسيره " والدارقطني - أيضا - من طريق إسحاق بن محمد الفروي. ورواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " من طريق محمد بن صدقة الفدكي، كلهم عن مالك. قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك.

وأما زيد بن أسلم: فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم الآية. وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان عنه: أن ابن عمر كان لا يرى به بأسا. موقوف.

وأما سعيد بن يسار: فروى النسائي والطحاوي والطبري من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن، والتحميض: الإتيان في الدبر، فقال: أف! أويفعل هذا مسلم؟ قال ابن القاسم: فقال لي مالك: أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال: لا بأس به.

وأما حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في " تفسيره " والطبري والطحاوي من طرق: عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا: أثفرها! فأنزل الله عز وجل: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن سعد، ولفظه: كنا [ ص: 568 ] نأتي النساء في أدبارهن، ويسمى ذلك: الإثفار، فأنزل الله الآية. ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام - ولم يسم أبا سعيد - قال: كان رجال من الأنصار...

هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في " تفسيره "، وابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي. وكلها معلولة.

ولذا قال البزار: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في الإطلاق وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح.

وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاري.

وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنه حلال.

وروى أحمد بن أسامة التجيبي من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريما.

وقال ابن رشد في كتاب " البيان والتحصيل في شرح العتبية " روى العتبي عن ابن القاسم عن مالك أنه قال له - وقد سأله عن ذلك مخليا به - فقال: حلال ليس به بأس.

وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال: قال الشافعي كلاما كلم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات - وإن لم تصح - فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حرمته؟ قال: بقول الله عز وجل: فأتوهن من حيث أمركم وقال: فأتوا حرثكم أنى شئتم والحرث لا يكون إلا في الفرج. قلت: أفيكون محرما لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أوفي ذلك حرث...؟ قال: لا! [ ص: 569 ] قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا! قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: والذين هم لفروجهم حافظون الآية.

قال: فقلت له: إن هذا مما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول بذلك في القديم. فأما في الجديد، فالمشهور أنه حرمه. فقد روى الأصم عن الربيع قال: قال الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه... وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال: قال الشافعي قال الله: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم احتملت الآية معنيين: أحدهما: أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها، لأن: أنى شئتم يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما: أن الحرث إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال: فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين: أحدهما ثابت ; وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به.

وعليه، فيكون الشافعي رجع عن القديم. وحديث خزيمة. رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: حلال. فلما ولى الرجل دعاه - أو أمر به فدعي - فقال: « كيف قلت؟ في أي: الخرزتين؟ أمن دبرها في قبلها؟ فنعم! أم من دبرها في دبرها فلا؟ إن الله لا يستحيي من الحق. لا تأتوا النساء في أدبارهن » .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 05:24 AM   #113

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 571 الى صـ 575
الحلقة (113)



قال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير ": وفي إسناده عمرو بن أحيحة وهو مجهول الحال واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ثم قال الحافظ: وقد قال الشافعي: [ ص: 570 ] غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة - يعني حيث رواه. وتقدم قول البزار: وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت، من طريق فيه، فغير صحيح.

وقال الرازي في تفسيره: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية: أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها. فقوله: فأتوا حرثكم أنى شئتم محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن. وهذا قول مالك. واختيار السيد المرتضى من الشيعة. والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه.

وبالجملة: فهذا المقام من معارك الرجال، ومجاول الأبطال. وقد استفيد مما أسلفناه: أن من جوز ذلك وقف مع لفظ الآية. فإنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة.

قال بعض المفسرين: إن العرب تسمي النساء حرثا قال الشاعر:


إذا أكل الجراد حروث قوم فحرثي همه أكل الجراد


يريد: امرأتي، وقال آخر:


إنما الأرحام أرض ولنا محترثات


فقلبنا الزرع فيها وعلى الله النبات


وحينئذ ففي قوله: فأتوا حرثكم أنى شئتم إطلاق في إتيانهن على جميع الوجوه. فيدخل فيه محل النزاع. واعتمد أيضا من سبب النزول ما رواه البخاري عن ابن عمر كما تقدم. وقال في رواية جابر المروية في " الصحيح " المتقدمة. إن ورود العام على سبب لا يقصره عليه. وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر، رضي الله عنهم، المروي في " سنن أبي داود " بأن سنده ليس على شرط البخاري فلا يعارضه. فيقدم الأصح سندا. ونظر إلى أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث.

قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري ": ذهب جماعة من أئمة الحديث - كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري - إلى أنه لا يثبت فيه شيء.

[ ص: 571 ] وأما من منع ذلك: فتأول الآيات المتقدمة على صمام واحد. ونظر إلى أن الأحاديث المروية - من طرق متعددة - بالزجر عن تعاطيه وإن لم تكن على شرط الشيخين في الصحة، إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج به.

وقد استقصى الأحاديث الواردة في ذلك، الحافظ الذهبي في جزء جمعه في ذلك. وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في " تفسيره " وكذا الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " وقد هول - عليه الرحمة - في شأنه تهويلا عظيما. فقال في كتابه المذكور، في الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع، ما نصه:

وأما الدبر، فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء. ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه. ثم ساق أخبار النهي عنه - وقال بعد: وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه إنما أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد، لا في الحش الذي هو موضع الأذى. وموضع الحرث هو المراد من قوله: من حيث أمركم الله الآية فأتوا حرثكم أنى شئتم وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أنى شئتم أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف: قال ابن عباس: فأتوا حرثكم يعني الفرج، وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.

وأيضا، فللمرأة حق على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. وأيضا: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن، وراحة الرجل منه. والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب [ ص: 572 ] جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي... وأيضا يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة، وأيضا فإنه محل القذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا: فإنه يضر بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا: فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا: فإنه يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء، يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بد. وأيضا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح، إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا: فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدهما. كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه، فأي خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شر يأمنه؟ وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه.

أقول: أخذ هذا ابن القيم من أحاديث وردت في لعن فاعل ذلك، وعدم نظر الحق إليه، بيد أنها ضعيفة.

[ ص: 573 ] ثم قال ابن القيم: وأيضا فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات، ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه. وأيضا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس. فصلوات الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. اهـ.

ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة، نبه على أن لا يكون المرء في قيدها بل في قيد الطاعة، فقال تعالى: وقدموا لأنفسكم أي: ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة، كقوله: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوا الله فلا تجترئوا على المعاصي: واعلموا أنكم ملاقوه صائرون إليه فاستعدوا [ ص: 574 ] للقائه: وبشر المؤمنين بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا
القول في تأويل قوله تعالى:

[224] ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم

ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم العرضة بضم العين، فعلة بمعنى مفعول - كالقبضة والغرفة - وهي اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء. فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه. تقول: فلان عرضة دون الخير. وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات - من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد - ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه. فقيل لهم: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي: حاجزا لما حلفتم عليه. وسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كحديث: « من حلف على يمين » الآتي ذكره، أي: على شيء مما يحلف عليه. وقوله: أن تبروا وتتقوا عطف بيان لـ: أيمانكم أي: للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس. أفاده الزمخشري.

وعلى هذا التأويل: الآية: كقوله تعالى: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف. ورواه [ ص: 575 ] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها » . وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» .

وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسرين. وهو النهي عن الجراءة على الله تعالى بكثرة الحلف به. وذلك لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له. يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. وقال الشاعر:


ولا تجعليني عرضة للوائم

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 05:26 AM   #114

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 576 الى صـ 580
الحلقة (114)

وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: ولا تطع كل حلاف مهين وقال تعالى: واحفظوا أيمانكم والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثير:


قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت


والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان: أن من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك. ولا يبقى لليمين في قلبه وقع. فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة. فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين. وأيضا، كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية. ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وأما قوله تعالى بعد ذلك: أن تبروا وتتقوا فهو علة للنهي. أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم، والله أعلم.
[ ص: 577 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[225] لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم .

لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية - إذا لم تقصدوا هتك حرمته - وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها. كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وهو المعني بقوله عز وجل: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النية. يعني: ربط القلب به لفوات تعظيم أمره، ولهتك حرمته بنقض اليمين المقصودة.

روي عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى والله! أخرجه البخاري ومالك وأبو داود، وهذا لفظ البخاري.

وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين. ولفظ رواية ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إنما اللغو في المزاحة والهزل وهو قول الرجل: لا والله! وبلى والله! فذاك لا كفارة فيه. إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله.

[ ص: 578 ] ويروى في تفسير لغو اليمين: هو أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر خلافه. ويروى: أن يحلف وهو غضبان: ويروى غير ذلك، كما ساقها ابن كثير، مسندة.

وقد ظهر - للفقير - أن لا تنافي بين هذه الروايات، لأن كل ما لا عقد للقلب معه من الأيمان فهو لغو بأي صورة كانت وحالة وقعت. فكل ما روي في تفسير الآية فهو مما يشمله اللغو. والله أعلم.

والمراد من المؤاخذة: إيجاب الكفارة. كما بين ذلك في آية المائدة: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته والله غفور يعني: لعباده فيما لغوا من أيمانهم فلم يؤاخذهم به: حليم يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة تربصا بالتوبة. والجملة تذييل للحكمين السابقين. فائدته الامتنان على المؤمنين، وشمول مغفرته وإحسانه لهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[226 - 227] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم .

للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو لغة: الامتناع باليمين، وخص في عرف الشرع: بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة من تضمينا له معنى، يمتنعون من نسائهم: وهو أحسن من إقامة " من " مقام " على ". وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإما أن يفيء وإما أن يطلق.

[ ص: 579 ] وقد اشتهر عن علي وابن عباس رضي الله عنهم: أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر. فاحتج على محمد بقول علي كرم الله وجهه، فاحتج عليه محمد بالآية فسكت. وقد اتفق الأئمة على أن المولى إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها هنا ; لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التكفير ثابت على حالف.

قال العلامة صديق خان في " تفسيره ": اعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي أي: يحلف من امرأته أربعة أشهر ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدة: فإن فاءوا أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح: فإن الله غفور رحيم أي: لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم ; وإن عزموا الطلاق أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له: فإن الله سميع لذلك منهم: عليم به. فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته - ولم يقيد بمدة، أو قيد بزيادة على أربعة أشهر - كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها، أو طلقها، وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر: فإن أراد [ ص: 580 ] أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهرا. فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: « من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » .

قال الحرالي: وفي قوله تعالى: فإن الله سميع عليم تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه.

قال الإمام ابن كثير: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم - في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر - الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول:


تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني إلا خليل ألاعبه

فوالله! لولا الله، أني أراقبه
لحرك من هذا السرير جوانبه

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
"محاسن, متجدد, الله, التأويل"محمد, الدين, القاسمي, تفسير, جمال, شاء, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1839 يوم أمس 11:30 PM
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 517 07-13-2026 12:29 PM
"حيّ بن يقظان" .. مُلهم "ماوكلي" "كروزو" و"طرزان" ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 01-01-2026 09:23 PM
الدلالة البيانية للفظي"الوالدان"و"الأبوان"في تعبير القرآن الكريم-د.صالح التركي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-14-2025 06:51 AM
فوائد مختارة من كتاب تفسير القاسمي " محاسن التأويل " امانى يسرى محمد ملتقى الكتب الإسلامية 0 09-16-2025 01:59 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009