![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 | |
|
|
من أقوال السلف في أعمال القلوب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فطوبى لمن طابت قلوبهم بمعرفة الله، ومحبته، والخوف منه، والتوكل عليه، والافتقار إليه، والرضا بقضائه، والشوق إليه، والخضوع له، والرجاء، والصدق، والتسليم، والخشوع، وإخلاص أعمالهم له، وتعظيمه، وغيرها من أعمال القلوب، فحقَّقُوا العبودية لله، فسعدوا في الدنيا والآخرة، قال العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله: أسعد الخلق أعظمهم عبودية لله. لأعمال القلوب أهمية كبرى في العبادات، فكل عبادة لها ظاهر وباطن، فعبودية الظاهر: القول باللسان، والعمل بالجوارح، وعبودية الباطن أعمال القلوب. وأعمال القلوب أولى من أعمال الجوارح في الدخول في مُسمَّى الإيمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: دخول أعمال القلوب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها. فينبغي الاهتمام والحرص على أعمال القلوب، فهي أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: فواجبات القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان وآكد منها. والأعمال تتفاضل بما في القلوب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصفِّ واحدًا وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض. لذا ينبغي الحرص على إصلاح القلب وغسله بالتوبة والاستغفار، والعنايةُ بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح. يقول العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يجب علينا- يا إخوان- العنايةُ بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعملُ الجوارح علامةٌ ظاهرة لكنَّ عملَ القلب هو الذي عليه المدار؛ ولهذا أخبَرَ النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج وهو يخاطب الصحابة، فيقول: ((يَحقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم))؛ أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية- والعياذ بالله - لا يتجاوز الإسلامُ حناجرَهم، ((يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السهمُ مِن الرَّميَّة))، فعلينا أيها الإخوة أن نعتني بالقلوب وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتِّجاهاتها؛ قال بكر بن عبدالله المزني: ما فضَلهم أبو بكر بفضل صومٍ، ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقَر في قلبه، والإيمان إذا وقَر في القلب، حمَل الإنسانَ على العمل؛ لكن العمل الظاهر قد لا يَحمِل الإنسان على إصلاح قلبِه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وإصلاحها، وتخليصها مِن شوائب الشِّرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزَل الله على رسوله، وكراهة الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه، فنسأل الله تعالى أن يُصلحَ قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالَكم، وأن يَهَبَ لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب، وقال: أنا أُحذِّر نفسي أولًا، وأستغفر الله وأتوب إليه مما أنا عليه وأُحذِّركم أيضًا من أن تكونوا دائمًا على صِلة بقلوبكم...يجب علينا دائمًا أن نكون على صلة بهذا القلب نَغسله بالتوبة والاستغفار وسؤالِ الله عز وجل الثباتَ وأن يَقِيَك شرورَ نفسك. للسلف أقوال في أعمال القلوب، يسَّر الله الكريم فجمعت بعضًا منها، أسأل الله أن ينفع بها الجميع. اهتمام الرسول عليه الصلاة والسلام وخواص أصحابه بأعمال القلوب: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: لم يكن أكثر تطوُّع النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة؛ بل ببرِّ القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلُّقها بالله، خشية له ومحبة وإجلالًا وتعظيمًا، ورغبة فيما عنده، وزهدًا فيما يفنى. قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصيامًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خير منكم. قالوا: ولِمَ؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة. وقال بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة؛ ولكن بشيء وقر في صدره. قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله، والنصيحة لخلقه. وسئلت فاطمة بنت عبدالملك زوجة عمر بن عبدالعزيز بعد وفاته عن عمله، فقالت: والله ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صيامًا؛ ولكن ما رأيت أحدًا أخوف لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم. قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام؛ ولكن بسخاوة النفوس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة، وزاد بعضهم: واحتقار أنفسهم. فمن كان بالله أعرف، وله أخوف، وفيما عنده أرغب، فهو أفضل ممن دونه في ذلك، وإن كثر صومُه وصلاتُه. أهمية أعمال القلوب وحكمها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أعمال القلوب...من أصول الإيمان، وقواعد الدين؛ مثل: محبة الله ورسوله، والتوكُّل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر على حكمه، والرجاء له،... وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق...باتفاق أئمة الدين. درجات الناس في أعمال القلوب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الناس فيها على "ثلاث درجات"، كما هم في أعمال الأبدان على "ثلاث درجات": ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات؛ فالظالم لنفسه: العاصي بترك مأمور، أو فعل محظور، والمقتصد: المؤدي الواجبات والتارك المحرمات، والسابق بالخيرات: المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب، ومستحب، والتارك للمحرم، والمكروه. وكل من الصنفين: المقتصدين، والسابقين من أولياء الله، الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62، 63] فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون؛ ولكن ذلك ينقسم إلى عام وهم المقتصدون، وخاص وهم السابقون، وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصدِّيقين. وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، كما معه ضد ذلك بقدر فجوره؛ إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب. صلاح القلب بمعرفة الله وتعظيمه ومحبَّته وخشيته: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب)) فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات، واتقائه للشبهات، بحسب صلاح حركة قلبه...فإن كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله، محبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلِّها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلها، وتوقي الشُّبهات، حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتِّباع هواه، وطلبُ ما يحبُّه ولو كَرِههُ الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعث إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب هوى القلب،فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته والتوكل عليه، وتمتلئُ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى "لا إله إلا الله"، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألههُ، وتعرفُه، وتحبُّه، وتخشاهُ، هو الله، وحده لا شريك له. الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من النوافل مع غش القلوب: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: نصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وكذلك الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها، ومثل من يستكثر من الصوم والصلاة مع دغل القلب وغشه، كمثل من بذر بذرًا في أرض دغلة كثيرة الشوك، فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع؛ بل يمحقه دغل الأرض ويفسده، فإذا نظفت الأرض من دغلها زكا ما ينبت فيها ونما. معرفة الله عز وجل: • قال مالك بن دينار، وعبدالله المبارك: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذيقوا أطيب شيء فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى. • قال عتبة الغلام: من عرف الله أحبَّه، ومَنْ أحبَّه أطاعه. • قال الحسن رحمه الله: مَن عرَف ربَّه تبارك وتعالى أحبَّه. • قال الفضيل بن عياض: أعلمُ الناس بالله أخوفُهم له. • قال أحمد بن أبي الحوراني: مَن عرَف الله آثرَ رضاه. • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: الله جل جلاله، ما عرَفه إلَّا مَن خاف منه، فأمَّا المطمئن فليس من أهل المعرفة. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أطيب ما في الدنيا معرفة الله جل جلاله، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه. اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به. من كان بالله أعرف كان منه أخوف: قال العلَّامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: من آمن بالله حقًّا خاف منه، فكُلُّ من كان بالله أعرف كان منه أخوف؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناس مخافة لله تبارك وتعالى، حتى إنه إذا رأى سحابًا، أو ريحًا، صار يدخل ويخرجُ، ويتغير وجههُ عليه الصلاة والسلام، فيُقال له في ذلك؟ يعني: إن هذا الشيء معتاد، أو ما أشبه هذا فيقول: ((وما يُؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح)) يُشير إلى قوم عاد الذين أرسل الله عليهم الريح العقيم. معرفة الله والأنس به جنة معجلة في الدنيا: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: في الدنيا جنة معجلة؛ وهي معرفة الله ومحبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دلَّه علمُه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة؛ ولهذا كان أشدَّ الناس عذابًا في الآخرة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة؛ حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخسِّ الأمور وأدناها وأحقرها، فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرةٍ أو شيءٍ مستقذر لا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه؛ بل أقبح وأقبح من ذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًّا. معرفة الله عز وجل لذة الروح وفرحها وسرورها: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الجسد عيشه: الأكل والشرب والنكاح واللباس والطيب وغير ذلك من اللذات الحسية...وأمَّا الروح...فقوتها ولذتها وفرحها وسرورها في معرفة خالقها وبارئها وفاطرها وفيما يقرب منه من طاعته وذكره ومحبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه. الاستغناء بالله: • قال ابن عيينة: من استغنى بالله، أحوج الله إليه الناس. • قال سعيد بن المسيب: من استغنى بالله، افتقر الناس إليه. حسن الظن بالله: • قال أبو سليمان الداراني: من حسن ظنه بالله ثم لم يخفه ويطعه فهو مخدوع. • قال العلامة العثيمين رحمه الله: حسن الظن بالله إذا عمل الإنسان عملًا صالحًا يحسن الظن بربِّه أنه سيقبل منه. إذا دعا الله عز وجل يحسن الظن بالله أنه سيقبل منه دعاءه ويستجيب له. إذا أذنب ذنبًا ثم تاب إلى الله ورجع من ذلك الذنب يحسن الظن بالله أنه سيقبل توبته. إذا أجرى الله تعالى في هذا الكون مصائب يحسن الظن بالله، وأنه جل وعلا إنما أحدث هذه المصائب لحكم عظيمة بالغة. يحسن الظن بالله في كل ما يقدره الله عز وجل في هذا الكون، وفي كل ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه خير ومصلحة للخلق، وإن كان بعض الناس لا يدرك هذه المصلحة، ولا يدرك تلك الحكمة مما شرع؛ ولكن علينا جميعًا التسليم بقضاء الله تعالى شرعًا وقدرًا، وأن نحسن به الظن؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل الثناء والمجد. الإقبال على الله: • قال محمد بن واسع: إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله أقبل الله بقلوب المؤمنين عليه. • قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودَّتهم ورحمتهم. • قال الإمام القرطبي رحمه الله: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودَّتهم ورحمتهم. رضا الله عز وجل أكبر نعيم الجنات: قال العلامة السعدي رحمه الله: أهل الجنة...نعيمهم لم يطب، إلا برؤية ربهم، ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرِضا ربِّ الأرض والسموات، أكبر نعيم الجنات. أسباب تجلب رضا الله سبحانه وتعالى: قال الشيخ ناصر بن سعد الشثري: من الأمور المستحسنة أن يحرص العبد على استجلاب رضا الله جل وعلا، ومن الأسباب الجالبة لرضا الله سبحانه وتعالى عن العبد ما يلي: أولًا: الشكر، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]. ثانيًا: الإيمان والعمل الصالح، قال الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 7، 8]. ثالثًا: الصدق، قال تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119]. رابعًا: اتباع منهج السلف، قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100]. الاستكانة والخضوع والذل والافتقار إلى الله: • قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أولياؤه المتقون إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم، وغضبه عليهم، وخذلانه لهم، ازدادوا له خضوعًا وذُلًّا وافتقارًا وانكسارًا وبه استعانةً، وإليه إنابةً، وعليه توكلًا، وفيه رغبةً، ومنه رهبةً، وعلموا أنه لا ملجأ لهم منه إلا إليه، وأنه لا يعيذهم من بأسه إلا هو. • قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قد يطلق اسم المسكين، ويُراد به من استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له، وتواضَع لجلاله، وكبريائه، وعظمته، خشيته، ومحبته ومهابته...فمن انكسر قلبه لله عز وجل، واستكان وخشع وتواضَعَ، جبره الله عز وجل، ورفعه بقدر ذلك. فالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربِّه، وخشع من خشيته ومحبَّته، ولا يكون المسكين ممدوحًا بدون هذه الصفة، فإن لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو جبَّار. فالمؤمن يستكين قلبه لربِّه ويخشع له، ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إليه في الشدة والرخاء، أما في حال الرخاء فإظهار الشكر، وأما في حال الشدة فإظهار الذُّلِّ والعبودية والفاقة والحاجة إلى كشف الضر. • قال العلامة السعدي رحمه الله: قوله سبحانه: ﴿ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ [هود: 23]؛ أي: خضعوا له، واستكانوا لعظمته، وذلوا لسلطانه، وأنابوا إليه بمحبته، وخوفه، ورجائه، والتضرع إليه. تعلُّق القلب بالله عز وجل: • قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: سعادة العبد وعِظَم صلاح قلبه، وعِظَم صلاح روحه، بأن يكون تعلقه بالله جل وعلا وحده. من تعلق قلبه بالله إنزالًا لحوائجه بالله، ورغبًا فيما عند الله، ورهبًا مما يخافه ويؤذيه، يعني: يؤذي العبد، فإن الله جل وعلا كافية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]. • قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري: القلب لا ينبغي به أن يتعلَّق بشيء من أمور الدنيا، إنما يتعلق بالله، فلا تعجب بما عندك من مال، فإنه قد يضيع في لحظات، ولا يعجب الإنسان بقوته ولا بذهنه بأنه يحفظ، أو غير ذلك، فإن الله جل وعلا قادر على صرف ذهنك عن الخير والطاعة إلى ما يضاده، ولا يعجب الإنسان بالأسباب الدنيوية، وإنما يتعلق قلبه بالله عز وجل، فإذا تعلق المرء بالله، وتوكل على الله، كفاه الله كل شيء، ومتى نظر إلى الأسباب واعتمد عليها وكل إليها، ووكل إلى عجز وهزيمة، ولم تنفعه بشيء، وهذا مشاهد، فإن حسبك الله هو الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين، متى كان الإنسان معتصمًا بالله معتمد القلب على ربِّه، وقاه الله كل سوء، ومكَّنه من كل خير. القلوب إذا ارتبطت بالله، وكانت مع الله، كان الله مع العبد، وأمَّا إذا تفلتت القلوب من ارتباطها بالله فقد أسلمت نفسها إلى الضعف والعجز والخور. الثقة بالله والاعتماد عليه: • قال أبو سليمان الداراني: من وثق بالله في رزقه، زاد الله في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسخت نفسه في نفقته، وقلت وساوسه في صلاته. • قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين رحمه الله: الاعتماد على نصر الله، لا على قوة، ولا سلاح، ولا كثرة، ولا عتاد، ولا شجاعة، ولا مرونة، ولا فراسة، إنما هو الثقة بالله وحده. ونحن لا نقول: إن هذه الأشياء لا ينبغي استعمالها بل الله أمرنا بأن نستعمل من القوة ما نقدر عليه ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60] وثبت في الحديث تفسير القوة بالرمي، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن القوة الرمي))؛ لكن لا تتخذ هي السبب، ولا يعتقد العبد أنها هي الوسيلة للنصر، فالذين مثلًا يقولون: إن أعداء المسلمين يملكون قنابل، ويملكون الطائرات القاذفة، ويملكون من القوة ما لا يملكه المسلمون، وعندهم وعندهم، ويخافون أولئك الأعداء ويعظمونهم في نفوسهم، إنما هذا من الشيطان ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [آل عمران: 175]؛ لكن لو كانوا صادقين في إيمانهم ومضوا مقبلين على ربِّهم، واثقين بنصره، فإنهم لن يخذلوا، ولن ينهزم لهم جيش إذا كانوا صادقين مستعملين ما معهم من القوة، ومع ذلك واثقين بأن النصر بالله تعالى لا بالقوة؛ بل بالله ثم بقوة الإيمان، ثم الأسلحة، والعتاد، والقوة، فهذه مكملة لا أنها أساس في القوة، أو في الصبر. تعظيم الله عز وجل: قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: لا بُدَّ للعبد من التفكُّر في عظمة الله عز وجل وعظمة صفاته، وكيف أنك إذا تأمَّلت تركيب السماوات بعضها على بعض، وعظم السماوات وعظم الأرض بالنسبة لك أنت، ثم عظم السماوات بالنسبة للأرض، ثم عظم الكرسي بالنسبة للسماوات، ثم عظم العرش، تتصاغر وتتصاغر حتى توجب على نفسك تعظيم الله عز وجل حق تعظيمه، وتوجب على نفسك الذُّلَّ؛ لأن العبد لا ينفك إذا آمن بهذا حقيقة أن يكون أذَلَّ، وألَّا يترفَّع ولا يتكبَّر؛ لأنه يعلم حقيقة نفسه وحقيقة خلقه ومقداره، ثم هو يُعظِّم الله حقَّ تعظيمه. وأصل الإيمان التذلُّل لله بعد الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته وألوهيته، فكلما كان العبد أكثر ذلًّا وتعظيمًا لله عز وجل وخشوعًا في القلب كان أكثر إيمانًا وأعظم مقامًا عند الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. الواجب على العباد جميعًا، أن يعظموا الله، وأن يخبتوا إليه، وأن يظنوا أنهم أسوأ الخلق، حتى يقوم في قلوبهم أنهم أعظم حاجة لله عز وجل، وأنهم لم يوفوا الله حقه. الافتقار إلى الله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أقرب طريق إلى الله الافتقار إليه. الرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه. إذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام الصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، انفتح له طريق الهدى. العبد كلما كان أذَلَّ لله، وأعظم افتقارًا وخضوعًا له: كان أقرب إليه، وأعزَّ له، وأعظم لقدره. الاستعانة بالله جل وعلا في جميع الأمور: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استعنت فاستعن بالله))وفي استعانة الله وحده فائدتان: إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات. والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول. فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب عليه السلام لبنيه: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]؛ ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرَّأها الله مما قالوا، وقال موسى لقومه: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ﴾ [الأعراف: 128]، وقال الله لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 112]، ولما بشَّر صلى الله عليه وسلم عثمان بالجنة على بلوى تصيبه، قال: الله المستعان. فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه وفي مصالح دنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبدالله بقضاء دينه: إن عجزت فاستعِنْ بمولاي، فقال له: يا أبتِ، مَنْ مولاك؟ قال: الله، قال: فما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقضِ عنه دينه فيقضيه. وكذلك يحتاج العبد إلى الاستعانة بالله على أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده. كتب الحسن إلى عمر بن عبدالعزيز: لا تستعن بغير الله فيَكِلك الله إليه. https://www.alukah.net/sharia/0/1620...4%D9%88%D8%A8/ |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#8 |
|
|
أعمال القلوب وأثرها في حياة المؤمن والمربي(2): أهميتها للمربي أهمية أعمال القلوب في حياة المربي: 1 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – لمحبة الله جل وعلا له وهي الغاية العظمى التي يسعى لها كل مسلم. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"( 1). 2 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في وضع القبول له في الأرض، ومن ثَمَّ محبة الناس له، والاقتداء به، والتأثر بدعوته وتربيته، بل وفي رؤيته وسمته وإن لم يتكلم فإنها تذكر بالله جل وعلا( 2). وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل إني أحب فلاناً، فيحبه جبريل، ثم يحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"(3 ). يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: [ومن اشتغل بتربية منزلته عند الله بما ذكرنا من العلم الباطن وصل إلى الله، فاشتغل به عما سواه، وكان له في ذلك شغل عن طلب المنزلة عند الخلق، ومع هذا، فإن الله يعطيه المنزلة في قلوب الخلق والشرف عندهم، وإن كان لا يريد ذلك ولا يقف معه، بل يهرب منه أشد الهرب ويفرُّ أشد الفرار، خشية أن يقطعه الخلق عن الحق جل جلاله. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} أي: في قلوب عباده ، وفي حديث: "إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل، إني أحب فلانا..." الحديث(4 ). 3 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في الإكثار والمسارعة للطاعات، واجتنابه للمعاصي والمنكرات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [إذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون] (5 ). 4 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في استمراره في طريق الدعوة والتربية والصبر والمصابرة على ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [أعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة وهي مقصودة تراد لذاتها] (6 ). فإذا تحرك القلب بما فيه من أعمال قلوب تحركت الجوارح ونشطت للعمل والاجتهاد والبذل والعطاء ، وإذا ضعفت أعمال القلوب في القلب ضعفت حركته وكسل، فكسلت الجوارح بكسله، فهو ملكها ومحركها والباعث لها. وأذكر هنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة أخرى للمناسبة؛ فيقول: [وكان عمر لكونه أكمل إيماناً وإخلاصاً وصدقاً ومعرفة وفارسة ونوراً أبعد عن هوى النفس وأعلى همة في إقامة دين الله] ( 7). 5 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في تطهير قلبه من آفات القلوب وأمراضها كالحسد والكبر والرياء والعجب والحرص على الشهرة وحب الظهور وغير ذلك من الآفات ، فبقدر تمكن أعمال القلوب وقوتها في قلب المربي يكون تطهير قلبه من أضدادها ، فالإخلاص مثلاً ينفي ويطهر من القلب الرياء والعجب وحب الشهرة والظهور ، والتواضع ينفي ويطهر من القلب الكبر والتعالي، ورد الحق خاصة إذا ورد من الخصم. وسلامة القلب تنفي عنه وتطهره من الحسد والغل... وهكذا. وسلامة قلب المربي من هذه الأهواء والآفات من أسباب قبول الله لتعليمه ودعوته وتربيته ووضع البركة فيها، ومن ثم أثرها الطيب بين الناس. إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في حفظه من زيغ القلوب واتباع الهوى عند ورود الشبهات والشهوات ، قال تعالى عن يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} ، يقول القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: [وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (المُخْلِصِينَ) بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله، وقرأ الباقون بفتح اللام...] ( 8). ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: [... والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلصين له في عبادتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه] (9 ). 7 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – للهداية للحق والسداد في الآراء عند ورود الشبهات وأيام الفتن والملمات. 8 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – للثبات على الحق والانتصار به عند ورود الشدائد والمحن ، يقول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا، عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة، على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذ قيل للميت "من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟" هداهم للجواب الصحيح، بأن يقول المؤمن: "الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي". 9 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي من أسباب نصر الله جل وعلا لعبده، وظفره على من عاداه ، فالصبر والتقوى من أعمال القلوب، اللذان لهما أثر على أعمال الجوارح، وبهما يستنزل النصر، ويتحقق الظفر. قال تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}. وقال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. 10 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في حسن الخاتمة. يقول الشيخ عبد العزيز الجليل حفظه الله: [وتأتي أهمية السرائر وأعمال القلوب أيضاً من كونها الأساس في الإيمان والكفر والنفاق، وذلك حسب ما يقوم في القلب من هذه الأوصاف.. وهذا بدوره يؤثر في حسن الخاتمة وسوئها، حيث ترتبط الخاتمة حسناً وسوءاً بصلاح السريرة أو فسادها] ( 10). 11 – إن قيام المربي بأعمال القلوب كما ينبغي سبب – بإذن الله – في أثره الطيب والذكر الحسن له بعد موته. يقول ابن المبارك: [ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثرة صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة] ( 11). والشاهد من هذا أن الإمام مالك رحمه الله تعالى طاب أثره ورُفع ذكره بعد موته – وذلك بسبب خبيئة في قلبه وحسن سريرته، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً – إذ كان من الأئمة الأعلام المقتدى بهم، بل وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية المتبعة. -------------------------------- ( 1) رواه مسلم (2965). (2 ) في الحديث "ألا أخبركم بخياركم"، قالوا: بلى، قال: "الذين إذا رُؤوا ذكر الله..." انظر صحيح الأدب المفرد فقد حسنه الألباني رقم (46). (3 ) رواه البخاري (3209). ( 4) مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي، دراسة وتحقيق أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني (1/95). ( 5) مجموع الفتاوى (3/277). ( 6) المصدر السابق (1/95). ( 7) المصدر السابق (1/304). (8 ) الجامع لأحكام القرآن (11/318)، طبعة الرسالة العالمية. ( 9) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، طبعة مؤسسة الرسالة ص (396). ( 10) يوم تبلى السرائر، ص (13). (11 ) سير أعلام النبلاء (8/97). منقول |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
|
|
أعمال القلوب وأثرها في حياة المؤمن والمربي ..(3) وقفات 18 جمادى الأول 1438 عبد الله العنزي 1 – لا يعني التنويه بأهمية أعمال القلوب وأنها الأصل وأعمال الجوارح تبع ومكملة، لا يعني ذلك التقليل من شأن أعمال الجوارح، أو ترك أعمال الجوارح على حساب أعمال القلوب. فأعمال القلوب غالباً ما تقوم إلا بأعمال الجوارح، كما أن أعمال الجوارح لا تنفع وتقبل إلا بأعمال القلوب. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: [الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته. فلا ينفع ظاهرٌ بلا باطن له، وإن حَقَنَ به الدماء وعَصَمَ به المال والذرية. ولا يُجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجزٍ أو إكراه خوف هلاك. فتخلف العمل ظاهراً مع عدم المانع دليلٌ على فساد الباطن وخُلُوِّه من الإيمان، ونقصه دليلُ نقصه، وقوّته دليل قوّته] (1 ). 2 – إن أعمال القلوب منها قدر واجب، ومنها قدر مستحب، كما أن أعمال الجوارح منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ولا شك أن الواجب مقدم على المستحب سواء كان من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح. فمن أعمال الجوارح ما تركه كفر كالصلاة، ومنها ما لا يكون صلاح الأمة إلا به كالجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى سبيل الله جل وعلا وتربية الناس وتعليمهم وغيرها. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً أقسام أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأفضلية أعمال القلوب في كل قسم: [... وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديمة أو قليلة المنفعة] ( 2). 3 – إن أعمال القلوب وقيام القلب بها والسعي لتكميلها ليس أمراً مستحيلاً أو أمراً يصعب تحقيقه؛ لأن الله جل وعلا من رحمته بعباده لا يأمرهم ويوجب عليهم ما لا يطيقون. قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}. ولكنها تحتاج إلى تربية ذاتية وجهاد نفس، وقد قال جل وعلا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا}. 4 – عدم اليأس من روح الله في تحقيق أعمال القلوب؛ خاصة إذا كان في القلب أمراض وآفات ، ويتبين ذلك خاصة عند الحديث عن الإخلاص والصدق مع الله والحذر مما يضادهما، حينها قد تجد من النفس انقباض ونوع يأسٍ من تحقيقها في القلب، ولكن هذا في الحقيقة من وسوسة الشيطان وتخذيله أعاذنا الله منه. 5 – الحذر من اتهام الناس بضعف أعمال قلوبهم، أو الحكم على نياتهم وسرائرهم، فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب. وبالمثال يتضح المقال: المثال الأول: قد يكون لشخص أو مجموعة مشروعاً دعوياً أو تربوياً أو علمياً، ولكن مع مرور الوقت كانت نتائج المشروع ضعيفة، حينهما قد يحكم بعض الناس عليهم بفساد نياتهم وسرائرهم أو ضعف أعمال قلوبهم. ومما يبين خطأ هذا الحكم قصة نوح عليه الصلاة والسلام الذي كان من أولي العزم من الرسل؛ فقد كانت زوجته وأحد أولاده كافرين؛ فليس لقائل أن يقول: أين تربيته لولده وزوجته؟! كما أن نتاج دعوته عليه الصلاة والسلام: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. فلا يمكن لقائل أن يقول: أهذا نتاج دعوة {أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}؟! وفي الحديث: "عرضت علي الأمم فرأيتُ النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد"( 3). وفي هذا السياق كم من العلماء الأجلاء في هذه الأمة – وقد شهد لهم بالعلم والفضل – أفنوا جلّ سني أعمارهم في العلم والتعليم، والكتابة والتأليف؛ فمنهم مَن كان له مذهب في الفقه متبع، اندثر مذهبه وعفى أثره، ومنهم من كانت له كتب ومؤلفات فقدت ولم يوجد لها أثر، أو وجد بعض أجزائها. فليس لطاعن أن يطعن في سرائرهم، أو أن يتهم نياتهم؛ فلا يعلم بالنيات إلا رب البريات. المثال الثاني: قد يقع شخص في بعض المخالفات الشرعية والمعاصي الظاهرة، ولكن ليس لأحد أن يتهمه في باطنه، وليس هذا تعليلاً أو إعذاراً للعاصي، ولكن تحذيراً من اتهام النيات والسرائر. فقد يكون في قلب من عليه مخالفات شرعية من محبة الله ورسوله ما لا يعلمه إلا الله، ففي الحديث عن عمر بن الخطاب أن رجلاً كان على عهد النبي كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعلنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله"( 4). قال ابن حجر رحمه الله تعالى: [وفيه أن لا ينافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله"}( 5). وقد يكون لمن عليه مخالفات شرعية خبيئة حسنة أو عمل صالح قد يكون سبباً في تكفير سيئاته. ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينثر عليه تسع وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدَّ البصر، فيقال: هل تنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة من هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات"( 6). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: [فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة] ( 7). وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما كلب يُطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته، فغُفر لها به"(8 ). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: [فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يُغفر لها، وكذلك هذا الذي نحّى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك] ( 9). ---------------------- (1 ) الفوائد، ص (124)، طبعة دار عالم الفوائد. ( 2) مدارج السالكين (1/206). ( 3) البخاري ( 4) رواه البخاري (6780). ( 5) فتح الباري (12/78). ( 6) رواه الإمام أحمد (213/2) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والترمذي (2639). ( 7) منهاج السنة (6/218). ( 8) رواه البخاري (3467). ( 9) منهاج السنة (6/221). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
|
أعمال القلوب واثرها في حياة المؤمن والمربي (4) أسباب القيام بأعمال القلوب عبد الله العنزي من أسباب القيام بأعمال القلوب 1 – كثرة الدعاء والتضرع إلى الله، وإظهار الفاقة والافتقار إليه جل وعلا باستصلاح القلوب. ويكون ذلك: أ – بدعائه جل وعلا بتطهير القلب من أمراضه، ومن أدران الذنوب والمعاصي والشهوات والشبهات. ب – بدعائه جل وعلا بملء القلب إيماناً وتقوى وسائر أعمال القلوب التي يحبها الله ويرضاها. فدعاء الله تبارك وتعالى من أهم وأعظم أسباب استصلاح القلوب؛ إذ هو رب القلوب ومالكها ومقلبها ومصرفها، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد. قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}... النعم الدينية والدنيوية والحسية والمعنوية، الظاهرة والباطنة، كلها بيد الله جل وعلا. وقال جل شأنه: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2]. وفي الحديث القدسي "يا عباد كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"(1) ويقول مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله تعالى: [تذاكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله عز وجل، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إذا أن تسأله فيعطيك، فإذاً جماع الخير في الدعاء] 2 – ينبغي للمربي الصادق الذي يريد أن يصل إلى مرتبة الربانية أن يتعلم (علم أعمال القلوب)؛ إذ هو من أجَلِّ العلوم لأنه من العلم بالله جل وعلا. وأن يتعلم كذلك (أمراض القلوب) ومداخلها وكيفية علاجها. ومما يساعد على تعلم هذا العلم عدة نقاط، منها: أ – الإكثار من الدروس والمحاضرات التي تُعنى بأعمال القلوب حضوراً وسماعاً. ب – الإكثار من قراءة الكتب والكتيبات والمقالات والنشرات التي تُعنى بأعمال القلوب؛ ومن ذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم من السلف والخلف. جـ - عقد دورات وندوات في كيفية تعلم هذا العلم وتعليمه. فكما أن هناك دورات تدريبية وندوات تعليمية لتعلم بعض العلوم وإتقانها؛ فلا شك أن هذا العلم لا يقل أهمية عن غيره من العلوم الشرعية، إن لم يكن الناس أحوج إليه من غيره من العلوم. د – أن توضح مناهج ومقررات دراسية في (علم أعمال القلوب) على منهاج أهل السنة والجماعة في المدارس الحكومية، والحلقات والمعاهد والجامعات. وأن يشاد بهذا العلم، ويبين أهميته ومكانته في الدين؛ ليزول اللبس عند كثير من الناس سواءً طلاب أو دارسين أو غيرهم في ظنهم أن أعمال القلوب من فضائل الأعمال، وليست من الواجبات، حينها يرجع هذا العلم إلى مكانته الحقيقية اللائقة به في منظومة علوم الشريعة الإسلامية، كما كانت عند السلف الصالح رحمهم الله. 3 – ينبغي للمربي أن يكون حَذِراً حَذَراً تاماً من أمراض القلوب، فلا يهمل قلبه بل يراقبه مراقبة دائمة لئلا يتسلل إليه من حيث لا يشعر؛ فإن هذا كان دأب السلف الصالح من الصحابة والتابعين. قال عبد الله بن أبي مُليكة: [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه] (2 ). وإن وَجَدَ المربي – لا قدر الله – آفة في قلبه فعليه أن يبادر بعلاجها لئلا تتجذر في قلبه فيطول علاجها أو تصبح مرضاً مزمناً يصعب دواؤه نسأل الله العفو والعافية. فأمراض القلوب ومعاصي الجوارح مما تضاد أعمال القلوب، فهي إما أن تغلب أعمال القلوب فتعطل عملها وأثرها على القلب، وإما أن تزاحمها فتضعف عملها وأثرها؛ وذلك حسب قوة مرض القلب أو ضعفه. فتنقية القلب وتطهيره من أمراضه من الواجبات؛ كي يكون القلب مهيأً للقيام بالعبادات القلبية دون كدر أو تنغيص. ولأهمية هذه النقطة سوف أفرد لها عنواناً خاصاً بإذن الله. 4 – تربية الناشئة من ذكور وإناث على أعمال القلوب كما يربون على أعمال الجوارح، ومتابعتهم في ذلك عند صغرهم وحال كبرهم؛ لينشأ عليها الصغير ويهرم عليها الكبير. فمثلاً يعلم الصغير أن الإخلاص لله جل وعلا شرط في قبول الأعمال، وأن العمل الذي لا إخلاص فيه لا يقبله الله. كما يعلم أن جميع العبادات لا بد أن يكون لها أركان ثلاثة، هي: المحبة والخوف والرجاء. فأي عبادة لا بد أن تتوفر فيها هذه الأركان، وأن يكون المحرك للقيام بهذه العبادات محبة لله وخوفاً منه ورجاء لما عنده. وكذلك عندما يعلم الصغير كيفية الصلاة ووجوب المحافظة عليها، كذلك يعلم كيفية الخشوع وأسبابه، ويعلم أن ليس له من صلاته إلا ما خشع فيها. وعندما يعلم الصغير كيف يقرأ القرآن ويحفظه، يعلم وجوب الإخلاص في ذلك، كما يعلم كيف فضل تلاوة القرآن وحفظه والخشوع في القراءة وتدبر الآيات. وهكذا في سائر العبادات البدنية يعلم الصغير ويربى على ما يرتبط ويتعلق بها من عبادات قلبية. 5 – مصاحبة أهل التقى والفضل؛ الذين رؤيتهم ومجالستهم تذكر بالله جل وعلا. روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر) 6 – قراءة سير الصالحين وأولياء الله المتقين؛ للتعرف على أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم، والاقتداء بآثارهم. فيرى المربي في مجالسة أهل الفضل والتقى، وقراءة سير الصالحين تطبيقاً عملياً لما تعلمه من أعمال القلوب؟ فيرق قلبه وتصفو نفسه وتعلو همته، فيجد لذلك أثراً على سلوكه وأحواله. ------------------- (1) رواه مسلم (2577). (2) رواه البخاري في تاريخه (5/137) وسنده حسن. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
|
|
أعمال القلوب واثرها في حياة المؤمن والمربي (5) شؤم المعاصي والذنوب في حياة المربي إن من أهم الأسباب التي تبعد العبد عن ربه تبارك وتعالى، وما يتلو ذلك من مصائب وعقوبات حسية كانت أو معنوية؛ لهو اقتراف الذنوب والمعاصي الظاهرة منها والباطنة واستمراؤها. وإن من أخطر وأضرِّ العوائق لدى المربي في مشروعه التربوي هو اقتراف الذنوب والمعاصي؛ لأن من أسياسيات المشروع التربوي قوة إيمان المربي، ومدى تطبيقه لما يقول؛ إذ هو القدوة الحسنة لمن تحت يده. فإذا ما وقع في معصية – لا قدر الله – خاصة ذنوب الخلوات، أضعفت إيمانه، ومن ثمَّ أضعفت قوة تأثيره على من تحت يديه، وعلى من حوله. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق] ( 1). ولما كانت هذه الذنوب بهذه الخطورة وهذا الشؤم؛ كان لا بد أن تُنال بشيء من التفصيل؛ ليكون المسلم عموماً والمربي خصوصاً في حذر منها. أولاً: الذنوب الظاهرة: الذنوب والمعاصي التي انتشرت بين الناس كثيرة جداً، حتى إن جملة منها أصبحت عادات وثقافة لبعض المجتمعات نسأل الله العافية. ولن أستطيع حصر هذه الذنوب والمعاصي ولكن سأذكر بعون الله بعض أصناف الذنوب التي تندرج تحتها ذنوب كثيرة، فيجب على كل مسلم عموماً والمربي خصوصاً الحذر من هذه الأصناف وما تندرج تحتها من ذنوب، ومن هذه الأصناف: 1 – ذنوب ومعاصٍ يقع فيها العبد فسرعان ما يستيقظ قلبه ويستغفر ربه ويتوب إليه، فيرجى لمن هذه حاله أن تقبل توبته وتزال عثرته، قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء:17]. 2 – ذنوب ومعاصٍ استمرأتها قلوب كثير من المسلمين؛ بل أصبحت عادة لها وطبعاً، فهذه الذنوب والمعاصي – نسأل الله العافية – قلَّ من يتوب منها، لأن أحدهم لا يجد عند اقترافها ألماً في قلبه وحرقة في نفسه بسبب اعتياده عليها. وإذا نوصح في هذه الذنوب وتلك المعاصي اعتذر بأنها ذنوب قد انتشرت في المجتمعات وشاعت بين الناس، فليس وحده الذي يقترفها، ويعتذر مرة أخرى بأنها ذنوب صغيرة، والله غفور رحيم. ومكمن الخطر في هذا الصنف من الذنوب: أ – الإصرار على الذنب. ب – استصغار الذنوب. جـ - الاعتذار للنفس والتهوين من المعصية. والذنب قد يكون صغيراً ولكنه قد يتحول إلى كبيرة بسبب تكراره والإصرار عليه وعدم المبالاة به. يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: (اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة – إلى أن قال رحمه الله تعالى – ومن الأسباب التي تعظم بها الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد، صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند الله تعالى) ( 2). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والذنب يتغلظ بتكراره، وبالإصرار عليه) (3 ). ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن "الكبيرة" قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب. وهذا قدر زائد على مُجرَّد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره) (4 ). 3 – ذنوب ومعاصٍ يقترفها العبد ويعلم في قرارة نفسه أنها معصية وذنب، ولكنه يبحث لنفسه عن شبهة، أو فتوى تجيز له فعل هذه المعصية مع عدم اقتناعه في نفسه بها، فهو يلبِّس هواه وشهوته بشبهة، حينها يجتمع في قلبه شبهة وشهوة، وحال من يفعل ذلك يُشبه حال أهل السبت من بني إسرائيل: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ}، فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا الشباك يوم الجمعة، فلما أتت الحيتان والأسماك يوم السبت وقعت في الشباك، فصادوها يوم الأحد؛ فنهاهم علماؤهم عن فعلهم ذلك، وبينوا لهم أن شبهتهم وهي وضع الشباك يوم الجمعة وأخذ الصيد يوم الأحد، هو في الحقيقة تحايل على الشرع المطهر للوصول إلى الحرام، فلما أصروا على شبهتهم قَلَبَهم الله جل وعلا قردة خاسئين؛ فليحذر الذين يلبِّسون شهواتهم بشبهات أن تُقلب قلوبهم، حينها لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً إلا ما أشربوا من أهوائهم، نسأل الله العافية. 4 – ذنوب ومعاصٍ استحلها أصحابها، فجعلوها حلالاً بعد أن حكم الشرع المطهر بحرمتها، وذلك بأن عارضوا نصوص الشريعة الصحيحة الصريحة، بآرائهم، أو أهوائهم وشهواتهم، أو أذواقهم ووجداناتهم، أو سياساتهم، فهؤلاء وأولئك يُخشى عليهم الكفر، إذ إن اقتراف الذنب معصية، ولكن استحلال الذنب كفر، وذلك إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. ثانياً: الذنوب الباطنة: وحقيقة الذنوب الباطنة أنها أمراض قلوب كالكبر والاستعلاء والحسد والغل والرياء والسمعة والعجب وسوء الظن بالله والهوى وغيرها من الأمراض، وخطورة هذه الأمراض أن لها جذوراً في القلب تمدُّ الأعمال الظاهرة الخبيثة وتؤزُّها إلى الشر أزاً، فهي أصلها وأساسها. ولما كانت هذه الأمراض القلبية بهذه الخطورة، رتّب الله جل وعلا عليها عقوبات عظيمة لمن لم يطهر قلبه ويتعاهده من حين لآخر. فلقد طرد الله جل وعلا إبليس من الجنة ولعنه لعنة إلى يوم الدين بسبب الكبر الذي يملأ قلبه، مما جعله يأبى أمر الله جل وعلا حين أمره أن يسجد لآدم عليه السلام، وحسده وتوعد ذريته، فهي ذنوب متراكمة بسبب مرض الكبر نسأل الله العافية. وخذل الله جل وعلا ذلك العالم الذي ترنوا إليه أبصار الناس، وتصغي إليه آذانهم ويصدرون عن رأيه، خذله الله وقد آتاه آياته حين انسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وكان سبب ذلك الخذلان اتباعه للهوى نسأل الله العافية {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف:176]. وعاقب الله جل وعلا أولئك الثلاثة مع أن أعمالهم كانت من أفضل القربات، عالم وحافظ للقرآن، ومقاتل قُتل في الجهاد في سبيل الله، ورجل أنفق ماله يمنة ويسرة، عاقبهم بأن جعلهم أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة( 5)، وكان سبب ذلك الرياء وحب الظهور الذي كان في قلوبهم، فقدموا مدح الناس وثناءهم على مدح الله وثنائه جل وعلا، فكانت عقوبتهم عظيمة، نسأل الله العفو والعافية. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى بعد ذكره حديث "فهؤلاء أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة": (وسمعت شيخ الإسلام يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشرُّ الناس من تشبه بهم من الكذابين، وادعى أنه منهم، وليس منهم. فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والمتصدقون المخلصون، فشرُّ الناس من تشبَّه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم) (6 ). {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} إذ لم تكن هذه الأعمال التي خذلوا فيها، أو عوقبوا عليها، لم تكن حادثة مفردة في حياتهم بل كانت نتيجة أمراض كانت كامنة في قلوبهم تظهر على صفحات وجوههم، وفي بعض تصرفاتهم من حين لآخر. وصدق الله جل وعلا: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]، فهؤلاء وأولئك يصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلى ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"( 7). يقول ابن القيم رحمه الله في معنى هذا الحديث: (.. لما كان العمل بآخره وخاتمته، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتمَّ له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها وعَمِلَت عَمَلَها، ولو لم يكن هناك غشٌّ وآفاةٌ، لم يَقْلب الله إيمانه كفراً وردةً مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه، والله يعلم من سرائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض) ( 8). ولما علم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الحديث العظيم خافوا على أنفسهم، فتعاهدوا قلوبهم. قال عبد الله ابن أبي مُليكة: (أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه) ( 9). وهذا عمر الفاروق رضوان الله عليه المبشر بالجنة يسأل حذيفة صاحب سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: (أنشدك الله، هل سمّاني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في المنافقين، فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) (10 ). يقول ابن القيم رحمه الله عن العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من كبار الصحابة كأهل بدر وبيعة الرضوان: (بل كان هؤلاء أشد اجتهاداً وحذراً وخوفاً بعد البشارة منهم قبلها، كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر، فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيدةٌ بانتفاء موانعها، ولم يَفْهمُ أحدٌ منهم من ذلك الإطلاق والإذن فيما شاؤوا من الأعمال) (11 ). فإذا كان هؤلاء الصحابة على جلالة قدرهم يخشون على قلوبهم من النفاق، فنحن ولا شك أولى بالخوف من النفاق منهم، {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}. والنفاق نوع من أنواع أمراض القلوب، قال تعالى عن المنافقين: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة:10]. ( يتبع ) ....... (1)الداء والدواء، لابن القيم، ص(135)، طبعة دار عالم الفوائد (2)مختصر منهاج القاصدين، ص(282). (3)مجموع الفتاوى (11/659). (4)مدار السالكين (1/574). (5)وأصل الحديث في صحيح مسلم رقم (1905)، والترمذي رقم (2383). (6)الداء والدواء، ص(73)، طبعة دار عالم الفوائد. (7)رواه البخاري رقم (3208)، ومسلم رقم (2643). (8)الفوائد، لابن القيم، ص(239)، طبعة دار عالم الفوائد. (9)رواه البخاري في تاريخه (5/137) وسنده حسن. (10)ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/42)، وقال رواه البزار ورجاله ثقات، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (38545)، قال ابن حجر في (المطالب العالية): إسناده صحيح. (11)الفوائد، ص(23). منقول |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أهمية بيت المقدس | وائل مراد | ملتقى التاريخ الإسلامي | 10 | 04-17-2019 05:00 AM |
| أهمية القصص فى القرآن | ام هُمام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 62 | 05-12-2017 07:05 PM |
| اليقين أعمال القلوب | ام هُمام | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 4 | 05-02-2017 12:16 PM |
| أهمية الحكمة في الدعوة... | ميمونة صاد | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 1 | 12-25-2016 02:33 PM |
| برنامج أعمال القلوب | حفيد السلف الصالح | ملتقى الكتب الإسلامية | 3 | 11-22-2011 06:00 PM |
|
|