![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() محنة الإمام أبي حنيفة شريف عبدالعزيز الزهيري (7) ![]() بين يدي المحنة: من أهم الصفات والشمائل التي يجب أن يتحلى بها العلماء الربانيون في هذه الأمة هي صفة الإخلاص في طلب العلم وتعليمه ونشره بين الناس، وهي الصفة التي تجعل العالم لا يطلب بعلمه شيئًا من أمور الدنيا، ويبتغي وجه الله عز وجل في كل كبيرة وصغيرة من علمه وأقواله، وبالمقابل فإن من أبرز صفات علماء السوء: طلبهم الدنيا بالدين، ففي ظل غياب الإخلاص عن قلب العالم نجد البعض - ممن ينتسب إلى العلم - منغمسًا في الدنيا وشهواتها وملذاتها، ونجده يسترزق بعلمه، ويطلب به المناصب والضياع والأموال، ويتحصل من الدنيا بعلمه على أكبر نصيب، بل هو لم يسلك طريق العلم أصلا إلا لينال به من متاع الدنيا، وهذا في شأنه قال خير البرية عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَي بِهِ وَجْهَ الله، لا يَتَعَلَّمُهُ إلا ليُصِيبَ بهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) [صحيح الجامع 6159] . وصاحبنا الذي نتحدث عنه من الصنف الأول، من العلماء الربانيين الذي كانوا من أزهد الناس، وأتقاهم وأورعهم، من العلماء العاملين، الذين فروا من زخارف الدنيا، وفروا من المناصب، وكانت الدنيا تتزين لهم فيرفضوها، وتتعرض لهم فيطردوها، وتلاحقهم فيفروا منها كما يفر الواحد من الأسد، صاحبنا هذه المرة رفض الدنيا ومناصبها، وأبى أن يضع نفسه موضع الفتن والشبهات، وأبت عليه نفسه أن يكون مطية للسلاطين والحكام، وأصر على ذلك، حتى راح ضحية ثباته وإصراره على رفض المناصب والزخارف، فصار إمامًا من أعظم أئمة الإسلام: صاحبنا هو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، ورحمه الله. التعريف به: ![]() هو الإمام المقدم، وفقيه الإسلام، وعالم العراق، وأستاذ مدرسة الرأي، والعَلَمُ العلاَّمة، والبحر الفهامة أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي الكوفي، ولم يكن أصلا من العرب، بل من أبناء الفرس، ومن موالي بني تيم الله بن ثعلبة. ولد أبو حنيفة سنة 80هـ بالكوفة: أي في حياة صغار الصحابة، ولكن لم يثبت له أيه رواية، ولو حرفًا واحدًا عن أحد منهم، طلب العلم صغيرًا، ولزم حلقة حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وقد آلى على نفسه ألا يفارق حمادًا حتى يموت، أو يستوفي منه كل علمه، ومع شدة ملازمته لحماد بن أبي سليمان، جلس لغيره من أئمة الزمان الأعلام: مثل عطاء بن أبي رباح عالم مكة وفقيهها، والشعبي عالم العراق، وعبد الرحمن بن هرمز عالم المدينة، ونافع مولى ابن عمر، وعلقمة والزهري محدث الزمان، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وغيرهم كثير، ولم يكن يأنف أن يروى، أو يطلب العلم من أحد، حتى ولو كان أصغر منه، حتى إنه قد روى عن شيبان النحوي وهو أصغر منه، وعن مالك بن أنس وهو كذلك أصغر منه، وهكذا شأن كل من طلب المعالي، وسلك سبيل الربانيين. ولما مات حماد بن أبي سليمان سنة 120هـ جلس أبو حنيفة مكانه في حلقة الدرس بجامع الكوفة، وكان وقتها في الأربعين من عمره، وقد بلغ حد الكمال العلمي والذهني، فتصدر وهو كهل، وكان تاجرًا يعمل في بيع الخز، فإذا قضى حاجته من التجارة جلس للعلم والتدريس والإفتاء، حتى فاق أهل زمانه جميعًا، وصار علمًا مقدمًا في الفقه وغيره، وقد أرسى دعائم مدرسته الرأي في الفقه الإسلامي، وصار أستاذ القياس الأول بلا منازع. خصاله: ![]() لم يكن الإخلاص وحده، أو الإعراض عن الدنيا ومناصبها وزخارفها هو أهم ما يميز الإمام أبو حنيفة، بل كان من رجالات الكمال في العلم والعمل، موصوفًا بكل فضل؛ فلقد كان عالـمًا عاملا، جمع بين العلم والعبادة، فكان يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد أغلب حياته، يطيل الصلاة جدًا مع الخشوع والسكينة، حتى لقب بالوتد لطول صلاته، وكان ممن قرأ القرآن كله في ركعة كما فعل ذلك من قبل ذو النورين عثمان رضي الله عنه، وكان يحيي ليله كله تضرعًا ودعاءً، وقد تواتر هذا الأمر عند أهل زمانه جميعًا، أما عن مجالسه فلقد كان حليمًا وقورًا، هيوبًا، لا يتكلم إلا جوابًا، ولا يخوض رحمه الله فيما لا يعنيه، كافًا لسانه عن النيل من خصومه الذين كانوا يطيلون الكلام فيه بسبب الرأي، معرضًا عن زلات الآخرين، لا يجاري أحدًا فيما لا ينفع ولا يغني، وقد جعل على نفسه إن حلف بالله صادقًا أن يتصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، يكثر من الإنفاق على إخوانه وتلاميذه، بل وأهالي تلاميذه. وكان أبو حنيفة ورعًا تقيًا، متحرزًا من مواطن الشبهة والمظنة، ولعل هذا الورع الذي أورثه محنته التي قضى فيها رحمه الله، ولقد قال له رجل يومًا: اتق الله، فانتفض واصفَّر وأطرق، وقال: جزاك الله خيرًا، ما أحوج الناس في كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا. ثناء الناس عليه: ![]() يعتبر أبو حنيفة الإمام الأول في ترتيب الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبوعة، والتي ظلت قائمة حتى وقتنا الحاضر، وإلى أن يشاء الله عز وجل؛ لذلك لقبوه بالإمام الأكبر والأعظم، ورغم وجود علماء فحول في زمانه وقبله، ربما يفوقونه علمًا ورواية إلا أنه قد استطاع أن يرسى دعائم مدرسة الرأي في الفقه الإسلامي، ويكون مذهبًا معروفًا، له أصول وضوابطه وأحكامه وتلاميذه، وإن كان الفضل في انتشار مذهبه يرجع إلى مجهودات تلميذه الأول القاضي أبي يوسف، أما عن ثناء الناس عليه فكثير، يخرج عن حد الحصر، وهذه طائفة من كلامهم: • قال ابن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس، وما رأيت رجلا أوقر في مجلسه، ولا أحسن صمتًا وحلمًا من أبي حنيفة. • قال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. • قال الإمام مالك: رأيت رجلا - يعني أبا حنيفة - لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. • قيل للقاسم بن معن: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة. • قال تلميذه أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة، من أحسن الناس صورة، وأبلغهم نطقًا، وأعذبهم نغمة، وأبينهم عما في نفسه. • قال شريك: كان أبو حنيفة طويل الصمت، كثير العقل. • قال يزيد بن هارون: ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة. • قال أبو معاوية الضرير: حب أبي حنيفة من السنة. ![]() • قال الذهبي: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام (يعني أبا حنيفة). • قال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأى أبي حنيفة، وقد أخذنا أكثر أقواله. • قال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. • قال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر، ولا يعيبه إلا جاهل. • سئل ابن المبارك يومًا: مالك أفقه أو أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة أفقه الناس. • وسئل الأعمش عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز، وأظنه بورك له في علمه. • والآثار الواردة في فضله ومكانته العلمية وثناء الناس عليه كثيرة جدًّا، لا يتسع المقام هنا لسردها، واكتفينا بما ذكرناه للتدليل على مكانة الإمام. محنته: ![]() • الإمام أبو حنيفة عاصر عهدين مختلفين ومتتابعين في حياة الأمة الإسلامية: العهد الأول عهد الدولة الأموية المجاهدة، وفيه وُلد الإمام، ونشأ وترعرع، وتعلم ودرس، وطاف البلاد، وجالس العلماء الكبار، وفيه أيضًا بلغ حد الإمامة والتصدر، وصار له تلاميذ وأتباع، وأصبح من جملة علماء الأمة الكبار والمعروفين، والذين يرجع إلى رأيهم، ويفزع إلى علمهم وقت النوازل والمحن. أما العهد الثاني فهو عهد الدولة العباسية، التي قامت على أشلاء الدولة الأموية، والتي سفكت الكثير والكثير من الدماء من أجل إزاحة الأمويين، وكشأن أية دولة تقوم قسرًا على أنقاض سابقتها، شهدت الدولة العباسية في بداية عهدها العديد من الثورات الكبيرة ضدها من أولياء الدولة السابقة، أو من الناقمين على أسلوب وطريقة قيام وحكم الدولة الجديدة. • وفي هذا الجو المتوتر، والمليء بالفتن والاضطرابات تجد الشائعات البيئة الخصبة للرواج والانتشار، ويجد الوشاة والحاقدون والحاسدون الآذان المصغية لأكاذيبهم وافتراءاتهم، ومن هنا كانت محنة الإمام أبي حنيفة رحمه الله. • فعندما اندلعت ثورة النفس الزكية سنة 145هـ بقيادة أخوين من آل البيت: هما محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن، استطاعت هذه الحركة أن تسيطر على المدينة والبصرة والكوفة، وأجزاء من الدولة العباسية، وكانت هذه الثورة من أشد و أقوى الثورات التي قامت على الدولة العباسية أيام الخليفة أبي جعفر المنصور، والذي بذل مجهودات ضخمة من أجل القضاء عليها، وخلال هذه الثورة راج بين الناس أن الإمام أبا حنيفة بالعراق والإمام مالك بالمدينة يؤيدان هذه الثورة، وكان الإمامان من أكبر علماء العصر وقتها، فلما انتهت الثورة انتهز الوشاة والحاقدون الأمر، وأخذوا في تأليب الخليفة المنصور على العالمين الجليلين، وقد مر بنا أثناء الكلام على محنة الإمام مالك تفاصيل ما جرى له، أما ما جرى مع الإمام أبي حنيفة أشد وأقسى جرمًا. • فلقد كان الإمام أبو حنيفة - كما ذكرنا من قبل- عازفًا عن المناصب الدنيوية، وخاصة المناصب التي يكون صاحبها قريبًا من السلطة الحاكمة، وخاضعًا لتأثيراتها وضغوطها، لما يعلمه من حجم المخالفات التي سيقع فيها صاحب المنصب من أجل إرضاء السلطة الحاكمة: إما رهبة، وإما رغبة، لذلك لما عرض ابن هبيرة والي العراق في أيام الخليفة الأموي يزيد بن الوليد - الملقب بالناقص - على الإمام أبي حنيفة منصب القضاء بالكوفة رفض أبو حنيفة بشدة؛ فهدده ابن هبيرة بالضرب والحبس، ومع ذلك أصر أبو حنيفة على الرفض، فما كان من ابن هبيرة إلا أن ضربه وجلده؛ فلم يُزِدْ ذلك الضرب أبا حنيفة إلا إصرارًا على الرفض، وعندما تركه ابن هبيرة، وعين آخر مكانه أدت هذه الحادثة لارتفاع مكانة أبي حنيفة بين الناس، وعلا شأنه بين علماء الزمان. ![]() • ولما انتهى الخليفة أبو جعفر المنصور من ثورة النفس الزكية، وفعل ما فعله مع الإمام مالك في المدينة، التفت لمن حامت عليهم الشائعات، ودارت حولهم الأقاويل في اشتراكهم في ثورة النفس الزكية، أو حتى في تأييدهم لها، وعلى رأس هؤلاء الإمام أبو حنيفة، فطلبه إلى بغداد، فحُمِلَ الإمام إلى هناك، وفي مجلس الخليفة المنصور، دعا المنصور أبا حنيفة إلى منصب القضاء - وهو يعلم علم اليقين أن الإمام سيرفض تمامًا - كما فعل من قبل مع الأمويين وواليهم ابن هبيرة، وإنما أراد المنصور بهذا العرض أن يختبر مدى طاعة وولاء أبي حنيفة للدولة العباسية، وفي مجلس المنصور دار الحوار الفريد بين الخليفة المستبد، والإمام الكبير: فعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع، فقال المنصور: أترغب عما نحن فيه؟ [أي يشكك في طاعة الإمام للدولة]. فقال أبو حنيفة: لا أصلح. فقال المنصور وقد احتد: كذبت. فقال أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح!! ثم استخدم أبو حنيفة مهارته الفائقة في الإقناع والقياس فقال: فإن كنت كاذبًا فلا أصلح [يعني لكذبه]، وإن كنت صادقًا، فقد أخبرتكم أني لا أصلح. وعندها غضب أبو جعفر المنصور بشدة، وأقسم بأغلظ الأيمان ليلينَّ الإمام منصب القضاء، وكان من الطبيعي أمام هذا الغضب، وهذه الأيمان المغلظة، وسطوة الخلافة أن يرضخ أبو حنيفة لكل هذه الضغوط ويوافق، ولكن أبا حنيفة العالم الرباني، الذي لا يبالي إلا بسخط الله عز وجل وحده وغضبه، والذي يعلم عواقب أمثال هذه المناصب المشروطة يرد على الخليفة المنصور قسمه بقسم أغلظ، ويمين أوكد، ويقسم أبو حنيفة ألا يلي هذا المنصب الخطير، ومع قوة رد الإمام لم يستطع الخليفة المنصور أن يرد، وعندها يتدخل الربيع حاجب الخليفة المنصور في الحوار لعله يستطيع إثناء أبي حنيفة عن رأيه، ويقول للإمام أبي حنيفة مهددًا: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف؟ فرد أبو حنيفة بهدوئه ووقاره وفطنته المعهودة: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني، وهو بذلك يؤكد على إصراره، ورفضه لمنصب القضاء، وأنه مهما كانت الضغوط، ومهما كانت شخصية صاحب هذه الضغوط وسطوته فلن يرضخ الإمام. • عندها قرر الخليفة المنصور أن يُصعد ضغوطه على الإمام؛ فخيره بين قبول القضاء أو السجن، وكأنا بالخليفة المنصور قد تأكدت عنده الشائعات التي راجت حول دعم أبي حنيفة لثورة النفس الزكية، وأراد أن ينكل بالإمام ويؤدبه بشدة كما حدث مع الإمام مالك؛ فأصر أبو حنيفة على الرفض، ولسان حاله يقول: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33]، فأمر المنصور بضربه أولا، ثم حملوه في القيود إلى سجن بغداد. ![]() • وفي السجن المظلم عانى الإمام أبو حنيفة من التضييق والتشديد، وأيضًا من التهديد بالقتل يومًا بعد يوم، وقد أمر الخليفة المنصور بالتشديد على الإمام، وكان وقتها على مشارف السبعين، وقد وهن جسده، وحطمته دروس العلم، وسؤالات الناس، ومع ذلك لم يتراجع أبو حنيفة عن قراره، ولم تلن عزيمته قيد أنملة، ولكن إن صمد قلبه وروحه وعزيمته وإيمانه أمام كل هذه الضغوط فإن الجسد الواهن لم يصمد كثيرًا؛ فتوفي الإمام أبو حنيفة في سجنه في رجب سنة 150هـ، وصعدت روحه إلى بارئها وهي في قيود السلطان لتخاصمه يوم القيامة أمام المحكمة الإلهية يوم لا ينفع مال ولا بنون، وقد قيل: إن المنصور قد دس على الإمام أبي حنيفة من وضع له السم في السجن، وإن صح الكلام فقد توفى الرجل شهيدًا تقيًا، صابرًا محتسبًا، والله أعلم بما كان، وما سيكون. • العجيب في هذه المحنة التي تعرض لها الإمام أنها كانت بسبب فرار الإمام من الدنيا ومن المناصب، وإننا لنعجب من حال هذا الإمام الرباني، الذي أقبلت عليه الدنيا بزخارفها، والمناصب تعرض عليه، ويهدد بكل وسيلة من أجل أن يكون من أصحاب المناصب العليا، ولكنه يرفض، ويؤثر الضرب والسجن، ثم الموت على أن يكون من الدنيا وأهلها، ونحن الآن نرى من ينتسب للعلم يتهافت على الدنيا والمناصب، ويلهث وراء الدنيا، ولا يبالي بأي شيء من أجلها، وهؤلاء عادة ما يكونون مطية للسلاطين والحكام، وهم بذلك أسوأ مثال للعلم والعلماء، وهذا هو الفرق بين العلماء الربانيين، والعلماء الدنيويين. المصادر والمراجع • سير أعلام النبلاء: (6/ 390). • تاريخ بغداد: (13/ 323). • البداية والنهاية: (9/ 115). • الكامل في التاريخ: (5/ 192). • وفيات الأعيان: (5/ 415). • تذكرة الحفاظ: (1/ 227). • النجوم الزاهرة: (2/ 12). • تراجم أعلام السلف: (147). كتاب: ترويض المحن – دراسة تحليلية لأهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009 م. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() محنة الإمام مالك بن أنس شريف عبدالعزيز الزهيري (8) ![]() بين يدي المحنة: هذه المحنة - مثلما سنذكر في حديثنا عن محنة الإمام البخاري رحمه الله - محنة قديمة جديدة، حيث ما زالت أمثالها وأضرابها تقع كل يوم، ولا يخلو منها عصر ولا جيل، وقل من يسلم من التلوث بأدرانها، ومحنة الإمام مالك - وإن كانت تختلف في فصولها عن محنة الإمام البخاري، إلا أنها أيضاً محنة قديمة جديدة، وما زالت تقع كل عصر وجيل، ولكن بأسماء ومواقف مختلفة، فمحنة الإمام مالك تتعلق بالدور المنوط لعلماء الأمة في بيان الحق، وتعليم العلم، وإرشاد الناس، خاصة وقت النوازل، والصبر على المكاره، واحتمال المشاق والصعاب من أجل إظهار العلم وعدم كتمانه في ظل تهديدات السلطة الحاكمة، وطلبها الدائم بكتمان هذا العلم ![]() الذي قد يمثل إحراجًا وضغطًا على هذه السلطة، كما أن للحسد والحقد دور بارز في أحداث المحنة التي تعرض لها الإمام مالك رحمه الله، وهذه هي أحداث وفصول هذه المحنة الأليمة. نشأة الإمام مالك ومكانته: • كان مولد الإمام مالك بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي مهبط الوحي، ودار الهجرة، ومعدن الرسالة، وفيها ظهر الحق، وقامت الدولة، ورفع منار الدين وانتشر، ومنها فتحت البلاد، وتواصلت الأجداد، وبها مثوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيها البقيع: حيث رقد معظم أصحابه، والأخيار من المهاجرين الأولين، والأنصار المباركين، وفي المدينة كان الحق ناصعًا، والدين خالصًا، وعلى أنقابها ملائكة تحرسها حتى لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وفيها الفقهاء السبعة المشهورين، ولم يزل الدين بها قائمًا، والسنة معلومة، والعلماء متوافرون، وفي هذه البيئة الإيمانية ![]() والعلمية الخالصة ولد الإمام مالك، ونشأ وشب وترعرع، وبين جنباتها شق طريقه نحو حلق العلم والحديث، وجلس لأساطين العلم وقتها، وكان مالك غلامًا عاقلا، حافظًا ثبتًا، ضابطًا متقنًا برًا تقيًا، وقد جلس لابن هرمز عالم المدينة سبع سنين كاملة تأثر خلالها مالك بأستاذه ابن هرمز كل التأثر، ثم جلس لربيعة الرأي، ونافع مولى ابن عمر، وحمل عنه ثمانين حديثًا، وعرفت روايته عنه - مالك عن نافع عن ابن عمر - بالسلسلة الذهبية، ودار مالك على علماء زمانه، وسمع منهم، وما زال مالك يرتقي في سلم العلم حتى درج إلى عليائه، وصار إمام دار الهجرة، وعلمها المقدم، تضرب إليه أكباد الإبل من أقصى الأرض لسماع علمه، ونقل فتاواه ومسائله وآراءه، وحمل كثير من العلماء الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبلِ يَطْلُبُونَ العِلْمَ فَلا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِ المَدِينَةِ )) على الإمام مالك؛ حيث إنه لم يغادر المدينة أبدًا إلا للحج، وهو الذي كانت تأتيه طلاب العلم من كل مكان، وهو في المدينة لا يخرج منها، بل حاول عدة خلفاء من بني العباس: كالمهدي والرشيد إقناعه بالإقامة في بغداد، وهو يأبى عليهم، ولا يرى غير المدينة قصرًا ومقرًا. وقد أثنى عليه كبار الأئمة: مثل الشافعي الذي كان يصف الإمام مالك بالنجم الثاقب، وقال عنه: لم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم: لحفظه، وإتقانه، وصيانته، وقد جعلت مالكًا حجة بيني وبين الله عز وجل. وقال عنه أحمد بن حنبل: القلب يسكن إلى حديثه، وإلى فتواه، حقيق أن يسكن إليه، مالك عندنا حجة لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده. وقال عنه الليث بن سعد - وهو قرينه ونظيره في العلم، ولكنه لم يجد من يحمل عنه علمه - قال عنه: والله ما على وجه الأرض أحب إليَّ مالك، وعلم مالك علم نقي، ومالك أمان لمن أخذ به من الأنام. ![]() وكان للإمام مالك منزلة رهيبة عند الناس تعدل، بل تفوق منزلة الخلفاء والأمراء والولاة، وكان مجلس درسه تحدوه السكينة والوقار والمهابة، لا يجرؤ فيه أحد على لغو أو لغط، وإذا سأل سائل فأجابه لم يسأل عن الدليل، ولا يطالب ببرهان، ولا يملك أحد أن يراجعه في جواب، حتى دخل على مجلسه يومًا أحد طلاب العلم الوافدين لسماع حديثه؛ فوحد مجلسًا عامرًا بالهيبة والسكينة، يعلوه الوقار فأنشد قائلا: يدع الجواب فلا يراجع هيبة ![]() والسائلون نواكس الأذقانِ ![]() أدب الوقار وعزُّ سلطان التقى ![]() فهو المطاعُ وليس ذا سلطانِ! ![]() محنة الإمام مالك: ولد مالك سنة 93، ومات سنة 179هـ: أي أنه أدرك بهذا العمر الطويل المبارك الدولتين الإسلاميتين: الأموية والعباسية، والتي كانت كل واحدة منهما تحكم باسم الخلافة، بينما الواقع أن كليهما كان مُلكًا عضوضًا، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويعضون عليه بالنواجذ، وهذه الطريقة في الحكم كان لها كثير من المعارضين والمخالفين، بعضهم بلسانه وقلمه، والآخر بسيفه وترسه، وهذه المعارضة الأخيرة - يعني المسلحة - ![]() أخذت تتنامى شيئًا فشيئًا حتى قامت المعارضة العباسية بقلب الدولة الأموية، وإقامة دولتها مكانها؛ وذلك بعد ويلات وأهوال وشدائد ودماء مئات الآلاف التي تخضبت بها أرض خراسان والعراق والشام، وإن بقيت الحجاز بمنأى عن هذه الأحداث الملتهبة؛ فهي مستكينة، وتبع لمن غلب منذ أحداث الحرة الأليمة سنة 61هـ، هذه الأحداث المتلاحقة جعلت العباسيون يشتدون مع معارضيهم، حتى أنسوا الناس معنى العفو والصفح، فأدنى محاولة للخروج، أو التلويح به، أو حتى مجرد التلميح بالقول أو الفعل كان بنو العباس يقمعونها بمنتهى الشدة، ويأخذون البريء بالمذنب، والقاعد بالساعي، والبعيد بالقريب. وبسبب هذه المضار والمفاسد العظيمة المترتبة على الخروج على الحكام لم ير مالك الخروج عليهم، وإن كانوا ظالمين وجائرين، هو مع ذلك لم يكن مداهنًا لخليفة ولا أمير، أو يكتم العلم من أجلهم، بل يلتزم معهم الحياد، فهو وإن كان يلزم الجماعة والطاعة، لا يرى أن سياسة السلطان في عصره هي الحق الصراح الذي يتفق مع أحكام الإسلام، وهدى القرآن، بل يرضى بالطاعة لأن فيها إصلاحًا نسبيًا؛ فكانت طريقته في الإصلاح حسب ما ارتآه ألا يناصر أحدًا عند الفتن، ورغم ذلك، ورغم كره الإمام مالك للثورات والتحريض عليها إلا إنه لم يسلم من آذاها. فبعد أن ارتفعت مكانة ومنزلة الإمام مالك عند الخاصة والعامة، حتى جلس الخلفاء بين يديه، وقرأ الأمراء له، وأخذ الخلفاء بمشورته، وصدع الناس لما أمرهم به حسده على ذلك بعض أهل العلم ممن يؤثرون الدنيا، ويسعون إليها، ووشوا به عند أمير المدينة جعفر بن سليمان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور؛ وذلك سنة 147هـ، وكانت التهمة: أن مالكًا لا يرى أيمان البيعة للخلافة هذه بشيء. ولكن هل قال مالك ذلك حقًّا؟ ![]() إن الذي أفتى به الإمام مالك رحمه الله أن يمين المكره لا تلزمه، وذلك عملا بالحديث الموقوف على ابن عباس: ليس لمكره، ولا لمضطهد طلاق؛ وهو صحيح عن ابن عباس، ولا يصح رفعه، وقد علقه البخاري في كتاب الطلاق، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ليس على مستكره طلاق، ولم يكن سبب المحنة هو التحديث بهذا الحديث وحده، ولكن التحديث به وقت الفتن، واستخدام الثائرين لذلك الحديث، ولمكانة الإمام مالك العلمية تحريضًا الناس على الخروج على الخليفة؛ فلما بلغ الأمر السلطة الحاكمة أمر أبو جعفر المنصور الإمام مالكًا ألا يحدث الناس بهذا الحديث، وبهذه الفتوى، ونهاه عن ذلك بشدة، فلم يستجب مالك رحمه الله لهذه الضغوط، ولم يسكت؛ فقد كان يرى في السكون عنه كتمانًا للعلم الذي استودعه إياه الله عز وجل، وقد نهى الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن كتمان العلم، وتوعدا فاعلة بالنار. ولعلم أبي جعفر المنصور أن الإمام مالك لن يسكت عن نشر العلم أمر واليه على المدينة: جعفرًا بن سليمان أن يدس على مالك من يسأله عن هذا الحديث على رءوس الناس، وبالفعل أجاب مالك على المسألة، وروى حديث ابن عباس، وعندها أرسل جعفر بن سليمان من قبض على الإمام مالك، واحتج عليه بما رفع إليه عنه، فلم ينكر الإمام، ولم يخش في الله عز وجل لومة لائم، فأمر جعفر بتجريده من ملابسه، وضربه بالسياط، وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه، وعذبه عذابًا شديدًا، وأهانه، وتعمد إسقاط هيبته ومنزلته بكل هذه الإساءات، ولكن الله عز وجل قد رفع قدر مالك بعد هذه المحنة، وازداد رفعة بين العالمين، وهذه ثمرة المحنة المحمودة؛ فإنها ترفع صاحبها عند المؤمنين. عندما علم أهل المدينة بما جرى للإمام مالك اشتد سخطهم على الوالي، وتطاولوا عليه، بل وعلى الخليفة نفسه، خاصة وأن مالكًا قد أصيب في هذه المحنة بعجز كبير في ذراعه: بحيث لم يقدر بعدها على رفعها إلا ![]() بمساعدة ذراعه الأخرى، وقد جلس في بيته، وشعر الخليفة أبو جعفر المنصور بمرارة ما فعل؛ فأرسل إلى الإمام مالك يعتذر إليه، ويتنصل مما فعله واليه، ولما جاء أبو جعفر إلى الحجاز حاجًا أرسل إلى مالك، واجتمع معه، وبالغ له في الاعتذار؛ وذلك كله لتطييب خاطر العامة أولا، ثم الإمام ثانيًا، وإلا فجميع ما وقع بعلمه وبأمره. والله أعلم. في هذه المحنة اختلفت النظرة إلى الحديث بين الإمام مالك العالم التقي الرباني، قدوة الناس وفقيههم، ومرشدهم عند النوازل والحاجات، والذي يمثل طبقة العلماء، وبين الحكام الذين يمثلون طبقة أولى الأمر، التي لها حق السمع والطاعة، فرأى مالك في إذاعة الحديث نشرًا للعلم، وتبصيرًا للناس، فلم يكتمه إرضاء للحكام، ولا لأي سبب مهما كان. ورأى الحكام في إذاعته تحريضًا على الفتنة والثورة؛ لأن فيه بيانًا ببطلان بيعة الخليفة، وصادف ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن العلوي الملقب بالنفس الزكية على المنصور، ومطالبته بالخلافة لنفسه، وكان في المدينة، وذلك سنة 146هـ. ومهما يكن من مبررات الخليفة، والتي ساقها من أجل منع الإمام من التحديث يبقى ثبات الإمام مالك، وجهره بالحق، وصبره على الضرب والتجريد والإهانة علامة فارقة في حياة الإمام؛ إذ ضرب لعلماء الأمة كلهم مثالا يحتذى به في الصبر والثبات نسج على منواله الأئمة من بعده: مثل الشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ممن ابتلوا في ذات الله، وصبروا على الحق، وجهروا بالعلم، ورفعهم الله عز وجل بذلك لأعلى الدرجات بين العالمين. ![]() ============================== المصادر والمراجع: • سير أعلام النبلاء: (8/ 48). • البداية والنهاية: (10/ 188). • الكامل في التاريخ: (5/ 306). • تذكرة الحفاظ: (1/ 207). • الديباج المذهب: (1/ 55). ![]() • النجوم الزاهرة: (2/ 97). • شذرات الذهب: (2/ 12). • وفيات الأعيان: (4/ 135). • صفة الصفوة: (1/ 396) • الإمام مالك بن أنس: إمام دار الهجرة - لعبد الغني الذقر. • تراجم أعلام السلف: (223). • الإمام مالك: حياته وآراءه وفقهه - الدكتور/ محمود عبد المتجلي. راجع كتاب: ترويض المحن - دراسة تحليلية لأهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة، 1430هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الإمام سعيد بن المسيب وعبد الملك بن مروان شريف عبدالعزيز الزهيري (9) ![]() بين يدي المحنة: العلماء ورثة الأنبياء، قائمون في الأمة مقامهم، مضطلعون بدورهم، والجماهير دائمًا تتطلع إليهم، وعيونهم معلقة بهم، خاصة وقت الأزمات والنوازل، وكلما كان العالم الرباني منظورًا إليه، مقتدى به، كانت التبعة أعظم، والمحنة أشد، فالعالم الرباني هو رجل الأمة ودليل العامة، ودرع الحق والشرع الذي يحمي بيضة الدين، ويذب عن حياضه، وبثباته على الحق يثبت الكثيرون، وبتهاونه يضيع أيضًا الكثيرون، لذلك ما من عالم رباني قام في الأمة إلا تعرض لكثير من المحن والابتلاءات، وهذه محنة واحد من سادتهم وأكابرهم. التعريف به: • هو سيد التابعين، وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام العلامة أبو محمد سعيد بن المسيب بن حرب بن أبي وهب بن عمرو القرشي المخزومي المدني. • ولد في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، ورغم نسبه القرشي في أعرق بطونها إلا أنه نشأ بالمدينة، وترعرع وظل بها طوال حياته لم يفارقها أبدًا إلا لحج، أو عمرة، أو جهاد، وكانت المدينة وقتها درة الأمصار الإسلامية، بها ثلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضوان الله عليهم، فاستغنى سعيد بن المسيب بالمدينة عن غيرها، وانقطع لمن بها من الصحابة، ![]() فجلس إلى أعلامهم، ونهل من علومهم، وأخذ أيضًا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من شدة اهتمامه بالعلم، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحبه الصحابة جميعًا، وأثنوا عليه، وزوَّجه أبو هريرة رضي الله عنه من ابنته، واصطفاه بالرعاية والعناية، وحمل سعيد بن المسيب حديث أبي هريرة كله، وهو الأكثر رواية من بين الصحابة، كما اختص سعيد بن المسيب حديث بابن عمر رضي الله عنهما، وحمل عنه علم أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، خاصة أقضيته الشهيرة، حتى برع فيها، وصار الناس يسألونه عنها في حياة ابن عمر. • كان سعيد بن المسيب إمامًا من كبار علماء الأمة، وممن جمع بين العلم والعمل، فلقد كان عابدًا ورعًا تقيًا، مشهورًا بالمحافظة على صلاة الجماعة بالصف الأول وتكبيرة الإحرام، حتى قال عن نفسه: ما أذن المؤذن من ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، وما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة، حتى إن الطاغية مسلم بن عقبة المري لما استولى على المدينة سنة 63هـ في موقعة الحرة منع الناس من الصلاة في المسجد النبوي؛ فخاف الجميع منه ما عدا سعيد بن المسيب، الذي رفض أن يخرج من المسجد النبوي؛ أو يترك صلاة الجماعة، وكان أيضًا مشهورًا بسرد الصوم، وقيام الليل، وكثرة الذكر، والزهد الشديد، حتى قال عن نفسه: ما أظلني بيت بالمدينة بعد منزلي، إلا أن آتي ابنة لي، فأسلم عليها أحيانًا، وقد زوَّج ابنته تلك بثلاثة دراهم لتلميذه كثير من أبي وداعة وأثره على الخليفة الوليد بن عبد الملك. ثناء الناس عليه: ![]() • الإمام سعيد بن المسيب رضي الله عنه ورحمه الله ليس مشهورا عند جمهور المسلمين، إلا أنه من أئمة المسلمين وسادتهم، ومن أعلامهم الكبار، الذين شهد لهم أهل العلم، وأنزلوه منازلهم، وعرفوا قدرهم، وهذه بعض أقوال أهل العلم في الإمام سعيد بن المسيب: • قال مكحول الدمشقي: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدًا أعلم من سعيد بن المسيب. • قال الزهري: جالسته سبع حجج، وأنا لا أظن عند أحد علمًا غيره. • قال يحيى بن حبان: كان رأس المدينة في دهره: المقدم عليه في الفتوى ويقال: فقيه الفقهاء. • قال قتادة: ما رأيت أحدًا أعلم بالحلال والحرام من سعيد بن المسيب. • سئل القاسم بن محمد؛ وهو أحد فقهاء المدينة السبعة عن مسألة فقال للسائل: أسألت أحدًا غيري؟ قال نعم: عروة، وفلانًا، وسعيدًا بن المسيب، فقال: أطع ابن المسيب؛ فإنه سيدنا وعالمنا. ![]() • قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، هو عندي أجل التابعين. • قال أبو زرعة: مدني قرشي ثقة إمام. • قال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم في أبي هريرة. • قال أبو علي بن حسين: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه. وقد اتفق أهل العلم على قبول مرسلات سعيد بن المسيب، والحكم عليها بالصحة وتقديمها على سائر مرسلات التابعين، ومرسلات سعيد لها حكم الموصول والمرفوع. محنته: • لقد كان الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله من سادات التابعين، وعلم من أعلام المسلمين، ممن كمل حاله، وجمع الله عز وجل فيه خصال الخير كله من العلم والعمل، فقد كان بحق عالـمًا عاملا، لا يخاف في الله لومة لائم، صادعًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا يهاب خليفة ولا أميرًا، مجافيًا لأبوابهم، معتزًا بعلمه، وصائنًا لعرضه، شديد الانتقاد لأي مظهر من مظاهر ![]() الخروج على الشرع والحق، ومن كانت هذه خصاله فحرى به أن يمتحن، ويتعرض لمحن تلو الأخرى، ومع ذلك لا ينال البلاء من عزيمته، ولا تلين المحنة شيئًا من صلابته في الحق، حتى إن الحجاج الثقفي على جبروته وطغيانه كان يهاب الإمام سعيد، لا يجرؤ على تحريكه، أو حتى مخاطبته. محنة الإمام سعيد مع بني مروان: • عاصر الإمام سعيد بن المسيب عهد الخلفاء الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهما، ومن بعدهم معاوية رضي الله عنه وأرضاه، وجالس الصحابة وعاشرهم، ونال من علومهم، ثم رأى بعد ذلك تبدل الأحوال، وتغير الناس، ورأى الاقتتال على الملك؛ فلم يرض عن سياسة بني مروان، فآلى على نفسه ألا يسكت على ظلم يراه، ومنكر يظهر، ورفض أن يأخذ عطاءه من بيت المال، واستغنى عن ذلك كله، وكان يقول: لا حاجة لي فيها، حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان. • كانت أول محنة مع الظالمين سنة 63هـ عندما وقعت فاجعة الحرة بأهل المدينة، وانتهك جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المري حرمة المدينة، وأخذ الطاغية مسلم بن عقبة المري في استعراض الناس على السيف، فقتل منهم المئات، وأحضر الإمام سعيد بن المسيب بين يديه، فقال له: بايع، فقال سعيد: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فغضب الطاغية من ذلك، لأن الطغاة ![]() على مر العصور تؤرقهم وتقض مضاجعهم سيرة العمرين، وأخبار العدل والإحسان في عهدهما، فغضب الطاغية، وأمر بضرب عنقه، فقام أحد أعيان المدينة وشهد أن الإمام سعيد مجنون لا يقبل منه، فأعرض عنه الطاغية وتركه. • ولما استوثق الأمر لابن الزبير سنة 64هـ أرسل جابرًا بن الأسود واليًا من طرفه على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا حتى يجتمع الناس - يقصد في جميع الأمصار - فضربه ستين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: مالنا ولسعيد. • وفي سنة 84هـ توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، وكان ولي عهد الخليفة، ولما طلب من سعيد المبايعة رفض بشدة لعدم صلاحية الوليد للولاية - بحسب رأي الإمام سعيد - فقام والي المدينة هشام بن المغيرة بجلد الإمام سعيد في محضر عام من الناس، وقام بتشهيره على حمار، وقد ألبسوه ثوبًا من شعر، وطافوا به في المدينة، ثم ردوه إلى السجن، وكان الإمام وقتها قد جاوز الستين سنة، ومع ذلك لم يعط بيعته، وصمم على رأيه، ولو هددوه بالقتل ما تغير موقفه أبدًا. • وبعد أن ضربوه وشهروه وحبسوه، منعوه من إلقاء الدروس بالمسجد النبوي، ومنعوا أحدًا من الجلوس إليه، فكان الإمام العَلَم الذي يفتقر الناس إلى علمه، أفقه فقهاء المدينة، والمعول عليه عند ![]() نوازل الأمور يجلس وحيدًا في المسجد، لا يجرؤ أحد على مجالسته، وكان هو يشفق على الغرباء أن ينالهم أذى إذا طلبوا الحديث معه، فيقول لمن جاءه: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني. • ولما تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك سنة 86هـ بزيارة المدينة، ودخل المسجد النبوي فوجد حلقة علم سعيد بن المسيب، فأرسل يطلبه فرفض الإمام سعيد بعزة العالم، واستعلاء المؤمن الحق أن يفض درس علمه ويذهب للخليفة، فغضب الوليد بشدة وهم بقتله، وكان الوليد يبغض الإمام سعيد بن المسيب بوجه خاص لسببين: أولهما رفض سعيد مبايعته بولاية العهد من قبل، ثانيهما رفض سعيد طلب خطبة الوليد لابنته التي زوجها على ثلاثة دراهم لتلميذه كثير بن أبي وداعة، ولما رأى الناس عزم الوليد على الفتك بالإمام سعيد قالوا له: يا أمير المؤمنين فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، وأخذوا في تهدئته حتى صرفوه عنه. • وعلى الرغم من كثرة المحن التي تعرض الإمام سعيد أيام الأمويين إلا إنه كان يرفض الخروج عليهم، أو حتى الدعاء عليهم؛ فلقد قال له رجل من آل عمر بن الخطاب: ادع على بني أمية، قال سعيد: اللهم أعزَّ دينك، وأظهر أولياءك. وأخز أعداءك، في عافية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا يكون علماء الأمة الكبار، كمال في كل حال. ![]() المصادر والمراجع • طبقات ابن سعد: (5/ 118). • سير أعلام النبلاء: (4/ 217). • حلية الأولياء: (2/ 161). • الكامل في التاريخ: (4/ 282). • صفة الصفوة: (1/ 246). • المنتظم: (6/ 319). • تراجم أعلام السلف: (21). • شذرات الذهب: (1/ 102). • تاريخ الطبري: (4/ 25). • تاريخ خليفة: (1/ 306). • وفيات الأعيان: (2/ 375). • النجوم الزاهرة: (1/ 228). ترويض المحن – دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف الثقفي شريف عبدالعزيز الزهيري (10) ![]() بين يدي المحنة: المواجهة بين الدعاة والطغاة صورة تكررت كثيرًا عبر تاريخ هذه الأمة، والدور الريادي المنوط بعلماء الأمة ودعاتها يدفعهم دومًا لهذه المواجهة، بالنصح والوعظ والإرشاد، وقيادة الناس وقت الأزمات، والدعاة والعلماء يتحملون في هذه المواجهات الكثير والكثير من المحن والابتلاءات، وهو قدرهم الذي رضوا به، وعاشوا وماتوا من أجله. التعريف به: • الإمام العلم العلَّامة، إمام التفسير، تلميذ حبر الأمة، نور العلم، وقدوة التابعين، مستجاب الدعوة، العالم الرباني سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد بإذن الله، أحد أعلام الأمة. ![]() • وُلد بالكوفة سنة 38هـ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبها ترعرع ونشأ، أحب العلم صغيرًا؛ فجلس إلى الصحابة ينهل من علومهم ويروي عنهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عن أنس بن مالك، والضحاك بن قيس، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، رأي أبا هريرة، وأبى موسى الأشعري، وأم المؤمنين عائشة وغيرهم رضي الله عنهم، فحمل عنهم علمًا جمَّا، وأحاديث كثيرة. • ثم اصطفى سعيد بن جبير من جملة الصحابة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وانقطع إليه وأخذ عنه التفسير، وسائر علومه، وصار من أكبر تلاميذه، وأخص رفقائه، وأنجب طلابه، وكان سعيد من شدة أدبه مع شيخه ابن عباس لا يفتي في حضرته، فلما مرض ابن عباس وذهب بصره تصدى سعيد للإفتاء، وكان ابن عباس يحيل الفتاوى عليه، ويوصي به أهل العراق عند سؤالهم. • كان سعيد بن جبير بجانب علمه الغزير، وفقهه الدقيق، مشهورًا بالورع والزهد والعبادة إلى المنتهى، شديد الخوف من الله، متوكلا عليه في الأمور كلها، يطيل صلاته لدرجة أنه كان يختم القرآن في صلاة القيام، وروى ذلك عنه من طرق كثيرة صحيحة، محافظًا على الحج والعمرة كل سنة، حتى في سنوات محنته، كان إذا قام للصلاة كأنه وتد، مستجاب الدعوة، له في ذلك مواقف مأثورة، ![]() بكى من الليل حتى ضعف بصره، وعمشت عينه. ثناء الناس عليه: • سعيد بن جبير علم من أعلام السلف، وإمام من كبار أئمة المسلمين، وأحد ورثة عِلْمِ الصحابة عمومًا، وحبرهم ابن عباس خصوصًا، كان كلمة إجماع في عصره، ولم يؤثر عن أحد من أهل العلم، أو رواة الحديث أنه قد جرحه بأدنى كلمة، فهو مجمع على توثيقه بين الناس، هذه طائفة من ثناء الناس عليه: • كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا أتاه أهل الكوفة يستفتون يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟! يقصد سعيد بن جبير • وجاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما ليسأله عن فريضة فقال له: ائت سعيد بن جبير، فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض. • قال إبراهيم النخعي: ما خلَّف سعيد بن جبير بعده مثله. • قال أشعت بن إسحاق: سعيد بن جبير جهبذ العلماء. ![]() • قال أبو قاسم اللالكائي: هو ثقة، إمام حجة على المسلمين. • قال على المديني: ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير، قيل: ولا طاوس؟ قال: ولا طاوس، ولا أحد. • قال ميمون بن مهران: لقد مات سعيد بن جبير وما ظهر على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. • قال خصيف: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد، وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالحلال والحرام طاوس، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير. محنته: • محنة الإمام سعيد بن جبير رحمه الله تبدأ مبكرًا، وهو في الخامسة والثلاثين من العمر، وعندما رأى بعينه التحولات الكبرى التي حدثت داخل بناء الأمة الإسلامية، عندما رأى قيام الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي بمحاصرة مكة بلد الله الحرام، وانتهاكه لحرمة الكعبة، وضربه إياها بالمنجنيق، ثم قتله للخليفة الشرعي عبد الله بن الزبير، تمثيله بجثته، وذلك سنة 73هـ، وأخذه للبيعة من الناس كرهًا - وسعيد منهم - بحد السيف، فتولد في قلب الإمام البغض والكره لهذا الطاغية، وأفعاله الإجرامية، والبغض لكل الظلمة والطغاة الذين استذلوا للناس وأهانوهم، واستحلوا حرماتهم. ![]() • بعد أن أعطى سعيد بن جبير بيعته للحجاج بن يوسف الثقفي بحد السيف في مكة بعد مقتل ابن الزبير رضي الله عنهما، عاد إلى الكوفة، وأخذ في نشر العلم، ورواية الحديث، ولكنه سرعان ما فوجئ بتعيين الطاغية الحجاج واليًا على العراق، ولما دخل الحجاج العراق حاول استمالة العلماء والقراء؛ لعلمه بسخط الناس وأهل العلم على سياسته، وظلمه وأسلوبه في الحكم؛ فأغدق العطايا على الإمام سعيد، وجعله بمثابة القاضي والمشير، ومن خاصته، ولكن لم تكن تلك اللعاعة من الدنيا لتغري إمامًا مثل سعيد بن جبير، وتغير موقفه ورأيه في الحجاج، وسياسته وجرائمه. • اتبع الحجاج سياسة ذكية في احتواء ثورات أهل العراق، وطاقاتهم الكبيرة بشغلهم بالجهاد في سبيل الله في بلاد المشرق؛ حيث كفار الترك، فانصرف الناس لنصرة دين الله عز وجل عدة سنوات، والحجاج مستمر على سياسته وبطشه بالمعارضين، حتى كانت سنة 82هـ وفيها وقعت أعنف ثورة قام بها أهل العراق، وهي فتنة ابن الأشعت، وكان ابن الأشعت أحد قادة الحجاج، وكان الحجاج يبغضه بشدة للتنافس بين الرجلين، وللطموح الذي يجمع بينهما، وكان سبب الثورة هو إصرار الحجاج على أن يواصل جيش ابن الأشعت التوغل في بلاد "الرتبيل" ملك الترك، في حين رفض ابن الأشعت الأوامر لقسوة فصل الشتاء، وكثرة الثلوج، ووعورة الطريق، فترددت الرسائل الخشنة بين الرجلين، ثم انتهت بإعلان ابن الأشعت العصيان والثورة، وخلع الطاعة للحجاج ولعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي أيضًا. ![]() • كان في جيش ابن الأشعت العديد من العلماء والفقهاء، وحفظة كتاب الله، ممن خرج للجهاد ونصرة دين الله عز وجل، منهم سعيد بن جبير، وطلحة بن حبيب، ومجاهد بن جبر، والشعبي، وابن أبي ليلى، وعلماء الزمان، وأهم شيوخ العصر عامة، والعراق خاصة؛ فأعلن هؤلاء العلماء والقراء دعمهم لابن الأشعت ضد الطاغية الحجاج، الذي فاقت جرائمه بحق المسلمين كل حدود، وكان لذلك الدعم المعنوي من جانب العلماء أثر كبير في قوة ثورة ابن الأشعت، فانضم إليها الناس من كل مكان؛ فلقد كان الحجاج مبغوضًا من الجميع. • وقعت العديد من المعارك الطاحنة بين الفريقين، كان لكتيبة العلماء والقراء دور كبير في تحميس الناس، وتقوية عزائمهم، وكان سعيد بن جبير يقف بين الصفوف، ويشد من أزر المقاتلين، ويقول: قاتلوهم على جورهم، واشتد لأنهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة، وكذلك فعل الشعبي وجبلة بن زحر زعيم القراء، وطبعًا ربما ينطق البعض للكلام على مدى جواز اشتراك العلماء والفقهاء في مثل تلك الثورة، وهل يعد ذلك خروجًا على السلطة أم لا؟ ولنا في موقفهم عبرة وعظة، وفي إجماعهم على ذلك - وهم أعلام الأمة وأكبر علمائها - دليل على جواز ذلك بشروط مخصوصة كانوا هم أدرى بها، وأعلم بطبيعتها، وهم قد رأوا من الحجاج ما سمعناه نحن فقط، وعاينوا على الطبيعة أفعاله وجرائمه؛ لذلك فهم أحق الناس بالحكم على الأمر. • ظلت ثورة ابن الأشعت مشتعلة بأرض العراق كلها طيلة سنتين كاملتين، وكادت أن تؤتى أكلها، ولكنها فشلت في النهاية، وأمعن الحجاج في التنكيل بالثوار؛ فقتل منهم عشرات الآلاف، ![]() وكان يؤتى بالرجل بين يدي الحجاج؛ فيطلب منه أن يشهد على نفسه بالكفر؛ فإن فعل أطلق سراحه، وإلا ضرب عنقه، فاضطر كثير من الناس للفرار من العراق، ومنهم سعيد بن جبير، وطلب بن حبيب، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار، وهم وجوه الناس وعلماؤهم. • انتقل سعيد بن جبير إلى أصبهان، وعاش هناك في الخفاء، وكان حريصًا على ألا يعرفه أحد، وذلك سنة 83هـ، ومع ذلك لم يترك الحج والعمرة كل سنة؛ فعلم الحجاج بوجوده بأصبهان؛ فأرسل في طلبه، فهرب منها ودخل العراق مستخفيًا، وأخذ في التنقل من مكان لآخر، والحجاج يشتد في طلبه، وذلك طيلة اثنى عشر سنة كاملة، وفي النهاية استقر في مكة ليسهل عليه الحج والعمرة، واستقر معه باقي إخوانه العلماء، وكان والي مكة خالد القسري يغض الطرف عنهم، حتى قام الخليفة الوليد بن عبد الملك بعزل عمر بن عبد العزيز عن ولاية المدينة، وعين مكانه عثمان بن حيان الذي أخذ في القبض على أصحاب ابن الأشعت في المدينة، وإرسالهم للحجاج بالعراق ليقتلهم؛ فاضطر عندها خالد القسري لحذو فعله، فقبض على سعيد بن جبير وأصحابه، وقد عُرض على سعيد الهرب من مكة فقال: والله لقد استحيت من الله من كثرة الفرار، ولا مفر من قدر الله، وكان الحجاج قد أرسل إلى خالد القسري يتهدده من أجل إرسالهم، فلم يجد خالد من بد في ذلك. ![]() • حمل سعيد بن جبير وأصحابه مثقلين بالقيود والحديد في رحلة طويلة من المدينة إلى الكوفة، وفي الطريق الطويل الشاق مات طلق بن حبيب، ولما وصلوا إلى الكوفة أمر الحجاج بسجنهم باستثناء سعيد بن جبير، الذي أمر بإحضاره بين يديه، وقد بسط له النطع، وأحضر السياف والجلاد للتنكيل بالإمام سعيد بن جبير، وكان الإمام عامر الشعبي يرى التقية المباحة، وبها تخلص من سيف الحجاج، أما الإمام سعيد فقد كان لا يراها، فلما أحضر بين يدي الحجاج قال له: اشهد على نفسك بالكفر، فقال الإمام: لا أفعل ذلك أبدًا، فقال الطاغية: اختر أي قتلة أقتلك، قال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك، ثم دار حوار بين الطاغية والإمام انتهى بمقتل الإمام، وتقطيع أوصاله بصورة مأساوية بشعة، تدل على مدى حقد الطاغية الحجاج الثقفي على الإمام سعيد بن جبير، ولقد أورد أبو نعيم الكثير من الروايات الضعيفة والموضوعة في كيفية مقتله في كتابه الشهير حلية الأولياء، وفيما صح من الأخبار كفاية وغنية عن الضعف. • لقد كان سعيد بن جبير مستجاب الدعوة، لا يرد الله عز وجل له دعوة قط، وكان يستطيع أن يدعو على الحجاج فلا ينال منه بسوء، ولكنه استقتل لله، ورحب بالشهادة، وكانت دعوته التي دعا بها قبل موته على الحجاج: ألا يسلطه الله عز وجل على أحد بعده، فاستجاب الله عز وجل له، ومات الحجاج مذمومًا مدحورًا بعد سعيد بن جبير بأربعين ليلة، ولم يقتل أحدًا بعد سعيد، واشتهر الرجلان في التاريخ أيما شهرة، ولكن شتان بينهما: هذا صار علمًا للدعاة والمجاهدين والعلماء، وذلك صار علمًا للطغاة والظلمة المستكبرين. ![]() المصادر والمراجع: • تاريخ الطبري: (4/ 23). • وفيات الأعيان: (2/ 371). • النجوم الزاهرة: (1/ 228). • المنتظم: (6/ 318). • شذرات الذهب: (1/ 108). • تاريخ خليفة: (1/ 307). • طبقات خليفة: (1/ 280). • طبقات ابن سعد: (6/ 256). • سير أعلام النبلاء: (4/ 321). • صفة الصفوة: (2/ 44). • تراجع أعلام السلف: (47). ترويض المحن - دراسة تحليلية لأهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الإمام سفيان الثوري شريف عبدالعزيز الزهيري (11) ![]() من أهم مهمات العلماء الربانيين في الأمة الإسلامية إرشاد الناس وتعليمهم، وتبصيرهم بالحق، ووعظهم وزجرهم عن الباطل، ولا يزال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم بنود هذه المهمة المقدسة؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قطب الدين الأعظم، عليه يدور الدين، ومن أجله أرسلت الأنبياء والمرسلين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسم به الناس بين دعاة ومدعوين، كما لا يزال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب المحن والابتلاءات التي تعرض لها كثير من علماء الأمة، خاصة في الفترات التي يحكم فيها الطغاة؛ حيث لا تجد الأمة من يتصدى لهؤلاء الطغاة سوى علمائها، وهذه محنة واحد منهم، بل واحد من أعظمهم. التعريف به: • هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أمير المؤمنين في الحديث، المجتهد المطلق، العابد الزاهد، قدوة العصر، الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب ![]() الثوري، وُلد سنة 97هـ بالكوفة، في بيت علم وورع وديانة، فأبوه المحدث الثقة: سعيد الثوري وهو طبقة صغار التابعين، وأمه كانت امرأة صالحة، دفعت ولدها منذ صغره نحو طلب العلم، وقالت له: اذهب فاطلب العلم حتى أعولك بمغزلي، وكان أبوه فقيرًا مشغولا بالحديث. • انطلق الثوري كالشهاب يطلب العلم من مشايخ الوقت، وعلماء العراق، وأكثر من ذلك حتى بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وعلا ذكره، وطارت شهرته، وعرفه الناس، وهو شاب دون العشرين؛ وذلك لعلو همته، وكثرة رحلته، وشدة زهده وورعه، وفرط ذكائه، وسعة محفوظاته، وما زال أمره في علو ورفعة، وخبره في ذيوع وشهرة، حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث، وكان أحفظ أهل زمانه، على الرغم من وجود العديد من الحفاظ الأعلام، والأئمة والأثبات في زمانه، إلا أنه يفوقهم جميعًا. • جمع الثوري بين العلم والعمل، والزهد والورع والعبادة، والجهر بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجافاة السلاطين والأمراء، والفرار من المناصب، والتحرز من الشبهات، حتى صار درة الدهر، وبركة العصر، وحجة الله على الخلق. ثناء الناس عليه: • للثوري منزلة خاصة عند المسلمين عامة، وأهل العلم والحديث خاصة؛ فلقد كان الإمام الثوري كلمة إجماع بين العالمين، لم يختلف عليه اثنان، ولم يؤثر عن أحد من المسلمين مهما كان حاله أنه نال الثوري بكلمة ذم أو انتقاص، فهو من سادات المسلمين، ومن الأئمة الأعلام المتبوعين، ولقد ظل مذهبة واختياراته الفقهية والعلمية معمولا بها حينًا من الدهر، ولو وجد الثوري من التلاميذ والأتباع من يقوم بمذهبه وعلمه لظل مذهبه قائمًا حتى الآن، ومن بين المذاهب المتبوعة المعروفة، ولكنه مثل الليث بن سعد، وأبي ثور والأوزاعي، وغيرهم من الأئمة الذين لم يجدوا من يقوم بهم، ![]() وينشر علمهم، وهذه طائفة من كلام وثناء الناس على الإمام الثوري: • قال شعبة بن الحجاج: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، ساد الناس بالورع والعلم. • قال أبو حنيفة: لو حضر علقمة والأسود من كبار التابعين لاحتاجا إلى سفيان. • قال سفيان بن عينية: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. • قال الفضيل بن عياض: كان سفيان الثوري - والله - أعلم من أبي حنيفة. • قال بشر الحافي: كان الثوري عندنا إمام الناس، وسفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما. • قال شعيب بن حرب: إني لأحسب أنه يجاء غدًا بسفيان حجة من الله على خلقه، يقول لهم: لم تدركوا نبيكم، قد رأيتم سفيان. • قال يحيى بن معين: ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان. ![]() • قال ابن المبارك: ما نعت لي أحد فرأيته إلا وجدته دون نعته إلا سفيان الثوري. • قال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم. • قال الأوزاعي: لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلا يقول فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري. • قال الشافعي: ما رأيت بالكوفة رجلا أتبع للسنة، ولا أود أني في مسلاخه من سفيان الثوري. • قال يحيى القطان: سفيان الثوري فوق مالك في كل شيء. • قال أحمد بن حنبل: أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري، لا يتقدمه أحد في قلبي. • قال الذهبي: قد كان سفيان رأسًا في الزهد والتأله والخوف، رأسًا في الحفظ، رأسًا في معرفة الآثار، رأسًا في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين. محنته: ![]() • محنة الإمام سفيان الثوري ترجع في المقام الأول لوجوده في عصرين مختلفين، وشهوده لقيام دولة وانهيار أخرى، ومعاينته للأهوال والملاحم التي وقعت خلال ذلك القيام والانهيار، فآثر ذلك في نفسه بشدة، وكوَّن الإمام رؤيته وحكمه على الدولة الجديدة من خلال الفتن والملاحم التي وقعت، وجعلت الإمام يفر من أية علائق مع تلك الدولة، ويرفض أي منصب تعرضه عليه السلطة الجديدة؛ لاعتراضه بالكامل عليها شكلا وموضوعًا. • وُلد سفيان الثوري سنة 97هـ بالكوفة كما أسلفنا، ونشأ وترعرع وطلب العلم في عهد الدولة الأموية المجاهدة، وطاف البلاد، ولاقى الشيوخ، ولما صار في سن الكهولة في الخامسة والثلاثين - أي في سنة 132هـ - وقع الزلزال الكبير في الأمة الإسلامية، وقامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، وذلك بعد سلسلة رهيبة من المعارك الطاحنة، والمجازر المروعة، وكان إعلان قيام الدولة في الكوفة نفسها، ورأى سفيان الثوري ذلك كله، وكان وقتها قد صار من علماء الكوفة وشيوخها المعروفين، إليه يفزع الناس عند النوازل والملمات طلبًا للفتيا والسؤال، وكان سفيان الثوري لا يرى الخروج على الأئمة ولو جاروا؛ من باب درء الفتنة، وارتكاب أخف الضررين من أجل دفع أعظمهما، ومنع المفاسد العظيمة، ولكنه في الوقت نفسه يرى وجوب الإنكار على الملوك والأمراء والسلاطين، والصدع بالحق مهما كان. ![]() • ومن أجل تلك الرؤية والفكرة تعرض الإمام سفيان الثوري للكثير من المحن والفتن، حيث طلبه خلفاء الدولة العباسية الواحد تلو الآخر، وعرضوا عليه منصب القضاء، ولكنه رفض بشدة، وفر منهم؛ فقضى شطر حياته الأخير طريدًا شريدًا، لا يأويه بلد ولا صديق إلا ينتقل منه لآخر، وهكذا. محنته مع الخليفة أبي جعفر المنصور: • مر بناء أثناء الحديث عن محنة الإمام أبي حنيفة كيف قام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بالضغط عليه من أجل تولي منصب القضاء؛ فضربه وحبسه وتهدده، والإمام يرفض بكل شدة حتى مات قتيلا في سجون المنصور، وبعد وفاة الإمام أبي حنيفة سأل المنصور عمن يلي الأمر فوصفوا إليه سفيان الثوري، وأخبروه أنه أعلم أهل الأرض، فأرسل في طلبه مرة بعد مرة، وسفيان يرفض القدوم عليه. • اشتد أبو جعفر المنصور في طلب سفيان الثوري، والثوري مصر على عدم تولي القضاء، حتى اضطر سفيان للخروج من الكوفة إلى مكة، فأرسل المنصور في الأقاليم بمنادٍ يقول: من جاء بسفيان الثوري فله عشرة آلاف، فاضطر الثوري للخروج من مكة إلى البصرة، وهناك عمل في حراسة أحد البساتين، ولنا أن نتخيل حجم المعاناة النفسية التي تعرض لها إمام العصر، وهو يستخفي من ![]() الناس، ويفر من مكان لآخر. • لم يلبث الثوري في البصرة كثيرًا حتى عرفه الناس، وهموا به؛ فخرج منها إلى بلاد اليمن، وهناك تعرض الإمام لمحنة أشد وأنكى؛ إذ اتهموه بالسرقة، وكان غير معروف في تلك البلاد البعيدة، ورفعوه إلى الوالي، وهو الأمير معن بن زائدة، وكان مشهورًا بالدهاء والمروءة وكرم الأخلاق، فلما تكلم معه قال له: ما اسمك؟ قال سفيان: عبدالله بن الرحمن، فقال معن: نشدتك الله لما انتسبت، قال الثوري: أنا سفيان بن سعيد بن مسروق، قال الأمير معن: الثوري؟ قال: نعم الثوري. قال معن: أنت بغية أمير المؤمنين، قلت: أجل، فأطرق ساعة، ثم قال: ماشئت فأقم، ومتى شئت فارحل؛ فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها. • طالت غربة الثوري وتشريده في البلاد أيام الخليفة المنصور، وهو يتنقل من مكان لآخر: تارة بالعراق، وأخرى بالحجاز، وثالثة باليمن، ثم قرر الثوري في النهاية أن يذهب إلى مكة حاجًا وعائدًا، وكان المنصور قد عزم على الحج في نفس السنة 158هـ، وقد وصلت إليه الأخبار أن الثوري بمكة؛ فأرسل إلى واليها يطلب منه القبض على الثوري وصلبه، وبالفعل نصبوا الخشب، وأخذوا في البحث عن الثوري لصلبه، فلما علم الثوري قام وتعلق بأستار الكعبة، وأقسم على الله عز وجل ألا يدخل المنصور مكة، وبالغ في الدعاء والقسم، وبالفعل وقعت كرامة باهرة للثوري؛ إذ مرض ![]() المنصورة بقدرة الله عز وجل، ومات قبل أن يدخل مكة، فعد ذلك من كرامات وبركات الثوري، وهي كرامة ثابتة لا حجة لمن ردها بسبب عدم فهم ألفاظها. • وكان السر وراء رفض الثوري للمنصب، وإيثاره للفرار، والتشرد في البلاد، أنه كان لا يصبر على أي منكر يراه، وكان يقول عن نفسه: إذا رأيت منكرًا ولم أتكلم بُلْتُ دمًا من شدة الكمد، وهو يعلم أنه سيرى كثيرًا من المنكرات، ولا يستطيع أن يتكلم؛ لذلك فضل الفرار والخوف والتشرد على أن يسكت على المنكر والباطل. محنته مع الخليفة المهدي: • ظن الإمام الثوري أن محنته قد انتهت بوفاة الخليفة المنصور، فعاد إلى بلده الكوفة، وبرز للناس، وأخذ في التحديث والتدريس كما هي العادة، ولكنه فوجئ بالخليفة الجديد: وهو محمد المهدي بن الخليفة المنصور يستدعيه على وجه السرعة، فلما دخل عليه دار هذا الحوار العجيب: قال الخليفة المهدي: يا أبا عبد الله، هذا خاتمي، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة. قال الإمام الثوري: تأذن لي في الكلام يا أمير المؤمنين على أني آمن، قال المهدي: نعم، قال الثوري: لا تبعث إلىَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسالك. فغضب المهدي، وهمَّ أن يقع به، فقال له كاتبه: أليس قد أمنته؟ قال المهدي: نعم:، ولكن اكتب إليه العهد بالقضاء، فكتبه وأعطاه للثوري رغمًا عنه. ![]() • خرج الثوري من عند الخليفة المهدي ومعه عهد القضاء مختوم بخاتم الخليفة نفسه؛ فلما مر على نهر دجلة رمى العهد في النهر، وكان معه أصحابه فنهوه، ونصحوه بقبول القضاء، والعمل بالكتاب والسنة، فسفه قولهم، واستصغر عقولهم، ثم خرج هاربًا إلى البصرة، واستخفى عند المحدث يحيى بن سعيد القطان، فلما عرف المحدَّثون أخذوا في التوافد إلى بيت يحيى القطان حتى انكشف أمره، فخرج من البصرة إلى الكوفة، واختبأ في دار عبد الرحمن بن مهدي. • اشتد الخليفة في طلب الإمام الثوري، ووضع على رأسه جائزة مالية قدرها مائة ألف درهم، خاصة بعد أن عرف أن الثوري قد ألقى كتاب عهده في النهر، وظل الثوري يفر من بلد لآخر، وجنود الخليفة من ورائه، لا يقدرون على الإمساك به، وقضى الإمام العامين الأخيرين من حياته شريدًا طريدًا خائفًا، ومع ذلك لم يفكر للحظة واحدة أن يقبل المنصب، وسبحان الله: الإمام العلامة، الذي هو أجدر الناس بالمنصب يفر منه، ويحتمل هذه المحن والابتلاءات، وآخرون لا يزن الواحد منهم عند الله عز وجل، ولا عند الناس جناح بعوضة من علم يلهثون وراء أدنى المناصب بكل سبيل. • ظل الثوري في محنته حتى جاءه الفرج من عند رب السماء، وأنهى الله عز وجل محنته وآلامه وأحزانه، وأكرمه أعظم كرامة بأن توفاه إلى حضرته العلية قبل أن ينال منه من شردوه، وآذوه، والعجيب أن الثوري قد كتب إلى الخليفة المهدي يقول: طردتني وشرَّدتني وخوفتني، والله بيني وبينك، وأرجو أن يخير الله لي قبل مرجوع الكتاب، فرجع الكتاب وقد مات الإمام، وانتهت محنته. ![]() المصادر والمراجع: • طبقات ابن سعد: (6/ 371). • تاريخ خليفة: (319). • تاريخ الرسل والملوك: (8/ 58). • حلية الأولياء: (6/ 356). • تاريخ بغداد: (9/ 151). • الكامل في التاريخ: (5/ 143). • البداية والنهاية: (9/ 143). • سير أعلام النبلاء: (7/ 229). • تذكرة الحفاظ: (1/ 386). • وفيات الأعيان: (25/ 386). • شذرات الذهب: (2/ 250). • صفة الصفوة: (2/ 85). راجع كتاب: ترويض المحن - دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009 م. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() محنة الإمام وكيع بن الجراح شريف عبدالعزيز الزهيري (12) ![]() بين يدي المحنة: من الأصول الثابتة عند أهل العلم عامة، وأئمتهم وكبارهم خاصة، أنهم لا يحدِّثون الناس إلا بقدر ما تفهم عقولهم، وتستوعب مداركهم، لأنهم إذا تجاوزوا هذا الأصل، وعمدوا إلى تحديث الناس بقدر أكبر من عقولهم ومداركهم كان ذلك سببًا مفضيًا لضلال بعضهم، فيكون بعض العلم والعلماء سببًا - من حيث لا يشعرون - إلى فتنة الناس، وعمدة هذا الأصل في الشرع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه في حق الله على العباد، وحق العباد على الله، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((حَقُّ العِبَادِ على الله عز وجل ألا يُعَذِّبُهُمْ إذا لَمْ يُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا))، فقال معاذ: ألا أبشر الناس، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا حَتَّى يَتَّكِلُوا)) وهذا من كمال حكمته صلى الله عليه وسلم، وخبرته بالناس أنهم إذا سمعوا هذه البشارة ربما اتكل بعضهم عليها، وترك العمل، ولم يخبر معاذ بهذا الحديث أحدًا قط إلا في مرض موته، إنما قاله خوفًا من إثم كتم العلم، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! وقد أخرجه البخاري تحت باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، أخرجه مسلم في مقدمة كتابه، والعالم - خاصة إذا كان إمامًا متبوعًا - إذا خالف هذا الأصل ولم يلتزم ربما تسبب في الكثير من الفتن والمحن، ولربما كانت المحن من نصيبه هو، فيكتوي بنارها، ويشنع عليه بسببها، وهو ما جرى بالضبط لصاحبنا. ![]() التعريف به: هو الإمام المحدث، بحر العلم، وإمام الحفظ والسرد، العالم الجوال، والعابد المجتهد، راهب العراق، وزاهد المصرين [البصرة - الكوفة]، وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، محدث العراق، وأحد أئمة الأثر المشهورين، وأستاذ الأئمة: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، ولد سنة 129هـ في بيت علم ورياسة واحتشام، وأبوه كان من أعيان الكوفة وزعمائها، وكان ممن يتعانى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فوجه ولده وكيعًا لطلب العلم، وسماع الحديث منذ صباه، فسمع من الأعمش، وهشام بن عروة، والأوزاعي وابن جريج، وغيرهم، ثم انقطع إلى إمام الوقت، وبركة الزمان سفيان الثوري، فحمل عنه علمه، وسمع منه كل مروياته، حتى لقب براوية الثوري، وطاف البلاد، وسمع من الأكابر، فاجتمع عنده من أسانيد الأحاديث ورواياته المختلفة ما لم يكن لأحد من معاصريه، حتى إن أستاذه الثوري كان يدعوه وهو غلام حَدَثٌ؛ فيقول: يا رؤاسى! تعال، أي شيء سمعت؟ فيقول: حدثني فلان بكذا، وسفيان يبتسم، ويتعجب من حفظه، ويقول: لا يموت هذا الرؤاسي حتى يكون له شأن، حتى إن سفيان نفسه - على جلالة قدره، وعظم مكانته في الأمة - قد روى عنه الحديث، وصدقت فراسة سفيان رحمه الله؛ ذلك أنه لما مات سفيان الثوري سنة 166هـ جلس وكيع بن الجراح مكانه مجلس تحديثه. وكان وكيع بن الجراح آية من آيات الله عز وجل في الحفظ والإتقان، فلقد كان مطبوع الحفظ، لا يسمع شيئًا إلا حفظه، ولا يحفظ شيئًا فينساه، أبهر الناس بقوة حفظه، وكان يستعين على ذلك ![]() بترك المعاصي، سأله أحد تلاميذه يومًا وهو على خشرم عن دواء يأخذه حتى يقوى حفظه، فقال له: إن علمتك الدواء استعملته؟ قال: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ. وعلى الرغم من شهرة وكيع بن الجراح، وإقبال الطلبة عليه، وتصدره لمجلس تحديث الثوري، إلا أنه كان عابدًا زاهدًا، يديم الصوم في السفر والحضر، لا يتركه أبدًا، يختم القرآن في الأسبوع الواحد عدة مرات، مدمنًا لقيام الليل، مشتغلا بالأوراد والأذكار لا يضيع لحظة من وقته هدرًا، يقسم يومه على نفع نفسه والناس، فلقد كان يجلس لأصحاب الحديث بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة حيث يتجمع الناس لسقيا دوابهم، فيعلمهم القرآن والفرائض، وسائر ما يحتاجونه من أمور دينهم إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل منزله، يتناول إفطاره، وبعد صلاة العشاء يصف قدميه لقيام الليل، ثم ينام ويقوم، وهكذا حتى وقت السحر. ولقد عرض الرشيد منصب القضاء على وكيع عدة مرات فرفض بشدة، وكان منقبضًا عن السلطان ومجالسه مثل أستاذه الثوري، بل كان مجافيًا حتى لمن يتلبس بشيء من أمور السلطان، فلقد هجر أقرب أصدقائه - وهو حفص بن غياث - لما تولى منصب القضاء، وهكذا شأن العلماء الربانيين في كل زمان ومكان. ثناء الناس عليه: يتبوأ الإمام الكبير وكيع بن الجراح مكانة خاصة ومميزة في طبقات حفاظ الأمة، وثبت أعلامها، وعلى الرغم من أن العصر الذي كان يعيش فيه وكيع بن الجراح زاخر بالكثير من الحفاظ والأئمة الأعلام، إلا أن وكيعًا بن الجراح كان علمهم المقدم، وأوفرهم نصيبًا في الثناء والمدح، وهذه طائفة من أقولهم: قال الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدًا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع، وما رأيت مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب، مع خشوع وورع. ![]() هذا على الرغم من أن الإمام أحمد قد شاهد الكبار: مثل هشيم، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأمثالهم، ولكن كان أحمد يعظم وكيعًا ويفخمه، وكان أحمد يفضل وكيعًا على ابن مهدي، ويزيد بن هارون. قال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع، وكان جهبذًا، لا ينظر في كتاب قط، بل يملي من حفظه. قال عبد الرزاق بن همام: رأيت الثوري وابن عيينة ومعمرًا ومالكًا، ورأيت ورأيت، فما رأيت عيناي قط مثل وكيع. قال يحيى بن معين: ما رأيت أفضل من وكيع، فقيل له: ولا ابن المبارك؟ قال: قد كان ابن المبارك له فضل، ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم. سئل ابن المبارك: مَنْ رجل الكوفة اليوم؟ فقال: رجل المصرين - يعني الكوفة والبصرة - وكيعًا بن الجراح. سئل أبو داود: أيهما أحفظ: وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: وكيع أحفظ وعبد الرحمن أتقن، والتقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتواقفا حتى سمعا أذان الصبح. قال الحسين بن محمد: كان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن انكسر من أمرهم شيئًا انتعل ودخل داره. ![]() قال سلم بن جنادة: جالست وكيعًا سبع سنين، فما رأيته بزق، ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسًا فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. قال مروان بن محمد: ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع، وما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الوصف إلا وكيعًا، رأيته فوق ما وُصِفَ لي. قال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قال وكيع فاستند، وحدث بسبعمائة حديث حفظًا. محنته: المحنة التي تعرض لها وكيع بن الجراح محنة غريبة، تورط فيها بمخالفته من حيث لا يدري للأصل الذي قررناه في مقدمة الكلام، ألا وهو مخاطبة الناس على قدر عقولهم وفهومهم، وإن كان لم يُرِدْ إلا الخير، وأصل هذه المحنة يرجع إلى السنة التي حج فيها وكيع بن الجراح، فلما علم الناس في مكة بمجيئه، وهو حافظ العراق، اجتمعوا عليه، وعقدوا له مجلسًا في الحديث، فأخذ وكيع في تحديثهم، فلما وصل إلى الحديث الذي رواه عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي عن أبي بكر الصديق أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك، ثم قال عبد الله البهي: وكان ترك يومًا وليلة حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه، وهذا الحديث قد حكم عليه أهل العلم بأنه منقطع ومنكر، وعلته عبد الله البهي، وهو مصعب بن الزبير، وهو لم يدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه. فلما سمعت قريش هذا الحديث هاجت وماجت، وظن أهلها أن الحديث ينتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمع رجالات قريش عند واليها - وهو العثماني - وقرروا طلب وكيع بن ![]() الجراح وقتله، وقد حبسوه استعدادًا لذلك، وقيل إن الخليفة هارون الرشيد كان حاجًا هذا العام، فلما علم بالخبر استفتى العلماء في شأنه، فأفتى ابن أبي رواد بقتله، واتهم وكيعًا بالنفاق، والغش للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الإمام سفيان بن عيينة قال: لا قتل عليه، رجل سمع حديثًا فرواه، فتركوا وكيعًا وخلوا سبيله. خرج وكيع من مكة متجهًا إلى المدينة، وندم العثماني والي مكة على تركه بشدة، وقرر أن يقتل وكيعًا بأي سبيل، فأرسل أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه، فلما عرف بعض علماء المدينة مثل سعيد بن منصور هذا الخبر، وعزم أهل المدينة على قتل وكيع - أرسل إليه بريدًا عاجلا أن لا يأتي المدينة - ويغير مساره إلى طريق الربذة، فلما وصل البريد إلى وكيع، وكان على مشارف المدينة، عاد إلى الكوفة. بعد هذه الحادثة لم يستطع وكيع بن الجراح أن يذهب إلى الحج مرة أخرى، وحيل بينه وبين مكة والمدينة، وخاض بعض الجهال في حقه، واتهموه بالتشيع والرفض، ولكنه تجاسر سنة 197هـ، وحج بيت الله الحرام؛ فقدر الله عز وجل وفاته بعد رجوعه من الحج مباشرة؛ فمات ودفن بفيد على طريق الحج بين مكة والكوفة. هذه المحنة التي تعرض لها وكيع بن الجراح، وكادت تودي بحياته، وأثرت على سمعته، وأدت لمنعه من إتيان مكة والمدينة سنوات كثيرة، إنما حدثت له بسبب زلة الإمام العالم نفسه، فما كان لوكيع بن الجراح أن يروى هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد، والقائمون عليه معذورون، ولربما كانوا مأجورين، لأنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود انتقاصًا من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد ![]() كان وكيع يتأول هذا الخبر قائلا: إن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - منهم عمر بن الخطاب - قالوا لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الله أن يريهم آية الموت، ولو على فرض صحة الخبر فليس فيه قدح بمقام النبوة، فعند التأمل فيه نجد أن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله تحت تأثير الأمراض، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يوعك كرجلين من الناس، وكانت الشقيقة تأخذ رأسه فيمكث اليوم واليومين لا يخرج للناس من شدة الوجع، وكما جاء في الخبر الصحيح: ((أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبيَاءَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَل))، والمحذور والممنوع في حق النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء تغير أجسادهم ورائحتهم، وأكل الأرض لأجسادهم بعد موتهم، بل هم في أطيب ريح من المسك، وهو وسائر إخوانه من الأنبياء أحياء في قبورهم. وما سقناه من دفاع في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، إنما نقلناه بتصرف من دفاع إمام الحجاز سفيان بن عيينة، والحافظ الذهبي في سيره، وهذا لا يغير من حقيقة ثابتة على كل إمام وداعية وعالم أن يراعيها عند احتكاكه مع الناس، وتصديه للدعوة والإرشاد، والإفتاء والتعليم وهي مراعاة عقول الناس عند الخطاب، لذلك كره أهل العلم رواية الأثار والأحاديث التي تؤدي إلى سوء فهم، أو تكريس بدعة عند أصحابها، فكرهوا رواية أحاديث الكبائر وسلب الإيمان عن مرتكبها عند الخوارج؛ لأنهم يفهمون الأحاديث على وجه الخطأ، ولا يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم، فيتخذون تلك الأحاديث ذريعة ودليلا على تكفيرهم للمسلمين، وكذا الأمر مع أحاديث الرجاء والمغفرة، وفضل كلمة التوحيد عند المرجئة، والأمثلة على هذه القاعدة كثيرة، والعالم عندما لا يلتزم بتلك القاعدة فإنه يجر على نفسه، وعلى غيره الكثير من المحن والبلايا. ![]() المصادر والمراجع: • طبقات ابن سعد: (6/ 394). • تاريخ خليفة: (467). • سير أعلام النبلاء: (9/ 140). • تاريخ بغداد: (13/ 466). • البداية والنهاية: (10/ 261). • حلية الأولياء: (8/ 368). • تذكرة الحفاظ: (1/ 306). • صفة الصفوة: (2/ 98). • النجوم الزاهرة: (2/ 153). • شذرات الذهب: (1/ 349). ترويض المحن: دراسة تحليلية لهم المحن التي مرَّ بها كبار علماء الأمة، دار الصفوة بالقاهرة، 1430 هـ، 2009م ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اعظم شخصيات التاريخ الاسلامي ____ يوميا فى رمضان | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 29 | 12-27-2025 10:25 PM |
| المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ | وائل مراد | ملتقى التاريخ الإسلامي | 6 | 04-15-2019 05:49 AM |
| كيف انتقم الله من الذين سبوا الرسول صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ؟ | أبو ريم ورحمة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 2 | 09-24-2018 04:14 PM |
| مشاهير علماء المسلمين | محمود14 | ملتقى التاريخ الإسلامي | 6 | 04-01-2014 06:36 AM |
| أختاه... أين أنتِ من التاريخ؟ | ابونواف | ملتقى الأسرة المسلمة | 2 | 03-23-2013 10:26 PM |
|
|