استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية
ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية فتاوى وأحكام و تشريعات وفقاً لمنهج أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-01-2026, 11:25 AM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (7)
صـ80 إلى صـ94


[ ص: 80 ] وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ .

وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ : مَنْ حَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ الْعِلْمَ ; عَذَّبَهُ عَلَى الْجَهْلِ ، وَأَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَلَمُ فَأَدْبَرَ عَنْهُ ، وَمَنْ أَهْدَى اللَّهُ إِلَيْهِ عِلْمًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : " اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا ؛ فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ حَتَّى تَعْمَلُوا " .

[ ص: 81 ] وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ ، وَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ .

وَرُوِيَ مَوْقُوفًا أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : كُنَّا نَتَدَارَسُ الْعِلْمَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ; إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ حَتَّى تَعْمَلُوا .

[ ص: 82 ] وَكَانَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ : كُلُّ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ تَعْمَلُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا تَصْنَعُ بِازْدِيَادِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْكَ ؟ .

وَقَالَ الْحَسَنُ : " اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَدَعُوا أَقْوَالَهُمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ قَوْلًا إِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيلًا مِنْ عَمَلٍ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ ، فَإِذَا سَمِعْتَ قَوْلًا حَسَنًا فَرُوَيْدًا بِصَاحِبِهِ ; فَإِنْ وَافَقَ قَوْلَهُ عَمَلُهُ ، فَنِعْمَ وَنِعْمَةَ عَيْنٍ " .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : " إِنَّ النَّاسَ أَحْسَنُوا الْقَوْلَ كُلَّهُمْ ، فَمَنْ وَافَقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ حَظَّهُ ، وَمَنْ خَالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ ; فَإِنَّمَا يُوَبِّخُ نَفْسَهُ " .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : " إِنَّمَا يُطْلَبُ الْحَدِيثُ لِيُتَّقَى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلِذَلِكَ فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ " .

وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ; قَالَ : " أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا [ ص: 83 ] يُعْجِبُهُمُ الْقَوْلُ ، إِنَّمَا يُعْجِبُهُمُ الْعَمَلُ " ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُحَقِّقُ أَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ مِنَ الْوَسَائِلِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ ; فَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَلِ بِهِ .

فَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْعِلْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ فَضْلُهُ ، وَإِنَّ مَنَازِلَ الْعُلَمَاءِ فَوْقَ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْعُلَمَاءِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; ، وَكَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى فَضْلِهِ مُطْلَقًا لَا مُقَيَّدًا ; فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنَّهُ فَضِيلَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا وَسِيلَةٌ ، هَذَا وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً مِنْ وَجْهٍ ، فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ أَيْضًا كَالْإِيمَانِ ; فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى قَبُولِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ .

لِأَنَّا نَقُولُ : لَمْ يَثْبُتْ فَضْلُهُ مُطْلَقًا ، بَلْ مِنْ حَيْثُ التَّوَسُّلُ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا ، وَإِلَّا تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ ، وَتَنَاقَضَتِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ ، [ ص: 84 ] وَأَقْوَالُ السَّلَفِ الْأَخْيَارِ ; فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا ، وَمَا ذُكِرَ آنِفًا شَارِحٌ لِمَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ ; فَإِنَّهُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ ، وَهُوَ نَاشِئٌ عَنِ الْعِلْمِ ، وَالْأَعْمَالُ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا وَسِيلَةً إِلَى الْبَعْضِ ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً فِي أَنْفُسِهَا ، أَمَّا الْعِلْمُ ; فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ ، وَأَعْلَى ذَلِكَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ ، وَلَا تَصِحُّ بِهِ فَضِيلَةٌ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يُصَدِّقَ بِمُقْتَضَاهُ ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ .

فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُتَنَاقِضٌ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِاللَّهِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ .

قِيلَ : بَلْ قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ مَعَ التَّكْذِيبِ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي قَوْمٍ : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ النَّمْلِ : 14 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 146 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [ الْأَنْعَامِ : 20 ] .

فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ الْعِلْمِ ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ مُغَايِرٌ لِلْكُفْرِ .

نَعَمْ ، قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ فَضِيلَةً ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، كَالْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَالْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ فِي التَّكْلِيفِ ، إِذَا فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي [ ص: 85 ] الْخَارِجِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا حَسَنٌ ، وَصَاحِبُ الْعِلْمِ مُثَابٌ عَلَيْهِ ، وَبَالِغٌ مُبَالِغَ الْعُلَمَاءِ ؛ لَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مَظِنَّةُ الِانْتِفَاعِ عِنْدَ وُجُودِ مَحَلِّهِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةً ، كَمَا أَنَّ فِي تَحْصِيلِ الطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَضِيلَةً ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَعْدُ ، أَوْ جَاءَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاؤُهَا لِعُذْرٍ ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَلَى عَزِيمَةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ ; لَمْ يَصِحَّ لَهُ ثَوَابُ الطَّهَارَةِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ ؛ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ، وَقَدْ وَجَدْنَا وَسَمِعْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ يَعْرِفُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ ، وَيَعْلَمُونَ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَافِعًا لَهُمْ مِنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .

فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْعَمَلُ .
فَصْلٌ

وَلَا يُنْكِرُ فَضْلَ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا جَاهِلٌ ، وَلَكِنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلِيٌّ ، وَقَصْدٌ تَابِعٌ .

فَالْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .

وَأَمَّا التَّابِعُ ; فَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْجُمْهُورُ مِنْ كَوْنِ صَاحِبِهِ شَرِيفًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ الْجَاهِلَ دَنِيءٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ شَرِيفًا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ نَافِذٌ فِي الْأَشْعَارِ وَالْأَبْشَارِ ، وَحُكْمُهُ مَاضٍ عَلَى الْخَلْقِ ، وَأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ; إِذْ قَامَ لَهُمْ مَقَامَ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّ [ ص: 86 ] الْعِلْمَ جَمَالٌ وَمَالٌ ، وَرُتْبَةٌ لَا تُوَازِيهَا رُتْبَةٌ ، وَأَهْلُهُ أَحْيَاءٌ أَبَدَ الدَّهْرِ ، . . . إِلَى سَائِرِ مَا لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَنَاقِبِ الْحَمِيدَةِ ، وَالْمَآثِرِ الْحَسَنَةِ ، وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِلْمِ شَرْعًا ، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ يَنَالُهُ .

وَأَيْضًا ; فَإِنَّ فِي الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ لَذَّةً لَا تُوَازِيهَا لَذَّةٌ ; إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَعْلُومِ ، وَالْحَوْزِ لَهُ ، وَمَحَبَّةُ الِاسْتِيلَاءِ قَدْ جُبِلَتْ عَلَيْهَا النُّفُوسُ ، وَمُيِّلَتْ إِلَيْهَا الْقُلُوبُ ، وَهُوَ مَطْلَبٌ خَاصٌّ ، بُرْهَانُهُ التَّجْرِبَةُ التَّامَّةُ ، وَالِاسْتِقْرَاءُ الْعَامُّ ، فَقَدْ يُطْلَبُ الْعِلْمُ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُحَادَثَتِهِ ، وَلَا سِيَّمَا الْعُلُومُ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَجَالٌ ، وَلِلنَّظَرِ فِي أَطْرَافِهَا مُتَّسَعٌ ، وَلِاسْتِنْبَاطِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمَعْلُومِ فِيهَا طَرِيقٌ مُتَّبَعٌ .

وَلَكِنْ كُلُّ تَابِعٍ مِنْ هَذِهِ التَّوَابِعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ أَوْ لَا .

فَإِنْ كَانَ خَادِمًا لَهُ ; فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً صَحِيحٌ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [ الْفُرْقَانِ : 74 ] .

وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ ، وَقَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ حِينَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي هِيَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ النَّخْلَةُ : " لَأَنْ [ ص: 87 ] تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا " .

وَفِي الْقُرْآنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 84 ] .

فَكَذَلِكَ إِذَا طَلَبَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَادِمٍ لَهُ ; فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ كَتَعَلُّمِهِ رِيَاءً ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ يَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَ الْعِبَادِ ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ دُنْيَاهُمْ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا لَاحَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا طَلَبَ - زَهِدَ فِي التَّعَلُّمِ ، وَرَغِبَ فِي التَّقَدُّمِ ، وَصَعُبَ عَلَيْهِ إِحْكَامُ مَا ابْتَدَأَ فِيهِ ، وَأَنِفَ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ ، فَرَضِيَ بِحَاكِمِ عَقْلِهِ ، وَقَاسَ بِجَهْلِهِ ، فَصَارَ مِمَّنْ سُئِلَ فَأَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ; فَضَّلَ وَأَضَلَّ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ .

وَفِي الْحَدِيثِ : لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ ، وَلَا لِتَحْتَازُوا بِهِ الْمَجَالِسَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ; فَالنَّارُ النَّارُ .

[ ص: 88 ] وَقَالَ : مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ غَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ ، فَقَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُرِيدُ أَنْ يُجْلَسَ إِلَيْهِ الْحَدِيثَ .

وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 174 ] .

وَالْأَدِلَّةُ فِي الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ .
[ ص: 89 ] الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا - أَعْنِي الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَهْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْعِلْمُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ ، الَّذِي لَا يُخَلِّي صَاحِبَهُ جَارِيًا مَعَ هَوَاهُ كَيْفَمَا كَانَ ، بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ ، الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَوَانِينِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى : الطَّالِبُونَ لَهُ وَلَمَّا يَحْصُلُوا عَلَى كَمَالِهِ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي طَلَبِهِ فِي رُتْبَةِ التَّقْلِيدِ ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ بِهِ ; فَبِمُقْتَضَى الْحَمْلِ التَّكْلِيفِيِّ ، وَالْحَثِّ التَّرْغِيبِيِّ ، وَالتَّرْهِيبِيِّ ، وَعَلَى مِقْدَارِ شِدَّةِ التَّصْدِيقِ يَخِفُّ ثِقَلُ التَّكْلِيفِ ، فَلَا يَكْتَفِي الْعِلْمُ هَاهُنَا بِالْحَمْلِ دُونَ أَمْرٍ آخَرَ خَارِجَ مَقُولِهِ ; مِنْ زَجْرٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى ، وَلَا احْتِيَاجَ هَاهُنَا إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَى ذَلِكَ ; إِذِ التَّجْرِبَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْخَلْقِ قَدْ أَعْطَتْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بُرْهَانًا لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ .

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْوَاقِفُونَ مِنْهُ عَلَى بَرَاهِينِهِ ، ارْتِفَاعًا عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ [ ص: 90 ] الْمُجَرَّدِ ، وَاسْتِبْصَارًا فِيهِ حَسْبَمَا أَعْطَاهُ شَاهِدُ النَّقْلِ الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ تَصْدِيقًا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنَّهُ بَعْدُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَقْلِ لَا إِلَى النَّفْسِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لِلْإِنْسَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْأَشْيَاءِ الْمُكْتَسَبَةِ ، وَالْعُلُومِ الْمَحْفُوظَةِ الَّتِي يَتَحَكَّمُ عَلَيْهَا الْعَقْلُ ، وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ فِي اسْتِجْلَابِهَا ، حَتَّى تَصِيرَ مِنْ جُمْلَةِ مُودَعَاتِهِ ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ ، خَفَّ عَلَيْهِمْ خِفَّةً أُخْرَى زَائِدَةً عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ; إِذْ هَؤُلَاءِ يَأْبَى لَهُمُ الْبُرْهَانُ الْمُصَدَّقُ أَنْ يَكْذِبُوا ، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّكْذِيبِ الْخَفِيِّ الْعَمَلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ لَمْ يَصِرْ لَهُمْ كَالْوَصْفِ رُبَّمَا كَانَتْ أَوْصَافُهُمُ الثَّابِتَةُ مِنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ الْبَاعِثَةِ الْغَالِبَةِ - أَقْوَى الْبَاعِثِينَ ; فَلَا بُدَّ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى أَمْرٍ زَائِدٍ مِنْ خَارِجٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَّسِعُ فِي حَقِّهِمْ ، فَلَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ ، بَلْ ثَمَّ أُمُورٌ أُخَرُ كَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمَرَاتِبِ الَّتِي بَلَغُوهَا بِمَا يَلِيقُ بِهَا ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ .

وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَيْضًا يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَيْهَا مِنَ التَّجْرِبَةِ ، إِلَّا أَنَّهَا أَخْفَى مِمَّا قَبْلَهَا ، فَيَحْتَاجُ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ مَوْكُولٍ إِلَى ذَوِي النَّبَاهَةِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْأَخْذِ فِي الِاتِّصَافَاتِ السُّلُوكِيَّةِ .

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : الَّذِينَ صَارَ لَهُمُ الْعِلْمُ وَصْفًا مِنَ الْأَوْصَافِ الثَّابِتَةِ بِمَثَابَةِ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْأُوَلِ ، أَوْ تُقَارِبُهَا ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى طَرِيقِ حُصُولِهَا ; [ ص: 91 ] فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُخَلِّيهِمُ الْعِلْمُ وَأَهْوَاءَهُمْ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، بَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ رُجُوعَهُمْ إِلَى دَوَاعِيهِمُ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَوْصَافِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْمُتَرْجَمُ لَهَا .

وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزُّمَرِ : 9 ] .

ثُمَّ قَالَ : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْآيَةَ [ الزُّمَرِ : 9 ] .

فَنَسَبَ هَذِهِ الْمَحَاسِنَ إِلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ ، لَا مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ .

وَقَالَ تَعَالَى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [ الزُّمَرِ : 23 ] .

وَالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ هُمُ الْعُلَمَاءُ لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فَاطِرٍ : 28 ] .

وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 83 ] .

وَلَمَّا كَانَ السَّحَرَةُ قَدْ بَلَغُوا فِي عِلْمِ السِّحْرِ مَبْلَغَ الرُّسُوخِ فِيهِ ، وَهُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ، بَادَرُوا إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْإِيمَانِ حِينَ عَرَفُوا مِنْ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقٌّ لَيْسَ بِالسِّحْرِ ، وَلَا الشَّعْوَذَةِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ وَلَا التَّعْذِيبُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِرْعَوْنُ .

[ ص: 92 ] وَقَالَ تَعَالَى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 43 ] .

فَحَصَرَ تَعَقُّلَهَا فِي الْعَالِمِينَ ، وَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ .

وَقَالَ : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [ الرَّعْدِ : 19 ] .

ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [ الرَّعْدِ : 20 ] إِلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الْعَامِلُونَ .

وَقَالَ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ - وَالْإِيمَانُ مِنْ فَوَائِدِ الْعِلْمِ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ : أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الْأَنْفَالِ : 2 - 4 ] .

وَمِنْ هُنَا قَرَنَ الْعُلَمَاءَ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فَقَالَ تَعَالَى : مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [ آلِ عِمْرَانَ : 18 ] .

فَشَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَفْقَ عِلْمِهِ ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ ; إِذِ التَّخَالُفُ مُحَالٌ ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمُوا صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْمَعَاصِي ، وَأُولُو الْعِلْمِ أَيْضًا كَذَلِكَ ; مِنْ حَيْثُ حُفِظُوا بِالْعِلْمِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ آيَةٌ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَحْزَنَهُمْ ذَلِكَ وَأَقْلَقَهُمْ ، حَتَّى يَسْأَلُوا [ ص: 93 ] النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنُزُولِ آيَةِ الْبَقَرَةِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 284 ] .

وَقَوْلِهِ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 82 ] .

وَإِنَّمَا الْقَلَقُ وَالْخَوْفُ مِنْ آثَارِ الْعِلْمِ بِالْمُنَزَّلِ .

[ ص: 94 ] وَالْأَدِلَّةُ أَكْثَرُ مِنْ إِحْصَائِهَا هُنَا ، وَجَمِيعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُلْجِئُ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ .

فَإِنْ قِيلَ : هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ أَوَّلًا .

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ; فَقَدِ اسْتَوَى أَهْلُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَعَ مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ كَافٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ ، وَلَا مُلْجِئُ إِلَيْهِ .

وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ ; لَزِمَ أَنْ لَا يَعْصِيَ الْعَالِمُ إِذَا كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِيهِ ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ تَقَعُ مِنْهُمُ الْمَعَاصِي ، مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا فِي أَعْلَى الْأُمُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [ النَّمْلِ : 14 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 146 ] .

وَقَالَ : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [ الْمَائِدَةِ : 43 ] .

وَقَالَ : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 102 ] .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2026, 11:28 AM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (8)
صـ95 إلى صـ110

[ ص: 95 ] وَسَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى ; فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ وَالْمُخَالَفَاتِ مَعَ الْعِلْمِ ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ صَادًّا عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ .

وَالثَّانِي : مَا جَاءَ مِنْ ذَمِّ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَمِنْ أَشَدِّ مَا فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ .

وَفِي الْقُرْآنِ : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [ الْبَقَرَةِ : 44 ] .

وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 159 ] .

وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 174 ] .

وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْأَدِلَّةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ غَيْرُ مَعْصُومِينَ بِعِلْمِهِمْ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يَمْنَعُهُمْ عَنْ إِتْيَانِ الذُّنُوبِ ; فَكَيْفَ يُقَالُ : إِنَّ الْعَلَمَ مَانِعٌ مِنَ الْعِصْيَانِ ؟ .

فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ يَأْبَى لِلْعَالِمِ أَنْ يُخَالِفَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَبِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ ، لِأَنَّ مَا صَارَ كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لَا يَتَصَرَّفُ صَاحِبُهُ إِلَّا عَلَى وَفْقِهِ اعْتِيَادًا ; فَإِنْ تَخَلَّفَ فَعَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ [ ص: 96 ] أَوْجُهٍ :

الْأَوَّلُ : مُجَرَّدُ الْعِنَادِ ، فَقَدْ يُخَالَفُ فِيهِ مُقْتَضَى الطَّبْعِ الْجِبِلِّي ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَجَحَدُوا بِهَا الْآيَةَ [ النَّمْلِ : 14 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ الْبَقَرَةِ : 109 ] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ .

وَالْغَالِبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا لِغَلَبَةِ هَوًى ، مِنْ حُبِّ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، بِحَيْثُ يَكُونُ وَصْفُ الْهَوَى قَدْ غَمَرَ الْقَلْبَ حَتَّى لَا يَعْرِفَ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرَ مُنْكَرًا .

وَالثَّانِي : الْفَلَتَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْغَفَلَاتِ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا الْبَشَرُ ; فَقَدْ يَصِيرُ الْعَالِمُ بِدُخُولِ الْغَفْلَةِ غَيْرَ عَالِمٍ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 17 ] .

[ ص: 97 ] وَقَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الْأَعْرَافِ : 102 ] .

وَمِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَعْتَرِضُ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا لَا يَعْتَرِضُ نَحْوُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَوْصَافِ الْجِبِلِّيَّةِ ; فَقَدْ لَا تُبْصِرُ الْعَيْنُ ، وَلَا تَسْمَعُ الْأُذُنُ ; لِغَلَبَةِ فِكْرٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ; فَتَرْتَفِعُ فِي الْحَالِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنُ حَتَّى يُصَابَ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ : إِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُولٍ عَلَى السَّمْعِ وَالْإِبْصَارِ ، فَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ .

وَالثَّالِثُ : كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ; فَلَمْ يَصِرِ الْعِلْمُ لَهُ وَصْفًا أَوْ كَالْوَصْفِ مَعَ عَدِّهِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى غَلَطٍ فِي اعْتِقَادِ الْعَالِمِ فِي نَفْسِهِ أَوِ اعْتِقَادِ غَيْرِهِ فِيهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [ الْقَصَصِ : 50 ] .

وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ - إِلَى أَنْ قَالَ - اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءً جُهَّالًا ، [ فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ] ; فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا .

[ ص: 98 ] وَقَوْلُهُ : سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، أَشَدُّهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتَيِ الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ الْحَدِيثَ ، فَهَؤُلَاءِ وَقَعُوا فِي الْمُخَالَفَةِ بِسَبَبِ ظَنِّ [ ص: 99 ] الْجَهْلِ عِلْمًا ; فَلَيْسُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، وَلَا مِمَّنْ صَارَ لَهُمْ كَالْوَصْفِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا حِفْظَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ ; فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِمْ .

[ ص: 100 ] فَأَمَّا مَنْ خَلَا عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ ; فَهُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ حِفْظِ الْعِلْمِ حَسْبَمَا نَصَّتْهُ الْأَدِلَّةُ ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ كَثِيرٌ .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا ، وَإِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا ، وَإِنَّ مِنْ إِقْبَالِ هَذَا الدِّينِ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى إِنَّ الْقَبِيلَةَ لَتَتَفَقَّهُ مِنْ عِنْدِ أَسْرِهَا ، [ أَوْ قَالَ : آخِرِهَا ] حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا إِلَّا الْفَاسِقُ أَوِ الْفَاسِقَانِ ; فَهُمَا مَقْمُوعَانِ ذَلِيلَانِ ، إِنْ تَكَلَّمَا أَوْ نَطَقَا قُمِعَا وَقُهِرَا وَاضْطُهِدَا الْحَدِيثَ .

وَفِي الْحَدِيثِ : سَيَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَكْثُرُ الْقُرَّاءُ ، وَيَقِلُّ الْفُقَهَاءُ ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ - إِلَى أَنْ قَالَ - ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ زَمَانٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ زَمَانٌ يُجَادِلُ الْمُنَافِقُ الْمُشْرِكَ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ .

[ ص: 101 ] وَعَنْ عَلِيٍّ : " يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ ; فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَلِمَ ثُمَّ عَمِلَ ، وَوَافَقَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ ، تُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتُهُمْ ، وَيُخَالِفُ عِلْمَهُمْ عَمَلُهُمْ ، يَقْعُدُونَ حِلَقًا يُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعَاةً ، وَلَا تَكُونُوا لَهُ رُوَاةً ; فَإِنَّهُ قَدْ يَرْعَوِي وَلَا يَرْوِي ، وَقَدْ يَرْوِي وَلَا يَرْعَوِي " .

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : " لَا تَكُونُ تَقِيًّا حَتَّى تَكُونَ عَالِمًا ، وَلَا تَكُونُ بِالْعِلْمِ جَمِيلًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلًا " .

وَعَنِ الْحَسَنِ : " الْعَالِمُ الَّذِي وَافَقَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ ، وَمَنْ خَالَفَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ فَذَلِكَ رَاوِيَةُ حَدِيثٍ سَمِعَ شَيْئًا فَقَالَهُ " .

[ ص: 102 ] وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : " الْعُلَمَاءُ إِذَا عَلِمُوا عَمِلُوا ، فَإِذَا عَمِلُوا شُغِلُوا ، فَإِذَا شُغِلُوا فُقِدُوا ، فَإِذَا فُقِدُوا طُلِبُوا ، فَإِذَا طُلِبُوا هَرَبُوا " .

وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ : " الَّذِي يَفُوقُ النَّاسَ فِي الْعِلْمِ جَدِيرٌ أَنْ يَفُوقَهُمْ فِي الْعَمَلِ " .

وَعَنْهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قَالَ : " عَلِمْتُمْ فَعَلِمْتُمْ وَلَمْ تَعْمَلُوا ، فَوَاللَّهِ مَا ذَلِكُمْ بِعِلْمٍ " .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : " الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ " . وَهَذَا تَفْسِيرُ مَعْنَى كَوْنِ الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي يُلْجِئُ إِلَى الْعَمَلِ .

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : " كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ " ، وَمِثْلُهُ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ .

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ ، إِنَّمَا الْعِلْمُ خَشْيَةُ [ ص: 103 ] اللَّهِ .

وَالْآثَارُ فِي هَذَا النَّحْوِ كَثِيرَةٌ .

وَبِمَا ذُكِرَ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي ; فَإِنَّ عُلَمَاءَ السُّوءِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ ; فَلَيْسُوا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا هُمْ رُوَاةٌ - وَالْفِقْهُ فِيمَا رَوَوْا أَمْرٌ آخَرُ - أَوْ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ هَوًى غَطَّى عَلَى الْقُلُوبِ ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ .

عَلَى أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ ، وَعَدَمِ الِاجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ - يَجُرُّ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَيُلْجِئُ إِلَيْهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ : " كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا ; فَجَرَّنَا إِلَى الْآخِرَةِ " .

وَعَنْ مَعْمَرٍ ; أَنَّهُ قَالَ : " كَانَ يُقَالُ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ يَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يُصَيِّرَهُ إِلَى اللَّهِ " .

وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ : " طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ نِيَّةٌ ، ثُمَّ جَاءَتِ [ ص: 104 ] النِّيَّةُ بَعْدُ .

وَعَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : " كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إِلَى الْآخِرَةِ " ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي كَلَامٍ آخَرَ : " كُنْتُ أَغْبِطُ الرَّجُلَ يُجْتَمَعُ حَوْلَهُ ، وَيُكْتَبُ عَنْهُ ، فَلَمَّا ابْتُلِيتُ بِهِ ، وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي " .

وَعَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ ; قَالَ : " سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ مُنْذُ أَكْثَرِ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً يَقُولُ : " طَلَبْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَعْقَبَنَا اللَّهُ مَا تَرَوْنَ " .

وَقَالَ الْحَسَنُ : " لَقَدْ طَلَبَ أَقْوَامٌ الْعِلْمَ مَا أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ ، فَمَا زَالَ بِهِمْ حَتَّى أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ " فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ .
فَصْلٌ

وَيَتَصَدَّى النَّظَرُ هُنَا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ، وَمَا هِيَ ؟ .

وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِصَارِ أَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ ، وَهُوَ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِالْخَشْيَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ ، وَعَنْهُ عَبَّرَ فِي الْحَدِيثِ فِي : أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ الْخُشُوعُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : " لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ [ ص: 105 ] الرِّوَايَةِ ، وَلَكِنَّهُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ " ، وَقَالَ أَيْضًا : " الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ : التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ " ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ .

وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهِ ; فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ ، وَفِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ طَرَفٌ فَرَاجِعْهُ إِنْ شِئْتَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
[ ص: 106 ] [ ص: 107 ] مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُلَحُ الْعِلْمِ لَا مِنْ صُلْبِهِ ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ وَلَا مُلَحِهِ ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : .

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُعْتَمَدُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الطَّلَبِ ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الرَّاسِخِينَ ، وَذَلِكَ مَا كَانَ قَطْعِيًّا أَوْ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ ، وَالشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فِي أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الْحِجْرِ : 9 ] ; لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ الْمَقَاصِدِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ صَلَاحُ الدَّارَيْنِ ، [ ص: 108 ] وَهِيَ الضَّرُورِيَّاتُ ، وَالْحَاجِيَّاتُ ، وَالتَّحْسِينَاتُ ، وَمَا هُوَ مُكَمِّلٌ لَهَا ، وَمُتَمَّمٌ لِأَطْرَافِهَا ، وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْقَطْعِيُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا ، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهَا ; فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ أَصِيلٌ رَاسِخُ الْأَسَاسِ ثَابِتُ الْأَرْكَانِ .

هَذَا وَإِنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً ، فَالْوَضْعِيَّاتُ قَدْ تُجَارِي الْعَقْلِيَّاتِ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ ، وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ مِنْ جُمْلَتِهَا ; إِذِ الْعِلْمُ بِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ الْعَامِّ النَّاظِمِ لِأَشْتَاتِ أَفْرَادِهَا ، حَتَّى تَصِيرَ فِي الْعَقْلِ مَجْمُوعَةً فِي كُلِّيَّاتٍ مُطَّرِدَةٍ عَامَّةٍ ، ثَابِتَةٍ غَيْرِ زَائِلَةٍ ، وَلَا مُتَبَدِّلَةٍ ، وَحَاكِمَةٍ غَيْرِ مَحْكُومٍ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ .

وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الْوُجُودِ ، وَهُوَ أَمْرٌ وَضْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ ; فَاسْتَوَتْ مَعَ الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَارْتَفَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا .

فَإِذًا لِهَذَا الْقِسْمِ خَوَاصٌّ ثَلَاثٌ : بِهِنَّ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ : إِحْدَاهَا : الْعُمُومُ وَالِاطِّرَادُ ، فَلِذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا الْخَاصَّةُ لَا تَتَنَاهَى ؛ فَلَا عَمَلَ يُفْرَضُ ، وَلَا حَرَكَةَ ، وَلَا سُكُونَ يُدَّعَى - إِلَّا وَالشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ حَاكِمَةٌ إِفْرَادًا ، وَتَرْكِيبًا ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا عَامَّةٌ ، وَإِنْ فُرِضَ فِي نُصُوصِهَا أَوْ مَعْقُولِهَا خُصُوصٌ مَا ; فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُمُومٍ ; كَالْعَرَايَا ، وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْقِرَاضِ ، [ ص: 109 ] وَالْمُسَاقَاةِ ، وَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ; فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أُصُولٍ حَاجِيَّةٍ أَوْ تَحْسِينِيَّةٍ أَوْ مَا يُكَمِّلُهَا ، وَهِيَ أُمُورٌ عَامَّةٌ ; فَلَا خَاصَّ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا وَهُوَ عَامٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ .

وَالثَّانِيَةُ : الثُّبُوتُ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ ; فَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِيهَا بَعْدَ كَمَالِهَا نَسْخًا ، وَلَا تَخْصِيصًا لِعُمُومِهَا ، وَلَا تَقْيِيدًا لِإِطْلَاقِهَا ، وَلَا رَفْعًا لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا لَا بِحَسَبِ عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَلَا بِحَسَبِ خُصُوصِ بَعْضِهِمْ ، وَلَا بِحَسَبِ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ، وَلَا حَالٍ دُونَ حَالٍ ، بَلْ مَا أُثْبِتَ سَبَبًا ; فَهُوَ سَبَبٌ أَبَدًا لَا يَرْتَفِعُ ، وَمَا [ ص: 110 ] كَانَ شَرْطًا ; فَهُوَ أَبَدًا شَرْطٌ ، وَمَا كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ وَاجِبٌ أَبَدًا ، أَوْ مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ فَلَا زَوَالَ لَهَا ، وَلَا تَبَدُّلَ ، وَلَوْ فُرِضَ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ لَكَانَتْ أَحْكَامُهَا كَذَلِكَ .

وَالثَّالِثَةُ : كَوْنُ الْعِلْمِ حَاكِمًا لَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ ; فَلِذَلِكَ انْحَصَرَتْ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يُفِيدُ الْعَمَلَ أَوْ يُصَوِّبُ نَحْوَهُ ، لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَجِدُ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ ، وَإِلَّا انْقَلَبَ كَوْنُهَا حَاكِمَةً إِلَى كَوْنِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ .

فَإِذًا ; كُلُّ عِلْمٍ حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ ; فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهَا ، وَالْبُرْهَانُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

وَالْقِسْمُ الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْدُودُ فِي مُلَحِ الْعِلْمِ لَا فِي صُلْبِهِ - : مَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا ، وَلَا رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ ، بَلْ إِلَى ظَنِّيٍّ ، أَوْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى قَطْعِيٍّ إِلَّا أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ خَاصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْخَوَاصِّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ خَاصَّةٍ وَاحِدَةٍ ; فَهُوَ مُخَيَّلٌ ، وَمِمَّا يَسْتَفِزُّ الْعَقْلَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ الْأَوَّلِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِخْلَالٌ بِأَصْلِهِ ، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا صَحَّ أَنْ يُعَدَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ .

فَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الْأُولَى - وَهُوَ الِاطِّرَادُ وَالْعُمُومُ - فَقَادِحٌ فِي جَعْلِهِ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ يُقَوِّي جَانِبَ الِاطِّرَاحِ ، وَيُضْعِفُ جَانِبَ الِاعْتِبَارِ ; إِذِ النَّقْضُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْوُثُوقِ بِالْقَصْدِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ الْوَاقِعَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يُوثَقُ بِهِ ، وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2026, 11:30 AM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (9)
صـ111 إلى صـ125

وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّانِيَةِ - وَهُوَ الثُّبُوتُ - فَيَأْبَاهُ صُلْبُ الْعِلْمِ وَقَوَاعِدُهُ ; [ ص: 111 ] فَإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ ، ثُمَّ خَالَفَ حَكَمُهُ الْوَاقِعَ فِي الْقَضِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَوْ بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَانَ حُكْمُهُ خَطَأً وَبَاطِلًا ، مِنْ حَيْثُ أَطْلَقَ الْحُكْمَ فِيمَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ أَوْ عَمَّ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ ; فَعَدِمَ النَّاظِرُ الْوُثُوقَ بِحُكْمِهِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى خُرُوجِهِ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ .

وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّالِثَةِ - وَهُوَ كَوْنُهُ حَاكِمًا وَمَبْنِيًّا عَلَيْهِ - فَقَادِحٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ فِي الْعُقُولِ لَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ حَاضِرَةٌ ، غَيْرَ مُجَرَّدِ رَاحَاتِ النُّفُوسِ ، فَاسْتُوِيَ مَعَ سَائِرِ مَا يُتَفَرَّجُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَأَحْرَى فِي الِاطِّرَاحِ ، كَمَبَاحِثِ السُّوفِسْطَائِيِّينَ ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ .

وَلِتَخَلُّفِ بَعْضِ هَذِهِ الْخَوَاصِّ أَمْثِلَةٌ يُلْحَقُ بِهَا مَا سِوَاهَا : أَحَدُهَا : الْحِكَمُ الْمُسْتَخْرَجَةُ لِمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي التَّعْبُدَاتِ كَاخْتِصَاصِ الْوُضُوءِ بِالْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَالصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ ، وَالْقِيَامِ ، وَالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَكَوْنِهَا عَلَى بَعْضِ الْهَيْئَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ ، وَتَعْيِينِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي تِلْكَ الْأَحْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ أَحْيَانِ اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، وَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِالْأَعْمَالِ الْمَعْلُومَةِ ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَإِلَى مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا تَطُورُ نَحْوَهُ ، فَيَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ فَيُطَرِّقُ إِلَيْهِ حِكَمًا يَزْعُمُ أَنَّهَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ تِلْكَ الْأَوْضَاعِ ، وَجَمِيعُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنٍّ [ ص: 112 ] وَتَخْمِينٍ غَيْرِ مُطَّرِدٍ فِي بَابِهِ ، وَلَا مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ عَمَلٌ ، بَلْ كَالتَّعْلِيلِ بَعْدَ السَّمَاعِ لِلْأُمُورِ الشَّوَاذِّ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا يُعَدُّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ لِجِنَايَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ ، وَلَا دَلِيلَ لَنَا عَلَيْهِ .

وَالثَّانِي : تَحَمُّلُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ عَلَى الْتِزَامِ كَيْفِيَّاتٍ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهَا ، وَلَا يُطْلَبُ الْتِزَامُهَا ، كَالْأَحَادِيثِ الْمُسَلْسَلَةِ الَّتِي أُتِيَ بِهَا عَلَى وُجُوهٍ مُلْتَزَمَةٍ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ ، فَالْتَزَمَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالْقَصْدِ ، فَصَارَ تَحَمُّلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ تَحَرِّيًا لَهَا ؛ بِحَيْثُ يَتَعَنَّى فِي اسْتِخْرَاجِهَا ، وَيَبْحَثُ عَنْهَا بِخُصُوصِهَا ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ ، وَإِنْ صَحِبَهَا الْعَمَلُ ; لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْأَسَانِيدِ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ : الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ; فَإِنَّهُمُ الْتَزَمُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ حَدِيثٍ يَسْمَعُهُ [ ص: 113 ] التِّلْمِيذُ مِنْ شَيْخِهِ ; فَإِنْ سَمِعَهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا أَخَذَ عَنْهُ غَيْرَهُ ؛ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الِاسْتِفَادَةَ بِمُقْتَضَاهُ ، [ كَذَا سَائِرُهَا ;غَيْرَ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّكِ وَتَحْسِينِ الظَّنِّ خَاصَّةً ] ، وَلَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَوْ أَكْثَرِهَا حَتَّى يُقَالَ : إِنَّهُ مَقْصُودٌ ; فَطَلَبُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ مُلَحِ الْعِلْمِ لَا مَنْ صُلْبِهِ .

وَالثَّالِثُ : التَّأَنُّقُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، لَا عَلَى قَصْدِ طَلَبِ تَوَاتُرِهِ ، بَلْ عَلَى أَنْ يُعَدَّ آخِذًا لَهُ عَنْ شُيُوخٍ كَثِيرَةٍ ، وَمِنْ جِهَاتٍ شَتَّى ، وَإِنْ [ ص: 114 ] كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْآحَادِ فِي الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمْ ، فَالِاشْتِغَالُ بِهَذَا مِنَ الْمُلَحِ لَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ .

خَرَّجَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ ; قَالَ : خَرَّجْتُ حَدِيثًا وَاحِدًا عَنِ النَّبِيِّ مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ أَوْ مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ طَرِيقٍ - شَكَّ الرَّاوِي - قَالَ : فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَحِ غَيْرُ قَلِيلٍ ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ ; فَرَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي الْمَنَامِ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا قَدْ خَرَّجْتُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ . قَالَ : فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ؛ هَذَا مَا قَالَ . وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ ، فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلًا .

وَالرَّابِعُ : الْعُلُومُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الرُّؤْيَا مِمَّا لَا يَرْجِعُ إِلَى بِشَارَةٍ ، وَلَا نِذَارَةٍ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ بِالْمَنَامَاتِ ، وَمَا يُتَلَقَّى مِنْهَا تَصْرِيحًا ; فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً ; فَأَصْلُهَا الَّذِي هُوَ الرُّؤْيَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ [ ص: 115 ] فِي الشَّرِيعَةِ فِي مِثْلِهَا ، كَمَا فِي رُؤْيَا الْكِنَانِيِّ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا ; فَإِنَّ مَا قَالَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ حَتَّى عَرَضْنَاهُ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْيَقَظَةِ ; فَصَارَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ مَأْخُوذًا مِنَ الْيَقَظَةِ لَا مِنَ الْمَنَامِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ الرُّؤْيَا تَأْنِيسًا ، وَ عَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالرُّؤْيَا .

وَالْخَامِسُ : الْمَسَائِلُ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيهَا فَلَا يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا فَرْعٌ عَمَلِيٌّ ، إِنَّمَا تُعَدُّ مِنَ الْمُلَحِ ، كَالْمَسَائِلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا قَبْلُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَيَقَعُ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ ، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا كَثِيرٌ ، كَمَسْأَلَةِ اشْتِقَاقِ الْفِعْلِ مِنَ الْمَصْدَرِ ، وَمَسْأَلَةِ اللَّهُمَّ ، وَمَسْأَلَةِ أَشْيَاءَ ، وَمَسْأَلَةِ الْأَصْلِ فِي [ ص: 116 ] لَفْظِ الِاسْمِ ، وَإِنِ انْبَنَى الْبَحْثُ فِيهَا عَلَى أُصُولٍ مُطَّرِدَةٍ ، وَلَكِنَّهَا لَا فَائِدَةَ تُجْنَى ثَمَرَةً لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا ، فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ .

وَالسَّادِسُ : الِاسْتِنَادُ إِلَى الْأَشْعَارِ فِي تَحْقِيقِ الْمَعَانِي الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ ، وَكَثِيرًا مَا يَجْرِي مِثْلُ هَذَا لِأَهْلِ التَّصَوُّفِ فِي كُتُبِهِمْ ، وَفِي بَيَانِ مَقَامَاتِهِمْ فَيَنْتَزِعُونَ مَعَانِيَ الْأَشْعَارِ ، وَيَضَعُونَهَا لِلتَّخَلُّقِ بِمُقْتَضَاهَا ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُلَحِ ؛ لِمَا فِي الْأَشْعَارِ الرَّقِيقَةِ مِنْ إِمَالَةِ الطِّبَاعِ ، وَتَحْرِيكِ النُّفُوسِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ ، وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ الْوُعَّاظُ دَيْدَنًا ، وَأَدْخَلُوهُ فِي أَثْنَاءِ وَعْظِهِمْ ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ ; فَالِاسْتِشْهَادُ بِالْمَعْنَى ; فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا ; فَمَقْبُولٌ ، وَإِلَّا فَلَا .

وَالسَّابِعُ : الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَثْبِيتِ الْمَعَانِي بِأَعْمَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ ، بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ تَحْسِينِ الظَّنِّ ، لَا زَائِدَ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَكُونُ أَعْمَالُهُمْ حُجَّةً ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ ، فَإِذَا أُخِذَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ فِيمَنْ يُحْسَنُ [ ص: 117 ] الظَّنُّ بِهِ ; فَهُوَ - عِنْدَمَا يَسْلَمُ مِنَ الْقَوَادِحِ - مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ; لِأَجْلِ مَيْلِ النَّاسِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ صَلَاحٌ وَفَضْلٌ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ اطِّرَادِ الصَّوَابِ فِي عَمَلِهِ ، وَلِجَوَازِ تَغَيُّرِهِ ; فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ - إِنْ سَلِمَ - هَذَا الْمَأْخَذَ .

وَالثَّامِنُ : كَلَامُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ; فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ أَوْغَلُوا فِي خِدْمَةِ مَوْلَاهُمْ ، حَتَّى أَعْرَضُوا عَنْ غَيْرِهِ جُمْلَةً ، فَمَالَ بِهِمْ هَذَا الطَّرَفُ إِلَى أَنْ تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ الِاطِّرَاحِ لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ ، وَأَعْرَبُوا عَنْ مُقْتَضَاهُ ، وَشَأْنُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ لَا يُطِيقُهُ الْجُمْهُورُ ، وَهُمْ إِنَّمَا يُكَلِّمُونَ بِهِ الْجُمْهُورَ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا ; فَفِي رُتْبَتِهِ لَا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ - فِي حَقِّ الْأَكْثَرِ - مِنَ الْحَرَجِ أَوْ تَكْلِيفِ مَالَا يُطَاقُ ، بَلْ رُبَّمَا ذَمُّوا بِإِطْلَاقٍ مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، وَفِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، فَصَارَ أَخْذُهُ بِإِطْلَاقٍ مُوقِعًا فِي مَفْسَدَةٍ ، بِخِلَافِ أَخْذِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ; فَلَيْسَ عَلَى هَذَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ ، وَمُسْتَحْسَنَاتِهِ .

وَالتَّاسِعُ : حَمْلُ بَعْضِ الْعُلُومِ عَلَى بَعْضٍ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ ; حَتَّى تَحْصُلَ الْفُتْيَا فِي أَحَدِهَا بِقَاعِدَةِ الْآخَرِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْتَمِعَ الْقَاعِدَتَانِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ حَقِيقِيٍّ ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ ; أَنَّهُ قَالَ : مَنْ بَرَعَ فِي عِلْمٍ وَاحِدٍ سَهُلَ [ ص: 118 ] عَلَيْهِ كُلُّ عِلْمٍ . فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي - وَكَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ الْفَرَّاءِ - : فَأَنْتَ قَدْ بَرَعْتَ فِي عِلْمِكَ ، فَخُذْ مَسْأَلَةً أَسْأَلُكَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِكَ : مَا تَقُولُ فِيمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ ، ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فَسَهَا فِي سُجُودِهِ أَيْضًا ؟

قَالَ الْفَرَّاءُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .

قَالَ : وَكَيْفَ ؟

قَالَ : لِأَنَّ التَّصْغِيرَ عِنْدَنَا لَا يُصَغَّرُ ، فَكَذَلِكَ السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَا يُسْجَدُ لَهُ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصْغِيرِ التَّصْغِيرِ ، فَالسُّجُودُ لِلسَّهْوِ هُوَ جَبْرٌ لِلصَّلَاةِ ، وَالْجَبْرُ لَا يُجْبَرُ ، كَمَا أَنَّ التَّصْغِيرَ لَا يُصَغَّرُ .

فَقَالَ الْقَاضِي : مَا حَسِبْتُ أَنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ مِثْلَكَ .

فَأَنْتَ تَرَى مَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ التَّصْغِيرِ وَالسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الضَّعْفِ ; إِذْ لَا يَجْمَعُهُمَا فِي الْمَعْنَى أَصْلٌ حَقِيقِيٌّ ، فَيُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ .

فَلَوْ جَمَعَهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ ; لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، كَمَسْأَلَةِ الْكِسَائِيِّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ .

رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ ، وَالْكِسَائِيُّ يُدَاعِبُهُ وَيُمَازِحُهُ ; فَقَالَ [ ص: 119 ] لَهُ أَبُو يُوسُفَ : هَذَا الْكُوفِيُّ قَدِ اسْتَفْرَغَكَ ، وَغَلَبَ عَلَيْكَ .

فَقَالَ : يَا أَبَا يُوسُفَ إِنَّهُ لَيَأْتِيَنِي بِأَشْيَاءَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا قَلْبِي .

فَأَقْبَلَ الْكِسَائِيُّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فَقَالَ : يَا أَبَا يُوسُفَ هَلْ لَكَ فِي مَسْأَلَةٍ ؟

فَقَالَ : نَحْوٌ أَمْ فِقْهٌ .

قَالَ : بَلْ فِقْهٌ .

فَضَحِكَ الرَّشِيدُ حَتَّى فَحَصَ بِرِجْلِهِ ، ثُمَّ قَالَ : تُلْقِي عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِقْهًا ؟

قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : يَا أَبَا يُوسُفَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ ، وَفَتَحَ أَنْ ؟

قَالَ : إِذَا دَخَلَتْ طَلَقَتْ .

قَالَ : أَخْطَأْتَ يَا أَبَا يُوسُفَ .

فَضَحِكَ الرَّشِيدُ ، ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ الصَّوَابُ ؟

قَالَ : إِذَا قَالَ أَنْ فَقَدْ وَجَبَ الْفِعْلُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ قَالَ إِنْ فَلَمْ يَجِبْ ، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ .

قَالَ : فَكَانَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَهَا لَا يَدْعُ أَنْ يَأْتِيَ الْكِسَائِيَّ .

[ ص: 120 ] فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلٍ لُغَوِيٍّ لَا بُدَّ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمَيْنِ .

فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ تُرْشِدُ النَّاظِرَ إِلَى مَا وَرَاءَهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الْعُلُومِ وَيَذَرُ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهَا يَسْتَفِزُّ النَّاظِرَ اسْتِحْسَانُهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ ; فَيَقْطَعُ فِيهَا عُمْرَهُ ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا مَا يُتَّخَذُ مُعْتَمَدًا فِي عَمَلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ ، فَيَخِيبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَعْيُهُ ، وَاللَّهُ الْوَاقِي .

وَمِنْ طَرِيفِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ : أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْبَنَّاءِ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ : لِمَ لَمْ تَعْمَلْ إِنَّ فِي هَذَانِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ الْآيَةَ [ طه : 63 ] ؟

فَقَالَ فِي الْجَوَابِ : لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرِ الْقَوْلُ فِي الْمَقُولِ لَمْ يُؤَثِّرِ الْعَامِلُ فِي الْمَعْمُولِ .

فَقَالَ السَّائِلَ : يَا سَيِّدِي ، وَمَا وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ عَمَلِ إِنَّ وَقَوْلِ الْكُفَّارِ فِي النَّبِيِّينَ ؟

فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ : يَا هَذَا إِنَّمَا جِئْتُكَ بِنُوَّارَةٍ يَحْسُنُ رَوْنَقُهَا ; فَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّ تَحُكَّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، ثُمَّ تَطْلُبَ مِنْهَا ذَلِكَ الرَّوْنَقَ - أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ -

فَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ مَا تَرَى ، وَبِعَرْضِهِ عَلَى الْعَقْلِ يَتَبَيَّنُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ ، وَلَا مِنَ الْمُلَحِ - : مَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا ظَنِّيٍّ ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِالْإِبْطَالِ [ ص: 121 ] مِمَّا صَحَّ كَوْنُهُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَالْقَوَاعِدِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهَا فِي الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ ، أَوْ كَانَ مُنْهَضًا إِلَى إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، فَهَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ ، وَلَا حَاكِمٍ ، وَلَا مُطَّرِدٍ أَيْضًا ، وَلَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُلَحَ هِيَ الَّتِي تَسْتَحْسِنُهَا الْعُقُولُ ، وَتَسْتَمْلِحُهَا النُّفُوسُ ; إِذْ لَيْسَ يَصْحَبُهَا مُنَفِّرٌ ، وَلَا هِيَ مِمَّا تُعَادِي الْعُلُومَ ; لِأَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ هَذَا الْقِسْمِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .

هَذَا وَإِنْ مَالَ بِقَوْمٍ فَاسْتَحْسَنُوهُ وَطَلَبُوهُ ; فَلِشِبْهِ عَارِضَةٍ وَاشْتِبَاهٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ ، فَرُبَّمَا عَدَّهُ الْأَغْبِيَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ ، فَمَالُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ، وَحَقِيقَةُ أَصْلِهِ وَهْمٌ وَتَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْأَهْوَاءِ ، كَالْإِغْرَابِ بِاسْتِجْلَابِ غَيْرِ الْمَعْهُودِ ، وَالْجَعْجَعَةِ بِإِدْرَاكِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الرَّاسِخُونَ ، وَالتَّبَجُّحِ بِأَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَشْهُورَاتِ مُطَالَبَ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ . . . ، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَطْلُوبٌ ، وَلَا يَحُورُ مِنْهُ صَاحِبُهُ إِلَّا بِالِافْتِضَاحِ عِنْدَ الِامْتِحَانِ حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْغَزَّالِيُّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَمَنْ تَعَرَّضَ لِبَيَانِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا .

وَمِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ مَا انْتَحَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ وَرَاءَ هَذَا الظَّاهِرِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَيْلِهِ بِعَقْلٍ ، وَلَا نَظَرٍ ، وَإِنَّمَا يُنَالُ مِنَ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ تَقْلِيدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ ، وَاسْتِنَادُهُمْ فِي جُمْلَةٍ مِنْ دَعَاوِيهِمْ إِلَى [ ص: 122 ] عِلْمِ الْحُرُوفِ ، وَعِلْمِ النُّجُومِ ، وَلَقَدِ اتَّسَعَ الْخَرْقُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى الرَّاقِعِ ; فَكَثُرَتِ الدَّعَاوَى عَلَى الشَّرِيعَةِ بِأَمْثَالِ مَا ادَّعَاهُ الْبَاطِنِيَّةُ ، حَتَّى آلَ ذَلِكَ إِلَى مَالَا يُعْقَلُ عَلَى حَالٍ ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَشْمَلُ هَذَا الْقِسْمُ مَا يَنْتَحِلُهُ أَهْلُ السَّفْسَطَةِ وَالْمُتَحَكِّمُونَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ ، [ ص: 123 ] وَلَا ثَمَرَةَ تُجْنَى مِنْهُ ، فَلَا تَعَلُّقَ بِهِ بِوَجْهٍ .
فَصْلٌ

وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّانِي ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي خَلْطِ بَعْضِ الْعُلُومِ بِبَعْضٍ ، كَالْفَقِيهِ يَبْنِي فِقْهَهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ مَثَلًا ، فَيَرْجِعُ إِلَى تَقْرِيرِهَا مَسْأَلَةً - كَمَا يُقَرِّرُهَا النَّحْوِيُّ - لَا مُقَدِّمَةً مُسَلَّمَةً ، ثُمَّ يَرُدُّ مَسْأَلَتَهُ الْفِقْهِيَّةَ إِلَيْهَا ، وَالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى أَنَّهَا مَفْرُوغٌ مِنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِيهَا ، وَفِي تَصْحِيحِهَا وَضَبْطِهَا ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا ، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّحْوِيُّ - صَارَ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ فَضْلًا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ ; إِذَا افْتَقَرَ إِلَى مَسْأَلَةٍ عَدَدِيَّةٍ ، فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَسْلَمَةً لِيُفَرِّعَ عَلَيْهَا فِي عِلْمِهِ ; فَإِنْ أَخَذَ يَبْسُطُ الْقَوْلَ فِيهَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَدَدِيُّ فِي عِلْمِ الْعَدَدِ ، كَانَ فَضْلًا مَعْدُودًا مِنَ الْمُلَحِ إِنْ عُدَّ مِنْهَا ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ الَّتِي يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا .

وَيَعْرِضُ أَيْضًا لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَصِيرَ مِنَ الثَّالِثِ ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَنْ يَتَبَجَّحُ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ ذِكْرِ كِبَارِ الْمَسَائِلِ لِمَنْ لَا يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ إِلَّا صِغَارَهَا ، عَلَى ضِدِّ التَّرْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ ، فَمِثْلُ هَذَا يُوقِعُ فِي مَصَائِبَ ، وَمِنْ أَجْلِهَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ ، [ ص: 124 ] أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " ، وَقَدْ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً عَلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ .

وَإِذَا عَرَضَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ لِلثَّانِي أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَّلِ .

فَلَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ فِي التَّرْبِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ إِلَّا الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُرَبِّيًا ، وَاحْتَاجَ هُوَ إِلَى عَالِمٍ يُرَبِّيهِ .

وَمِنْ هُنَا لَا يُسْمَحُ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ نَظَرَ مُفِيدٍ أَوْ مُسْتَفِيدٍ ; حَتَّى يَكُونَ رَيَّانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا ، مَنْقُولِهَا وَمَعْقُولِهَا ، غَيْرَ مُخْلِدٍ إِلَى التَّقْلِيدِ ، وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذْهَبِ ; فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هَكَذَا خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِ مَا أَوْدَعَ فِيهِ فِتْنَةً بِالْعَرَضِ ، وَإِنْ كَانَ حِكْمَةً بِالذَّاتِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
[ ص: 125 ] إِذَا تَعَاضَدَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ عَلَى الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ فَعَلَى شَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّقْلُ فَيَكُونَ مَتْبُوعًا ، وَيَتَأَخَّرَ الْعَقْلُ فَيَكُونَ تَابِعًا ، فَلَا يَسْرَحُ الْعَقْلُ فِي مَجَالِ النَّظَرِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُسَرِّحُهُ النَّقْلُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ :

الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْعَقْلِ تَخَطِّي مَأْخَذَ النَّقْلِ ; لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ النَّقْلُ فَائِدَةٌ ، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ حَدَّ لَهُ حَدًّا ، فَإِذَا جَازَ تَعَدِّيهِ صَارَ الْحَدُّ غَيْرَ مُفِيدٍ ، وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ .

وَالثَّانِي : مَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحَسِّنُ ، وَلَا يُقَبِّحُ ، وَلَوْ فَرَضْنَاهُ مُتَعَدِّيًا لِمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ ; لَكَانَ مُحَسِّنًا وَمُقَبِّحًا ، هَذَا خَلْفٌ .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2026, 11:36 AM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (10)
صـ126 إلى صـ145

فإن قيل : هذا مشكل من أوجه : الأول : أن هذا الرأي هو رأي الظاهرية ; لأنهم واقفون مع ظواهر النصوص من غير زيادة ولا نقصان ، وحاصله عدم اعتبار المعقول جملة ، ويتضمن نفي القياس الذي اتفق الأولون عليه .

والثاني : أنه قد ثبت للعقل التخصيص حسبما ذكره الأصوليون في نحو : والله على كل شيء قدير [ البقرة : 284 ] ، و " والله على كل شيء وكيل [ الأنعام : 102 ] ، و خالق كل شيء [ الرعد : 16 ] ، وهو نقص من مقتضى العموم ; فلتجز الزيادة لأنها بمعناه ، ولأن الوقوف دون حد النقل كالمجاوز [ ص: 132 ] له ، فكلاهما إبطال للحد على زعمك ، فإذا جاز إبطاله مع النقص ، جاز مع الزيادة ، ولما لم يعد هذا إبطالا للحد ; فلا يعد الآخر .

والثالث : أن للأصوليين قاعدة قضت بخلاف هذا القضاء ، وهي أن المعنى المناسب إذا كان جليا سابقا للفهم عند ذكر النص ، صح تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له ، والزيادة عليه ، ومثلوا ذلك بقوله عليه السلام : لا يقضي القاضي وهو غضبان فمنعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوشات ، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب ; فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقف ، وذلك خلاف ما أصلت ، وبالجملة ; فإنكار تصرفات العقول بأمثال هذا إنكار للمعلوم في أصول الفقه .

فالجواب : أن ما ذكرت لا إشكال فيه على ما تقرر .

[ ص: 133 ] أما الأول فليس القياس من تصرفات العقول محضا ، وإنما تصرفت فيه من تحت نظر الأدلة ، وعلى حسب ما أعطته من إطلاق أو تقييد ، وهذا مبين في موضعه من كتاب القياس ; فإنا إذا دلنا الشرع على أن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه معتبر ، وأنه من الأمور التي قصدها الشارع وأمر بها ، ونبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمل بها - فأين استقلال العقل بذلك ؟ بل هو مهتد فيه بالأدلة الشرعية ، يجري بمقدار ما أجرته ، ويقف حيث وقفته .

وأما الثاني ; فسيأتي في باب العموم والخصوص إن شاء الله أن الأدلة المنفصلة لا تخصص ، وإن سلم أنها تخصص ; فليس معنى تخصيصها أنها تتصرف في اللفظ المقصود به ظاهره ، بل هي مبينة أن الظاهر غير مقصود في الخطاب بأدلة شرعية دلت على ذلك ، فالعقل مثلها فقوله : والله على كل شيء قدير [ البقرة : 284 ] خصصه العقل بمعنى أنه لم يرد في العموم دخول ذات البارئ وصفاته ، لأن ذلك محال ، بل المراد جميع ما عدا ذلك ; فلم [ ص: 134 ] يخرج العقل عن مقتضى النقل بوجه ، وإذا كان كذلك ; لم يصح قياس المجاورة عليه .

وأما الثالث : فإن إلحاق كل مشوش بالغضب من باب القياس ، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ ، وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير ، فليس من تحكيم العقل ، بل من فهم معنى التشويش ، ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوش ؛ فجاز القضاء مع وجوده بناء على أنه غير مقصود في الخطاب .

هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى . وأن مطلق الغضب يتناوله اللفظ ، لكن خصصه المعنى .

والأمر أسهل من غير احتياج إلى تخصيص ; فإن لفظ غضبان ، وزنه فعلان ، وفعلان في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء مما اشتق منه ، فغضبان إنما يستعمل في الممتلئ غضبا ، كريان في الممتلئ ريا ، وعطشان في الممتلئ عطشا ، وأشباه ذلك ; لا أنه يستعمل في مطلق ما اشتق منه ، فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبا ; حتى كأنه قال : لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب ، أو ممتلئ من الغضب ، وهذا هو المشوش ، فخرج المعنى عن كونه مخصصا ، وصار خروج يسير الغضب عن النهي بمقتضى اللفظ لا بحكم [ ص: 135 ] المعنى ، وقيس على مشوش الغضب كل مشوش ؛ فلا تجاوز للعقل إذا .

وعلى كل تقدير ; فالعقل لا يحكم على النقل في أمثال هذه الأشياء ، وبذلك ظهرت صحة ما تقدم .
[ ص: 136 ] [ ص: 137 ] لما ثبت أن العلم المعتبر شرعا هو ما ينبني عليه عمل ; صار ذلك منحصرا فيما دلت عليه الأدلة الشرعية ، فما اقتضته فهو العلم الذي طلب من المكلف أن يعلمه في الجملة ، وهذا ظاهر ; غير أن الشأن إنما هو في حصر الأدلة الشرعية ، فإذا انحصرت ; انحصرت مدارك العلم الشرعي ، وهذا مذكور في كتاب الأدلة الشرعية حسبما يأتي إن شاء الله .
[ ص: 138 ] [ ص: 139 ] من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام .

وذلك أن الله خلق الإنسان لا يعلم شيئا ، ثم علمه ، وبصره ، وهداه طرق مصلحته في الحياة الدنيا ; غير أن ما علمه من ذلك على ضربين :

ضرب منها ضروري ، داخل عليه من غير علم من أين ولا كيف ، بل هو مغروز فيه من أصل الخلقة ، كالتقامه الثدي ، ومصه له عند خروجه من البطن إلى الدنيا - هذا من المحسوسات - وكعلمه بوجوده ، وأن النقيضين لا يجتمعان من جملة المعقولات .

وضرب منها بوساطة التعليم ، شعر بذلك أو لا ، كوجوه التصرفات الضرورية ، نحو محاكاة الأصوات ، والنطق بالكلمات ، ومعرفة أسماء الأشياء - في المحسوسات ، وكالعلوم النظرية التي للعقل في تحصيلها مجال ونظر - في المعقولات .

[ ص: 140 ] وكلامنا من ذلك فيما يفتقر إلى نظر وتبصر ; فلا بد من معلم فيها ، وإن كان الناس قد اختلفوا هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا ، فالإمكان مسلم ، ولكن الواقع في مجاري العادات أن لابد من المعلم ، وهو متفق عليه في الجملة ، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل كاختلاف جمهور الأمة والإمامية - وهم الذين يشترطون المعصوم - والحق مع السواد الأعظم الذي لا يشترط العصمة من جهة أنها مختصة بالأنبياء عليهم السلام ، ومع ذلك فهم مقرون بافتقار الجاهل إلى المعلم ، علما كان المعلم أو عملا ، واتفاق الناس على ذلك في الوقوع وجريان العادة به - كاف في أنه لا بد منه ، وقد قالوا إن العلم كان في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتب ، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال ، وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال ; إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم ، وأصل هذا في الصحيح : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبضه بقبض العلماء الحديث ، فإذا كان كذلك ; فالرجال هم مفاتحه بلا شك .

فإذا تقرر هذا ; فلا يؤخذ إلا ممن تحقق به ، وهذا أيضا واضح في نفسه ، وهو أيضا متفق عليه بين العقلاء ; إذ من شروطهم في العالم بأي علم اتفق ؛ أن يكون عارفا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم ، قادرا على التعبير عن مقصوده فيه ، عارفا بما يلزم عنه ، قائما على دفع الشبه الواردة عليه فيه ، فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه ، وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشرعية ; وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال .

غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ ألبتة ، لأن فروع كل علم إذا انتشرت ، [ ص: 141 ] وانبنى بعضها على بعض - اشتبهت ، وربما تصور تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد ، فأشكلت أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول ، فأهملها العالم من حيث خفيت عليه ، وهي في نفس الأمر على غير ذلك ، أو تعارضت وجوه الشبه فتشابه الأمر ، فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح ، وأشباه ذلك ; فلا يقدح في كونه عالما ، ولا يضر في كونه إماما مقتدى به ; فإن قصر عن استيفاء الشروط نقص عن رتبة الكمال بمقدار ذلك النقصان ; فلا يستحق الرتبة الكمالية ما لم يكمل ما نقص .
فصل

وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم ، وإن خالفتها في النظر ، وهي ثلاث : إحداها : العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقا لفعله ; فإن كان مخالفا له ; فليس بأهل لأن يؤخذ عنه ، ولا أن يقتدى به في علم ، وهذا المعنى مبين على الكمال في كتاب الاجتهاد ، والحمد لله .

[ ص: 142 ] والثانية : أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم ، وملازمته لهم ، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك ، وهكذا كان شأن السلف الصالح .

فأول ذلك ملازمة الصحابة - رضي الله عنهم - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذهم بأقواله وأفعاله ، واعتمادهم على ما يرد منه كائنا ما كان ، وعلى أي وجه صدر ، فهم فهموا مغزى ما أراد به أولا حتى علموا ، وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض ، والحكمة التي لا ينكسر قانونها ، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها ، وإنما ذلك بكثرة الملازمة ، وشدة المثابرة .

وتأمل قصة عمر بن الخطاب في صلح الحديبية ; حيث قال : يا رسول الله ألسنا على حق ، وهم على باطل ؟ قال : بلى .

قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

قال : بلى .

قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟

قال : يا ابن الخطاب ، إني رسول الله ، ولن يضيعني الله أبدا
.

[ ص: 143 ] فانطلق عمر ولم يصبر ، متغيظا ، فأتى أبا بكر ; فقال له مثل ذلك .

فقال أبو بكر : إنه رسول الله ، ولن يضيعه الله أبدا .

قال : فنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه ; فقال : يا رسول الله أوفتح هو ؟ قال نعم . فطابت نفسه ، ورجع .

فهذا من فوائد الملازمة ، والانقياد للعلماء ، والصبر عليهم في مواطن الإشكال حتى لاح البرهان للعيان .

وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين : " أيها الناس اتهموا رأيكم ، والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ، ولو أنى أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته " ، وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال ، وإنما نزلت سورة [ ص: 144 ] الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة ، لشدة الإشكال عليهم ، والتباس الأمر ، ولكنهم سلموا ، وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن ، فزال الإشكال والالتباس .

وصار مثل ذلك أصلا لمن بعدهم ; فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا ، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية ، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة واشتهر في قرنه بمثل ذلك ، وقلما وجدت فرقة زائغة ، ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف ، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري ، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ، ولا تأدب بآدابهم ، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون ، كالأئمة الأربعة وأشباههم .

والثالثة : الاقتداء بمن أخذ عنه ، والتأدب بأدبه ، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء التابعين بالصحابة ، وهكذا في كل قرن ، وبهذا [ ص: 145 ] الوصف امتاز مالك عن أضرابه ، أعني بشدة الاتصاف به ، وإلا فالجميع ممن يهتدى به في الدين ، كذلك كانوا ، ولكن مالكا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى ، فلما ترك هذا الوصف ; رفعت البدع رءوسها ، لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك ، أصله اتباع الهوى ، ولهذا المعنى تقرير في كتاب الاجتهاد بحول الله تعالى .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 03:45 PM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (11)
صـ146 إلى صـ166

فصل

وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله ، فلذلك طريقان : أحدهما : المشافهة ، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما ؛ لوجهين :

الأول : خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم يشهدها كل من زاول العلم والعلماء ، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ، ويرددها على قلبه فلا يفهمها ; فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة ، وحصل له العلم بها بالحضرة ، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال ، وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال ، وقد يحصل بأمر غير معتاد ، ولكن بأمر يهبه الله لمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ، ظاهر الفقر ، بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه .

وهذا ليس ينكر ; فقد نبه عليه الحديث الذي جاء : إن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحديث حنظلة الأسيدي حين شكا إلى [ ص: 146 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كانوا على حالة يرضونها ، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو أنكم تكونون كما تكونون عندي ; لأظلتكم الملائكة بأجنحتها .

وقد قال عمر بن الخطاب : " وافقت ربي في ثلاث " ، وهي من فوائد [ ص: 147 ] مجالسة العلماء ; إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم ، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم ، وتأدبهم معه ، واقتدائهم به ، فهذا الطريق نافع على كل تقدير .

وقد كان المتقدمون لا يكتب منهم إلا القليل ، وكانوا يكرهون ذلك ، وقد كرهه مالك ; فقيل له : فما نصنع ؟ قال : تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ، ثم لا تحتاجون إلى الكتابة ، وحكي عن عمر بن الخطاب كراهية الكتابة ، وإنما ترخص الناس في ذلك عندما حدث النسيان ، وخيف على الشريعة الاندراس .

الطريق الثاني : مطالعة كتب المصنفين ، ومدوني الدواوين ، وهو أيضا نافع في بابه ; بشرطين : الأول : أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ، ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب ، وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه ، وهو معنى قول من قال : " كان العلم [ ص: 148 ] في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتب ، ومفاتحه بأيدي الرجال " ، والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء ، وهو مشاهد معتاد .

والشرط الآخر : أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ; فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، وأصل ذلك التجربة ، والخبر .

أما التجربة ; فهو أمر مشاهد في أي علم كان ; فالمتأخر لا يبلغ من [ ص: 149 ] الرسوخ في علم ما يبلغه المتقدم ، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري ، فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين ، وعلومهم في التحقيق أقعد ، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين ، والتابعون ليسوا كتابعيهم ، وهكذا إلى الآن ، ومن طالع سيرهم ، وأقوالهم ، وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى .

وأما الخبر ففي الحديث خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك ; وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أول دينكم نبوة ورحمة ، ثم ملك ورحمة ، ثم ملك وجبرية ، ثم ملك عضوض . ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير ، وتكاثر الشر شيئا بعد [ ص: 150 ] شيء ، ويندرج ما نحن فيه تحت الإطلاق .

وعن ابن مسعود ; أنه قال : " ليس عام إلا الذي بعده شر منه ، لا أقول عام أمطر من عام ، ولا عام أخصب من عام ، ولا أمير خير من أمير ، ولكن ذهاب خياركم ، وعلمائكم ، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم ، فيهدم الإسلام ، ويثلم " .

[ ص: 151 ] ومعناه موجود في [ الصحيح ] في قوله : ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم ; فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم ، فيضلون ويضلون .

وقال عليه السلام إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قيل : من الغرباء ؟ قال : النزاع من القبائل .

وفي رواية : قيل : ومن الغرباء يا رسول الله . قال : الذين يصلحون عند فساد الناس [ ص: 152 ] وعن أبي إدريس الخولاني : " إن للإسلام عرى يتعلق الناس بها ، وإنها تمتلخ عروة عروة " .

وعن بعضهم : " تذهب السنة سنة سنة ، كما يذهب الحبل قوة قوة " .

وتلا أبو هريرة قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح الآية [ النصر : 1 ] .

ثم قال : " والذي نفسي بيده ليخرجن من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا " .

[ ص: 153 ] وعن عبد الله ; قال : " أتدرون كيف ينقص الإسلام ؟ قالوا : نعم ، كما ينقص صبغ الثوب ، وكما ينقص سمن الدابة . فقال عبد الله : ذلك منه " .

ولما نزل قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : 3 ] بكى عمر فقال عليه السلام [ له ] : ما يبكيك ؟ قال : يا رسول الله ! إنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل ; فلم يكمل شيء قط إلا نقص . فقال عليه السلام : صدقت .

والأخبار هنا كثيرة ، وهي تدل على نقص الدين والدنيا ، وأعظم ذلك العلم ; فهو إذا في نقص بلا شك .

فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم - أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم ، على أي نوع كان ، وخصوصا علم الشريعة الذي هو [ ص: 154 ] العروة الوثقى ، والوزر الأحمى ، وبالله تعالى التوفيق .
[ ص: 155 ] كل أصل علمي يتخذ إماما في العمل فلا يخلو إما أن يجري به العمل على مجاري العادات في مثله ، بحيث لا ينخرم منه ركن ولا شرط ، أو لا ، فإن جرى فذلك الأصل صحيح ، وإلا ; فلا .

وبيانه أن العلم المطلوب إنما يراد - بالفرض - لتقع الأعمال في الوجود على وفقه من غير تخلف ، كانت الأعمال قلبية أو لسانية أو من أعمال الجوارح ، فإذا جرت في المعتاد على وفقه من غير تخلف فهو حقيقة العلم بالنسبة إليه ، وإلا لم يكن بالنسبة إليه علما لتخلفه ، وذلك فاسد لأنه من باب انقلاب العلم جهلا .

ومثاله في علم الشريعة الذي نحن في تأصيل أصوله : أنه قد تبين في أصول الدين امتناع التخلف في خبر الله تعالى ، وخبر رسوله ، وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاق ، وألحق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد ، فإذا كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطرد ، ولا استقام بحسبها في العادة ; فليس بأصل يعتمد عليه ، [ ص: 156 ] ولا قاعدة يستند إليها .

ويقع ذلك في فهم الأقوال ، ومجاري الأساليب ، والدخول في الأعمال .

فأما فهم الأقوال ; فمثل قوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا [ النساء : 141 ] إن حمل على أنه إخبار ; لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله ، فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ويطرد عليه ، وهو تقرير الحكم الشرعي ، فعليه يجب أن يحمل .

[ ص: 157 ] ومثله قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [ البقرة : 233 ] ، إن حمل على أنه تقرير حكم شرعي ، استمر وحصلت الفائدة ، وإن حمل على أنه إخبار بشأن الوالدات لم تتحكم فيه فائدة زائدة على ما علم قبل الآية .

وأما مجاري الأساليب فمثل قوله : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا إلخ [ المائدة : 93 ] .

فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم ، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط ، ومن جملته الخمر ، لكن هذا الظاهر يفسد جريان [ ص: 158 ] الفهم في الأسلوب ، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر ، لأن الله تعالى لما حرم الخمر ; قال : ليس على الذين آمنوا فكان هذا نقضا للتحريم فاجتمع الإذن والنهي معا ، فلا يمكن للمكلف امتثال .

ومن هنا خطأ عمر بن الخطاب من تأول في الآية أنها عائدة إلى ما تقدم من التحريم في الخمر ، وقال له " إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله " .

إذ لا يصح أن يقال للمكلف : اجتنب كذا ، ويؤكد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدا ، ثم يقال : فإن فعلت فلا جناح عليك .

[ ص: 159 ] وأيضا ; فإن الله أخبر أنها تصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وتوقع العداوة والبغضاء بين المتحابين في الله ، وهو بعد استقرار التحريم كالمنافي لقوله : إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات [ المائدة : 93 ] ; فلا يمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شربت ; لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يطاق .

وأما الدخول في الأعمال ; فهو العمدة في المسألة ، وهو الأصل في القول بالاستحسان والمصالح المرسلة ; لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعا أو عقلا ، فهو غير جار على استقامة ولا اطراد ، فلا يستمر الإطلاق ، وهو الأصل أيضا لكل من تكلم في مشكلات القرآن أو السنة ، لما يلزم في حمل مواردها على عمومها أو إطلاقها من المخالفة المذكورة حتى تقيد بالقيود المقتضية للاطراد والاستمرار فتصح ، وفي ضمنه تدخل أحكام الرخص ; إذ هو الحاكم فيها ، والفارق بين ما تدخله الرخصة وما لا .

ومن لم يلاحظه في تقرير القواعد الشرعية ; لم يأمن الغلط ، بل كثيرا ما تجد خرم هذا الأصل في أصول المتبعين للمتشابهات ، والطوائف المعدودين في الفرق الضالة عن الصراط المستقيم ، كما أنه قد يعتري ذلك في مسائل الاجتهاد المختلف فيها عند الأئمة المعتبرين والشيوخ المتقدمين .

وسأمثل لك بمسألتين وقعت المذاكرة بهما مع بعض شيوخ العصر : [ ص: 160 ] إحداهما : أنه كتب إلي بعض شيوخ المغرب في فصل يتضمن ما يجب على طالب الآخرة النظر فيه ، والشغل به ، فقال فيه : " وإذا شغله شاغل عن لحظة في صلاته ; فرغ سره منه بالخروج عنه ، ولو كان يساوي خمسين ألفا كما فعله المتقون " .

فاستشكلت هذا الكلام ، وكتبت إليه بأن قلت : أما أنه مطلوب بتفريغ السر منه فصحيح ، وأما أن تفريغ السر بالخروج عنه واجب ، فلا أدري ما هذا الوجوب ؟ ولو كان واجبا بإطلاق لوجب على جميع الناس الخروج عن ضياعهم ، وديارهم ، وقراهم ، وأزواجهم ، وذرياتهم ، وغير ذلك مما يقع لهم [ ص: 161 ] به الشغل في الصلاة ، وإلى هذا ; فقد يكون الخروج عن المال سببا للشغل في الصلاة أكثر من شغله بالمال .

وأيضا ; فإذا كان الفقر هو الشاغل فماذا يفعل ; فإنا نجد كثيرا ممن يحصل له الشغل بسبب الإقلال ، ولا سيما إن كان له عيال لا يجد إلى إغاثتهم سبيلا ، ولا يخلو أكثر الناس عن الشغل بآحاد هذه الأشياء ، أفيجب على هؤلاء الخروج عما سبب لهم الشغل في الصلاة ، هذا ما لا يفهم ، وإنما الجاري على الفقه والاجتهاد في العبادة طلب مجاهدة الخواطر الشاغلة خاصة ، وقد يندب إلى الخروج عما شأنه أن يشغله من مال أو غيره ، إن أمكنه الخروج عنه شرعا ، وكان مما لا يؤثر فيه فقده تأثيرا يؤدي إلى مثل ما فر منه أو أعظم ، ثم ينظر بعد في حكم الصلاة الواقع فيها الشغل كيف حال صاحبها من وجوب الإعادة أو استحبابها أو سقوطها ؟ وله موضع غير هذا . اه حاصل المسألة .

فلما وصل إليه ذلك ; كتب إلي بما يقتضي التسليم فيه ، وهو صحيح ; لأن القول بإطلاق الخروج عن ذلك كله غير جار في الواقع على استقامة ; لاختلاف أحوال الناس فلا يصح اعتماده أصلا فقهيا ألبتة .

والثانية : مسألة الورع بالخروج عن الخلاف ; فإن كثيرا من المتأخرين يعدون الخروج عنه في الأعمال التكليفية مطلوبا ، وأدخلوا في المتشابهات المسائل المختلف فيها .

[ ص: 162 ] ولا زلت منذ زمان استشكله حتى كتبت فيها إلى المغرب ، وإلى إفريقية ; فلم يأتني جواب بما يشفي الصدر ، بل كان من جملة الإشكالات الواردة ; أن جمهور مسائل الفقه مختلف فيها اختلافا يعتد به ، فيصير إذا أكثر مسائل الشريعة من المتشابهات ، وهو خلاف وضع الشريعة .

وأيضا ; فقد صار الورع من أشد الحرج ; إذ لا تخلو لأحد في الغالب عبادة ، ولا معاملة ، ولا أمر من أمور التكليف ، من خلاف يطلب الخروج عنه ، وفي هذا ما فيه .

فأجاب بعضهم : بأن المراد بأن المختلف فيه من المتشابه ؛ المختلف [ ص: 163 ] فيه اختلافا دلائل أقواله متساوية أو متقاربة ، وليس أكثر مسائل الفقه هكذا ، بل الموصوف بذلك أقلها لمن تأمل من محصلي موارد التأمل ، وحينئذ لا يكون المتشابه منها إلا الأقل ، وأما الورع من حيث ذاته ، ولو في هذا النوع فقط - فشديد مشق ، لا يحصله إلا من وفقه الله إلى كثرة استحضار لوازم فعل المنهي [ ص: 164 ] عنه ، وقد قال عليه السلام حفت الجنة بالمكاره ، هذا ما أجاب به .

فكتبت إليه : بأن ما قررتم من الجواب غير بين ؛ لأنه إنما يجري في المجتهد وحده ، والمجتهد إنما يتورع عند تعارض الأدلة لا عند تعارض الأقوال ، فليس مما نحن فيه ، وأما المقلد ; فقد نص صاحب هذا الورع الخاص على طلب خروجه من الخلاف إلى الإجماع ، وإن كان من أفتاه أفضل العلماء المختلفين ، والعامي في عامة أحواله لا يدري من الذي دليله أقوى من المختلفين ، والذي دليله أضعف ، ولا يعلم هل تساوت أدلتهم أو تقاربت أم لا ; لأن هذا لا يعرفه إلا من كان أهلا للنظر ، وليس العامي كذلك ; وإنما بني الإشكال على اتقاء الخلاف المعتد به ، والخلاف المعتد به موجود في أكثر مسائل الشريعة ، والخلاف الذي لا يعتد به قليل كالخلاف في المتعة ، وربا النساء ، ومحاش النساء ، وما أشبه ذلك .

[ ص: 165 ] وأيضا ; فتساوي الأدلة أو تقاربها أمر إضافي بالنسبة إلى أنظار المجتهدين ، فرب دليلين يكونان عند بعض متساويين أو متقاربين ، ولا يكونان كذلك عند بعض ; فلا يتحصل للعامي ضابط يرجع إليه فيما يجتنبه من الخلاف مما لا يجتنبه ، ولا يمكنه الرجوع في ذلك إلى المجتهد ; لأن ما يأمره به من الاجتناب أو عدمه راجع إلى نظره واجتهاده ، واتباع نظره وحده في ذلك تقليد له ، من غير أن يخرج عن الخلاف ، لا سيما إن كان هذا المجتهد يدعي أن قول خصمه ضعيف لا يعتبر مثله ، وهكذا الأمر فيما إذا راجع المجتهد الآخر ، فلا يزال العامي في حيرة إن اتبع هذه الأمور ، وهو شديد جدا ، ومن يشاد هذا الدين يغلبه ، وهذا هو الذي أشكل على السائل ، ولم يتبين جوابه بعد .

ولا كلام في أن الورع شديد في نفسه ، كما أنه لا إشكال في أن التزام التقوى شديد ; إلا أن شدته ليست من جهة إيقاع ذلك بالفعل ; لأن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج ، بل من جهة قطع مألوفات النفس وصدها عن هواها خاصة .

وإذا تأملنا مناط المسألة وجدنا الفرق بين هذا الورع الخاص وغيره من أنواع الورع - بينا ; فإن سائر أنواع الورع سهل في الوقوع ، وإن كان شديدا في مخالفة النفس ، وورع الخروج من الخلاف صعب في الوقوع قبل النظر في [ ص: 166 ] مخالفة النفس ; فقد تبين مقصود السائل بالشدة والحرج ، وأنه ليس ما أشرتم إليه . اه . ما كتبت به ، وهنا وقف الكلام بيني وبينه .

ومن تأمل هذا التقرير ; عرف أن ما أجاب به هذا الرجل لا يطرد ، ولا يجري في الواقع مجرى الاستقامة للزوم الحرج في وقوعه ; فلا يصح أن يستند إليه ، ولا يجعل أصلا يبنى عليه .

والأمثلة كثيرة ; فاحتفظ بهذا الأصل ; فهو مفيد جدا ، وعليه ينبني كثير من مسائل الورع ، وتمييز المتشابهات ، وما يعتبر من وجه الاشتباه وما لا يعتبر ، وفي أثناء الكتاب مسائل تحققه إن شاء الله .





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 03:48 PM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (12)
صـ167 إلى صـ195

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كتاب الأحكام

والأحكام الشرعية قسمان : أحدهما يرجع إلى خطاب التكليف ، والآخر يرجع إلى خطاب الوضع ; فالأول ينحصر في الخمسة ; فلنتكلم على ما يتعلق بها من المسائل ، وهي جملة : [ ص: 170 ] [ ص: 171 ] القسم الأول

خطاب التكليف

المسألة الأولى

[ في المباح ]

المباح من حيث هو مباح لا يكون مطلوب الفعل ، ولا مطلوب الاجتناب ، أما كونه ليس بمطلوب الاجتناب ; فلأمور :

[ ص: 172 ] أحدها : أن المباح عند الشارع هو المخير فيه بين الفعل والترك ، من غير مدح ولا ذم ، لا على الفعل ، ولا على الترك ، فإذا تحقق الاستواء شرعا والتخيير ، لم يتصور أن يكون التارك به مطيعا ، لعدم تعلق الطلب بالترك ; فإن الطاعة لا تكون إلا مع الطلب ، ولا طلب فلا طاعة .

والثاني : أن المباح مساو للواجب والمندوب في أن كل واحد منهما غير مطلوب الترك ، فكما يستحيل أن يكون تارك الواجب والمندوب مطيعا بتركه شرعا ; لكون الشارع لم يطلب الترك فيهما ، كذلك يستحيل أن يكون تارك المباح مطيعا شرعا .

لا يقال : إن الواجب والمندوب يفارقان المباح بأنهما مطلوبا الفعل ; فقد قام المعارض لطلب الترك ، وليس المباح كذلك ; فإنه لا معارض لطلب الترك فيه .

لأنا نقول : كذلك المباح فيه معارض لطلب الترك ، وهو التخيير في الترك ; فيستحيل الجمع بين طلب الترك عينا ، وبين التخيير فيه . والثالث : أنه إذا تقرر استواء الفعل والترك في المباح شرعا ، فلو جاز أن يكون تارك المباح مطيعا بتركه ; جاز أن يكون فاعله مطيعا بفعله ، من حيث كانا مستويين بالنسبة إليه ، وهذا غير صحيح باتفاق ، ولا معقول في نفسه .

[ ص: 173 ] والرابع : إجماع المسلمين على أن ناذر ترك المباح لا يلزمه الوفاء بنذره ، بأن يترك ذلك المباح ، وأنه كنذر فعله .

وفي الحديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه ، فلو كان ترك المباح طاعة للزم بالنذر ، لكنه غير لازم ; فدل على أنه ليس بطاعة .

وفي الحديث : أن رجلا نذر أن يصوم قائما ، ولا يستظل ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجلس ، وأن يستظل ، ويتم صومه ، قال مالك : أمره عليه السلام أن يتم ما كان لله طاعة ، ويترك ما كان لله معصية ; فجعل نذر ترك المباح معصية كما ترى .

[ ص: 174 ] والخامس : أنه لو كان تارك المباح مطيعا بتركه - وقد فرضنا أن تركه وفعله عند الشارع سواء - لكان أرفع درجة في الآخرة ممن فعله ، وهذا باطل قطعا ; فإن القاعدة المتفق عليها أن الدرجات في الآخرة منزلة على أمور الدنيا ، فإذا تحقق الاستواء في الدرجات ، وفعل المباح وتركه في نظر الشارع متساويان ، فيلزم تساوي درجتي الفاعل والتارك إذا فرضنا تساويهما في الطاعات ، والفرض أن التارك مطيع دون الفاعل ، فيلزم أن يكون أرفع درجة منه ، هذا خلف ومخالف لما جاءت به الشريعة ، اللهم إلا أن يظلم الإنسان فيؤجر على ذلك وإن لم يطع ; فلا [ ص: 175 ] كلام في هذا .

والسادس : أنه لو كان ترك المباح طاعة ; للزم رفع المباح من أحكام الشرع ، من حيث النظر إليه في نفسه ، وهو باطل بالإجماع ، ولا يخالف في هذا الكعبي ; لأنه إنما نفاه بالنظر إلى ما يستلزم ، لا بالنظر إلى ذات الفعل ، وكلامنا إنما هو بالنظر إلى ذات الفعل لا بالنظر إلى ما يستلزم .

وأيضا ; فإنما قال الكعبي ما قال بالنظر إلى فعل المباح ; لأنه مستلزم ترك حرام ، بخلافه بالنظر إلى تركه ; إذ لا يستلزم تركه فعل واجب فيكون واجبا ، ولا فعل مندوب فيكون مندوبا ، فثبت أن القول بذلك يؤدي إلى رفع المباح بإطلاق ، وذلك باطل باتفاق .

والسابع : أن الترك عند المحققين فعل من الأفعال الداخلة تحت الاختيار ; فترك المباح إذا فعل مباح .

وأيضا ; القاعدة أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال أو بالتروك بالمقاصد ، [ ص: 176 ] حسبما يأتي إن شاء الله ، وذلك يستلزم رجوع الترك إلى الاختيار كالفعل ; فإن جاز أن يكون تارك المباح مطيعا بنفس الترك ، جاز أن يكون فاعله مطيعا ، وذلك تناقض محال .

فإن قيل : هذا كله معارض بأمور :

أحدها : أن فعل المباح سبب في مضار كثيرة : منها أن فيه اشتغالا عما هو الأهم في الدنيا من العمل بنوافل الخيرات ، وصدا عن كثير من الطاعات .

ومنها أنه سبب في الاشتغال عن الواجبات ، ووسيلة إلى الممنوعات ، لأن التمتع بالدنيا له ضراوة كضراوة الخمر ، وبعضها يجر إلى بعض إلى أن تهوي بصاحبها في المهلكة ، والعياذ بالله .

ومنها أن الشرع قد جاء بذم الدنيا والتمتع بلذاتها ; كقوله تعالى : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا [ الأحقاف : 20 ] .

[ وقوله ] : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها [ هود : 15 ] .

وفي الحديث : إن أخوف ما أخاف عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم الحديث . وفيه : إن مما ينبت الربيع ما يقتل [ ص: 177 ] حبطا أو يلم .

وذلك كثير شهير في الكتاب والسنة ، وهو كاف في طلب ترك المباح ; لأنه أمر دنيوي لا يتعلق بالآخرة من حيث هو مباح .

- ومنها : ما فيه من التعرض لطول الحساب في الآخرة ، وقد جاء : إن حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، وعن بعضهم : " اعزلوا عني حسابها " ، [ ص: 178 ] حين أتي بشيء يتناوله ، والعاقل يعلم أن طول الحساب نوع من العذاب ، وأن سرعة الانصراف من الموقف إلى الجنة من أعظم المقاصد ، والمباح صاد عن ذلك ; فإذا تركه أفضل شرعا ، فهو طاعة ، فترك المباح طاعة .

فالجواب : أن كونه سببا في مضار - لا دليل فيه من أوجه : أحدها : أن الكلام في أصل المسألة إنما هو في المباح من حيث هو مباح متساوي الطرفين ، ولم يتكلم فيما إذا كان ذريعة إلى أمر آخر ; فإنه إذا كان ذريعة إلى ممنوع ; صار ممنوعا من باب سد الذرائع ، لا من جهة كونه مباحا ، [ ص: 179 ] وعلى هذا يتنزل قول من قال : " كنا ندع ما لا بأس به حذرا لما به البأس " . وروي مرفوعا .

وكذلك كل ما جاء من هذا الباب ; فذم الدنيا إنما هو لأجل أنها تصير ذريعة إلى تعطيل التكاليف .

وأيضا ; فقد يتعلق بالمباح في سوابقه أو لواحقه أو قرائنه ما يصير به غير مباح ، كالمال إذا لم تؤد زكاته ، والخيل إذا ربطها تعففا ، ولكن نسي حق الله في رقابها ، وما أشبه ذلك .

والثاني : أنا إذا نظرنا إلى كونه وسيلة ; فليس تركه أفضل بإطلاق ، بل هو ثلاثة أقسام :

قسم يكون ذريعة إلى منهي عنه ، فيكون من تلك الجهة مطلوب الترك .

وقسم يكون ذريعة إلى مأمور به ; كالمستعان به على أمر أخروي ; ففي الحديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح ، وفيه : ذهب أهل الدثور [ ص: 180 ] بالأجور والدرجات العلا والنعيم المقيم . . . إلى أن قال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، بل قد جاء أن في مجامعة الأهل أجرا ، وإن كان قاضيا لشهوته ; لأنه يكف به عن الحرام ، وذلك في الشريعة كثير ; لأنها لما كانت وسائل إلى مأمور به ، كان لها حكم ما توسل بها إليه .

وقسم لا يكون ذريعة إلى شيء ; فهو المباح المطلق ، وعلى الجملة فإذا فرض ذريعة إلى غيره ; فحكمه حكم ذلك الغير ، وليس الكلام فيه .

والثالث : أنه إذا قيل : إن ترك المباح طاعة على الإطلاق ; لكونه وسيلة إلى ما ينهى عنه ، فهو معارض بمثله ; فيقال : بل فعله طاعة بإطلاق ; لأن كل مباح ترك حرام ، ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح ، فقد شغل النفس به عن جميعها ، وهذا الثاني أولى ; لأن الكلية هنا تصح ، ولا يصح أن يقال : كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهي عنه بإطلاق ، فظهر أن ما اعترض به لا ينهض دليلا على أن ترك المباح طاعة .

وأما قوله : " إنه سبب في طول الحساب " فجوابه من أوجه : أحدها : أن فاعل المباح إن كان يحاسب عليه ; لزم أن يكون التارك [ ص: 181 ] محاسبا على تركه ، من حيث كان الترك فعلا ، ولاستواء نسبة الفعل والترك شرعا ، وإذ ذاك يتناقض الأمر على فرض المباح ، وذلك محال فما أدى إليه مثله .

وأيضا ; فإنه إذا تمسك بأن حلالها حساب ، ثم قضى بأن التارك لا يحاسب ، مع أنه آت بحلال وهو الترك ، فقد صار الحلال سببا لطول الحساب وغير سبب له ، لأن طول الحساب إنما نيط به من جهة كونه حلالا بالفرض ، وهذا تناقض من القول .

والثاني : أن الحساب إن كان ينهض سببا لطلب الترك ، لزم أن يطلب ترك الطاعات من حيث كانت مسئولا عنها كلها ، فقد قال تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ الأعراف : 6 ] فقد انحتم على الرسل عليهم الصلاة والسلام ، أن يسألوا عن الرسالة وتبليغ الشريعة ، ولم يكن هذا مانعا من الإتيان بذلك ، وكذلك سائر المكلفين .

لا يقال : إن الطاعات يعارض طلب تركها طلبها .

لأنا نقول : كذلك المباح ؛ يعارض طلب تركه التخيير فيه ، وإن فعله وتركه في قصد الشارع بمثابة واحدة .

والثالث : أن ما ذكر من الحساب على تناول الحلال قد يقال : إنه راجع إلى أمر خارج عن نفس المباح ; فإن المباح هو أكل كذا مثلا ، وله مقدمات وشروط ولواحق لا بد من مراعاتها ، فإذا روعيت صار الأكل مباحا ، وإن لم تراع كان التسبب والتناول غير مباح .

وعلى الجملة فالمباح كغيره من الأفعال له أركان ، وشروط ، وموانع ، ولواحق تراعى ، والترك في هذا كله كالفعل ، فكما أنه إذا تسبب للفعل ، كان تسببه مسئولا عنه ، كذلك إذا تسبب إلى الترك كان مسئولا عنه .

[ ص: 182 ] ولا يقال : إن الفعل كثير الشروط والموانع ، ومفتقر إلى أركان بخلاف الترك ; فإن ذلك فيه قليل ، وقد يكفي مجرد القصد إلى الترك .

لأنا نقول : حقيقة المباح إنما تنشأ بمقدمات ، كان فعلا أو تركا ، ولو بمجرد القصد .

وأيضا ; فإن الحقوق تتعلق بالترك كما تتعلق بالفعل ، من حقوق الله أو حقوق الآدميين أو منهما جميعا ، يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن لنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه .

وتأمل حديث سلمان وأبي الدرداء - رضي الله عنهما - يبين لك هو ، وما في معناه - أن الفعل والترك في المباح على الخصوص ، لا فرق بينهما من هذا الوجه ، فالحساب يتعلق بطريق الترك كما يتعلق بطريق الفعل ، وإذا كان الأمر كذلك ; ثبت أن الحساب إن كان راجعا إلى طريق المباح ؛ فالفعل والترك سواء ، وإن كان راجعا إلى نفس المباح أو إليهما معا ; فالفعل والترك أيضا سواء .

وأيضا ; إن كان في المباح ما يقتضي الترك ; ففيه ما يقتضي عدم الترك ; لأنه من جملة ما امتن الله به على عباده ، ألا ترى إلى قوله تعالى : والأرض وضعها للأنام إلى قوله : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [ الرحمن : 10 - 22 ] .

[ ص: 183 ] وقوله : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه إلى قوله : ولعلكم تشكرون [ النحل : 14 ] .

وقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [ الجاثية : 13 ] .

إلى غير ذلك من الآيات التي نص فيها على الامتنان بالنعم ، وذلك يشعر بالقصد إلى التناول والانتفاع ، ثم الشكر عليها ، وإذا كان هكذا فالترك له قصدا يسأل عنه ، لم تركته ؟ ولأي وجه أعرضت عنه ؟ وما منعك من تناول ما أحل لك ، فالسؤال حاصل في الطرفين ، وسيأتي لذلك تقرير في المباح الخادم لغيره إن شاء الله .

وهذه الأجوبة أكثرها جدلي ، والصواب في الجواب أن تناول المباح لا يصح أن يكون صاحبه محاسبا عليه بإطلاق ، وإنما يحاسب على التقصير في الشكر عليه ، إما في جهة تناوله ، واكتسابه ، وإما في جهة الاستعانة به على التكليفات ، فمن حاسب نفسه في ذلك ، وعمل على ما أمر به فقد شكر نعم الله ، وفي ذلك قال تعالى : قل من حرم زينة الله إلى قوله : خالصة يوم القيامة [ الأعراف : 32 ] .

أي : لا تبعة فيها ، وقال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا [ الانشقاق : 7 - 8 ] .

وفسره النبي عليه السلام بأنه العرض ، لا الحساب الذي فيه مناقشة [ ص: 184 ] وعذاب ، وإلا لم تكن النعم المباحة خالصة للمؤمنين يوم القيامة ، وإليه يرجع قوله تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ الأعراف : 6 ] .

أعني سؤال المرسلين ، ويحققه أحوال السلف في تناول المباحات كما سيذكر على إثر هذا .

والثاني : من الأمور المعارضة ، أن ما تقدم مخالف لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة ، والتابعين ، والعلماء المتقين ; فإنهم تورعوا عن المباحات كثيرا ، وذلك منقول عنهم تواترا ، كترك الترفه في المطعم ، والمشرب ، والمركب ، والمسكن ، وأعرقهم في ذلك عمر بن الخطاب ، وأبو ذر ، وسلمان ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعلي بن أبي طالب ، وعمار ، وغيرهم - رضي الله عنهم - وانظر إلى ما حكاه ابن حبيب في كتاب الجهاد ، وكذلك الداودي في كتاب " الأموال " ففيه الشفاء ، ومحصوله أنهم تركوا المباح من حيث هو مباح ، ولو كان ترك المباح غير طاعة لما فعلوه .

والجواب عن ذلك من أوجه : أحدها : أن هذه أولا حكايات أحوال ; فالاحتجاج بمجردها من غير نظر [ ص: 185 ] فيها لا يجدي ; إذ لا يلزم أن يكون تركهم لما تركوه من ذلك من جهة كونه مباحا ؛ لإمكان تركه لغير ذلك من المقاصد ، وسيأتي إن شاء الله أن حكايات الأحوال بمجردها غير مفيدة في الاحتجاج .

والثاني : أنها معارضة بمثلها في النقيض .

فقد كان عليه السلام يحب الحلواء والعسل .

ويأكل اللحم ، ويختص بالذراع ، وكانت تعجبه .

وكان يستعذب له الماء .

[ ص: 186 ] وينقع له الزبيب والتمر .

ويتطيب بالمسك .

[ ص: 187 ] ويحب النساء .

وأيضا ; فقد جاء كثير من ذلك عن الصحابة والتابعين ، والعلماء المتقين ، بحيث يقتضي أن الترك عندهم كان غير مطلوب ، والقطع أنه لو كان مطلوب الترك عندهم شرعا ، لبادروا إليه مبادرتهم لكل نافلة وبر ، ونيل منزلة ودرجة ; إذ لم يبادر أحد من الخلق إلى نوافل الخيرات مبادرتهم ، ولا شارك أحد أخاه المؤمن ممن قرب عهده أو بعد في رفده وماله مشاركتهم ، يعلم ذلك من طالع سيرهم ، ومع ذلك فلم يكونوا تاركين للمباحات أصلا ، ولو كان مطلوبا لعلموه قطعا ، ولعملوا بمقتضاه مطلقا من غير استثناء ، لكنهم لم يفعلوا ; فدل ذلك على أنه عندهم غير مطلوب ، بل قد أراد بعضهم أن يترك شيئا من المباحات فنهوا عن ذلك ، وأدلة هذه الجملة كثيرة ، وانظر في باب المفاضلة بين الفقر والغنى في " مقدمات ابن رشد " .

[ ص: 188 ] والثالث : إذا ثبت أنهم تركوا منه شيئا ، طلبا للثواب على تركه ، فذلك لا من جهة أنه مباح فقط للأدلة المتقدمة ، بل لأمور خارجة ، وذلك غير قادح في كونه غير مطلوب الترك - منها : أنهم تركوه من حيث هو مانع من عبادات ، وحائل دون خيرات ، فيترك ليمكن الإتيان بما يثاب عليه ، من باب التوصل إلى ما هو مطلوب ، كما كانت عائشة - رضي الله عنها - يأتيها المال العظيم الذي يمكنها به التوسع في المباح فتتصدق به ، وتفطر على أقل ما يقوم به العيش ، ولم يكن تركها التوسع من حيث كان الترك مطلوبا ، وهذا هو محل النزاع .

- ومنها : أن بعض المباحات قد يكون مورثا لبعض الناس أمرا لا يختاره لنفسه ، بالنسبة إلى ما هو عليه من الخصال الحميدة ، فيترك المباح لما يؤديه إليه ، كما جاء أن عمر بن الخطاب لما عذلوه في ركوبه الحمار في مسيره إلى الشام ، أتي بفرس ، فلما ركبه فهملج تحته ، أخبر أنه أحس من نفسه ، فنزل [ ص: 189 ] عنه ، ورجع إلى حماره ، وكما جاء في حديث الخميصة ذات العلم ، حين لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرهم أنه نظر إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنه ، وهو المعصوم ، ولكنه علم أمته كيف يفعلون بالمباح إذا أداهم إلى ما يكره ، وكذلك قد يكون المباح وسيلة إلى ممنوع ، فيترك من حيث هو وسيلة كما قيل : " إني لأدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ، ولا أحرمها " وفي الحديث : لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس .

[ ص: 190 ] وهذا بمثابة من يعلم أنه إذا مر لحاجته على الطريق الفلانية نظر إلى محرم أو تكلم فيما لا يعنيه أو نحوه .

- ومنها : أنه قد يترك بعض الناس ما يظهر " لغيره " أنه مباح ، إذا تخيل فيه إشكالا وشبهة ، ولم يتخلص له حله ، وهذا موضع مطلوب الترك على الجملة بلا خلاف ; كقوله : " كنا ندع ما لا بأس به حذرا لما به البأس " ولم يتركوا كل ما لا بأس به ، وإنما تركوا ما خشوا أن يفضي بهم إلى مكروه أو ممنوع .

- ومنها : أنه قد يترك المباح لأنه لم تحضره نية في تناوله ; إما للعون به على طاعة الله ، وإما لأنه يحب أن يكون عمله كله خالصا لله ، لا يلوي فيه على حظ نفسه من حيث هي طالبة له ; فإن من خاصة عباد الله من لا يحب أن يتناول مباحا لكونه مباحا ، بل يتركه حتى يجد لتناوله قصد عبادة أو عونا على [ ص: 191 ] عبادة ، أو يكون أخذه له من جهة الإذن لا من جهة الحظ ; لأن الأول نوع من الشكر بخلاف الثاني ، ومن ذلك أن يتركه حتى يصير مطلوبا كالأكل والشرب ونحوهما ; فإنه - إذا كان لغير حاجة - مباح ، كأكل بعض الفواكه ، فيدع التناول إلى زمان الحاجة إلى الغذاء ، ثم يأكل قصدا لإقامة البنية ، والعون على الطاعة ، وهذه كلها أغراض صحيحة منقولة عن السلف ، وغير قادحة في مسألتنا .

- ومنها : أن يكون التارك مأخوذ الكلية في عبادة من علم أو تفكر أو عمل ، مما يتعلق بالآخرة ، فلا تجده يستلذ بمباح ، ولا ينحاش قلبه إليه ، ولا يلقي إليه بالا ، وهذا وإن كان قليلا ، فالترك على هذا الوجه يشبه الغفلة عن المتروك ، والغفلة عن تناول المباح ليس بطاعة ، بل هو في طاعة بما اشتغل به ، وقد نقل مثل هذا عن عائشة حين أتيت بمال عظيم فقسمته ، ولم تبق لنفسها شيئا ، فعوتبت على تركها نفسها دون شيء ، فقالت : " لا تعنيني ، لو كنت ذكرتني لفعلت " ، ويتفق مثل هذا للصوفية ، وكذلك إذا ترك المباح لعدم قيام النفس له ، هو في حكم المغفول عنه .

- ومنها : أنه قد يرى بعض ما يتناوله من المباح إسرافا ، والإسراف مذموم ، وليس في الإسراف حد يوقف دونه كما في الإقتار ، فيكون التوسط [ ص: 192 ] راجعا إلى الاجتهاد بين الطرفين ; فيرى الإنسان بعض المباحات بالنسبة إلى حاله داخلا تحت الإسراف فيتركه لذلك ، ويظن من يراه ممن ليس ذلك - إسرافا في حقه ؛ أنه تارك للمباح ، ولا يكون كما ظن ; فكل أحد فيه فقيه نفسه .

والحاصل أن التفقه في المباح بالنسبة إلى الإسراف وعدمه والعمل على ذلك - مطلوب ، وهو شرط من شروط تناول المباح ، ولا يصير بذلك المباح مطلوب الترك ، ولا مطلوب الفعل ، كدخول المسجد لأمر مباح هو مباح ، ومن شرطه أن لا يكون جنبا ، والنوافل من شرطها الطهارة وذلك واجب ، ولا يصير دخول المسجد ولا النافلة بسبب ذلك - واجبين ، فكذلك هنا تناول المباح مشروط بترك الإسراف ، ولا يصير ذم الإسراف في المباح ذما للمباح مطلقا .

وإذا تأملت الحكايات في ترك بعض المباحات عمن تقدم ، فلا تعدو هذه الوجوه ، وعند ذلك لا تكون فيها معارضة لما تقدم ، والله أعلم .

والثالث من الأمور المعارضة : ما ثبت من فضيلة الزهد في الدنيا ، وترك لذاتها ، وشهواتها ، وهو مما اتفق على مدح صاحبه شرعا ، وذم تاركه على الجملة ، حتى قال الفضيل بن عياض : " جعل الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد " .

وقال الكتاني الصوفي : " الشيء الذي لم يخالف فيه كوفي ، ولا مدني ، [ ص: 193 ] ولا عراقي ، ولا شامي - الزهد في الدنيا ، وسخاوة النفس ، والنصيحة للخلق " .

قال القشيري : يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد : إنها غير محمودة ، والأدلة من الكتاب والسنة على هذا لا تكاد تنحصر ، والزهد حقيقة إنما هو في الحلال ، أما الحرام ; فالزهد فيه لازم من أمر الإسلام ، عام في أهل الإيمان ، ليس مما يتجارى فيه خواص المؤمنين مقتصرين عليه فقط ، وإنما تجاروا فيما صاروا به من الخواص ، وهو الزهد في المباح ، فأما المكروه فذو طرفين ، وإذا ثبت هذا فمحال عادة أن يتجاروا فيه هذه المجاراة ، وهو لا فائدة فيه ، ومحال أن يمدح شرعا مع استواء فعله وتركه .

والجواب من أوجه : أحدها : أن الزهد - في الشرع - مخصوص بما طلب تركه حسبما يظهر من الشريعة ، فالمباح في نفسه خارج عن ذلك لما تقدم من الأدلة ، فإذا أطلق بعض المعبرين لفظ الزهد على ترك الحلال ، فعلى جهة المجاز بالنظر إلى ما يفوت من الخيرات أو لغير ذلك مما تقدم .

والثاني : أن أزهد البشر لم يترك الطيبات جملة إذا وجدها ، وكذلك من بعده من الصحابة والتابعين مع تحققهم في مقام الزهد .

والثالث : أن ترك المباحات إما أن يكون بقصد أو بغير قصد ; فإن كان بغير قصد فلا اعتبار به ، بل هو غفلة ، لا يقال فيه : " مباح " فضلا عن أن يقال فيه : " زهد " ، وإن كان تركه بقصد ; فإما أن يكون [ ص: 194 ] القصد مقصورا على كونه مباحا ، فهو محل النزاع ، أو لأمر خارج ، فذلك الأمر إن كان دنيويا كالمتروك ؛ فهو انتقال من مباح إلى مثله لا زهد ، وإن كان أخرويا ; فالترك إذا وسيلة إلى ذلك المطلوب ; فهو فضيلة من جهة ذلك المطلوب ، لا من جهة مجرد الترك ، ولا نزاع في هذا .

وعلى هذا المعنى فسره الغزالي ; إذ قال : " الزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه " فلم يجعله مجرد الانصراف عن الشيء خاصة ، بل بقيد الانصراف إلى ما هو خير منه ، وقال في تفسيره : " ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة ، لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه ، وإلا فترك المحبوب لغير الأحب محال " . ثم ذكر أقسام الزهد ، فدل على أن الزهد لا يتعلق بالمباح من حيث هو مباح على حال ، ومن تأمل كلام المعتبرين فهو دائر على هذا المدار .

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
-----متجدد, أبو, الله, الموافقات, الشاطبي, شاء, إسحاق, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم ملتقى الكتب الإسلامية 683 يوم أمس 07:30 PM
السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم السيرة النبوية 96 07-06-2026 10:04 PM
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 516 07-06-2026 03:20 PM
منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 41 07-01-2026 07:01 AM
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1779 06-30-2026 09:58 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009