![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#151 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 121الى صــ135 الحلقة (149) كثُروا أو قلُّوا (١). ومن ثمّ يتبيَّن أنَّ مذهب ابن حزم أوسع المذاهب بالنسبة للحرابة، ومثله في ذلك المالكيَّة؛ لأنَّ كل من أخاف السبيل على أي نحوٍ من الأنحاء، وبأيّ صورة من الصور، يُعدُّ محاربًا، مستحقًا لعقوبة الحرابة. عقوبة الحرابة: أنزل الله -سبحانه- في جريمة الحرابة قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). فهذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد؛ لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم﴾. وقد أجمع العلماء على أنَّ أهل الشرك إِذا وقعوا في أيدي المسلمين، فأسلموا، فإِنَّ الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، وإِنْ كانوا قد ارتكبوا من المعاصي، قبل الإِسلام، ما يستوجب العقوبة: ﴿قُلْ للذينَ كَفَروا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣). ------------------ (١) وتقدم غير بعيد. (٢) المائدة: ٣٣ - ٣٤. (٣) الأنفال: ٣٨. قال ابن كثير -رحمه الله-:»يقول -تعالى- لنبيّه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ للذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هُم فيه من الكُفر والمشاقَّة والعِناد، ويدخلوا في الإِسلام والطَّاعة والإِنابة، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كُفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في «الصحيح» من حديث أبي وائل عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أحسَن في الإِسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة، ومَن أساء في الإِسلام، أُخِذَ بالأوَّل والآخر» (١). وفي «الصحيح» -أيضًا- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أما علمْتَ أنَّ الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله» (٢). سببُ نزول هذه الآية: عن أبي قلابة عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ رَهطًا من عُكل -أو قال من عُرَينة، ولا أعلمه إِلا قال من عُكل- قدموا المدينة، فأمَرَ لهُم النبيّ - ﷺ - بِلقاح، وأمَرَ أنْ يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشرِبوا، حتَّى إِذا بَرِئوا قَتَلوا الرَّاعي واسْتاقوا النَّعم. فبلغ النبيَّ - ﷺ - غُدْوةً، فَبَعَثَ الطَّلبَ في إِثْرهم، فما ارتَفَعَ النَّهارُ حتَّى جيء بهم، فأمَرَ بهم فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلَهُم وسَمَرَ أعيُنَهم، فأُلْقوا بالحرَّة يُستسقَون فلا يُسقَون» (٣). -------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠). (٢) أخرجه مسلم (١٢١). (٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١) وتقدّم في باب الطهارة. قال أبو قِلابة: «هؤلاء قومٌ سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم وحاربوا الله ورسوله» (١). وفي رواية: «فأنزل الله -تبارك وتعالى- في ذلك: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾» (٢). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: «... ونزلت فيهم آية المحاربة» (٣). وفي رواية: «... فلمَّا صحّوا كفروا بعد إِسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمنًا، واستاقوا ذود (٤) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين» (٥). العقوبات التي قررتها الآية الكريمة: والعقوبة التي قررتها هذه الآية للذين يحاربون الله ورسوله، ويَسعَونَ في الأرضِ فسادًا، هي إِحدى عقوبات أربع: ---------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٠٥). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٠). (٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح. (٤) الذَّود من الإِبل: ما بين الثنتين إِلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إِلى العشر «النهاية». (٥) «صحيح سنن النسائي» (٣٧٦٢) وأَصل أكثر هذه الألفاظ في «الصحيحين» كما تقدّم. ١ - القتل. ٢ - أو الصَّلْب. ٣ - أو تقطيع الأيدي والأرجُل من خِلاف. ٤ - أو النَّفْي من الأرض. وهذه العقوبات جاءت في الآية معطوفة بحرف «أو» وقد اختلف العلماء في «أو» في هذه الآية الكريمة، أهي للتَّخيير أم للتَّفصيل؟ (١). ----------------------- (١) جاء في كتاب «أثر الدلالة النحويَّة واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية» للأستاذ السعدي (ص ١٣٨) -بحذف-: ... ذهب فريق [من الفقهاء] إِلى أنَّ السلطة مخيَّرة بين العقوبات المذكورة، وأيُّها رآها السلطان أنفع للمصلحة أنْزلها بهم، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن البصري، وعطاء، ومالك (أ). ويرى أكثرهم أن هذه العقوبات تنزل بهم على حسب جنايتهم، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتلَ وصُلِبَ، ومَن أَخَذَ المال بلا قَتْل قُطِعَت يده ورجلُه من خلاف، ومن أخاف أهل السبيل فقط فلم يَقْتُل ولم يأخُذ مالًا: نُفِيَ. ومن القائلين بهذا ابن عبَّاس، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد من الأحناف والشافعي (ب). _________ (أ) انظر «بداية المجتهد» (٢/ ٤٤٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٧٠). (ب) انظر «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٣ - ٩٤)، و«المغني» لابن قدامة (٩/ ١٤٥)، و«تفسير آيات الأحكام» (٢/ ١٨٤). وقد ضعَّف شيخنا -رحمه الله- هذا الأثر كما في «الإرواء» برقم (٢٤٤١ و٢٤٤٤). الدليل النحوي للفريق الأوَّل: إِنَّ «أو» في الآية للتخيير، فالسلطانُ مُخيَّر في إنزال أى عقوبة يراها مما ذُكر؛ مِن غير = والذي يترجَّح لديّ أنَّ التَّخيير ليس بإِطلاق؛ ولا هو بالانتقائي، وإِنَّما هو نابعٌ مِنْ مرآة الفقه والعِلم وتحقيق العدل والإِنصاف، وعدم التسوية في -------------------- = ملاحظة تناسبهم مع جناياتهم؛ لأنَّ ذلك مقتضٍ التَّخيير. وحجَّة الفريق الثاني: أن «أو» للتَّفصيل، والعرب تستعملها كثيرًا بهذا المعنى، فيقولون: «اجتمع القوم فقالوا حارِبوا أو صالحوا، أي قال: بعضهم كذا وبعضهم كذا». ويقوِّيه قول الله -تعالى-: ﴿وقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ وليس المقصود التخيير، لأنَّه ليس هناك فرقة تخير بين اليهودية، والنَّصرانيَّة، بل كلٌّ يدعو إلى دينه، فكان المعنى: أنَّ بعضهم -وهم اليهود- قالوا كونوا هودًا، وبعضهم -وهم النَّصارى- قالوا كونوا نصارى. وكثيرًا ما تعتمد العرب على لفّ الكلامَين المختَلِفَين وتسمح بتفسيرها جملة، ثقةً منها بأنَّ السَّامع يردّ كلَّ مخبر عنه بما يليق به، كقول امرئ القيس: كأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكْرِها العناب والحشف البالي فالعناب هو الرَّطب، والحشف هو اليابس، وقد لفهما بعبارة واحدة. ... فلمَّا كانت «أو» للتفصيل، فإِنَّها قد فصَّلت أحكام قطاع الطريق وجَعَلت لكل منهم حُكمه؛ لأنَّ جناياتهم لا بد من أن تكون مختلفة، وحينئذ يجب تقدير شرط محذوف ينسجم مع معنى التفصيل. فيكون التقدير: أن يقَتَّلوا إِنْ قَتَلُوا، أو يُصَلَّبُوا إن قَتَلُوا وأخذوا المال، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم إِن أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، أو يُنْفَوا من الأرض إن أخَافُوا السائرين في السبيل فقط. ولدى موازنة الرَّأيين يتَّضِح لنا رُجْحان رأي الفريق الثاني لما يأتي: ١ - جعل «أو» في هذه الآية للتفصيل أولى من جَعْلها للتَّخيير، لأنَّنا إِذا تتبَّعنا كلام = اقتراف الجريمة والإِفساد، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلها﴾ (١). -------------------- = النُّحاة نجدهم يجعلون «أو» للتَّخيير بعد الطلب غالبًا، وذلك واضح مِن أمثلتهم. وقد صرَّح ابن هشام بذلك فقال: «وهي الواقعة بعد الطلب» (١). وحيث لم تقع بعد طلب في هذه الآية، فإِنَّ حَمْلها على التَّفصيل أولى من الناحية النَّحويَّة، وكذلك من الناحية الشَّرعيَّة؛ لأن القاعدة العامَّة في التَّشريع الإسلامي أنَّ العقوبة تكون بمقدار الجناية، لقوله -تعالى- في جزاء جناية صيد المحرم في الحج: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النًعَمِ﴾ (ب). ٢ - لو سلَّمنا أنَّها للتخيير على رأي الفريق الأوَّل، فإنَّه لدى التَّحقيق يتبيَّن لنا أنَّ مِثل هذا التَّخيير يتَّفق مع معنى التَّفصيل من حيثُ المعنى، وذلك لأنَّ الحكم المخير فيه إِذا كان سببه مختلفًا فإِنَّه يكون لبيان كل واحد من المخير بنفسه. يوضح ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِمَّا أنْ تُعَذِّبَ وإِمّا أن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (ج). فإنَّه ليس المراد هنا التَّخيير بين التَّعذيب أو الإِحسان مُطلقًا من غير ملاحظة عَمَل من يعذبهم أو يحسن إليهم، وإنما المراد بيان حُكمِ كلِّ صنف، أي إِمّا أن تعذب من ظلم أو تَتَّخذ الحسن فيمن آمن ولم يظلم. فكذلك التخيير في إنزال العقوبة بقطاع الطريق إِنَّما يكون لبيان كل صنف منهم على حِدَة؛ لأنَّ سبب تلك العقوبة مُختلف. وبهذا يتَّضِح لنا أنَّ إِنزال العقوبة بهم يكون على وفق جنايتهم ...«. --------------------- _________ (أ)»مغني اللبيب" (١/ ٥٩). (ب) المائدة: ٩٥. (ج) الكهف: ٨٦. (١) الشورى: ٤٠. وهكذا فلا بدَّ مِن حَمل التَّخيير على التَّفصيل، فلا إِشكال، وقد أشار الأستاذ السَّعدي إِلى هذا جزاه الله خيرًا. وجاء في «الروضة النديَّة» (٢/ ٦١٨) -بحذف-: «يفعل الإِمامُ مِنْها ما رأى فيه صلاحًا؛ لكلِّ منْ قَطَعَ طَريقًا وَلَو في المِصْر إِذا كان قد يسَعَى في الأرض فَسادًا». هذا ظاهر ما دلَّ عليه الكتاب العزيز مِنْ غير نظرٍ إِلى ما حدث من المذاهب، فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، فضمَّ إلى محاربة الله ورسوله ... السَّعي في الأرض فسادًا، فكان ذلك دليلًا على أنَّ مَن عصى الله ورسوله بالسَّعي في الأرض فسادًا؛ كان حدُّه ما ذكره الله في الآية. ولمّا كانت الآية الكريمة نازلة في قُطَّاع الطريق وهم العرنيُّون، كان دخولُ مَن قَطَعَ طريقًا تحت عموم الآية دخولًا أوَّليًّا ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهمْ وأرْجُلُهُم منْ خِلاف أو يُنْفَوا مِنَ الأرضِ﴾ فخيَّر بين هذه الأنواع فكان للإِمام أن يختار ما رأى فيه صلاحًا منها. فإِنْ لم يكن إِمامٌ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات، فهذا ما يقتضيه نَظْم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلَّة النبويَّة ما يصرف ما يدلّ عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب. --------------------- (١) المائدة: ٣٣. أمَّا ما روي عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في «مسنده» أنَّه قال في قُطَّاع الطَّريق: «إِذا قَتَلوا وأخذوا الأموال صُلِّبوا، وإِذا قتلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصَلَّبُوا، وإِذا أخذوا المال ولم يقتُلُوا قُطِعَت أيْديهم وأرْجلهم من خِلاف، وإِذا أخافُوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض». فليس هذا الاجتهاد ممَّا تقوم به الحُجَّة على أحد، ولو فرضنا أنَّه في حكم التَّفسير للآية. وإِنْ كان مخالفًا لها غاية المخالفة، ففي إِسناده إِبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا لا تقوم بمثله الحُجَّة (١). وقد ذهب إِلى مِثل ما ذهبنا إِليه جماعة من السَّلف كالحسن البصري وابن المسيِّب ومجاهد. وأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله. وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في العرنيين أنَّه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية -وهو القَطْع كما في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس- والمراد بالصلب المذكور في الآية هو الصلب على الجذوع، أو نحوها حتَّى يموت إِذا رأى الإِمام ذلك، أو يصلبه صلبًا لا يموت فيه. فإِنَّ اسم الصَّلب يصدُق على الصَّلب المفضي إِلى الموت، والصَّلب الذي لا يُفضي إِلى الموت. ولو فرضنا أنَّه يختصّ بالصَّلب المفضي إِلى الموت. لم يكن في ذلك تكرار بعد ذِكر القتل، لأنَّ الصَّلب هو قتْلٌ خاص. وأمَّا النَّفي من الأرض فهو طرْده من الأرض التي أفسد فيها ... «انتهى. قلت: وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث:»... فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - ---------------------- (١) انظر «الإِرواء» (٢٤٤٣). فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النَّهار جيء بهم فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسُمِّرت أعينهم (١) ...» (٢). وفي رواية: «ثمَّ أمر بمسامير فأُحميت فَكَحَلهم بها ...» (٣). فإِنَّ السَّمر لم يَرِد في الآية الكريمة، وهو من فِعل النبيّ - ﷺ - وهذا يبيِّن أنَّ الأمر يرجع إِلى الحاكم بما تقدَّم من قيود. فالحاصل أن الأمر راجع إِلى السُّلطان (٤) فهو مخيَّر في إِيقاع العقوبة اللازمة وفي تقدير العقوبة على التفصيل؛ بما يتناسب مع إِفساده وجريمته؛ وبما يكون الأقرب في العمل بمقتضى الآية الكريمة والحديث الشريف والآثار. والله -تعالى - أعلم. وقد جاء في بعض الروايات:- قال أنس -رضي الله عنه-: «إِنَّما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك، لأنَّهم سملوا أعين الرعاء» (٥). عدم حسْم المحاربين من أهل الرِّدَّة حتى يهلكوا وكذا عدم سقايتهم الماء ونبذهم في الشمس: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قدمَ على النبي - ﷺ - نفر من عُكل ---------------------- (١) سُمِّرت أعينهم: أي فُقئت. (٢) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١). (٣) أخرجه البخاري (٣٠١٨). (٤) انظر -إِن شئت- ما جاء في»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣١٠). (٥) أخرجه مسلم (١٦٧١). فأسلموا، فاجْتووا (١) المدينة، فأَمَرهم أن يأتوا إِبلَ الصَّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحُّوا، فارتدُّوا، فقتلوا رعاتها واسْتاقُوا الإِبلَ. فبعث في آثارهم فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم، ثم لم يحسمهم (٢) حتى ماتوا» (٣). وفي رواية: «فرأيت الرجُل منهم يَكْدُِمُ (٤) الأرض بلسانه حتى يموت» (٥). أمَّا نبذهم في الشمس حتى يموتوا، فهو في بعض ألفاظ حديث أنس -رضي الله عنه- وفيه: «وسمَّر أعينهم ثم نبَذهم في الشمس حتى ماتوا» (٦). فائدة «١»: سُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن ثلاثةٍ من اللصوص، أخذ اثنان منهم جَمَّالا، والثالث قتل الجمَّال: هل تُقتَل الثلاثة؟ -------------------- (١) فاجتووا: قال النووي: «... أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم، قالوا: وهو مثشقٌّ من الجوى؛ وهو داء في الجوف». (٢) لم يحسمهم: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار وذلك لمنع استمرار نزف الدم، ويتحقَّق بأيِّ صورة طبيَّة يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم. (٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٢)، ومسلم (١٦٧١). (٤) يكدُِمُ: أي يقبض عليها ويعضّ. «النهاية» (٥) أخرجه البخاري (٥٦٨٥). (٦) أخرجه البخاري (٦٨٩٩)، ومسلم (١٦٧١). فأجاب: إِذا كان الثلاثة حرامية؛ اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة؛ قُتِل الثلاثة؛ وإِنْ كان الذي باشر القتل واحد منهم. والله أعلم. وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٠) -بحذف-: «وإِذا كان المحاربون الحراميَّة جماعة، فالواحد منهم باشَر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردْء له. فقد قيل؛ إِنَّه يقتل المباشر فقط. والجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإِنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتل ربيئة المحاربين -والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء- ولأنَّ المباشر إِنَّما تمكَّن مِن قتْله بقوَّة الردء ومعونته. والطائفة إِذا انتصر بعضها ببعض؛ حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ... وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبيَّة، ودعوى جاهليَّة؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي - ﷺ -:»إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إِنّه كان حريصًا على قتل صاحبه". أخرجاه في الصحيحين. (١). وتضمن كلّ طائفة ما أتْلفتْه للأخرى من نفس ومال. وإِن لم يعرف عين --------------------- (١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨). القاتل؛ لأنَّ الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاص في القَتْلَى﴾ (١). فائدة «٢»: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٤٣): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن تاجر نصَب عليه جماعة؛ وأخذوا مبلغًا، فحَمَلَهم لوليّ الأمر؛ وعاقبهم حتى أقرُّوا بالمال، وهم محبوسون على المال، ولم يعطوه شيئًا، وهُم مصرُّون على أنَّهم لا يعطونه شيئًا؟ فأجاب: الحمد لله هؤلاء مَن كان المال بيده وامتنع من إِعطائه؛ فإِنَّه يُضرَب حتى يؤديَ المال الذي بيده لغيره. ومَن كان قد غيَّب المال وجحد موضعه فإِنَّه يضرب حتَّى يدلّ على موضعه. ومَن كان مُتَّهما لا يُعرف هل معه من المال شيء أم لا؛ فإِنَّه يجوز ضربه معاقبةً له على ما فعَل من الكذب والظلم. ويُقر مع ذلك على المال أين هو. ويطلب منه إِحضاره. والله أعلم». ردُّ اعتراض، ودفْعُ إِشكالٍ (٢): قال في «المنار»: رَوى عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أنَّ الفساد هنا الزنى، والسرقة، وقتْل النساء، وإِهلاك الحرث والنَّسل، وكلّ هذه الأعمال من الفساد في الأرض. واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد، بأنَّ هذه الذنوب والمفاسد لها --------------------- (١) البقرة: ١٧٨. (٢) عن «فقه السنة» (٣/ ٢٥٢). عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزِّنى، والسرقة، والقتْل حدود، وإِهلاك الحرث والنَّسل يقدَّر بقدْره، ويضمنه الفاعل، ويعزّره الحاكم بما يؤدِّيه إِليه اجتهاده. وفات هؤلاء المعترضين، أنَّ العقاب المنصوص في الآية خاصٌّ بالمحاربين مِن المفسدين الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يُذْعنون لحُكْم الشَّرع. وتلك الحدود إِنَّما هي للسارقين والزُّناة أفرادًا، الخاضعين لحُكْم الشرْع فِعْلًا، وقد ذُكِرَ حُكمهم في الكتاب العزيز، بصيغة اسم الفاعل المفرد، كقوله -سبحانه-: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) وقال: ﴿الزَّانِيَة والزَّانِي فَاجْلِدُوا كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ﴾ (٢). وهم يستَخْفُون بأفعالهم، ولا يَجهرون بالفساد، حتى ينْتشر بصوء القدوة بهم، ولا يُؤلِّفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوَّة. فلهذا لا يصدُق عليهم أنَّهم محاربو الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفَين معًا، وإِذا أطْلق الفقهاء لفظ المحاربين، فإِنَّما يعنون به المحاربين المفسدين؛ لأنَّ الوصفين متلازمان». واجب الحاكم والأمَّة حِيال الحرابة (٣): والحاكم والأمَّة معًا مسؤولون عن حماية النظام، وإقرار الأمن، وصيانة ------------------------ (١) المائدة: ٢٨. (٢) النور: ٢. (٣) عن «فقه السُّنة» (٣/ ٢٥٢). حقوق الأفراد في المحافظة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؛ فإِذا شذَّت طائفة، فأخافوا السبيل، وقطعوا الطريق، وعرَّضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب، وجب على الحاكم قتال هؤلاء. كما فعَل رسول الله - ﷺ - مع العُرنيين (١)، وكما فَعَلَ خُلفاؤه من بعده، ووجب على المسلمين كذلك أنْ يتعاونوا مع الحاكم ... على استئصال شأفتهم، وقطْعِ دابرهم، حتى ينعم الناس بالأمن والطمأنينة، ويُحِسُّوا بلذَّة السلام والاستقرار، وينصرف كلٌّ إِلى عمله. إِذا طَلب السلطان المحاربين فامتنعوا: إِذا طَلب السلطان المحاربين لإقامة الحد فامتنعوا؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم، من باب ما لا يتمّ الواجب إِلا به فهو واجب. جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٧): «... فأمّا إِذا طلبهم السلطان أو نوّابه لإقامة الحدّ بلا عدوان فامتنعوا عليه؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلِّهم؛ ومتى لم ينقادوا إِلا بقتال يفضي إِلى قتْلهم كلهم قوتلوا، وإن أَفضى إِلى ذلك؛ سواءٌ كانوا قد قَتلوا أو لم يقتلوا. ويقتلون في القتال كيفما أمكن؛ في العنق وغيره، ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، فهذا قتال وذاك إِقامة حدّ، وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإِسلام». ---------------------- (١) تقدَّم غير بعيد. توبةُ المحاربين قبْل القُدرة عليهم: *إِذا تاب المحاربون المفسدون في الأرض، قبل القدرة عليهم، وتمكَّن الحاكم من القبض عليهم، فإنَّ الله يغفر لهم ما سلَفَ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصّة بالحرابة؛ لقوله -تعالى-: ﴿ذلكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدّنْيا وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدروا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفورٌ رَحِيم﴾ (١). وإِنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ التوبة قبل القدرة عليهم والتَّمكُّن منهم دليل على يَقَظَة القلوب، والعزم على استئناف حياةٍ نظيفة، بعيدة عن الإِفساد، والمحاربة لله ورسوله، ولهذا شملهم عفو الله، وأسقط عنهم كلَّ حقّ من حقوقه، إِن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة. أمَّا حقوق العباد، فإِنَّها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة، وإِنما تكون من باب القِصاص. [أقول: وفي ذلك أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقْدر عليه؛ لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصابه»] (٢). والأمر في ذلك يرجع إِلى المجني عليهم، لا إِلى الحاكم، فإِنْ كانوا قد قَتَلوا، سقط عنهم تحتم القتل، ولوليِّ الدَّم العفو أو القِصاص وإنْ كانوا قد قَتَلوا ---------------------- (١) المائدة: ٣٣ - ٣٤. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٧٦)، وانظر «الإرواء» (٨/ ٩٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#152 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 136الى صــ150 الحلقة (150) وأخَذوا المال، سقط الصَّلب، وتحتم القتل، وبقي القِصاص، وضمان المال. وإِنْ كانوا قد أخذوا المال، سقط القطع، وأُخذِت الأموال منهم إِن كانت بأيديهم، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأنَّ ذلك غَصْبٌ، فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إِلى أربابه، أو يجعله الحاكم عنده، حتى يعلم صاحبه؛ لأنَّ توبتهم لا تصح إِلا إِذا أعادوا الأموال المسلوبة إِلى أربابها. فإِذا رأى أولو الأمر إِسقاط حقٍّ ماليٍّ عن المفسدين؛ مِن أجل المصلحة العامَّة، وجب أن يضمنوه من بيت المال* (١). جاء في «المغني» (١٠/ ٣١٤): «فإِنْ تابوا من قبل أن يُقدَر عليهم؛ سقطت عنهم حدود الله -تعالى- وأخذوا بحقوق الآدميِّين من الأنفس والجراح والأموال؛ إِلا أن يُعفى لهم عنها. لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرَّأي وأبو ثور، والأصل في هذا قول الله -تعالى-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي، ويبقى عليهم القِصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدِّيَة لما لا قِصاص فيه. فأمّا إِنْ تاب بعد القدرة عليه؛ لم يسقط عنه شيء من الحدود؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ فأوجب عليهم الحدّ ثم استثنى التائبين قبل القدرة، فمن عداهم يبقى على قضِيّة العموم، ولأنّه إِذا --------------------- (١) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٢٥٣) -بتصرف-. تاب قبل القدرة؛ فالظاهر أنها توبة إِخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إِقامة الحدّ عليه، ولأنّ في قبول قوبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة؛ ترغيبًا في توبته والرجوع عن محاربته وإِفساده فناسَب ذلك الإِسقاط عنه وأما بعدها فلا حاجة إِلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة». وجاء في «تفسير ابن كثير»: «وأمَّا المحاربون المسلمون فإِذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإِنَّه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرِجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء: ظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عَمَل الصحابة ...». وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٦٢٠): «أقول: الآية ليس فيها إِلا الإِشارة إِلى عفو الله ورحمته لمن تاب قبل القدرة. وليس فيها القطع بحصول المغفرة والرحمة لمن تاب!! ولو سُلِّم القطع فذلك في الذنوب التي أمْرها إِلى الله فيسقط بالتَّوبة الخطاب الأخروي والحد الذي شرعه الله. وأمَّا الحقوق التي للآدميِّين من دم أو مال أو عرض؛ فليس في الآية ما يدل على سقوطها. ومن زعم أنَّ ثم دليلًا يدل على السقوط فما الدليل على هذا الزَّعم؟!». انتهى. أقول: إذا كان الشهيد يُغفر له كل شيء إِلا الدَّين، فكيف يُغفرَ للمحارب ما سَلَبَ من أموال وانْتهك مِن حُرُمات، فحقوق الآدميِّين معتبرة، وليس في الآية ما يدلّ على سقوطها. ولكن توبة المحارب؛ تعني أنَّه اختار الدار الآخرة، ورضي أن يمضي فيه حُكْم الله -تعالى- ورأى أنَّ هذا خيرٌ له من المُضِيّ في الإفساد وعدم التوبة، متحمِّلًا الصِّعاب راغبًا في المغفرة والثواب، وربما يحظى بعفو أصحاب الحقوق. والله -تعالى- أعلم. سُقوطُ الحدود بالتَّوبة قبْل رَفْعِ الجناة إِلى الحاكم: *تقدَّم أنَّ حدَّ الحرابة يَسْقُط عن المحاربين إِذا تابوا، قبل القدرة عليهم؛ لقول الله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وليس هذا الحُكم مقصورًا على حدّ الحرابة، بل هو حُكْمٌ عام ينتظم جميع الحدود، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحدّ، ثمَّ تاب منها، قبل أنْ يُرفع إِلى الإِمام، سَقَط عنه الحد؛ لأنَّه إِذا سقط الحدّ عن هؤلاء، فأولى أن يسقط عن غيرهم، وهُم أخفُّ جرمًا منهم. وقد رجَّح ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: ومن تاب من الزِّنى، والسرقة، وشُرب الخمر، قبل أن يُرفع إِلى الإمام، فالصحيح، أنَّ الحدَّ يسقط عنه، كما يسقط عن المحاربين، إِجماعًا، إِذا تابوا قبل القُدرة عليهم. وقال القرطبي: فأمَّا الشُّراب، والزُّناة، والسُّرّاق، إِذا تابوا وأصلحوا، وعُرِف ذلك منهم، ثُمَّ رُفعوا إِلى الإِمام، فلا ينبغي أنْ يُحَدُّوا، وإن رُفِعوا إِليه، فقالوا: تُبْنا. لم يُتركوا، وهم في هذا الحال كالمحاربين إذا غُلبوا* (٢). قلت: ويؤيِّد ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- ما تقدَّم من إِعراض النبي ---------------------- (١) المائدة: ٣٤. (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٥٥). - ﷺ - عن ماعز بن مالك حينما جاءه يخبره أنَّه قد أصاب جارية، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - حتى إِنَّ ماعزًا قد قالها أربع مرَّات ... وكذا قول النبي - ﷺ - للغامديَّة: «وَيْحَكِ؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه». وفيه أيضًا ما رواه الأجلح عن الشعبي حين قال عليٌّ -رضي الله عنه- لشُراحة الهمدانيَّة: ويلك لعلَّ رجُلًا وقع عليك وأنْتِ نائمة ... لعلَّك استُكْرِهتِ ... يُلقِّنها (١). دفاع الإِنسان عن نفسه (٢): *إِذا اعتدى على الإِنسان معتدٍ يريد قتْله، أو أخْذ ماله، أو هتْك عرْض حريمه؛ فمِن حقَّه أنْ يُقاتل هذا المعتدي دفاعًا عن نفسه، وماله، وعرضْه، ويدفع بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بالكلام، أو الصِّياح، أو الاستعانة بالناس، إِن أمْكن دفع الظَّالم بذلك، فإِن لم يندفع إِلا بالضَّرب، فليَضْربه، فإنْ لم يَنْدفع إِلا بقتْله، فليَقْتله، ولا قِصاص على القاتل، ولا كفَّارة عليه، ولا دية للمقتول؛ لأنَّه ظالم معتد، والظالم المعتدي حلال الدَّم لا يجب ضمانه. فإنْ قُتِل المُعتدى عليه، وهو في حالة دفاعه عن نفْسه، وماله، وعرضه، فهو شهيد. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيْلٍ﴾ (٣) *. ------------------------ (١) تقدَّم تحت «باب: ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرَّ على نفسه بالزِّنى». (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٥٧). (٣) الشورى: ٤١. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إِنْ جاء رجُلٌ يُريدُ أخذ مالي؟ قال: فلا تُعْطِه مالك (١). قال: أرأيتَ إِن قاتَلني؟ قال: قاتِلْه. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلَني؟ قال: فَأنْتَ شهيدٌ. قال: أرأيتَ إِنْ قَتَلْتُه؟ قال: هو في النَّار» (٢). وفي لفظٍ لأحمد: «أنَّه قال له أوَّلًا: انشده الله. قال: فإِن أبى؟ قال: قاتِلْه» (٣). وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ قُتِل دونَ ماله فهو شهيد» (٤). وعن قابوس بن مخارق عن أبيه قال: «جاء رجل إِلى النبي - ﷺ - فقال: الرجُل يأتيني فيريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإِنْ لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه من حولك من المسلمين. قال: فإِنْ لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإِن نأى السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء --------------------- (١) قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٣٤/ ٢٤٢):»لكن الدفع عن المال لا يجب، بل يجوز له أن يعطيهم المال ولا يقاتلهم. وأمًا الدفع عن النَّفس ففي وجوبه قولان، هما روايتان عن أحمد«. (٢) أخرجه مسلم (١٤٠). (٣) صححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٤٤٦). (٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١). الآخرة، أو تمنع مالك» (١). دفاع الإِنسان عن غيره: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - أحسَنَ النَّاس، وأشْجَع النَّاس. ولقد فزِع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصَّوتِ فاسْتَقبلهم النَّبي - ﷺ - وقد استبْرأ الخبَرَ وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ وفي عُنُقه السَّيفُ وهو يقول: لم تُراعوا، لم تُراعوا. ثمَّ قال: وجَدْناه بحْرًا. أو قال: إِنَّه لبحْر» (٢). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -: «انْصرْ أخاك ظالًا أو مظلومًا» (٣). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «اقتتل غُلامان. غُلامٌ من المُهاجرين وغُلامٌ من الأنصاِر. فَنَادَى المُهاجِرُ أو المُهاجرون يَا لَلمُهاجِرين! ونادى الأنصاريُّ يا لَلأنصار! فَخَرَجَ رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا دَعْوى أهلِ الجاهليَّة؟ قالوا: لا يا رسول الله! إِلا أنَّ غُلامينِ اقْتتلا فَكَسَعَ (٤) أحدهما الآخر قال: فلا بأس. ولْينصُر الرجُلُ أخاهُ ظالمًا أوْ مظلومًا. إِنْ كانَ ظالمًا فَلْيَنْهَهُ فإِنَّه لهُ نصرٌ، وإِنْ كانَ مَظلومًا -------------------- (١) أخرجه النسائي بسند حسن وانظر»الإرواء«(٨/ ٩٦). (٢) أخرجه البخاري (٢٩٠٨)، ومسلم (٢٣٠٧). (٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٣). (٤) كسع: أي ضرَب دُبُره وعجيزته؛ بيدٍ أو رِجلٍ أو سيفٍ وغيره،»نووي". فَلْيَنْصُرْهُ» (١). ولا يجوز للمسلم أن يخذل أخاه أو يُسلمه. فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه» (٢). وفي رواية: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا التقوى هاهنا، يقول: أي: في القلب» (٣). --------------------- (١) أخرجه مسلم (٢٥٨٤). (٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠). (٣) أخرجه أحمد بإِسناد حسن وانظر «الإِرواء» (٨/ ١٠٠). الجنايات الجنايات تعريفها: الجنايات: هي جمع جناية، مصدر من جَنَى الذنب يجنيه جناية، أي: جَرّه إِليه، وجُمعت وإِنْ كانت مصدرًا لاختلاف أنواعها، فإِنها تكون في النفس، وفي الأطراف، وتكون عمدًا وخطأً (١). وجاء في «المغني» (٩/ ٣١٨): هي كلّ فِعل عدوانٍ على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمّوا الجنايات على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة وخيانة وإِتلافًا. *وقد اصطلحَ الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إِلى قسمين: القسم الأول: ويسمّى جرائم الحدود. والقسم الثاني: ويسمّى جرائم القِصاص. وهي الجنايات التي تقع على النفس، أو على ما دونها من جرحٍ، أو قطع عضو، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها؛ صيانة للناس، وحِفاظًا على حياتهم الاجتماعية. وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها، وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص* (٢). حُرمة المسلم عند الله تعالى: قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ﴾ (٣). ------------------- (١) «سبل السلام» (٣/ ٤٣٧). (٢) ما بين النجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٨٢). (٣) الإِسراء: ٣٣. عن أبي بكرة -رضي الله عنه- ذكَر النبي - ﷺ - قعَد على بعيره وأمسكَ إِنسانٌ بخِطامه -أو زمامه- قال: أيّ يوم هذا؟ فسَكتنا حتى ظَننّا أنه سيُسمّيه سِوى اسمه. قال: ألَيس يوم النَحر؟ قلنا: بلى. قال فأيّ شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننّا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا بلى. قال: فإنّ دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حَرام؛ كَحُرمِة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، لِيبلغ الشاهد الغائبَ، فإن الشاهد عَسى أن يبلّغَ مَن هو أوعى له منه» (١). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيِّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢). وعن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قَتْل رجل مسلم» (٣). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في ------------------------ (١) أخرجه البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) وتقدّم. (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٢٦) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢١) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٧٢٢) وصححه شيخنا -رحمه الله- في»غاية المرام" (٤٣٩). النار» (١). ونظر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يومًا إِلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمةً منك» (٢). وعن عبد الله -رضي الله عنه- قال النبي الله - ﷺ -: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» (٣). جزاء من سَنّ القتل: قال الله تعالى ﴿مَن قَتَل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ (٤). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «أي: ومَن قَتَل نفسًا بغير سبب؛ من قِصاص، أو فسادٍ في الأرض، واستحلّ قتْلها بلا سبب ولا جناية؛ فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرْقَ عنده بين نفسٍ ونفس». وعن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: «ليس مِن نفس تُقتَل ظلمًا؛ إِلا كان --------------------- (١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٢٨) وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٤٤٢). (٢) أخرجه الترمذي وابن حبان وغيرهما وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»غاية المرام" (٤٣٥). (٣) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) ومسلم (١٦٧٨). (٤) المائدة: ٣٢. على ابن آدم الأوّل كِفلٌ منها (١) لأنه سَنّ القتل أوّلًا» (٢). وعن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: رسول الله - ﷺ - «مَن سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر مَن عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإِسلام سنّة سيئة؛ كان عليه وزرها ووزْر من عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص مِن أوزارهم شيء» (٣). تحريم الانتحار وقتل المرء نفسه: قال الله -تعالى-: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إِنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٤). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «مَن تَرَدّى من جبل فقتلَ نفسَه فهو في نار جهنم يتردّى فيه خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا. ومن تحسّى سمًا فقَتلَ نفسه فسمُّهُ في يده، يَتحساه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدتهُ في يده يَجأُ بِها (٥) في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا» (٦). ---------------------- (١) الكفل: الحظّ والنّصيب. (٢) أخرجه البخاري (٧٣٢١) ومسلم (١٦٧٧). (٣) أخرجه مسلم (١٠١٧). (٤) النساء: ٢٩. (٥) يجأ بها: أي يضرب بها. (٦) أخرجه البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٠٩). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -»الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار«(١). وعن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ، فجزِع فأخذ سكينًا فحزّ بها يده، فما رقأ (٢) الدم حتى مات، قال الله -تعالى-: «بادرني عبدي بنفسه، (٣) حَرّمتُ عليه الجنة» (٤). وعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من قَتَل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذّب به يوم القيامة» (٥). أنواع القتل القتلُ أنواعٌ ثلاثةٌ: ١ - عمد. ٢ - شبه عمد. ٣ - خطأ. -------------------------- (١) أخرجه البخاري (١٣٦٥). (٢) أي لم ينقطع. (٣) بادرني عبدي بنفسه: أي: استعجل الموت قال العينيّ -رحمه الله- في «عمدة القاري»: «معنى المبادرة: عدم صبْرِه حتى يقبض الله روحه حتف أنفه، يُقال: بدرني أي سبقني: مِن بَدرت إِلي الشيء أبدُر وبدورًا إذا أسرعت، وكذلك بادرت إِليه». (٤) أخرجه البخاري (١٣٦٤، ٣٤٦٣) ومسلم (١١٣). (٥) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) ومسلم (١١٠). القتلُ العَمْدُ (١) فالقتل العمد؛ هو أن يقصد المكلَّف قتْل إِنسان معصوم الدم (٢)، بما يغلِب على الظنّ، أنه يُقتل به، ولا تتحقّق جريمة العمد؛ إِلا إِذا توفّرت الأُمور الآتية: ١ - أن يكون القاتل عاقلًا، بالغًا، قاصدًا القتل. أمّا اعتبار العقل والبلوغ فلقوله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (٣). وأمّا اعتبار العمد؛ فلحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتلَ رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفَعه إِلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَه دَخَلْتَ النار قال: فخلّى سبيله» (٤). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «... ومن قتل ------------------------ (١) عن»فقه السنة«(٣/ ٢٩٢) بتصرف وزيادة من»المغني«(٩/ ٣٢١). (٢) أي لا يستّحق القتل شَرعًا. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٩٨)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٠) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٥٠)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢٩٧). (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٧٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٠٣) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٣٥) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٢١٧٨). عمدًا فهو قَوَد (١) ومن حال دونه؛ فعليه لعنة الله وغضبه، لا يُقبَل منه صَرْف (٢) ولا عَدْل» (٣). ٢ - أن يكون المقتول آدميًا، ومعصومَ الدم أي؛ أنّ دمه غير مباح. ٣ - أن تكون الأداة التي استُعملت في القتل، ممّا يُقْتَلُ بها غالبًا. فإذا لم تتوفر هذه الأركان، فإِنّ القتل لا يعد قتلًا عمدًا. أداةُ القتلِ ووسائله: ولا يشترط في الأداة التي يَقتلُ بها، سوى أنها ممّا تَقْتُلُ غالبًا، سواءٌ أكانت محدَّدة؛ أم متلَفة؛ لتماثلهما في إِزهاق الروح. قال في «المغني» (٩/ ٣٢١): «فالعمد ما ضرَبَه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط، أو حجر كبير؛ الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فِعلًا الغالب من ذلك الفعل أنه يُتلِف. وجملة ذلك أن العمد نوعان: أحدهما أن يضربه بمحدَّد وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والسنان، وما في معناه مما يحدد؛ فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب. فهذا كله إِذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات فهو قتْلُ عمدٍ لا خلاف فيه بين ----------------------- (١) القَوَد: القِصاص وَقَتل القاتل بدل القتيل.»النهاية«. (٢) قال في»النهاية«:»قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصّرف: التوبة وقيل: النافلة، والعَدْل: الفِدْية وقيل: الفريضة«. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٣١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٤٥٦). العلماء -فيما علمناه-. فأمّا إِنْ جَرحه جرحًا صغيرًا كشَرْطة الحجّام أو غَرَزهُ بإِبرة أو شوكة نظرت؛ فإِن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأُذُن فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأن الإِصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل». وجاء في «الشرح الكبير» (٩/ ٣٢٠): ١ - «... أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلّة، أو ما في معناه؛ ممّا يحدّد ويجرح من الحديد والنحاس والزجاج والحجر ... فهذا كله إِذا جرَح به جُرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتلُ عمدٍ لا اختلاف فيه بين العلماء -فيما علمناه-. ٢ - أن يضربه بمثقل فوق عمود ... أو حجر كبير، أو يُلقي عليه حائطًا أو سقفًا، أو يُلقيه من شاهق، أو يكرّر الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل أو في حال ضعف قُوةٍ من مرض أو صِغر أو كِبَر. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-»أن يهوديًا رضّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فقيل لها: من فَعَل بك هذا؟ أفلان أفلان، حتى سُمّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَرَ به النبيّ - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة" (١). ٣ - إِذا جمع بينه وبين أسد أو نحوه في مكان ضيِّق، أو أنهشه كلبًا أو سبعًا أو حية. ٤ - إِذا ألقاه في ماءٍ يُغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ إِمّا لكثرة الماء ---------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢). والنار، وإِمّا لعجزه عن التخلص. ٥ - إِذا خنقَه بحبل أو غيره، أو سدّ فمه وأنفه، أو عصر خصيته حتى مات. [جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٤): «عن رجلين تضاربا وتخانقا، فوقع أحدهما فمات: فما يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا خَنقه الخنق الذي يموت به المرء غالبًا وجب القَوَد عليه عند جمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة، ولو ادعى أن هذا لا يَقْتُل غالبًا لم يُقبَل منه بغير حُجّة. فأمّا إِن كان أحدهما قد غشي عليه بعد الخنق، ورفَسَه الآخر برِجله حتى خرج من فمه شيء فمات؛ فهذا يجب عليه القَوَد بلا ريب، فإِن هذا قاتلٌ نفسًا عمدًا؛ فيجب عليه القَوَد؛ إذا كان المقتول يكافؤه بأن يكون حُرًّا مسلمًا، فيُسَلّم إِلى ورثة المقتول؛ إِنْ شاءوا أن يقتلوه، وإنْ شاءوا عفوا عنه، وإنْ شاءوا أخذوا الدّية». وفي «مجموع الفتاوى» (ص ١٤٤) أيضًا: "وَسئل -رحمه الله- عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه، فجرى دمه، فقام الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميّتًا؟ فأجاب: يجب القَوَد على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه؛ فإِنّ مثل هذا الفعل قد يَقْتُل غالبًا؛ فإِنّ موته بهذا الفِعل دليل على أنه فَعل به ما يَقْتُل غالبًا؛ والفِعْل الذي يَقْتُل غالبًا يجب به القَوَد في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفه: مثل ما لو ضرَبه في أنثييه حتى مات فيجب القَوَد، ولو خنقه حتى مات وجب القَوَد، فكيف إذا اجتمعا؟! ووليّ المقتول مُخيَّر إِنْ شاء قتَل، وإِنْ شاء أخذ الدِّية، وإِنْ شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئًا لنفسه ولا لبيت المال؛ وإِنما الحقّ في ذلك لأولياء المقتول»]. ٦ - إِذا حبَسه ومنعه الطعام أو الشراب؛ حتى مات جوعًا وعطشًا؛ في مُدّةٍ يموت في مِثْلها غالبًا. ٧ - إِذا سقاه سمًّا، أو خَلطه بطعامه فأكل فمات. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ يهودية أَتت النبي - ﷺ - بشاةٍ مسمومة فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لَهواتِ (١) رسول الله - ﷺ -» (٢). وفي رواية من حديث أبي سلمة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ -، أهدَتْ له يهودية، بخيبر شاةً مصليّة ... قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إِلى اليهودية: ما حَمَلك على الذي صَنعْت؟ فقالت: إِنْ كنتَ نبيًا لم يضرَّك وإِن لم تكن استرحنا منك. فأمَرَ بها رسول الله فقُتلت» (٣). ٨ - إِذا قتَلَه بسحر يقتُلُ غالبًا. ٩ - إِذا شهد رجلان على رجل بقتل عمدٍ ... أو رِدّة، فيُقتَل بذلك، ثمّ يرجعان ويقولان: عَمَدنا قتْله. --------------------- (١) لَهَوات: جَمْع لهاة، وهي الَّلحَماتُ في سقف أقصى الفم. «النهاية». (٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#153 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 51الى صــ175 الحلقة (151) وتقدم قول عليّ -رضي الله عنه-: «لو علمْتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتُكما» (١). ١٠ - إِذا أمسك الرجل وقتلَه الآخر؛ يقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «إِذا أمسَك الرجل الآخر؛ يُقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك» (٢). قلت: ويُحمل حبْس الذي أمسَك، إِنْ كان لا يعلم إِرادة تعمُّد القتل عند صاحبه، أمّا إِن كان يعلم ذلك فإِنه شريكه. وقد تقدم أثر عمر -رضي الله عنه- «لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٣) لقتَلْتُهم جميعًا» (٤). والله أعلم. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن جماعةٍ دخلوا على بيتٍ لقتْلِ رجل، فقتَلَ منهم دفاعًا عن نفسه. فأجاب -رحمه الله-: «لا يقال بأنه قاتل، وإِذا جاء جماعةٌ أرادوا أخْذه لاستجوابه وهو يعلم ذلك، فلا يجوز أَن يقْتُل». ------------- (١) انظر كتاب «السرقة» (إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إقامة الحدّ). (٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر «هداية الرواة» (٣٤١٥) بتحقيق شيخنا -رحمه الله-. (٣) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. وتقدّم. (٤) تقدم تخريجه. ماذا يترتّب على قتْل العمد؟ يترتب على قتل العمد القصاص عند وجود المكافئ. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال: «العمد قَوَد والخطأ ديَة (١)» (٢). *ولا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئًا، لا من ماله، ولا من دِيته؛ إِذا كان من ورثته، وقاعدة الفقهاء في ذلك: «مَن استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه»* (٣). عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس للقاتل من الميراث شيء» (٤). وفي رواية: «ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئًا» (٥). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٣) «وسئل -رحمه الله- عن القاتل -------------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي وانظر»الصحيحة«(١٩٨٦). (٢) انظر -إن شئت-»الروضة النديّة«(٢/ ٦٣٩). (٣) ما بين نجمتين من»فقه السنة«(٣/ ٢٩٨). (٤) أخرجه البيهقي والدارقطني وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٦٧١). (٥) أخرجه البيهقي وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨١٨)، وانظر»الإِرواء" (٦/ ١١٧ - ١١٨) تحت الحديث (١٦٧١). ولدَه عمدًا؛ لمن ديته؟ فأجاب: وأمّا الوارث كالأب وغيره إذا قتَل مورثه عمدًا؛ فإِنه لا يرث شيئًا من ماله ولا ديته باتفاق الأئمّة، بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل؛ أبًا كان أو غيره، ويرثها سائر الورثة غير القاتل». من حقّ الورثة التنازُل عن القِصاص وطلب الدية أو العفو: إِذا تنازل الورثة عن القِصاص، فلهم طلب الدِّية. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَن قُتِل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إِمّا إِن يودَى (١) وإِما إن يُقاد» (٢). ولهم الصُّلح على زيادةٍ في الدِّية، ولهم كذلك العفو مجّانًا -وهو الأفضل- لقول الله -تعالى-: ﴿وأَن تعفوا أقرب للتقوى ولا تَنْسَوا الفضل بينكم﴾ (٣). وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذِينَ آمنوا كُتِبَ عليكمُ القِصاص في القتلى الحُر بالحُرّ والعبدُ بالعَبْدِ والأنثَى بالأنثَى فَمَن عُفَي لهُ مِن أخيه شيء فاتباعٌ بالمعرُوف وأداءٌ إِليهِ بإِحسان ذَلك تخفيفٌ مّن ربكم ورَحمةٌ فمنِ اعتدَى بعدَ ذلكَ فَلَهُ عذابٌ أليمٌ﴾ (٤). ------------------------ (١) أي: يُعطى الدِّية. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥). (٣) البقرة: ٢٣٧. (٤) البقرة: ١٧٨. ماذا إِذا عفا أحد الورثة؟ وإِذا عفا أحد الورثة، سقط القِصاص. فعن زيد بن وهب أن عمر -رضي الله عنه- «أُتي برجل قَتَل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول -وهي أخت القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر، عُتق القتيل، فأَمَر عمر لسائرهم بالدّية» (١). وعن زيد بن وهب أيضًا: «أنّ رجلًا دخل على امرأته. فوجد عندها رجلًا فقتلها، فاستعدى عليه إِخوتها عمر -رضي الله عنه- فقال بعض إِخوتها: قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية» (٢). وفي رواية: «أنّ رجلًا قتَل امرأته، استعدى ثلاثة إِخوة لها عليه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعفا أحدهم، فقال عمرُ للباقين: خذا ثلثي الدِّية؛ فإِنه لا سبيل إِلى قتله» (٣). القَتْل شبه العمْد: شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصَد ضرْبه بما لا يَقْتُلُ غالبًا، إِمّا لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه؛ كالضربِ بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكْز واليد. --------------------- (١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» وانظر «الإرواء» (٢٢٢٢). (٢) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٢٥): «وإسناده صحيح على شرط الشيخين». (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٢٥): «وإسناده صحيح». وسائر ما لا يَقْتُل غالبًا إِذا قتل؛ فهو شبه عمد؛ لأنه قصَد الضرب دون القتل، ويُسمّى عمدَ الخطأ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإِنه عَمَد الفعل وأخطأ في القتل (١). *ولما لم يكن عمدًا محضًا، سقط القَوَد؛ لأن الأصل صيانة الدماء، فلا تُستباح إِلا بأمر بيّن، ولما لم يكن خطأ محضًا -لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل- وَجَبَت فيه دِيَة مُغلظة* (٢). عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - ﷺ - قال: «عَقلُ (٣) شبهِ العمد مُغَلّظ؛ مثل عقْلِ العمد، ولا يُقتَل صاحبه، وذلك أن ينزو (٤) الشيطَان بين الناس فتكون دماء في عِمّيّا (٥) في غير ضغينة (٦) ولا حمْلِ سلاح» (٧). --------------------- (١) «المغني» (٩/ ٣٣٧). (٢) ما بين نجمتين من «فقه السنة» (٣/ ٢٩٥). (٣) العقل: أي: الدّية وأصلُه: أنّ القاتل إِذا قَتَل قتيلًا جمَع الدِّية من الإِبل فعَقَلها بفِناء أولياء المقتول: أي: شَدّها في عُقُلها ليُسَلمها إِليهم ويَقبضُوها منه، فسُميت الدِّية عَقلًا بالمصدر. يقال عَقَل البعير يَعْقله عقلًا، وجمعُها عقُول. وكان أصل الدِّية الإِبل، ثم قُوّمت بعد ذلك بالذهب والفضة والبقر والغنم وغيرها. «النهاية». (٤) النزو: الوثوب والتسرّع إِلى الشّر؛ انظر «النهاية» و«عون المعبود» (١٢/ ٢٠٠) وسيأتي كلام الحافظ -رحمه الله- قريبًا بإِذن الله. (٥) عِمّيّا: -بكسر العين والميم المشددة وتشديد الياء-: أي: في حالٍ يعمى أمْرُه، فلا يتبين قاتله ولا حالُ قتْله، فحُكمه حُكم قتيل الخطأ؛ تجب فيه الدِّية «النهاية» -بتصرف يسير-. (٦) الضغينة: الحقد والعداوة والبغضاء. (٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٩)، وانظر المشكاة (٣٥٠١). جاء في «عون المعبود» (١٢/ ٢٠١): «والحاصل أن قتل شبه العمد يحصل بسبب وثوب الشيطان بين الناس، فيكون القتال بينهم من غير حقد وعداوة ولا حمْل سلاح، بل في حالٍ يعمى أمره، ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، ففي مثل هذه الصورة؛ لا يُقتَل القاتل بل عليه دِيَة مغلظة مثل دية قتل العمد». وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، ثم قال: «ألا إِنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا» (١). ماذا يترتب على قتل شِبْه العمد؟ لا يجب في قتل شبه العمد القِصاص، ويجب فيه الدية المغلّظة على العاقلة (٢). قال في «المغني» (٩/ ٣٣٧): «فهذا لا قَوَد فيه، والدّية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم ..». مسألة: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٤) «وَسئلَ -رحمه الله- عمن ضرب رجلًا ضربة فمكث زمانًا ثمّ مات، والمدة التي مكث فيها كان ضعيفًا من الضربة: ما الذي يجب عليه؟ -------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٨)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٩٧). (٢) انظر»الروضة" (٢/ ٦٣٩). فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا ضربه عدوانًا فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة، ولا قَوَد فيه، وهذا إِن لم يكن موته من الضربة. والله أعلم». القتل الخطأ (١): هو أن لا يقصد ضربه، وإِنما قصَد غيره فأصابه، أو أن يفعل ما يجوز له ويُباح؛ كأن يحفر بئرًا؛ فيتردّى فيه إِنسان، أو أن يرمي الصيد، أو يفعل ما يجوز له قتْله فيؤول إِلى قتْل آدمي، فلا قَوَد عليه ولا قِصاص، وإِنما تجب الدية مخفّفة؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-. قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه مِن أهل العلم؛ أن القتل الخطأ؛ أنْ يرمي الرامي شيئًا؛ فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه. هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفّارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه. ماذا يترتب على قتل الخطأ؟ تجب الدّية مخفّفة على العاقلة (٢) والكفّارة في مال القاتل، وهي عتق ----------------------- (١) ملتقط من»المغني«(٩/ ٣٣٨) و»الروضة الندية«(٢/ ٦٣٩). (٢) قال في»النهاية«:»والعاقلة: هي العَصَبة والأقارب مِن قِبل الأب الذين يُعْطُون ديَةَ قتيل الخطأ ... وأصلها اسم فاعلة من العقل، وهي مِن الصّفات الغالبة«. وقال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(١٢/ ٢٤٦):»العاقلة: بكسر القاف جمع = رقبة مؤمنة فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. والأصل في وجوب الدِّية والكفّارة قول الله -تعالى-: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديِةٌ مُسلَّمة إِلى أهله إِلا أن يصّدقوا﴾ وسواء كان المقتول مسلمًا أو كافرًا له عهد لقول الله -تعالى-: المتقدّم ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيَةٌ مسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾. ولا قِصاص في شيء من هذا لأن الله -تعالى- أوجب به الدية ولم يذكر قصاصًا. وقال النبي - ﷺ -: «إِنّ الله وضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا ----------------------- = عاقل وهو دافع الدية، وسُمّيت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإِبل كانت تُعْقَل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إِبلًا. وعاقلة الرجل قرابته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإِبل على باب ولي المقتول، وتَحمُّل العاقلة الدية ثابت بالسنة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لكنه خُصّ من عمومها، ذلك لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أُخِذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمَن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. قلت: [أي: الحافظ -رحمه الله تعالى-] ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إِلى الإِهدار بعد الافتقار، فجعل على عاقلته؛ لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة، ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إِلى مثل ذلك من جماعة أدعى إِلى القَبول؛ من تحذيره نفسه والعلم عند الله -تعالى-. وعاقلة الرجل عشيرته، فيبدأ بفخذه الأدنى فإِن عجزوا ضم إِليهم الأقرب إِليهم وهي على الرجال الأحرار البالغين أُولي اليسار منهم». عليه» (١). ولأنه لم يوجب القِصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى (٢). فائدة: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٧٠): «وإِذا ماتَ منْ عليه الكفّارة ولم يُكفّر، فليُطعم عنه وليّه ستّين مِسكينًا فإِنّه بدلُ الصيام الذي عَجزت عنه قوتُه، فإِذا أَطعَم عنه في صيام رمضان فهذا أولى. والمرأة إِنْ صامت شهرين متتابعين؛ لم يَقْطَع الحيضُ تتابُعَها، بل تَبني بعد الطهر باتفاق الأئمِّة، والله أعلم». عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة: جاء في «الغني» (٩/ ٥٠٤): «عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تحمله؛ لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه، فأشبه القتل مِن البالغ. ولنا أنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد، ولأنه قتْلٌ لا يوجب القِصاص لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد، وبهذا فارَقَ ما ذكروه ويبطُل ما ذكروه بشبه العمد». قلت: والذي جاء في «المغني» هو الأرجح، وتعليله أقرب للنُّصوص المتصلة بالموضوع. والله -تعالى- أعلم. وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٨): «وسُئل -رحمه الله- تعالى ----------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٦٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٢). (٢) انظر»المغني«(٩/ ٣٣٨) -بتصرف- وانظر»الروضة الندية" (٢/ ٦٥٢). عن صبيّ دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دِية؛ مثل أن يَكسر سنَّا، أو يَفقأ عينًا، ونحو ذلك خطأ؛ فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دِيَة الجناية من أبي الصبيّ وحده إِنْ كان موسرًا؟ أم يطلبوها من عمّ الصبي أو ابن عمّه؟ فأجاب: الحمد لله. أمّا إِذا فَعل ذلك خطأ؛ فديته على عاقلته بلا ريب؛ كالبالغ وأولى. وإِنْ فَعَل عمدًا فعمدُه خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أنّ عمده إِذا كان غير بالغ في ماله». وفيه (ص ١٥٩): «والذي تحمله العاقلة بالاتفاق ما كان فوق ثُلث الدية، مِثْل قلْع العين، فإِنّه يجب فيه نصف الدِّية. وأمّا دون الثلث، كدِيَة السن؛ وهو نصف عشر الديَة، ودِيَة الأصبع، هي عشر الديَة» (١). ------------------ (١) انظر تتمّة كلامه للمزيد من الفائدة ومعرفة رأي الأئمة الأربعة -رحمهم الله أجمعين-. القِصاص القِصاص القصاص من قولِكَ: قَصَصْتُ الأثَرَ، وأقْصَصتُه: إِذا اتَّبعْتَه، قال الله -تعالى-: ﴿وقَاَلَتْ لأختِه قُصِّيهِ﴾ (١) أي: اتْبَعِي أثَره. وقال في قصة موسى -عليه السلام- وفتاهُ: ﴿فَارتدا عَلَى آثارِهما قَصَصًا﴾ (٢) كذلك القِصاص إِنِّما هو سُلوكُ مِثْل الطَّريقةِ التي فَعَلها الجارِحُ، لأنه يُؤتَى إِليه مثلَ ما أتَاَه هو (٣). وجاء في كتاب «التعريفات»: «هو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فَعَل». وفي «طِلبة الطَّلَبَة»: «القتل بإِزَاءِ القتلِ، وإِتْلاف الطَّرف بإِزَاءِ إِتْلاف الطَّرف. وقد اقتصَّ وليُّ المقتولِ من القاتلِ: أي: اسْتَوفَى قِصاصَهُ. وأقصَّه السّلطانُ منَ القَاتِل؛ أي: أوفَاه قصاصهُ، وهو من قولِكَ قصَّ الأَثرَ، واقْتَصَّه: أي: اتَّبَعَهُ، وقصَّ الحديث واقتصَّه؛ أي: رَوَاه على جهتِه، وهو كذلكَ أيضًا، أي: من الاتَّباع ...». شروط القِصاص (٤): ١ - أن يكون الجاني مُكلَّفًا، فأمّا الصبيّ والمجنون فلا قِصاص عليهما، لا --------------------- (١) القصص: ١١. (٢) الكهف: ٦٤. (٣) انظر «حلية الفقهاء». (٤) ملتقط من «الشرح الكبير» (٩/ ٣٥٠) و«فقه السنة» (٣/ ٣٠١) بزيادة وتصرف. خلاف بين أهل العِلم؛ في أنه لا قِصاص على الصبيّ والمجنون، وكذلك كلُّ زائل العقل بسببٍ يُعذر فيه كالنائم؛ لقول - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (١). ولأنّ القِصاص عقوبة مغلّظة؛ فلم تجب على الصبيّ وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصدٌ صحيح، فهم كالقاتل خطأً. وإِذا كان المجنون يزول عنه جنونه أحيانًا، فقَتل اقتصّ منه، وإِذا شرب رجلٌ شيئًا ظنّه غير مسكر، فزال عقله فقَتل في هذه الحال، فلا قِصاص عليه. ٢ - أن يكون المقتول معصومًا؛ فلا يجب القِصاص بقتلِ حربيّ؛ ولا يجب بقتله؛ ديَة ولا كفارة، وكذا الزاني المحصَن أو المرتد. عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ أعمى كانت له أمّ ولد، تشتم النبيَّ - ﷺ -، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي - ﷺ - وتشتمه، فأخذ ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢٩٧). وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، مسلم (١٦٧٦) وتقدّم. المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجمَع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فَعل ما فَعل لي عليه حقّ، إِلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قَعد بين يدي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها، فقال النبي - ﷺ -: ألا اشهدوا أنّ دمها هدر» (٢). ٣ - أن يكون المجنيَّ عليه مسلمًا، فلا يُقتل مؤمن بكافر. عن أبي جُحَيفةَ قال: «سألت عليًا -رضي الله عنه-: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن -وقال مُرة: ما ليس عند الناس- فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرأ النَّسمةَ (٣)، ما عندَنا إِلا ما في القرآن -إِلا فَهْمًا يُعطَى رجلٌ في كتابه- وما في الصحيفة. قلتُ: وما في الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسير، وأن لا يُقتل مسلمٌ ---------------------- (١) المِغْوَل: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل هو حديدة دقيقة لها حَدٌّ ماضٍ، وقيل هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس.»النهاية«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٦٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٧٩٤)، وتقدّم. (٣) النسمة: أي خَلَقَ ذات الرُّوح.»النهاية". بكافر» (١). وعن علي -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر» (٢). وقد اختلف العلماء هل يُقتل الحُرّ بالعبد؛ والراجح أنه يُقتل لقوله -تعالى-: ﴿وكَتَبْنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفس﴾ (٣). ولقوله - ﷺ -: «المسلمون تتكافأ (٤) دماؤُهم ويسعى بذمّتهم أدناهم» (٥). قال الإِمام الطبري -رحمه الله- فإِن قال قائل: فإِنه -تعالى-: ذكْره قال: ﴿كُتِبَ عليكم القِصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبَدِ والأنثى بالأنثى﴾ فما لنا أن نقتصّ للحرّ إِلا من الحرّ، ولا للأنثى إِلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذَّكر، بقول الله -تعالى- ذكْره: ﴿وَمَن قُتلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلنا لوليّه سُلطَانًا﴾ (٦). وبالنقل المستفيَض عن رسول اللهَ - ﷺ - أنّه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤُهم». --------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٩٠٣). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٩٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٥٣) والنسائي، «صحيح سنن النسائي» (٤٤١٢)، وصححه شيخنا - رحمه الله - في «الإرواء» (٢٢٠٨). (٣) المائدة: ٥. (٤) تتكافأ: تتساوى في القصاص والدِّيات. «النهاية». (٥) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٠٨). (٦) الإِسراء: ٣٣. وقال: فإِنْ قال ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نَزَلت هذه الآية في قوم كانوا إِذا قَتَل الرجُل منهم عبدَ قومٍ آخرين؛ لم يرضوا مِنْ قتيلهم بدم قاتله؛ من أجل أنه عبد حتى يَقتُلوا به سيده. وإذا قَتَلَت المرأة من غيرهم رجلًا لم يرضوا من دم صاحبها بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلًا من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فَرَض لهم من القِصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتلَ دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدُّوا القاتلَ إِلى غيره في القِصاص». ثم ذكر -رحمه الله تعالى- عددًا من الآثار في ذلك، وذكَر وجوهًا أُخرى ومناسبات عديدة ساقها بإسناده ثم قال -رحمه الله-: «.. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بالنقل العام؛ أنّ نفس الرجل قَوَدٌ قِصاصًا بنفس المرأة الحرة». ثم قال -رحمه الله-: «وإِذا كان كذلك؛ كان بيِّنًا بذلك؛ أنه لم يُرَدْ بقوله -تعالى-: ذِكْره: ﴿الحرّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبد بالحرّ، وأن لا تُقتَل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى ...» انتهى. قلت: أمّا حديث: «لا يُقاد مملوك من مالكه» فإِنه لا يثبُت، وانظر تفصيل ذلك في «الإِرواء» (٧/ ٢٧٠). وكذا أثرُ علي -رضي الله عنه-: «من السُّنة أن لا يُقتل حُرٌّ بعبد» فهو ضعيف جدًا، وانظر «الإِرواء» أيضًا (٢٢١١). وفي «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨٨) عن الحسن قال: «لا يُقاد الحر بالعبد» وهو صحيح مقطوع، ولا حُجّة فيه، كما لا يخفى على أهل العلم. والله -تعالى- أعلم. أقول: أمّا أن يقاد الرجل بالمرأة والعكس؛ ففيه عدد من الأدلة؛ إِضافة إِلى النصوص العامة المتقدمة. قال البخاري -رحمه الله- «باب القصاص بَيْن الرِّجالِ والنِّساءِ في الجرَاحَاتِ» وقال أهل العلمِ: يُقْتَل الرجل بالمرأة. ثم قال: ويذكَر عن عمر: «تُقادُ المرأة مِنَ الرَّجُلِ في كل عمدٍ يَبْلُغُ نفسه فما دونها مِنَ الجراحِ» (١). وبهِ قال عُمر بن عبدِ العَزيز وإِبْرَاهيمُ وأبو الزِّنادِ عَن أصحَابه (٢). وَجَرَحتْ أخْتُ الرُّبيع إِنسانًا فقالَ النبيُّ - ﷺ -: «القِصاصُ» (٣). -------------------------- (١) وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي، قال: كان فيما جاء به عروة البارقي إِلى شريح من عند عمر قال: جرح الرجال والنساء والأثر به سواء. وسنده صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٤). (٢) أما أثر عمر؛ فوصَله ابن أبي شيبه بسند صحيح عنه نحوه، وأما أثر إِبراهيم؛ وهو النخعي؛ فتقدم في أثر عمر الذي قبله، وأما أثر أبي الزناد؛ فوصله البيهقي بسند جيد عنه، «المصدر نفسه». (٣) وصله مسلم في «صحيحه» قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٤) والراجح: «أن هذه القصة هي غير قصة الربيع نفسها المتقدمة في»الصلح«(ج٢/برقم ١٢١٣) [أي في»صحيح البخاري«] لتغايرهما من وجوه» انتهى. ولعلها القصة نفسها انظر «صحيح النسائي» برقم (٤٤٢٨) من حديث أنس أن أُخت الرّبيع أم حارثة جرحت إِنسانًا؛ فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، وساق الحديث نفسه. ٤ - أن لا يكون أبًا للمقتول ولا أُمًّا؛ فلا يُقتَل الوالد بولده ولا الأمّ بولدها. عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يقاد الوالد بالولد» (١). وعن عمرو بن شعيب أنّ أبا قتادة، رجل من بني مُدْلِج، قَتَل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل، ثلاثين حِقّة (٢)، وثلاثين جَذَعَة (٣)، وأربعين خَلِفَةً (٤). فقال: أين أخو المقتول؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس لقاتلٍ ميراث» (٥). وأما الأمّ فلأنها أولى بالبِرّ كما قال بعض العلماء؛ فلا قِصاص عليها في قَتْل ولدها. وفي هذه الحالة يدفع الأب الدية للورثة، ويُستثنى هو منها، وكذا الأمّ تدفع الديَة إِنْ قتلت، وتُستثنى منها؛ فلا تأخُذ شيئًا. ----------------------------- (١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٢٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٥٧) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢١٤). (٢) حِقّة: هو من الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إلى آخرها، وسُميَ بذلك؛ لأنه استحق الركوب والتحميل. «النهاية». (٣) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًّا. وهو في الإبل ما دخل السنة الخامسة. «النهاية». (٤) خَلِفَةً: الحامل من النُّوق، وقد خَلِفت: إذا حَملت. «النهاية». (٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٤١)، وانظر «الإِرواء» (١٦٧٠، ١٦٧١). عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نُحِلت لرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابنًا، فكان يستخدمها، فلما شبّ الغلام دعاها يومًا، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال: لا تأتيك، حتى متى تستأمي أمي (١)؟! قال: فغضب، فحذفَه بسيفه، فأصاب رجله، فنزف الغلام فمات. فانطلق في رهطٍ من قومه إِلى عمر -رضي الله عنه- فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟! لولا أنيّ سمْعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:»لا يقاد الأب من ابنه«لقتلتك، هلم دِيَته. قال فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فخيّر منها مائة، فدفَعهَا إِلى ورثته، وتَرَك أباه» (٢). ٥ - أن يكون القاتل مختارًا فإِنّ الإِكراه يسلبه الإِرادة، ولا مسؤولية على من فقَد إِرادته. وقد تقدَّم هذا في أكثر من مسألة، وإِذا أَمَر مكلّفٌ غيرَ مكلفٍ بأن يقتل غيره، مثل الصغير والمجنون، فالقِصاص على الآخر، لأن المباشِر للقتل آلة في يده، فلا يجب القِصاص عليه، وإِنّما يجب على المتسبب. ----------------------- (١) تستأمي أمي: أي: تسترقّها. (٢) أخرجه ابن الجارود والبيهقي بهذا التمام، والدارقطني من طُرُق، وقال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا إِسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عمرو بن أبي قيس كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقد ذكر الحافظ الزيلعي عن البيهقي أنّه قال:»وهذا إِسنادٌ صحيح«ولعلّ هذا في كتابه»المعرفة«فإِنّي لم أره في»السنن«. وقال الحافظ في»التلخيص«: وصحح البيهقي سنده؛ لأنّ رواته ثقات. وانظر»الإِرواء" (٧/ ٢٦٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#154 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 176الى صــ190 الحلقة (152) الجماعة تُقتَل بالواحد: عن سعيد بن المسيب:»أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتَل نفرًا: خمسة أو سبعة؛ برجلٍ واحدٍ قتلوه قتل غيلة (١)، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٢) لَقَتْلتهم جميعًا» (٣). جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٠): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن جماعة اشتركوا في قَتْل رجل، وله وَرَثة صغار وكبار؛ فهل لأولاده الكبار أن يقتلوهم؛ أم لا؟ وإِذا وافَق وليّ الصغار -الحاكم أو غيره- على القتل مع الكبار: فهل يُقتَلون، أم لا؟ فأجاب: إِذا اشتركوا في قتْله؛ وجب القَوَد على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة، وللوَرَثة أن يقتلوا، ولهم أن يعفوا. فإِذا اتفق الكبار من الورَثة على قتْلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إِحدى الروايتين. وكذا إِذا وافق وليّ الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار؛ فيُقتلون. ثبوت القِصاص: ويثبت القِصاص بالآتي: ١ - الإِقرار: عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال:»إِني لقاعِدٌ مع النبي --------------------------- (١) غيلة: أي في خُفيةٍ واغتيال، وهو أن يُخدع ويُقتل في موضع لا يراه فيه أحد. «النهاية». (٢) تمالأ عليه أهل صنعاء: أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. «النهاية»، وتقدّم. (٣) أخرجه مالك في «الموطأ» والشافعي والبيهقي وغيرهم، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٠١)، وتقدّم. - ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسْعَةٍ (١). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٢) من شجَرَةٍ. فسَبَّني فأغَضَبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (٣) فقتلته. فقال له النبي - ﷺ - هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إلاَّ كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنِسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ. فانطلَقَ به الرَّجل، فلما ولّى قال رسول الله - ﷺ -: إِنْ قَتَلَهُ فَهو مِثْلُهُ، فَرَجَع فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ، وأَخَذتُه بِأمرِكَ. فقال رسول الله - ﷺ - أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! بَلَى، قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بِنِسْعَتهِ وخَلّى سَبيله» (٤). ولعله لم يُرد قتْله، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل ------------------------ (١) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة. (٢) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا»شرح النووي". (٣) قرنه: جانب رأسه. (٤) أخرجه مسلم (١٦٨٠). على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله» (١). ويُسأَل القاتل حتى يُقرّ: قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «باب سؤال القاتل حتى يُقرّ، والإِقرار في الحدود». ثم ذكر حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن يهوديًا رَضّ رأس جارية بين حَجَرين، فقيلَ لها مَن فعَل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهودي، فأَتى به النبي - ﷺ -، فلم يَزَل به حتى أقرّ، فرُضّ رأسه بالحجارة» (٢). وإِذا أقرّ بالقتل مرّة واحدة قتل به (٣). للحديث السابق (٤) وفيه: «فجيء باليهودي فاعترف». فإِنّه لم يذكُر فيه عددًا والأصل عدمه (٥). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٣٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٧٨) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٠٣) وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم. (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» «كتاب الديات» (باب - ١٢). (٤) وقد ذكر الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- هذا الحديث تحت الباب السابق. (٥) انظر «الفتح» (١٢/ ٢١٣). ٢ - يثبت (١) بشهادة رجلين عدلين. عن رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلق أولياؤه إِلى النبي - ﷺ -، فذكروا ذلك له، فقال: لَكمْ شاهِدان يَشهدَان على قَتْل صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمّ أحدٌ من المسلمين، وإِنما هم يهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. قال: فَاخْتارُوا مِنْهم خَمسِين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه (٢) النبي - ﷺ - من عنده» (٣). استيفاء القِصاص (٤): ويُشترط لاستيفاء القِصاص ثلاثة شروط: ١ - أن يكون من يستحقّه مُكَلّفًا، فإِنْ كان صبيًّا أو مجنونًا لم يَجُز استيفاؤه، ويُحبَس القاتل حتى يبلغ الصبيّ، ويعقل المجنون -إِذا أمكن ذلك-. ٢ - أن يتفق أولياء الدم جميعًا على استيفائه، وليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، وإِنْ عفا بعضهم سقط القِصاص؛ كما تقدَّم. ------------------------ (١) أي القِصاص. (٢) وداه: أي أعطى ديِتَه. «النهاية». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٩٣) وأصْل القصّة في «الصحيحين». (٤) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٨٣) -بتصرف وزيادة-. ٣ - أن يُؤمَن في استيفاء القِصاص التَّعدّي إِلى غير القاتل، فلو وجب القِصاص على حامل، أو حَمَلت بعد وجوبه، لم تُقتَل حتى تضع الولد وتسقِيه اللبأ -وهو أوّل اللّبن عند الولادة (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ (٢) وقتل ما في بطن الحامل منَ الإِسراف في القتل. عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتى النّبيّ - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذًا لا نرجمها وندَع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها» (٣). بمَ يكون القِصاص (٤)؟ الأصل في القصاص، أن يُقتَل القاتل بالطريقة التي قتَل بها؛ لأنّ ذلك ----------------------- (١) انظر «لسان العرب». (٢) الإسراء: ٣٣. (٣) أخرجه مسلم (١٦٩٥) وتقدّم. (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣١٣) -بتصرف وزيادة-. مُقْتَضى المماثلة والمساواة. إِلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمِثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١). ويقول -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٢) وقد رجّح الجمهور أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، وتمسّكوا بالآيتين السابقتين (٣). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «يأمر -تعالى- بالعدل والاقتصاد والمماثلة في استيفاء الحق ..». وقال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٤) وقد رضّ رسول الله - ﷺ - اليهودي بحجر لمّا رضّ هو رأس المرأة بحجر. فعن أنس من مالك -رضي الله عنه- أن يهوديًا رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بكِ هذا؛ أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَر النبي به - ﷺ - فَرُضّ رأسُه بالحجارة«(٥). ولا تجوز المثلة في القِصاص؛ لأنه من الإِسراف في القتل. ------------------------- (١) سورة البقرة: ١٩٤. (٢) النحل: ١٢٦. (٣) انظر»الفتح" (١٢/ ٢٠٠). (٤) الشورى: ٤٠. (٥) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (١٦٧٢) وتقدّم. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ «قالوا: معناه، فلا يسرف الوليّ في قتْل القاتل، بأن يمثّل به أو يقتَصّ من غير القاتل». وعن عمران بن حصين قال: «كان رسول الله ينهانا عن المُثْلة» (١). بل يجب الإحسان في القِصاص. فعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة» (٢). استحباب العفو في القِصاص: عن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: «إِني لقاعِد مع النبي - ﷺ - إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسعَةً (٣). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٤) من شجَرَةٍ. فسَبَّني ------------------------- (١) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبر داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٢٢)، وانظر»الإِرواء«(٢٢٣٠). (٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥). (٣) النِّسعة: حبل من جلود مضفورة. (٤) نختبط: أي نجمع الخبط -وهو ورق الثمر- بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا»شرح النووي". فأغَضبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (١) فقتلته، فقال له النبي - ﷺ -: هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إِلا كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ فانطلَقَ به الرَجُلُ فلمّا ولّى، قال رسول الله - ﷺ - إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثله. فَرَجَع، فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ وأَخَذتُهُ بِأمرِكَ. فقال رسول الله - ﷺ -: أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! (لعَلَّه قال) بَلَى قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بنِسْعِته وخَلّى سَبيلهُ» (٢). ولعله لم يُرد قتْله -كما تقدّم- لما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله» (٣). وعن عطاء بن أبي ميمون قال: لا أعلمه إلاَّ عن أنس بن مالك قال: «ما رُفع -------------------- (١) قرنه: جانب رأسه. (٢) أخرجه مسلم (١٦٨٠)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٧٥)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١١٣٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٧٨)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٤٤٠٣) وتقدّم. إِلى رسول الله - ﷺ - شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو» (١). وفي لفظ: قال: أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «ما أُتي النبي - ﷺ - في شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو» (٢). إِذا اعتدى على الجاني بعد العفو: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: «كان في بنى إِسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الديَة، فقال الله تعالى لهذه الأمّة ﴿كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى فمن عُفي لَه من أخيه شيء﴾ فالعَفوُ أن يقبل الدِّية في العمدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إِليه بإِحسان﴾ يتبعُ بالمعروف ويؤدِّي بإحسان ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي: قَتَلَ بعد قَبول الدِّيَة» (٣). سقوط القِصاص (٤): ويسقُط القِصاص بعد وجوبه بأحد الأسباب الآتية: ١ - عفو جميع الأولياء أو أحدهم، لكن يشترط أن يكون العافي عاقلًا مميزًا؛ لأنه من التصرفات المحضة، التي لا يمكلها الصبي ولا المجنون. ------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٨٠). (٢) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٥٢). (٣) أخرجه البخاري (٤٤٩٨). (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣١٤) -بتصرّف وحذْف-. ٢ - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به، فإِذا مات مَنْ عليه القِصاص، أو فقَد العضو الذي جنى به، سقط الِقصاص؛ لتعذر استيفائه. ٣ - إِذا تمّ الصلح بين الجاني والمجني عليه، أو أوليائه وانظر العنوان الآتي: التراضي على الدِّية بالزيادة فِرارًا من القِصاص: عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - ﷺ - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدّقًا، فلاَجّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجّه، فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال النبي - ﷺ -: لكم كذا وكذا فرضوا. فقال النبي - ﷺ -: «إِني خاطبٌ العَشيَّة على النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطَب رسول الله - ﷺ - فقال: إِنّ هؤلاء الليْثيِّين أتوني يريدون القَوَد، فعرضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا! فَهَمَّ المهاجرون بهم، فأمَرَهم رسول الله - ﷺ -: أن يكفّوا عنهم، فكفّوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ قالوا نعم! قال: إِنِّي خاطبٌ النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطب النبي - ﷺ - فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم» (١). استيفاء القِصاص بحضرة السلطان (٢): ينبغي أن يكون استيفاء القصاص بحضرة السُّلطان؛ إذ واجب الحاكم ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٣) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الحسان» (٤٤٧٠). (٢) «المغني» (٩/ ٣٩٣) -بزيادة وتصرُّفٍ يسير-. تمَكِين أولياء المقتول مِن استيفاء حقّهم من القاتل؛ ويفعل فيه الحاكم ما يختاره الوالي من القتل أو العفو أو الدِّيَة. ثم إِنّ للسلطان أثرًا في التذكير بالعفو -من غير إِلزام- وقد تقدّم أكثر مِن مرّة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قُتِل رجل على عهد النبي - ﷺ -، فرُفع ذلك إِلى النبي - ﷺ -، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أمَا إِنّه إِنْ كان صادقًا ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخلت النَّار، قال: فخلَّى سبيله» (١). ولأَنّه أمْرٌ يفتقر إِلى الاجتهاد، ويحرُمُ الحيف فيه، فلا يُؤمَن الحيف مع قصد التشفّي، فإِنِ استوفاه من غير حضرة السلطان؛ فإِنه يُعزّر بفعل ما مُنع. وعلى السلطان تفقُّد الآلة؛ فإِن كانت كالّة - منعه الاستيفاء بها لئلا يُعذَّب المقتول (٢). عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ الله كَتب الإِحسان على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوُا القِتْلَة وإذا ذَبَحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكُم شَفْرتَه فلْيُرح ذبيحَتَه» (٣). وإنْ كان الوليّ لا يُحسن استيفاء حقّه؛ أمَرَه السلطان بالتوكيل فيه لأنه ------------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٣٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٧٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٤٠٣) وتقدّم. (٢) «المغني» (٩/ ٣٩٤). (٣) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وتقدم مختصرًا في (باب بمَ يكون القِصاص). حقُّه، فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه، فإِن لم يجد من يوكّله إِلا بعِوض، أُخِذ العِوَض من بيت المال. أقول: ولا يخفى أن القِصاص من غير إِشراف الحاكم قد يؤدِّي إِلى الإِسراف في القتل والذي أشير إِليه آنفًا - ومِن أبشع صُوره اتساع دائرة القتل إِلى أبناء عشيرتين أو قبيلتين؛ انتقامًا وأخذًا بالثأر! وجاء في «فتح الباري» (١٢/ ٢١٦): «قال ابن بطال: اتفق أئمّة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد إِن يَقتَصّ مِن حقّه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده ...». وهناك نُصوص تدلّ على أخذ الحق أو القِصاص في أشياء محدّدة دون السلطان. قال الإِمام البخاري -رحمه الله- (باب مَن أخَذَ حقّه أو اقتصّ دون السلطان) ثمّ ذكر تتمّة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «لو اطلع في بيتك أحَدٌ ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه (١)؛ ما كان عليك من جُناح (٢)» (٣). وعن حميد أنّ رجلًا اطّلع في بيت النبي - ﷺ - فسدّد (٤) إِليه ------------------------ (١) ففقأت عينه: أي أطفأت ضوءَها. (٢) جُناح: أي إِثم أو مؤاخذة. (٣) أخرجه البخاري (٦٨٨٨)، ومسلم (٢١٥٨). (٤) فسدّد: أي صوّب، وزْنُه ومعناه. والتصويب: توجيه السهم إلى مرماه «الفتح». مِشقصًا (١) «(٢). وذكر النسائي -رحمه الله- تحت (باب مَن اقتصّ وأَخذ حقّه دون السلطان) أثر (٣) أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:»رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلّي إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ شابٌّ من بني أبي مُعَيط أن يجتازَ بينَ يدَيِه، فدفَعَ أبو سعيد في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلم يَجِد مَساغًا إِلا بين يدَيه، فعادَ ليَجْتازَ؛ فدفعه أبو سعيد أشدَّ منَ الأولى، فنالَ مِن أبي سعيدٍ. ثمَّ دخلَ على مَروَانَ فشكا إِليهِ ما لَقيَ من أبي سعيدٍ، ودخل أبو سعيد خَلفهُ على مَروانَ، فقال: ما لَكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟ قال: سَمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «إِذا صلى أحدُكم إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ أحدٌ أن يجتازَ بينَ يدَيه فليَدْفعْه. فإِنْ أبى فليُقاتلْهُ فإِنمَّا هو شيطانٌ» (٤). القِصاص في الأطراف والجروح: ويثبت القِصاص في الأطراف ونحوها والجروح مع الإمكان؛ لقوله -تعالى-: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعينَ بالعينِ والأنف بالأنف ----------------------- (١) المشقص: قال جمعٌ من الشُّراح: «هو سَهْم ذو نصلٍ عريض» والنّصل: حديدة السهم. (٢) أخرجه البخاري (٦٨٨٩)، ومسلم (٢١٥٧) من حديث أنس -رضي الله عنه-. (٣) انظر «صحيح سنن النسائي» (٤٥١٨). (٤) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥). والسنّ بالسنّ والجروح قِصاص فمنْ تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إِلى أنّ شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا؛ إِذا حُكِى مُقرّرًا ولم يُنسَخ؛ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إِسحاق الإِسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة». وقال -رحمه الله- أيضًا في «تفسيره»: «قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: تقتل النفس بالنفس، وتُفقَأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتُنزَع السنّ بالسنّ وتُقتَصّ الجراح بالجراح». وفي حديث أنس -رضي الله عنه- أنّ الرّبيِّع -وهي ابنةُ النّضر- كسرَت ثَنيَّة جاريةٍ، فطلبوا الأرشَ (٢) وطلبوا العفو، فأبَوا. فأبَوا النبي - ﷺ - فأمَرهم بالقِصاص. فقال أنس بن النّضر: أتُكسر ثَنيَّة (٣) الرّبيِّع يا رسول الله؟ لا والذي بعَثَكَ بالحقّ لا تُكسر ثنيّتها. فقال: يا أنس كتابُ الله القِصاص. فرضي القوم وعَفوا. فقال النبي - ﷺ -: إِن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبرّه". زاد الفزاري ------------------------ (١) المائدة: ٤٥. (٢) الأرش: الدِّية. (٣) الثنية: إحدى الأسنان الأربع التي في مُقدّم الفم: ثنتان من فوق وثنتان من تحت. عن حميد عن أنس «فرضيَ القوم وقَبِلوا الأرش» (١). وعن أنس بن مالك قال: إِنما سَمَل (٢) النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣). وهو معنى قوله: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ وقد روي عن محمد بن سيرين قال: «إِنما فَعل بهم النبي - ﷺ - هذا قبل أن تُنزل الحدود» (٤). ويُقيّد القِصاص في الأطراف والجروح بالإِمكان. جاء في «المغني» (٩/ ٤٠٩): «وإِذا جرحه جرحًا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف؛ اقتُصّ منه. وجملة ذلك أنّ القِصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكنَ؛ للنصّ والإِجماع». ثمّ استدل -رحمه الله- بقوله -تعالى-: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ ثمّ بحديث الرُّبَيِّع -رضي الله عنها-. ثم قال -رحمه الله-: «وأجمع المسلمون على جريان القِصاص فيما دون النفس إِذا أمكن، ولأنّ ما دون النفس كالنفس في الحاجة إِلى حفظه بالقِصاص؛ فكان كالنفس في وجوبه» ثم قال -رحمه الله- «ويشترط لوجوب -------------------- (١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥). (٢) سَمَل: فقَأها وأذهب ما فيها. (٣) أخرجه مسلم (١٦٧١)، وتقدّم. (٤) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٦٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#155 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 191الى صــ205 الحلقة (153) القِصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون عمدًا محضًا، فأمّا الخطأ فلا قِصاص فيه إِجماعًا، ولأن الخطأ لا يوجب القِصاص في النفس -وهي الأصل- ففيما دونها أولى. ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضَرْبه بما لا يفضي إِلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القِصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القِصاص إِلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القِصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية. الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتَلَه ... فأما من لا يُقتَل بقتله فلا يُقتَص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر ... والأب مع ابنه؛ لأنه لا تُؤخَذُ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه. الثالث: إِمكات الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقال: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمثْل مَا اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ ولأنّ دم الجاني معصوم إِلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع مع القِصاص؛ لأنها مِن لوازمه، فلا يمكن المنع منها إِلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه. وممن منَع القِصاص فيما دون الموضحة (١)؛ الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحابُ الرأي. ------------------------ (١) وهي التي تُبدي وَضح العظم، أي بياضَه. «النهاية». ومنَعه في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والزهري والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وإِذا ثبت هذا؛ فإِن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة؛ هو كل جرح ينتهي إِلى عظم؛ كالموضحة في الرأس والوجه. ولا نعلم في جواز القِصاص في الموضحة -وهي كل جرح ينتهي إِلى العظم في الرأس والوجه- وذلك لأن الله -تعالى- نصَّ على القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حُكم الآية. وفي معنى الموضحة؛ كل جرح ينتهي إِلى عظم فيما سوى الرأس والوجه؛ كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا قِصاص فيها ....». قلت: يجب العمل بمقتضى عموم الآية ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ في أي مكان من الجسم، إِذا أَمكن عدم الحيف أو الزيادة. وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٦٤٧): «وأمّا تقييد ذلك بالإِمكان، فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مِثل ما في المجنيّ عليه. وخطاب الشرع محمول على الإِمكان، مِن دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجنيّ عليه، فإِذا كان لا يمكن إِلا بمجاوزةٍ للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدّالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإِضرار به -بما هو خارج عن القِصاص- مُخصِّصة لدليل الاقتصاص. قلت: [-أي: صاحب»الروضة النديّة"-] إن كلّ طَرَف له مَفْصِل معلوم، فَقَطَعه ظالم من مَفْصِله من إِنسان اقتُص منه؛ كالإِصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرِّجل يقطعها من المفصل؛ يُقتصّ منه. وكذلك لو قلَع سِنّه، أو قطَع أنفه، أو أذنه، أو فَقأ عينه، أوجَبّ ذكَرَه، أو قطع أُنثيَيه؛ يُقتَصّ منه، وكذلك لو شَجَّه موضِحةً في رأسه أو وجهه؛ يُقتصّ منه. ولو جرح رأسه دون المُوضِحة، أو جرح موضعًا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قَوَد فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه. وكذلك لو قَطَع يَده من نِصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أنْ يقتصّ من الكوع، ويأخذ حكومةً (١) لنصف الساعد، وعلى هذا أكثر أهل العِلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف». وجاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر (ص ١٧٢): «وأجمعوا على أن الموضحة فيها القِصاص إِذا كانت عمدًا». وعن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا قَودَ في المأمومةِ ولا الجائِفة ولا المنقّلة» (٢). المأمومة: الشَّجَّة التي بلغت أمّ الرأس؛ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. -------------------------- (١) ما يحكُم فيه الحاكم من الجراحات التي ليس فيها دِيَةٌ مقدّرة، وسيأتي التفصيل إن شاء الله -تعالى-. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٢) وأبو يعلى، وانظر «الصحيحة» (٥/ ٢٢٢). الجائفة: الطعنة التي تَصل إِلى الجوف، والمراد بالجوف هنا كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ. المنقِّلة: هي التي تخرُج منها صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تُنقِّل العظم، أي: تَكْسِره. كذا في «النهاية». قال أبو الحسن السندي: «وإنما انتفى القِصاص لعسر ضبطه» (١). أقول: في قوله -تعالى-: ﴿فمن تصدَّق به فهو كفّارة له﴾ بيان أجر من يتنازل عن القِصاص. وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «ما من رجلٍ يُجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها؛ إِلا كَفّر الله عنه مِثل ما تصدّق به» (٢). قال في «فيض القدير»: «يعني إِذا جنى إِنسان على آخر فقلع سِنّه أو قطع يده مثلًا، فعفا المستحقّ عن الجاني لوجه الله؛ نال هذا الثواب». القِصاص في اللطمة والضربة واللكز والسبِّ: مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه؛ وشرطُ ذلك أن يكون اللطمُ والضرب أو السبّ المراد إِيقاعه بالجاني؛ مساويًا لِلَطْم وضرب وسبِّ المقتصّ، أو قريبًا من ذلك، دون تعمُّد الزيادة. ------------------------- (١) انظر «شرح سنن ابن ماجه» (٢/ ١٤١) للسندي -رحمه الله تعالى- و«الصحيحة» (٥/ ٢٢٣) لمعرفة غريب الحديث -إِن شئت-. (٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، وانظر «الصحيحة» (٢٢٧٣). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٦٢): "وسئل -رحمه الله- عن الرجل يلطِم الرجل أو يكلمه، أو يسبّه؛ هل يجوز أن يُفعَل به كما فعَل؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك؛ فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين؛ أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إِسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء؛ إِلى أنه لا يشرع في ذلك قِصاص؛ لأنّ المساواة فيه متعذرة في الغالب. وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ والأول أصحّ؛ فإِن سُنّة النبي - ﷺ - مضَت بالقِصاص في ذلك وكذلك سُنّة الخلفاء الراشدين، وقد قال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئة مِثلها﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (٢) ونحو ذلك. وأمّا قول القائل: إِنّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بدّ لهذه الجناية من عقوبة: إِمّا قِصاص، وإِمّا تعزير، فإِذا جوّز أن يُعزر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إِلى ما هو أقرب إِلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القِصاص مُعتَبر بحسب الإِمكان. ومن المعلوم أن الضارب إِذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها كان هذا أقرب إِلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنَع القِصاص في ذلك ------------------------ (١) الشورى: ٤٠. (٢) البقرة: ١٩٤. خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرّ منه. فعُلم أنما جاءت به السُّنة أعدل وأمثل. وكذلك له أن يسبّه كما يسبّه: مثل أن يلعنه كما يلعنه. أو يقول: قبّحك الله. فيقول: قبّحك الله. أو أخزاك الله فيقول: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب! يا خنزير! فيقول: يا كلب! يا خنزير! فأمّا إِذا كان مُحرّم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه، لم يكن له أن يُكفّره ولا يكذب عليه. وإِذا لعَن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنّ أباه لم يظلمه». انتهى. قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد ابن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٢/ ٢٢٧): قوله -أي الإِمام البخاري «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد بن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربة بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش». أمّا أثر أبي بكر -وهو الصِّدّيق-: فوصَله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول «لطم أبو بكر يومًا رجلًا لطمة، فقيل -------------------------- (١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب ٢١ - إذا أصاب قومٌ من رجل ...). وانظر -إن شئت-»مختصر البخاري" (٤/ ٢٢٦) لوصل التعليق، والحكم على إسناده. ما رأينا كاليوم قط هنعة (١) ولطمة، فقال أبو بكر: إِن هذا أتاني ليستحملَني فحملتهُ فإِذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثمّ قال له: اقتصّ، فعفا الرجل». وأمّا أثر ابن الزبير فوَصلَه ابن أبي شيبة ومسدد جميعًا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار «أن ابن الزبير أقاد من لطمة». وأمّا أثر علي الأول؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه «أن عليًا أتى في رجلٍ لطَم رجلًا، فقال للملطوم: اقتصّ». وأما أثر سويد بن مُقرِّن فوصَلَه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه. وأمّا أثر عمر فأخرجه في «الموطأ» عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعًا (٢)، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدِّرَّة فقال:»عجلت عليّ، فأعطاه المِخْفقة (٣) وقال: اقتصّ، فأبى، فقال: لتفعلن، قال: فإِني أغفرها«. وأمّا أثر علي الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن مَعْقِل -بكسر القاف- قال:»كنت عند عليّ ----------------------------- (١) جاء في «تاج العروس»: الهنَع انحناء في القامَة، وفي «الصحاح» تطامُنٌ في عُنق البعير؛ فلعلّها تعني الذّل. والله أعلم. (٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٦): وصله مالك وعبد الرزاق بسند ضعيف عنه. (٣) ما يضرَبُ به من سوطٍ ونحوه. فجاءه رجل فسارَّه فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد عليّ ثلاثة أسواط، فقال: صدَق. قال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إِذا جلدت فلا تتعد الحدود». وأمّا أثر شُريح فوصَله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إِبراهيم النخعي قال: «جاء رجل إِلى شريح فقال: اقدني من جلْوازك (١)، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطًا. فأقاده منه». ومن طريق ابن سيرين قال: اختصم إِليه -يعني: شريحًا- عبدٌ جَرَح حرًّا فقال: إِنْ شاء اقتص منه. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة، ومن وجه آخر عن أبي إِسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخُموش (٢). وقال الليث وابن القاسِم: «يقاد من الضرب بالسوط وغيره؛ إِلا اللطمة في العين؛ ففيها العقوبة خشيةً على العين». انتهى. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «المُسْتَبّان ما قالا؛ فعلى البادئ، ما لم يعتَدِ المظلوم» (٣). (المُسْتَبان ما قالا): جاء في «العون» (١٣/ ٢٣٨): «المُسْتَبان تثنية -------------------------- (١) أي: شرطيِّك. (٢) الخُموش -بضم المعجمة- الخدوش وزنه ومعناه، والخماشة: ما ليس له أَرْش معلوم من الجراحة.»الفتح". (٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٧). مستبّ وهما المتشاتمان اللذان يشتم كلّ منهما الآخر. (ما قالا) أي: إِثم قولهما من السبّ والشتم. (فعلى البادئ): أي: على الذي بدأ في السبّ، لأنه السبب لتلك المخاصمة. قال في»اللمعات«: أما إِثم ما قاله البادئ فظاهر، وأمّا إِثم الآخر فلكونه الذي حمَله على السبّ وظلمه». (ما لم يعتدِ المظلوم): أي: يتجاوز الحدّ؛ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أمّا إِذا اعتدى كان إِثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي؛ كذا في «اللمعات». والحاصل إِذا سبَّ كلّ واحد الآخر؛ فإِثم ما قالا على الذي بدأ السبّ، وهذا إِذا لم يتعدّ ويتجاوز الحدّ، والله أعلم. قال النووي (١٦/ ١٤١) -بحذف وتصرف يسيرين-: "معناه أنّ إِثم السباب الواقع من اثنين مختصٌ بالبادئ منهما كلّه، إلاَّ أن يتجاوز الثاني قدْر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مِمّا قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه. وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: ﴿ولَمَنِ انتَصَر بعْدَ ظُلْمه فَأولئكَ مَا عليْهم مِن سَبيلٍ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿والَّذين إذا أصَابهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصرون﴾ (٢). --------------------- (١) الشورى: ٤١. (٢) الشورى: ٣٩. ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى ﴿ولمَن صَبَرَ وغَفَر إِنّ ذلك لمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (١) ولقوله - ﷺ -: «ما زاد الله عبدًا بعفو إِلا عزًّا» (٢). واعلم أن سِباب المسلم بغير حقّ حرام كما قال رسول الله - ﷺ -: «سِباب المسلم فسوق». ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلاَّ بمِثل ما سبّه، ما لم يكن كَذبًا أو قذفًا أو سبًا لأسلافه، فمِن صور المباح أن ينتصر بيا (٣) ظالم، أو جافي، أو نحوه، ذلك لأنّه لا يكاد أحد ينفكّ من هذه الأوصاف. قالوا: وإِذا انتصَر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إِثم الابتداء أو الإِثم المستحقّ لله تعالى ...«. جاء في»إِكمال الإِكمال«(٨/ ٥٤٤):»ما لم يتعدّ: أي يتجاوز، فلأنّه إِنّما أُبيح له أن يَرُدّ مِثل ما قيل له؛ لقوله تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٥). والعداء في الردّ بالتكرار مِثل أن يقول البادئ: يا كلب فيردّ عليه مرّتين، ----------------------- (١) الشورى: ٤٣. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٨). (٣) أي أن يقول: يا ظالم ... (٤) النحل: ١٢٦. (٥) الشورى: ٤٠. وبأن يردّ بأفحش كما لو قيل له: يا كلب فقال له: أنت خنزيز. وكما لو سبّه البادئ فسبّ الراد آباء البادئ وكان ذلك عداء؛ لأنّه سبّ من لم يجْن عليه، وكانت هذه المذكورات عداءً؛ لأنَّ الانتصار إِنّما هو من باب القِصاص، والقِصاص إِنما يكون بالمِثل للآيتين السابقتين». والخلاصة: إِنّ إِثم السبّ والشتم الصادر من المسْتبّين المشاتمين على من بَدأَ لأنّه السبب في ذلك، ما لم يعْتد المظلوم ويتجاوز الحدّ؛ بأن يسبّه أكثر وأفحش ففيه جواز السب والشتم بالشرط المذكور، والعفو أفضل. ويُحمَل قوله - ﷺ -: «المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان» (١) على الاعتداء في القِصاص. وتجاوز الحدّ، ومقابلة المعصية بمثلها أو أكثر؛ فقد تقدم أن المعصية لا تقابَل بالمعصية، وهنا قال - ﷺ -: «يتهاتران» أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهِتر -وهو الباطل والسَّقط من الكلام، وقال - ﷺ - أيضًا: «يتكاذبان» وتقدّم القول بتحريمه. والله -تعالى- أعلم. وفي الحديث: «لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته (٢)» (٣). ------------------------ (١) انظر «صحيح الأدب المفرد» (٣٣٠). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٨٦)، وابن ماجه، «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٧٠)، وغيرهما. وانظر «الإرواء» (١٤٣٤) ورواه البخاري معلّقًا «كتاب الاستقراض» (باب لصاحب الحقّ مقال). (٣) قال ابن المبارك: «يُحِلّ عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له». ليّ الواجد: أي مطلق الغنى، والليّ بالفتح المطل، وأصله لوى فأُدغمت الواو في الياء. = اشتراك الجماعة في القِصاص: عن مطرّفٌ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنّه سرق فقطعه علي -رضي الله عنه- ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأُخذا بدية الأول. وقال: «لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لَدَدْنَا (٢) رسول الله - ﷺ - في مرضه، وجعلَ يشيرُ إِلينا لا تَلُدُّوني. قال: فقلنا كراهية المريض بالدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكنّ أن تَلُدُّوني، قال: قُلنا كراهيةً للدواء؛ فقال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى منكم أحدٌ إِلا لُدَّ وأنا ------------------ = والواجد الغني من الوُجد بالضم بمعنى السعة والقدرة، ويقال وجَد في المال وجدا أي: استغنى. (يحل): بضم الياء من الإِحلال. (عرضه): بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش. (وعقوبته): بأن يُعزّره القاضي على الأداء؛ بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدي. (١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - إِذا أصاب قومٌ من رجل ...) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة وانظر»الفتح«(١٢/ ٣٣٦) وتقدّم. (٢) اللَّدود: بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحد جانبي فم المريض. واللُّدود -بالضم- الفعل ولدَدْت المريض: فَعَلْت ذلك به.»الفتح". أنظر؛ إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٨/ ١٤٧): «قوله: لا يبقى أحدٌ في البيت إِلا لُدَّ وأنا أنظر إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» قيل: فيه مشروعية القِصاص في جميع ما يُصاب به الإِنسان عمدًا، وفيه نظَر، لأنّ الجميع لم يتعاطَوا ذلك، وإنما فَعَل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك. أمّا مَن باشره فظاهر، وأمّا من لم يباشِره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه. ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يُعْذَرُ به صاحبه، وفيه نظَر أيضًا لأن الذي وقع في معارضة النهي. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقّه فيقعوا في خَطبٍ عظيم، وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه. والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان تأديبًا لا قِصاصًا ولا انتقامًا. قيل: وإِنما كَره اللَّد مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومَن حقق ذلك كُره له التداوي. قلت: وفيه نظَر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإِنما أنكَر التداوي؛ لأنه كان غيرَ ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أنّ به ذات الجنب فداووه بما يلائمها؛ ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم". ---------------------- (١) أخرجه البخاري (٦٨٩٧) مسلم (٢٢١٣). قلت: والمترجّح لديّ أنّه مِن باب القِصاص، وقد رواه الإِمام البخاري -رحمه الله- في مواطن عديدة؛ منها باب الدِّيات، فدلّ هذا على أنه يراه من باب القِصاص ولا يمتنع عليه هذا الفعل؛ لأنه - ﷺ - كما وصَفَه الله -سبحانه-: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وحْيٌ يوحى﴾. وتركُه - ﷺ - العفو في هذا الموطن -وهو قادرٌ عليه بلا ريب- يؤيّد الأصل العامّ -ألا وهو القِصاص- وهذا كما لا يخفى من باب التشريع للأمّة. وأما قول مَن قال إِنه تأديب وليس قِصاصًا، فلعل الأَوْلى أن يقول القائل: تأديبٌ بالقِصاص. والله -تعالى- أعلم. هل يشرع القِصاص في إِتلاف الأموال؟ إِذا أتلف المرء مال غيره؛ كأن يخرق ثوبه أو يهدم داره، أو يقطع ثمره، فهل له أن يقتصّ منه؛ بمثِل ما أصابه فيه قولان للعلماء: أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ كما سيأتي البيان والتعليل بإِذن الله. جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٣٢): "وسئل -رحمه الله- هل يجوز له أن يَخرق ثَوبه كما يخرِق ثوبه؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في إِتلاف الأموال؛ مِثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك؛ فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ لأنّ الأنفس والأطراف أعظمُ قدْرًا من الأموال، وإِذا جاز إِتلافها على سبيلْ القِصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم، فالأموال أولى. ولهذا يجوز لنا أن نُفسد أموال أهل الحرب إِذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمِر. وإِن قيل بالمنعِ من ذلك لغير حاجة، فهذا فيه نزاع؛ فإِنه إِذا أتلف لى ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك، فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد فإِن الشافعي قد نَصّ على أنه إِذا هَدَم داره بناها كما كانت، فضَمِنَه بالمثل. وقد رُوي عنه في الحيوان نحو ذلك ... وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب، فإِنّ داود -عليه السلام- قد ضَمِن أهل الحرث الذي نفشت (١) فيه غَنَم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان -عليه السلام- أمَرَهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أميّة على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إِن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة، فتكلَّم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة. --------------------- (١) النَّفش: الرعي، قال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلاَّ بالليل. قاله ابن كثير -رحمه الله-. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#156 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 206الى صــ225 الحلقة (154) ولا ريب أنّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إِلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإِنّ القيمة مُعتبرةٌ في الموضعين، والجنس مختصٌّ بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، وإِلا فمن له غرضٌ في كتابٍ أو فرس أو بستان؛ ما يصنع بالدراهم؟ فإِنْ قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوّته ماله هو أحقّ بأن يَضْمَن له مِثل ما فوّته إِياه؛ أو نظير ما أفسدَه من ماله. وقال ابن القيم -رحمه الله- (١) - في معرض الكلام عن القِصاص في إِتلاف الأموال-: «إِتلاف المال؛ فإِنْ كان مما له حُرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله، كما أتلف مالَه، وإِنْ لم تكن له حرمة، كالثوب يشقّه، والإِناء يكسره، فالمشهور، أنه ليس له أن يُتلِف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة أو المِثل. والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه؛ كما فعله الجاني به، فيشقُّ ثوبه، كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كَسَر عصاه، إِذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع منْ منَعَه نصّ، ولا قياس، ولا إِجماع، فإِنّ هذا ليس بحرام لحقّ الله، وليست حُرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإِذا مكّنه الشارع أن يُتلف طرَفَه بطرَفِه؛ فتمكينه من إِتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى، وإنّ حكمة القِصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إِلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه، وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك ------------------- (١) ذكره في»إعلام الموقعين«(١/ ٣٢٧) ونقله السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (٣/ ٣٢٤). عليه؛ لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبْنِه وغيظه، فكيف يقع إِعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإِذاقة الجاني من الأذى ما ذاقه هو؟! فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسُها معًا؛ يأبى ذلك، وقوله -تعالى-: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١) وقوله -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٢)، وقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٣) يقتضي جواز ذلك. وقد صرَّح الفقهاء بجواز إِحراق زروع الكفار، وقطْع أشجارهم، إِذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطع نخل اليهود؛ لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه -سبحانه- يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه». قلت: يُشير -رحمه الله- إِلى قوله -سبحانه-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ (٤) أو ----------------------- (١) سورة البقرة: ١٩٤. (٢) الشورى: ٤٠. (٣) النحل: ١٢٦. (٤) قال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦٢٩): «قال أبو عبيدة في قوله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ﴾: أي: من نخلة، وهي من الألوان ما لم تكن عجوة أو برنية إلاَّ أن الواو ذهبت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس:»اللينة النخلة«في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة، وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النوى». تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ (١). عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ -: «حرَّق نخْل بني النّضير وقطَع، وهي البويرة (٢)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾» (٣). قال أبو عيسى: وقد ذهب قوم من أهل العلم، إِلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون. وكَرِه بعضُهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق، أن يقطع شجرًا مُثمرًا، أو يُخرّب عامرًا، وعَمِل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بُدًّا، فأمّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إِسحاق: التحريقُ سُنّة إِذا كان أنكى فيهم. قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥/ ٩) قوله (٤): (باب قطْع الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة إِذا تعيّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا ------------------------ (١) الحشر: ٥. (٢) البُوَيْرة: موضع نخل بني النضير «شرح النووي». (٣) أخرجه البخاري (٤٨٨٤) وفي مواضع عديدة، ومسلم (١٧٤٦). (٤) أي: الإمام البخاري -رحمه الله-. وحمَلوا ما ورَد من ذلك إِمّا على غير المثمر وإِمّا على أن الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور. وقال أيضًا (٦/ ١٥٥): «وقد ذهب الجمهور إِلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك. وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك؛ بخلاف ما إِذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيره: إِنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستُفتح فأراد إِبقاءها على المسلمين. والله أعلم». انتهى. والذي يترجّح لديَّ أن الحرق والقطع ونحوهما جائز بنصّ الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إِلى الحاكم في الفِعل أو الترك، فإِنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار - ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ فعل ذلك، وإِنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدة منْ قطْعها وحرْقها لم يفعل. أمّا أبو بكر -رضي الله عنه- فإِنه لم يفُته دليل الكتاب والسُّنة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدل على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركنًا أو واجبًا، أو مندوبًا أو مستحبًا. وقد كان موقف أبي بكر -رضي الله عنه- لمصلحةٍ رآها جمْعًا بين النصوص؛ لا تأصيلًا لإِلغاء مقتضى الكتاب والسُّنة. والله -تعالى- أعلم. ثم قال ابن القيّم -رحمه الله- (١): «وإِذا جاز تحريق متاع الغالِّ، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة، فلأَنْ يحرق ماله، إِذا حَرَق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإِذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلأَنْ تُشرع في حقّ العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن الله -سبحانه- شرع القِصاص؛ زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل، وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإِلا فمن كان في نفسه من الآخر؛ من قتله أو قطع طرفه، قتَله أو قطعَ طرفه، وأعطى ديته، والحكمة، والرحمة، والمصحلة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإِن قيل: فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إِذا رضي المجني عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان؛ أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية. قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء يخيّر؛ إِن شاء شقّ الثوب، وإِنْ شاء أَخَذ مثله». ضمان المِثل: عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النبي - ﷺ - عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمّهاتِ المؤْمنين بصَحْفَةٍ فيها طعام، فضرَبتِ التي النبيّ - ﷺ - ----------------------- (١) انظر»إِعلام الموقعين" (١/ ٣٢٨). في بيتها يدَ الخام، فسقَطَتِ الصحْفَةْ فانْفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فِلَقَ الصَّحْفَة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارَت أمّكم. ثم حبس الخادمَ حتى أُتي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفَع الصحفةَ الصحيحة إِلى التي كُسِرتْ صحفَتها، وأمسكَ المكسورة في بيت التي كُسِرت فيه» (١). وفي رواية: «أنّ النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمهاتِ المؤْمنين مع خادم بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضربَتْ بيدِها فكسَرَت القَصعة (٢)، فضمَّها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا. وحَبسَ الرسولَ والقصعةَ حتى فرَغوا، فدفع القصعةَ الصحيحةَ وحَبسَ المكسورة» (٣). لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ صاحبُه: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنيّ عليه، فإِن اقتصّ منه قبل الاندمال ثمّ زاد جرحه؛ فلا شيء له. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلًا طعنَ رجلًا بقرن في ركبته فجاء إِلى النبي - ﷺ - فقال: أقِدْني. قال: حتى تبرأ ثم جاء إِليه فقال: ------------------------ (١) أخرجه البخاري (٥٢٢٥). (٢) قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«:»بقَصعة: إِناء من الخشب وفي رواية ابن عليّة في النكاح عند المصنّف «بصحفة وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب» قلت: يشير -رحمه الله- إلى الرواية السابقة برقم (٥٢٢٥). (٣) أخرجه البخاري (٢٤٨١). أقدني فأقاده. ثم جاء إِليه فقال: يا رسول الله عرجت فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك (١). ثم نهى رسول الله - ﷺ - أن يقتص مِن جرح؛ حتى يَبْرأ صاحبُه» (٢). وفي رواية: «لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ» (٣). موت المقتصّ منه (٤): إِذا مات المقتصّ منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القِصاص، فقد اختلفت فيه أنظار العلماء؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شيء على المقتص؛ لعدم التعدي، ولأن السارق إِذا مات من قطع يده، فإِنه لا شيء على الذي قطع يده بالإِجماع. وهذا مِثل ذلك. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: إِذا مات، وجب على عائلة المقتص الدية؛ لأنه قتل خطأ. قلت: والأول أصح وأقوى لما علّله الجمهور، ولأن المتعدّي هو الذي جرّ إِلى نفسه ذلك؛ والله أعلم. ------------------------ (١) بَطَل عَرَجُك: أي: ذهَب ضياعًا وخُسرًا وهدرًا. (٢) أخرجه أحمد والدارقطني والبيهقي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٣٧). (٣) أخرجه الطحاوي وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ٢٩٩). (٤) عن «فقه السنة» (٣/ ٣٣٠). الدِّيات والضمان الدِّيات تعريفها: الدِّيات -بتخفيف التحتانية-: جمع دِيَة مِثْل عِدات وعِدَة، وأصلها وَدْية -بفتح الواو وسكون الدال- تقول: ودى القتيل يدِيِه إِذا أعطى وليه دِيَتَه، وهي ما جُعِل في مقابلة النفس، وسُمّي دِيَة تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفة والهاء عِوَض (١). قال في «حلية الفقهاء» (ص ١٩٦): «وأمّا الدِّيةَ، فهي دِيَةٌ وعَقلٌ، وسُمّيت عقلًا؛ لأنّها تعقِل الدماء عن أن تُسْفَك. وقال قوم: كان أصل الدِّية الإِبل؛ فكانت تُجمع وتُعْقل بفِناء وليّ المقتول، فسميّت الدِّية عقلًا، وإنْ كانت دراهم أو دنانير». مشروعيتها: قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢). --------------------- (١) انظر «الفتح» (١٢/ ١٨٧). (٢) النساء: ٩٢. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر -رحمه الله- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت (١). قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدِّيَة» (٢). حِكمتها: الأصل في الدِّيَة أنها تجب أن تكون مالًا عظيمًا يغلبهم وينقص من مالهم، ويجدون له ألمًا عندهم، ويكون بحيث يؤدّونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، وهذا القدْر يختلف باختلاف الأشخاص (٣). --------------------- (١) قلت: فيه تصرف الوالي في الدية مراعاةً للغلاء والانخفاض، ليحقّق معنى الدِّية، وليذوق القاتل وبال أمره، وكذا يراعى في الدَّين هذا الأمر ليُنصف الدائن؛ مع انخفاض العملة الورقية. والله -تعالى- أعلم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٤٧). (٣) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٥٥). مقدار دِية الرجل المسلم: ديَة الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف دينار ذهب، اثنا عشرَ ألف درهم أو مائتا حُلّة (١). لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ - قال: «... ألا إِنّ ديَة الخطأ- شبه العمد؛ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها» (٢). وفي كتاب عمرو بن حزم «وفي النفس مائة من الإِبل» (٣). وللحديث المتقدّم عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «كانت قيمةُ الدِّية على عهد الرسول الله - ﷺ - ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمرُ -رحمه الله- فقام خطيبًا فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت. قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى ---------------------- (١) الحُلَل: جمع حُلّة، قال ابن الملك:»وهي إزار ورداء مِن أيّ نوعٍ من أنواع الثياب، وقيل: الحُلَل: برود اليمن، ولا يسمّى حُلّة؛ حتى يكون ثوبين. «المرقاة» (٧/ ٦٢). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٢٦) والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٩٧). (٣) صححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٢٤٣). أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية» (١). وفي رواية عنه أيضًا -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ -: يُقوِّم دِيَة الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصًا نقص من قيمتها، وبَلَغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. وقضى رسول الله - ﷺ - على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دِيَة عقْله في الشاء؛ فألفي شاة. قال: وقال - ﷺ -: إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة. قال: وقضى رسول الله في الأنف إِذا جُدِعَ الدية كاملة، وإِنْ جُدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة. وفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلثُ أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاة، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإِبل وفي الأسنان في كل سِنَّ خمس من الإِبل» (٢). --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٦) وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٢٤٧) وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨١٨) وتقدّم. وقد تقدم أن الدينار = ٤.٢٥ غرامًا. والدية من الذهب = ٨٠٠ دينار = ٣٤٠٠ غرامًا. وحين فرضها عمر -رضي الله عنه- ألف دينار = ٤٢٥٠ غرامًا. والدرهم (١) = ٢.٩٧٥ غرامًا. والدية من الفضة = ٨٠٠٠ درهم = ٢٣٨٠٠ غرامًا. وحين غَلَت: ١٢ ألفًا = ٣٥٧٠٠ غرامًا. القتل الذي تجب فيه (٢): تجب الدية في القتل الخطأ، وشِبه العمد، وفي العمد الذي وقَع ممّن فَقد شرطًا من شروط التكليف؛ مثل الصغير والمجنون. وكذا في العمد الذي تكون فيه حُرمة المقتول ناقصةً عن حُرمة القاتل؛ مِثل الحُر إِذا قتَل العبد ... وسيأتي التفصيل بإِذن الله. تغليظ الدِّية (٣): اختلفت الأحاديث الشريفة في الدِّيات تغليظًا وتخفيفًا لكل قسم، فالدِّية المغلّظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدّيَة المخفّفة في الخطأ المحض والأحاديث مُصرّحةٌ بذلك. ------------------------ (١) انظر المكاييل والأوزان الإسلامية ترجمة الدكتور كامل العسلي (ص ٩) وفيه أن الدرهم = ٢.٩٧ غرامًا. (٢) عن «فقه السنة» (٣/ ٣٣٣) -بحذف وتصرف يسير-. (٣) عن «الروضة الندية» (٦٥٢) -بتصرف-. وتغلّظ الدية بأن تكون المائة من الإِبل؛ في بطون أربعين منها أولادها. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- «أن رسول الله - ﷺ - خطَب يوم الفتح فقال: ألا إِنّ ديَة الخطأ -شبه العمد- ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها» (١). وفي رواية عن عقبة بن أوس عن رجُلٍ مِن أصحاب النبي - ﷺ - قال: «خطَب النبي - ﷺ - يوم فتح مكة فقال: ألا وإِنّ قتيل الخطأ -شِبه العمد-؛ بالسوط والعصا والحجر مائة من الإِبل، فيها أربعون ثنية إِلى بازل عامها (٢) كلهنّ خَلِفةٌ (٣)» (٤). وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنّ النبي - ﷺ - قال: «عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في عِمّيَّا في غير ضغينة ولا حمْل سلاح» (٥). وعنه أيضًا: «أن رسول الله - ﷺ - قضى: أنّ مَن قتَل خطأ؛ فديته مائة من ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨٠٧) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١٢٧)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٨)، وصححه شيخنا - رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٩٧) وتقدّم. (٢) بازل عامها: هي البازل من الإبل الذي أتمّ ثماني سنين، ودخل في التاسعة وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازلُ عامٍ وبازلُ عامين.»النهاية«. (٣) الخَلِفةٌ: الحامل من النوق، وقد خلفته إِذا حَمَلت.»النهاية«. (٤) أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له،»صحيح سنن النسائي«(٤٤٦١). (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٣٨١٩) وتقدّم. الإِبل: ثلاثون بنت مخاض (١)، وثلاثون بنت لَبون (٢)، وثلاثون حِقّة (٣)، وعشرة بني لبون ذكر«(٤). وعن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: في المغلظة: أربعون جَذَعة (٥) خَلِفَة، وثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لبون. وفي الخطأ ثلاثون حِقّة، وثلاثون بنات لَبون، وعشرون بنو لبون ذكور، وعشرون بنات مخاض» (٦). وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إِلى أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، خطأ، وشبه عمد. ففي العمد القِصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يَقْتُل في العادة، كالعصا والسوط والإِبرة مع كونه قاصدًا للقتل ديَة مغلظة، وهي مائة من الإِبل أربعون منها في بطونها أولاد. ------------------------ (١) مخاض: اسم للنوق الحوامل، واحدتها خَلِفة، وبنت المخاض وابن المخاض: ما دخَل في السنة الثانية؛ لأنّ أمّه قد لحقت بالمخاض: أي الحوامل وإن لم تكن حاملًا. «النهاية». (٢) لبون: بنت الّلبون وابن اللبون: هما من الإِبل ما أتي عليه سنتان، ودخل في الثالثة، وصارت أمّه لَبونًا؛ أي ذاتَ لبن، لأنّها تكون قد حملت حمْلًا آخر ووضعته. «النهاية». (٣) حقّة: هو منْ الإِبل ما دخل في السّنة الرابعة إِلى آخرها، وسميّ بذلك؛ لأنه استحقّ الركَوب والتحميل. «النهاية». (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٥). (٥) جَذَعَة: أصل الجذع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابًا فتيًا. فهو من الإِبل ما دخل في السنة الخامسة. «النهاية». (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٨). وممن ذهب إِلى هذا زيد بن علي والشافعية والحنفية وأحمد وإِسحاق. وقال مالك والليث: إِن القتل ضربان: عمد وخطأ، فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب، أو غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول ونحوه، أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة. والعمد ما عداه. والأول لا قَوَد فيه (١). والقول إِنّه على ثلاثة أضرب؛ ثبت من خلال نصوصٍ صريحة الدلالة. ١ - فقوله -تعالى-: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً﴾ في قتل الخطأ. ٢ - وقوله - ﷺ -:»مَن قتَل عمدًا فهو قَوَد (٢) (٣) في قتل العمد. ٣ - وقوله - ﷺ -: «عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمدَ» (٤) في قتل شبه العمد (٥). تغليظ الدِّية في الحَرَم والشهر الحرام: عن أبي نُجيح: «أن امرأةً وُطئت في الطواف، فقضى عثمان -رضي الله عنه- فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم» (٦). وفي لفظ: «أن عثمان -رضي الله عنه- قضى في امرأة قُتلت في الحرام بدية ----------------------- (١) عن»الروضة الندية«(٢/ ٦٥٩). (٢) القود: القِصاص وقتل القاتل بدل القتيل وتقدّم. (٣) تقدّم تخريجه في»أنواع القتل«. (٤) تقدّم تخريجه في»أنواع القتل«. (٥) وهو كذلك في إِثبات نوع قتل العمد. (٦) صححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٢٢٥٨). وثلث دِيَة» (١). وفي لفظ: «أن رجلًا وطئ امرأةً بمكة في ذي القَعدة فقَتَلها، فقضى فيها عثمان -رضي الله عنه- بدية وثلث» (٢). على مَن تَجب الدِّية؟ الدية الواجبة على القاتل نوعان: ١ - نوعٌ يجِب على الجاني في ماله، وهو القتل العمد إِذا سقط القِصاص، ولا تحمل العاقلة العمد، ولا الإقرار بالقتل أو الصُلح في عمد. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا ما جنى المملوك (٣)، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا» (٤). وعن عامر الشعبي -رحمه الله- قال: «العمد والعبد والصُلح والاعتراف لا تعقله العاقلة» (٥). وجاء في كتاب «الإِجماع» (ص ١٢٠) لابن المنذر: «وأجمعوا على أنّ العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها تحمل دية الخطأ». *٢ - ونوعٌ يجب على القاتل، وتتحمله عنه العاقلة، إِذا كانت له عاقلة -------------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وانظر المصدر السابق. (٢) أخرجه البيهقي وقال شيخنا -رحمه الله- وإسناده صحيح وانظر المصدر السابق. (٣) أي: ما جنى من قتل. (٤) أخرجه البيهقي، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٣٠٤). (٥) أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وانظر «الإرواء» (٧/ ٣٣٧). بطريق التعاون، وهو قتل شبه العمد وقتل الخطأ (١)، والقاتل كأحد أفراد العاقلة؛ لأنه هو القاتل، فلا معنى لإِخراجه. تعريف العاقلة: العاقلة مأخوذة من العقل؛ لأنها تَعقل الدماء؛ أي؛ تُمسكها من أن تسفك، يقال: عقَل البعير عقلًا. أي: شدَّه بالعقال، ومنه العقل؛ لأنه يمنع من التورط في القبائح. والعاقلة: هي الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدية، يقال: عقلْت القتيل، أي: أعطيت دِيته، وعقلْت عن القاتل، أدّيت ما لزمه من الدِّية. والعاقلة هم عَصَبةَ الرجل، أي: قرابته الذكور، البالغون من قِبل الأب الموسرون، العقلاء ويدخل فيهم الأعمى والزَّمِن (٢)، والهرم إِن كانوا أغنياء، ولا يدخل في العاقلة أنثى، ولا فقير ولا صغير ولا مجنون، ولا مخالف لدين الجاني؛ لأنّ مبنى هذا الأمر على النصرة، وهؤلاء ليسوا من أهلها* (٣). قال ابن الأثير -رحمه الله- في «النهاية»:- «والعَصَبة: الأقارب من جهة الأب؛ لأنّهم يُعصّبونه ويعتصب بهم يحيطون ويشتدّ بهم». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٨): «وأمّا العاقلة التي تحمِل: فَهُم عَصَبته: كالعمّ وبنيه، والإِخوة وبنيهم باتفاق العلماء وأمّا أبو الرجل وابنه فهو من عاقلته أيضًا عند الجمهور؛ كأبي حنيفة، ------------------------- (١) وكذا عمد الصغير والمجنون؛ كما سيأتي؛ إِن شاء الله. (٢) من الزمانة: أي مرض يدوم. (٣) ما بين نجمتين من»فقه السنة" (٣/ ٣٣٦). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|