استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-23-2026, 10:45 PM   #157

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 833 الى صـ 838
الحلقة (157)


القول في تأويل قوله تعالى :

[ 36 ] فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم

فلما وضعتها الضمير لما في بطني ، وإنما أنث على المعنى ، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله ، أو على تأويل النفس أو النسمة : قالت رب إني وضعتها أنثى أي : وكنت رجوت أن يكون ذكرا ، وإنما تحسرت أو اعتذرت إذ جهلت قدرها : والله أعلم بما وضعت قرئ في السبع بسكون التاء وضمها ، فعلى القراءة الأولى تكون الجملة المعترضة من كلامه تعالى ، إما لدفع ما يتراءى من أن قولها : رب إني وضعتها أنثى قصدت بها إعلام [ ص: 834 ] الله تعالى عن أن يحتاج إلى إعلامها ، فأزيلت الشبهة بقوله : والله أعلم بما وضعت هذا ما يتراءى لي . وإما لما ذكروه من أن الاعتراض تعظيم من جهته تعالى لموضوعها ، وتفخيم لشأنه ، وتجهيل لها بقدره ، أي : والله أعلم بالنفس التي وضعتها ، وما علق بها من عظائم الأمور ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، وهي غافلة عن ذلك . وعلى القراءة الثانية أعني : ضم التاء ، فالاعتراض من كلامها ، إما للوجه الأول من الوجهين السابقين كما استظهرته ، أو لما ذكروه من قصد الاعتذار إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته ، أو تسلية نفسها على معنى : لعل لله تعالى فيه سرا وحكمة ، ولعل هذا الأنثى خير من الذكر : وليس الذكر كالأنثى جملة معترضة أيضا ، إما من كلامه تعالى قصد به معذرتها في التحسر والتحزن ببيان فضل الذكر على الأنثى ، ولذا جبلت النفوس على الرغبة فيه دونها لا سيما في هذا المقام ، أعني : مقام قصد إخلاص النذير للعبادة . فإن الذكر يفضلها من وجوه : منها : أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض فيه وسائر عوارض النسوان .

ومنها : أن الذكر يصلح - لقوته وشدته - للخدمة دون الأنثى ، فإنها ضعيفة ، لا تقوى على الخدمة . ومنها : أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس ، وليس كذلك الأنثى . ومنها : أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى . فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المقام . واللام في ( الذكر والأنثى ) على هذا الملحظ ، للجنس - كذا ظهر لي - وعلى قولهم : اللام للعهد فيهما ، أي : ليس الذكر الذي طلبته وتخيلت فيه كمالا ، قصاراه أن يكون كواحد من الأحبار ، كالأنثى التي وهبت لها . فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور . هذا ، وإما أن تكون هذه الجملة من كلامها ، والقصد حينئذ تأكيد الاعتذار ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية ، وصلاحية خدمة المتعبدات ، فإنهن بمعزل عن ذلك ، فاللام للجنس .

لطيفة :

قيل : قياس كونه من قولها أن يكون ( وليست الأنثى كالذكر ( فإن مقصودها تنقيص [ ص: 835 ] الأنثى بالنسبة إلى الذكر . والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل ، لا العكس . قال الناصر في ( الانتصاف ) : وقد وجد الأمر في ذلك مختلفا ، فلم يثبت عين ما قيل . ألا ترى إلى قوله تعالى : لستن كأحد من النساء فنفى عن الكامل شبه الناقص ، مع أن الكمال لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بالنسبة إلى عموم النساء ، وعلى ذلك جاءت عبارة ( امرأة عمران ) ، والله أعلم . ومنه أيضا : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون انتهى .

وإني سميتها مريم قال المفسرون : هي في لغتهم بمعنى العابدة ، سمتها بذلك رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها مطابقا لاسمها . لكن رأيت في تأويل الأسماء الموجودة في التوراة والإنجيل أن مريم معـناه : ( مرارة أو مر البحر ( ، فلينظر . قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية دليل على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة وأنه لا يتعين يوم السابع ، لأنه إنما قالت هذا بأثر الوضع ، كما فيها مشروعية التسمية للأم ، وأنها لا تختص بالأب . ثم طلبت عصمتها فقالت : وإني أعيذها بك أي : أجيرها بحفظك : وذريتها من الشيطان الرجيم أي : المطرود لمخالفتك ، فلا تجعل عليها وعلى ذريتها له سلطانا يكون سببا لطردهما .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 37 ] فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب

فتقبلها ربها بقبول حسن أي : قبلها أو تكفل بها . ولم يقل : ( بتقبل )، [ ص: 836 ] للجمع بين الأمرين : التقبل الذي هو الترقي في القبول ، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة ، قال المهايمي : بقبول حسن يجعلها فوق كثير من الأولياء وأنبتها نباتا حسنا بجعل ذريتها من كبار الأنبياء - انتهى - وقال الزمخشري : نباتها مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها ، أي : كالصلاح والسداد والعفة والطاعة : وكفلها زكريا أي : ضمها إليه ، وقرئ بالتشديد . ونصب زكريا ممدودا أو مقصورا ، والفاعل الله . أي : جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها ، وقائما بتدبير أمورها . وقد روي أن أمها أخذتها وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار وقالت : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها إذ كانت بنت إمامهم ، وصاحب قربانهم ، وأحب كل أن يحظى بتربيتها ، فقال لهم زكريا : أنا أحق بها ، عندي خالتها ، فأبوا إلا القرعة ، وانطلقوا إلى نهر فألقوا فيها أقلامهم ، على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها ، فطفا قلم زكريا ، ورسبت أقلامهم ، وإليه الإشارة بقوله تعالى في آية أخرى : إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم فأخذها زكريا ورباها في حجر خالتها ، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء ، انزوت في محرابها تتعبد فيه ، وصارت بحيث : كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب

في الآية مسائل :

الأولى : في معنى المحراب : في القاموس وشرحه ما نصه : والمحراب : الغرفة والموضع العالي ، نقله الهروي في غريبه عن الأصمعي ، قال وضاح اليمن :


ربة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلما


وقال أبو عبيدة : المحراب سيد المجالس ومقدمها وأشرفها . قال : وكذلك هو من المساجد ، [ ص: 837 ] وعن الأصمعي : العرب تسمي القصر محرابا لشرفه . وقال الأزهري : المحراب عند العامة الذي يفهمه الناس مقام الإمام من المسجد . قال ابن الأنباري : سمي محراب المسجد لانفراد الإمام فيه ، وبعده من القوم . ومنه يقال : فلان حرب لفلان ، إذا كان بينهما بعد وتباغض . وفي المصباح : ويقال هو مأخوذ من المحاربة ؛ لأن المصلي يحارب الشيطان ويحارب نفسه بإحضار قلبه ، ثم قال : ومحاريب بني إسرائيل هي مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها . انتهى .

الثانية : في الآية دليل على وقوع الكرامة لأولياء الله تعالى ، كما وجد ، عند خبيب بن عدي الأنصاري - رضي الله عنه - المستشهد بمكة ، قطف عنب ، كما في البخاري . وفي الكتاب والسنة لهذا نظائر كثيرة ، ومن اللطائف هنا ما نقله الإمام الشعراني في ( اليواقيت ) عن العارف أبي الحسن الشاذلي - قدس سره - أنه قال : إن مريم عليها السلام كان يتعرف إليها في بداياتها بخرق العوائد بغير سبب تقوية لإيمانها وتكميلا ليقينها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا . فلما قوي إيمانها ويقينها ردت إلى السبب لعدم وقوفها معه ، فقيل لها : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا انتهى .

الثالثة : قوله تعالى : إن الله يرزق إلخ تعليل لكونه من عند الله . إما من تمام كلامها فيكون في محل نصب ، وإما من كلامه - عز وجل - فهو مستأنف ، ومعنى : بغير حساب أي : بغير تقدير لكثرته . وإما بغير استحقاق تفضلا منه تعالى .

الرابعة : زكريا المنوه به هنا هو والد يحيى عليهما السلام ، ومعنى زكريا : تذكار الرب كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل .

[ ص: 838 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 38 ] هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء

هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء كلام مستأنف ، وقصة مستقلة ، سيقت في تضاعيف حكاية مريم ، لما بينهما من قوة الارتباط ، وشدة الاشتباك ، مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتها من بيان اصطفاء آل عمران . فإن فضائل بعض الأقرباء أدلة على فضائل الآخرين ، و : ( هنا ) ظرف مكان ، أي : في ذلك المكان ، حيث هو عند مريم في المحراب ، أو ظرف زمان أي : في ذلك الوقت ، إذ يستعار ( هنا وثمت وحيث ) للزمان ، دعا زكريا ربه لما رأى كرامة مريم على الله ومنزلتها منه تعالى ، رغب في أن يكون له من زوجته ولد مثل ولد أختها في النجابة والكرامة على الله تعالى . وإن كانت عاقرا عجوزا كذا في أبي السعود والذرية هنا الولد . قال الزمخشري : تقع على الواحد والجمع ، وقد سبق الكلام عليها قريبا عند قوله تعالى : ذرية بعضها من بعض قوله : طيبة بمعنى : مطيعة لك ، لأن ذلك طلبة أهل الخصوص كما سبق إيضاحه في آية : رب إني نذرت لك إلخ . وقوله تعالى : إنك سميع الدعاء أي : مجيبه ، وقد أجابه الحق تعالى ، فأرسل إليه الملائكة مبشرة كما قال تعالى :


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-23-2026, 10:47 PM   #158

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 839 الى صـ 844
الحلقة (158)


القول في تأويل قوله تعالى :

[ 39 ] فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين

فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك أي : على ألسنتنا : بيحيى وقد قرئ في السبع بكسر : ( إن ) وفتحها ، ولفظ يحيى معرب عن يوحنا [ ص: 839 ] اسمه في العبرانية . ومعنى يوحنا : نعمة الرب ، كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل : مصدقا بكلمة من الله أي : بنبي خلق بكلمة ( كن ) من غير أب . يرسله الله إلى عباده فيصدقه هو . وذلك عيسى عليه السلام : وسيدا أي : يسود قومه ويفوقهم : وحصورا أي : لا يقرب النساء حصرا لنفسه ، أي : منعا لها عن الشهوات عفة وزهدا واجتهادا في الطاعة : ونبيا من الصالحين أي : ناشئا منهم ؛ لأنه من أصلابهم . أو كائنا من جملتهم ، كقوله : وإنه في الآخرة لمن الصالحين ولما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 40 ] قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء

قال رب أنى أي : كيف ، أو من أين : يكون لي غلام وقد بلغني الكبر أي : أدركني الكبر الكامل المانع من الولادة فأضعفني : وامرأتي عاقر أي : ذات عقر ، فهو على النسب ، وهو في المعنى مفعول أي : معقورة ، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث : قال كذلك يكون لك الولد على الحال التي أنت وزوجتك عليها ؛ لأن الله تعالى لا يحتاج إلى سبب ، بل : الله يفعل ما يشاء لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر . وفي إعراب : كذلك أوجه . منها : أنه خبر لمحذوف أي : الأمر كذلك . وقوله تعالى : الله يفعل ما يشاء بيان له . ومنها أن الكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف . أي : الله يفعل ما يشاء فعلا من ذلك الصنع العجيب الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر .

[ ص: 840 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 41 ] قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار .

قال زكريا : رب اجعل لي آية أي : علامة أعرف بها حصول الحمل . وإنما سألها لكون العلوق أمرا خفيا لا يوقف عليه ، فأراد أن يعلمه الله به من أوله ليتلقى تلك النعمة بالشكر من أولها ، ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهورا معتادا : قال الله تعالى : قال آيتك ألا تكلم الناس أي : أن لا تقدر على تكليمهم : ثلاثة أيام إلا رمزا أي : إشارة بيد أو رأس . وإنما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكره تعالى شكرا على ما أنعم به عليه . وقيل : كان ذلك عقوبة منه تعالى بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه - حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين - : واذكر ربك كثيرا أي : ذكرا كثيرا : وسبح أي : وسبحه : بالعشي وهو آخر النهار . ويقع العشي أيضا على ما بين الزوال والغروب : والإبكار وهو الغدوة ، أو من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس . قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية الحث على ذكر الله تعالى وهو من شعب الإيمان . قال محمد بن كعب : لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا ؛ لأنه منعه من الكلام وأمره بالذكر - أخرجه ابن أبي حاتم - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 42 ] وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين

وإذ قالت الملائكة يا مريم شروع في تتمة فضائل آل عمران . قال المهايمي : فيه إشارة إلى جواز تكليم الملائكة الولي ، ويفارق النبي في دعوى النبوة : إن الله اصطفاك بالتقريب والمحبة : وطهرك عن الرذائل ليدوم انجذابك إليه : واصطفاك على نساء العالمين [ ص: 841 ] بالتفضيل وبما أظهره من قدرته العظيمة حيث خلق منك ولدا من غير أب ، ولم يكن ذلك لأحد من النساء . وفي ( الإكليل ) : استدل بهذه الآية من قال بنبوة مريم . كما استدل بها من فضلها على بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه . وجوابه : أن المراد عالمي زمانها قاله السدي - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 43 ] يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين

يا مريم اقنتي لربك أي : اعبديه شكرا على اصطفائه : واسجدي واركعي مع الراكعين أي : لتزدادي بكثرة السجود والصلاة قربا . قال البقاعي : الظاهر أن المراد بالسجود هنا ظاهره ، وبالركوع الصلاة نفسها ، فكأنه قيل : واسجدي مصلية ، ولتكن صلاتك مع المصلين ، أي : في جماعة ، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال . ثم قال : وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة ، فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم ولا من بعده من الأنبياء عليهم السلام ، ولا أتباعهم إلا في موضع واحد ، لا يحسن جعله فيه على ظاهره . ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء :

الأول : إطلاق لفظها من غير بيان كيفية .

والثاني : إطلاق لفظ السجود مجردا .

والثالث : إطلاقه مقرونا بركوع أو حبو أو خرور على الوجه ، ونحو ذلك .

ثم ساق البقاعي ما وقع من النصوص في ذلك ، وقال بعد : فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها : أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود ، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك ، وحينئذ يسمى صلاة . وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم . وذلك موافق للغة ، قال في القاموس : سجد : خضع ، والخضوع : التطامن ، وأما المكان الذي ذكر فيه الركوع ، فالظاهر أن معناه : فعل الشعب كله ساجدا لله ، لأن الركوع يطلق في اللغة على معان ، منها الصلاة . يقال : ركع أي : صلى ، وركع إذا انحنى كثيرا ، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره ، لأنه لا يمكن في حال السجود ، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن تأويل مما ذكرته [ ص: 842 ] في الركوع - والله أعلم - واحتججت باللغة لأن مترجم نسخة التوراة ، التي وقعت لي ، في عداد البلغاء ، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها . على أني سألت عن صلاة اليهود الآن ، فأخبرت أنه ليس فيها ركوع ، ثم رأيت البغوي صرح في قوله تعالى : واركعوا مع الراكعين بأن صلاتهم لا ركوع فيها ، وكذا ابن عطية وغيرهما . انتهى كلام البقاعي .

لطيفة :

قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية دليل على أن الجماعة مطلوبة في الصلاة ، وعلى أن المرأة تندب لها الجماعة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 44 ] ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون

ذلك إشارة إلى ما سبق : من أنباء الغيب أي : الأنباء المغيبة عنك : نوحيه إليك مطابقا لما في كتابهم . وتذكير الضمير في : نوحيه بجعل مرجعه ذلك : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم أي : وما كنت معاينا لفعلهم ، وما جرى من أمرهم في شأن مريم إذ يلقون أقلامهم ، أي : سهامهم التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم على جهة القرعة : وما كنت لديهم إذ يختصمون بسببها تنافسا في كفالتها . وقد روي عن قتادة وغيره : أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم ، فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها . فألقوا أقلامهم ، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا ، فإنه ثبت . ويقال إنه ذهب صاعدا يشق جرية الماء ، والله أعلم .

قال أبو مسلم : معنى يلقون [ ص: 843 ] أقلامهم ، مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم ، فمن خرج له السهم سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى : فساهم فكان من المدحضين وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور . وإنما سميت هذه السهام أقلاما لأنها تقلم وتبرى ، وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلما . وقال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في استعمال القرعة عند التنازع . وقال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية أنه يجوز التخاصم لطلب الفضل حتى يتميز واحد بمزية ، ودلت على أن التمييز يحصل بالقرعة في الأمر الملبس .

لطيفة :

قال الزمخشري : فإن قلت : لم نفيت المشاهدة ، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها ، وهو موهوم ؟ قلت : كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة ، وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة ، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي ، مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة . ونحوه : وما كنت بجانب الغربي وما كنت بجانب الطور وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم - انتهى - وبالجملة : فالنفي تقرير وتحقيق لكون تلك الأنباء وحيا على طريقة التهكم بمنكريه .

[ ص: 844 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 45 ] إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين

إذ قالت الملائكة شروع في قصة عيسى عليه السلام : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أي : بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب : اسمه ذكر الضمير الراجع إلى الكلمة لكونها عبارة عن مذكر . أي : اسمه الذي يميزه لقبا : المسيح وعلما : عيسى معرب يسوع بالسين المهملة ، كلمة يونانية معناها ( مخلص ) ويرادفها ( يشوع ) بالمعجمة ، إلا أنها عبرانية كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل ، وفيها أن المسيح بمعنى : الممسوح أو المدهون . قال البقاعي : وأصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم : من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرا متأهلا للملك والعلم والولايات الفاضلة مباركا ، فدل سبحانه على أن عيسى عليه السلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح ، وإن لم يمسح . انتهى . وإنما قال : ابن مريم مع كون الخطاب لها ، تنبيها على أنه يولد من غير أب ، فلا ينسب إلا إلى أمه ، وبذلك فضلت على نساء العالمين : وجيها في الدنيا والآخرة أي : سيدا ومعظما فيهما : ومن المقربين أي : من الله - عز وجل - .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-23-2026, 10:50 PM   #159

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 845 الى صـ 850
الحلقة (159)


القول في تأويل قوله تعالى :

[ 46 ] ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين

ويكلم الناس في المهد في محل النصب على الحال : وكهلا عطف عليه بمعنى ويكلم الناس ، حال كونه طفلا وكهلا ، كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين ، وذلك لا شك أنه غاية في المعجز . وفي ذلك بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلا . والمهد : الموضع الذي يهيأ للصبي ويوطأ لينام فيه . والكهل : من وخطه الشيب ، أو من جاوز الثلاثين إلى [ ص: 845 ] الأربعين أو الخمسين . قال ابن الأعرابي : يقال للغلام مراهق ، ثم محتلم ، ثم يقال : تخرج وجهه ، ثم اتصلت لحيته ، ثم مجتمع ، ثم كهل ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . قال الأزهري : وقيل له كهل حينئذ : لانتهاء شبابه وكمال قوته . وقوله تعالى : ومن الصالحين قال ابن جرير : يعني : من عدادهم وأوليائهم ؛ لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 47 ] قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون

قالت مخاطبة لله الذي بعث إليها الملائكة : رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر أي : لست بذات زوج : قال كذلك أي : على الحالة التي أنت عليها من عدم مس البشر : الله يخلق ما يشاء ولا يحتاج إلى سبب ، ولا يعجزه شيء ، وصرح ههنا بقوله : ( يخلق ما يشاء ) ولم يقل : ( يفعل ) كما في قصة زكريا ، لما أن الخلق المنبئ عن الإحداث للمكون أنسب بهذا المقام ؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة ، وأكد ذلك بقوله :

إذا قضى أمرا من الأمور أي : أراد شيئا كما في قوله تعالى : إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب كقوله : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر أي : إنما نأمر مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر . وتقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة .

[ ص: 846 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 48 ] ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل

ويعلمه الكتاب أي : الكتابة أو جنس الكتب الإلهية : والحكمة أي : تهذيب الأخلاق : والتوراة والإنجيل إفرادهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة ، لزيادة فضلهما وإنافتهما على غيرهما .

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 49 ] ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين

ورسولا إلى بني إسرائيل منصوب بمضمر يقود إليه المعنى ، معطوف على ( يعلمه ) أي : ويجعله رسولا إلى جميع الإسرائيليين . وقيل : معطوف على الأحوال السابقة : أني قد جئتكم معمول لـ ( رسولا ) لما فيه من معنى النطق . أي : رسولا ناطقا بأني قد جئتكم : بآية من ربكم التنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها ، والجار متعلق بمحذوف وقع حالا أي : متلبسا ومحتجا بآية : أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه الضمير للكاف ، أي : في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير : فيكون طيرا حقيقيا ذا حياة : بإذن الله أي : أمره ، لا باستقلال مني : وأبرئ الأكمه الذي ولد أعمى : والأبرص المبتلى بالبرص ، وهو بياض يظهر في البشرة لفساد مزاج . وفي ( الإكليل ) : هذه الآية أصل لما يقوله الأطباء : إن الأكمه - الذي ولد أعمى - والأبرص لا يمكن برؤهما ، كإحياء الموتى : وأحيي الموتى بإذن الله لا باستقلال مني . نفيا لتوهم [ ص: 847 ] الألوهية ، فهذه معجزات قاهرة فعلية : وأنبئكم أي : أخبركم : بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم مما لم أعاينه : إن في ذلك لآية أي : دلالة : لكم على صدقي في دعوى الرسالة : إن كنتم مؤمنين مصدقين بآيات الله . وقد ذكر في الإنجيل أنه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم ، وأعمى في بيت صيدا ، ورجل ولد أعمى في أورشليم ، وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة ، وأبرأ أبرص في كفر ناحوم ، وأقام ابن الأرملة من الموت في بلدة نايين ، وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم ، والعازر في بيت عينا .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 50 ] ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون

ومصدقا حال معطوفة على قوله " بآية " أي : جئتكم بآية ومصدقا : لما بين يدي من التوراة أي : مقررا لهما ومثبتا : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة ، وهو الصحيح من القولين . ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ ، وانكشف لهم عن الغطاء في ذلك ، كما قال في الآية الأخرى : ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه والله أعلم . انتهى .

أقول : من البعض الذي أحله عيسى عليه السلام لهم : فعل الخير في السبوت ، وقد كانوا يعتقدون تحريم مطلق عمل يوم السبت ، ولذا لما اجتاز عليه السلام بالإسرائيليين مرة ، أبصر مريضا فسألوه : هل يحل أن يشفي في السبت ؟ فقال لهم عليه السلام : أي إنسان منكم يكون له خروف ، فيسقط في حفرة يوم السبت [ ص: 848 ] ولا يمسكه ويرفعه ؟ والإنسان كم يفضل الخروف ؟ فإذن يحل فعل الخير في السبوت ، ثم أبرأ ذلك المريض - كذا في الإصحاح الثاني عشر ، من الفقرة التاسعة إلى الثالثة عشرة من إنجيل متى - وفيه في الإصحاح الخامس الفقرة السابعة عشرة قول المسيح عليه السلام : لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل - انتهى - .

وقد اتفقوا على أن المسيح عليه السلام أقام شرائع التوراة كلها ، ثم جاء بولس ومن بعده من الرهبان ، فادعوا أن المسيح عليه السلام فعل ذلك كله ورفعه عنهم ، إذ أكمله وأتمه بفعله إياه . وكفاهم مؤونة العمل بشيء منه ، وأغناهم بشريعته الروحانية ، فنقضوا الناموس الذي جاء لإكماله المسيح . فمما نقضوه إباحة كثير من الحيوانات المحرمة في الناموس الموسوي ، فنسخت حرمتها في الشريعة العيسوية ، وثبتت الإباحة العامة بفتوى بولس ، إذ قال لهم : لا شيء نجس العين ، كما في رسالته إلى أهل رومية . ومما نقضوه تعظيم السبت ، فقد كان حكما أبديا في الشريعة الموسوية ، وما كان لأحد أن يعمل فيه أدنى عمل ، وكان من عمل فيه عملا واجب القتل . ومنه أحكام الأعياد المشروعة في التوراة . ومنه حكم الختان الذي كان أبديا في شريعة إبراهيم عليه السلام وأولاده إلى شريعة موسى ، وقد ختن عيسى عليه السلام ، فنسخ حكمه الرهبان بعده ، كما نسخوا جميع الأحكام العملية للتوراة ، إلا الزنى ، كما بين في ( إظهار الحق ) ، في الباب الثالث في إثبات النسخ ، وقد أسلفنا جملة جليلة في هذا الشأن في سورة البقرة عند قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا فانظرها وجئتكم بآية من ربكم كرره تأكيدا ، وليبنى عليه قوله : فاتقوا الله وأطيعون

[ ص: 849 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 51 ] إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم

إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا أي : ما آمركم به : صراط مستقيم

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 52 ] فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون

فلما أحس عيسى منهم أي : من بني إسرائيل : الكفر أي : علمه ووجده منهم : قال من أنصاري إلى الله جمع نصير . والجار متعلق بمحذوف وقع حالا ، أي : من أنصاري متوجها إلى الله ملتجئا إليه : قال الحواريون وهم طائفة من بني إسرائيل انتدبت للإيمان بالمسيح عليه السلام فوازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه - جمع حواري - وهو الناصر أو المبالغ في النصرة ، والوزير والخليل والخالص كما في ( التوشيح ) : نحن أنصار الله أي : أنصار دينه ورسوله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون أي : منقادون لرسالتك . ولما أشهدوه عليه السلام أشهدوا الله تعالى الآمر بما أنزل من الإيمان به وبأوامره فقالوا :القول في تأويل قوله تعالى :

[ 53 ] ربنا آمنا بما أنـزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين

ربنا آمنا بما أنـزلت واتبعنا الرسول فأشهدناك على ما نحن عليه من تصديقنا دعواه : فاكتبنا أي : جزاء على إشهادنا إياك : مع الشاهدين أي : مع الذين يشهدون بوحدانيتك . وهم المتقدمون في آية : شهد الله أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم .

[ ص: 850 ] لطيفة :

جاء في إنجيل متى في الإصحاح العاشر ما يأتي :

1 - ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف .

2 - وأما أسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه : الأول : سمعان ، الذي يقال له بطرس وأندراوسأخوه ، يعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه .

3 - فيلبس وبرثو لماوس ، توما ومتى العشار ، يعقوب بن حلفى ، ولباوس الملقب تداوس .

4 - سمعان القانوي ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه .

وكانوا يسمون رسل عيسى عليه السلام ، لأنه بعثهم إلى الإسرائيليين الضالين يدعونهم إلى الحق الذي جاء به ، فبذلوا الجهد في بثه وانتشاره وإقامته ، إلى أن جاء بولس فسلبهم بخداعه ، دين المسيح الصحيح ، فلم يسمعوا له بعد من خبر ، ولا وقفوا له على أثر ، وطمس لهم رسوم التوراة ، وحلل لهم كل محرم ، كما بين ذلك في غير هذا الموضع .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-23-2026, 10:52 PM   #160

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 851 الى صـ 856
الحلقة (160)

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 54 ] ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين

ومكروا أي : الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر ، بأن هموا بالفتك به وإرادته بالسوء ، حيث تمالؤوا عليه ووشوا به إلى ملكهم : ومكر الله أي : بهم بعد ذلك فانتقم منهم ، وأورثهم ذلة مستمرة وأباد ملكهم : والله خير الماكرين أي : أقواهم مكرا ، وأنفذهم كيدا ، وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب . وقال البقاعي كغيره في قوله تعالى : ومكر الله أي : بأن رفعه إليه ، وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه ، وإنما صلبوا أحدهم ، ويقال : إنه الذي دلهم . وأما هو عليه السلام ، فصانه عنده بعد رفعه [ ص: 851 ] إلى محل أوليائه وموطن قدسه ، لينـزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضربت عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذي طلبوا به العز إلى آخر الدهر ، فكان تدميرهم في تدبيرهم . ثم أخبر تعالى ببشارته بالعصمة من مكرهم بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 55 ] إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون

إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك أي : مستوف مدة إقامتك بين قومك . والتوفي ، كما يطلق على الإماتة ، كذلك يطلق على استيفاء الشيء . كما في كتب اللغة . ولو ادعي أن التوفي حقيقة في الأول ، والأصل في الإطلاق الحقيقة فنقول : لا مانع من تشبيه سلب تصرفه عليه السلام بأتباعه وانتهاء مدته المقدرة بينهم بسلب الحياة . وهذا الوجه ظاهر جدا ، وله نظائر في الكتاب العزيز ، قال تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها قال الزمخشري : يريد : ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، أي : يتوفاها حين تنام ، تشبيها للنائمين بالموتى ، ومنه قوله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل حيث لا يميزون ولا [ ص: 852 ] يتصرفون ، كما أن الموتى كذلك - انتهى كلامه - . ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا أي : من مكرهم وخبث صحبتهم . وقد دلت هذه الآية بظاهرها على أن الله تعالى فوق سماواته ، كقوله تعالى : بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وقوله تعالى : يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه وقوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور وهو مذهب السلف قاطبة ، كما نقله الإمام الذهبي في كتاب ( العلو ) .

قال أبو الوليد بن رشد في ( مناهج الأدلة ) : لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة ( الفوق ) حتى نفتها المعتزلة ، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال : والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء ، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ، وأن من السماوات نزلت الكتب ، وإليها كان الإسراء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء ، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول . وبين بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم - إلى أن قال : فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل . وأن إبطاله إبطال الشرائع . قال الدارمي : وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته . وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب ( العلو ) فانظره ، [ ص: 853 ] هذا ، ولما كان لذوي الهمم العوال أشد التفات إلى ما يكون عليه خلفاؤهم من بعدهم من الأحوال ، بشره تعالى في ذلك بما بشره فقال : وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكذا كان لم يزل من انتحل النصرانية فوق اليهود ، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا ، فلا يبقى منهم أحد : ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ثم فسر الحكم الواقع بين الفريقين بقوله : فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 56 ] فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 57 ] وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين

وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين أي : يبغضهم ، فإن هذه الكناية فاشية في جميع اللغات ، جارية مجرى الحقيقة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 58 ] ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم

ذلك إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى عليه السلام وهو مبتدأ وخبره : نتلوه عليك أي : من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه . وقوله تعالى : من الآيات حال [ ص: 854 ] من الضمير المنصوب أو خبر بعد خبر : والذكر الحكيم أي : المشتمل على الحكم ، أو المحكم المعصوم من تطرق الخلل إليه ، والمراد به : القرآن .

تنبيه :

في قوله : إني متوفيك وجوه في التأويل كثيرة ، إلا أن الذي فتح المولى به مما أسلفناه هو أرجح التأويلات والله أعلم ، وبه يسقط زعم النصارى أن هذه الآية حجة علينا ، لإفادتها وفاته عليه السلام ، أي : بالصلب ، ثم رفعه إلى السماء ، أعني : قيامه حيا بعد وفاته على زعمهم من أنه مات بجسده ، وأقام على الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة ، ثم أنزل ودفن في أول ساعة من ليلة السبت ، وأقام في القبر إلى صبيحة الأحد ، ثم انبعث حيا ، وتراءى للنسوة اللائي جئن إلى قبره زائرات ، وقد استندوا في هذا الزعم إلى شهادة أناجيلهم الأربع ، وشهادة تلاميذه الشفاهية في العالم ، ثم أتباعهم ، وكذا شهادة اليهود بوقوع الصلب على المسيح ذاتيا . ووجه سقوط زعمهم الفاسد المذكور ما بيناه في معنى الآية مما لا يبقى معه أدنى ارتياب . وقد بين علماؤنا بطلان معتقدهم هذا في تآليف وتحارير فانظره في ( حواشي تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب ) تأليف الشيخ : عبد الله بك .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 59 ] إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

إن مثل عيسى أي : شأنه العجيب في إنشائه بالقدرة من غير أب : عند الله أي : في تقديره وحكمه : كمثل آدم أي : كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب : خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون جملة مفسرة للتمثيل ببيان وجه الشبه بينهما . وحسم لمادة شبه الخصوم ، فإن إنكار خلق عيسى عليه السلام بلا أب ممن اعترف بخلق آدم عليه السلام بغير أب وأم ، مما لا يكاد يصح - قاله أبو السعود - وقوله : خلقه أي : صور [ ص: 855 ] جسد آدم من تراب ثم قال له : كن أي : بشرا كاملا روحا وجسدا ، فإن أمره تعالى يفيد قوة التكون . قال البقاعي : وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في : فيكون دون الماضي ، وإن كان المتبادر إلى الذهن أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويرا لها ؛ إشارة إلى أنه كان الأمر من غير تخلف ، وتنبيها إلى أن هذا هو الشأن دائما يتجدد مع كل مراد ، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا ، كما تقدم التصريح به في آية إذا قضى أمرا

لطيفة :

قال الرازي : الحكماء قالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه :

الأول : ليكون متواضعا .

الثاني : ليكون ستارا .

الثالث : ليكون أشد التصاقا بالأرض . وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض . قال تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة

الرابع : أراد الحق إظهار القدرة ، فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام ، وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام ، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية .

الخامس : خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئا لنار الشهوة والغضب . انتهى ملخصا .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 60 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين

الحق من ربك خبر مبتدأ محذوف ، أي : الذي قصصنا عليك من نبأ عيسى الحق ، وقيل : الحق مبتدأ ، والظرف خبر ، أي : الحق المذكور . وقيل : الحق فاعل لمضمر ، أي : جاءك الحق . وفي الحق تأويلان :

الأول : قال أبو مسلم : المراد أن هذا الذي أنزلت [ ص: 856 ] عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام ، لا ما قالت النصارى واليهود ، فالنصارى قالوا إن مريم ولدت إلها ، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ، ونسبوها إلى يوسف النجار ، فالله تعالى بين أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ، ثم نهى عن الشك فيه .

والقول الثاني : أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من المثل ، وهو قصة آدم عليه السلام ، فإنه لا بيان أقوى منها . والله أعلم .

فلا تكن من الممترين خطاب إما للنبي - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التهييج لزيادة الثبات ، أو لكل سامع .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 09:41 PM   #161

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 857 الى صـ 862
الحلقة (161)

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 61 ] فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين

فمن حاجك أي : جادلك من النصارى بإيراد حجة : فيه أي : في شأن عيسى ، زعما منهم أنه ليس على الشأن المتلو : من بعد ما جاءك من العلم أي : الذي أنزلناه إليك ، وقصصناه عليك في أمره . وللفاضل المهايمي في هذه الآية أسلوب لطيف في التأويل حيث قال : الحق أي : الثابت الذي لا يقبل التأويل جاء : من ربك الذي رباك بالإطلاع على الحقائق : فلا تكن من الممترين بما ورد في الإنجيل من إطلاق لفظ الأب على الله ، فإنه إطلاق مجازي ؛ لأنه لما حدث منه كان كأبيه . وإذا ظهر لك الحق من ربك بالبيان التام : فمن حاجك أي : جادلك : فيه لإثبات أبنيته بظواهر الإنجيل : من بعد ما جاءك من العلم القطعي الموجب لتأويله فقل لم يبق بيننا وبينكم مناظرة ، ولكن نرفع عنادكم بطريق المباهلة : تعالوا أي : أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه علو الحق وسفول [ ص: 857 ] الباطل : ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم أي يدع كل منا ومنكم نفسه ، وأعزة أهله ، وألصقهم بقلبه ، ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ، ويحارب دونهم ، ويحملهم على المباهلة : ثم نبتهل أي : نتضرع إلى الله تعالى ونجتهد في دعاء اللعنة : فنجعل لعنت الله أي : إبعاده وطرده : على الكاذبين منا ومنكم ليهلكهم الله وينجي الصادقين ، فلا يبقى العناد الباقي عليكم بعد اتفاق الدلائل العقلية والنقلية .

تنبيهات :

الأول - قال القاشاني : إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما ، سببه : اتصال نفوسهم بروح القدس ، وتأييد الله إياهم به ، وهو المؤثر بإذن الله في العالم العنصري ، فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليه ، كالغضب والحزن والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم ، وانفعال النفوس البشرية منه ، كانفعال حواسنا وسائر قوانا من هيئات أرواحنا ، فإذا اتصل نفس قدسي به كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصالي بتأثير ما يتصل به ، فتنفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد ، ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة ، وطلبت الموادعة بقبول الجزية ! .

الثاني : قال ابن كثير : وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة ، فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية ، فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره ، وكانوا ستين راكبا ، منهم ثلاثة نفر ، إليهم يؤول أمرهم : العاقب أمير القوم واسمه : عبد المسيح ، والسيد ثمالهم ، وصاحب رحلهم واسمه : الأيهم ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم . وفي القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتاه الخبر من الله - عز وجل - والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم ، إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى المباهلة ، فقالوا : يا أبا القاسم [ ص: 858 ] دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب فقالوا : يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط ، فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا أبا القاسم ! قد رأينا أن لا نلاعنك ، وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا . فلم يلاعنهم - صلى الله عليه وسلم - وأقرهم على خراج يؤدونه إليه .

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن الشعبي عن جابر قال : قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - العاقب والطيب ، فدعاهما إلى الملاعنة ، فواعداه على أن يلاعناه الغداة ، قال : فغدا رسول الله ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا ، وأقرا له بالخراج ، قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « والذي بعثني بالحق ، لو قالا : لا ، لأمطر عليهم الوادي نارا » . قال جابر : وفيهم نزلت : ندع أبناءنا الآية . قال جابر : أنفسنا وأنفسكم : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي بن أبي طالب ، وأبناؤنا الحسن والحسين ، ونساؤنا : فاطمة ، وهكذا - رواه الحاكم في مستدركه بمعناه ، ثم قال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . هكذا قال .

وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة عن الشعبي مرسلا ، وهذا أصح .

وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك .

وروى البخاري عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : جاء العاقب والسيد ، صاحبا نجران إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدان أن يلاعناه ، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث معنا [ ص: 859 ] رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أمينا . فقال : « لأبعثن معكم رجلا أمينا ، حق أمين » . فاستشرف لها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : قم يا أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « هذا أمين هذه الأمة » . ورواه مسلم والنسائي أيضا وغيرهم .

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال أبو جهل قبحه الله - : إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينهحتى أطأ على رقبته ، قال : فقال : لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا .

قال ابن كثير : وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي . وقد ساق قصة وفد نجران الإمام ابن القيم عليه الرحمة في ( زاد المعاد ) وأعقبها بفصل مهم في فقهها ، فليراجع .

الثالث : قال الزمخشري : فإذا قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه ، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه . فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله ، واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك . ولم يقتصر على تعريض نفسه له ، وعلم ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة ، وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل ، ومن ثمت كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب . ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق . وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها . وفيه دليل ، لا شيء أقوى منه ، على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام . وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك .

[ ص: 860 ] الرابع : استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين ، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به - صلى الله عليه وسلم - . والمباهلة : الملاعنة .

قال الكازروني في تفسيره : وقع البحث عند شيخنا العلامة الدواني قدس الله سره في جواز المباهلة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار ، وكلام الأئمة ، وحاصل كلامه فيها : أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا ، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة ، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار وعدم نفع ذلك ، ومساس الضرورة إليها .

قال الإمام صديق خان في تفسيره : وقد دعا الحافظ ابن القيم ، رحمه الله ، من خالفه في مسألة صفات الرب تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ، إلى المباهلة بين الركن والمقام ، فلم يجبه إلى ذلك ، وخاف سوء العاقبة . وتمام هذه القصة مذكور في أول كتابه المعروف بـ ( النونية ) - انتهى - وقد ذكر في ( زاد المعاد ) في فصل فقه قصة وفد نجران ما نصه : ومنها أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا ، بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة ، وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله ، ولم يقل : إن ذلك ليس لأمتك من بعدك . ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع ، ولم ينكر عليه الصحابة ، ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين ، ولم ينكر عليه ذلك ، وهذا من تمام الحجة - انتهى - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 62 ] إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم .

إن هذا أي : المتقدم من شأن عيسى عليه السلام : لهو القصص الحق الذي [ ص: 861 ] لا معدل عنه ، دون أقاصيص النصارى . والقصص تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء على ترتيبها ، في معنى قص الأثر ، وهو اتباعه ، حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - أفاده الحرالي - .

قال البقاعي : ولما بدأ سبحانه القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلا على ذلك بأنه الحي القيوم صريحا ، ختم ذلك إشارة وتلويحا فقال ، عاطفا على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى عبد الله ورسوله ، معمما للحكم : وما من إله إلا الله فصرح فيه بـ : من الاستغراقية ، تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم : وإن الله لهو العزيز الحكيم فلا يشاركه أحد في العزة والحكمة ، ليشاركه في الألوهية .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 63 ] فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين

فإن تولوا أي : أعرضوا عن قبول الحق الذي قص عليه بعدما عاينوا تلك الحجج النيرة : فإن الله عليم بالمفسدين أي : بهم ، فيجازيهم على إفسادهم . والتعبير عنهم بذلك إشارة إلى أنهم بتوليهم ، مفسدون اعتقادهم واعتقاد غيرهم في الله تعالى .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 64 ] قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أي : إلى قول معتدل لا يميل إلى التعطيل ولا إلى الشرك ، متفق عليها لا يختلف فيها الرسل والكتب ، وهي : ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا أي : لا نرى غيره مستحقا للعبادة فنشركه معه ، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له . وهذه دعوة جميع الرسل . قال الله تعالى : [ ص: 862 ] وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا أي : كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين كانوا يحلون لهم ويحرمون . كما روى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال : « إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه » .

قال الكيا الهراسي : فيه رد على من قال بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي ، وعلى من قال : يجب قبول قول الإمام في التحليل والتحريم ولو دون إبانة مستند شرعي .

قال البقاعي : ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية ، نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد والاجتراء على ما يختص به الله فقال : من دون الله الذي اختص بالكمال : فإن تولوا أي : عن هذه الكلمة السواء المتفق عليها : فقولوا أي : تبعا لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال : أسلمت لرب العالمين . وامتثالا لوصيته إذ قال : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون اشهدوا بأنا مسلمون أي : لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما : اعترف بأني أنا الغالب ، وسلم لي الغلبة . ويجوز أن يكون من باب التعريض ، ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره . كذا قال ( الكشاف ) .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 09:44 PM   #162

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 863 الى صـ 868
الحلقة (162)


القول في تأويل قوله تعالى :

[ 65 ] يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنـزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون .

يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم أي : تجادلون فيه فيدعيه كل من فريقكم : وما أنـزلت التوراة والإنجيل أي : المقرر كل منهما لأصل دين منتحله منكم : إلا من بعده أفلا تعقلون حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدل المحال .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 66 ] ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون

ها أنتم هؤلاء أي : الأشخاص الحمقى : حاججتم فيما لكم به علم من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ له ذكر في كتابكم ، فأمكنكم تغييره لفظا ومعنى ، أو من أمر موسى وعيسى عليهما السلام ، أو مما نطق به التوراة والإنجيل : فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم من أمر إبراهيم لكونه لم يذكر في كتابكم بما حاججتم ، فلا يمكنكم فيه التغيير : والله يعلم فيبينه لنبيه : وأنتم لا تعلمون
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 67 ] ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين

ما كان إبراهيم يهوديا أي : كما ادعى اليهود : ولا نصرانيا كما ادعى النصارى : ولكن كان حنيفا مسلما سبق معنى الحنيف عند قوله تعالى : بل ملة إبراهيم حنيفا في البقرة : وما كان من المشركين تعريض بأنهم مشركون بقولهم : عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله ، ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام .

[ ص: 864 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 68 ] إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين .

إن أولى الناس بإبراهيم أي : أخصهم به وأقربهم منه ، من ( الولي ) وهو القرب : للذين اتبعوه أي : في دينه من أمته وغيرهم : وهذا النبي يعني : خاتم الأنبياء محمدا - صلى الله عليه وسلم - : والذين آمنوا به فعملوا بشريعته الموافقة لشريعة إبراهيم : والله ولي المؤمنين بالنصر والمعونة والمحبة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 69 ] ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون

ودت أي : تمنت : طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم بالرجوع إلى دينهم حسدا وبغيا : وما يضلون إلا أنفسهم أي : وما يتخطاهم الإضلال ، ولا يعود وباله إلا عليهم ، إذ يضاعف به عذابهم : وما يشعرون أي : أن وزره خاص بهم . ونظير هذه الآية قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم وقوله : ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء

[ ص: 865 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 70 ] يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون

يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله أي : المنزلة على محمد - صلى الله عليه وسلم - : وأنتم تشهدون أي : تعلمون حقيقتها .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 71 ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون

يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل أي : تسترون الحق المنزل بتمويهاتكم الباطلة : وتكتمون الحق أي : الذي لا يقبل تمويها ولا تحريفا : وأنتم تعلمون أي : عالمين بما تكتمونه من حقيته وقد كانوا يعلمون ما في التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونبوته ، ويلبسون على الناس في ذلك ، كدأبهم في غيره . وفي الآية دلالة على قبح كتمان الحق ، فيدخل في ذلك أصول الدين وفروعه والفتيا والشهادة . وعلى قبح التلبيس . فيجب حل الشبهة وإبطالها .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 72 ] وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون

وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنـزل على الذين آمنوا وجه النهار أي : أوله : واكفروا آخره لعلهم يرجعون هذه الآية حكاية لنوع آخر [ ص: 866 ] من تلبيساتهم . وهي مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من المؤمنين أمر دينهم ، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين ، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم . فيظن الضعفاء أنه لا غرض لهم إلا الحق ، وأنه ما ردهم عن الدين بعد اتباعهم له وترك العناد ، وهم أولو علم وأهل كتاب ، إلا ظهور بطلانه لهم ، ولهذا قال : لعلهم يرجعون أي : عن الإسلام كما رجعتم .

لطيفة :

قال الرازي : الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من وجوه :

الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم وما أطلعوا عليها أحدا من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا .

الثاني : أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت في قلب بعض من في إيمانه ضعف .

الثالث : أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 73 ] ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم

ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم من تتمة كلامهم ، أي : ولا تصدقوا إلا نبيا تابعا لشريعتكم ، لا من جاء بغيرها ، أو : ولا تؤمنوا ذلك الإيمان المتقدم ، وهو إيمانهم وجه النهار ، إلا لأجل حفظ أتباعكم وأشياعكم وبقائهم على دينكم : قل إن الهدى هدى الله أي : الذي هو [ ص: 867 ] الإسلام وقد جئتكم به ، وما عداه ضلال ، فلا ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف ولا تقدرون على إضلال أحد منا بعد أن هدانا الله . ثم وصل به تقريعهم فقال : ( أن ) بمد الألف على الاستفهام ، في قراءة ابن كثير . وتقديرها في قراءة غيره ، أي : دعاكم الحسد والبغي حتى قلتم ما قلتم ودبرتموه الآن : يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الشرائع والعلم والكتاب : أو كراهة أن : يحاجوكم أي : الذين أوتوا مثل ما أوتيتم : عند ربكم أي : بالشهادة عليكم يوم القيامة أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحكم : قل إن الفضل أي : بإنزال الآيات وغيرها : بيد الله يؤتيه من يشاء فلا يمكنكم منعه : والله واسع كثير العطاء : عليم
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 74 ] يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم

يختص برحمته من يشاء فيزيده فضلا عليكم : والله ذو الفضل العظيم
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 75 ] ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون

ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما بالمطالبة والترافع وإقامة البينة ، فلا يبعد منه الخيانة مع الله بكتمان ما أمره بإظهاره طمعا في إبقاء الرئاسة والرشا عليه . ثم استأنف علة الخيانة بقوله : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل أي : ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون : ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب عقاب ومؤاخذة [ ص: 868 ] فهم يخونون الخلق : ويقولون أي : في الاعتذار عنه : على الله الكذب بادعائهم ذلك وغيره ، فيخونونه أيضا : وهم يعلمون أنه كذب محض وافتراء لتحريم الغدر عليهم . كما هو في التوراة . وقد مضى نقله في البقرة في آية : إن الذين آمنوا والذين هادوا فارجع إليه .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 76 ] بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين

بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين اعلم أن ( بلى ) إما لإثبات ما نفوه من السبيل عليهم في الأميين ، أي : بلى عليهم سبيل ، فالوقف حينئذ على ( بلى ) وقف التمام ، وقوله : من أوفى بعهده جملة مقررة للجملة التي سدت ( بلى ) مسدها . وإما لابتداء جملة بلا ملاحظة كونها جوابا للنفي السابق ، فإن كلمة ( بلى ) قد تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعدها - كما نقله الرازي - وهذا هو الذي أرتضيه . وإن اقتصر ( الكشاف ) ومقلدوه على الأول . وقد ذكروا في ( نعم ) أنها تأتي للتوكيد إذا وقعت صدرا . نحو : نعم هذه أطلالهم ، فلتكن ( بلى ) كذلك ، فإنهما أخوان ، وإن تخالفا في صور ، وعلى هذا فلا يحسن الوقف على ( بلى ) . والضمير في : بعهده إما لاسم ( الله ) في قوله : ويقولون على الله الكذب على معنى : إن كل من أوفى بعهد الله واتقاه في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه . وإما لـ : من أوفى على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقاه فإنه يحبه .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* الاعتزاز بالإسلام
* التلقُّب بملك الملوك
* أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
* الإعاقة الباطنية: عمى البصيرة، وأمراض القلوب
* سألت زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ
* أحب الناس إلى الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
"محاسن, متجدد, الله, التأويل"محمد, الدين, القاسمي, تفسير, جمال, شاء, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1839 يوم أمس 11:30 PM
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 517 07-13-2026 12:29 PM
"حيّ بن يقظان" .. مُلهم "ماوكلي" "كروزو" و"طرزان" ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 01-01-2026 09:23 PM
الدلالة البيانية للفظي"الوالدان"و"الأبوان"في تعبير القرآن الكريم-د.صالح التركي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-14-2025 06:51 AM
فوائد مختارة من كتاب تفسير القاسمي " محاسن التأويل " امانى يسرى محمد ملتقى الكتب الإسلامية 0 09-16-2025 01:59 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009