![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#163 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السادس من صــ 316الى صــ330 الحلقة (161) وفي لفظة: عن علي -رضي الله عنه- قال: «إِنّكم سألتموني عن الرجل يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإِنّما فيه عقوبةُ السلطان، فلا تعودوا فتقولوا» (١). تعزير الخطباء الذين لا يتحرّون ثبوت الأحاديث: جاء في فتوى الإِمام ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- في خطيب لا يُبيِّن مُخرّجي الأحاديث، في فتاواه الحديثية (ص ٣٢) ما نصه: «وسئل -رضي الله عنه- في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة؛ ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مُخَرِّجيها، ولا رواتَها فما الذي يجب عليه؟ فأجاب بقوله: ما ذكَره من الأحاديث في خُطبِهِ من غير أن يُبيّن رواتها، أو مَنْ ذَكَرَهَا، فجائزٌ بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث، أو بنقْلها مِنْ مؤلفه كذلك. وأمّا الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرَّد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه مِنْ أهل الحديث، أو في خطبٍ ليس مؤلفها كذلك، فلا يَحِلُّ ذلك! ومَن فعله عُزِّرَ عليه التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء، فإِنهم بمجرد رؤيتهم خطبةً فيها أحاديث؛ حفظوها وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أنّ لتلك الأحاديث أصلًا أم لا، فيجب على حُكّام كل بلد أن يزجروا خطباءَها عن ذلك، ويجب على حُكام بلد هذا ----------------------- (١) قال شيخنا -رحمه الله - في المصدر السابق:»وهو عندي جيد الإسناد من الطريق الأولى؛ لأن رجاله ثقات معروفون؛ غير أصحاب عبد الملك بن عمير؛ وهم جمْعٌ تنجبر به جهالتهم". الخطيب، منعُهُ من ذلك إِن ارتكَبه». ثم قال: «فعلى هذا الخطيب أن يُبيِّن مستنده في روايته؛ فإِنْ كان مستندًا صحيحًا، فلا اعتراض عليه، وإِلا ساغ الاعتراض عليه، بل وجاز لوليّ الأمر -أيّد الله به الدين، وقمعَ بِعَدْلِه المعاندين- أن يعزله مِن وظيفة الخطابة؛ زجرًا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنيّة بغير حقّ» انتهى ملخصًا (١). التعزير على نفي النسب: عن الأشعث بن قيس قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - في وفد كنْدَة ولا يروني إِلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله ألستم منّا؟ فقال: نحن بنو النّضْر بن كنانة، لا نقفوا أمَّنَا، ولا نَنْتفي من أبينا. قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أُوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة؛ إِلا جلَدْتُه الحدّ (٢)» (٣). التعزير على الاستمناء: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٢٩): وسُئل -رحمه الله تعالى- «عن -------------------- (١) عن»قواعد التحديث«للعلاّمة القاسمي -رحمه الله تعالى-. (٢) والذي يبدو أنّ كلمة الحدّ هنا؛ بالمعنى اللغوي؛ لا الاصطلاحي الفقهي؛ فإِنني لم أَرَ -فيما أعلم- حدًّا مسمّى فيمن نفى النَّسب. وهذا كقول أنس -رضي الله عنه-»آلى رسول الله - ﷺ - من نسائه، وكانت انفكّت رجله ... «أخرجه البخاري (٥٢٨٩)، فكلمة (آلى) هنا مشتقّة من الإِيلاء اللغوي، لا من الإيلاء الفقهي؛ كما قال الكرماني -رحمه الله- والله -تعالى- أعلم. (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢١١٥)، وانظر»الإِرواء" (٢٣٦٨). الاستمناء، هل هو حرام؟ أَم لا؟ فأجاب: أمّا الاستمناء (١) فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء، وعلى فاعِلِه التعزير؛ وليس مِثْل الزنا. والله أعلم». التعزير من حقّ الحاكم: والتعزير يتولاه الحاكم؛ لأنّ له الولاية العامّة على المسلمين، وليس التعزير لغير الإِمام، إِلا لثلاثة: ١ - الأوّل الأب، فإِن له تعزير وَلَده الصغير؛ للتعليم والزَّجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر أنّ الأمّ في مسألة زمن الصِّبا في كفالته لها ذلك، والأمر بالصلاة، والضرب عليها. ٢ - والثاني السيد، يعزِّر رقيقه في حقِّ نفسه، وفي حقّ الله -تعالى- على الأصحّ. ٣ - والثالث الزوج، له تعزير زوجته في أمر النشوز، كما صرّح به القرآن، وهل له ضرْبها على ترك الصلاة ونحوها؟ الظاهر، أن له ذلك إِن لم يكْفِ فيها الزجر؛ لأنه من باب إِنكار المنكر، والزوج من جملة مَنْ يُكلّف بالإِنكَار باليد، أو اللسان، أو الجنان، والمراد هنا الأولان (٢). ------------------ (١) ولشيخ الإِسلام -رحمه الله- تفصيل في حُكم الاستمناء، في مواطن أخرى وليس هذا موضعه، وتقدّم القول فيه في كتابي هذا. (٢) «سبل السلام» (٤/ ٦٩) -بحذف- ونقله السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٣/ ٣٧٤). هل في التعزير ضمان (١)؟ وليس على الزوج ضمانُ الزوجة إذا تلِفت من التأديب المشروع في النّشوز ولا على المعلم إِذا أدب صبيَّه الأدب المشروع وبه قال مالك؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة يضمن ... قال الخلال: إِذا ضرب المعلّم ثلاثًا -كما قال التابعون وفقهاء الأمصار- وكان ذلك ثلاثًا، فليس بضامن، وإِنْ ضَربه ضْربًا شديدًا مثله لا يكون أدبًا للصبي ضمن، لأنه قد تعدّى في الضرب. قال القاضي: وكذلك يجيء على قياس قول أصحابنا؛ إِذا ضَرب الأب أو الجد الصبي، تأديبًا فهلك، أو الحاكم أو أمينه أو الوصي عليه تأديبًا؛ فلا ضمان عليهم كالمعلّم. قلت: ضابط الأمر هو أن يؤدب التأديب المشروع، دون إِسراف ولا تعدٍّ، فهذا لا ضمان له، وإِلا ضمن، ولا دليل في اقتصار ضرب المعلم على ثلاث. والله -تعالى- أعلم. يُعزِّر الوالي بما يرى: عن علي -رضي الله عنه- في الرجل يقول للرجل: «يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى» (٢). وفي لفظ: عن علي -رضي الله عنه- قال: «إِنّكم سألتموني عن الرجل -------------------- (١) استفدت مادّة هذا العنوان من»المغني«(٩/ ٣٤٩) وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفائدة تحت»فصول فيما لا يُضمن«. (٢) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٣٩٣) وتقدّم. يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإنّما فيه عقوبةٌ من السلطان، فلا تعودوا فتقولوا» (١). الجمع بين نوعين من أنواع التعزير: عن جعفر بن برقان قال: «بلغَنا أنّ عمر بن عبد العزيز أُتِيَ بجارية كانت بين رجلين فوطئها أحدهما، فاستشار فيها سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير، فقالوا: نرى أن يجلد دون الحد، ويقيمونه قيمة، فيدفع إِلى شريكه نصف القيمة» (٢). وعن عمير بن نمير قال: «سُئل ابن عمر عن جارية كانت بين رجلين فوقَع عليها أحدهما، قال: ليس عليه حد هو خائن، يقوم عليه قيمة ويأخذها» (٣). وعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: «أتي علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم أمَر به إِلى السجن، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثم قال: إِنما جلدتك هذه العشرين لإِفطارك في رمضان، وجُرأتك على الله» (٤). ----------------------- (١) انظر «الإِرواء» (٨/ ٥٤) تحت الأثر (٢٣٩٣) وتقدّم. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وانظر «الإِرواء» (٨/ ١٥٧) وتقدّم. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -رحمه الله-: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير عمير بن نمير أورده ابن حبان في «الثقات»، وانظر «الإِرواء» (٨/ ١٥٧) وتقدّم. (٤) أخرجه الطحاوي، وقال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده حسن أو قريب من ذلك رجاله كلهم ثقات معروفون غير أبي مروان والد عطاء، وثقه ابن حبان والعجلي، وقال النسائي: «غير معروف: لكن روى عنه جماعة، وقيل له صحبة»، وانظر «الإرواء» (٢٣٩٩) وتقدّم. وتقدم أكثر من مرَة حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رجلًا من مُزَيْنة أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة الجبل، فقال: «هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال» (١). وكذا الأمر فيما وَرَد في الثمر المعلّق. ما لا يجوز فيه التعزير: ولا يجوز التعزير بحلق اللحية، ولا بتخريب الدور، وقلْع البساتين، والزروع، والثمار والشجر، كما لا يجوز بجدع الأنف، ولا بقطع الأذن، أو الشفة، أو الأنامل؛ لأن ذلك لم يُعهَد عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- (٢). مسائل متفرقة في التعزير: جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٢٥): «سئل شيخ الإِسلام أبو العباس عن رجل من أمراء المسلمين له مماليك، وعنده غلمان: فهل له أن يقيم على أحدهم حَدًّا إِذا ارتكبه؟ وهل له أن يأمرهم بواجب إِذا تركوه؛ كالصلوات الخمس ونحوها؟ وما صفة السوط الذي يعاقبهم به؟ فأجاب: الحمد لله، الذي يجب عليه أن يأمرهم كلَّهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر والبغي. وأقلّ ما يفعل أنه إِذا استأجر أجيرًا منهم يشترط عليه ذلك، كما يشترط ما --------------------- (١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٥٩٤) وتقدّم. (٢) انظر»فقه السنة" (٣/ ٣٧٢). يشترطه من الأعمال، ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرَدَه. وإذا كان قادرًا على عقوبتهم بحيث يُقرُّه السلطان على ذلك في العرف الذي اعتاده الناس وغيره؛ لا يعاقبهم على ذلك؛ لكونهم تحت حمايته، ونحو ذلك، فينبغي له أن يُعزِّرهم على ذلك؛ إِذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات إِلا بالعقوبة، وهو المخاطَب بذلك حينئذ، فإِنه هو القادر عليه، وغيره لا يقدر على ذلك؛ مراعاة له. فإِن لم يستطع أن يقيم هو الواجب، ولم يَقُم غيرُه بالواجب، صار الجميع مستحقين العقوبة، قال النبي - ﷺ -: «إِنّ الناس إِذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه» (١). وقال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان» (٢). لا سيّما إِذا كان يضربهم لما يتركونه مِن حقوقه، فمن القبيح أن يعاقبهم على حقوقه، ولا يعاقبهم على حقوق الله. والتأديب يكون بسوطٍ معتدل، وضرْبٍ معتدل، ولا يَضرب الوجه، ولا المقاتِل«. وفيه (ص ٢٢٦): وسئل -قدّس الله رُوحه-:»عن رجل يُسفِّه على والديه: فما يجب عليه؟ -------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح ابن ماجه» (٣٢٣٦) وهذا لفظه وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٤٤) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٧٦١)، وانظر «الصحيحة» (١٥٦٤). (٢) أخرجه مسلم (٤٩). فأجاب: إِذا شتَم الرجل أباه واعتدى عليه؛ فإِنه يجب أن يعاقَب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مِثل ذلك، بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - في «الصحيحين» أنه قال: «إِن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه» (١). فإِذا كان النبي - ﷺ - قد جَعل من الكبائر؛ أن يسبّ الرجل أبا غيرِه؛ لئلا يسبّ أباه، فكيف إِذا سبّ هو أباه مباشرة! فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين ...«. وفيه (ص ٢٢٨): وسُئل -قدّس الله رُوحه-:»عمَّن شتَم رجلًا وسبّه؟ فأجاب: إِذا اعتدى عليه بالشتم والسب؛ فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه؛ فيشتمه إِذا لم يكن ذلك مُحرَّمًا لعينه؛ كالكذِب، وأمّا إِنْ كان محرمًا لعينه كالقذف بغير الزنا فإِنه يُعزَّر على ذلك تعزيرًا بليغًا يردعه وأمثاله من السفهاء، ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذي يشرع إِذا تكرر سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه. والله أعلم«. وجاء في الصفحة نفسها: وسئل -رحمه الله-:»عمن شتم رجلًا فقال له: أنت ملعون، ولد زنا؟ فأجاب: «يجب تعزيزه على هذا الكلام، ويجب عليه حدّ القذف إنْ لم يقصِد بهذه الكلمة ما يقصده كثير من الناس مِنْ قَصْدهم بهذه الكلمة، أن المشتوم فِعله خبيث كفِعْل وَلد الزنا». تم بحمد الله وتوفيقه. --------------------- (١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣) ومسلم (٩٠). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#164 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 1الى صــ15 الحلقة (162) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء السابع كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة بقلم حسين بن عودة العوايشة دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: [email protected] الموسوعة الفقهية الميسَّرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء السابع كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة بقلم حسين بن عودة العوايشة دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: [email protected] -[المقَدّمَة]- إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُه وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدْي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا الجزء السابع من كتابي «الموسوعة الفقهيّة» أقدّمه للقرّاء الكِرام، بعد أن طال الزّمن، لأمورٍ عديدة؛ منها إنجاز بعض الأعمال العلميّة الأُخرى، أسأل الله -تعالى- أنْ يحفظني بالإيمان والعمل الصالح؛ لاستكمال ما تبقّى مِن الكتاب ----------------------- (١) آل عمران: ١٠٢. (٢) النساء: ١. (٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١. وغير ذلك مما أرجو أن يكون نافعًا مفيدًا للأمة. وهذا الجزء مُخَصّصٌ في الجهاد في سبيل الله -سبحانه- وما يتصل به من أبحاث. سائلًا الله -تعالى- أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأنْ ينفع بي وبكتابي، ويجعلني مفتاح خير مغلاق شرّ، إنّه سميع مجيب. وكتب: حسين بن عودة العوايشة عمّان- ٢٨ جمادى الآخرة ١٤٢٩ هـ الجهاد الجهاد الجهاد -بكسر الجيم- أصْلهُ لغةً: المشقّة، يقال: جَهدْتُ جهادًا: بَلغْت المشقّة. وشرعًا: بَذْل الجهد في قتال الكُفّار، وتقع مجاهدة الكفار باليد والمال واللسان والقلب (١). إيحابه: قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). قال ابن كثير -رحمه الله-: »هذا إيجابٌ من الله -تعالى- للجهاد على المسلمين أن يكفّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل واحد، غزا أو قعَد، فالقاعد عليه إِذا استُعين أن يُعين، وإذا استُغيث أن يُغيث، وإذا استُنفر أن يَنْفِر، وإنْ لم يُحتَجْ إليه قعَد. ولهذا ثَبَت في «الصحيح» عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث به نفسه؛ مات على شُعبة من نفاق» (٣). -------------------- (١) «الفتح» بتصرف يسير. (٢) البقرة: ٢١٦. (٣) أخرجه مسلم: ١٩١٠. وقالعليه الصلاة والسلام- يوم الفتح: «لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا» (١). الجهاد فرضُ كفاية إذا قام به قومٌ سقط عن الباقين جاءفي «المغني» (١٠/ ٣٦٤): «معنى فرضِ الكفاية، الذي إنْ لم يقم به من يَكْفي، أَثِم النّاس كلهم، وإنْ قام به من يكفي، سقَط عن سائر النّاس. فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثمّ يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض النّاس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفِعل غيره، والجهاد من فروض الكفايات؛ في قول عامّة أهل العِلم. وحُكي عن سعيد بن المسيب، أنه مِن فروض الأعيان؛ لقول الله -تعالى-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿إلاَّ تنفروا يُعَذِبْكُم عَذَابًا أَليمًا﴾ (٣). وقوله -سبحانه-: ﴿كُتِبَ عَليكمُ القِتَالُ﴾ (٤). ورَوَى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبى - ﷺ - قال:»من مات ولم يغزُ، ------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٨٣٤، ومسلم: ١٣٥٣. (٢) التوبة: ٤١. (٣) التوبة: ٣٩. (٤) البقرة: ٢١٦. ولم يحدِّثْ نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» (١). ولنا قول الله -تعالى-: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). وهذا يدلّ على أنّ القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٣). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - بعثَ بَعْثًا إلى بني لحِيان من هذيل، فقال: لينبعِثْ مِن كل رجلين أحدهما، والأجرُ بينهما» (٤). ولأنّ رسول الله - ﷺ - كان يبعث السرايا، ويقيم هو وسائر أصحابه. فأمّا الآية التي احتجّوا بها، فقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نَسَخَها قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٥). ويُحتمل أنه أراد حين استنفَرَهم النبى - ﷺ - إلى غزوة تبوك، وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبةً عليهم، ولذلك هجر النبيّ - ﷺ - كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلِّفوا، حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك يجب على من استنفَرَه الإمام؛ ----------------------- (١) تقدّم. (٢) النساء: ٩٥. (٣) التوبة: ١٢٢. (٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٦. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢١٨٧). لقول النبى - ﷺ -: «إذا استُنفرتم فانفروا» (١). ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض للجهاد قوم يَكْفُون في قتالهم؛ إمّا أن يكونوا جندا لهم دواوين (٢) من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدّوا أنفسهم له تبرعًا؛ بحيث إذا قَصَدَهم العدو حصلَت المنَعَة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدوَّ عنها، ويُبعَث في كل سنة جيش يغيرون على العدوِّ في بلادهم«. متى يتعيّن الجهاد (٣) يتعيّن الجهاد في ثلاثة مواضع: أحدها، إذا التقى الزحفَان، وتقابَل الصفّان؛ حَرُم على مَن حَضَر الانصراف، وتعيّن عليه المُقام، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيُّهُا اَلَذِينَءَامَنُوا إذَا لَقِيتُم فِئَةَ فَاثبُتُوا وَاَذكرُوا الله كثِيرًا﴾ (٤). وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦). ------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) الدفتر الذي يُكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء.»النّهاية«. (٣) انظر»المغني" (١٣/ ٨). (٤) الأنفال: ٤٥. (٥) الأنفال: ٤٦. (٦) الأنفال: ١٥ - ١٦. الثاني: إذا نَزل الكفار ببلدٍ، تعيَّن على أهله قتالهم ودَفْعُهم. الثالث: إذا استنفَر الإمام قومًا لزِمهم النفير معه؛ لقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). وقال النبيّ - ﷺ -: «إذا استُنفرتم فانفروا» (٢). ماذا يُشترَط لوجوب الجهاد (٣): ويُشتَرط لوجوب الجهاد سبعة شروط:. الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكوريّة، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة. فأمّا الإسلام والبلوغ والعقل، فهي شروطٌ لوجوب سائر الفروع، ولأنَّ الكافر غير مأمونٍ في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبيُّ ضعيفُ البِنية. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنَّ النَبِى - ﷺ - عَرَضَهُ يَوْمَ أحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ» (٤). وأمّا الحريّة فتُشتَرط؛ لِما رُوي أنَ النبيَّ - ﷺ - كان يبايع الحرَّ على الإسلام -------------------- (١) التوبة: ٣٨، ٣٩. (٢) تقدم تخريجه. (٣) «المغني» (١٣/ ٨) بتصرف. (٤) أخرجه البخاري: ٤٠٩٧ واللفظ له، ومسلم: ١٨٦٨. والجهاد (١)، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد، ولأنَّ الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد كالحج. وأمّا الذكورية فتُشتَرط؛ لما رَوَت عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- عن النبي - ﷺ -: سأله نساؤه عن الجهاد فقال: «نِعْمَ الجهاد الحجّ» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها أيضًا- أنَّها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حجٌّ مبرور» (٣). وعن أمّ سلمة -رضي الله عنها- أَنَّها قالت: «يغزُو الرجال ولا تَغْزُو النساء وإنَّما لنا نصف الميراث، فأنزَل الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اَللهُ به بَعضَكُم عَلى بَعضٍ﴾ (٤)» (٥). ولا يجب على خُنثى مُشْكِل؛ لأنه لا يُعلَم كونُه ذَكَرًا، فلا يجب مع الشك في شرطِه. وأمّا السلامة مِن الضرر. فمعناه السلامة مِن العمى والعَرَج والمرَض، وهو شرط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ليسَ على الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى اَلأَعرَجِ حرجٌ وَلَا عَلَى اَلمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦). ------------------- (١) قلت لعموم النّصوص الواردة في البيعة على الجهاد، وستأتي بإذن الله -تعالى-. (٢) أخرجه البخاري: ٢٨٧٦. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٢٠. (٤) النساء: ٣٢. (٥) أخرجه الترمذي، «صحيح سنن الترمذي» (٢٤١٩). (٦) النور: ٦١. ولأنّ هذه الأعذار تمنعه من الجهاد؛ فأمّا العَمَى فمعروف، وأمّا العَرَج، فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيِّدَ والرُّكوب؛ كالزَّمَانَة (١) ونحوها. وأمّا اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي، وإنما يتعذر عليه شدة العَدْو؛ فلا يَمنَع وجوب الجهاد؛ لأنه يَتَمكن منه، فشابَه الأعور. عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: «أتى عمرو بنُ الجَمُوحِ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إنْ قَاتَلْتُ في سبيل الله حتى أُقتل! أَمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة؟ وكانت رِجْلُه عَرْجاءَ، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، فَقُتلوا يوم أُحُد: هو وابنُ أخيه ومولىً لهم، فَمَرَّ عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأني أنظرُ إليك تمشي بِرِجْلِك هذه صحيحةً في الجنةِ، فأمَر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما، فَجُعِلوا في قبر واحدٍ» (٢). وكذلك المرض المانع هو الشديد، فأمَّا اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد؛ كوجع الضرس والصداع الخفيف، فلا يَمنَع الوجوب؛ لأنه لا يتعذَّرُ معه الجهاد؛ فهو كالعَوَر. وأمّا وجود النفقة، فيُشترط؛ لقول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣). ولأنَّ الجهاد لا يمكن إلاَّ بآلة، فيُعتبر القدرة عليها. --------------------- (١) الزّمانة: مرضٌ يدوم. (٢) أخرجه أحمد بسند حسن كما قال الحافظ، كذا في «أحكام الجنائز» (ص ١٨٥). (٣) التوبة: ٩١. فإنْ كان الجهاد على مسافة لا تُقصَر فيها الصلاة؛ اشتُرط أن يكون واجدًا للزاد، ونفقة عائلته في مدة غيبته، وسلاح يقاتل به، ولا تُعتَبر الرّاحلة؛ لأنّه سفر قريب. وإنْ كانت المسافة تُقصَر فيها الصلاة، اعتُبِر مع ذلك الراحلة؛ لقول الله - تعالى-: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١). متى تُشرع الحرب (٢) تُشرع الحرب في حالة الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن؛ عند الاعتداء. يقول الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣). عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال:»سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد» (٤). وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه، فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن ------------------ (١) التوبة: ٩٢. (٢) عن»فقه السُّنَّة" (٣/ ٣٩٤) بتصرف وزيادة. (٣) البقرة: ١٩٠. (٤) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١. قتل دون أهله فهو شهيد» (١). ويقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (٢). وتُشرع الحرب أيضًا؛ حالةَ الدفاع عن الدعوة إلى الله، إذا وقَف أحدٌ في سبيلها بتعذيبِ مَنْ آمَن بها، أو بصدِّ مَن أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي مِن تبليغها، لقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي: ١ - الأمر بقتال الذين يبدؤون بالعدوان، ومقاتلة المعتدين، لكفّ عدوانهم. ٢ - أمّا الذين لا يبدؤون بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداءً، لأنّ الله -تعالى- نهى عن الاعتداء، وحرّم البغيَ والظلمَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). ------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ٥٧). (٢) سورة البقرة: ٢٤٦. (٣) سورة البقرة: ١٩٠ - ١٩٣. (٤) البقرة: ١٩٠. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#165 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 16الى صــ30 الحلقة (163) ٣ - وتعليل النهي عن العدوان، بأنّ الله لا يُحب المعتدين، دليل على أنَّ هذا النهي محُكم غير قابل للنسخ، لأنّ هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء، والإخبار لا يدخله النسخ؛ لأنَّ الاعتداء هو الظلم، والله لا يحبُّ الظلم أبدًا. ٤ - أنّ لهذه الحرب المشروعة غاية تنتهي إليها، وهي منع فتنةِ المؤمنين والمؤمنات، بترك إيذائهم، وترك حريّاتهم؛ ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه، وهم آمِنون على أنفسهم مِن كلّ عدوان. ويقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١). وقد بيَّنَت هذه الآية سببين مِن أسباب القتال: (أولهما) القتالُ في سبيل الله، وهو الغاية التي يسعى إليها الدين، حتى لا تكونَ فتنة، ويكون الدين لله. (وثانيهما) القتال لنُصرة المستضعفين، الذين أسلموا بمكة، ولم يستطيعوا الهجرة، فعذَّبَتْهم قريش، وفَتَنَتْهم حتى طلبوا من الله الخلاص، فهؤلاء لا غِنى لهم عن الحماية التي تَدفعُ عنهم أذى الظالمين، وتمُكّنهم مِن الحرية، فيما يدينون ويعتقدون. ويقول الله -سبحانه-: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا ----------------------- (١) النساء: ٧٥. جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله-: «هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حَصِرَةٌ صدورهم، أي: ضيّقةٌ صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يَهونُ عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ أي: من لُطفه بكم أن كفَّهم عنكم ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم﴾ أي: المُسالمة ﴿فَما جَعَلَ الله لكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر مِن بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه». انتهى فهؤلاء القوم الذين لم يقاتِلوا قومهم، ولم يقاتِلوا المسلمين واعتزلوا محاربة الفريقين، وكان اعتزالهم هذا اعتزالًا حقيقيًا؛ يُريدون به السلام، فهؤلاء لا سبيلَ للمؤمنين عليهم. ويقول الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا (٢) لِلسَّلْمِ (٣) فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (٤). ففي هذه الآية الأمر بالجنوح إلى السَّلم؛ إذا جنح العدو إليها، حتى ولو ------------------------ (١) النساء: ٩٠. (٢) جنحوا: أي مالوا. وانظر «تفسير ابن كثير». (٣) السَّلم: أي المسالمة والمصالحة والمهادنة. وانظر «تفسير ابن كثير». (٤) الأنفال: ٦١ - ٦٢. كان جنوحه خِداعًا ومكرًا [قلتُ: ويرجع هذا إلى تقدير الإمام مراعاةً لمصلحة المسلمين ولما يقتضيه الحال]. وقد شرع الله -تعالى- قتال المشركين من العرب، وكانوا قد نكثوا الأيمان ونقضوا العهود وهمّوا بإخراج الرسول - ﷺ -، قال الله -تعالى-: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ولمّا تجمّعوا جميعًا ورَمَوا المسلمين عن قوس واحدة، أمَرَ الله بقتالهم جميعا؛ كما في قوله -سبحانه-: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). مراتب الجهاد *لمَّا كان الجِهاد ذِروةَ سنامِ الإسلام وقُبّتَه، ومنازل أهلِه أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرِّفعةُ في الدنيا، فهم الأعْلَوْنَ في الدنيا والآخرةِ، كان رسول الله في الذِّروة العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كلِّها فجاهدَ في الله حقَّ جهاده؛ بالقلبِ، والجنانِ، والدعوةِ، والبيانِ، والسيفِ، والسِّنانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العالمين ذِكْرًا، وأعظمَهم عند الله قَدْرًا. ----------------------- (١) التوبة: ١٣ - ١٥. (٢) التوبة: ٣٦. وأمَرَه الله -تعالى- بالجهاد مِن حين بعثَه، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١). فهذه سورة مكيّة أَمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجَّة، والبيان، وتبليغِ القرآن، وكذلك جهادُ المنافقين، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فَهُم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمَّه، ووَرَثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالم، والمشاركون فيه، والمعاونون عليه -وإنْ كانو اهم الأقلِّين عددًا- فهم الأَعْظمون عند الله قَدْرًا. ولمَّا كان مِن أفضلِ الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعَارِضِ، مِثل انْ تتكلَّم به عند مَن تُخاف سطوتُه وأذاه، كان للرسلِ -صلوات الله عليهم وسلامُهُ- مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبيِّنا -صلوات الله وسلامُه عليه- مِن ذلك أكملُ الجهاد وأَتّمُّه. ولمَّا كان جهاد أعداء الله في الخارج؛ فَرْعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللهِ، وكما قال النبي - ﷺ -: "المجاهدُ مَنْ جَاهدَ نفسَهُ في طاعةِ الله (٣)، والمُهاجِر مَنْ هَجَرَ --------------------- (١) الفرقان: ٥١، ٥٢. (٢) التوبة: ٧٣. (٣) أقول: وبهذا فجهاد أعداء الله -تعالى- في الخارج مفتقرٌ إلى جهاد النفس، ولا يُقبَل الجهاد، ولا تُنالُ الشهادة في سبيل الله -سبحانه- إلاَّ بمجاهدة النفس، وتجريدها مِن الحظوظ والهوى، فرُبَّ رجلٍ قُتِل في الميدان؛ سُحِب على وجهه في النار يوم القيامة، لأنه قاتَل رياءً وسمعةً، ورُبَّ رجلٍ مات على فراشه لمرضٍ أو عذرٍ؛ بلَّغه الله منازل الشهداء لإخلاصه وَصِدْقِه. ما نهى الله عنه» (١). كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جهاد العدوِّ في الخارج، وأصلًا له، فإنَّه ما لم يجاهِد نفسه أوّلًا لتَفْعلَ ما أُمِرَتْ به، وتتركَ ما نُهِيَتْ عنه، ويُحارِبْها في الله، لم يُمْكِنْهُ جهادُ عدوِّه في الخارج. فكيف يمكنُه جهاد عدوِّه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوّه؛ حتى يجاهِدَ نفسه على الخروج. فهذان عدوَّان قد امْتُحِن العبد بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادُهما إلاَّ بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما، ويُخذِّلُه ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّلُ له ما في جهادهما من المشاقِّ وترْك الحظوظ وفَوْتِ اللذاتِ والمشتهيات ولا يُمكنه أن يجاهِدَ ذَيْنكَ العدوَّيْن إلاَّ بجهاده، فكان جهادُه هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان. قال -تعالى-: ﴿إن الشيطان لكم عدوٌّ فاتخِذُوُه عَدُوًّا﴾ (٢). والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيهٌ على استفراغ الوُسع في محاربته ومجاهدته، كأنَّه عدوٌّ لا يَفْتُر ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس. فهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسلَّطتْ عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى الله العبدَ مَدَدًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مَدَدًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبَلاَ أحدَ الفريقين بالآخر وجعل بعضَهم لبعض فتنةَ لِيَبْلُوَ أخبارهم، ويمتحن من يتولَّاه ويتولَّى رسُلَه، ممن يتولّى الشيطان وحزبه، كما قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ --------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر «الصحيحة» (٥٤٩). (٢) فاطر: ٦. لبعضٍ فتنةً أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ وَلَو يشاء الله لَاَنتصَرَ منهُم ولكن ليبلوا بعضكم ببعضٍ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم ونبلوا أخباركم﴾ (٣). فأعطى عباده الأسماعَ والأبصارَ، والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كُتبه، وأرسل إليهم رسُله، وأمدّهم بملائكته، وقال لهم: ﴿أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ (٤)، وَأَمَرَهُم مِن أمره بما هو مِن أعظم العون لهم على حرب عدوِّهم، وأخبَرَهم أنهم إنِ امتثلوا ما أمَرَهم به؛ لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إِنْ سلَّطه عليهم فلِتَرْكِهم بعضَ ما أُمِروا به؛ ولمِعصيتهم له، ثمّ لم يُؤْيسهُم، ولم يُقَنِّطْهُم، بل أَمَرَهُم أن يستقْبِلوا أمْرَهم، ويُداووا جِرَاحَهُم، ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم فينصرهم عليهم، ويظفرهم بهم، فأخبَرَهُم أنه مع المتقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، وأنَّه يُدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوِّهم، ولولا دفاعُه عنهم؛ لتخطَّفَهم عدوُّهم واجتاحَهم ... وهذه المدافعةُ عنهم بحسب إيمانِهم، وعلى قدْرِه، فإنْ قَوِيَ الإيمانُ قويتِ المدافعة، فمَنْ وجد خيرًا، فليحمد الله، ومَن وجد غيرَ ذلك، فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه. وأمَرَهم أنْ يُجاهدوا فيه حقّ جهاده، كما أمَرَهم أن يتَّقوه حقَّ تقاته. وكما أن حقّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر، فحقُّ جهادِه أن يجاهد العبد نفسه؛ لِيُسلِم قلبَه ولسانَه وجوارحَه لله، فيكون كلُّه لله، وبالله، لا ---------------------- (١) الفرقان: ٢٠. (٢) محمد: ٤. (٣) محمد: ٣١. (٤) الأنفال: ١٢. لنفسِه ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذيبِ وعده، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه، فإنه يَعِدُ الأمانيِّ، ويمنِّي الغرور، ويعِدُ الفقرَ، ويأمرُ بالفحشاء، وينهى عن التُّقى والهُدى والعفةِ والصبرِ، وأخلاقِ الإيمان كلِّها، فجاهده بتكذيب وعْدِه، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطانٌ، وعُدَّةٌ يجاهد بها أعداء الله في الخارج؛ بقلبه ولسانه ويده ومالهِ، لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا. واختلفَت عبارات السلف في حقِّ الجهاد: فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: هو استفراغ الطاقة فيه، وألاَّ يخافَ في الله لومةَ لائم. وقال مُقاتل: اعملوا لله حقَّ عمَلِه، واعبدُوه حقَّ عبادته. وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدةُ النفس والهوى. ولم يُصِبْ مَن قال: إنَّ الآيتين منسوختان؛ لظنِّه أنّهما تضمَّنَتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلافِ أحوال المكلفين في القدرة، والعجز، والعلم والجهل. فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيءٌ، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيءٌ. وتأمَّل كيف عقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عليكم في الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، والحَرَج: الضِّيقُ، بل جَعَلَه واسعًا يَسَعُ كلَّ أحدٍ، كما جَعل رزقه يَسَعُ كلَّ حي، وكلَّف العبد بما يسَعه العبدُ، ورَزَق العبدَ ما يسَعُ العبد، فهو يسَعُ تكليفَه وَيَسَعُهُ رزقُهُ، وما جعَل على عبده في الدين مِن حَرَجٍ بوجه ما. وقد وسَّع الله -سبحانه وتعالى- على عباده غايةَ التَّوسِعة في دينه، ورِزْقِه، ------------------------ (١) الحج: ٧٨. وعفْوِه، ومغفرته، وبسَطَ عليهم التوبة ما دامت الروحُ في الجسد، وفتَحَ لهم بابًا لها لا يُغْلِقُهُ عنهم إلى أنْ تطلُعَ الشمسُ مِن مغربها، وجعلَ لكلِّ سيئةٍ كفَّارةً تكفِّرها؛ مِن توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مصيبة مُكفِّرة، وجعَل بكلِّ ما حرَّم عليهم عِوضًا مِن الحلال أنفعَ لهم منه، وأطيبَ وألذَّ، فيقومُ مقامَه ليستغني العبد عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يَضيقُ عنه، وجعَل لكل عُسرٍ يمتحنُهم به يُسرًا قبله، ويُسرًا بعده ...، فإذا كان هذا شأنه -سبحانه- مع عباده، فكيف يُكلِّفُهم ما لا يَسَعُهُم فضلًا عمَّا لا يُطيقونه ولا يقدرون عليه. إذا عُرف هذا، فالجهادُ أربعُ مراتبَ: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضًا: إحداها: أنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودينِ الحقِّ الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلاَّ به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدَّارين. الثانية: أنْ يُجاهدَها على العمل به بعد عِلْمِه، وإلا فمُجرَّدُ العلم بلا عمل إنْ لم يضرَّها لم ينفعها. الثالثة: أنْ يُجاهدَها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يَعْلَمهُ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله مِن الهدى والبينات، ولا ينفعهُ عِلْمه، ولا يُنْجِيه مِن عذاب الله. الرابعة: أنْ يُجاهدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمّلَ ذلك كلَّه لله. فإذا استكمَل هذه المراتب الأربع، صار من الرّبَّانيين، فإنَّ السلف مُجْمِعُون على أنَ العَالِم لا يستحقُّ أن يُسمَّى ربّانيًا حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويعلِّمَه، فمَن عَلِمَ وعَمِلَ وعلَّم؛ فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السماوات. وأمَّا جهاد الشيطان فمرتبتان: إحداهما: جهادُه على دَفْعِ ما يُلقي إلى العبد؛ مِن الشُّبُهات والشكوك القادحة في الإيمان. الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات. فالجهادُ الأول يكون بعدَه اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)، فأخبَرَ أنَّ إمامة الدين، إنَّما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يَدْفَع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات. وأمَّا جهاد الكُفّار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ باللسان. وأمَّا جهادُ أرباب الظلم والبِدَعِ والمنكرات، فثلاث مراتب: الأولى: باليدِ إذا قَدِرَ، فإنْ عَجَزَ، انتقل إلى اللسان، فإن عَجَزَ، جاهَد بقلبه، فهذه ثلاثةَ عشرَ مرتبةً مِن الجهاد، و«مَن مَاتَ ولَم يغْزُ، ولم يُحدِّث نفسه بالغزْوِ، مات على شعبةٍ من النفاق» (٢). ولا يتمُّ الجهادُ إلاَّ بالهجرةِ، ولا الِهجرة والجهادُ إلاَّ بالإيمان، والرّاجُون ------------------------ (١) السجدة: ٢٤. (٢) أخرجه مسلم: ١٩١٠. رحمةَ الله هم الذين قاموا بِهذِهِ الثلاثة. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وكما أنَّ الإيمان فرض على كلّ أحد، ففرْضٌ عليهِ هجرتان في كل وقت: هجرةٌ إلى الله -عز وجل- بالتوحيدِ، والإخلاص، والإنابة، والتَّوكُّلِ، والخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ، والتوبةِ. وهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة، والانقيادِ لأمره، والتصديق بخبرِه، وتقديم أمرِه وخبرِه على أمرِ غيرِه وخبرِه: «فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرتُهُ إلى دُنيا يصيبها، أو امرأةِ يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٢). وفَرَضَ عليه جهاد نفسِه في ذات الله، وجهاد شيطانه، فهذا كُلُّهُ فرضُ عينٍ لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحدِ. وأمَّا جهادُ الكُفار والمنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حصلَ منهم مقصود الجهاد. وأكمل الخلق عند الله، مَن كَمَّلَ مراتبَ الجهاد كُلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلقِ وأكرمهم على الله، خاتِم أنبيائه ورسلِهِ، فإنَّه كمَّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشَرع في الجهاد من حين بُعِثَ إلى أن توفاه الله -عز وجل-* (٣). --------------------- (١) البقرة: ٢١٨. (٢) البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧. (٣) ما بين نجمتين من «زاد المعاد» (٣/ ٥ - ١٢). الإخلاص في الجهاد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكل امرئٍ ما نوى» (١). وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يُقاتِل للمَغْنَم، والرجل يُقاتل للذِّكر، والرجل يُقاتل ليُرى مكانُه، فمَن في سبيل الله، قال: مَن قَاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال: «يا رسول الله رجلٌ يُريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًَا (٣) من عرَض الدنيا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا أجر له، فأعظَمَ ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله - ﷺ - فلعلك لم تُفَهِّمْهُ، فقال: يا رسول الله، رجل يُريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا، فقال: لا أجر له، فقالوا للرجل: عُد لرسول الله - ﷺ - فقال له الثالثة، فقال له: لا أجر له» (٤). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧. (٢) أخرجه البخاري: ٢٨١٠، ومسلم: ١٩٠٤. (٣) قال القاري -رحمه الله- في المرقاة (٧/ ٤٠٦): «عَرَضًا -بفتح الراء وُيسكن- قيل العَرَض -بالتحريك-: ما كان من مالٍ قلَّ أو كَثُر، والعَرْض -بالتسكين-: المتاع، وكلاهما هنا جائز، وكل شيء فهو عرض، سوى الدراهم والدنانير، فإنها عين [والمعنى:] يطلب شيئًا». (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٩٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٤٣)، وانظر «الصحيحة» (٥٢). عذاب من يرائي في جهاده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النّاس يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَى أُلقِيَ فِي النَارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ ليقالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيقالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ ليُقالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُم أُلقِيَ فِي النارِ» (١). وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن غزا في سبيل الله ولم ينو إلاّ عقالًا، فله ما نوى» (٢). ----------------- (١) أخرجه مسلم: ١٩٠٥. (٢) أخرجه النسائي وابن حبَّان في «صحيحه»، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٣٤). الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغزُ (١) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ - من مات ولم يَغزُ، ولم يُحدِّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق» (٢). وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «من لم يغزُ أو يُجهِّز غازيًا، أو يخلِف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله تعالى بقارعةٍ قبل يوم القيامة» (٣). وعن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: ما ترَك قومٌ الجهاد؛ إلّا عمّهُم الله بالعذاب» (٤). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تبايعتم بالعينة (٥)، وأخذتم أذناب البقر (٦)، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد؛ سلّط الله --------------------- (١) هذا العنوان من كتاب»الترغيب والترهيب«للمنذري -رحمه الله-. (٢) أخرجه مسلم: ١٩١٠. (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٣٩). (٤) أخرجه الطبراني في»الأوسط«بإسناد حسن، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٣٩٢)، و»الصحيحة«(٢٦٦٣). (٥) العِينَة: هو أن يبيع مِن رجُلٍ سلعة بثمنٍ معلوم؛ إلى أجلٍ مسمَّى، ثم يشترِيها منه بأقلَّ من الثمن الذي باعها به ... وسُمِّيت عِينَة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأنَّ العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعينٍ حاضرة؛ تَصِلُ إليه معجّلة.»النّهاية«. وتقدّم. (٦) كناية عن الاشتغال عن الجهاد بالحرث.»فيض القدير". عليكم ذُلًاّ لا ينزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم» (١). الجهاد في سبيل الله تجارة مُنجية قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). الجهاد من أفضل الأعمال عند الله -تعالى- وأَحبِّها إليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - «سُئل أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: حجٌّ مبرورٌ» (٣). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله - ﷺ - أيّ العمل أحبّ إلى الله -تعالى-؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: برّ الوالدين، قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (٤). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» برقم (١١). (٢) الصف:١٠ - ١٣. (٣) أخرجه البخاري: ٢٦، ومسلم: ٨٣. (٤) أخرجه البخاري: ٥٢٧، ومسلم: ٨٥. الجنة تحت ظلال السيوف عن أبي بكر بنِ أبي موسى الأشعري قال: «سمعت أبي -رضي الله عنه- وهو بحضرة العدوّ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السيوف فقام رجل رثُّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى آنت سمعْتَ رسول الله - ﷺ - يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرَجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثمّ كسَر جَفْن سيفه (١) فألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدو، فَضَرب به حتى قُتل» (٢). لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخان جهنّم عن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما اغبرَّت قدما عبد في سبيل الله فتمسَّهُ النار» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: لا يلِجُ النار رجل بكى من خشية الله -تعالى- حتى يعود اللبن في الضَّرع، ولا يجتمع على عبد غُبارٌ في سبيل الله ودُخان جهنّم» (٤). يُنجّي الله -تعالى- بالجهاد من الهمّ والغمّ عن عُبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «جاهِدوا في --------------------- (١) أي: غمده أو غلافه. (٢) أخرجه مسلم: ١٩٠٢. (٣) أخرجه البخاري: ٢٨١١. (٤) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" برقم (١٢٦٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#166 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 31الى صــ45 الحلقة (164) سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، إنّه لينجّي الله -تبارك وتعالى- به من الهمّ والغمّ» (١). المجاهد أفضل النّاس عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «قيل: يا رسول الله أيّ النّاس أفضل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثمّ مَن؟ قال: مؤمنٌ في شِعب (٢) من الشعاب، يتقي الله ويَدَعُ النّاس من شرّه» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «مِن خير معاش (٤) الناس لهم؛ رجلٌ مُمسكٌ عِنان (٥) فَرَسه في سبيل الله يطيرُ، على متنه، كلمّا سمع هيْعَة (٦) أو فزْعَة (٧)؛ طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه (٨)، أو رجلٌ في -------------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«برقم (٧٧٠). (٢) ما انفرَج بين جبلين، وليس المراد نفس الشِّعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال.»شرح النّووي«. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٨٦، مسلم: ١٨٨٨. (٤) المعاش: هو العيش وهو الحياة، وتقديره -والله أعلم- مِن خير أحوال عيشهم رجل ممسك. انظر»شرح النّووي«. (٥) العِنان: سيرُ اللجام. (٦) الهيعة: الصوت عند حضور العدو. (٧) الفزعة: النهوض إلى العدو. (٨) يبتغي القتل مظانّه: يطلُبه في مواطنه التي يُرجى فيها لشدّة رغبته في الشهادة.»شرح النّووي". غُنيمة (١) في رأس شعَفَة (٢) من هذه الشَّعَف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبُد ربّه، حتى يأتيه اليقين، ليس من النّاس إلاّ في خير» (٣). ذِكر التسويةِ بين طالب العلم ومعلِّمهِ وبين المجاهدِ في سبيل الله (٤) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «مَن جاء مسجدي هذا، لم يأتِهِ إلاَّ لخير يتعلَّمُه، أو يُعلِّمه؛ فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله، ومَن جاء لغير ذلك، فهو بمنزلة الرجل ينظُر إلى متاع غيرِه» (٥). أي القتل أشرف عن عبد الله بن حبشي الخثعمي -رضي الله عنه- «أنّ النبيّ - ﷺ - سُئل: أي القتل أشرف؟ قال: من أُهريق دمه وعُقِر جواده» (٦). مقام الرجل في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «مرّ رجلٌ مِن أصحاب رسول الله - ﷺ - ---------------------- (١) الغُنيمة: تصغير الغَنم، أي قطعة منها.»شرح النّووي«. (٢) شَعَفَةُ كلّ شيء أعلاه، يريد به رأس جبلٍ من الجبال،»النّهاية«. (٣) أخرجه مسلم: ١٩٨٩. (٤) هذا العنوان من»صحيح ابن حبان«، انظر»التعليقات الحِسان«(١/ ٢٠٣). (٥) أخرجه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٨٧)، و»التعليقات الحِسان«(٨٧). (٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٦)، وابن ماجه بلفظ: أي الجهاد أفضل،»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٢٥٣)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٦٦)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (١٣١٨). بشِعبٍ فيه عُيَيْنَة مِن ماء عذبة، فأعجَبَتْه لطيبها، فقال: لو اعتزلْتُ الناس فأقمتُ في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - ﷺ -، فذكَر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: لا تفعل، فإنّ مَقام (١) أحدكم في سبيل الله أفضل مِن صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويُدخلَكم الجنة، اغزو في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فُواق ناقةٍ (٢) وجَبت له الجنّة» (٣). وعن عمرانَ بنِ حصين -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَقام الرجل في الصف في سبيل الله؛ أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة» (٤). للمجاهد في الجنّة مائة درجة عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا؛ وجبَت له الجنة، فعَجِب لها أبو سعيد، فقال: أعِدها عليّ يا رسول الله ففَعل، ثمّ قال: وأخرى يُرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله» (٥). ----------------------- (١) قال العلاّمة القاري -رحمه الله- في «المرقاة» (٧/ ٣٩٣): «بفتح الميم، أي قيامه، وفي نسخة: بضمّها، وهي الإقامة، بمعنى ثبات أحدكم». (٢) قدْر ما بين الحلبتين وتُضَمّ فاؤُه وتُفتَح. «النّهاية». (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٤٨) وحسَّن شيخنا -رحمه الله- إسناده في «المشكاة» (٣٨٣٠). (٤) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٠٣). (٥) أخرجه مسلم ١٨٨٤. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «إنّ في الجنّة مائَة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوهُ الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة، وأعلى الجنّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنّة» (١). ما يعدِل الجهاد في سبيل الله -عز وجل-؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قيل للنبيّ - ﷺ -: ما يعدل الجهاد في سبيل اللهعز وجل-؟ قال: لا تستطيعونه (٢)، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت (٣) بآيات الله، لا يفتر مِن صيامِ ولا صلاةٍ حتى يرجع المجاهد في سبيل الله -تعالى-» (٤). فضل الشهادة في سبيل الله -سبحانه- قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْواَتًَا بَل أَحْيَاءٌ عَندَ رَبِهِمْ ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٢٧٩٠. (٢) وردت بالنون وحذْفها، قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «... هكذا هو في مُعظم النُّسخ: (لا تستطيعوه) وفي بعضها (لا تستطيعونه) -بالنون-، وهذا جارٍ على اللغة المشهورة، والأول صحيح أيضًا، وهي لغة فصيحة حذْف النون من غير ناصب ولا جازم، وقد سبَق بيانها ونظائرها مرات». (٣) القانت: أي المطيع. (٤) أخرجه البخاري: ٢٧٨٥، ومسلم: ١٨٧٨. واللفظ له. ﴿يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده، لا يُكْلَم (٢) أحدٌ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلَمُ في سبيله- إلاّ جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٣). وعن مسروق قال: «سألنا عبد الله- هو ابن مسعود- عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أمَا إنّا قد سأَلنْا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جَوف طيرٍ خُضْر، لها قناديلُ مُعلَّقة بالعرش، تَسرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلما تلك القناديل، فاطلَع إليهم ربهم اطِّلاعَة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلمّا رأوا أنهم لن يُترَكوا مِن أن يسألوا؟ قالوا يا ربّ نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتَل في سبيلك مرّة أخرى، فلمّا رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا» (٤). وعن عبادةَ بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: "للشهيد ------------------------ (١) آل عمران: ١٦٩ - ١٧١. (٢) أي: يُجرح. (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٠٣، مسلم: ١٨٧٦. (٤) أخرجه مسلم: ١٨٨٧. عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويُجار من عذاب القبر، ويَأمن الفَزع الأكبر، ويُحلّى حِلية الإيمان، ويُزوّج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه» (١). وعن رجلٍ من أصحاب النبى - ﷺ -: «أنّ رجلًا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلاّ الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف (٢) على رأسه فتنة» (٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النبيّ مرَّ بخِباء (٤) أعرابي، وهو في أصحابه يريدون الغزو، فرفَع الأعرابي ناحيةً مِن الخِباء، فقال: من القوم؟ فقيل: رسول الله - ﷺ - وأصحابه يُريدون الغزو، فقال: هل مِن عرَض الدنيا يصيبون؟ قيل له: نعم، يصيبون الغنائم، ثمّ تُقسَّم بين المسلمين. فعمد إلى بَكْر (٥) له فاعتقله (٦)، وسار معهم فجعل يدنو ببَكْره إلى رسول الله - ﷺ -، وجَعل أصحابه يذودون بَكْره عنه، فقال رسول الله - ﷺ -: دعوا لي النجدي، فوالذي نفسي بيده؛ إنه لمن ملوك الجنّة. ------------------------ (١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٥٨) وصححه، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٢٥٧)، وأحمد، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ٥٠). (٢) أي: لمعانها، يقال: برَق بسيفه، وأبرَق: إذا لمع به.»النّهاية«. (٣) أخرجه النسائي وصححه شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ٥٠). (٤) الخِباء: بيتٌ صغيرٌ من صوفٍ أو شعَر.»لسان العرب«. (٥) البكر: الفتيّ من الإبل، بمنزلة الغلام مِن الناس.»النّهاية«. (٦) يُقال: اعتَقَل الشاة: هو أن يضَعَ رِجْلَها بين ساقه وفَخِذه، ثم يحلبَها. وانظر»النّهاية". قال: فلقوا العدو، فاستشهد، فأُخبر بذلك النبيّ - ﷺ -، فأتاه فقعَد عند رأسه مستبشرًا -أو قال: مسرورًا- يضحك، ثمّ أعرض عنه. فقلنا: يا رسول الله! رأيناك مُستبشِرًا تضحك، ثمّ أعرضْتَ عنه؟ فقال: أمّا ما رأيتم مِن استبشاري -أو قال من سروري-، فلِما رأيتُ مِن كرامة روحِهِ على الله -عز وجل-، وأمّا إعراضي عنه؛ فإنّ زوجته من الحور العين الآن عند رأسه» (١). وعن مجاهد عن يزيد بن شجرة -وكان يزيد بن شجرة ممن يصدق قوله فعله-[قال:] خطبنا فقال: «يا أيها النّاس، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن نعمة الله عليكم، تُرى مِن بين أخضر وأحمر وأصفر، وفي الرحال (٢) ما فيها. وكان يقول: إذا صفَّ النّاس للصلاة، وصفَّوا للقتال، فُتِحتْ أبوابُ السماء وأبوابُ الجنةِ، وغُلّقت أبواب النار، وزيِّن الحور العين واطّلعن، فإذا أقبل الرجل قلن: اللهم انصره، وإذا أدبر احتَجَبْنَ منه، وقُلن: اللهم اغفر له، فانهكوا وجوه القوم فدىً لكم أبي وأمي، ولا تخزوا الحور العين؛ فإن أول قطرة تنضح من دمِه؛ يُكفّر عنه كل شيء عَمِلَه، وتنزل إليه زوجتان من الحور العين، يمسحان التراب عن وجهه، ويقولان: قد أنى (٣) لك، ويقول: قد أنى لكما، ثمّ يُكسى مائة حُلّةٍ، ليس من نسيج بني آدم، ولكن من نَبْتِ الجنةِ، لو وضعْنَ بين أصبعين لوسعن. وكان يقول: نبئتُ (٤) أن السيوف مفاتيح الجنّة» (٥). ---------------------- (١) أخرجه البيهقي بإسنادٍ حسن، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٢). (٢) أي: الدور والمساكن والمنازل. (٣) أي: قد آن. (٤) قال شيخنا -رحمه الله-: كأنه يعني عن النّبي - ﷺ -، وقد جاء مرفوعًا من طُرُق، أحدها صحيح ... وقد خرّجتها في «الصحيحة» (٢٦٧٢). (٥) أخرجه الطبراني وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٧٧). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - أنه سأَل جبرائيل عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١). مَن الذين لم يشأ الله أن يصعَقَهم؟ قال: هم شهداء الله» (٢). فضل الرباط في سبيل الله -تعالى- عن سلمان -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «رباط يومٍ وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقُهُ (٣)، وأمِن الفتّان (٤)» (٥). وعن فَضالة بن عبيد: أن رسول الله - ﷺ - قال: «كل ميتٍ يُختم على عمله، إلاَّ المرابط، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمّنُ من فتّان القبر» (٦). ----------------------- (١) الزمر: ٦٨. (٢) أخرجه الحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، وصححه شيخنا -رحمه الله-: في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٧). (٣) قال النّووي -رحمه الله تعالى-: «موافقٌ لقول الله -تعالى- في الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عَندَ رَبِّهِمْ يُرزَقُونَ﴾ والأحاديث السابقة أنّ أرواح الشهداء تأكل مِن ثمار الجنة». (٤) أي في القبر، والفتّان: جمع فاتن. (٥) أخرجه مسلم: ١٩١٣. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٨٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٢٢)، وصحح شيخنا -رحمه الله- إسناده في «المشكاة» (٣٨٢٣)، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٨). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثمّ قيل: لا بأس، فانصرف النّاس وأبو هريرة واقفٌ، فمرّ به إنسان، فقال: ما يُوقفُك يا أبا هريرة! قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: موقفُ ساعة في سبيل الله؛ خير من قيام ليلة القدر، عند الحجر الأسود«(١). وعن عثمانَ بنِ عفان -رضي الله عنه- قال:»سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «رباط يوم في سبيل الله؛ خيرٌ من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (٢). فضل الرمي بنيّة الجهاد والتحريض عليه عن عقبةَ بن عامر -رضي الله عنه- قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي» (٣). وعن عقبةَ بن عامر -رضي الله عنه أيضًا- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ستُفتح عليكم أرضون، ويَكفيكم الله، فلا يَعجَزْ أحدكم أن يلهو بأسهمه» (٤). ------------------------ (١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» والبيهقي وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٢٣). (٢) أخرجه النسائي وغيره، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٢٤). (٣) أخرجه مسلم: ١٩١٧. (٤) أخر جه مسلم: ١٩١٨. وعن سلمةَ بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: «مرّ النبيّ - ﷺ - على نفرٍ مِن أسلَم ينتضلون (١)، فقال النبيّ - ﷺ -: ارموا بني إسماعيل، فإنّ أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسَك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله - ﷺ -: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبى - ﷺ -: ارموا فأنا معكم كُلِّكُم» (٢). اللهو بأدوات الحرب (٣) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بينا الحبشة يلعبون عند النبي - ﷺ - بحرابهم، دخَل عمر فأهوى إلى الحصى فحَصَبَهم (٤) بها، فقال: دعهم يا عمر» (٥). إثم مَن تعلّم الرمي ثمّ تَركه (٦) عن عقبَة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن عَلِمَ الرمي ثمّ تركه؛ فليس منّا، أو قد عصى» (٧). -------------------- (١) أي: يرتمون بالسهام، يُقال انتضل القوم وتناضلوا: أي رَمَوا للسبق. «النّهاية». (٢) أخرجه البخاري: ٢٨٨٩. (٣) هذا العنوان مقتبس من تبويب البخاري (باب اللهو بالحراب ونحوها) انظر (كتاب الجهاد) (باب - ٧٩). (٤) فحَصَبهم: رماهم بالحصباء، وهي الحصى الصغار. (٥) أخرجه البخاري: ٢٩٠١، ومسلم: ٨٩٣. (٦) انظر -إن شئت للمزيد من الفائدة- كتاب «صحيح الترغيب والترهيب» (٢/ ٩٤). «الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلّمه». (٧) أخرجه مسلم: ١٩١٩. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ -، قال: «مَن تعلّم الرمي ثمّ نسيَهُ، فهي نعمة جحَدها» (١). فضل احتباس الخيل للجهاد في سبيل الله عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن احتبسَ فرسًا في سبيل الله؛ إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده (٢)، فإنّ شِبَعَهُ (٣) ورِيَّهُ (٤) ورَوثَه وبولَه؛ في ميزانه يوم القيامة» (٥). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الخيل معقود (٦) في نواصيها (٧) الخير إلى يوم القيامة» (٨). وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما مِن فرس عربي؛ إلاَّ يُؤذَن له عند كل سحَر، بكلمات يدعو بهنّ: اللهم خوّلتَني (٩) من بني آدم، ------------------ (١) أخرجه البزّار والطبراني في»الصغير«و»الأوسط«بإسنادٍ حسن وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٢٩٤). (٢) أي الذي وعَد به من الثواب على ذلك»فتح«. (٣) ما يشبع به. (٤) ما يروى به. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٥٣. (٦) ملوي مضفور فيها،»شرح النووي«. (٧) الشعر المسترسل على الجبهة،»شرح النّووي". (٨) أخرجه البخاري: ٢٨٥٢، مسلم: ١٨٧٢. (٩) التخوُّل: التمليك والتّعهُد. وجعلتني له، فاجعلني أحبّ أهله ومالِه، أو مِن أحبِّ أهله ومالِه إليه» (١). فضل النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة (٢) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «من أنفَق زوجين في سبيل الله، دعاه خَزَنَة الجنّة -كُلُّ خَزَنةِ باب - أي فُل (٣)، هلُمَّ» قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى (٤) عليه، فقال النبي - ﷺ -: «إني لأرجو أن تكون منهم» (٥). وفي رواية: «مَن أنفق زوجين في سبيل الله مِن ماله؛ دعتهُ حَجَبَة الجنّة: أي فُلُ، هَلُمّ! هذا خيرٌ -مرارًا-، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الذي لا تَوَى عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنّي أرجو أن تدعوك الحجَبة كلها» (٦). وعن زيد بن خالد -رضي الله عنه- أنّ رسول الله قال: «مَن جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا» (٧). ---------------------- (١) أخرجه النسائي وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٥١). (٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب - ٣٧). (٣) أي فُل: معناه يا فلان «النهاية». وانظر «الفتح» للمزيد من الفائدة. (٤) لا توى: أي لا ضياع ولا خسارة، وهو من التوى: الهلاك. «النّهاية». (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٤١، ومسلم: ١٠٢٧، وانظر «صحيح البخاري» الأرقام الآتية (١٨٩٧، ٣٢١٦، ٣٦٦٦). (٦) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» «التعليقات الحسان» (٤٦٢٢) وأبو عوانة في «صحيحه» وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٢٦٠). (٧) أخرجه البخاري: ٢٨٤٣، ومسلم: ١٨٩٥. عن خريم بن فاتك -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبعُ مائة ضعف» (١). وعن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل بناقة مخطومة (٢)، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلّها مخطومة» (٣). أجر الشهادة بالنيّة لمن لم يستطع الجهاد عن سهل بن حُنيف أن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن سأَل الله الشهادة بصِدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإنْ مات على فراشه» (٤). وعن أنس -رضي الله عنه- «أنّ النبيّ - ﷺ - كان في غزاة، فقال: إنّ أقوامًا بالمدينة خَلفَنا، ما سلَكْنا شِعبًا ولا واديًا إلاّ وهم معنا فيه، حَبَسهُم العُذر» (٥). من صفات القائد ١ - أن يُعرَف بالورع والتقوى، والائتمار بما أمَرَ الله به، والانتهاء عمّا نهى الله عنه. ------------------------ (١) أخرجه النّسائي والترمذي وقال: حديث حسن، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٣٦). (٢) مخطومة: أي فيها خِطَام، وهو أن يُؤْخذ حَبْل من ليف أو شَعر أو كَتَّان، فيُجْعَل في أحَد طَرَفيه حَلْقة، ثمّ يُشَدّ فيها الطَّرف الآخر؛ حتى يَصِير كالحلْقة، ثُم يُقَاد البَعير. وانظر «النّهاية». (٣) أخرجه مسلم: ١٨٩٢. (٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٩. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٣٩، مسلم: ١٩١١. ٢ - أن يكون من أهل الخِبرة في الأمور العسكرية وميادين القتال. ٣ - أن يُشهد له بالجرأة والشجاعة، عن أبي اسحاق قال: قال رجلٌ للبراء بن عازب -رضي الله عنهما-:»أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يومَ حُنين، قال: لكنَّ رسولَ الله - ﷺ - لم يفرّ، إنَّ هوازن كانوا قومًا رُماةً، وإنَّا لمَّا لقِيناهم حَمَلْنا عليهم فانهزموا، فأَقْبَل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسِّهام، فأما رسول الله - ﷺ - فلم يفِرّ، فلقد رأيتُه، وإنّه لعلى بغلته البيضاء، وإنّ أبا سفيانَ (١) آخِذٌ بلجامها، والنبيُّ - ﷺ - يقول: «أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابن عبد المطَّلِب» (٢). قال ابن كثير -رحمه الله- (٣): «وهذا في غاية ما يكون مِن الشجاعة التامَّة، إنّه في مِثْل هذا اليوم في حَوْمة الوغى، وقد انكشَفَ عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعةَ الجري، ولا تصلُح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهَرَبٍ، وهو مع هذا أيضًا يُركِضها إلى وجوههم، ويُنَوِّه باسمه، ليعرفه مَن لم يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يومِ الدين- وما هذا كلُّه إلاَّ ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، وعِلمًا منه بأنه سينصره، ويتمُّ ما أرسَلَه به، ويُظهِرُ دينَه على سائر الأديان». قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «لا يُعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا ْعُرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنمّا يغزو مع مَن له شَفَقة وحيطةٌ على المسلمين» (٤). --------------------- (١) هو أبو سفيان بنُ الحارث بن عبد المطلب -رضي الله عنه- كما في البخاري (٢٨٧٤)، وفي رواية عند مسلم (١٧٧٦ - ٧٨). (٢) أخرجه البخاري: ٢٨٦٤، ومواضع أخرى، ومسلم: ١٧٧٦. (٣) انظر تفسير «سورة التوبة» (آية: ٢٥). (٤) «المغني» (١٣/ ١٤). ٤ - أن يُشهَد له بالصبر والجلد والحكمة. ٥ - أن يكون ذا فطنة وبديهة، حتى يُحسِن التصرف عند الشدّة، وهذه الصفات يتفاوت قدر تحقّقها في النّاس فيُسعى إلى أفضل الموجود؛ وذلك لتحقيق أفضل الخيرين، ما أمكن ذلك. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٥٣): «فالقُوَّةُ في إمارة الحرب تَرْجِع إلى شجاعة القلب، وإلى الخِبرة بالحروب، والمخادَعة فيها؛ فإنَّ الحرب خَدْعَة، وإلى القدرة على أنواع القتال: مِنْ رميٍ وَطعْنٍ وضَرْبٍ، ورُكوبٍ، وكَرٍّ، وفرٍّ، ونحوِ ذلك؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١)». من وصايا رسول الله - ﷺ - إلى قُوّاده عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا بَعَث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: بشِّروا ولا تُنفِّروا، ويسِّروا ولا تُعسِّروا» (٢). وفي رواية: «أنّ النبيّ - ﷺ - بَعَثه ومُعاذًا إلى اليمن فقال:»يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا وتطاوَعا ولا تختلفا«(٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-:»أن رسول الله - ﷺ - في بعض ----------------------- (١) الأنفال: ٦٠. (٢) أخرجه مسلم: ١٧٣٢. (٣) أخر جه البخاري: ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ومسلم: (١٧٣٣ - ٧). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#167 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 46الى صــ60 الحلقة (165) أيامه التي لقي فيها العدو، انتظَر حتى مالت الشمس، ثمّ قام في النّاس فقال: «لا تمَنَّوا لقاء العدو وسَلُوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف، ثمّ قال: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، ومجُريَ السحاب، وهازِمَ الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم» (١). وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «بعثَ النبيّ - ﷺ - سريّةً وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغَضِب عليهم، وقال: أليس قد أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعتم حطبا وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًا فأوقدوا، فلما همّوا بالدخول؛ فقام ينظُر بعضهم إلى بعض، قال: بعضهم إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك؛ إذ خَمَدت النار، وسكَنَ غضبه، فُذكر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنّما الطاعة في المعروف» (٢). وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمّرَ أميرًا على جيش أو سريَّة (٣) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خير ًا. ثمَّ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢. (٢) أخرجه البخاري: ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠. (٣) السريَّة: هي قطعة من الجيش؛ تخرج منه، تَغِير وترجع إليه، قالوا: سُمّيت سريّة؛ لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابُها.»شرح النّووي". قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتِلوا مَن كَفر بالله. اغْزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمْثُلوا (١) ولا تَقْتُلُوا وليدًا (٢). وإذا لقيتَ عدوّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ (أو خِلال). فأيّتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادعهم إلى التَحُّول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبِرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين. فإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم. فإنْ هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهل حِصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله (٣) وذِمّة نبيّه، فلا تجعل لهم ذِمّة الله ولا ذِمّة نبيّه. ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك فإنكم أنْ تُخفِروا (٤) ذممكم وذِمَم أصحابكم، أهون مِن أنْ تُخفِروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله، وإذا حاصرتَ أهل حِصنٍ ---------------------- (١) تَمْثُلُوا: أي لا تُشَوّهوا القتلى بقَطْع أنوفهم، أو آذانهم، أو مذاكِيرهم، أو شيئًا مِن أطرافهم. وانظر»النّهاية«. (٢) الوليد: الصبي. (٣) قال العلماء: الذمّة هنا العهد. (٤) تُخفِروا -بضم التاء-، يُقال: أخفرت الرجل: إذا نقضْتَ عهده، وخفرته: أمّنْتَه وحميته ...»شرح النّووي". فأرادوك أن تُنزِلهم على حُكم الله؛ فلا تَنزِلْهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا» (١). ما يجب على أمير الجيش أو قائده (٢) ١ - يجب على القائد أن يشاور أهل الرأي، لقول الله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرهُم في الأَمر﴾ (٣). ولما ثَبَت عن أنس -رضي الله عنه- «أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بَلَغه إقبالُ أبي سفيان قال: فتكلَّم أبو بكر فأعرَض عنه، ثمّ تكلَّم عمر فأعرَض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أَمَرتنا أن نُخيضَها البحر لأخَضناها، ولو أَمَرْتنا أن نضرِب أكبادها (٤) إلى بَرْك (٥) الغِماد لفَعَلنا، قال: فندَب رسول الله - ﷺ - النّاس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا» (٦). ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٧٣١. (٢) انظر للمزيد- إن شئت- «الروضة الندية» (٢/ ٧٢٣). (٣) آل عمران: ١٥٩. (٤) قال بعض العلماء في تفسير قوله - ﷺ -: «لو أمَرْتنا أن نضربَ أكبادها» أي: الخيل والمراد ركوبها والسير عليها مهما نأى المكان، وخصَّ ضرب الأكباد بالذكر؛ لأن الفارس كان إذا أراد إسراع مركوبه؛ حرّك رجليه ضاربًا على موضع كبده. (٥) انظر للمزيد -إن شئت- في ضبط هذه الكلمة ما جاء في «شرح النووي» (١٢/ ١٢٥)، وهو موضع من وراء مكّة بخمس ليال، بناحية الساحل، وقيل غير ذلك وانظر المصدر السابق. (٦) أخرجه مسلم: ١٧٧٩. وعن ابن عباس -رضي الله- عنهما- قال: «قدم عيينةُ بن حِصن بن حذيفة فنزَل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النّفر الذين يُدنِيهم عمر، وكيان القُرّاء أصحابَ مجالس عمر ومُشاورته كهولًا (١) كانوا أو شُبّانًا ...» (٢). واستشار رسول الله - ﷺ - أبا بكرٍ وعمر -رضي الله عنهما- في أُسارى بدر. فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لمّا أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» (٣). وقال قتادة: «ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله؛ إلاَّ هدوا لأرشد أمورهم». ٢ - الرفق بهم والاجتهاد والنصح لهم. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهمّ مَن ولِيَ مِن أمر أُمتي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أُمّتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفُق به» (٤). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتَخلّف في المسير ----------------------- (١) الكَهْل من الرجال: مَنْ زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: هو مِن ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين.»النهاية«. (٢) أخرجه البخاري: ٤٦٤٢. (٣) أخرجه مسلم: ١٧٦٣ من حديث عمر -رضي الله عنه-.، ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- في»الكَلِم الطيّب" (ص ٧١). (٤) أخرجه مسلم: ١٨٢٨. فيُزْجي (١) الضعيف، ويُرْدِفُ (٢) ويدعو لهم» (٣). وعن مَعْقِل بن يَسار -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ النبيّ - ﷺ - يقول: «ما مِنْ عبدِ استرعاه الله رَعيّة، فلم يَحُطها بنصيحة؛ إلاّ لم يَجِد رائحة الجنَّة» (٤). وفي رواية: «ما من والٍ يلي رعيّةً من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم؛ إلاَّ حرّم اللهُ عليه الجنّة» (٥). وفي لفظ: «ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثمّ لا يَجْتَهد لهم وينصح؛ إلاَّ لم يدخُل معهم الجنَّة» (٦). ٣ - عقد الألوية والرايات، وذلك لاسترداد ما اغتُصِب من ديار المسلمين، وتحقيق الفتوحات؛ لنشر التوحيد والدعوة إلى الله -تعالى- وإخراج النّاس مِن الظُلمات إلى النور بإذن الله -سبحانه-. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان لواءُ رسولِ الله - ﷺ - أبيض ------------------------ (١) يزجي: أي يسوق ويدفع. (٢) الردف: الراكب خلف الراكب، والمراد أنّه - ﷺ - كان يُرْدفُ خلفه من ليس له راحلة؛ إذا كان يضعف عن المشي. انظر»نيل الأوطار«(٨/ ٤٨). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٩٨) والحاكم وانظر»الصحيحة" (٢١٢٠). (٤) أخرجه البخاري: ٧١٥٠، ومسلم: ١٤٢. (٥) أخرجه البخاري: ٧١٥١، ومسلم: ١٤٢. (٦) أخرجه مسلم: ١٤٢ كتاب الإمارة (٥) باب فضيلة الإمام العادل رقم (٢٢)، (ص ١٤٦٠). ورايته سوداء» (١). وعن عطاء بن أبي رباح قال: كنت مع عبد الله بن عمر فأتاه فتى يسأله عن إسدال العمامة، [فذكر الحديث إلى أن قال]: «... ثمّ أمر (٢) عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية بعثه عليها، وأصبح عبد الرحمن قد اعتمّ بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه النبيّ - ﷺ -، ثمّ نقضه وعمّمه بعمامة بيضاء، وأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحو ذلك، وقال: هكذا يا ابن عوف اعتمّ فإنه أعرب وأحسن، ثمّ أمَر النبيّ - ﷺ - بلالًا أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلى على النبيّ - ﷺ - ثمّ قال: خذ ابن عوف؛ فاغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفَر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه - ﷺ -» (٣). ٤ - تخيُّر المنازل المُلائمة للقتال والمواقع الصالحة لذلك. ٥ - أن يكون على دراية بأحوال الجنود، * فلا يستصحب الأمير معه مُخَذِّلًا، وهو الذي يُثبِّط النّاس عن الغزو، ويُزهِّدهُم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مِثل أنْ يقول: الحرُّ أو البردُ شديدٌ، والمشقَّة شديدة، ولا --------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٧٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٧٤) وانظر «الصحيحة» (٢١٠٠). (٢) أي: النبيّ - ﷺ -. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (١٠٦): بل هو حسن الإسناد؛ فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم، ولكن وثقه الجمهور، وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق، فقيه، رمي بالقدر». تُؤمَنُ هزيمةُ هذا الجيش. وأشْباه هذا، ولا مُرجِفًا، وهو الذي: يقول هَلَكَت سريَّةُ المسلمين، وما لَهم مدَدٌ، ولا طاقة لهم بالكُفَّار، والكفّار لهم قوّةٌ ومَدَدٌ وصبرٌ، ولا يَثبُتُ لهم أحدٌ، ونحو هذا. ولا مَن يُعين على المسلمين بالتّجسُّس للكفَّار، وإطْلاعِهم على عَوْراتِ المسلمين، ومُكاتَبَتِهم بأخبارهم، ودلالتِهم على عَوْراتِهم، أو إيوَاءِ جواسيسهم. ولا مَن يُوقِعُ العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد، لقول الله -تعالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ (١) وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا (٢) وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (٣)﴾ (٤). ولأنّ هؤلاء مضرّةٌ على المسلمين، فيلزَمهُ مَنعُهُم»* (٥). ------------------- (١) فثبَّطهم أي: فثقَّل عليهم الخروج، حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك. «تفسير الطبري». (٢) خَبالًا: فسادًا. وضُرًّا. (٣) أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم؛ بالنميمة والبغضاء والفتنة. وانظر «تفسير ابن كثير». (٤) التوبة: ٤٦، ٤٧. (٥) ما بين نجمتين من كتاب «المغني» (١٣/ ١٥). ذكر ما يُستحَبّ للإمام أن يستعين بالله -جلّ وعلا- على قتال الأعداء إذا عزَم على ذلك (١) عن صهيبٍ -رضي الله عنه- قال: «كان إذا صلّى هَمس ... [وذكر الحديث إلى أن قال:] فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك» (٣). الاستنصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم عن مصعب بن سعد قال: «رأى سعدٌ -رضي الله عنه- أنّ له فضلًا على مَن دونه (٤)، فقال النبيّ - ﷺ -: هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم» (٥). وفي لفظ: «إنّما يَنْصُر الله هذه الأُمّة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٦). وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: «سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: ---------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح ابن حبان«»التعليقات الحِسان«(٧/ ١٣٧). (٢) أصاوِل: أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة.»النهاية«. (٣) أخرجه ابن حبان في»التعليقات الحِسان«(٤٧٣٨)، وابن نصر في»الصلاة«وغيرهما، وهو في»الصحيحة«(١٠٦١)، وسيأتي بتمامه في أسباب النصر والتمكين. (٤) أي في المغنم. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٦. (٦) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٩٧٨)، وانظر»الصحيحة" (٢/ ٤٠٩). أُبغوني (١) الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعفائكم» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «رُبَّ أَشْعَثَ (٣) مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ» (٤). وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب من استعَان بالضعفاء والصالحين في الحرب) (٥). ثم قال: وقال ابن عباس: «أخبرني أبو سفيان قال لي قيصر: سألتك أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤُهم؟ فزعمْتَ ضعفاءَهم، وهم أتباع الرُّسل» (٦). جواز تخلّفِ الإمام عن السرية لمصلحة (٧) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «انتدَب الله لمن خرَج في سبيله، لا يُخْرجه إلاَّ إيمان بي وتصديق برُسُلي، أن أُرجِعه بما نال من أجرٍ ------------------- (١) بوصل الهمزة وقطعها، وانظر -للمزيد من الفائدة إن شئت-»النّهاية«و»فيض القدير«(١/ ٨٢). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٦٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٩٢)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٩٧٩)، وانظر»الصحيحة«(٧٧٩). (٣) الأشعث: المُلبّد الشعر المُغبَرّ غير مدهون ولا مُرجَّل. انظر»شرح النّووي«. (٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢٢. (٥) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ٧٦). (٦) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به في المصدر المشار إليه آنفًا، ووصله في (بدء الوحي) برقم (٦)، وأخرجه مسلم: ١٧٧٣. (٧) في»صحيح ابن حبان«»ذكْرِ الأخبار عن جواز تخلُّف الإمام عن السرية إذا خَرَجَت في سبيل الله -جلّ وعلا-". أو غنيمة، أو أُدخِلَه الجنّة، ولولا أن أشقّ على أمّتي، ما قَعَدْتُ خلف سريّة، ولوددت أنّي أُقتَل في سبيل الله، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل» (١). إذا طلَب الإمام قَتْلَ رجل عن عبد الله بن أنيس الجهني -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن لي بخالد بن نبيح؟ رجل من هذيل -وهو يومئذ قبل عرفة بعرنة- قال عبد الله بن أُنيس: أنا يا رسول الله، انعَتْه لي، قال: إذا رأيته هِبته، قال: يا رسول الله والذي بعثَك بالحق ما هِبْت شيئًا قطّ. قال: فخَرج عبدُ الله بنُ أُنيس حتى أتى جبال عرفة قبل أن تغيب الشمس، قال عبد الله: فلقيتُ رجلًا، فرعبْتُ منه حين رأيتُه، فعرفْتُ حين رعبت منه أنه ما قال رسول الله - ﷺ -، فقال لي: مَن الرجل؟ فقلت: باغي حاجة، هل من مبيت؟ قال: نعم، فالحْقْ، فَرُحتُ في أثره، فصليت العصر ركعتين خفيفتين، وأشفقت أن يراني، ثمّ لحقْتُه، فضربتُه بالسيف، ثمّ خرجْتُ، فأتيتُ رسول الله - ﷺ -، فأخبرتُه. قال محمّد بن كعب: فأعطاه رسول الله - ﷺ - مخِصرة (٢)، فقال: تخصّر بهذه حتى تلقاني، وأقلّ النّاس المتخصّرون، قال محمّد بن كعب: فلمّا تُوفي عبد الله بن أُنيس أُمِر بها فوُضِعت على بطنه وكُفّن، ودُفن ودُفِنت معه» (٣). --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٦، ومسلم: ١٨٧٦. (٢) المخصرة: ما يَختصره الإنسان بيده، فيُمسِكه من عصا أو عُكَّازةٍ أو مِقْرَعَةٍ أو قضيب وقد يتكئ عليه. «النّهاية». (٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» و«أخبار أصبهان» وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٩٨١). وفي رواية: «دعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إنّه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي جَمع لي النّاس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعُرنة فأتِه فاقتُله، قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفَه، قال: آيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجَدْت له قُشَعْريرةً. قال: فخرجت متوشِّحًا بسيفي حتى دفعْتُ إليه، وهو في ظعنٍ يرتاد لهنَّ منزلًا، حتى كان وقت العصر، فلمّا رأيْته وجدْتُ ما وَصَفَ لي رسول الله - ﷺ - من الاقشعريرة. فأخذْتُ نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، وأُومئ برأسي، فلمّا انتهيت إليه، قال: ممّن الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك، قال: فقال: إنَّا في ذلك. فمشيتُ معه شيئًا حتى إذا أمكنني حَمَلْتُ عليه بالسيف حتى أقتله، ثمّ خرجْتُ وتركْت ظعائنه (١) مُنكَبّاتٍ عليه، فلمّا قدمتُ على رسول الله - ﷺ - ورآني، قال: قد أفلح الوجه، قلت: قتلْتُه يا رسول الله، قال: صدقْتَ. قال: ثمّ قام معي رسول الله - ﷺ -، فأدخلني بيته وأعطاني عصًا، فقال: أمسِك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أُنيس، قال: فخرجتُ بها على النّاس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلتُ: أعطانيها رسول الله - ﷺ -، وأمَرني أن أمسِكها، قالوا: ---------------------- (١) الظعائن: النساء، جمع ظعينة، وأصل الظعينة: الراحلة التي يُرحل ويُظعَن عليها أي يُسار، وقيل للمرأة ظَعينة لأنها تَظْعَن مع الزَّوج حَيثُما ظَعَن أو لأنَّها تُحمَل على الرَّاحِلَة إذا ظَعَنت ...»النهاية". أفلا ترجعُ إلى رسول الله - ﷺ -، فتسأله لِمَ ذلك؟ قال: فرجعْت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا، قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقلّ النّاس المتخصرون يومئذ، فَقَرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أُمِر بها، فضُمّت معه في كفنه، ثمّ دُفِنا جميعًا﴾ (١). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺمَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله، فقام محمّد بن مَسْلَمة فقال: يا رسول الله أتُحِبّ أنْ أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذَنْ ليِ أن أقول شيئًا (٢). قال: قُلْ. فأتاه محمّد بن مَسلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صَدَقةً، وإنه قد عنّانا (٣) وإني قد أتيتك أستَسلِفك (٤) قال: وأيضًا (٥) والله لتملُّنَّه (٦)، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تُسلِفنا وَسْقًا (٧) أو ---------------------- (١) صححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح موارد الظمآن» برقم (٤٩٠). (٢) قال الحافظ -رحمه الله-: «كأنه استأذنَه أن يفتعل شيئًا يحتال به، ومن ثمّ بوَّب عليه المصنف»الكذب في الحرب«وقد ظَهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه:»فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمَتْنا عن قوس واحدة«. (٣) من العناء وهو التعب. (٤) السّلفُ: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض.»النّهاية«. (٥) أي: زيادة على ذلك. (٦) من الملال. (٧) الوَسْق: سِتُّون صاعًا وهو ثلاثُماثة وعِشْرون رِطْلا عند أهْل الحِجاز وأربَعمائة وثمانون رِطْلا عنْد أهْل العِراق على اخْتِلافِهِم في مِقدار الصَّاع والمُدِّ. والأصل في الوَسْق: الحِمْل، وكُلُّ شيءٍ وَسَقتَه فقد حَمَلْتَه، والوَسْق أيضا: ضَمُّ الشَّيء إلى الشَّيء.»النّهاية". وَسْقَين -وحدثنا عمرو غير مرّة فلم يذكر وَسْقًا أو وَسْقين- فقلت له: فيه وسْقًا أو وَسْقين فقال: أرى فيه وسْقًا أو وسْقين، فقال: نعم ارهَنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال ارهَنوني نساءكم، قالوا كيفَ نَرْهَنُك نساءَنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهَنوني أبناءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك أبناءَنا فَيُسَبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بوسْق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكنّا نرهنك اللأمة، قال سفيان يعني: السلاح. فواعَدَه أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب مِن الرضاعة- فدعاهم إلى الحِصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمّد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة بليلٍ لأجاب. قال: ويُدخِلُ محمّد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمّى بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، قال عمرو: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائل (١) بشعره، فأشمَّه فإذا رأيتموني استمكنْتُ مِن رأسه؛ فدونكم فاضربوه، وقال مرّةً ثمّ أُشِمُّكم. فنزل إليهم متوشحًا (٢) وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب- وقال غير عمرو: قال عندي أعطرُ نساء العرب وأكملُ ------------------------ (١) هو من باب إطلاق القول على الفعل. «الفتح». (٢) يعني لابسًا الوشاح: وهو شيءٌ يُنسَج عريضًا من أديم، وربّما رُصّع بالجوهر والخرز. وانظر «النهاية». العرب، قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشَمَّ رأسَك قال: نعم فشَمَّه ثم أَشَمَّ أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم، فقتلوه، ثمّ أتوا النبيّ - ﷺ - فأخبروه» (١). وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: «بعثَ رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافعٍ اليهوديّ رجالًا من الأنصار، فأمّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسول الله - ﷺ - ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرض الحجاز، فلمّا دَنَوا منه وقد -غربت الشمس وراح النّاس بسَرْحِهم (٢) - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلقٌ ومتلطّفٌ للبوّاب، لعلي أن أدخل، فأقبَل حتى دنا مِن الباب، ثمّ تقنّع بثوبه (٣) كأنه يقضي حاجةً وقد دخل النّاس، فهتَف به البوّاب يا عبد الله إنْ كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فَدَخَلْتُ فكَمَنْت (٤)، فلمّا دخَل الناس أغلق الباب، ثمّ علّق الأغاليق على وَدّ (٥)، قال: فقمت إلى الأقاليد (٦)، فأخذتها ففَتَحْتُ الباب وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده، وكان في عَلاليّ (٧) له، فلمّا ذهَب عنه أهل سمرِه صَعِدتُ إليه، فجعلْتُ كلّما فتحْتُ بابًا أغلقت عليّ -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٠٣٧، ومسلم: ١٨٠١. (٢) أي: رجَعوا بمواشيهم التي ترعى، وسَرْح -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة-: هي السائمة من إبِل وبقر وغنم»الفتح". (٣) تغطّى به لئلا يُعرف. (٤) أي: اختبأت. (٥) هو الوتد. (٦) جمع أقليد وهو المفتاح. (٧) العَلاليّ: الغرفة. مِن داخل، قلتُ إنِ القوم نَذِروا بي (١)؛ لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مُظلم وسْط عياله، لا أدري أين هو مِن البيت. فقلت يا أبا رافع، قال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضرِبُه (٢) ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أغنيتُ شيئًا (٣)؛ وصاح فخرجْتُ من البيت، فأمكثُ غير بعيد، ثمّ دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل، إنّ رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضرِبُه ضربةً أثخَنَته ولم أقتُله، ثمّ وضعْت ضبيب السيف (٤) في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفتُ أني قتلتهُ فجعلْتُ أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجةٍ له فوضعْتُ رِجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعْتُ في ليلة مقمرةٍ، فانكَسَرت ساقي فعَصَبْتُها بعِمامة ثمّ انطلقتُ حتى جلسْتُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أَقَتَلْتُه؟. فلمّا صاح الديك قام الناعي (٥) على السُّور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النَّجاء (٦)، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبيّ - ﷺ - فحدَّثته فقال لي: ابسُط رجلك، فبسطْتُ رجلي فمسَحَها فكأنها لم أشتكِها قطُّ» (٧). ------------------ (١) أي: علموا وأحسوا بمكاني. «النّهاية». (٢) قال في «الفتح»: ذكره بلفظ المضارع مبالغةً لاستحضار صورة الحال، وإنْ كان ذلك قد مضى. (٣) أي: لم أقْتُله. (٤) قال الحافظ -رحمه الله-: «حرف حدِّ السيف»، وفي «القاموس المحيط»: «حدّ السيف». (٥) النعي: خبر الموت والاسم الناعي. «الفتح». (٦) أي: أسرعوا. (٧) أخرجه البخاري: ٤٠٣٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#168 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 61الى صــ75 الحلقة (166) البيان بأن صاحبَ السرية إذا خالَف الإمام فيما أمَره به كان على القوم أنْ يَعْزِلوه وُيولُّوا غيره (١) عن عقبةَ بنِ مالك -رضي الله عنه- قال:»بعَث رسول الله - ﷺ - سريةً، فسلَّح رجلًا سيفًا، فلمّا انصرفنا، ما رأيت مِثل ما لامنا رسول الله - ﷺ -، قال: «أعَجَزتم إذا أمّرْتُ عليكم رجلًا، فلم يمض لأمري الذي أمرْتُ، أو نهيْتُ أن تجعلوا مكانه آخر، يُمضي أمري الذي أمرْتُ؟» (٢). من تَأمَّر في الحرب مِن غير إمرةٍ إذا خاف العدو (٣) عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «خَطَب رسول الله - ﷺ - فقال: أخَذ الراية زيدٌ فأُصيب ثمّ أخَذَها جعفرٌ فأُصيب ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، ثمّ أخَذَها خالدُ بن الوليد من غير إمرةٍ ففُتح عليه وما يسرّني -أو قال: ما يُسرّهم- أنّهم عندنا، وقال: وإنّ عينيه لتَذْرِفان» (٤). توليةُ الإمِام أمراءَ جماعة واحدًا بعد الآخر عند قَتْل الأول (٥) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أمَّرَ رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة ---------------------- (١) هذا العنوان من»التعليقات الحِسان«(٤٧٢٠). (٢) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«»التعليقات الحِسان«(٤٧٢٠) وأبو داود وغيرهما، وانظر تخريجه في»صحيح سنن أبي داود«(الأمّ) (٢٣٦٢). (٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٨٣). (٤) أخرجه البخاري: ١٢٤٦، ٣٠٦٣. (٥) مُقتبَسٌ مِن تبويب»صحيح ابن حبان«انظر»التعليقات الحِسان" (٧/ ١٢٤). زيدَ بن حارثة، فقال رسول الله - ﷺ -: إنْ قُتل زيد فجعفر، وإنْ قُتل جعفر؛ فعبد الله ابن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمَسْنا جعفرَ بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين مِن طعنةٍ ورَمْية» (١). متى تجب طاعة الجنود الأمير أو القائد تَجِب طاعةُ الجنود الأميرَ أو القائدَ في غير معصية. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عمى أميري فقد عصاني» (٢). وتتضمّن الطاعة ما أحبَّ المرءُ أو كَرِه، ما لم يُؤمَر بارتكاب المعاصي، أو اقتراف الآثام. عن عبد الله -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم، فما أحَبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سَمْع ولا طاعة» (٣). وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال: نَزَلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٢٦١. (٢) أخرجه البخاري: ٧١٣٧، ومسلم: ١٨٣٥. (٣) أخرجه البخاري: ٧١٤٤، ومسلم: ١٨٣٩. (٤) النساء: ٥٩. بَعثهُ النبيّ - ﷺ - في سريّة» (١). وعن علي -رضي الله عنه- قال؛ «بَعث النبيّ - ﷺ - سريّة، وأمَّر عليهم رجلا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعْتم حطبًا، وأوقدتم نارًا ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبًَا فأوقدوا نارًا، فلمّا همُوا بالدخول؛ فقاموا ينظُر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تَبِعْنا النبيّ - ﷺ - فرارًا مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خَمَدت النار، وسكَن غضبُه، فُذكِر للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف» (٢). عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمرٍ؛ ما دريت ما أردّ عليه، فقال: أرأيت رجلًا مؤدِيًا (٣) نشيطًا، يَخرُج مع أمرائنا في المغازي، فيَعْزِم علينا في أشياء لا نُحصيها (٤)، فقلت له: والله ما أدري ما أقول لك، إلاّ أنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ -، فعسى أن لا يَعزِمَ علينا في أمرٍ إلاَّ مرّة حتى ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٥٨٤، ومسلم: ١٨٣٤. (٢) أخرجه البخاري؛ ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠، وقد تقدم، وانظر -إن شئت- رقم (٤٣٤٠) وما قاله الحافظ -رحمه الله- في شرح هذا الحديث. (٣) مؤديًِا: أي كامل الأداء، أي أداة الحرب، وقال الكرماني -رحمه الله-: معناه قويًّا؛ وكأنّه فسره باللازم.»فتح الباري«. (٤) قال الحافظ -رحمه الله-:»لا نُحصيها: أي لا نطيقها، وقيل: لا ندري أهي طاعةٌ أم معصية، والأول مُطابِقٌ لما فَهِم البخاري فترجَم به، والثاني مُوافِقٌ لقول ابن مسعود «وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه»، أي مِن تقوى الله أن لا يُقدّم المرء على ما يشكّ فيه حتى يسأل مَن عنده عِلْم فيدلّه على ما فيه شفاؤه". نفعَلَه، وإنّ أحدَكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شكَّ في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه والذي لا إله إلاَّ هو ما أذكر ما غَبَر (١) من الدنيا إلاّ كالثَّغْب (٢) شُرِبَ صَفْوُه وبقي كَدَرُه» (٣). عقوبة مَن عصى الأمير أو القائد (٤) عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: «جعل النبي - ﷺ - على الرَّجَّالة (٥) يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جُبَيْر فقال: إنْ رأيتمونا تَخْطَفُنا الطَّير (٦)؛ فلا تَبْرحُوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هَزَمْنا القومَ وأوْطأناهُم (٧)؛ فلا تبرحوا حتى أُرسِل إليكم، فهزموهم. ---------------------- (١) ما غَبر: أي ما مضى، وهو مِن الأضداد؛ يُطلَق على ما مضى وعلى ما بقي، وهو هنا محتمَلٌ للأمرين.»الفتح«. (٢) الثَّغْب:: الموضع المطمئنّ في أعلى الجبل؛ يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غديرٌ في غِلَظٍ مِن الأرض، أو على صخرةٍ ويكون قليلًا» «النّهاية». (٣) أخرجه البخاري: ٢٩٦٤. (٤) مقتبس من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٦٤). (٥) الرَّجَّالة: جمع الرجل: الفارس. «الكرماني». (٦) تخطفنا الطّير: مَثَلٌ يريد به الهزيمة، أي: إذا رأيتمونا انهزمنا؛ فلا تفارقوا مكانكم. «شرح الكرماني». (٧) قال ابن التين: يريد مشينا عليهم وهم قتلى على الأرض، وقال الكرماني: الهمزة في أوطأناهم للتعريض، أي: جعلناهم في معرض الدوس بالقدم. قاله العيني في «عمدة القاري» (١٤/ ٢٨٣). قال: فأنا والله رأيت النساء يشْتَدِدْن (١)، قد بدت خلاخلُهن وأسْوُقُهنّ (٢)، رافعاتٍ ثيابَهُنّ. فقال أصحاب عبد الله بن جبيرٍ: الغنيمةَ أيْ قومُ الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبيرٍ: أنسيتم (٣) ما قال لكم رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتَوْهم صُرِفت وُجُوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم. فلم يبْقَ مع النبي - ﷺ - غيرُ اثني عشر رجلًا، فأصابوا منّا سبعين وكان النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه أصابَ مِن المشركين يوم بدر أربعين ومائةً، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا» (٤). مبادرة الإمام عند الفزع عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان بالمدينة فَزَع، فاستعار النبيُّ - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة، فقال: ما رأينا مِن شيء وإنْ وجَدناه لبحرًا (٥)» (٦). ---------------------- (١) يشْتَدِدْن: أي على الكُفّار، يقال: شدَّ عليه في الحرب: أي: حَمَل عليه، ويقال: معناه: يَعْدُون، والاشتداد: العَدْوُ ... «المصدر السابق». (٢) جمع ساق. (٣) انقسم الصحابة -رضي الله عنهم- قسمين: قسمًا أخذ بالنَّص، وقسمًا تأوّل؛ والمصيب هو المتمسك بالنَّص. (٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٩. (٥) لبحرًا: أي واسعَ الجري، وسمّي البحر بحرًا لسَعَته، وتبحّر في العلم: أي اتّسَع «النهاية». (٦) أخرجه البخاري: ٢٩٦٨، ٢٦٢٧، ومسلم: ٢٣٠٧. تشييع المجاهدين ووداعُهم والدعاءُ لهم يُسنّ تشييع المجاهدين في سبيل الله والغزاة، والدعاء لهم؛ وقد شيَّع النبيّ - ﷺ - النفر الذين وجَّهَهم إلى كعب بن الأشرف؛ إلى بقيع الغرقد ودعا لهم. فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «مشى معهم رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّهَهُم، وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعِنْهم» (١). وكان النبيّ - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش قال: «أستَودِع الله دينَك، وأمانتَك، وخواتيمَ عَمَلِك» (٢). وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: (باب التوديع) (٣): ثم ذكرَ حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «بعَثَنا رسول الله - ﷺ - في بَعْث فقال لنا: إنْ لقيتم فلانًا وفلانًا -لرجلين من قريش سمّاهما- فحرِّقوهما بالنار، قال ثمّ أتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج، فقال: إنّي كنت أمرتكم أنْ تحرّقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإنّ النار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله، فإنْ أخذتموهما فاقتلوهما» (٤). من هديه - ﷺ - في الجهاد، واقتداء الصحابة به في المعارك واستبسالهم فيها (٥) عن زياد بن جبير بن حية قال: «أخبرني أبي أنَ عمر بن الخطاب -رضي الله ------------------------ (١) أخرجه أحمد وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١١٩١). (٢) أخرجه أبو داود، والنسائي في»عمل اليوم والليلة«، والحاكم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«برقم (١٥). (٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٠٧). (٤) أخرجه البخاري: ٢٩٥٤. (٥) هذا العنوان من»السلسلة الصحيحة". عنه- قال للهُرمُزان: أما إذ فُتَّنِي بنفسك فانصح لي، وذلك اّنه قال له: تكلَّم لا بأس، فأمَّنه، فقال الهُرمُزان: نعم؛ إنّ فارسَ اليوم رأس وجناحان. قال: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بُنْدار، قال: فإنه معه أساورة كسرى وأهل أصفهان، قال: فأين الجناحان؟ فذكَر الهُرمُزان مكانًا نسيته، فقال الهُرمُزان: اقطع الجناحين توهن الرأس. فقال له عمر -رضي الله عنه-: كذبْتَ يا عدوَّ الله، بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، فإذا قَطَعه الله عني انقطَع عنّي الجناحان. فأراد عمر أنْ يسير إليه بنفسه، فقالوا: نُذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن أُصِبْت بها لم يكن للمسلمين نظامٌ (١)، ولكن ابعث الجنود. قال: فَبَعث أهل المدينة وبَعَثَ فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبَعَث المهاجرين والأنصار، وكتَب إلى أبي موسى الأشعري أنْ سِرْ بأهل البصرة، وكتَب إلى حذيفة بن اليمان أن سِرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعًا، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مُقَرِّن المزني. فلمّا اجتمعوا بنهاوند، أرسَل إليهم بُندارُ العلج (٢) أنْ أرسِلوا إلينا يا معشر العرب رجلًا منكم نكلّمه، فاختار النّاس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني أنظر إليه: رجل طويل أشعر أعور، فأتاه، فلمّا رجع إلينا سألناه؟ فقال لنا: إنّي وجدْتُ العلج قد استشار أصحابه في أيّ شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا؟ أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون ------------------------ (١) وهذا لاهتمامهم العظيم في تنظيم أمور الدولة: داخلها وخارجها. (٢) العِلْج: الرجل من كُفّار العجم وغيرهم، والأعلاج جمعُه ويُجمع على علوج، «النّهاية». من الشارة والعدة. فلمّا رأيتهم رأيت تلك الجراب (١) والدَّرَق (٢) يلمع منها البصر، ورأيتهم قيامًا على رأسه، فإذا هو على سريرٍ من ذهب، وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، ونكستُ رأسي لأقعد معه على السرير، فقال: فدُفعتُ ونُهرت، فقلت: إنّ الرسل لا يُفعَل بهم هذا. فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملِك؟! فقلتُ: لأنا أشرف في قومي مِن هذا فيكم. قال: فانتهرني وقال: اجلس فجلست. فتُرجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطولَ النّاس جوعًا، وأعظمَ النّاس شقاءً، وأقذرَ النّاس قذرًا، وأبعدَ النّاس دارًا، وأبعدَه مِن كل خير، وما كان منَعَني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب؛ إلاَّ تنجُّسًا لجِيَفِكم لأنكم أرجاس، فإنْ تذهبوا نُخْلِ عنكم، وإنْ تأبوا نبوّئْكم مصارعَكم. قال المغيرة: فحمْدتُ الله وأثْنَيت عليه وقلت: والله ما أخطأت من صِفَتِنا ونَعْتِنا شيئًا، إن كنا لأبعد النّاس دارًا، وأشدّ النّاس جوعًا، وأعظم النّاس شقاءً، وأبعد النّاس من كل خير، حتى بَعَث الله إلينا رسولًا، فوعدَنا بالنصر في الدنيا، والجنّةِ في الآخرة، فلم نزل نتعرف مِن ربّنا -مذ جاءنا رسوله - ﷺ -- الفلاح والنصر، حتى أتيناكم، وإنّا والله نرى لكم مُلكًا وعيشًا لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا، حتى نغلبَكم على ما في أيديكم، أو نُقتَل في أرضكم. فقال: أمّا الأعور فقد صدقَكم الذي في نفسه. فقمتُ مِنْ عنده وقد والله أرعبت العِلْج جهدي، فأرسَل إلينا العِلج: إمّا أنْ تعبروا إلينا بنهاوند وإمّا أنْ نعبر إليكم. فقال النعمان: اعبروا فَعَبرنا. فقال أبي: -------------------------- (١) الجراب: إناء مصنوع من الجِلد، يُحمل فيه الزّاد أثناء السفر «غريب الحديث» للحربي. (٢) جمع الدَّرَقةَ: التُّرس من جِلد ليس فيه خشب ولا عَقَب. فلم أر كاليوم قطّ، إنّ العلوج يجيئون كأنهم جبالُ الحديد، وقد تواثقوا أن لا يَفرّوا مِن العرب، وقد قُرِن بعضهم إلى بعض حتى كان سبعة في قران، وألقوا حَسَك (١) الحديد خلفهم، وقالوا: مَن فرَّ منّا عقَرَه حَسَكُ الحديد. فقال: المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلًا، إن عدوّنا يتركون أن يتناموا، فلا يُعجلوا. أمَا والله لو أن الأمر إليَّ لقد أعجلتهم به. قال: وكان النعمان رجلًا بكّاءَ، فقال: قد كان الله -جلّ وعزّ- يُشهِدك أمثالها فلا يحْزنك ولا يعيبك موقفك. وإني والله ما يمنعني أنْ أناجزهم إلاّ لشيء شهِدْته من رسول الله - ﷺ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا غزا فلم يُقاتِل أول النهار لم يَعَجَل حتى تحضر الصلوات وتهب الأرواح ويطيب القتال. ثمّ قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تُقرَّ عيني بفتْحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام وأهله، وذلُّ الكفر وأهلِه. ثمّ اختِمْ لي على أثر ذلكَ بالشهادة. ثمّ قال: أمِّنوا رَحِمكم الله. فأمّنّا وبكى فبكينا. فقال النعمان: إنّي هازٌّ لوائي فتيسّروا للسلاح، ثمّ هازُّها الثانية، فكونُوا متيسَّرين لقتال عدوكم بإزائكم، فإذا هززتها الثالثة؛ فليحمِل كل قوم على مَن يليهم مِن عدوِّهم على بركة الله. قال: فلمّا حَضَرت الصلاة وهبَّت الأرواح كبّر وكبَّرنا. وقال: ريح الفتح والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا. فهزّ اللواء فتيسروا، ثم هزَّها الثانية، ثمّ هزَّها الثالثة، فحمَلْنا جميعًا كلّ قوم على مَن يليهم. وقال النعمان: إنْ أنا أُصِبت، فعلى النّاس حذيفة بن اليمان، فإنْ أُصِيب حذيفة؛ ففلان، فإنْ أُصِيب فلان ففلان حتى عدَّ سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة. -------------------- (١) الحَسَك: ما يُعمل على مثال شوكة، أداة للحرب من حديد أو قصَب، فيُلقى حول العسكر، «القاموس المحيط». قال أبي: فوالله ما علمْتُ من المسلمين أحدًا يُحبُّ أن يرجع إلى أهله حتى يُقْتل أو يَظفَر. فَثَبتوا لنا، فلم نسمع إلاَّ وقْع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فُيقتلون جميعا، وجَعل يعقرهم حَسَكُ الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدِّموا اللواء، فجعلنا نُقدّم اللواء فنقتلهم ونهزمهم. فلمّا رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نُشَّابَة (١) فأصابت خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مُقَرِّن فسجى عليه ثوبًا (٢)، وأخذ اللواء، فتقدَّم ثمّ قال: تقدَّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلمَّا فرغنا واجتمع النّاس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقرَّ الله عينه بالفتح، وختَم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفةَ بنَ اليمان. قال: وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتَب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قَدِم عليه قال: أبشِر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الشرك وأهله. وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبْ النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان -حتى عدّ ناسًا- ثمّ قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه -وهو يبكي-: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم» (٣). ---------------------- (١) مفرد النُشَّاب، وهو النَّبْل. (٢) أي: غطّاه بثوب. (٣) أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ، وابن حبان والسياق له، وإسناده صحيح، وأصْلُه في البخاري (٣١٥٩، ٣١٦٠) وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية «الصحيحة» برقم (٢٨٢٦). عدد غزوات النبيّ - ﷺ - عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- «أن رسول الله غزا تسعَ عشرَةَ غزوة وحجّ بعدما هاجر حَجّةً؛ لم يحجّ غَيرها؛ حجَّة الوَدَاعِ» (١). وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «غزا رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة؛ قاتل في ثمانٍ منهن» (٢). الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون عن جابر -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺيعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلفَ أن لا أنتهيَ حتى أهريق دمًا في أصحاب محمّد - ﷺ -، فخَرج يتبع أثر النبى - ﷺ - فنزل النبيّ - ﷺ - منزلًا، فقال: مَنْ رجلٌ يكلأُنا (٣) فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار فقال: كونا بفم الشّعْبِ، قال: فلما خرَج الرجلان إلى فم الشِّعب؛ اضطجع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يُصلّي، وأتى الرجل فلمّا رأى شخصه، عَرَف أنه ربيئة (٤) للقوم، فرماه بسهم، فوضَعه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجَد ثمّ انتبه صاحبه، فلما عَرف أنهم قد نَذِروا به (٥) هَرب، ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٤٠٤، ومسلم: ١٢٥٤، واللفظ له. (٢) أخرجه مسلم: ١٨١٤. (٣) يكلأُنا: أي يحرسنا. (٤) ربيئة: أي هو العين، والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلاّ يَدْهمهم عدوّ، ولا يكون إلاَّ على جبل أو شَرَف ينظرُ منه،»النّهاية". (٥) نذِروا به: أحسّوا بمكانه. من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبَّ أن أقطعَها» (١). عن ابن المنكَدِر قال: سمعتُ جابرًا -رضي الله عنه- يقول: «قال رسول الله - ﷺ - يومَ الأحزاب: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا، ثم قال: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: إنّ لكل نبيٍّ حَوارِيًّا، وإنّ حَواريَّ الزبير» (٢). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله بُسيسةَ (٣) عينًا ينظرُ ما صَنَعَت عيرُ (٤) أبي سفيان ...» (٥). التورية في الغزو عن عبد الله بن كعب -رضي الله عنه، وكان قائدَ كعبٍ مِن بنيه -قال: --------------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٢) وغيره. (٢) أخرجه البخاري: ٤١١٣، ومسلم: ٢٤١٥. (٣) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا هو في جميع النُّسخ بُسيسة -بباء موحدة مضمومة وبسينين مُهملتين مفتوحتين بينهما ياء مثناة تحت ساكنة- قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحابُ الحديث، قال والمعروف في كُتب السيرة بَسْبَس -ببائين موحدتين مفتوحتين بينهما سين ساكنة- وهو بَسبَس بن عمرو، ويقال ابن بشر مِن الأنصار من الخزرج، ويُقال حليف لهم، قلت: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا». (٤) العير: هي الإبل والدواب تَحْمِل الطعام وغيره من التجارات. (٥) أخرجه مسلم: ١٩٠١. «سمعْتُ كعبَ بن مالك -رضي الله عنه- حين تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة؛ إلاَّ وَرّى بغيرها» (١). الكَذِب والخداع في الحرب عن جابر -رضي الله عنه- أن النبيّ - ﷺ - قال: «الحربُ خُدْعة» (٢). جاء في «الفتح»: «قال ابن العربي -رحمه الله-:»الخِداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد مِن الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله «الحجّ عرفة» (٣). قال ابن المنير: معنى الحرب خُدعة، أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخَطَر المواجهة، وحصول الظَّفر مع المخادعة بغير خطَر«. وقال الإمام النووي -رحمه الله- (١٢/ ٤٥):»واتفقَ العلماء على جواز خِداع الكُفّار في الحرب، وكيفما أمكَن الخداع؛ إلاَّ أن يكون فيه نقْضُ عهدٍ أو أمان؛ فلا يَحِلّ«. وعن أمّ كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها- أنها سَمِعت رسول الله - ﷺ -(١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٧ واللفظ له، ومسلم: ٢٧٦٩. (٢) أخرجه البخاري: ٣٠٣٠، ومسلم ١٧٣٩. (٣) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي وغيرهم، وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (١٠٦٤). يقول: «ليس الكذّاب الذي يُصلح بين النّاس فيَنْمي (١) خيرًا أو يقول خيرًا» (٢). وفي رواية قال ابن شهاب: «ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول النّاس كَذِبٌ إلاَّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها» (٣). قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «باب الكذب في الحرب» (٤) ثمّ ذكر تحته حديث قَتْل كعبِ بن الأشرف«(٥). وفي استئذان محمد بن مسْلَمة -رضي الله عنه- الكذِب للخدعة؛ إذ قال:»ائذن لي فلأقُل، قال: قل«(٦). وفي رواية:»فقال محمّد بن مسلمة -رضي الله عنه- لكعب بن الأشرف: إنّ هذا -يعني النبي - ﷺ -- قد عنّانا (٧) وسأَلنا الصدقة ... فلم يزَلْ يكلّمه، حتى استمكَن منه فقتلَه«(٨). --------------------------- (١) ينمي -بفتح أوله وكَسْر الميم- أي: يُبلغ، تقول: نميت الحديث أنميه، إذا بلّغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلّغتَه على وجه الإفساد والنميمة قلت: نمّيته -بالتشديد- كذا قال الجمهور، قاله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«. (٢) أخرجه البخاري: ٢٦٩٢، ومسلم: ٢٦٠٥. (٣) أخرجه مسلم: ٢٦٠٥. (٤) انظر»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد والسِّير) (١٥٨ - باب). (٥) انظر إن -شئت- بر قم: ٣٠٣١. (٦) أخرجه البخاري: ٣٠٣٢، ومسلم: ١٨٠١ وهذا لفظه. (٧) عنّانا: أي أتعَبنا. (٨) أخرجه البخاري: ٣٠٣١ وهذا لفظه، ومسلم: ١٨٠١. وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه -وهو يناقش ما يجوز وما لا يجوز من الكَذِب-:»ليس تحريم الكذب لأجل (ك، ذ، ب) ولا وجوب الصدق لأجل (ص، د، ق). قلت: يريد شيخنا -رحمه الله- أنّ تحريم الكَذِب يُدرَك مغزاه ويُعقل مرماه، فلا يجوز أن تَصْدُق الأعداء وتدلّهم على مواقع المسلمين إذا سألوا؛ تَحرُّجًا من الكَذِب، فالكَذِب هنا واجب، والصدق حرام؛ لما لا يخفى مِن أثَر ذلك لكلّ ذي لُبٍّ وبصيرة. التسبيح إذا هَبط واديًا والتكبير إذا عَلا شَرَفًا (١) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزَلنا سبَّحنا» (٢). إباحة تعاقب الجماعة الركُوبَ الواحد في الغزو عند عدم القدرة على غيره (٣) عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنهم كانوا يوم بدر بين كلّ ثلاثة بعير، وكان زميلَيْ (٤) رسولِ الله - ﷺ - عليّ وأبو لُبابة، فإذا حانت عُقبةُ (٥) النبيّ - ﷺ -، قالا: اركب ونحن نمشي، فيقول النبيّ - ﷺ -: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى ----------------------- (١) هذان بابان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب ١٣٢، ١٣٣). (٢) أخرجه البخاري: ٢٩٩٣. (٣) هذا العنوان من»صحيح ابن حبان«بتصرف يسير، انظر»التعليقات الحِسان«(٧/ ١١٧). (٤) الزميل هنا: هو الذي يركب مع غيره على دابّة واحدة بالنوبة؛ وانظر»المرقاة«(٧/ ٤٥٩). (٥) أي: نوبة نزولهِ - ﷺ -.»المرقاة". ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|