استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-18-2026, 09:00 AM   #169

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 421 الى صـــ 440
الحلقة (169)






عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجده وحده، وإن شاء أتى مسجدًا آخر يطلب فيه الجماعة، إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام أو مسجد رسول الله - ﷺ - فلا يخرجوا منه ويصلوا فيه وحدانًا؛ لأن هذين المسجدين الفذ أعظم أجرًا ممن صلى في جماعة (١). وقال الحسن البصري: ما رأينا المهاجرين يبتغون المساجد (٢).
قال الطحاوي: والحجة لمالك أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، والصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة أفضل من الصلاة في غيرها، فلذلك لا يتركهما ابتغاء الصلاة في غيرهما (٣).
وفي «مختصر ابن شعبان» عن مالك: من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة إلا في مسجد مكة والمدينة. ثم قال البخاري: (وجاء أنس إلى مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة). وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن الجعد أبي عثمان، عنه (٤). وعن هشيم، أنا يونس بن عبيد، حدثني أبو عثمان السكري فذكره (٥).
واختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فرُوي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه (٦). وهو قول عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب (٧)؛ عملًا

--------------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٧.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢١ (٥٩٩٥).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٤) «المصنف» ١/ ٢٠٠ (٢٢٩٨).
(٥) «المصنف» ٢/ ١١٣ (٧٠٩٣).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١١٤ (٧١٠٦).
(٧) انظر «المغنى» ٣/ ١٠، «النوادر والزيادات» ١/ ٣٣٠.



بظاهر الحديث: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ» الحديث (١).
وقد وقع ذلك في مسجده - ﷺ - وقال: «أيكم يتصدق على هذا فيصلي معه» الحديث، كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وقال: إنه قول غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين (٢).
وقالت طائفة: لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتين، رُوي ذلك عن سالم والقاسم، وأبي قلابة، وهو قول مالك والليث، وابن المبارك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة (٣)، والشافعي قال بعضهم: إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة فإن أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة وقال مالك والشافعي إذا كان المسجد على طريق لا إمام له، ولا بأس أن يجمع فيه قوم بعد قوم (٤). وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد المطروق، وكذا غيره إن بعُد مكان الإمام ولم يخف فيه.
ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث.
أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
ثانيها: حديث أبي سعيد مثله.
ثالثها: حديث أبي هريرة: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَغَفُ عَلَى صَلَاِتهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ

-----------------
(١) الحديثان الآتيان في الباب (٦٤٥ - ٦٤٦).
(٢) أبو داود (٥٧٤)، الترمذي (٢٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٦٤، ٨٥، وابن حبان (٢٣٩٧ - ٢٣٩٨)، والحاكم ١/ ٢٠٩، والبيهقي ٣/ ٦٨ - ٦٩. والحديث صححه الألباني في»صحيح أبي داود«(٥٨٩).
(٣)»البناية«٢/ ٦٩٧،»المدونة«١/ ٨٩.
(٤)»الأم" ١/ ١٣٦ - ١٣٧.



فأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: الَلَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ».
والكلام عليها من أوجه:
أحدها:
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وعدد الترمذي رواته وقال: عامة من روى عن النبي - ﷺ - إنما قالوا: بخمس وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال: بسبع وعشرين (٢). وأما حديث أبي سعيد فهو ساقط في بعض النسخ، وهو ثابت في «الأطراف» لأبي مسعود وخلف دون الطرقي وهو من أفراد البخاري، وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمر، وذكره الإسماعيلي أول الباب قبله.
وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق (٣)، ويأتي في البيوع أيضًا (٤).
ثانيها:
الجماعة: اسم لعدد من الناس مجتمعون، ويقع على الذكور والإناث.

-------------------
(١) مسلم (٦٥٠) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.
(٢) «سنن الترمذي» حديث (٢١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلوات الخمس.
(٣) سبق برقم (٤٧٧).
(٤) سيأتي برقم (٢١١٩) باب: ما ذكره في الأسواق.



وقوله: تفضل صلاة الفذ: كذا هو في عدة نسخ من البخاري، وعزاه ابن الأثير إليه في «شرح المسند» بلفظ: «على صلاة الفذ»، ثم أولها بأن تفضل لما كانت بمعنى: زاد، وهو يتعدى بعلى، أعطاها معناها فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها.
قال: وأما الذي في مسلم: «أفضل من صلاة الفذ». فجاء بها بلفظة أفعل التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك فيه، وهى أبلغ من تفضل؛ لأنها تدل على التفضيل دلالة هي أفصح من دلالة تفضل عليه.
والفضل: الزيادة، والفذ: المنفرد بالذال المعجمة، ومعناه: المصلي وحده، ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون وهي غنة لا نون حقيقية. قال: وكذلك يقول أهل الشام.
والدرجة: المرتبة والمنزلة يريد أن صلاة الجمعة تزيد على ثواب صلاة الفذ بسبعة وعشرين ضعفًا.
والظاهر أن كل درجة بمقدار صلاة الفذ، ولفظ التضعيف يشعر بذلك؛ لأن التضعيف إنما يكون بمثل الشيء المضاعف، وخص الدرجة في هذِه الرواية دون الجزء والنصيب والحظ؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنها فوق تلك بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجة إلى جهة فوق.
ثالثها:
اختلف في الجمع بين رواية «سبع وعشرين درجة»، و«خمسة وعشرين ضعفًا»، وفي أخرى: في الصحيح: «جزءًا» (١) بدل ضعفًا

---------------
(١) سيأتي برقم (٦٤٨).


على أوجه وصلتها في «شرح العمدة» إلى ثلاثة عشر وجهًا (١)، ونذكر هنا منها ثلاثة:
أحدها: أنه لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد مختلف فيه. قال ابن برهان (٢): والشافعي والجمهور يقولون به.
ثانيها: أن يكون أولًا أخبر بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها، ولابد من معرفة التاريخ على هذا.
ثالثها: أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمسًا وعشرين، ولبعضهم سبعًا وعشرين، بحسب كمال الصلاة من المحافظة على هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك. وغلط من قالج: إن الدرجة أصغر من الجزء؛ فإن في الصحيح خمسًا وعشرين درجة وسبعًا وعشرين درجة، وأنه إذا جزئ درجات كان سبعًا وعشرين، وقد تكلف جماعة تعليل هذِه الدرجات كابن بطال (٣)، وابن التين وغيرهما، وما جاءوا بطائل. ولابن حبان فيه مصنف.

------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤.
(٢) هو العلامة الفقيه، أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحماني، البغدادي الشافعي. كان أحد الأذكياء، بارعًا في المذهب وأصوله، من أصحاب ابن عقيل ثم تحول شافعيًا، ودرس بالنظامية، تفقه بالشاشي والغزالي مات كهلًا سنة ثماني عشرة وخمس مائة. وانظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ٩/ ٢٥٠، «وفيات الأعيان» ١/ ٩٩، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٤٥٦ (٢٦٤)، «الوافي بالوفيات» ٧/ ٢٠٧، «شذرات الذهب» ٤/ ٦١.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.



رابعها:
فيه دلالة على سنية الجماعة، وهو قول الأكثرين؛ لأن تفضيل فعل على آخر يشعر بتفضيلهما، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل الجماعة، وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة وهي رواية عن أحمد (١).
وبقية فوائده ومتعلقاته أوضحته في «شرح العمدة» (٢).
وأما حديث أبي سعيد فانفرد بإخراجه البخاري، وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق (٣)، وباب الحدث في المسجد (٤)، ويأتي أيضًا في البيوع (٥).

-----------------
(١) «المحلى» ٤/ ١٨٨، «المبدع» ٢/ ٤١.
(٢) «الإعلام» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧).
(٤) سبق برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (٢١١٩).



٣١ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٣٧]

٦٤٩ - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً. [انظر: ٦٤٥ - مسلم: ٦٥٠ - فتح: ٢/ ١٣٧]

٦٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - شَيْئًا إِلاَّ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. [فتح:٢/ ١٣٧]

٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِى يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ». [مسلم: ٦٦٢ - فتح: ٢/ ١٣٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شَئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وفي حديث ابن عمر: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.


هذا الحديث سلف، قريبًا تراه، لكن من طريق آخر إلى أبي هريرة (١).
ويأتي في التفسير أيضًا في سورة سبحان (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، والمراد بقرآن الفجر: صلاة الفجر. كما جاء مفسرًا، ويأتي - إن شاء الله تعالى- ذلك في التفسير.
ثم ساق البخاري عن سالم، عن أم الدرداء رضي الله عنها أنها قالت: دَخَلَ عَلَى أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: والله مَا أَعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - شَيْئًا إِلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا.
وهذا من أفراد البخاري (٤).
وسالم هذا هو ابن أبي الجعد (٥)، واسم أم الدرداء: هجيمة، وقيل: بتقديم الجيم الوصابية، وقيل: الأوصابية -ووصاب: بطن من حمير مشهور باليمن إلى الآن- وأم الدرداء هذِه هي الصغرى (٦). وفي

---------------
(١) برقم (٦٤٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٧١٧).
(٣) مسلم برقم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.
(٤) في هامش الأصل: كتبت من خط المصنف: عزاه بن الأثير إلى الترمذي ولم يذكره بن عساكر ولا النسائي.
(٥) تقدمت ترجمته في حديث (١٤١).
(٦) هي السيدة العالمة الفقيهة، هجيمة، وقيل جهيمة الحميرية الدمشقية، روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وسلمان الفارسي وعائشة وأبي هريرة، وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء. وطال عمرها واشتهرت بالعلم والعمل والزهد.
انظر تمام ترجمتها في: «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٥٢ (٧٩٧٤)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٧٧ (١٠٠)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٥٠. ووسمت أو وصفت هذِه بالصغرى، تمييزًا لها عن الكبرى وهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، أم الدرداء الكبرى. =



الحديث: دلالة على جواز الغضب عند تغيير الدين وأحوال الناس في معاشرتهم؛ لأن أبا الدرداء كان يعرف أحوالًا في زمن رسول الله - ﷺ - فوجدها قد تغيرت؛ لأنه عاش إلى أواخر ولاية عثمان، مات سنة اثنتين وثلاثين (١)، وفيه أيضًا إنكار المنكر بالغضب إذا لم يستطع أكثر من ذلك.
وقوله: (ما أعرف) إلى آخره فيه حذف المضاف إليه؛ لدلالة الكلام، ومعناه: لا اعلم من شريعة أمة محمد شيئًا لم يتغير عما كان إلا الصلاة.
ثم ذكر البخاري بعده حديث أبي موسى مرفوعًا: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الذِي يُصَلَّي ثُمَّ يَنَامُ».
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، واقتصر المجد في «أحكامه» على عزوه إليه، وأغفله الحميدي في «جمعه»، وعزاه البيهقي والضياء إلى «الصحيحين» (٣)، وذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في «مستخرجيهما» على البخاري، وإنما كان أعظم أجرًا أبعدهم ممشى؛ لكثرة الخطى.

----------------
= انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٨٨ (٣٥٨٤)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٢٧ (٧٤٣٠)، «الإصابة» ٤/ ٢٩٥ (٣٨٦).
(١) هو عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس، وقيل: اسم أبي الدرداء عامر بن مالك، وعويمر لقب، روى عن النبي - ﷺ -، وعن زيد بن ثابت وعائشة، انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ٢١١، «أسد الغابة» ٦/ ٩٧ (٥٨٥٨)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٤٦٩ (٤٥٥٨)، «الإصابة» ٣/ ٤٥ (٦١١٧).
(٢) مسلم برقم (٦٦٢). كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٣) «السنن الكبرى» ١٠/ ٧٧ - ٧٨ (٢٠١٠٦) كتاب: النذور، باب: من نذر تبررًا أن يمشى بيت الله الحرام.



واعلم أنه قد بين في الحديث الأول المعنى الذي أوجب الفضل لشهود الفجر في الجماعة هو اجتماع ملائكة الليل والنهار فيها، وكذا في صلاة العصر أيضًا؛ ولذلك حث الشارع على المحافظة عليها؛ ليكون من حضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له.
قال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة وعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها (١).
وأما الحديث الأخير فوجه اختصاصه بصلاة الفجر كما بوّب عليه البخاري أنه جعل بُعد المشي سببًا في زيادة الأجر؛ لأجل المشقة، والأجر على قدر النصب، ولا شك أن المشي إلى صلاة الفجر أشق منه إلى بقية الصلوات؛ لمصادفة ذلك الظلمة ووقت النومة المشتهاة طبعًا، ذكر ذلك ابن المنير (٢)، والمعنى الذي ذكره يصلح أيضًا في صلاة العشاء، مع أن الانتظار في الحديث عام. والحديث دال على فضل المسجد البعيد؛ لأجل كثرة الخطى، فلو كان بجواره مسجد ففي مجاوزته إلى الأبعد ما ستعلمه في باب احتساب الآثار قريبًا (٣).
وقول شيخنا قطب الدين في «شرحه»: إن كان المراد في الحديث بهذِه الصلاة: الفجر، فيؤخذ منه أيضًا استحباب تأخيرها؛ ولذلك يحتمل إن كانت صلاة العشاء، لا نوافق عليه.

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧٩.
(٢) «المتواري» ٩٦ - ٩٧.
(٣) انظر شرح حديثي (٦٥٥ - ٦٥٦).



٣٢ - باب فَضْلِ التَّهْجِيِر إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». [٢٤٧٢ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: «الشُهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْه». [٧٢٠، ٢٨٢٩، ٥٧٣٣ انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧، ٩١٤ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٤ - «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». [انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢/ ١٣١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقِ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
ثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّف الأوَّلِ»
كذا ذكره هنا مطولًا وهو مشتمل على عدة أحاديث جمعها أبو هريرة في مساق واحد، ويحتمل أن كون سمعها جملة واحدة، فأخبر بها كما سمعها، وقد سلف من قوله: وقال: «لو يعلم الناس» … إلى آخره في باب الاستهام في الأذان (١)، وذكره في باب الصف الأول كما سيأتي (٢)، ولم يذكر فيه الخامس وهو الشهيد في سبيل الله، وكأنه من

--------------
(١) سلف برقم (٦١٥) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٠ - ٧٢١) كتاب: الأذان.



المعلوم عندهم، ولم يذكر فيه غصن الشوك، وأخرجه في المظالم (١)، وأخرج في باب الشهادة سبع في كتاب الجهاد حديث الشهداء (٢)، وقطّعه مسلم أيضًا (٣) وأخرج قصة الغصن في الجهاد (٤).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
فيه فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد جعل - ﷺ - في الحديث كما مر إماطة الأذى عن الطريق من أدنى شعب الإيمان (٥)، وإذا كان كذلك وقد غفر لفاعله، فكيف بمن أزال ما هو أشد من ذلك؟
ثانيها:
شكر الله تعالى أي: رضي فعله ذلك، وأثابه عليه بالأجر والثناء الجميل، وأصل الشكر الظهور فيكسبه الله قلبًا لينًا أو تترجح إحدى كفتيه بالإماطة، وذلك علامة على الغفران.
ثالثها:
قوله: «الشهداء خمسة»: كذا جاء في الصحيح، وفي رواية مالك في «الموطأ» من حديث جابر بن عتيك «الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله»، فذكر الخمسة المذكورة في هذا الحديث، وزاد: وصاحب ذات الجنب والحريق، والمرأة تموت بجمع (٦)، وتركه الشيخان؛

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٤٧٢) باب: من أخذ الغصن.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٢٩).
(٣) مسلم برقم (١٩١٤) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٤) سيأتي برقم (٢٤٧٢) كتاب: المظالم، باب: من أخذ الغصن.
(٥) راجع شرح حديث (٩).
(٦) «الموطأ» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (٩٣٥) كتاب: الجهاد، باب: ما يكون فيها الشهادة.



لاختلاف في إسناده، ذكره الدارقطني وابن الحذاء، ولابن عساكر من حديث ابن عباس: تعداد الشهداء، وذكر فيهم الشريق وأكيلة السبع، ولا تناقض بين ذلك ففي وقت أوحى أنهم خمسة، وفي آخر: سبعة، وفي آخر: غير ذلك.
رابعها:
المطعون: من مات به، وهو شهادة لكل مسلم كما صح (١)، ولم يرد المطعون بالسنان؛ لأنه الشهيد في سبيل الله والطاعون: مرض عام يفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان.
والمبطون: من مات بعلة البطن كالاستسقاء وانطلاق البطن وانتفاخه، وقيل: الذي يشتكي بطنه، وقيل: هو من مات بداء بطنه مطلقًا.
والغريق: من مات غريقًا بالماء.
وصاحب الهدم: قال ابن الجوزي: بفتح الدال -يعني: المهملة- وهو اسم ما يقع، قاله ابن الخشاب (٢)، وإما بتسكينها فهو الفعل، والذي يقع هو الذي يقتل، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل (٣).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٨٣٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الشهادة سبع سوى القتل.
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة المحدث. إمام النحو، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، البغدادي، ممن يضرب به المثل في العربية، حتى قيل: إنه بلغ رتبة أبي علي الفارسي توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. انظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ١٠/ ٢٣٨، «وفيات الأعيان» ٣/ ١٠٢، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٥٢٣ (٣٣٧)، «شذارت الذهب» ٤/ ٢٢٠.
(٣) وقع في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في الثاني بعد السبعين. كتبه مؤلفه.



٣٣ - باب احْتِسَابِ الآثَارِ
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، ألَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!». وَقَالَ مُجَاهِدً فِي قَولهِ: ﴿وَنكَتُبُ مَا قَدَّمُوًا وءَاثَرَهُم﴾ [يس:١٢] قَالَ: خُطَاهُمْ. [٦٥٦، ١٨٨٧ - فتح: ٢/ ١٣٩]

٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُعْرُوا [الْمَدِينَةَ] فَقَالَ «أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ». قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ أَنْ يُمْشَى فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ. [انظر: ٦٥٥ - فتح: ٢/ ١٣٩]
ذكر فيه حديث أنس قال قال رسول الله - ﷺ -: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، ألَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!».
قال وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: فَكَرِهَ رسول اللهِ - ﷺ - أَنْ يُعْرُوا فَقَالَ: «أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!».
زاد في أواخر الحج: «فأقاموا» (١)، وهذا الحديث المعلق، في بعض نسخ البخاري مسندًا، وقال فيه حدثنا ابن أبي مريم (٢)، وعبارة المزي: زاد ابن أبي مريم فذكره. وأخرجه مسلم من حديث جابر. وفي آخره «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» مرتين (٣)، وفي رواية له

--------------
(١) سيأتي برقم (١٨٨٧) باب: كراهية النبي - ﷺأن تعرى المدينة.
(٢) منها نسخة أبي ذر الهروي، انظر: «اليونينية» ١/ ١٣٢، وجزم الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٠ أنها لأبي ذر وحده.
(٣) مسلم برقم (٦٦٥) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.



فنهانا، وقال: «إن لكم بكل خطوة درجة» (١). وفي ابن ماجه من حديث ابن عباس: فنزلت: ﴿وَنَكَتُبُ مَا قَدَّمُوْا وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يّس: ١٢] فثبتوا (٢)، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد كذلك (٣)، ونقل البخاري عن مجاهد: خطاهم: آثارهم، أن يمشوا في الأرض بأرجلهم.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
معنى يعروا: أي: المدينة يتركوها عراء أي: فضاء خالية، قال تعالى: ﴿فَنبًذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]، أي: موضع خال. قال ابن سيده: هو المكان الذي لا يستتر فيه بشيء، وقيل: الأرض الواسعة، وجمعه: أعراء (٤)، وفي «الغريبين»: الممدود والمتسع من الأرض، قيل له ذلك؛ لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصورًا: الناحية، فكره - عليه السلام - أن تعرى وأحب أن تعمر؛ ليعظم المسلمون في أعين الكفار والمنافقين إرهابًا وغلظًا عليهم (٥).
وبنو سلمة بكسر اللام: بطن من الأنصار. قال القزاز والجوهري:

-----------------
(١) مسلم برقم (٦٦٤) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٢) ابن ماجه (٧٨٥) قال البوصيري: هذا إسناد موقوف ضعيف، فيه سماك وهو ابن حرب وإن وثقه ابن معين وأبو حاتم فقد قال أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث وقال فيه: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وروايته عن غيره صالحة. اهـ. «زوائد ابن ماجه» (٢٦٧) باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٦٣٧): صحيح.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٢٢٦) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يس. قال أبو عيسى: حسن غريب من حديث الثوري.
(٤) «المحكم» ٢/ ١٦٧.
(٥) «غريب الحديث» ٢/ ٥٥٤، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٢٢٤.



ليس في العرب سلمة غيرهم (١). وليس كما ذكرا ففيهم جماعات غيرهم، ذكر بعضهم ابن ماكولا (٢) والرُشاطي وابن حبيب و«النوادر» لأبي على الهجري، وقال: لا يزيدون على أربعة وعشرين رجلًا.
ثانيها:
معنى «ألا يحتسبون»: يطلبون وجه الله وثوابه، والآثار: الخطوات، وقد فسره في الحديث كما سلف، وذُكِر أيضًا عن الحسن (٣)، كما ذكره البخاري عن مجاهد، ومعناه: الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم إلى المسجد. فحثهم على لزوم الديار واحتساب الآثار، واستشعار النية، وخلوص الأمنية في سعيهم، ودخل في معنى ذلك كل ما يصنع الله تعالى من قليل وكثير أن يراد به وجهه ويخلص له فيه، فهو الذي يزكو وينتفع به.
ثالثها:
يستنبط منه فضل المقاربة بين الخطى في المشيم إلى الصلاة على الإسراع، وفضل البعد من المسجد، فلو كان بجواره مسجد ففي المجاوزة إلى الأبعد قولان، وكرهه الحسن وهو مذهب مالك.
وفي تخطي مسجده إلى مسجده الأعظم قولان عندهم، وسئل أبو عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده ويصلي في المسجد الجامع للفضل وكثرة الناس، فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل الجامع؛ في صلاة الجمعة فقط (٤).

---------------
(١) «الصحاح» ٥/ ١٩٥٠.
(٢) «الإكمال» ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٦.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٤٠٣ (٢٩٠٧٨).
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٢.



وذُكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن تعطل موضعه. ورُوي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وفعله مجاهد وأبو وائل (١).
ورُوي عن بعضهم خلاف ذلك، سئل الحسن: أيدع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه (٢).

-------------
(١) روى الآثار الثلاثة ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢ (٦٢٤٣ - ٦٢٤٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢ (٦٢٤٧).



٣٤ - باب فَضلِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ». [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح: ٢/ ١٤١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَيْسَ صَلَاةٌ أقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالْعِشَاءِ ..».
هذا الحديث قد سلف مفرقًا (١)، وبه احتج من قال: إن الوعيد بالإحراق لمن تخلف عن صلاة الجماعة، أريد به المنافقون، لذكرهم في أول الحديث، وإن يحتمل أنه - عليه السلام - أخبر المؤمنين أن من شأن المنافقين ثقل هاتين الصلاتين عليهم (٢) في الجماعة، فحذر المؤمنين من التشبه بهم في ذلك وامتثال طريقتهم، ووجه ثقل هاتين الصلاتين عليهم فعلهما في وقت الراحة.
وقوله: «شعلا»: هو بضم الشين المعجمة وبفتح العين المهملة جمع شعلة، مثل: قربة وقرب.

-----------
(١) سلف برقم (٦٤٤).
(٢) في الأصل: عليهما.



٣٥ - باب اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١٤٢]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث.
وقد سلف في باب الأذان للمسافر (١)، ولفظ التبويب رواه أنس (٢)، وأبو موسى الأشعري مرفوعًا، وإسنادهما ضعيف.
وهو في ابن ماجه من حديث أبي موسى (٣). وفي الدارقطني من

------------------
(١) سلف برقم (٦٣٠) كتاب: الأذان.
(٢) رواه عنه ابن عدي ٤/ ٤٠٨، وكذا البيهقي ٣/ ٦٩ وضعفه، والحديث في إسناده سعيد بن زربي، قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٣٤٢: سعيد بن زربي عنده غرائب لا يتابع عليها، وهو ضعيف الحديث. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٩: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢. وأعله الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٩ بسعيد بن زربي.
(٣) «سنن ابن ماجه» (٩٧٢)، ورواه أيضًا عبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٩٦ (٥٦٥)، وأبو يعلى ١٣/ ١٨٩ - ١٩٠ (٧٢٢٣)، والروياني في «مسنده» ١/ ٣٨٢ (٥٨٦)، والطحاوي ١/ ٣٠٨، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٥٣، وابن عدي ٤/ ٣٠ - ٣١، والدارقطني ١/ ٢٨٠، والحاكم ٤/ ٣٣٤ - وسكت عليه- وابن حزم في «الأحكام» ٢٤١/ ٤، والبيهقي ٣/ ٦٩، الخطيب ٨/ ٤١٥ و١١/ ٤٥ - ٤٦.
قال البيهقي: كذلك رواه جماعة عن عليه وهو الربيع بن بدر، وهو ضعيف، والله أعلم. اهـ. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٨: إسناده ضعيف. وقال البوصيري في «الزوائد» (٣٢٣): هذا إسناد ضعيف لضعف رواته الربيع ووالده بدر. وقال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٠٤: إسناده ضعيف- وإن ذكره ابن السكن في «صحاحه»- الربيع بن بدر واهٍ، وأبوه وجده مجهولان، قاله الذهبي، وعجيب من =



حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١). وفي «الكامل» من حديث الحكم بن عمير مرفوعًا (٢)، ولا يصحان.
----------------
= الحاكم في إخراجه له في «مستدركه» لكنه سكت عنه فلم يصححه ولم يضعفه. اهـ.
وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨١: فيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وأبوه مجهول، وقال في «إتحاف المهرة» ١/ ٤٧ (١٢٢٤٧): هو ضعيف لضعف الربيع، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٤٨٩).
(١) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٨١. قال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٥٠: إسناده ضعيف؛ فيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي الواهي، قال البخاري تركوه. اهـ. وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨٢: فيه عثمان بن عبد الرحمن وهو متروك. وقال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩: إسناده واه جدًّا.
(٢) و«الكامل» ٦/ ٤٤٠ وحديث الحكم بن عمير رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٤١٥، والبغوي في «معجم الصحابة» ٢/ ١٠٧ (٤٨٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ١٣٨.
قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٣٤٢: رواه عيسى بن إبراهيم بن طهمان وهو منكر الحديث، ضعيف عندهم، والحديث في إسناده أيضًا بقية بن الوليد، لذا تعقبه ابن القطان في «البيان» ٣/ ٩٨ فقال: وموسى هذا ضعيف، وبقية من قد علمت حاله في رواية المنكرات، فما ينبغي أن يحمل فيه على عيسى، وقد اكتنفه ضعيفان من فوق ومن أسفل. وقال المصنف في «البدر» ٧/ ٢٠٥: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢، وقال في «التلخيص» ٣/ ٨٢: إسناده واهٍ، وكذا ضعفه الألباني في «الإرواء» ٢/ ٢٤٩.
والحديث رواه أيضًا أحمد ٥/ ٢٥٤، ٥/ ٢٦٩، والطبراني ٨/ ٢١٢ (٧٨٥٧) من حديث أبي أمامة أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه، فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله - ﷺ -:»هذان جماعة«.
قال الحافظ ابن رجب في»الفتح«٦/ ٣٨: في إسناده ضعف، وقال المصنف في»البدر«٧/ ٢٠٦: سنده واهٍ جدًّا، وقال في»التلخيص«٣/ ٨٢: هذا عندي أمثل طرق هذا الحديث؛ لشهرة رجاله، وإن كان ضعيفًا، وقال الألباني في»الإرواء«٢/ ٢٤٩: سنده واهٍ.
ورواه الطبراني في»مسند الشاميين" ٢/ ٣٩ (٨٧٧)، وابن عدي ٨/ ١٤، وابن =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:03 AM   #170

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 441 الى صـــ 460
الحلقة (170)




قال ابن حزم: حديث لا يصح (١)، وقال في «الإحكام»: خبر ساقط (٢). لا جرم اكتفي عنه البخاري بحديث مالك ونبه في الترجمة عليه (٣).
---------------
= حزم في «الإحكام» ٤/ ٤٢١ بإسناد آخر عن أبي أمامة، باللفظ الأول. قال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٤٥: رواه أحمد والطبراني، وله طرق كلها ضعيفة. وضعفه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٢.
(١) «الإحكام» ٤/ ٤٢١.
(٢) «الإحكام» ٤/ ٤٢٢.
(٣) انظر: «هدي الساري» ص ١٤.



٣٦ - باب مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفَضْلِ المَسَاجِدِ
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلَاةُ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٢/ ١٤٢]

٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٢/ ١٤٣]

٦٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا». قَالَ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه ثلائة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ» … الحديث.


هذا الحديث سلف في باب: الحدث في المسجد. بعضه (١)، وزاد هنا: «ولا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة»، والحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، يريد المصلين والمنتظرين الصلاة، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البر كلها.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ثنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ -عز وجل-، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ -عز وجل-. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمً شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
يحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص العمري، وخبيب بضم الخاء المعجمة، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أوائل الزكاة، عن يحيى بن خبيب، عن مالك، عن خبيب (٢)

---------------
(١) سلف برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين. وإسناده: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص.



والمحاربين، عن محمد بن سلام، أنا عبد الله بن المبارك، عن عبيد الله بن عمر عن خبيب به (١) وأخرجه في الرقاق أيضًا (٢).
وأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي من حديث معن عن مالك به، إلا أنه قال: عن أبي هريرة أو أبي سعيد، ثم قال: كذا روى غير واحد عن مالك وشك فيه، وعبيد الله لم يشك وقال: نحو حديث مالك بمعناه إلا أنه قال: بالمساجد (٣).
وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن مالك قال فيه: أو أبي سعيد إلا أبا قرة ومصعبًا، فإنهما قالا عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك، ورواه الوقار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك، عن أبي سعيد وجده، ولم يتابع (٤).
قلت: وفي «غرائب مالك» للدارقطني: رواية أبي معاذ عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، أو عنهما جميعًا أنهما قالا: فذكره.
ومعنى «يظلهم»: يسترهم في ستره ورحمته، تقول العرب: أنا في ظل فلان. أي: في ستره وكنفه، وتسمي العرب الليل: ظلًا؛ لبرده وروحه، وإضافة الظل إلى الرب تعالى إضافة ملك، وكل ظل نهو لله تعالى، وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا: ظل العرش، كما جاء في حديث آخر مبينًا (٥).

-------------------
(١) سيأتي برقم (٦٨٠٦) كتاب: الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٩) باب: البكاء من خشية الله.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، «سنن الترمذي» (٢٣٩١) كتاب الزهد، باب: ما جاء في الحب في الله.
(٤) «التمهيد» ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٥) رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ٦٣ (٩١٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٢٢٧ (٧٩٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من حديث أبي هريرة.



والمراد: يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس، واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش.
قال القاضي: وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها، والكون فيها، قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وقال ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكف عن المكاره في ذلك الوقت، وليس المراد: ظل الشمس. قال القاضي: وما قاله معلوم في اللسان يقال: فلان في ظل فلان أي: في كنفه وحمايته قال: وهذا أولى الأقوال، وتكون إضافته إلى العرش؛ لأنه مكان التقريب والكرامة، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله (١).
وكذا قال ابن أبي جمرة -رحمه الله-: معنى يظلهم بظله: أنه ﷻ يعافيهم من هول ذلك اليوم العظيم وحره بظله المديد ورحمته الواسعة، والكيفية لا مجال للعقل في ذلك؛ لأن الآخرة نصدق بهما ولا نتعرض إلى كيفيتها (٢).
الثاني:
بدأ بالإمام العادل؛ لكثرة مصالحه وعموم نفعه، والمراد به كما قال القاضي: كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام (٣)، وكل من حكم بين اثنين فما فوقهما؛ لقوله - عليه السلام -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٤).

-------------------
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٢) «بهجة النفوس» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٢.
(٤) سيأتي برقم (٨٩٣) كتاب: الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن.



وروى عبد الله بن عمر مرفوعًا: «المقسطون يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن -عز وجل- الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا» (١). وروي: «الإمام العدل» (٢) وهو صحيح أيضًا. قال ابن عبد البر: أكثر رواة «الموطأ»: عادل. وقد رواه بعضهم: عدل، وهو المختار عند أهل اللغة يقال: رجل عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل، يقال: عدل فهو عادل، كما يقال: ضرب فهو ضارب (٣).
وقال ابن الأثير: العدل: هو الذي لا يميل به الهوى، فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سُمي به فوضع موضعه، وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا (٤).
قال ابن عباس: ما أخفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الربا في قوم إلا سلط الله عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر (٥)، والإمام العادل يصلح الله به هذا كله وتدفع به العقوبة، ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء من إمام عادل.

----------------
(١) رواه مسلم برقم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل. والنسائي ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢ كتاب: آداب القضاة. والآجري في «الشريعة» (٧٤٧) باب: الإيمان بأن لله -عز وجل- يدين وكلتا يديه يمين. والبيهقى في «الأسماء والصفات» ٢/ ١٤٠ (٧٠٧) باب: ما ذكر في اليمين والكف.
(٢) رواه البيهقي ٤/ ١٩٠ (٧٨٣٦) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح.
(٣) «التمهيد» ٢/ ٢٧٩.
(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ١٩٠.
(٥) في الأصل: إمام جائز.



الثالث:
قوله: وشاب نشأ في عبادة ربه -عز وجل-، وفي بعض نسخ مسلم: بعبادة ربه، والمعنى: نشأ متلبسًا للعبادة أو مصاحبًا لها أو ملتصقًا بها.
ونشأ: نبت وابتدأ أي: لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة» (١).
وإنما كان ذلك، لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة، فالشباب شعبة الجنون، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجاثية: ٢١] وفيه فضل من سلم من الذنوب وشغل بطاعة ربه طول عمره، وقد يحتج به من قال إن الملك أفضل من البشر؛ لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
وقيل لابن عباس: رجل كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة، قال: لا أعدل بالسلامة شيئًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢) [النجم: ٣٢].
الرابع:
قوله: «ورجل قلبه معلق في المساجد»، وفي مسلم: بالمساجد (٣)،

------------------
(١) رواه أحمد ٤/ ١٥١. وابن أبي عاصم في «السنة» ١/ ٢٥٠ (٥٧١). وأبو يعلى ٣/ ٢٨١ (١٧٤٩). والطبراني ١٧/ ٣٠٩. والشهاب في «مسنده» ١/ ٣٣٦ (٥٧٦).
وذكره الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٦٩. وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن. وذكره الألباني في «الصحيحة» برقم (٢٨٤٣) مصححًا.
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ٢٢ (٦٦)، وهناد في «الزهد» ٢/ ٤٥٤ (٩٠٢)، وابن أبي شيبة ٧/ ١٤٩ (٣٤٧٧٦)، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٤٦٧ (٧٣٠٩).
(٣) برقم (١٠٣١) كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة.



وكلاهما صحيح أي: شديد المحبة لها وملازمة الجماعة فيها، ومعناه: دوام القعود فيها للصلاة والذكر والقراءة، وهذا إنما يكون من استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغفه بها، وحصل له هذِه المرتبة؛ لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر فكيف بأكرم الكرماء؟!
الخامس:
قوله: «ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي: اجتمعا على حب الله وتفرقا على حبه، وكان سبب اجتماعهما حب الله واستمرارهما على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه في الله حال اجتماعهما وافتراقهما.
وفيه: الحث على مثل ذلك وبيان عظيم فضله، وهو من المهمات، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعده مالك من الفرائض، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا «أن ذلك من أوثق عرى الإيمان» (١)، وروى ثابت عن أنس رفعه: ما تحابا رجلان

---------------
(١) حديث البراء رواه أحمد ٤/ ٢٨٦، والطيالسي في «مسنده» ٢/ ١١٠ (٧٨٣)، والروياني في «مسنده» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ (٣٩٩). وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٨٩ ثم قال: رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٠٣٠).
أما حديث ابن مسعود فرواه الطيالسي ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ (٣٧٦)، والطبراني ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١ (١٠٥٣١)، وفي «الأوسط» ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧ (٤٤٧٩)، وفي «الصغير» ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤ (٦٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٨٠، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي معقبًا: ليس بصحيح؛ فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري، والبيهقي ١٠/ ٢٣٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٩٠ (٣٠٩)، فيه عُقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث.



في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه (١).
وروى أبو رزين قال لي النبي - ﷺ -: «يا أبا رزين، إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار أخاه في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله» (٢).
ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمّن الملك على دعائه، رواه أبو الدرداء مرفوعًا (٣).

--------------------
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» ص ١٨٧ (٥٤٤)، باب: إذا أحب الرجل أخاه فليعلمه، وأبو داود الطيالسي ٣/ ٥٣٤ (٢١٦٦). والبزار كما في «كشف الأستار» ٤/ ٢٣١ (٣٦٠٠)، وصححه ابن حبان ٢/ ٣٢٥ (٥٦٦) والطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٩٢ (٢٨٩٩) ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عبد الله بن الزبير.
وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٥ وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ١٤٣ (٣٤١٩) والحاكم ٤/ ١٧١، والبيهقي في «الآداب» ص ٧١ (٢١٣)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٩٧. والخطيب في «تاريخه» ١١/ ١٣٤، والبغوي في «شرح السنة» ١٣/ ٥٢ (٣٤٦٦). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٧٦: رواه الطبراني في «الأوسط». وأبو يعلى والبزار بنحوه ورجال أبي يعلى والبزار رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة وقد وثقه غير واحد على ضعف فيه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٥٠).
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٧٦ - ١٧٧ (٨٣٢٠) من طريق عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبد الله بن ثلاثة، عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن مالك ابن يخامر، عن لقيط بن عامر أبي رزين العقيلي قال: … فذكره مرفوعًا.
قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٧٣: فيه عمرو بن الحصين، وهو متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٣٨٦): ضعيف جدًّا.
ورواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣ (٩٠٢٤) من طريق عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي رزين … بنحوه. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٦٦٤): ضعيف.
(٣) رواه عنه مسلم برقم (٢٧٣٣)، وأبو داود (١٥٣٤)، وابن ماجه (٢٨٩٥)، وأحمد ٥/ ١٩٥، وابن حبان ٣/ ٢٦٨ (٩٨٩).



السادس: قوله: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله». فهو رجل عصمه الله ومنَّ عليه بفضله حتى خافه بالغيب فترك ما يهوى كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فتفضل الله على عباده بالتوفيق والعصمة، وأثابهم على ذلك.
روى أبو معمر، عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار: إن في الجنة لدار درة فوق درة ولؤلؤة فوق لؤلؤة فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم في نفسه، قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيعرض له فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه (١).
وقوله: «إني أخاف الله»: يحتمل كما قال القاضي: أن يقول ذلك بلسانه، ويحتمل أن يقوله بقلبه؛ ليزجر نفسه، وخص المنصب والجمال؛ لكثرة الرغبة فيهما وعسر حصولهما لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك قد أغنت عن مشاق التوصل، فالصبر عليها لخوف الله تعالى من أكمل المروءات وأعظم الطاعات، وذات المنصب هي ذات الحسب والنسب الشريف.
ومعنى «دعته»: أي: إلى الزنا بها، ويحتمل كما قال القاضي: أنها دعته إلى نكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها، أو أن الخوف من الله شغله عن لذات الدنيا وشهواتها، والصواب الأول (٢).

--------------------
(١) رواه هناد في «الزهد» ١/ ١٠٤ (١٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٨٠.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣.



السابع:
قوله: «ورجل تصدق بصدفة أخفي حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». كذا هو في البخاري و«الموطأ» (١)، وهو وجه الكلام؛ لأن المعروف في اللغة: فعلها باليمين، وجاء في مسلم في جميع نسخه ورواياته على العكس: «لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» (٢).
قال القاضي: ويشبه أن يكون الوهم في ذلك ممن أخذ عن مسلم لا من مسلم (٣).
قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الواجبة فإعلانها أفضل؛ ليُقتدى به

------------------
(١) «الموطأ» ٢/ ١٣١ - ١٣٢ (٢٠٠٥).
(٢) مسلم (١٠٣١).
(٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٣. وهذا نوع من أنواع علوم الحديث يسمى: المقلوب وهو أن يقع تقديم وتأخير في سند الحديث أو متنه، فهو نوعان؛ مقلوب السند: ومقلوب المتن.
أما مقلوب السند فله صورتان، الأولى: أن يكون هناك مثلًا حديث مشهور عن سالم فيجعله راوٍ عن نافع ليرغب فيه، وهذا الذي يطلق على من يفعله أنه يسرق الحديث أو يوصله، وممن كان يفعل ذلك حماد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي.
الصورة الثانية: أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم راوٍ واسم أبيه، كحديث يرويه سعد بن معاذ فيقلبه بعضهم إلى معاذ بن سعد.
وأما مقلوب المتن فمن صوره حديث مسلم هذا وهو أن يقوم بعض الراوة بتقديم وتأخير في متن الحديث.
انظر: «علوم الحديث» ص ١٠١ - ١٠٢، «المقنع» ١/ ٢٤١ - ٢٤٣، «نزهة النظر» ص ٦٧ - ٦٨ ط. دار عمار، «تدريب الراوي» ١/ ٣٦٨ - ٣٧٣، وانظر: «الفتح» ٢/ ١٤٦.



في ذلك وتظهر دعائم للإسلام، وهكذا حكم الصوم وإعلان فرائضها أفضل وإسرار نوافلها أفضل. واختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما حكاه ابن التين.
وفي قوله: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»: مبالغة في إخفائها، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقيل: ذلك في الفريضة أيضًا، حكاه ابن التين.
قال القرطبي: وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك الإخفاء أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلًا درهمًا في شيء يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن (١).
وقيل: ذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء والاستتار بالصدقة، وضرب المثل بهما؛ لقرب اليمين من الشمال وملازمتها لها، ومعناه: لو قدرت الشمال رجلًا متيقظًا لما علم بالصدقة؛ لمبالغة الإخفاء، ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد من عين يمينه وشماله من الناس (٢).
ونقل ابن الجوزي عن قوم: لا يرائي بنفقته فلا يكتبها صاحب الشمال، ومنه: قصد الصدقة باليمين؛ لأن الصدقة يراد بها وجه الله استحب لها أن تناول بأشرف الأعضاء وأفضل الجوارح.
الثامن:
قوله: («ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»). فيه: فضيلة البكاء

----------------
(١) «المفهم» ٣/ ٧٧.
(٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٦٤.



من خشية الله تعالى وفضل طاعة السر؛ لكمال الإخلاص، وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما يتكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه من خوف، وإن انكشف جلاله وجماله فبكاؤه من محبة وشوق، وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ومن ذكره لم يعذبه؛ لأنه يعلم من يموت على الهدى وضده، ولا يذكر إلا من يموت على الهدى، قاله الداودي.
وفي اشتراط الخلوة بذلك حض وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلوته للندم على ذنوبه، ويفزع إلى الله تعالى بإخلاص من قلبه، ويتضرع إليه في غفرانها، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وأن لا يجعل خلوته كلها في لذاته كفعل البهائم التي قد أمنت الحساب في المساءلة عن الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق، فينبغي لمن لم يأمن ذلك، وأيقن أن يطول في الخلوة بكاؤه ويتبرم بجنانه، وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه. وروى أبو هريرة مرفوعًا: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع» (١).
وروى أبو عمران عن أبي الجلد قال: قرأت في مسالة داود - عليه السلام - ربه تعالى: يا إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه، قال: أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع (٢).

--------------
(١) رواه الترمذي (١٦٣٣) كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، وأحمد ٢/ ٥٠٥ والحاكم ٤/ ٢٦٠، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٠)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٣٣٣).
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ١٦٤ (٤٧٧)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٥٦ - ٥٧.



وقوله: («ففاضت عيناه») هو من قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية [المائدة: ٨٣].
وقوله: («ذكر الله خاليًا»): كذا في الأصول، وذكره ابن بطال وابن التين في كتاب المحاربين بلفظ: «في خلاء» (١) قال ابن التين: وهو ممدود.
قال أبو عمر: هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأصحها -إن شاء الله- لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله تعالى يوم القيامة لم ينل هول الموقف، والظل في الحديث يراد به الرحمة، والله اعلم. ومن رحمته الجنة، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الآية: [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ الآية [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ الآية [المرسلات: ٤١] (٢).

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٨/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٢) «التمهيد» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣. وتأويل الحافظ ابن عبد البر هنا بالرحمة، وإقرار المصنف -رحمه الله- له بسكوته، فيه نظر؛ وذلك لأن هذا من باب صرف الألفاظ عن معناها الحقيقي وتحميل النصوص ما لا تحتمله، والمعنى هنا -كما ذكره المصنف آنفًا- هو ظل العرش. كما ورد في بعض روايات هذا الحديث. وكما ورد في أحاديث أخر، وهو أحد الوجوه. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين -قدس الله روحه- في «شرح رياض الصالحين» ١/ ٧٣٥: قوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ضل فيها كثير من الجهال؛ حيث توهموا -جهلًا منهم- أن هذا ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته جلا وعلا وهذا فهم خاطئ منكر، فإن هذا يقتضى أن تكون الشمس فوق الله -عز وجل-، وهذا شيء منكر لا أحد يقول به من أهل السنة، والواجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه وألا يتكلم -لاسيما في باب الصفات- إلا بما يعلم من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فالظل هنا يعني أن الله يخلق ظلًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا. اهـ بتصرف.
وقال نحو من هذا الكلام أيضًا في المصدر نفسه ١/ ٧٨٢ - ٧٨٣، ١/ ٩٥٠. ط. دار السلام. فليراجع.



٣٧ - باب فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ
٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». [مسلم ٦٦٩ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أو رَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، «وغدا»: خرج مبكرًا، «وراح»: رجع بعشي، وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا، وهذا الحديث يصلح أن يحمل على الأصل وعلى التوسع به.
قال ابن سيده: الرواح: العشي (٢)، وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل.
وقال الجوهري: الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت (٣).
وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة (٤). وقال الجوهري: الغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدو: نقيض الرواح (٥).
وقال ابن قرقول بعد أن قرر أن الغدو من أول النهار إلى الزوال: كما أن الروحة بعدها.
وقيل: الغدوة بالضم: من الصبح إلى طلوع الشمس، وقد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار.

-------------------
(١) مسلم (٦٦٩) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٩٣.
(٣) «الصحاح» ١/ ٣٦٨.
(٤) «المحكم» ٦/ ٢٩.
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٤٤٤.



ومعنى الحديث: سار بالغدو، والغاديات: الرائحات.
وقوله: «كلما غدا أو راح» أي: تكمل غدوة أو روحة، ومعنى أعدّ هيّأ، والنزل بضم النون والزاي: ما يهيأ للضيف من الكرامة، وفيه الحض على شهود الجماعات ومواظبة المساجد للصلوات؛ لأنه إذا أعد الله له نزله في الجنة بالغدو والرواح، فما ظنك بما يُعد له ويتفضل عليه بالصلاة في الجماعة واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى؟


٣٨ - باب إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ
٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا». تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذٌ عَنْ شُعْبَةَ فِي مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ. [مسلم: ٧١١ - فتح: ٢/ ١٤٨]
ذكر فيه من حديث إِبرَاهِيمَ بْنِ سَعدِ، عن أَبِيهِ، عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بن بُحَينَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلِ.
وبإسناده إلى شُعْبَةَ: أَخبَرَنِي سَعدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عن حَفْصَ بن عَاصِمٍ: سَمِعتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابن بُحَينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
«آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! آلصُّبْحَ أَرْبَعًا؟!». تَابَعَهُ غُنْدَرُ وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ عن مَالِكٍ.
وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن بُحَينَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ.
الشرح:
هذا التبويب الذي بوب له هو لفظ حديث صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» وأصحاب السنن الأربعة من حديث عمرو بن دينار، عن عطاء


ابن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا به سواء (١).
وفي رواية لابن حبان في «صحيحه»: «إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢)، قال الترمذي: كذا روى أيوب وورقاء وزياد وإسماعيل بن مسلم وابن جحادة عن عمرو، ورواه حماد بن زيد وابن عيينة عن عمرو فلم يرفعاه، والمرفوع أصح (٣).
قال البيهقي: وممن رفعه عن عمرو أيضًا محمد بن مسلم الطائفي وأبان ابن يزيد، ورواه مسلم بن خالد عن عمرو مسندًا بزيادة: فقيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: «ولا ركعتي الفجر» (٤). وقال ابن عدي: لا أعلم ذكر هذِه الزيادة غير يحيى بن نصر بن حاجب عن مسلم (٥).

------------------
(١) رواه مسلم برقم (٧١٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦) كتاب: الصلاة، باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، والترمذي (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والنسائي ٢/ ١١٦ كتاب: الإمامة، باب: ما يكره من الصلاة عند الاقامة. وابن ماجه (١١٥١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: «إذا أقيمت الصلاة …».
فائدة: قال الحافظ: وكثيرًا ما يترجم البخاري بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي. اهـ. «هدي الساري» ص ١٤.
قلت: وهذا ما وضعه البخاري هنا، فأورد لفظ الحديث في الباب، وروى حديثًا آخر، وذلك كي يعطي الفائدة.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٢١٩٠) كتاب الصلاة، باب فرض متابعة الإمام.
(٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٤٢١).
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٩/ ١١٢، ومن طريقه البيهقي ٢/ ٤٨٣، قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٤٩: إسناده حسن.
(٥) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١١٢ ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب (٢١٤٦)، ونقل كلامه هذا البيهقي ٢/ ٤٨٣.



قال البيهقي: وقد قيل عن أحمد بن سيار عن نصر بن حاجب وهو وهم، ونصر ليس بالقوي، ويحيى ابنه كذلك (١).
ثم الحديث الذي ذكره البخاري من طريق عبد الله ابن بحينة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأغرب الحاكم فاستدركه (٣)، ولمسلم مثله من حديث عبد الله بن سرجس (٤)، وللبيهقي من حديث ابن عباس (٥).
وقوله: عن مالك: ما هو وهم فيه شعبة وغيره على سعد بن إبراهيم، والصواب فيه رواية ابن إسحاق وأبي عوانة وإبراهيم بن سعد، عن سعد، عن حفص، عن عبد الله أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة (٦)، وابن ماجه عن محمد بن عثمان، عن إبراهيم (٧). ورواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص، عن عبد الله بن مالك، عن أبيه (٨).

---------------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٣ كتاب: الصلاة، باب: كراهية الاشتغال لهما بعد ما أقيمت الصلاة.
وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٢٨٤: وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو تكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان واحتج به في «صحيحه»، قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٢٢٥: قلت: ولكن هذِه الزيادة صحيحة المعنى وإن كانت ضعيفة المبنى، فقد جاءت كثيرة صريحة في النهي عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة.
(٢) «صحيح مسلم» (٧١١).
(٣) «المستدرك» ٣/ ٤٣٠.
(٤) مسلم (٧١٢).
(٥) «سنن البيهقي الكبرى» ٢/ ٤٨٢.
(٦) مسلم (٧١١/ ٦٦)، «سنن النسائي» ٢/ ١١٧.
(٧) ابن ماجه (١١٥٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في: إذا أقيمت.
(٨) رواه مسلم عنه (٧١١) كتاب: الصلاة، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن.



قال مسلم: وهو خطأ (١)، قلتُ: وروى له النسائي أيضًا حديثًا آخر أنه صلى مع النبي - ﷺ - فقال في الشفع من حديث شعبة، عن عبد ربه، عن محمد بن يحيى، عن مالك، ثم قال: وهو خطأ، والصواب: عبد الله ابن مالك (٢).
وقال ابن عساكر في ترجمة مالك ابن بحينة عن النبي - ﷺ -: إنها وهم.
قلتُ: وزعم ابن الأثير أن مالكًا له صحبة أيضًا (٣)، (قلت: أنكرها الدمياطي بخطه في البخاري، فقال على حاشيته: ليس لمالك هذا رؤية، ولا صحبة، ولا إسلام، وإنما ذلك لولده عبد الله) (٤)، والرجل المذكور في الحديث: هو عبد الله بن مالك بن القشب، وهو جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي راوي الحديث (٥)، وبحينة: أمه صحابية، واسمها كما قال ابن سعد: عبدة بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف لها صحبة (٦).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: أنها أم أبيه (٧)، وقال النسائي: من قال: مالك ابن بحينة فقد أخطأ، والصواب: عبد الله بن مالك ابن بحينة، بيّن

-----------------
(١) مسلم (٧١١).
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ٢٠٨١ (٥٩٦) كتاب: السهو، باب: ما يفعل من قام من اثنتين من الصلاة ولم يتشهد.
(٣) انظر: «أسد الغابة» ٥/ ١٣ - ١٤ ترجمة (٤٥٦٤).
(٤) ذكر فوق العبارة علامة السقط: لا … إلى.
(٥) انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٣/ ١٠٦ (١٦٦٤)، «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٧٥ (٣١٥٨)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٥٠٨ (٣٥١٧)، «الإصابة» ٢/ ٣٦٤ (٤٩٢٨).
(٦) «طبقات ابن سعد» ٨/ ٢٢٨.
(٧) «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٧٦ (١٧٥٠). =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:05 AM   #171

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 461 الى صـــ 480
الحلقة (171)






ذلك في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى صلاة الصبح ومعه بلال، فأقام الصلاة فمر بي وأنا أصلي، فضرب منكبي وقال: «تصلي الصبح أربعًا؟» (١).
إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة: هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟
فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر، واحتجوا بهذا الحديث، رُوي ذلك عن ابن عمر (٢) وأبي هريرة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وعروة بن الزبير، وابن سيرين (٥)،

----------------
= وانظر تمام ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٣٥٥ (٣٢٨٣)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٥ (٦٧٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٢٤٩ (١٥٩).
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ١١٧، لكن عقب حديث ابن بحينة في الشفع، وليس الحديث الذي أشار إليه المصنف، وانما الذي عند النسائي في الحديث المشار إليه من طريق سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة. وطريق محمد بن جعفر التي أشار إليها المصنف أخرجها أحمد ٥/ ٣٤٦، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٣، وأظن أن المصنف ذهل في عزو هذا القول للنسائي ولعله يقصد البيهقي كما وجدته في «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٢، فإن المزي لم يشر إلى هذِه الطريق كما في «التحفة» ٦/ ٤٧٦، ٨/ ٣٣٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٤٠ (٤٠٠٥)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٣٠.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٣٦ (٣٩٨٧)، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٢٣٠.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٣٧ (٣٩٩٣).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١ (٤٠٠٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٥٧ (٦٤٢٣).



وإبراهيم، وعطاء (١)، والشافعى (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والطبري (٣).
وقالت طائفة: لا بأس أن يصليها خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٤) والأوزاعي، إلا أن الأوزاعي أجاز أن يوقعهما في المسجد ورخص (٥)، وحكاه القرطبي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود (٦).
وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما (٧)، وإلا صلاهما في المسجد، وهو قول لمالك (٨).
وذهب بعض الظاهرية أنه يقطع صلاته إذا أقيمت الصلاة (٩).
قال ابن حزم: فلو تعمد تركها إلى أن تقام الصلاة فلا سبيل إلى قضائها؛ لأن وقتها خرج (١٠).
ونقل القرطبي عن جمهور العلماء من السلف وغيرهم منعهما إذا دخلا والإمام في الصلاة (١١).

-------------------
(١) انظر: «الأوسط» ٥/ ٢٣١.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٥٥٠.
(٣) انظر: «المغني» ٢/ ١١٩.
(٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٨٦.
(٥) انظر: «التمهيد» ٤/ ٢٠٨.
(٦) «المفهم» ٢/ ٣٥٠.
(٧) انظر: «التمهيد» ٤/ ٢٠٨.
(٨) انظر: «المدونة» ١/ ١١٨.
(٩) انظر: «المحلى» ٣/ ١٠٤.
(١٠) نفسه ٣/ ١١٤.
(١١) المصدر السابق.



وحُكي عن مالك اعتبار خشية فوت الركعة الأخيرة (١).
وقيل: يصلي وإن فاتته صلاة الإمام إذا كان الوقت واسعًا؛ قاله (ابن) (٢) الجلاب (٣)، واستدل من كره ذلك بهذا الحديث وبحديث الباب الذي أسلفناه أولًا.
قال ابن حزم: أعله بعضهم بأن قال: عمرو بن دينار قد اضطرب عليه في هذا الحديث، فرواه عنه ابن عيينة والحمادان فأوقفوه على أبي هريرة (٤).
قال ابن بطال: فلذلك ثركه البخاري، ثم أجاب بأن ابن جريج وأيوب وزكريا بن إسحاق أسندوه (٥). والذي أسنده من طريق حماد بن سلمة أوثق وأضبط من الذي أوقفه عنه، وأيوب لو انفرد لكان حجة على جميعهم، وكان عمرو بن دينار رواه عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، ورواه عن عطاء عن أبي هريرة أنه أفتى به، وبحديث عبد الله بن سرجس السالف، وفي آخره: فقال لى: «يا فلان: أيتهما صلاتك، التي صليت وحدك أو التي صليت معنا؟» (٦) وبحديث ابن عباس السالف أيضًا، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا في «صحيحه» بلفظ:

------------------
(١) انظر «بداية المجتهد» ١/ ٣٩٥.
(٢) في الأصل: (في) خطأ.
(٣) «التفريع» ١/ ٢٦٨.
(٤) «المحلي» ٣/ ١٠٨.
(٥) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٦) الحديث بهذا اللفظ، رواه أبو داود (١٢٦٥)، وابن خزيمة ٢/ ١٧٠ (١١٢٥) وقال: هذا لفظ حماد بن زيد، والحديث أخرجه مسلم (٧١٢) كتاب: الصلاة، باب: كراهية الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن بلفظ: «يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟»



كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فحدثني النبي - ﷺ - وقال: «تصلى الصبح أربعًا؟» (١) وله عن أنس نحوه (٢).
وما رُوي عن ابن عباس أنه - عليه االسلام - كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة واهٍ، كما نبه عليه ابن القطان (٣)، وفيه مع ذلك آثار عن السلف أيضًا، ومنهم ابن عمر وأنه حصب من فعل ذلك (٤).
وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر» (٥) واه.
قال البيهقي: لا أصل لهذِه الزيادة (٦)، ثم أوضحه، وبمقتضاه فعله جماعة من الصحابة.
وادعى الطحاوي أن الذي كرهه - عليه السلام - لابن بحينة وصله إياها بالفريضة في مكان واحد دون فصل بينهما (٧)، وحمله مالك على من

------------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (١١٢٤).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١٧٠ - ١٧١ (١١٢٦) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن أن يصلي ركعتي الفجر بعد الإقامة.
(٣) «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٣/ ٣٥٧ (١١٠٣). وانظر: «الأحكام الوسطى» ١/ ٣٥٩ والحديث أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٢٨، وقال: وأظن أن البلاء في هذِه الرواية من محمد بن الفضل، فإنه تقبل بسالم الأفطس لابن سلام.
(٤) رواه البيهقي في «سننه» ٢/ ٤٨٣ أن ابن عمر أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا. وقال البيهقي: موقوف.
(٥) روى هذا الحديث بهذِه الزيادة البيهقي ٢/ ٤٨٣ كتاب: الصلاة، باب: كراهية الاشتغال بهما بعدما أقيمت الصلاة. وقال: حجاج وعباد ضعيفان، ويروى عن حجاج أيضًا لكن فيه مجاهد بدل عطاء، وليس بشيء.
(٦) «سنن البيهقي» ٢/ ٤٨٣.
(٧) «شرح معاني الآثار» ١/ ٣٧٣.



اشتغل بنافلة عن فريضة، ولو كان فيمن اشتغل بفريضة عن نافلة أمره بقطع الصلاة، وأجمعوا أن من عليه صلاة الظهر فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصرأنه لا يقطع صلاته ويكملها.
قال مالك: ومن أحرم بفريضة في المسجد فأقيمت عليه تلك الفريضة، فإن لم يركع قطع بسلام ودخل مع الإمام، وإن ركع صلى ثانية وسلم ودخل مع الإمام، وإن صلى ثالثة صلى رابعة، وإن كانت المغرب قطع ودخل مع الإمام عقد ركعة أم لا؟ وإن صلى اثنتين أتمهما ثلاثًا (١).
وقوله: لاث به الناس أي: اجتمعوا حوله وأحاطوا به.
قال صاحب «العين»: لاث الشجر والنبات: التف بعضه ببعض، وكل شيء اجتمع والتبس بعضه ببعض فهو لائث ولاث، ويقال أيضًا: ألاث بمعنى واحد، وفي «الصحاح»: الالتياث: الاختياط (٢).
وقال الكسائي: يقال للأشراف: إنهم لملاوث، أي: يطاف بهم ويلاث (٣).
الحديث الثالث: سئل أنس: هل اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا … الحديث، وقد سلف في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٤) (٥) (٦).

-----------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٨٧.
(٢) «الصحاح» ١/ ٢٩١.
(٣) انظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٠٩٤، «تاج العروس» ٣/ ٢٥٨ مادة: لوث.
(٤) برقم (٥٧٢) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٨ من ٣ من تجزئة المصنف.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين؛ كتبه مؤلفه.



٣٩ - باب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ
٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: الأَسْوَدُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ مَكَانَكَ. ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ. قِيلَ لِلأَعْمَشِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٥١]

٦٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِى مَنِ الرَّجُلُ الَّذِى لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٥٢]
هو بالحاء المهملة، كما ذكره ابن بطال وغيره أي: حد المريض وحرصه على شهود الجماعة، كما قال الفاروق في الصديق رضوان الله عليهما: وكنت أداري منه بعض الحد، يعني: بعض الحدة.
والمراد بالحديث الذي ساقه الحض على شهود الجماعة والمحافظة


عليها (١). وقال ابن التين: الذي ذكر أن حدًا بمعنى: حدة، ذكر عن الكسائي ويحتاج الكلام على تقديره إلى إضمار، قال: ويظهر لي أن يقال: جد بالجيم مكسورة، وهو الاجتهاد في الأمر أي: اجتهاد المريض في شهود الجماعة. قال: ولم أسمع أحدًا رواه بالجيم.
قلت: فذكره صاحب «المطالع» في باب الجيم والدال المهملة، ونقله عن القابسي وغيره، ونقل الحاء المهملة عن بعضهم.
ثم ذكر البخاري بإسناده حديث الأسود: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَضَهُ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» … الحديث.
ثم قال: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَش بَعْضَهُ. وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري قريبًا (٢)، وفي باب من أسمع الناس
تكبير الإمام (٣) وأخرجه مسلم أيضًا (٤)، ورواية أبي داود أسندها البزار عن محمد بن المثنى عنه، ولفظه: كان رسول الله - ﷺ - هو المقدم بين يدي أبي بكر، يعني: يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه، وزيادة أبي معاوية أسندها البخاري في باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس

------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٨٩.
(٢) سيأتي برقم (٦٦٥).
(٣) سيأتي برقم (٧١٢) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.



بالمأموم عن قتيبة عنه (١)، ورواه ابن حبان عن الحسن بن سفيان، عن ابن عمر، عنه بلفظ: فكان النبي - ﷺ - يصلي بالناس قاعدًا وأبو بكر قائمًا (٢).
ثم ذكر البخاري حديث عبيد الله بن عبد الله عن عائشة: لَمَّا ثَقُلَ رسول الله - ﷺ - وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ … الحديث.
وهذا سبق في الغسل من الطهارة (٣)، ويأتي في باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، من حديث أبي موسى (٤) وعائشة (٥)، وابن عمر (٦)، ومن طريق عائشة في باب، إنما جعل الإمام ليؤتم به (٧)، ويأتي في الهبة أيضًا (٨).
ثانيها:
المراد بالمواظبة: المداومة والمثابرة.
وقوله: فأذن أي: بالصلاة، كما جاء في رواية أخرى، وفي أخرى: وجاء بلال يؤذنه بالصلاة (٩)، وفي أخرى: إن هذِه الصلاة صلاة الظهر (١٠)، وفي مسلم: خرج لصلاة العصر، وفي أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر

---------------
(١) سيأتي برقم (٧١٣) كتاب: الأذان.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٩٠ (٢١٢١) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٣) بر قم (١٩٨) كتاب: الوضوء.
(٤) برقم (٦٧٨) كتاب: الأذان.
(٥) برقم (٦٧٩).
(٦) برقم (٦٨٢).
(٧) برقم (٦٨٧).
(٨) برقم (٢٥٨٨) باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها.
(٩) سيأتي برقم (٧١٢) كتاب: الأذان، باب: من أسمع الناس تكبير الإمام.
(١٠) سيأتي برقم (٦٨٧) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به.



تلك الصلاة فصلى بالناس، وقال: «يأبى الله ذلك والمسلمون» (١).
ثالثها:
قولها: فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف، القائل: هو عائشة كما جاء في بعض الروايات، والأسيف: سريع البكاء والحزن، والأسف عند العرب: شدة الحزن والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف: إذا اشتد حزنه، وهو رجل أسيف وأسوف، ومنه قول يعقوب: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٤] يعني: يا حزنًا ويا جزعًا توجعًا لفقده، وقيل: الأسيف: الضعيف من الرجال في بطشه، وأما الآسف: فهو الغضبان المتلهث، قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: من الآية ٨٦]. وفي بعض الروايات: أن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه (٢)، ترجم عليه باب إذ بكى الإمام في الصلاة (٣)، وفي أخرى: لم يسمع الناس من البكاء (٤).
رابعها:
قولها: وأعاد فأعادوا له. في البخاري في الإمامة: قالت عائشة: قلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر، أي: في الثانية، فلو أمرت عمر. فقال: مروا أبا بكر، فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا قط.
وقولها: فأعاد الثالثة: وفي رواية أخرى: فراجعته مرتين أو ثلاثة (٥).

-----------------
(١) أبو داود (٤٦٦٠) كتاب: السنة، باب: في استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -. قال الألباني: حسن صحيح.
(٢) مسلم (٩٤/ ٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس.
(٣) البخارى: كتاب: الأذان (٧١٦).
(٤) المصدر السابق.
(٥) مسلم (٤١٨/ ٩٤) كتاب: الأذان، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ....



في اجتهاد عائشة في أن لا يتقدم والدها وجهان:
أحدهما: ما هو مذكور في بعض طرقه، (قالت) (١): وما حملني
على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس من بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، وأني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر (٢).
ثانيهما: أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة، فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله - ﷺ - بخلاف غيره.
خامسها:
قوله: «إنكن صواحب يوسف» أي: في ترادهن وتظاهرهن والإغراء والإلحاح كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف - عليه السلام - ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام، وصواحبات جمع صاحبة وهو جمع شاذ، وقيل: يريد امرأة العزيز وأتى بلفظ الجمع كما يقال: فلان يميل إلى النساء، وإن كان مال إلى واحدة، ذكره ابن التين.
سادسها:
قولها: فخرج يهادى بين رجلين أي: يمشي عليهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، هذا موضوعه في اللغة، وبه صرح الجوهري (٣)، وظاهر قوله: كأني انظر إلى رجليه يخطان: أنهما كانا يحملانه، وهذان الرجلان العباس وعلي، كما ذكره في الحديث الذي بعده، وسلف في الطهارة (٤). وفي رواية لابن حبان في «صحيحه» أنه خرج

-----------------
(١) في (ج): قلت: وما ذكرناه كما ذكر في الحديث وهو ما يقتضيه السياق.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٤٥) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٥٣٤.
(٤) سبق برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء في المخضب.



إلى الصلاة بين بريرة ونوبة (١) أي: بالنون والباء الموحدة وهو عبد أسود، كما قاله سيف في كتاب الردة وفي مسلم: ويده على الفضل، والأخرى على رجل آخر (٢)، وفي الدارقطني: بين أسامة والفضل (٣)، فلعل ذلك كان نوبًا مرة هذا ومرة هذا، وبريرة ونوبة من البيت إلى الباب والباقي خارج الباب، وإن كان مسافة ما بين الحجرة والصلاة ليست بعيدة؛ لالتماس البركة وزيادة الإكرام، والعباس ألزمهم ليده وغيره يتناوب، فاقتصرت عائشة عليه لذلك، وهذا أولى من قول من قال: إنما لم يذكر الآخر وهو علي لشيء كان بينهما أو كان ذلك ليس حالة واحدة كما ستعلمه.
سابعها:
معنى أومأ: أشار، واختلفت الروايات هل كان الإمام النبي - ﷺ - أو الصديق؟ فرواية عائشة قد علمتها أن الصديق كان يقتدي بالنبي - ﷺ - والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، وفي أخرى: وأبو بكر يسمعهم التكبير.
وفي الترمذي من حديث جابر مصححًا: أن آخر صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - في ثوب واحد متوشحًا به خلف أبي بكر (٤) ونصر هذا

-------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (٢١١٨) كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٢) مسلم (٤١٨/ ٩١).
(٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٠٢ كتاب: الصلاة، باب: الإمام يسبق المأمومين ببعض الصلاة، موقوف على الحسن.
(٤) لم أقف على هذا الحديث عند الترمذي من رواية جابر وإنما الذي عنده الترمذي من رواية أنس برقم (٣٦٣) وحديث جابر رواه مسلم بنحوه (٥١٨) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد ولم يذكر فيه أنه صلى خلف أي بكر - رضي الله عنه -، وحديث أنس قد صححه الترمذي كما أشار المصنف وأخرجه النسائي ٢/ ٧٩، =



غير واحد من الحفاظ والقراء، منهم الضياء المقدسي وابن ناصر وقال: إنه صح وثبت أنه - عليه السلام - صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية، وقد أوضحت الكلام على ذلك في «شرح العمدة» (١). وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان (٢)، وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي - ﷺ - هو الإمام (٣).
واختلفت الرواية أيضًا: هل قعد رسول الله - ﷺ - عن يسار أبي بكر أو عن يمينه؟ وادّعى القرطبي أنه ليس في الصحيح ذكرًا لأحدهما (٤)، وقد أسلفنا ذلك عن البخاري أنه جلس عن يسار أبي بكر (٥).
ثامنها:
فيه تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصديق القرآن في حياته - عليه السلام - كما أبو بكر بن الطيب الباقلاني وأبو عمرو الداني، وسيأتي في الفضائل

---------------
= وأحمد ٣/ ١٥٩، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: ١/ ٤٠٦، وابن حبان في «صحيحه»٤/ ٤٩٦ (٢١٢٥)، والضياء في «المختارة» ٦/ ١٩ (١٩٧٠)، وقال ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٤٩٧: هذا الخبر ينفي الارتياب عن القلوب أن شيئًا من هذِه الأخبار يضاد ما عارضها في الظاهر ولا يتوهمن متوهم أن الجمع بين الأخبار على حسب ما جمعنا بينها في هذا النوع من أنواع السنن يضاد قول الشافعي رحمه الله … أهـ.
(١) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٧١ - ٥٧٢.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٨٨ كتاب: الصلاة، باب: فرض متابعة الإمام.
(٣) «التمهيد» ٦/ ١٤٥.
(٤) «المفهم» ٢/ ٥١.
(٥) روى البخاري جلوس رسول الله - ﷺ - عن يسار أبي بكر موقوفًا على أبي معاوية لحديث (٦٦٤) وروا ها مسندة برقم (٧١٣) كتاب: الأذان، باب: الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم.



في باب القراء من الصحابة، أنه حفظه من الصحابة في عهده - عليه السلام - يزيد على عشرين نفرا وامرأة.
تاسعها:
فيه صحة الصلاة بإمامين على التعاقب، وصرح به الطبري والبخاري (١) وأصحابنا.
عاشرها:
احتج به سعيد بن المسيب في أن المأموم يقوم عن يسار الإمام، والجماعة بخلافه عملًا بالرواية الأخرى وبحديث ابن عباس: فجعله عن يمينه (٢)، وهذا إنما يمشي إذا قلنا: إن الإمام كان الصديق. وجاء في بعض الروايات أنه - عليه السلام - لما جلس إلى جنب أبي بكر قرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة (٣).

-------------------
(١) بوب عليه البخاري في «صحيحه» قائلا: باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الآخر أو لم يتأخر جازت صلاته، ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٢) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٣) جاءت هذِه الرواية عند ابن ماجه (١٢٣٥) من طريق أبي إسحاق، عن الأرقم ابن شرحبيل عن ابن عباس، وأحمد ١/ ٢٠٩ بنحوها، والطبراني ١٢/ ١١٤ (١٢٦٣٤)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ٨١، والضياء في «المختارة» مطولًا ٩/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٤٨٣ - ٤٨٤)، وقال البوصيري في «زوائده»: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، إلا أن أبا إسحاق السجعي اختلط بآخره وكان يدلس، وقد رواه معنعنا لاسيما وقد قال البخاري: لم يذكر أبو إسحاق سماعًا من أرقم بن شرحبيل.
والمتن مشهور من حديث عائشة. اهـ. بتصرف ١/ ١٨٧. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٢٠): حسن دون ذكر علي.



حادي عشرها:
جواز وقوف مأموم واحد بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة كإسماع المأمومين وضيق المكان.
ثاني عشرها:
فيه صحة اقتداء القائم بالقاعد، وقد سلف ما فيه في أوائل الصلاة في باب: الصلاة في السطوح (١).
ثالث عشرها:
جواز الأخذ بالشدة لمن جازت لى الرخصة؛ لأنه - عليه السلام - كان له أن يتخلف عن الجماعة لعذر المرض، فلما تحامل على نفسه وخرج على هذِه الهيئة دل على فضل الشدة على الرخصة ترغيبًا لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيها من عظيم الأجر، ولئلا يعذر أحد منهم نفسه في التخلف عنها ما أمكنه وقدر عليها، مع علمه أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبذلك عمل السلف الصالحون، وكان الربيع بن خثيم يخرج إلى الصلاة يهادى بين رجلين وكان أصابه الفالج فيقال له: إنك لفي عذر، فيقول: أجل، ولكني أسمع المؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، فمن سمعها فليأتها ولو حبوًا (٢).
وكان أبو عبد الرحمن السلمي يحمل وهو مريض إلى المسجد (٣).
وقال سفيان: كان سويد بن غفلة ابن سبع وعشرين ومائة سنة يخرج

------------------
(١) كتاب: الصلاة، بعد حديث (٣٧٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٨ (٣٥١٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يشهد الصلاة وهو مريض لا يدعها.
(٣) المصدر السابق برقم (٣٥٢٠).



إلى صلاة، وكان أبو إسحاق الهمداني يهادى إلى المسجد فإذا فرغ من صلاته لم يقدر أن ينهض حتى يقام.
وقال سعيد بن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد (١).

----------------
(١) المصدر السابق برقم (٣٥٢٢).


٤٠ - باب الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالْعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فيِ رَحْلِهِ
٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. [انظر: ٦٣٢ - مسلم: ٦٩٧ - فتح: ٢/ ١٥٦]

٦٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهْوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِى مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّىَ؟». فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ١٥٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ.
وحديث عتبان.
وقد سلفا: الأول في الأذان للمسافر (١)، والثاني في المساجد في البيوت (٢)، وفيهما أن المطر والريح والظلمة من أعذار الجماعة، وهو إجماع كما حكاه ابن بطال (٣) وغيره، ولو كان يصلي مع جماعة ليس له، فإذا كان ذلك عذرًا فالمرض أولى، وقد قال إبراهيم النخعي: ما كانوا

------------------
(١) برقم (٦٣٢) كتاب: الأذان.
(٢) برقم (٤٢٤) كتاب: الصلاة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩١. نص إجماع ابن بطال على شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح بأحاديث الباب. وقال ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٣٩: لا اختلاف أعلمه بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعة من أجل المرض، ونقله ابن حزم في «المحلى» ٤/ ٢٠٢ عن المرض والخوف.



يرخصون في ترك الجماعة إلا لخائف أو مريض (١)، وفي حديث عتبان دلالة على جواز إمامة الأعمى، فإنه - عليه السلام - اطلع عليه وأقره.
----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٠٨ (٣٥٢٣).


٤١ - باب هَل يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟
٦٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: قُلِ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي -يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ. وَعَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ، فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ. [انظر: ٦١٦ - مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢/ ١٥٧]

٦٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْل، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [٨١٣، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ١٥٧]

٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا وَنَضَحَ طَرَفَ الْحَصِيرِ، صَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الْجَارُودِ لأَنَسٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلاَّهَا إِلاَّ يَوْمَئِذٍ. [١١٧٩، ٦٠٨٠ - فتح: ٢/ ١٥٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث عبد الله بن الحارث: خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ …


الحديث. وقد سلف في باب الكلام في الأذان، ويأتي في الجمعة (١)، وزاد هنا: «وإني كرهت أن أحرجكم» هو بالحاء المهملة من الحرج، وحكى صاحب «المطالع» فيه الخاء المعجمة من الخروج، وفي لفظ: «وأؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم». قال الداودي: أي أنه يقع في نفوسكم السخط لما ينالكم من أجل الوحل والطين فتأثمون. وإلى الركب مبالغة، والدوس: الدرس، داست الخيل القتلى: وطئتهم، ودياس البقر منه (٢)، وسلف هناك تفسير الردغ.
الثاني:
حديث أبي سعيد الخدري: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلاة والصوم والاعتكاف (٣)، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى هناك، وأخرجه مسلم أيضًا، وهو مختصر من حديث مطول في ليلة القدر، وكان ذلك تصديقًا

-----------------
(١) سلف برقم (٦١٦) كتاب: الأذان. ويأتي برقم (٩٠١) باب: الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر.
(٢) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١١٣٣، مادة: (داس)، «لسان العرب» ٣/ ١٤٥٤، مادة: (دوس)، «القاموس» (٥٤٧) مادة: (الدوس).
(٣) سيأتي برقم (٨١٣) كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف والسجود على الطين، ويأتي في الصوم في موضعين برقم (٢٠١٦) كتاب: فضل ليلة القدر، وباب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، وبرقم (٢٠١٨) باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر.
ويأتي في الاعتكاف في موضعين أيضًا برقم (٢٠٣٦) باب: الاعتكاف وخرج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين، وبرقم (٢٠٤٠) باب: من خرج من اعتكاف عند الصبح.



لرؤياه فقال: «إني رأيت ليلة القدر ثم أُنْسِيتها وإني رأيت أسجد في ماء وطين» (١)، فلما مطرت تلك الليلة رؤي ذلك في جبهته.
الثالث:
حديث أنس بن سيرين، عن أنس: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. وَكَانَ رَجُلًا ضَخمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِيٌّ - ﷺ - طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَط لَهُ حَصِيرًا فصَلَّى عَلَيْهِ رَكعَتَينِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لأنَسٍ: أكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلَّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب صلاة الضحى في الحضر كما ستعلمه (٢)، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين أن البخاري أخرجه في الصلاة على الحصير، ولم نره فيه (٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر ابن الجارود، عن أنس قال: صنع بعض عمومتي للنبي - ﷺ - طعامًا فقال: أني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه (٤)، وفي هذِه الرواية إدخال عبد الحميد بين أنس وأنس، وإن كان أنس بن سيرين في

---------------
(١) مسلم برقم (١١٦٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها.
(٢) سيأتي برقم (١١٧٩) كتاب: التهجد.
قلت: وسيأتي برقم (٦٠٨٠) كتاب: الآداب، باب: الزيارة.
(٣) وبعد مراجعة حديث الباب هناك (٣٨٠٠) وجدنا أن اتفاق القصتين في زيارة النبي - ﷺ - لداعيه وصلاته في بيته هو ما أوقع اللبس عند قطب الدين في «شرحه».
وافتراقهما في الداعي للزيارة: فهنا رجل وهناك امرأة، هو ما تقرر للمصنف هنا فأثبت ذلك على أنهما قصتان فيختلف تخريجهما.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٥٠ (٤٠٢٥) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة على الحصر.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:08 AM   #172

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 481 الى صـــ 500
الحلقة (172)






البخاري بسماعه من أنس وهو دال على أن السِّمَن المفرط من أعذار الجماعة، وبه صرح ابن حبان في «صحيحه» حيث قال: إن الأعذار عشرة هذا أحدها، وساق الحديث المذكور (١).
وفيه أيضًا: إقامة الجماعات في البيوت والمساجد بمن حضر، وعدم تعطيل المساجد في البيوت فيما سلف ولا في المطر والطين أيضًا، ولا شك أن الجمعة يتخلف عنها بعذر المطر كما في غيرها، ويلزم من ذلك ترك الخطبة (٢).

---------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤١٧ كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها. والحديث في ٥/ ٤٢٦ (٢٠٧٠). وقال: ذكر العذر الرابع وهو السمن المفرط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات.
(٢) فائدة: لم يذكر المصنف هنا التصريح باسم الرجل، وقد قال ابن رجب في «فتح الباري» له ٦/ ٩٣: والظاهر أن هذا الرجل غير عتبان بن مالك، فإن ذاك كان عُذره العمى مع بعد المنزل وحيلولة السيول بينه وبين المسجد. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٢/ ١٥٨: قيل إنه عتبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين، لكن لم أر ذلك صريحًا. ثم ذكر ما وقع في رواية ابن ماجه من ذكر الداعي أنه من عمومة أنس، وعتبان عمٌّ لأنس على سبيل المجاز؛ لأنهما قبيلة واحدة وهي الخزرج لكن كل منهما من بطن. اهـ. بتصرف يسير.



٤٢ - باب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
وَكَانَ ابن عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْعَشَاءِ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارغٌ.

٦٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ». [٥٤٦٥ - مسلم: ٥٥٨ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ». [٥٤٦٣ - مسلم: ٥٥٧ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. [٦٧٤، ٥٤٦٥ - مسلم: ٥٥٩ - فتح: ٢/ ١٥٩]

٦٧٤ - وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ. [انظر: ٦٧٣ - مسلم: ٥٥٩ - فتح: ٢/ ١٥٩]
ذكر فيه أثرين وثلاثة أحاديث:
الأثر الأول عن ابن عمر قال فيه: وَكَانَ ابن عُمَرَ يَبْدَأ بِالْعَشَاءِ
ذكر أبو محمد معناه مسندًا قريبًا حيث قال: وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وأنه ليسمع


قراءة الإمام (١).
وفي ابن ماجه من طريق صحيحة: وتعشى ابن عمر ليلة وهو يسمع الإقامة (٢).
الثاني: عن أبي الدَّرْدَاء - رضي الله عنه -: مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارغٌ. أي: من الشواغل الدنيوية؛ ليقف بين يدي الرب ﷻ على أكمل حال.
وأما الحديث الأول أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا وُضعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ».
وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي ذكره من حديث أنس مرفوعًا: «إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» وأخرجه البخاري في موضع آخر (٣) ولمسلم: «إذا أقيمت الصلاة والعشاء فابدءوا بالعشاء» (٤).
والثالث: ذكره من حديث عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدءُواَ بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغ مِنْهُ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَام.

------------------
(١) برقم (٦٧٣) كتاب: الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة.
(٢) «سنن ابن ماجه» (٩٣٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: إذا حضرت الصلاة ووضع العشاء.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٦٥) كتاب: الأطعمة، باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه.
(٤) مسلم (٥٥٧) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام. ولفظه هناك: «إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدءوا قبل أن تصلوا المغرب …».



وأخرجه مسلم أيضًا (١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ». قال: ورَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ، وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ.
وأخرجه مسلم من حديث أنس بن عياض عن موسى (٢)، ووقع للحميدي في «جمعه» أنهما أخرجاه من حديث [موسى بن] (٣) عقبة (٤)، والبخاري إنما أخرجه تعليقًا كما ترى، ورواه عن موسى حفص بن ميسرة، أخرجه البيهقي (٥)، ووهب هذا استشهد به البخاري هنا.
إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في تأويل هذِه الأحاديث (٦)، فذكر ابن المنذر أنه قال بظاهرها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وهو قول الثوري وأحمد واسحاق، ووجهه شغل القلب وذهاب كمال الخشوع (٧). وقال الشافعي: يبدأ بالطعام إذا كانت نفسه شديدة

-----------------
(١) مسلم (٥٥٩) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام.
(٢) مسلم (٥٥٩).
(٣) ساقطة من (م)، (ج)، أثبتت من «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٢٠٣.
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٢٠٣ (١٣١٤).
(٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٧٣ - ٧٤ كتاب: الصلاة، باب: ترك الجماعة بحضرة الطعام.
(٦) جعل العلماء حضور الطعام أو توقان النفس ومدافعة الأخبثين سببًا لترك الجماعة.
وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية. انظر: «البحر الرائق» ١/ ٦٠٦، «حاشية ابن عابدين» ١/ ٥٥٩، «قوانين الأحكام الشرعية» ص ٨٣، «التاج والإكليل» ٢/ ٥٦٠، «الأم» ١/ ١٣٨، «المجموع» ٤/ ٩٩، «الفروع» ٢/ ٤١، «الإنصاف» ٤/ ٤٦٥، «المحلى» ٤/ ٢٠٢، «نيل الأوطار» ١/ ٤٨٤.
(٧) «الأوسط» ٤/ ١٤٠ - ١٤١.



التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء، وإتيان الصلاة أحب إلي (١)، وذكر ابن حبيب مثل معناه (٢). وقال ابن المنذر عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعامًا خفيفًا (٣). وفي الدارقطني: قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: أبدءوا بالعشاء وكان عشاؤه خفيفًا.
وقال أهل الظاهر: لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء، فإن فعل فصلاته باطلة (٤).
والجمهور على الصحة وعلى عدم وجوب الإعادة، وحجتهم أن المعنى بالبداءة بالصلاة ما يخشى من شغل القلب بذلك فيفارقه الخشوع، وربما نقص من حدود الصلاة أو سها فيها، وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء فيما سلف من قوله: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ، ولو كان إقباله على طعامه فرضًا لم يقل فيه: من فقه المرء أن يبدأ به، بل كان يقول: من الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به، فبين العلة في قوله: ابدءوا بالعشاء أنه لما يخاف من شغل البال، وقد رأينا شغل البال في الصلاة لا يفسدها، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في جبة لها علم فقال: «خذوها وائتوني بأنبجانية» (٥)، فأخبر أنه اشتغل بالعلم ولم تبطل صلاته.

-------------------
(١) «الأم» ١/ ١٣٨، «الأوسط» ٤/ ١٤١.
(٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٤١.
(٣) انظر: «الأوسط» ٤/ ١٤١.
(٤) «المحلى» ٤/ ٢٠٢.
(٥) سبق برقم (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها.



وقال عمر بن الخطاب: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة (١). وقال - عليه السلام -: «لا يزال الشيطان يأخذ أحدكم فيقول له: اذكر كذا، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» (٢)، ولم يأمرنا بإعادتها لذلك، وإنما يستحب أن يكون المصلي فارغ البال من خواطر الدنيا ليتفرغ لمناجاة ربه -عز وجل- وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يتبعه من ملك بضع امرأة ولم يبن بها، ولا من بنى دارًا ولم يكملها (٣)؛ ليتفرغ قلبه من شواغل الدنيا، فهذا في الغزو فكيف في الصلاة التي هي أفضل الأعمال، والمصلي واقف بين يدي الله -عز وجل-، ثم هذِه الكراهة -أعني: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله- عند الجمهور إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج وقت الصلاة، صلى على حاله؛ محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها.
وقال بعض أصحابنا: لا يصلي بحال، بل يأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، والصواب الأول، وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الحق -عز وجل-، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة بذكر الطعام، وإنما كان عشاء القوم يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة، ومما يؤيد ما قلنا أن الأحاديث محمولة على من تاقت نفسه إلى الطعام، وإن كان الحديث الصحيح: «لا صلاة

-----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١) كتاب: الصلوات، باب: في حديث النفس في الصلاة.
(٢) سبق برقم (٦٠٨) كتاب: الأذان، باب: فضل التأذين.
(٣) سيأتي برقم (٣١٢٤) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي - ﷺ -»أحلت لكم الغنائم".



بحضرة طعام» (١) عام لا سيما وإنكار عائشة على ابن أخيها القاسم بن محمد صلاته بحضرته (٢).
رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك: «إذا قرب العشاء وأحدكم صائم فليبدأ به قبل الصلاة -صلاة المغرب- ولا تعجلوا عن عشائكم» (٣). وفي لفظ: «فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب» (٤)، وقال الدارقطني لما ذكرها: ولو لم تصح هذِه الزيادة لكان معلومًا من قاعدة الشرع الأمر بحضور القلب في الصلاة والإقبال عليها. وقال الطبراني في «الأوسط»: لم يقل فيه: «وأحدكم صائم …» إلا عمرو بن الحارث تفرد به موسى بن أعين (٥)، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب، وقال: لو كان مضيقًا لما كان لأحد أن يشتغل فيه بالأكل حتى يفوت (٦).

-------------------
(١) رواه مسلم برقم (٥٦٠) كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال …
وابن أبي شيبة ٢/ ١٨٧ (٧٩٤٠) كتاب: الصلوات، باب: في مدافعة الغائط والبول في الصلاة، وابن حبان في «صحيحه» ٥/ ٤٣٠ (٢٠٧٤) كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيحها. والبيهقي ٣/ ٧٣ كتاب: الصلاة، باب: ترك الجماعة بعذر الأخبثين إذا أخذاه … و٣/ ٧٣ باب: ترك الجماعة بحضرة الطعام ونفسه إليه شديدة التوقان.
(٢) مسلم (٥٦٠).
(٣) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ (٢٠٦٦) كتاب: الصلاة، باب: فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٤٢١ - ٤٢٢ (٢٠٦٨).
(٥) «المعجم الأوسط» ٥/ ٢٠٠، وفيه: ولم يقل: «وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب» إلا عمرو …
(٦) «الانتصار» للكلوذاني ٢/ ١٤٥.



٤٣ - باب إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ
٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٨ - مسلم: ٣٥٥ - فتح: ٢/ ١٦٢]
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هذا الحديث سلف في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق (١)، ويأتي إن شاء الله في الجهاد في باب: ما يذكر في السكين (٢)، وهناك ذكره بالإسناد المذكور بإسقاط صالح، وهذا الحديث يفسر الأمر بالبداءة بالأكل بأنه على الندب لا الوجوب؛ لأنه قام إلى الصلاة وتركه، وقد تأول أحمد بن حنبل من هذا الحديث أن من شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إليها ولا يتمادى في الأكل لأنه أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وإنما الذي أمر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به؛ لئلا يشغل باله به، ورد ابن بطال هذا التأويل بحديث ابن عمر ولا يعجل حتى يقضي حاجته منه، ومن كان على الطعام يقتضي تقدم أكله منه قبل الإقامة، وقد أمره - عليه السلام - أن لا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وهو خلاف ما تأوله أحمد (٣).
قلت: يجوز أن يكون قضى حاجته منه ولا سيما ما علم من قلة أكله - ﷺ -.

-------------------
(١) سلف برقم (٢٠٨) كتاب: الوضوء.
(٢) برقم (٢٩٢٣).
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩٦.



٤٤ - باب مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَت الصَّلَاةُ فَخَرَجَ
٦٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِى خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [٥٣٦٣، ٦٠٣٩ - فتح: ٢/ ١٦٢]
ذكر فيه حديث الأسود عن عائشة: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَج إِلَى الصَّلَاةِ.
هذا الحديث ذكره أيضًا في باب كيف يكون الرجل في مهنة أهله؟ وسيأتي (١). والمهنة بكسر الميم وفتحها، وأنكر الأصمعي الكسر (٢)، وقال غيره: إنه القياس، وقال صاحب «المحكم»: المَهْنَة والمِهنة والمهَنَة كله: الحذق بالخدمة والعمل (٣) وفيه أن الأئمة والفضلاء يتناوبون خدمة أمورهم بأنفسهم وأن ذلك من فعل الصالحين اتباعًا لسيدهم.
قال ابن بطال: ولما لم يذكر في الحديث أنه أزاح عن نفسه هيئة مهنته دل على أن المرء له أن يصلي مشمرًا وكيف كان من حالاته؛ لأنه إنما يكره له التشمير وكف الشعر والثياب إذا كان يقصد بذلك الصلاة، ولذلك قال مالك (٤): لا بأس أن يقوم إلى الصلاة على هيئة

-----------------
(١) سيأتي برقم (٦٠٣٩) كتاب: الأدب، وسيأتي أيضا برقم (٥٣٦٣) كتاب: النفقات، باب: خدمة الرجل في أهله.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٩٠ مادة: مهن.
(٣) «المحكم» ٤/ ٢٤١ مادة: (هـ - ن - م).
(٤) انظر: «المدونة» ١/ ٩٥.



جلوسه وبذلته (١).
قلت: وأصحابنا كرهوا ذلك (٢) مطلقًا؛ لإطلاق النهي عنه في الصحيح (٣).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) انظر: «البيان» ٢/ ٣١٩.
(٣) يشير المصنف لحديث رواه البخاري برقم (٨١٥) كتاب: الأذان، باب: لا يكف شعرًا، (٨١٦) باب: لا يكف ثوبه في الصلاة.



٤٥ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهْوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسُنَّتَهُ
٦٧٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. [٨٠٢، ٨١٨، ٨٢٤ - فتح: ٢/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث أيوب عن أبي قلابة قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هذا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي. فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هذا. قَالَ: وَكانَ الشيخ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري، وقد ذكره في مواضع أخر في رفع اليدين وفيمن استوى قاعدًا في وتر من صلاته (١)، وفي كيف يعتمد على الأرض؟ (٢)
ثانيها: أبو قلابة تابعي، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي، جرم قضاعة البصري، طلب للقضاء فهرب، مات بالعريش، وقد ذهبت يداه ورجلاه وبصره، وهو مع ذلك يحمد الله ويشكره، سنة أربع أو

---------------
(١) سيأتي برقم (٨٢٣) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٨٢٤) كتاب: الأذان.



ست أو سبع ومائة (١)، ومالك بن الحويرث ليثي له وفادة مات بالبصرة سنة أربع وتسعين (٢) (٣).
ثالثها: قوله: فقلت لأبي قلابة: القائل هو أيوب بن أبي تميمة، سيد شباب أهل البصرة (٤)، وهذا الشيخ هو عمرو بن سلمة، بكسر اللام كما ذكره البخاري في باب كيف يعتمد من الأرض إذا قام من الركعة؟ كما ستعلمه (٥)، والأشهر أنه لا رؤية له ولا سماع من النبي - ﷺ -، ولأبيه وفادة (٦).
رابعها: قوله: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أي: أصلي صلاة لأجل التعليم لا لغيره من مقاصد الصلاة، وهو دال على جواز فعل مثل

-----------------
(١) هو عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: ابن عامر بن نائل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد بن كثير بن غالب أحد الأئمة الأعلام، وهو ابن أخي أبي المهلب الجري، روى عن أنس بن مالك الأنصاري، وأنس بن مالك الكعبي، وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري وغيرهم، وروى عنه أشعب بن عبد الرحمن، وأيوب السختياني، وثابت البناني، وخالد الحذاء، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، وكان يحمل على عليّ، ولم يرو عنه شيئًا، ولم يسمع من ثوبان شيئًا وروى له الجماعة.
وانظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ الترجمة (٢٦٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٤٢ (٣٢٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٦٨، «الكاشف» ٢/ الترجمة (٢٧٥٩).
(٢) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٨٧).
(٣) ورد بهامش الأصل: كذا قال النووي في «التهذيب» وصبقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن طاهر وكذلك قال الدمياطي في حاشية البخاري (…) بأن قال: وفيه نظر، وأما (…) وفي أبي عوانه … ذكر ذلك فيه «تجريده» …، والظاهر أنه لم يبق إلى تلك السنة.
(٤) تقدمت ترجمته في شرح حديث (١٦).
(٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٠٢ (١٠٣٠)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٣٧ (٢١٩٢)، «الإصابة» ٢/ ٧٠ (٣٤١١).
(٦) سيأتي برقم (٨٢٤) كتاب: الأذان.



ذلك، وليس هو من باب التشريك في العمل، ودال أيضًا على البيان بالفعل.
خامسها: هذا الحديث دليل ظاهر على إثبات جلسة الاستراحة، وهو مشهور مذهب الشافعي (١)، وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وجماعات (٢)، واختلف عن أحمد، والذي اختاره الخلاِل، ورجع إليه آخرًا موافقة الشافعي، وحمل حديث مالك هذا على حالة الضعف بعيد، وكذلك قول من قال: إن مالك بن الحويرث رجل من أهل البادية أقام عند رسول الله - ﷺ - عشرين ليلة، ولعله رآه فعل ذلك في صلاة واحدة لعذر فظن أنه من سنة الصلاة، أبعد وأبعد، لا يقال ذلك فيه. والمسألة مبسوطة في «شرح العمدة» فلتراجع منه (٣)، وأفدت فيه أنها ثابتة في حديث أبي حميد الساعدي (٤) لا كما نفاها الطحاوي عنه (٥)، بل هي في البخاري ثابتة في حديث المسيء صلاته في كتاب: الاستئذان، في باب: من رد فقال: عليكم السلام. كما سيأتي (٦)، وهو من النفائس لا كما نفيت عنه.

-----------------
(١) «الأم» ١/ ١٠١.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٣١٤ - ٣١٥، «البناية» ٢/ ٢٩٠.
(٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٣/ ١٢٥ - ١٣٢.
(٤) رواه أبو داود (٧٣٠ و٩٦٣)، والترمذي (٣٠٤)، وأحمد ٥/ ٤٢٤، وسيأتي برقم (٨٢٨) مختصرًا. وانظر: «الإرواء» (٣٠٥).
(٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٢٦١.
(٦) سيأتي برقم (٦٢٥١).



٤٦ - باب أَهْلُ العِلْمِ وَالْفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
٦٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَعَادَتْ، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ». فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٣٨٥ - مسلم: ٤٢٠ - فتح: ٢/ ١٦٤]

٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٦٤]

٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ -وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهْوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ. [٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥، ٤٤٤٨ - مسلم: ٤١٩ - فتح: ٢/ ١٦٤]


٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ - ﷺ - الْحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. [انظر: ٦٨٠ - مسلم: ٤١٩ - فتح ٢/ ١٦٤]

٦٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ. قَالَ: «مُرُوهُ فَيُصَلِّي» فَعَاوَدَتْهُ. قَالَ: «مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ». تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الْكَلْبِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [فتح: ٢/ ١٦٥]
ذكر فيه حديث أبي بكر في مرضه عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد سلف ذلك في باب حد المريض أن يشهد الجماعة (١).
وقال البخاري في آخره: تابعه يعني: يونس في روايته عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه الزبيدي، وابن أخي الزهري، وإسحاق ابن يحيى الكلبي، عن الزهري.
وقال عقيل ومعمر عن الزهري، عن حمزة، عن النبي - ﷺ -، يعني: مرسلًا (٢)، فالزهري اختلف عليه فيه كما ترى، والحديث الأول من

-------------------
(١) انظر «المغني» ٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) قال البخاري هذا الكلام عقب الحديث الآتي (٦٨٢).



أحاديث الباب يأتي في أحاديث الأنبياء أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) وسلف هناك من طريق الأسود عن عائشه (٣).
والثاني: من حديث هشام عن أييه عن عائشه.
وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
والثالث: من حديث الزهري عن أنس.
وأخرجه مسلم أيضًا (٥).
والرابع: من حديث عبد العزيز عن أنس.
وأخرجه مسلم أيضًا (٦)، وشيخ البخاري فيه أبو معمر، وهو عبد الله ابن عمرو المقعد، ليس إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، ذاك آخر، وهو من شيوخه أيضًا مات سنة ست وثلاثين ومائتين (٧)، والمقعد مات سنة أربع وعشرين (٨). وحديث حمزة بن عبد الله عن أبيه شيخ البخاري فيه يحيى بن سليمان، وهو الجعفي الكوفي نزيل مصر، انفرد به البخاري عن الخمسة (…) بواسطة، مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين

-----------------
(١) برقم (٣٣٨٥) باب: قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧].
(٢) «صحيح مسلم» (٤٢٠) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) سبق برقم (٦٦٤).
(٤) «صحيح مسلم» (٤١٨).
(٥) «صحيح مسلم» (٤١٩).
(٦) «صحيح مسلم» (٤١٩).
(٧) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٤٢ (١٠٨٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥٧ (٥٢٧)، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٧١، «تهذيب الكمال» ٣/ ١٩ (٤١٦).
(٨) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٧٥).



ومائتين (١) (٢).
والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي مات سنة ثمان وأربعين ومائة، سنة مات الأعمش (٣)، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم قتله غلمانه بأمر ولده في خلافة أبي جعفر (٤). وتوهم ابن بطال أن حمزة هذا هو حمزة الأسلمي. فقال: روته عائشة وأنس وحمزة الأسلمي وهو عجيب! وإنما هو حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
واختلف العلماء فيمن أولى بالإمامة، فقالت طائفة: الأفقه، وبه

----------------
(١) انظر تمام ترجمة يحيى بن سليمان في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٨٠ (٢٩٩٩)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٥٤ (٦٣٨)، «الثقات» ٩/ ٢٦٣، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣٦٩ (٦٨٤٢)، «شذارت الذهب» ٢/ ٩١.
وأما قول المصنف -رحمه الله-: انفرد به البخاري عن الخمسة، فيه تحفظ، وذلك لأن الحافظ المزي لما ترجم ليحي هذا في «التهذيب» رمز إلى أن البخاري والترمذي أخرجا له، وقال ٣١/ ٣٧١: روى عنه: البخاري، وأحمد بن الحسن الترمذي (ت)، وقال في ترجمة أحمد بن الحسن الترمذي ١/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٢٥): روى عن: يحيى بن سليمان الجعفي (ت). وكذا قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٦٣ بعد أن رمز إلى أن البخاري والترمذي أخرجا له، قال: روى عنه: البخاري، وروى الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه.
وفي «سنن الترمذي» وجدت حديثًا واحدًا له، لكنه في «العلل الصغير» الملحق بكتاب «السنن» ٥/ ٧٥٢، قال الترمذي: حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي البصري -رحمه الله- فقد ذهل وغفل عن هذا، أو أنه لم يعتبر كتاب «العلل» جزء من «السنن». والله اعلم.
(٢) ورد بهامش الاصل ما نصه: في «الكاشف» توفي سنة ٢٣٧ هـ فقط، وكذلك في «الصلة» له.
(٣) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٧٧).
(٤) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٢٧).



قال أبو حنيفة ومالك، والشافعي والجمهور (١). وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأ، وبه قال ابن سيرين وبعض الشافعية (٢)، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصديق كما سلف في الباب المشار إليه، ألا ترى إلى قول أبي سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله.
وحديث أبي مسعود البدري الثابت في مسلم «يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله» (٣) لا يخالف ما نجحن فيه؛ لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه، وبعضهم أجاب بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ القرآن قليلًا، وقد قُدِّم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك (٤)، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة (٥)؛ لعدم الحُفَّاظ حينئذ.
وفي الحديث أيضًا أن الإمام إذا عرض له عذر من حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم.
وقوله: (كأن وجهه ورقة مصحف) لا شك أنه - عليه السلام - كان وجهه أبيض مشربًا حمرة، فلما اشتد مرضه غلب البياض الحمرة.
وقوله: (فلما وضح وجهه) أي: ظهر. ويحتمل كما قال ابن التين أن يريد: ظهر لنا بياضه وحسنه؛ لأن الوضاح عند العرب: هو الأبيض اللون الحسنه.

------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٦٠، «المدونة» ١/ ٥٨، «الأم» ١/ ١٤٠.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٣٨٦، «الأوسط» ٤/ ١٤٩، «المغنى» ٣/ ١١.
(٣) مسلم برقم (٦٧٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة.
(٤) سيأتي برقم (٤٣٠٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٥) يأتي قريبًا برقم (٦٩٢) باب: إمامة العبد المولى، وبرقم (٧١٧٥) كتاب: الأحكام، باب: استقصاء الموالي واستعمالهم.



وقوله: (فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي - ﷺ -) أي: نذهل من الفرح برؤيته.
وقوله: (ثم تبسم يضحك) إنما كان فرحًا بما رأى من اجتماعهم في مغيبه وإقامة الشريعة، ويجوز أن يكون من باب التأنيس لهم.


٤٧ - باب مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ
٦٨٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٦٦]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: أمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَبَا بَكْرِ أنْ يُصَلَّيَ بِالنَّاسِ … الحديث.
وقد سلف (١) وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، ولا شك أن سنة الإمامة تقديم الإمام وتأخر الناس عنه. قال ابن بطال: ولا يجوز أن يكون أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين:
أحدهما: العلة التي في هذا الحديث وما كان في معناها، مثل أن يضيق الموضع فلا يقدر على التقدم فيكون معهم في صف ومثل العراة أيضًا إذا أمن أن يرى بعضهم بعضًا.
والثاني: أن يكون رجل واحد مع الإمام، فإنه يصلي عن يمينه في الصف معه، كما فعل النبي - ﷺ - بابن عباس إذ أداره من خلفه إلى يمينه (٣)، فإن صلى الإمام في صف المأمومين لغير عذر فقد أساء وخالف سنة الإمامة، وصلاته تامة (٤).

-----------------
(١) برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.
(٢) مسلم (٤١٨) كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(٣) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم.
(٤) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠١.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:10 AM   #173

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 501 الى صـــ 520
الحلقة (173)






وفيما ذكره من الإساءة نظر. وقال الطبري: إنما أقام النبي - ﷺ - أبا بكر إلى جنبه؛ ليعلم الناس تكبير ركوعه وسجوده إذ كان - ﷺ - قاعدًا، وفي القوم ممن يصلي بصلاته ممن لا يراه، ولا يعلم ركوعه ولا سجوده، فبان أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتم بهم أن يجعلوا بينهم وبين من يأتم بهم علمًا يعلمون بتكبيره وركوعه تكبيرهم وركوعهم، وأن لمن لا يرى الإمام أن يركع بركوع المؤتم به ويسجد بسجوده، وأن ذلك لا يضره، ويجزئه أن لا يرى الإمام في كل ذلك إذا رأى من يصلي بصلاته.
وقوله: (فلما رآه أبو بكر استأخر): دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكرًا أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عمل في الصلاة عن غيرها، فلما كان نظير ذلك يفعله فاعل في صلاته لأمر دعاه إليه فذلك جائز (١).

--------------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.


٤٨ - باب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأوَّلُ فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ
٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ -وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ- فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟! مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». [١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣، ٧١٩٠ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٢/ ١٦٧]
فِيهِ: عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
قلت: تقدم في صلاته - عليه السلام - في مرضه (١).
ثم ساق حديث سهل بن سعد الساعدي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ … إلى آخره.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:

------------------
(١) سبق برقم (٦٦٤).


هذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة مواضع هنا، وثلاثة في الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال، ورفع الأيدي فيها لأمر ينزل به، والإشارة فيها والسهو والصلح والأحكام (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانيها:
بنو عمرو بن عوف من ولد مالك بن الأوس من الأنصار وكانوا بقباء فصلى - عليه السلام - الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم، وكان لينهم شر وقتال وتراموا بالحجارة، فحبس وحانت الصلاة.
ثالثها:
فيه ذهاب الإمام للإصلاح بين رعاياه؛ لئلا يختلفوا فيفسد حالهم، وفضل الإصلاح بين الناس.
رابعها:
قوله: (فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر) هو بلال؛ إذ في أبي داود فقال -يعني: عليه السلام - لبلال: «إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس» فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم (٣)، وفي هذِه الرواية بيان أن هذِه الصلاة هي العصر،

-----------------
(١) سيأتى برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال. و(١٢٠٤) باب: التصفيق للنساء. و(١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة. و(٢٦٩٠) كتاب: الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس. و(٢٦٩٣) باب: قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح. و(٧١٩٠) كتاب: الأحكام، باب: الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم.
(٣) «سنن أبي داود» (٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.



وقد جاء أيضًا في بعض طرقه.
خامسها:
قوله: فقال: أتصلي للناس فأقيم؟: فيه سبع فوائد:
الأولى: تقديم غير الإمام إذا تأخر ولم يخف فتنة وإنكار من الإمام، وتقديم الناس لأنفسهم إذا غاب.
الثانية: تقديم الأصلح والأفضل.
الثالثة: عرض المؤذن وغيره التقدم على الفاضل وموافقته.
الرابعة: تفضيل الصديق - رضي الله عنه - حيث قدم وإشارته - ﷺ - بالثبات على حاله، ذكره ابن الجوزي وابن التين والنووي (١)، وقد أفدناك أن الشارع هو الذي قدمه.
الخامسة: تفضيل الصلاة في أول الوقت.
وقال ابن التين: إنهم خافوا فوت الوقت، وظنوا أنه - عليه السلام - لا يأتيهم في الوقت، ففيه المحافظة على الأوقات.
السادسة: أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة؛ لقوله: أتصلي فأقيم؟.
السابعة: أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو السنة، فإن أقام غيره كان خلاف السنة، نعم يعتد بأذانه عند الجمهور.
سادسها:
قوله: (فجاء رسول الله - ﷺ - والناس في الصلاة): جاء في رواية أخرى: أنه جاء بعد أن كبر الصديق وكبر الناس، وخرق رسول الله

-------------------
(١) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٣٧.


- ﷺ - ليصل إلى موضعه (١). ففيه جواز فعل الإمام ذلك عند الحاجة إليه لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما، ورجوعه، وكذا من احتاج من المأمومين إلى الخروج لعذر.
سابعها:
قوله: وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، إنما كان لا يلتفت للنهي عنه في البخاري كما سيأتي (٢). قال ابن عبد البر: وجمهور العلماء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا (٣). قلت: وهذا إذا كان لحاجة فإن كان فلا كراهة، وسيعقد البخاري له بابًا ستعلمه بعد فيما سيأتي (٤)، وفي أبي داود من حديث سهل بن الحنظلية: فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان أرسل إليه فارسًا. قال الحاكم: سنده صحيح (٥)، وكذا التفات الصديق عند الإكثار من التصفيق ولم ينكره عليه.
ثامنها: رَفْع أبي بكر يديه بحمد الله كان إشارة منه لا كلامًا، كذا قال ابن الجوزي، ويحتمل خلافه. قال مالك: من أُخبر في صلاته بسرور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته، وله أن يتركه تواضعًا وشكرًا لله تعالى وللمنعِم به. قال ابن القاسم فيه: ومن أُخبر بمصيبة فاسترجع وأُخبر بشيء فقال: الحمد لله على كل حال. (أو قال:

----------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٣) «التمهيد» ٢١/ ١٠٣.
(٤) سيأتي برقم (٧٥١) كتاب: الأذان، باب: الالتفات في الصلاة.
(٥) أبو داود (٩١٦، ٢٥٠١)، «المستدرك» ١/ ٢٣٧. ورواه أيضًا البيهقي ٩/ ١٤٩، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٥٠، ٢٢٥٩).



الذي) (١) بنعمته تتم الصالحات، لا يعجبني، وصلاته مجزئة. قال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة (٢).
قلت: وفيه شكر الله تعالى على الوجاهة في الدين، وأن ذلك من أعظم النعم، قال تعالى في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. وفيه جواز إعلام المصلي بما يسره.
تاسعها:
إنما لم يثبت أبو بكر عند الإشارة إليه بالثبوت، وإن كان فيه مخالفة؛ لأنه فهم أنها إشارة تكريم لا إلزام، ويدل عليه شق الشارع الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى.
وقوله: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - ﷺ -) - أي: لأن الكبير شأنه التقدم، ويجوز أن يكون الصديق خاف حدوث حادث في الصلاة يغير حكمًا، فلم يتول الصلاة مع وجوده.
العاشر:
قوله: (وتقدم رسول الله - ﷺ - فصلى) استدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعده، فإن الصديق أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى به حين أحرم بعده، وهو أظهر القولين عندنا، وفيه الصلاة بإمامين على التعاقب، وقد سلف. ونقل ابن بطال عن الأكثرين المنع بغير عذر، قال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبرّ قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي؛ بناءً على مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة

-----------------
(١) في الأصل: (قال الداودي، وهو غير مناسب للسياق، والمثبت من «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣١.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣١.



بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبرّ قبل إمامه (١).
الحادي عشر:
استنبط ابن بطال وغيره جواز الاستخلاف من هذا الحديث (٢) ووجهه أن الصديق صار مأمومًا بعد أن كان إمامًا، وبنى القوم على صلاتهم، فكذا إذا خرج من الصلاة لسبق حدث ونحوه يقدم رجلًا، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال عمر، وعلى، والحسن، وعلقمة وعطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة (٣)، وقال الشافعي مرة وأهل الظاهر: لا يستخلف (٤)، وادعى بعض المالكية أن تأخر الصديق وتقدم الشارع من خواصه؛ لأنهم كانوا يقدموه بالإحرام ولا يفعل ذلك بعده، وليس بظاهر.
وعن ابن القاسم في الإمام يحدث فيستخلف ثم ينصرف، فيأتي ثم يخرج المستخلف ويتم الأول بالناس أن الصلاة تامة، فإذا تمت الصلاة فينبغي أن يشير إليهم حتى يتم لنفسه، ثم يسلم ويسلموا، فيجوز التقدم والتأخر في الصلاة (٥). قال ابن بطال: وهذا القول مطابق للحديث، وبه ترجم البخاري، وأكثر الفقهاء لا يقولون ذلك؛ لأنه لا يجوز عندهم الاستخلاف في الصلاة إلا لعذر، وقال أولًا: هذا الحديث رد على الشافعي وأهل الظاهر في إنكارهم الاستخلاف (٦). وقد عرفت أنه قول عنده، وأن أظهر قوليه جوازه.

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٥.
(٢) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٣.
(٣) «الهداية» ١/ ٦٤، «النوادر والزيادات» ١/ ٣١٥، انظر: «المجموع» ٤/ ١٤١.
(٤) انظر: «التهذيب» ١/ ٣٠١، «المجموع» ٤/ ١٣٨.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣١١.
(٦) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٠٢.



الثاني عشر:
قوله: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء»، وفي رواية أخرى للبخاري: «فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت» (١).
التصفيق: هو التصفيح -بالحاء- سواءً صفق بيده أو صفح، وقيل:
هو بالحاء: الضرب بظاهر اليد وإحداهما على باطن الأخرى. وقيل: بل بإصبعين من إحديهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهما للهو واللعب.
وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء (٢). يحتمل أنهم ضربوا بأكفهم على أفخاذهم.
قلت: وإن ضربت المرأة كان ببطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا يضرب ببطن كف على كف على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاة الصلاة، واحتج به الجماعة -كما قال ابن التين- من الحذاق على أبي حنيفة في قوله: إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته (٣).
ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح الأعمى خوف أن يقع في بئر أو خوفًا من دابة أو حية أنه جائز (٤). وقال أصحاب أبي حنيفة: إن معنى قوله: «فليسبح» أي: لإمامه إذا سهى؛ لأن سهو إمامه سهو له،

------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة.
(٢) «سنن أبي داود» (٩٤٢) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٣) انظر: «الهداية» ١/ ٦٦.
(٤) «المدونة» ١/ ٩٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٩١، وهو مذهب الحنابلة انظر «المغني» ٢/ ٤٥٤.



فأجاز له هذا؛ لأنه من مصلحة الصلاة. وأجاب عند بعضهم بأن الخبر خرج على سبب كما سلف، فتصفيقهم؛ ليُعلموا الصديق بمجيئه - عليه السلام -، وإنما كان السبب مع غير الإمام، وهذا لا يعود إلى الإمام، فما كان مثل هذا السبب جائز، لكن قوله: «من نابه شيء» عام فيما كان مع الإمام وغيره. وقال مالك: إنما قال ذلك على معنى العتب لما فعل، أي: ذلك للنساء فهو ذم للتصفيق، فالمرأة تسبح كالرجل؛ لقوله - عليه السلام - «من نابه شيء» و(من) تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيق منسوخ بقوله: «من نابه شيء في صلاته فليسبح» وأنكره بعضهم. وقال: لأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي يخصص النساء بالتصفيق وهو ظاهر الحديث.
وفي أبي داود: «وإذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء» (١)، وسيأتي في البخاري في بابه من حديث أبي هريرة (٢)، وهو في مسلم: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة (٣).

-----------------
(١) «سنن أبي داود» (٩٤٠ - ٩٤١) كتاب: الصلاة، باب: التصفيق في الصلاة.
(٢) برقم (١٢٠٣) كتاب: العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء.
(٣) مسلم (٤٢٢) كتاب: الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذ نابهما شيء في الصلاة.



٤٩ - باب إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ
٦٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَحِيمًا فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٢/ ١٧٠]
ذكر فيه حديث مالك بن الحويرث قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ .. الحديث.
سلف في الأذان (١)، وذكرنا هناك أنه قدم الأكبر للتساوي في شروط الإمامة، ورجحان أحدهما بالسن. وإن كان يحتمل أن بعضهم أسرع حفظًا وأقبل لما يتعلمه عن بعضهم، لكنهم تساووا في تعليم ما يجزئهم الصلاة به؛ فلأجل ذلك ذكر الأسن، وإلا فالأسن إذا اجتمع وكان من هو أصغر منه أقرأ قدم الأقرأ، كما في حديث عمرو بن سلمة وهو صبي في مسجد عشيرته، وفيهم الشيوخ والكهول (٢). لكن سلف لك أن الأفقه أولى منه وأن هذا كان أول الحال.

------------------
(١) برقم (٦٢٨) باب: من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد. و(٦٣٠ - ٦٣١) باب: الأذان للمسافر، وإذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع. و(٦٥٨) باب: اثنان فما فوقهما جماعة.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٤٣٠٢) وتقدم تخريجه.



٥٠ - باب إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَومًا فَأَمَّهُمْ
٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: أسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟». فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. ﴿انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ١٧٢]
ذكر فيه حديث محمود بن الرييع: سَمِعتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» .. الحديث. تقدم في باب المساجد فيِ البيوت وغيره (١).

------------------
(١) برقم (٤٢٥) كتاب: الصلاة. و(٦٦٧) كتاب: الأذان، باب: الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في محله.


٥١ - باب إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
وَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر ٩٨] وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ. وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَن نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.

٦٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ». قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ - ﷺ -: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ». قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ -وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ - عليه السلام - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ- فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ -أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ- لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ: «أَجْلِسَانِى إِلَى جَنْبِهِ». فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهْوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -


وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَاعِدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: هَاتِ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. [انظر: ١٩٨ - مسلم: ٤١٨ - فتح: ٢/ ١٧٢]

٦٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». [١١١٣، ١٢٣٦، ٥٦٥٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح: ٢/ ١٧٣]

٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ، فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٢/ ١٧٣]
وَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِسٌ.
هذا التعليق تقدم مسندًا عن حديث عائشة (١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ ابن مَسْعُودِ: إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فيمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ.

---------------
(١) رقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.


وهذا التعليق أسنده ابن أبي شيبة، فقال: حدثنا هشيم، أنا حصين، عن هلال بن يساف، عن أبي حيان الأشجعي -وكان من أصحاب عبد الله- قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، أذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
وحدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال به نحوه (١).
وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة أن عمر قال: إذا رفع أحدكم رأسه وظن أن الإمام قد رفع فليعد رأسه، وليمكث بقدر ما ترك، ثم قال وروينا عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد (٢).
قلت: وكل هذا لأجل المتابعة. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه أن سحنونًا رفع قبل إمامه ولم يعلم رفع الإمام رأسه، فرجع سحنون يسجد القدر الذي كان مع الإمام. ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يفرغ من ذلك (٣)، وبه قال أحمد وإسحاق، والحسن والنخعي (٤)، وروي نحوه عن عمر (٥)، وقال ابنه: من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له (٦). وهو قول أهل الظاهر (٧)، وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع وسجد قبله فإن أدركه الإمام فيهما

--------------------
(١) «المصنف» ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٠ - ٤٦٢١).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٧٥.
(٤) رواه عنها بن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٤ - ٤٦٢٥).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٣٧٥ (٣٧٥٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٢)، وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٩١ - ١٩٢ (٢٠١٣، ٢٠١٥).
(٦) رواه ابن المنذر ٤/ ١٩٠ - ١٩١ (٢٠١٠ - ٢٠١٢) وبمعناه رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٣).
(٧) انظر: «المحلى» ٤/ ٦٠ - ٦١.



أساء ويجزئه. حكاه ابن بطال، قال: وشذ الشافعي فقال: إن كبر للإحرام قبل إمامه فصلاته تامة (١).
قلت: هو أصح قوليه فيما إذا أحرم منفردًا ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاته.
ثم قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَى قَامَ: يَسْجُدُ.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم أنا يونس عن الحسن أنه كان يقول: إذا رفع رأسه قبل الإمام والإمام ساجد فليعد وليسجد (٢). وقال مالك في مسألة الزحام لا يسجد على ظهر أحد، فإن خالف يعيد (٣). وقال الشافعي والكوفيون وأبو ثور: يسجد ولا إعادة (٤).
ثم ذكر البخاري من حديث مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَصلَّى النَّاسُ؟» … الحديث.
وقد ذكر بعضه في باب الغسل والوضوء في المخضب (٥). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول تريبني رواية موسى هذا. قلت: ما يقول فيه؟ قال: صالح الحديث، قلت يحتج بحديثه؟ قال: يكتب

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣١١.
(٢) «المصنف» ١/ ٤٠٢ (٤٦٢٤) في الصلوات، باب: الرجل يرفع رأسه قبل الإمام.
(٣) «المدونة» ١/ ١٣٧.
(٤) انظر «المبسوط» ٢/ ٣٢، «الأوسط» ٤/ ١٠٤.
(٥) سلف برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء.



حديثه (١)، قلت: هو ثقة ناسك، أخرج له الجماعة، وسلف بيان المخضب هناك.
وقوله: (ذهب لينوء) أي: لينهض بجهد ومشقة، وناء: سقط وهو من الأضداد.
وقيل: معنى لينوء، أي: تمايل ليتحامل على القيام.
وقولها: (عكوف) أي: لم يبرحوا في المسجد، والعكوف: الملازمة.
ثم ذكر البخاري أيضًا من حديث عروة عن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ … الحديث. ويأتي أيضًا (٢).
ثم ذكر أيضًا من حديث ابن شهاب عن أنس أنه - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا … الحديث.
وقد سلف في باب الصلاة في السطوح والخشب، من حديث حُميد عن أنس (٣)، ويأتي إن شاء الله في باب: إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة من حديث الزهري عن أنس أيضًا (٤). وسيأتي نحوه من حديث أبي هريرة أيضًا (٥).
وحاصل ما ذكره البخاري في الباب من الأحاديث والآثار وجوب متابعة الإمام في أفعاله، وأنها عقبه، فلو خالف وقارنه لم يضر إلا تكبيرة

----------------
(١) «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٧ (٧٠٠).
(٢) سيأتي برقم (١١١٣) كتاب: تقصير الصلاة، باب: صلاة القاعد.
(٣) سلف برقم (٣٧٨) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٧٣٢ - ٧٣٣)، كتاب: الأذان، باب: إيجاب التكبير، وافتتاح الصلاة.
(٥) برقم (٧٢٢) كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة.



الإحرام، وكذا السلام عندنا على وجه، والأصح المنع، وإن سبقه بركن لم تبطل على الأصح مع ارتكاب الحرام بخلاف ركنين (١) فإنها تبطل.
وعند ابن حزم أنه لا يفعل شيئًا قبل إمامه ولا معه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو (٢). وعند مالك فيما نقله ابن حبيب عنه: أنه يفعل المأموم مع الإمام إلا في الإحرام والقيام من اثنتين والسلام فلا يفعله إلا بعده (٣).
وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر والثوري: يكبر في الإحرام مع إمامه، وخالف أبو يوسف. احتج من جوز المقارنة بأن الائتمام امتثال لفعل الإمام وهو حاصل (٤). واحتج من منع بأن الشارع جعل فعلهم عقب فعله؛ لأن الفاء للتعقيب، وإذا لم يتقدمه الإمام بالتكبير فلا يصح الائتمام به؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه.
وباقي أحكام الباب سبق مفرقًا في الأبواب، ويأتي بعضه أيضًا.

--------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٧٣.
(٢) «المحلى» ٤/ ٦٠ - ٦١.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٢٧٥.
(٤) المصدر السابق.



٥٢ - باب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ؟
قَالَ أَنَسٌ: فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. [انظر: ٣٧٨]

٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ. [٧٤٧، ٨١١ - مسلم: ٤٧٤ - فتح: ٢/ ١٨١]
وقَالَ أَنَسٌ عن النبي - ﷺ -: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
كذا في بعض النسخ، وهو ما في «شرح ابن بطال» (١)، وفي بعضها: قال أنس: وإذا سجد سجدوا.
ثم ساق من حديث سفيان، عن أبي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كَانَ النبي - ﷺ - إذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ بهذا.
وهذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في موضعين آخرين: رفع البصر إلى الإمام (٢)، والسجود على سبعة أعظم (٣). وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
وسفيان: هو الثوري، وأبو إسحاق: هو السبيعي، وعبد الله بن يزيد:

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣١٧.
(٢) برقم (٧٤٧) كتاب: الأذان.
(٣) برقم (٨١١) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٤٧٤) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده.



هو الخطمي، صحابي ابن صحابي كالبراء ووالده.
وقال الدارقطني: إنه محفوظ لعبد الله عن البراء، ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى عن البراء غير أبان بن تغلب عن الحكم، وغير أبان أحفظ منه. قلت: حديث أبان أخرجه مسلم (١)، والسند الثاني مذكور في بعض النسخ ومضروب عليه في بعضها، ولم يذكره أصحاب الأطراف ولا أبو نعيم في «مستخرجه».
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: قوله: (وهو غير كذوب)، قائله هو أبو إسحاق في عبد الله لا البراء، قاله الحفاظ، وليس بجيد؛ لأن عبد الله صحابي أيضًا كما أسلفناه. وعبد الله لم يرد به التعديل، وإنما أراد به قوة الحديث كما أوضحته في «شرح العمدة» بشواهده (٢).
ثانيها: قوله: (لم يحنِ) أي: لم يعطف، ومنه حنيت العود: عطفته، ويقال: حنيت وحنوت، والأكثر في اللغة والرواية بالياء. وقد روي بهما في «صحيح مسلم» (٣).
ثالثها: قوله: (ثم نقع) هو بالرفع على الاستئناف وليس معطوفًا على (يقع) الأول المنصوب بـ (حتى)؛ إذ ليس المعنى عليه.

-----------------
(١) مسلم (٤٧٤/ ٢٠٠).
وقال النووي: اعتراض الدارقطني هذا لا يقبل، بل أبان ثقة، نقل شيئًا فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًّا عن ابن يزيد وابن أبي ليلى والله اعلم. اهـ. «شرح مسلم» ٤/ ١٩١.
(٢) انظر: «الإعلام» ٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩. وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ١٩٠، «فتح الباري» لابن رجب ١/ ١٦٣.
(٣) مسلم (٤٧٤/ ١٩٧، ٢٠٠).



رابعها: في أحكامه، فيه ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء بالشارع والمتابعة له في الصلاة وغيرها حتى لم يتلبثوا بالركن الذي ينتقل إليه حتى يشرع في الهوي إليه بل يتأخرون عنه. وفي فعل الصحابة ذلك دلالة على طول الطمأنينة منه.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2026, 09:12 AM   #174

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (6)
من صـــ 521 الى صـــ 540
الحلقة (174)






٥٣ - باب إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ
٦٩١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟». [مسلم: ٤٢٧ - فتح: ٢/ ١٨٢]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وتابع محمد بن سيرين محمد بن زياد، أخرجه البيهقي (٢).
ثانيها:
يخشى: معناه: يخاف، وخص الحمار دون غيره؛ لبلادته وعدم فهمه؛ لأن المتعاطي لمخالفة إمامه ومسابقته في أفعاله كأنه بلغ هذا المبلغ من البلادة، فناسب أن يحول به؛ لشبهه به، والعقوبة من جنس الذنب، وخصت الرأس (٣) بذلك دون غيره؛ لوقوع الجناية به،

---------------
(١) مسلم (٤٢٧) كتاب: الصلاة، باب: النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي ٢/ ٩٦، وابن ماجه (٩٦١).
(٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام.
(٣) ورد بهامش الأصل: الرأس مذكر، ولكن المصريون يؤنثونه.



والوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. ويجوز أن يكون ذلك حقيقة، وقد وقع (١).
ثالثها:
الحديث نص في الرفع، ومثله الخفض، وخص الركوع والسجود دون غيرهما؛ لأنهما آكد أركان الصلاة، وهما محل القرب. وفيه الوعيد على الفعل المذكور وتحريم مسابقة الإمام وغلظها. ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت. وعن ابن عمر نحوه، وأمره بالإعادة. والجمهور على عدم الإعادة. وقال أحمد: من سبق الإمام عالمًا بتحريمه ليس له صلاة (٢). لهذا الحديث، ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب ولم يُخشَ العقاب.
وفيه: كمال شفقته - عليه السلام - بأمته، وبيانه لهم الأحكام وما يترتب على المخالفة.

---------
(١) قال المصنف -رحمه الله-: قد نقل وقوعه بإسناد صحيح لشخص أو شخصين في أزمنة قديمة، لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعل الرفع قبل الإمام متعرض له، خصوصًا إن كان مستهزءًا بالحديث، فإنه يقع به كما ذكرنا ونعوذ بالله من ذلك … اهـ. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩.
وقال المغربي: قد نقل الشيخ شهاب الدين بن فضل الله في «شرح المصابيح» أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانًا فحول الله تعالى رأسه رأس حمار، وكان يجلس بعد ذلك خلف مستر حتى لا يبرز للناس، وكان يفتي من رواء حجاب. اهـ. «مواهب الجليل» ٢/ ٤٦٨.
(٢) «المغني» ٢/ ٢١٠.



٥٤ - باب إِمَامَهَ العَبْدِ وَالْمَوْلَى
وَكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ، وَوَلَدِ البَغِيِّ وَالأَعْرَابِيِّ وَالْغُلَامِ الذِي لَمْ يَحْتَلِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ».
الشرح:
أما هذا الأثر، فأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة، أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف. وحدثنا ابن عُلية عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشة عبد بقراءة في المصحف (١)، ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج: أخبرني عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي [و] (٢) هو وعبيد ابن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وهو يومئذٍ غلام لم يعتق (٣)، وكان إمام بني محمد بن أبي بكر وعروة. وروى البيهقي من حديث هشام، عن أبيه أن أبا عمرو ذكوان كان عبدًا لعائشة، فأعتقته، وكان يؤم بها في شهر رمضان، يؤمها وهو عبد (٤). وفي «المصنف»: وكان ابن سيرين لا يرى به بأسًا. وفعلته عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، ورخص فيه الحكم والحسن بن أبي الحسن وعطاء، ونحوه عن أنس بن مالك (٥).

------------------
(١) «المصنف» ٢/ ١٤٢ (٧٢١٥).
(٢) زائدة في الأصل، والسياق يستقيم بدونها.
(٣) «مسند الشافعي» ١/ ١٠٦ - ١٠٧ (٣١٤).
(٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٨٨ كتاب: الصلاة، باب: إمامة العبيد.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣١ (٦١٠٥)، ٢/ ١٣٤ (٧٢١٤)، ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ (٧٢١٧ - ٧٢٢٢).



وقوله: (وكانت عائشة)، في رواية: وكان. على أن يضمر في كان الشأن والقصة.
وأما الحديث الذي ذكره: «يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله» فهو حديث صحيح ثابت، أخرجه مسلم منفردًا به في «صحيحه» من حديث أبي مسعود رضي الله عنه (١)، وفيه من حديث أبى سعيد مرفوعًا: «أحقهم بالإمامة أقرؤهم» (٢). ولأبي داود من حديث ابن عباس: «وليؤمكم أقرؤكم» (٣).
وأما فقه الباب: فأما إمامة العبد فأجازها أبو ذر، وحذيفة، وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (٤). وعن أبي سفيان أنه كان يؤم بني عبد الأشهل وهو مكاتب وخلفه صحابة: محمد بن مسلمة،

------------------
(١) مسلم (٦٧٣) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة؟
(٢) مسلم (٦٧٢).
(٣) كذا بالأصل، وفي «سنن أبي داود» (٥٩٠) من حديث ابن عباس: «وليؤمكم قراؤكم».
ورواه أيضًا ابن ماجه (٧٢٦)، وأبو يعلى ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢ (٢٣٤٣)، والطبراني ١١/ ٢٣٧ (١١٦٠٣)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٢٢٥، والبيهقي ١/ ٤٢٦، والذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٣٥، والمزي في «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٦٤، والذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٣٥ من طريق الحسين بن عيسى الحنفي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: «ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم».
قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٣٠٧: الحسين بن عيسى الكوفي، تكلم فيه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان. وذكر الدارقطني أن الحسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان.
وقال الألباني: إسناد ضعيف، حسين بن عيسى الحنفي ضعفه الجمهور، وقد تفرد بهذا الحديث عن الحكم، وقال البخاري: إنه حديث منكر. اهـ. «ضعيف سنن أبي داود» (٩٢).
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٠ - ٣١ (٦٠٩٩ - ٦١٠١ - ٦١٠٣) كتاب: الصلوات، باب: في إمامة العبد.



وسلمة بن سلامة. وصلى سالم خلف زياد مولى أم الحسن وهو عبد.
ومن التابعين: ابن سيرين، والحسن، وشريح، والحسن بن على، والنخعي، والشعبي، والحكم (١). ومن الفقهاء: الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وإسحاق (٢). وقال مالك: تصح إمامته في غير الجمعة. وفي رواية: لا يؤم إلا إذا كان قارئًا ومن خلفه من الأحرار لا يقرءون، ولا يؤم في جمعة ولا عيد (٣). وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهله (٤). وممن كره الصلاة خلفه: أبو مجلز فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحج قومًا فيهم من قد حج (٥). وفي «المبسوط»: أن إمامته جائزة، وغيره أحب (٦). قلت: ولا شك أن الحر أولى منه؛ لأنها منصب جليل؛ فالحر أليق بها. وقال ابن خيران (٧) من أصحابنا: تكره إمامته بالحرُ (٨)، وخالف سليم الرازي (٩).

----------------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣١ (٦١٠٤ - ٦١٠٦، ٦١٠٩، ٦١١٢ - ٦١١٣).
(٢) انظر: «الأصل» ١/ ٤٠، «الهداية» ١/ ٦٠، «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٣، «المغني» ٣/ ٢٦ - ٢٧.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٨٥، «المنتقى» ١/ ٢٣٦، «الذخيرة» ٢/ ٢٥١.
(٤) انظر: «البناية» ٢/ ٣٩١، «البيان» ٢/ ٤٢٠، «حلية العلماء» ٢/ ١٧٩.
(٥) «المصنف» ٢/ ٣١ (٦١١٠، ٦١١٤)، وانظر: «الأوسط» ٤/ ١٥٥ - ١٥٧.
(٦) «المبسوط» ١/ ٤١.
(٧) هو الإمام شيخ الشافعية، أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي، عرض عليه القضاء، فلم يتقلده، كان من جلة الفقهاء المتورعين، وأفاضل الشيوخ، توفي لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاث مائة.
انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٨/ ٥٣، «المنتظم» ٦/ ٢٤٤، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٣، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٨ (٢٧)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٧٨.
(٨) انظر: «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٣، «زاد المحتاج» ١/ ٢٧١.
(٩) هو سليم بن أيوب بن سليم، الإمام شيخ الإسلام، أبو الفتح، الرازي الشافعي، =



فرع: لو اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه، فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح من قال: العبد الفقيه أولى بما سيأتي: أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، فيهم عمر وغيره؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا (١). وأما إمامة المولى فقد عرفته آنفًا.
وأما إمامة ولد البغي، وهو ولد الزنا، فأجاز إمامته النخعي -وقال: رُب عبد خير من مولاه- والشعبي، وعطاء، والحسن. وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء، ذكره ابن أبي شيبة عنه (٢).
وإليه ذهب الثوري والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعيسى بن دينار، ومحمد بن الحكم (٣)، وكرهها عمر بن عبد العزيز، ومجاهد (٤)، ومالك إذا كان راتبا (٥). وذكر في «المبسوط» الجواز، وقال: غيره أحب إليَّ؛ لأنه ليس له من يفقهه، فيغلب عليه الجهل (٦). وقيل: لئلا يؤذى بالألسنة ويأثم الناس (٧). ولا تكره إمامته عندنا، خلافًا للشيخ أبي حامد والعبدري (٨).

-------------------
= سكن الشام مرابطًا، ناشرًا للعلم احتسابًا، قال النسيب: هو ثقة فقيه مقرئ محدث، من مصنفاته: كتاب «البسملة» وكتاب «غسل الرجلين» وله تفسير كبير شهير.
انظر تمام ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ٣٩٧،: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٤٥ (٤٣٦)، «الوافي بالوفيات» ١٥/ ٣٣٤، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٧٥.
(١) الحديث الآتي (٦٩٢).
(٢) «المصنف» ٢/ ٢٩ - ٣٠ (٦٠٨٧، ٦٠٩٣، ٦٠٩٥).
وليس فيه عن إبراهيم قوله: رب عبد …
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٨.
(٤) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠ (٦٠٩٦ - ٦٠٩٧).
(٥) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٧، «المجموع» ٤/ ١٨٣.
(٦) «المبسوط» ١/ ٤١.
(٧) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٦٧، «المنتقى» ١/ ٢٣٥.
(٨) انظر: «المجموع» ٤/ ١٨١.



قال الشافعي: وأكره أن ينصب من لا يعرف أبوه إمامًا (١). وتابعه البندنيجي (٢)، وغيره صرح بعدمها.
وقال ابن حزم: الأعمى والخصي والعبد وولد الزنا وأضدادهم والقرشي سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة وشبهه (٣).
وأما الأعرابي، بفتح الهمزة -الذي ينسب إلى الأعراب سكان البوادي. فمن كره إمامته عللها بجهله بحدود الصلاة. وأجازها الثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق (٤) - وصلى ابن مسعود خلف أعرابي، ولم ير بها بأسًا إبراهيم والحسن وسالم (٥).
وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يتقدم الصف الأول أعرابي ولا أعجمي ولا غلام لم يحتلم» (٦).
وأما الغلام الذي لم يحتلم فمنع الائتمام به في الفرض مالك،

------------------
(١) «الأم» ١/ ١٤٧.
(٢) انظر: «المجموع» ٤/ ١٨١.
والبندنيجي هو: العلامة المفتي أبو نصر محمد بن هبة الله بن ثابت الشافعي الضرير، تلميذ إسحاق الشيرازي، سمع وحدث، وكان متعبدًا كثير التلاوة، كان يقرأ في كل أسبوع ستة آلاف مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، ويعتمر في رمضان ثلاثين عمرة، عاش ثمانية وثمانين سنة، توفي بمكة سنة خمس وتسعين وأربع مائة. انظر تمام ترجمته في: «المنتظم» ٩/ ١٣٣، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ١٩٦ (١١٧)، «تاريخ الإسلام» ٣٤/ ٢٢٤ (٢٢٩)، «الوافي بالوفيات» ٥/ ١٥٦ (٢١٨٤).
(٣) «المحلى» ٤/ ٢١١.
(٤) انظر: «المبسوط» ١/ ٤١، «الأوسط» ٤/ ١٥٨، «المغني» ٣/ ٧١ - ٧٢.
(٥) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩ (٦٠٨٠، ٦٠٨٢، ٦٠٨٤، ٦٠٨٥).
(٦) «سنن الدارقطني» ١/ ٢٨١ كتاب: الصلاة، باب: من يصلح أن يقوم خلف الإمام، وأعله ابن الجوزي في «العلل» ١/ ٤٢٨ (٧٢٣).



وأبو حنيفة، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق (١)، وجوزها مالك في النفل.
ولأبي حنيفة وأحمد فيه روايتان (٢).
ومنع داود فيهما (٣)، وحكاه ابن أبي شيبة عن الشعبي، ومجاهد (٤)، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء (٥). وأجازه الشافعي فيهما (٦).
وفي الجمعة خلاف، وما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه من الكراهة فقط غريب عنهما (٧). حجة الشافعي حديث عمرو بن سلمة الآتي في البخاري: أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين. وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم: لا بأس أن يؤم الغلام قبل أن يحتلم في رمضان، وعن الحسن بمثله، ولم يقيده. وفعله الأشعث بن قيس، قدم غلامًا فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته ولكن قدمت القرآن العظيم (٨). أجاب المانع بأن هذا كان في أول الأمر، ولم يبلغ الشارع - ﷺ -.
قال ابن حزم: لو علمنا أنه - عليه السلام - عرف هذا أو أقره لقلنا به، ووجدنا

------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٦١، «التفريع» ١/ ٢٢٣، «الأوسط» ٤/ ١٥١، «المستوعب» ٢/ ٣٥٤.
(٢) انظر: «البناية» ٢/ ٤٠٦، «مجمع الأنهر» ١/ ١١١، «التفريع» ١/ ٢٢٣، «المنتقى» ١/ ٢٣٦، «الانتصار» ٢/ ٤٥٧، «المغني» ٣/ ٧١، «الفروع» ٢/ ١٨.
(٣) انظر: «المجموع» ٤/ ١٤٦.
(٤) «المصنف» ١/ ٣٠٦ (٣٥٠٥ - ٣٥٠٦)، كتاب الصلوات، باب: في إمامة الغلام قبل أن يحتلم. عن الشعبي وعطاء. وانظر: «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٥) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٣، «البيان» ٢/ ٣٩١.
(٧) «الأوسط» ٤/ ١٥١.
(٨) «المصنف» ١/ ٣٠٦ (٣٥٠٢ - ٣٥٠٤).



السنة قوله - عليه السلام -: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أقرؤكم» (١) ووجدناه قال: «إن القلم» رفع عن الصغير حتى يبلغ«(٢) فليس مأمورًا بها، ولا تصح خلفه (٣). وقال الخطابي: كان الإمام أحمد يضعف حديث عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين (٤)، قال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا (٥). ولعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي - ﷺ -، وقد خالفه أفعال الصحابة، قال: وفيه قال عمرو: كنت إذا سجدت خرجت استي (٦)، قال: وهذا غير سائغ، وأجاب ابن الجوزي بأنه يحتمل أن يكون في النافلة.
وابن رشد قال: سبب الخلاف؛ كونها صلاة مفترض خلف متنفل (٧).
وووى الأثرم بسنده عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود (٨)، وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى

-----------------
(١) سيأتي برقم (٤٠٣٢) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.
(٢) حديث صحيح تقدم تخريجه في حديث رقم (١)، وهو مروي عن عائشة وعلي وابن عباس، وأبي قتادة وغيرهم. وانظر:»البدر المنير«٣/ ٢٢٥ - ٢٣٨،»الإرواء«(٢٩٧).
(٣) انظر:»المحلى«٤/ ٢٢١.
(٤)»معالم السنن«١/ ١٤٦.
(٥)»مسائل الإمام أحمد«برواية أبي داود السجستاني ص ٦٢ (٢٩٤)، وفيه أيضًا: قال أبو داود: وسمعت مرة أخرى وذكر هذا الحديث، فقال: لعله كان في بدء الإسلام.
(٦) سيأتي برقم (٤٣٠٢). وبهذا اللفظ رواه أبو داود (٥٨٦).
(٧)»بداية المجتهد«١/ ٢٧٩.
(٨) انظر:»الانتصار" ٢/ ٤٥٨.



يحتلم (١)، وقد سلف مرفوعًا (٢).
وأما جواز الإمامة من المصحف: فقال به ابن سيرين والحكم وعطاء والحسن، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له المصحف، فإذا تعايا في آية فتح عليه (٣)، وأجازه مالك في قيام رمضان، وكرهه النخعي وسعيد ابن المسيب والشعبي ورواية عن الحسن، وقال: هكذا يفعل النصارى، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» وسليمان بن حنظلة ومجاهد وابن جبير وحماد وقتادة (٤)، وقال ابن حزم: لا يجوز القراءة في المصحف ولا غيره لمصلٍ إمامًا كان أو غير إمام، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السلمي، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (٥). كذا نقله عن الشافعي، وهو غريب لم أره عنه (٦). وقد نقل ابن بطال عن الحسن رواية أخرى جواز ذلك فقال: أجاز الإمامة من المصحف ابن سيرين والحكم ابن عتيبة وعطاء والحسن (٧)، وأما قوله: لا يمنع العبد من الجماعة بغير علة، أي أن السيد لا يمنعه من

-------------
(١) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٨٧ (١٨٧٢)، ٢/ ٣٩٨ (٣٨٤٧)، والبيهقي ٣/ ٢٢٥. قال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ١٧٣: إسناده فيه مقال.
(٢) عزاه الحافظ في «الفتح» ٢/ ١٨٥ لعبد الرزاق أيضا، وقال: إسناده ضعيف.
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ (٧٢١٤، ٧٢١٨، ٧٢٢٢).
(٤) «المصنف» ٢/ ١٢٥ (٧٢٢٣ - ٧٢٣١).
(٥) «المحلى» ٤/ ٤٦.
(٦) قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى» ٤/ ٤٦: هنا بحاشية النسخة رقم (١٦) ما نصه: نقله عن الشافعي غلط لا شك فيه، ولا يعرف هذا في مذهبه، بل مذهبه يلزمه أن يقرأ في الصلاة من المصحف لو عجز من الاستظهار. وهذا نقد صحيح. اهـ.
(٧) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٢١.



حضورها لغير علة. قال القاضي حسين -من أصحابنا-: ليس للسيد منع عبده من حضور الجماعات إلا أن يكون له معه شغل، ويقصد تفويت الفضيلة عليه، فحينئذ ليس له منعه.

٦٩٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ -مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ-، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. [٧١٧٥ - فتح ٢/ ١٨٤]

٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». [٦٩٦، ٧١٤٢ - فتح ٢/ ١٨٤]
ثم ذكر البخاري حديث ابن عمر قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ -مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا.
وهو دال لما ترجم به من جواز إمامة المولى، وفيه ترجيح على جواز تقديمه على الحر كما أسلفناه، وفي البيهقي أنه كان فيمن يؤمهم الصديق، والفاروق، وأبو سلمة، وزيد بن حارثة، وعامر بن ربيعة ثم قال: كذا قال في هذا، ولعله في وقت آخر، وإنما قدم الصديق مع رسول الله - ﷺ -، ويحتمل أن تكون إمامتهم إياهم قبل قدومه وبعده (١). وقال الداودي: أراد بعد قدوم الصديق. والعصبة- بفتح العين وإسكان الصاد المهملة بعدها باء موحدة، كذا ضبطه شيخنا علاء الدين في «شرحه»، وبخط الحافظ شرف الدين الدمياطي في البخاري: بضم العين وسكون الصاد، وكذا هو بخط شيخنا قطب

-----------------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٨٩.


الدين في «شرحه»، قال: وضبطه بعضهم بفتح العين والصاد- موضع بقباء، كما سلف في الحديث (١)، وكذا قاله البكري (٢)، لكنه ساقه (٣) من طريق بلفظ: المعصب، ثم قال كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب الأصيلي عليه: العصبة مهملًا غير مضبوط.
ثم ذكر البخاري أيضًا حديث أبي التياح -بفتح المثناة فوق ثم مثناة تحت- يزيد بن حميد الضبعي عن أنس، عَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ».
ويأتي إن شاء الله قريبًا (٤)، وفي الأحكام أيضًا (٥)، وهو دال لما ترجم له البخاري أيضًا.
وقال ابن الجوزي: إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش لا مدخل فيها للحبشة؛ لقوله - عليه السلام -: «لا يزال هدا الأمر في قريش» (٦) وإنما للأئمة تولية من يرون فيجب طاعة ولاتهم. وصغر الرأس معروف في الحبشة، فلذلك قال: «كأن رأسه زبيبة» قلت: ويحتمل أنه يريد سواد رأسه أو قصر شعرها، واجتماع بعضه وتفرقته حتى يصير كالزبيب. قال ابن التين: وفي الحديث النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا؛ لأن قيام القائم

-----------------
(١) هو في حديث الباب.
(٢) «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٤٦، وانظر أيضًا: «معجم البلدان» لياقوت ٤/ ١٢٨.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ذكر فتح العين والصاد من طريق البخاري ومسلم، ابن الأثير في «النهاية».
(٤) برقم (٦٩٦).
(٥) يأتي برقم (٧١٤٢) باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية.
(٦) سيأتي برقم (٣٥٠١) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش.



يهيج فتنة تذهب فيها الأنفس والحرم والأموال، وقد مثله بعضهم بالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا.
وفيه دلالة على وجوب طاعة الخارجي، لأنه لما قال: «حبشي» والخلافة في قريش دال على أن الحبشي إنما يكون متغلبًا، والفقهاء على أنه يطاع ما أقام الجمع والجماعات والعيد والجهاد، فضرب - عليه السلام - المثل بالحبشي إذ هو غاية في الذم، وإذا أمر بطاعته لم يمتنع من الصلاة خلفه، فكذلك المذموم ببدعة أو فسق.
وقوله: «اسمعوا وأطيعوا» يريد في المعروف، لا المنكر فإذا أمر بمنكر فلا سمع ولا طاعة.
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١) ويلزمهم الإنكار جهدهم، فإن عجزوا لزموا بيوتهم أو خرجوا إلى موضع العدل (٢) (٣).

----------------
(١) سيأتي معناه برقم (٧٢٥٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٢ من تجزئة المصنف.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الستين كتبه مؤلفه.



٥٥ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ
٦٩٤ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». [فتح: ٢/ ١٨٧]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
وهو حديث انفرد به البخاري.
وفيه: جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه، وأن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده لا تفسد صلاة من خلفه إلا أن ينتقص فرضًا من فروضها، فلا يجوز اتّباعه، إلا أن يخاف منه فيصلي معه بعد أن يصلي في بيته.
وقيل: «إن أصابوا» يعني: الوقت، أو أخطئوه فإن بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة تأخيرًا شديدًا (١)، ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا «ستدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الوقت الذى تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة». رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (٢).

------------------
(١) قال ابن حزم في «المحلى» ٢/ ٢٤١: ومن طريق سحنون عن ابن القاسم، أخبرني مالك أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة أنه كان يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد يصلي معهم. فكلم في ذلك، فقال: أصلي مرتين أحب إلي من ألا أصلي شيئًا.
(٢) ابن ماجه (١٢٥٥) وأوله: «لعلكم ..» والحديث رواه بنحوه مسلم (٥٣٤) كتاب: المساجد، باب: الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق مطولًا.



وفي «سنن أبي داود» بإسناد حسن من حديث قبيصة بن وقاص مرفوعًا: «يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة» (١).
ورواه أبو ذر وثوبان مرفوعًا أيضًا (٢) فهذا دال على أن المراد بقوله:
«فإن أخطأوا فلكم» يعني: صلاتكم في بيوتكم في الوقت، وكذلك كان جماعة من السلف يفعلون:
روي عن ابن عمر أن الحجاج لما أخر الصلاة بعرفة صلى ابن عمر في رحله، وثم ناس (وُقَّفٌّ) (٣)، قال: فأمر به الحجاج فحبس.
وكان الحجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلي في بيوتنا، ثم نأتي المسجد، وكان إبراهيم يصلي في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه.
وفعله مسروق مع زياد، وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخرا الصلاة أومآ في مجالسهما ثم صليا معه (٤).
وفعله مكحول مع الوليد أيضًا، وهو مذهب مالك في أئمة الجور إذا

-----------------
(١) أبو داود (٤٣٤) ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ٦١ (١٩٨٣)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٣٤٣، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٣٣٤ (٥٧٣٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٦٥ - ٦٦، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٦١).
(٢) حديث أبي ذر رواه مسلم (٦٤٨) كتاب: المساجد، باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام.
ولم أهتد إليه عن ثوبان، وانظر «الثمر المستطاب» ١/ ٨٦ - ٩١.
(٣) بالأصل: (ووقف)، والمثبت من «المصنف».
(٤) انظر هذِه الآثار في «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٥٧ (٧٥٩٢ - ٧٥٩٣، ٧٥٩٥، ٧٥٩٧، ٧٥٩٩).



أخروا الصلاة عن وقتها.
وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا لا يعتدون الصلاة معهم.
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا [بسطام] (١): سألت أبا جعفر محمد بن علي عن الصلاة خلف الأمراء فقال: صل معهم، قد كان الحسن والحسين [يبتدران] (٢) الصلاة خلف مروان، قلت: إن الناس كانوا يزعمون أن ذلك تقية. فقال: وكيف إن كان الحسن بن علي ليسب مروان في وجهه وهو على المنبر حتى بولي (٣).
وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت. فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمة.
وقال إبراهيم: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلًا ويرى أن مأثم ذلك عليهم (٤).
وقال أبو عبد الملك: يريد بقوله: فلكم ثواب الطاعة والسمع، وعليهم إثم ما ضيعوا وأخطئوا.
وقيل: إن صليتم أفرادًا في الوقت فصلاتكم تامة، إن أخطئوا في صلاتهم وائتممتم أنتم بهم. وقيل: المراد بالخبر: الأوقات وما يكون في الصلاة مما لا يعلمه المأموم.

----------------
(١) في الأصل (بسام)، وكذا في «شرح ابن بطال»، والمثبت من «المصنف».
(٢) في الأصل (يبدآن)، والمثبت من «المصنف».
(٣) في مطبوع «المصنف»: تولى.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧٥٥٩، ٧٥٦٥، ٧٥٦٧).



٥٦ - باب إِمَامَةِ المَفتُونِ وَالْمُبتَدِعِ
قال البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ: صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ.

٦٩٥ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رضي الله عنه- وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا. [فتح: ٢/ ١٨٨]

٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَبِي ذَرٍّ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». [انظر: ٦٩٣ - فتح: ٢/ ١٨٨]
هذا مروي عنه (١) بلفظ: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق ولا تنفع المنافق صلاته خلف المؤمن (٢)، كذا ذكره ابن بطال (٣) عنه.
قال الشافعي: وصلى ابن عمر خلف الحجاج (٤)، وكفي به فاسقًا.

-----------------
(١) أي: قول الحسن.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ (٧٥٦١).
وما علقه البخاوي عن الحسن، رواه بلفظه مسندًا سعيد بن منصور كما في «فتح الباري» لابن رجب ٦/ ١٨٦ - ١٨٧، و«فتح الباري» لابن حجر ٢/ ١٨٨، ورواه كلذلك الحافظ بإسناده في «التغليق» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٣٢٧.
(٤) سيأتي برقم (١٦٦٠) كتاب: الحج، باب: التهجير بالرواح يوم عرفة من حديث الزهري، عن سالم قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج، أن لا يخالف ابن عمر في الحج .. الحديث.
ومفهوم الحديث يدل على أن ابن عمر صلى وراءه، لكن ليس فيه ثمة تصريح بذلك، فالدلالة فيه دلالة مفهوم لا منطوق. =



قلت: وصلى خلفه ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وخرج عليه (١).
وقال البخاري: وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنتَحَرَّجُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَاِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.

-------------------
= ولما خرج المصنف -رحمه الله- هذا الأثر في «البدر المنير» ٤/ ٥٢٠ قال: أثر صحيح رواه البخاري في «صحيحه»، وكذلك عزاه أيضا في «خلاصة البدر» ١/ ١٩٨ (٦٩١). وكذا الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٤٣ عزاه للبخاري. وما أخرجه البخاري (١٦٦٠) ليس صريح الدلالة- كما قلنا.
ولما خرج الألباني -رحمه الله- هذا الأثر والحديث في «الإرواء» ٢/ ٣٠٣ (٥٢٥) نقل عزو الحافظ للحديث في «التلخيص» للبخاري، ثم قال: ولم أجده عنده حتى الآن!
وكذلك ذهل عنه الأستاذ حمدي عبد المجيد السلفي؛ وذلك لأنه لما عزاه المصنف في «خلاصة البدر» للبخاري، عزاه هو في الهامش للبيهقي ٣/ ١٢١ - ١٢٢ فكأنه لم يتوصل إليه عند البخاري.
والأثر رواه صريحًا ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ (٧٥٥٨) عن عمير بن هانئ، قال: شهدت ابن عمر والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء وربما حضر الصلاة مع هؤلاء.
قال الألباني في «الإرواء» ٢/ ٣٠٣: سند صحيح على شرط الستة.
وبنحوه رواه البيهقي ٣/ ١٢١ - ١٢٢ عن عمير بن هانئ، بأطول من حديث ابن أبي شيبة، وفيه تصريح أوضح بالصلاة وراءه.
ورواه الشافعي في «مسنده» ١/ ١٠٩، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٢١ عن نافع أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج، فصلى مع الحجاج.
(١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧٥٦٦، ٧٥٧١).



هذا من أفراد البخاري، ومحمد بن يوسف هو الفريابي وكأنه أخذه عنه مذاكرة (١)، وقد وصله الإسماعيلي عن عبد الله بن يحيى السرخسي: ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد، فذكره، ومن طرق أخرى، ورواه هو وأبو نعيم من طريق الحسن بن سفيان، عن حبان، عن ابن المبارك، أنا الأوزاعي، فذكره.
وقوله: «إمامُ العامَّة»: يعني العموم. وقوله: «يُصلِّي لنا إمام فتنةٍ» أي: يؤمنا، فيه قولان:
أحدهما: في وقت فتنة، قاله الداودي.
وثانيهما وهو قول ابن وضاح: إمام الفتنة: هو عبد الرحمن بن عديس البلوي وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر (٢).
وذكروا أن القول الأول أصح، بل الأول راجع إليه؛ لأن عبد الرحمن

----------------
(١) قال الحافظ: قيل: عبر بهذِه الصيغة؛ لأنه مما أخذه من شيخه في المذاكرة فلم يقل فيه حدثنا، وقيل: إن ذلك مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض، وقيل: هو متصل من حيث اللفظ منقطع من حيث المعنى، والذي ظهر لي بالاستقراء خلاف ذلك، وهو أنه متصل لكنه لا يعبر بهذِه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفًا، أو كان فيه راو ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأول. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٨٨.
(٢) قال الذهبي: عبد الرحمن بن عُديس، أبو محمد البلوي، له صحبة، وبايع تحت الشجرة، وله رواية، سكن مصر، وكان ممن خرج على عثمان وسار إلى قتاله -نسأل الله العافية- ثم ظفر به معاوية فسجنه بفلسطين في جماعة، ثم هرب من السجن، فأدركوه بجبل لبنان فقتل، ولما أدركوه قال لمن قتله: ويحك اتق الله في دمي فإني من أصحاب الشجرة، فقال الشجر بالجبل كثير، وقتله. قال ابن يونس: كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان. وعن محمد بن يحيى الذهلي قال: لا يحل أن يحدث عنه بشيء، هو رأس الفتنة. اهـ. «تاريخ الإسلام» ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢.
وقال في: قال الواقدي: حدثني ابن جريج وغيره عن عمرو، عن جابر أن المصريين =



كان إمام هذِه الفتنة، فهو وقتها، وكان هؤلاء لما هجموا على عثمان المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس وهم يصلون خلفه شهرًا، ثم خرج في آخر جمعة خرج فيها فحصبوه حتى وقع من المنبر، ولم يقدر أن يصلي بهم، فصلى بهم يومئذٍ أبو أمامة بن سهل بن حنيف فمنعوه، فكان يصلي بهم ابن عديس تارة وكنانة بن بشر (١) أحد رؤساء الخوارج يومئذٍ تارة، فبقوا على ذلك عشرة أيام (٢).
وروي أنه حصر أربعين يومًا وكان طلحة يصلي بهم، وصلى بهم أكثر الأيام علي، وفيه نظر؛ لأنهما إماما هدى.
وقد قال ابن عدي (٣): يصلي لنا إمام فتنة.

------------------
= لما أقبلوا يريدون ثمان دعا عثمان محمد بن مسلمة، فقال: أخرج إليهم فارددهم وأعطهم الرضا وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع «تاريخ الإسلام» ٣/ ٤٤١.
وانظر تمام ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٩/ ٥٥٧، «الاستيعاب» ٢/ ٣٨٣ (١٤٤٥)، «أسد الغابة» ٣/ ٤٤٧ (٣٣٥٢)، «الإصابة» ٢/ ٤١١ (٥١٦٣).
(١) قال الحافظ: كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف بن حارثة بن قتبرة بن حارثة التجيبي، قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقتل بفلسطين سنة ستة وثلاثين، وكان ممن قتل عثمان، وإنما ذكرته؛ لأن الذهبي ذكر عبد الرحمن بن ملجم؛ لأن له إدراكًا، وينبغي أن ينزه عنهما كتاب الصحابة. اهـ. «الإصابة» ٣/ ٣١٨ (٧٥٠٢).
(٢) روى هذِه الأحداث مفصلة عمر بن شبة في «تاربخ المدينة المنورة» ٤/ ١٢١٧ - ١٢١٩ بعدة أسانيد.
وقال الحافظ: وقد صلى بالناس يوم حصر عثمان أبو أمامة بن سهل بن حنيف، رواه عمر بن شبة بسند صحيح. اهـ. «الفتح» ٢/ ١٨٩.
(٣) هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، ولد في زمن النبي - ﷺ - وكان من فقهاء قريش، وكان أبوه من الطلقاء، ما ذكره في الصحابة أحد سوى ابن سعد، وهو ثقة قليل الحديث، ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك. =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* التفقد عبادة مفقودة
* التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته
* تحريم الحلف بالطواغيت والأنداد كاللات والعزى وغيرها
* من هم أهل السنة والجماعة . خصائص وصفات أهل السنة والجماعة
* من أقوال السلف في معاني أسماء الله الحسنى (الواسع، المقيت، المحسن)
* تحقيق التوحيد في باب التوكل
* السلام المؤمن

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009