استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-05-2026, 10:03 PM   #169

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 905 الى صـ 910
الحلقة (169)



الثاني : هذه الآية هي آية وجوب الحج عند الجمهور . وقيل : بل هي قوله : وأتموا الحج والعمرة لله والأول أظهر . وفي ( فتح البيان ) : اللام في قوله : ( لله ) هي التي يقال لها [ ص: 905 ] لام الإيجاب والإلزام ، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف : ( على ) فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب . كما إذا قال القائل : لفلان علي كذا ، فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه ، وتعظيما لحرمته . وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا .

الثالث : يجب الحج على المكلف في العمر مرة واحدة ، بالنص والإجماع ، روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : « أيها الناس إنه فرض الله عليكم الحج فحجوا » . فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت . حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم » . ثم قال : « ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » . وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : « يا أيها الناس ! إن الله كتب عليكم الحج » ، فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله أفي كل عام ؟ فقال : « لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها . الحج مرة . فمن زاد فهو تطوع » .

[ ص: 906 ] الرابع : استطاعة السبيل عبارة عن إمكان الوصول إليه . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في قوله تعالى : من استطاع إليه سبيلا فقالت طائفة : الآية على العموم ، إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا إجماعا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا ، فعلى كل مستطيع للحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة الحج - على ظاهر الآية - . قال : وروينا عن عكرمة أنه قال : الاستطاعة : الصحة . وقال الضحاك : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه . فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا ، بل ينطلق إليه ولو حبوا ، قال : فكذلك يجب عليه حج البيت . وقال مالك : الاستطاعة على إطاقة الناس ، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي ، وآخر يقدر على المشي على رجليه . وقالت طائفة : الاستطاعة : الزاد والراحلة ، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن حنبل ، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رجلا قال : يا رسول الله ما يوجب الحج ؟ قال : « الزاد والراحلة » - رواه الترمذي - وفي إسناده الخوزي فيه مقال . قال ابن كثير : لكن قد تابعه غيره . وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث . ورواه الحاكم من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله - عز وجل - : من استطاع إليه سبيلا فقيل : ما السبيل ؟ قال : « الزاد والراحلة » ، ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .

الخامس : قال الإمام ابن القيم الدمشقي - رضي الله عنه - في ( زاد المعاد ) في سياق هديه - صلى الله عليه وسلم - في حجته : لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة ، وهي حجة الوداع ، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر ، واختلف هل حج قبل الهجرة ؟ .


[ ص: 907 ] وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حجج : حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر ، معها عمرة . قال الترمذي : هذا حديث غريب من حديث سفيان . قال : وسألت محمدا - يعني : البخاري - عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري . وفي رواية : لا يعد هذا الحديث محفوظا . ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحج من غير تأخير ، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر . وأما قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله فإنها ، وإن نزلت سنة ست عام الحديبية ، فليس فيها فريضة الحج ، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء . فإن قيل : فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة ؟ قيل : لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود ، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصالحهم على أداء الجزية والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر سورة آل عمران ، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة . ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية . ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع . وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج ، وأردفه بعلي - رضي الله عنه - وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم . وقوله تعالى :

ومن كفر فإن الله غني عن العالمين إما مستأنف لوعيد من كفر به تعالى ، لا تعلق له بما قبله ، وإما أنه متعلق به ومنتظم معه ، وهو أظهر وأبلغ . والكفر - على هذا - إما بمعنى جحد فريضة الحج ، أو بمعنى ترك ما تقدم الأمر به . ونظيره في السنة ما رواه [ ص: 908 ] النسائي والترمذي عن بريدة مرفوعا : « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر » . وعن عبد الله بن شقيق قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة - أخرجه الترمذي - ولأبي داود عن جابر مرفوعا : « بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة » ولفظ مسلم : « بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة » . وروى الترمذي عن علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . « من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن الله تعالى يقول : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مقال . وقد روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن عمر بن الخطاب قال : من أطاق الحج فلم يحج ، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا . قال ابن كثير : إسناده صحيح إلى عمر - رضي الله عنه - : وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : لقد هممت أن أبعث رجلا إلى هذه الأمصار ، فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج ، فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين ، ما هم بمسلمين . قال السيوطي في ( الإكليل ) : وقد استدل بظاهر الآية ابن حبيب على أن من ترك الحج ، وإن لم ينكره ، كفر . ثم قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر : من كان يجد وهو موسر صحيح ولم يحج ، كان سيماه بين عينيه كافر ، ثم تلا هذه الآية .

[ ص: 909 ] تنبيه :

هذه الآية الكريمة حازت من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه ، فمنها الإتيان باللام وعلى في قوله : ولله على الناس حج البيت يعني : أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ، ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه : من استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد :

أحدهما : أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له .

والثاني : أن الإيضاح بعد الإبهام ، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين .

ومنها : قوله : ومن كفر مكان من لم يحج تغليظا على تارك الحج .

ومنها : ذكر الاستغناء عنه . وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان .

ومنها : قوله : عن العالمين ولم يقل : عنه . وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان ، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل ، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه - أشار لذلك الزمخشري - ثم عنف تعالى كفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 98 ] قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون

قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله أي : الدالة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله : والله شهيد على ما تعملون حال مفيدة لتشديد التوبيخ . وإظهار الجلالة في موضع الإضمار لتربية المهانة وتهويل الخطب . وصيغة المبالغة في ( شهيد ) لتأكيد الوعيد ، وكل ذلك موجب لعدم الاجتراء على ما يأتونه. ثم عقب تعالى الإنكار عليهم في ضلالهم توبيخهم في إضلالهم ، فقال :

[ ص: 910 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 99 ] قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون

قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله أي : عن دينه . وكانوا يحتالون لصدهم عن الإسلام : من آمن مفعول تصدون قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام به : تبغونها على الحذف والإيصال ، أي : تبغون لها ، أي : لسبيل الله التي هي أقوم السبل : عوجا أي : اعوجاجا وزيغا وتحريفا . قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام ، كقولك : بغيت المال والأجر والثواب ، وأريد ههنا : تبغون لها عوجا ، ثم أسقطت اللام . كما قالوا : وهبتك درهما ، أي : وهبت لك درهما ، ومثله : صدتك ظبيا ، أي : صدت لك ظبيا ، وأنشد :


فتولى غلامهم ثم نادى أظليما أصيدكم أم حمارا


أراد : أصيد لكم .

قال الرازي : وفي الآية وجه آخر ، وهو أن يكون ( عوجا ) في موضع الحال . والمعنى : تبغونها ضالين ، وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله ، فقال تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الحذف والإيصال .

وذكر ناصر الدين في ( الانتصاف ) وجها آخر قال : هو أتم معنى ، وهو أن تجعل الهاء هي المفعول به ، و ( عوجا ) حال وقع فيها المصدر الذي هو ( عوجا ) موقع الاسم ، وفي هذا الإعراب من المبالغة أنهم يطلبون أن تكون الطريقة المستقيمة نفس العوج ، على طريقة المبالغة في مثل رجل صوم ، ويكون ذلك أبلغ في ذمهم وتوبيخهم - والله أعلم - .

وأنتم شهداء بأنها سبيل الله ، والصد عنها ضلال وإضلال : وما الله بغافل عما تعملون تهديد ووعيد .







التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 10:06 PM   #170

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 911 الى صـ 916
الحلقة (170)

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 100 ] يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين

يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب أي : بحسن اعتقادكم فيهم لكونهم أهل الكتاب : يردوكم بعد إيمانكم أي : بالتوحيد والنبوة : كافرين لأنهم يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، كما قال تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم الآية .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 101 ] وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم .

وكيف تكفرون معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب . والمعنى : من أين يتطرق لكم الكفر ؟ : وأنتم تتلى عليكم آيات الله وهي القرآن المعجز الذي هو أجل من الآيات المتلوة عليهم : وفيكم رسوله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ، وقد هداكم من الضلالة ، وأنقذكم من الجهالة : ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم أي : من يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على لسان رسوله ، وهو الإسلام ، والتوحيد ، المعبر عنه بسبيل الله ، فهو على هدى لا يضل متبعه . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم - انتهى - فالجملة حينئذ [ ص: 912 ] تذييل لقوله : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا إلخ ، لأن مضمونه أنكم إن تطيعوهم لخوف شرورهم ومكايدهم ، فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله في دفع ذلك ، لأن من التجأ إليه كفاه .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 102 ] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته أي : حق تقواه ، وذلك بدوام خشيته ظاهرا وباطنا والعمل بموجبها . وروى الحافظ ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال في معنى الآية : هو أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر . ورواه ابن مردويه والحاكم مرفوعا ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

قال ابن كثير : والأظهر أنه موقوف - والله أعلم - .

وروي عن أنس أنه قال : لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن لسانه . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية : أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم .

أقول : كل ما روي ، مما تشمله الآية بعمومها ، فلا تنافي .

تنبيه :

زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية : فاتقوا الله ما استطعتم متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه . قال : فهذا يعجز العبد عن الوفاء ، فتحصيله ممتنع . وهذا الزعم لم يصب المحز ، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به ، [ ص: 913 ] فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى ، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا ، كما بينا . وهذا من المستطاع لكل منيب . وقوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم أمر بعبادته قدر الاستطاعة بلا تكليف لما لا يطاق ، إذ : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وظاهر أن من أتى بما يستطيعه من عبادته تعالى وأناب لجلاله ، وأخلص في أعماله ، وكان مشفقا في طاعاته ، فقد اتقى الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أي : مخلصون نفوسكم لله تعالى ، لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا ، كما في قوله تعالى : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أي : لا تموتن على حال من الأحوال ، إلا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه ، كما ينبئ عنه الجملة الاسمية . ولو قيل إلا مسلمين لم يفد فائدتها .

والعامل في الحال ما قبل إلا بعد النقض . وظاهر النظم الكريم ، وإن كان نهيا عن الموت المقيد بقيد ، هو الكون على أي : حال غير حال الإسلام ، لكن المقصود هو النهي عن ذلك القيد عند الموت المستلزم للأمر بضده الذي هو الكون على حال الإسلام حينئذ . وحيث كان الخطاب للمؤمنين ، كان المراد إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت . وتوجيه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور . فإن النهي عن المقيد في أمثاله ، نهي عن القيد ورفع له من أصله بالكلية ، مفيد لما لا يفيده النهي عن نفس القيد . فإن قولك : لا تصل إلا وأنت [ ص: 914 ] خاشع ، يفيد من المبالغة في إيجاب الخشوع في الصلاة ما لا يفيده قولك : لا تترك الخشوع في الصلاة ؛ لما أن هذا نهي عن ترك الخشوع فقط ، وذاك نهي عنه وعما يقارنه ، ومفيد لكون الخشوع هو العمدة في الصلاة ، وأن الصلاة بدونه حقها أن لا تفعل . وفيه نوع تحذير عما وراء الموت - أفاده أبو السعود - .

وقد مضى في سورة البقرة الكلام على لون آخر من سر البلاغة في هذه الجملة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 103 ] واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا الحبل : إما بمعنى العهد ، كما قال تعالى في الآية بعدها : ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس أي : بعهد وذمة ، وإما بمعنى القرآن ، كما في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : [ ص: 915 ] « ألا وإني تارك فيكم ثقلين : أحدهما كتاب الله هو حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة ...» الحديث ، والوجهان متقاربان ، فإن عهده أي : شرعه ودينه وكتابه حرز للمتمسك به من الضلالة ، كالحبل الذي يتمسك به خشية السقوط . وقوله : ولا تفرقوا أي : لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم . كما اختلف اليهود والنصارى ، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية ، متدابرين ، يعادي بعضكم بعضا ، ويحاربه . أو ولا تحدثوا [ ص: 916 ] ما يكون عنه التفرق ، ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم ، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام - أفاده الزمخشري - : واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا

قال الزمخشري : كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة ، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام ، وقذف فيها المحبة ، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد ، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف ، وهو الأخوة في الله : وكنتم على شفا أي : طرف : حفرة من النار بما كنتم فيه من الجاهلية : فأنقذكم منها أي : بالإسلام . قال ابن كثير : وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم ، والوقائع بينهم . فلما جاء الله بالإسلام ، فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله ، متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى . قال الله تعالى : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم الآية . وكانوا على شفا حفرة من النار ، بسبب كفرهم ، فأنقذهم الله منها ، إذ هداهم للإيمان . وقد امتن عليهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عتب منهم ، بما فضل عليهم في القسمة ، بما أراه الله ، فخطبهم فقال : « يا معشر الأنصار ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ؟ » فكلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن - انتهى - .







التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 10:11 PM   #171

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 917 الى صـ 923
الحلقة (171)



لطيفة :

قال الزمخشري : الضمير في : منها للحفرة أو للنار أو للشفا ، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة ، وهو منها كما قال :


كما شرقت صدر القناة من الدم


انتهى .

[ ص: 918 ] وقال أبو حيان : لا يحسن عوده إلا إلى الشفا ؛ لأنه المحدث عنه . انتهى .

وفي ( الانتصاف ) : يجوز عود الضمير إلى الحفرة ، فلا يحتاج إلى تأويله المذكور ، كما تقول : أكرمت غلام هند ، وأحسنت إليها ، والمعنى على عوده إلى الحفرة أتم ، لأنها التي يمتن بالإنقاذ منها حقيقة ، وأما الامتنان بالإنقاذ من الشفا ، فلما يستلزمه الكون على الشفا غالبا من الهوي إلى الحفرة ، فيكون الإنقاذ من الشفا إنقاذا من الحفرة التي يتوقع الهوي فيها . فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة تكون أبلغ وأوقع . مع أن اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو علي في التعاليق من ضرورة الشعر ، خلاف رأيه في ( الإيضاح ) - نقله ابن يسعون - .

وما حمل الزمخشري على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه ، ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالإنقاذ منها ، وقد بينا في أدراج هذا الكلام ما يسوغ الامتنان عليهم بالإنقاذ من الحفرة ، لأنهم كانوا صائرين إليها غالبا ، لولا الإنقاذ الرباني . ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : « الراتع حول الحمى يوشك أن يواقعه » وإلى قوله تعالى : ( أم من أسس [ ص: 919 ] بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ) وانظر كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سببا مؤديا إلى انهياره في نار جهنم ، مع تأكيد ذلك بقوله : هار والله أعلم - انتهى - .

ثم قال الزمخشري : وشفا الحفرة وشفتها : حرفها ، بالتذكير والتانيث ، ولامها واو إلا أنها في المذكر مقلوبة ، وفي المؤنث محذوفة ، ونحو الشفا والشفة ، الجانب والجانبة . انتهى .

وحكى الزجاج في تثنية شفا : شفوان . قال الأخفش لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو ، لأنه الإمالة من الياء . كذا في الصحاح .

ثم قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار ؟ قلت : لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار ، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار ، بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها .

قال الرازي : وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة ، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة ، إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء .

كذلك أي : مثل ذلك البيان : يبين الله لكم آياته في كل مكان لإنقاذكم عن الضلال فيه : لعلكم تهتدون لرشدكم الديني والدنيوي فيه . ثم أشار إلى أنه كما أنقذكم من النار والضلال بإرسال الرسل وإنزال الآيات ، فليكن فيكم من ينقذ إخوانه ، فقال :

[ ص: 920 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 104 ] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون

ولتكن منكم أمة أي : جماعة ، سميت بذلك لأنها يؤمها فرق الناس ، أي يقصدونها ويقتدون بها : يدعون إلى الخير وهو ما فيه صلاح ديني ودنيوي : ويأمرون بالمعروف أي : بكل معروف ، من واجب ومندوب يقربهم إلى الجنة ويبعدهم عن النار : وينهون عن المنكر أي : عن كل منكر ، من حرام ومكروه يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة : وأولئك الداعون الآمرون الناهون : هم المفلحون الفائزون بأجور أعمالهم وأعمال من تبعهم .

قال بعضهم : الفلاح : هو الظفر وإدراك البغية . فالدنيوي هو إدراك السعادة التي تطيب بها الحياة ، والأخروي أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وعز بلا ذل ، وغنى بلا فقر ، وعلم بلا جهل .

لطيفة :

قيل : عطف : ويأمرون على ما قبله ، من عطف الخاص على العام . كذا قاله الزمخشري . وناقشه في ( الانتصاف ) . وعبارته : عطف الخاص على العام يؤذن بمزيد اعتناء بالخاص لا محالة إذا اقتصر على بعض متناولات العام ، كقوله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال وكقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان وكقوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وشبه ذلك ، لأن الاقتصار على تخصيص ما يفرد بالذكر [ ص: 921 ] يفيده تمييزا عن غيره من بقية المتناولات . وأما هذه الآية فقد ذكر ، بعد العام فيها جميع ما يتناوله ، إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور ، أو ترك منهي ، لا يعدو واحدا من هذين حتى يكون تخصيصها يميزها عن بقية المتناولات ، فالأولى في ذلك أن يقال : فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا . وفيه تنبيه : أن الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية - والله أعلم - إلا أن يثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير ، فإذ ذاك يتم مراد الزمخشري ، وما أرى هذا العرف ثانيا - والله أعلم - انتهى .

تنبيه :

وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة ، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة ، وأصل عظيم من أصولها ، وركن مشيد من أركانها ، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها - كذا في ( فتح البيان ) .

قال الغزالي - رضي الله عنه - : في هذه الآية بيان الإيجاب . فإن قوله تعالى : ولتكن أمر . وظاهر الأمر الإيجاب ، وفيها بيان أن الفلاح منوط به ، إذ حصر وقال : وأولئك هم المفلحون وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين ، وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين ؛ إذ لم يقل : كونوا كلكم آمرين بالمعروف . بل قال : ولتكن منكم أمة فإذا ، مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين ، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين . وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون ، عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة . انتهى .

فإن قلت : فمن يباشره ؟ فالجواب : كل مسلم تمكن منه ولم يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة ، أو إن نهيه لا يؤثر ، لأنه عبث ، إلا أنه يستحب لإظهار شعار الإسلام ، وتذكير الناس بأمر الدين . فإن قلت : فمن يؤمر وينهى ؟ قلت : كل مكلف ، وغير المكلف ، إذا هم بضرر غيره منع ، كالصبيان والمجانين ، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها ، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها - ذكره الزمخشري - .

[ ص: 922 ] وتفصيل هذا البحث في ( الإحياء ) للغزالي قدس سره ، وقد قال - قدس سره - في طليعة ذلك البحث ما نصه : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوي بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة ، واضمحلت الديانة ، وعمت الفترة ، وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد ، وهلك العباد ، وإن لم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد ، وقد كان الذي خفنا أن يكون ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه ، وانمحى بالكلية حقيقته ورسمه ، واستولت على القلوب مداهنة الخلق ، وانمحت عنها مراقبة الخالق ، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم ، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم ، فمن سعى في تلافي هذه الفترة ، وسد هذه الثلمة ، إما متكفلا بعملها ، أو متقلدا لتنفيذها ، مجددا لهذه السنة الداثرة ، ناهضا بأعبائها ، ومتشمرا في إحيائها - كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها ، ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها - انتهى - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 105 ] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ينهى تعالى عباده أن يكونوا كاليهود في افتراقهم مذاهب ، واختلافهم عن الحق بسبب اتباع الهوى ، وطاعة النفس ، والحسد ، حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض ، ويدعو إلى ما ابتدعه في دينه ، فصاروا إلى العداوة والفرقة من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة ، المبينة للحق ، الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة ، وهي كلمة الحق ، فالنهي متوجه إلى المتصدين للدعوة أصالة ، وإلى أعقابهم تبعا . وفي قوله [ ص: 923 ] تعالى : وأولئك لهم عذاب عظيم من التأكيد والمبالغة في وعيد المتفرقين ، والتشديد في تهديد المشبهين بهم ، ما لا يخفى .

تنبيهات :

الأول : ذكر الفخر الرازي من وجوه قوله تعالى : ( اختلفوا ) أي : بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق ، وأن صاحبه على الباطل . ثم قال : وأقول إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة . فنسأل الله العفو والرحمة - انتهى كلامه - وقوله : ( هذا الزمان ) . إشارة إلى أن هذا الحال لم يكن في علماء السلف ، وما زالوا يختلفون في الفروع وفي الفتاوى بحسب ما قام لديهم من الدليل ، وما أداه إليه اجتهادهم ، ولم يضلل بعضهم بعضا ، ولم يدع أحدهم أنه على الصواب الذي لا يحتمل الخطأ وأن مخالفه على خطأ لا يحتمل الصواب ، وإنما نشأ هذا من جمود المقلدة المتأخرين وتعصبهم وظنهم عصمة مذهبهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد تفرق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البلاد ، وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين ، وهم على وحدتهم وتناصرهم .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 10:14 PM   #172

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 924 الى صـ 930
الحلقة (172)

الثاني : قال القاشاني : يعني بالآيات : الحجج العقلية والشرعية الموجبة لاتحاد الوجهة ، واتفاق الكلمة ، فإن للناس طبائع وغرائز مختلفة ، وأهواء متفرقة ، وعادات وسيرا متفاوتة ، مستفادة من أمزجتهم وأهويتهم ، ويترتب على ذلك فهوم متباينة ، وأخلاق متعادية ، فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام ، تتحد عقائدهم وسرهم وآراؤهم بمتابعته ، وتتفق كلماتهم وعاداتهم وأهواؤهم بمحبته وطاعته - كانوا مهملين متفرقين ، فرائس للشيطان ، كشريدة الغنم ، تكون للذئب . ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا بد للناس من إمام بر أو فاجر ، ولم يرسل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين فصاعدا لشأن ، إلا وأمر أحدهما على الآخر ، وأمر الآخر بطاعته [ ص: 924 ] ومتابعته ، ليتحد الأمر وينتظم ، وإلا وقع الهرج والمرج ، واضطرب أمر الدين والدنيا ، واختل نظام المعاش والمعاد . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة » . وقال : « الله مع الجماعة » . ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذ لم تنضبط برئاسة القلب ، وطاعة العقل - كيف اختل نظامها ، وآلت إلى الفساد والتفرق ، الموجب لخسار الدنيا والآخرة ، ولما نزل قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا ، فقال : « هذا سبيل الرشد ، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال : هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه » .

[ ص: 925 ] الثالث : قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ، قدس سره ، في أول كتابه ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) . وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يعتقد مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من سنته ، دقيق ولا جليل ، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن إذا وجد لواحد منهم قول ، قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلا بد له من عذر في تركه . وجماع الأعذار ثلاثة أصناف :

أحدها : عدم اعتقاده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله .

الثاني : عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول .

الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .

وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة . ثم أوسع المقال في ذلك .

وذكر - قدس سره - في بعض فتاويه ، أن السلف والأئمة الأربعة والجمهور يقولون : الأدلة بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر . وعلى الإنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى . فإذا رأى دليلا أقوى من غيره ، ولم ير ما يعارضه ، عمل به ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه كان مخطئا معذورا ، وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه ، وخطؤه مغفور له ، وذلك الباطن هو الحكم ، لكن بشرط القدرة على معرفته ، فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه ، فإذا أريد بالخطأ الإثم ، فليس المجتهد بمخطئ ، بل كل مجتهد مصيب ، مطيع لله ، فاعل ما أمره الله به ، وإذا أريد له عدم العلم بالحق في نفس الأمر ، فالمصيب واحد ، وله أجران . كما في المجتهدين في جهة الكعبة ، إذا صلوا إلى أربع جهات ، فالذي أصاب الكعبة واحد ، وله أجران لأن اجتهاده وعمله ، [ ص: 926 ] كان أكمل من غيره ، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، ومن زاده الله علما وعملا زاده الله أجرا بما زاده من العلم والعمل ، قال تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم قال مالك عن زيد بن أسلم : بالعلم ، وكذلك قال في قصة يوسف : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم وقد تبين بذلك أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم ، واتبعوا العلم ، وأن الفقه من أجل العلوم ، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن ، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر ، إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر ، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر ، كما قال تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال ، في الأصول والفروع .

[ ص: 927 ] ثم قال : وإذا تدبر الإنسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند الأخرى ، كما في مسائل الأحكام . ولم يستوعب الحق إلا من اتبع المهاجرين والأنصار ، وآمن بما جاء به الرسول كله على وجهه ، وهؤلاء هم أهل المرحمة الذين لا يختلفون . انتهى .

فعلم أن اختلاف الصحابة والتابعين والمجتهدين في الفروع ليس مما تشمله الآية ، فإن المراد منها الاختلاف عن الحق ، بعد وضوحه ، برفضه ، وشتان ما بين الاختلافين . ثم على طالب الحق أن يستعمل نظره فيما يؤثر من هذه الخلافيات ، فما وجده أقوى دليلا أخذ به ، وإلا تركه . وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيه : فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه ، فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول - إذا قام يصلي من الليل - « اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » . فإن الله تعالى قال فيما رواه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت ، فاستهدوني أهدكم » . انتهى .

[ ص: 928 ] الرابع : ذكر بعض المفسرين ، هنا ، ما روي من حديث « اختلاف أمتي رحمة » ، ولا يعرف له سند صحيح ، ورواه الطبراني والبيهقي في ( المدخل ) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا . قال بعض المحققين : هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث ، كقوله تعالى : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك

ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تختلفوا فتختلف قلوبكم » وغيره من الأحاديث الكثيرة ، والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الخلاف - انتهى - .

[ ص: 929 ] وقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسندهما عن أبي عامر عبد الله بن يحيى قال : حججنا مع معاوية بن أبي سفيان ، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني : الأهواء - كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة ، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء ، كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ؛ والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء نبيكم - صلى الله عليه وسلم - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به » . قال ابن كثير : وقد روي هذا الحديث من طرق . انتهى .

نبذة في مبدأ الاختلاف في هذه الأمة من أهل الأهواء :

ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب : ( الفرقان بين الحق والباطل ) أن المسلمين كانوا في خلافة أبي بكر وعمر ، وصدرا من خلافة عثمان في السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم ، ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا من التفرق ، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم ، فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان . ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وفارقوه وفارقوا جماعة المسلمين . وحدث في أيامه الشيعة أيضا ، لكن كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته ، بل كانوا ثلاث طوائف .

[ ص: 930 ] طائفة : تقول إنه إله ، وهؤلاء ، لما ظهر عليهم ، أحرقهم بالنار .

والثانية : السابة وكان قد بلغه عن أبي السوداء أنه كان يسب أبا بكر وعمر ، فطلبه قيل : إنه طلبه ليقتله فهرب منه .

والثالثة : المفضلة الذين يفضلونه على الشيخين ، وقد تواتر عنه أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر . وروى ذلك البخاري في صحيحه .

ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية ، ثم حدثت المرجئة ، ثم قال : وإن الناس في ترتيب أهل الأهواء على أقسام : منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم ، فيبدأ بالخوارج ، ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية ، كما فعله كثير من أصحاب أحمد - رضي الله عنه - كعبد الله ابنه ، ونحوه ، وكالخلال ، وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما ، وكأبي الفرج المقدسي . وكلا الطائفتين تختم بالجهمية ، لأنهم أغلظوا البدع . وكالبخاري في صحيحه . فإنه بدأ بكتاب الإيمان والرد على المرجئة ، وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 10:18 PM   #173

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 931 الى صـ 937
الحلقة (173)


ثم قال قدس سره : إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان ، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف ، صار أهل التفرق والاختلاف شيعا ، وعمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان ، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم ، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدرية والإيمان بالرسول وغير ذلك . ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به ، وما خالفهما تأولوه ، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى ، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر إلى غير ذلك . والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن . ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول ، بل أن يدفع منازعه من الاحتجاج بها . ثم قال - قدس سره - : فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعا لما جاء به الرسول ، ولا يتقدم بين يديه ، بل [ ص: 931 ] ينظر ما قال ، فيكون قوله تبعا لقوله ، وعلمه تبعا لأمره ، كما كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان ، وأئمة المسلمين . فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا يوسوس دينا غير ما جاء به الرسول . وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه ، نظر فيما قاله الله والرسول ، فمنه يتعلم وبه يتكلم ، وفيه ينظر ويتفكر ، وبه يستدل ، فهذا أصل أهل السنة .

وقال - قدس سره - في رسالته إلى جماعة الشيخ عدي بن مسافر ما نصه : وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها ، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله ، كما قال تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء ، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا ، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا ، فإن الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلى قوله : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة ، ومن النهي عن المنكر : إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى . ثم قال : ويجب على أولي الأمر ، وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ، فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله ، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - . وقوله تعالى :

[ ص: 932 ]

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 106 ] يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون

يوم تبيض وجوه وتسود وجوه أي : تبيض وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين لاتباعها الدين الحق الذي هو النور الساطع . وتسود وجوه كثيرة ، وهي وجوه الكافرين من أهل الكتاب والمشركين ؛ لاتباعها الضلالات المظلمة ، وليستدل بذلك على إيمانهم وكفرهم ، فيجازى كل بمقتضى حاله ، وهذه الآية لها نظائر ، منها قوله تعالى : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ومنها قوله تعالى : ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ومنها قوله : وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ومنها قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ومنها : تعرف في وجوههم نضرة النعيم إلى غير ذلك . وللمفسرين في هذا البياض والنضرة والغبرة والقترة وجهان :

أحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن الغم . وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ، أي : جلية سارة .

[ ص: 933 ] وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ، ومعناه الاستبشار والتهلل ، وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك . ويقال لمن وصل إليه مكروه : اربد وجهه واغبر لونه ، وتبدلت صورته . فعلى هذا معنى الآية : إن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه ، فإن كان لك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك ، إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم ، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني .

والوجه الثاني : أن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، فوجب المصير إليه . ولأبي مسلم أن يقول : الدليل دل على ما قلناه ، وذلك لأنه تعالى قال :

وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار ، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له ، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة والغم والحزن حتى صح هذا التقابل - أفاده الرازي - .

لطيفة :

( يوم ) منصوب إما مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة التفرق بعد مجيء البينات ، وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين . أي : اذكروا يوم ... إلخ ، أو ظرف للاستقرار في ( لهم ) أو لـ ( عظيم ) أو لـ ( عذاب ) .

فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا ، وتقديم بيان هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك عند الإجمال ، وقوله تعالى : ( أكفرتم [ ص: 934 ] بعد إيمانكم ) على إرادة القول ، أي : فيقال لهم ذلك ، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم - أفاده أبو السعود - والمعنى : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان ، وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة ، وما يناجيكم به وجدانكم من صدق هذه الدعوى وحقيتها وشهادته بصحتها ، كما قال تعالى فيما قبل هذه الآية : يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم

فقوله تعالى هنا : أكفرتم بعد إيمانكم محمول على ما ذكر ، حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وهي عامة في حق كل الكفار .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 107 ] وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون

وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون المراد برحمة الله : الجنة ، عبر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 108 ] تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين

تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق الإشارة إلى ما تقدم من الوعد والوعيد : وما الله يريد ظلما للعالمين أي : لا يشاء أن يظلم عباده ، فيأخذ أحدا بغير جرم ، أو يزيد في عقاب مجرم ، أو ينقص من ثواب محسن . قال الرازي : إنما حسن ذكر الظلم ههنا ، [ ص: 935 ] لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة ، وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك ، وقال : إنهم ما وقعوا فيه إلا لسبب أفعالهم المنكرة ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب . وقال أبو السعود : وفي سبك الجملة نوع إيماء إلى التعريض بأن الكفرة هم الظالمون ، ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد ، كما في قوله تعالى : إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 109 ] ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور

ولله ما في السماوات وما في الأرض أي : له تعالى وحده ، من غير شركة ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا ، وإحياء وإماتة ، وإثابة وتعذيبا : وإلى الله أي : إلى حكمه وقضائه : ترجع الأمور أي : أمورهم فيجازي كلا منهم بما وعده وأوعده ، فلا داعي له إلى الظلم ؟ لأنه غني عن كل شيء ، وقادر على كل شيء .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 110 ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .

كنتم خير أمة أخرجت للناس كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق ، والدعوة إلى الخير ، و : كنتم من ( كان ) التامة ، والمعنى : وجدتم وخلقتم خير أمة ، أو ( الناقصة ) والمعنى كنتم في علم الله خير أمة ، أو في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة و : أخرجت للناس صفة لأمة ، واللام متعلقة بـ : أخرجت أي : أظهرت لهم حتى تميزت وعرفت ، وفصل بينها وبين غيرها . [ ص: 936 ] ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعه لغيرهم بقوله : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله فبهذه الصفات فضلوا على غيرهم ممن قال تعالى فيهم : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض قال أبو السعود : وتؤمنون بالله أي : إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب ، وحساب وجزاء . وإنما لم يصرح به تفصيلا لظهور أنه الذي يؤمن به المؤمنون ، وللإيذان بأنه هو الإيمان بالله تعالى حقيقة ، وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهل الكتاب ليس من الإيمان به تعالى من شيء . قال تعالى : ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وإنما أخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة ، لأن دلالتهما على خيريتهم للناس أظهر من دلالته عليها وليقترن به ما بعده - انتهى - .

روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى من الناس رعة ، فقرأ هذه الآية : كنتم خير أمة أخرجت للناس ثم قال : من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد [ ص: 937 ] شرط الله فيها . ونظير هذه الآية قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي : خيارا : لتكونوا شهداء على الناس أي : بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقد روي في معنى الآية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث وافرة ، منها ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن معاوية بن حيدة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله - عز وجل - » . قال ابن كثير : وهو حديث مشهور ، وقد حسنه الترمذي ، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد ونحوه . وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه أشرف خلق الله ، وأكرم الرسل على الله ، وبعثه الله بشرع كامل عظيم ، لم يعطه نبي قبله ، ولا رسول من الرسل ، فالعمل على منهاجه وسبيله ، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه . وقد ذكر الحافظ ابن كثير ههنا حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وساق طرقه ومخرجيه فأجاد - رحمه الله تعالى - .

ولو آمن أهل الكتاب أي : بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - : لكان خيرا لهم أي : مما هم عليه ، إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العوض القليل الفاني والرياسة التافهة ، وتركهم الغنى الدائم ، والعز الباهر . ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا : منهم المؤمنون أي : بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ولكنهم قليل : وأكثرهم الفاسقون ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة ، خفف سبحانه عن أوليائه بقوله : القول في تأويل قوله تعالى :


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2026, 10:20 PM   #174

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 938 الى صـ 944
الحلقة (174)




[ 111 ] لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون

لن يضروكم إلا أذى أي : بألسنتهم لا يبالى به من طعن وتهديد : وإن يقاتلوكم [ ص: 938 ] أي : يوما من الأيام : يولوكم الأدبار يعني منهزمين مخذولين : ثم لا ينصرون يعني لا يكون لهم النصر عليكم ، بل تنصرون عليهم . وقد صدق الله ، ومن أصدق من الله قيلا ؟ لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك . قال ابن كثير : فإنهم يوم خيبر أذلهم الله ، وأرغم أنوفهم ، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة : بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة ، كلهم أذلهم الله . وكذلك النصارى بالشام ، كسرهم الصحابة في غير ما موطن وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين . ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم ، وهم كذلك ، ويحكم بملة الإسلام ، وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الإسلام .

لطائف :

قال الزمخشري : فإن قلت : هلا جزم المعطوف في قوله : ثم لا ينصرون ؟

قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء ، كأنه قيل : ثم أخبركم أنهم لا ينصرون .

فإن قلت : فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى ؟

قلت : لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم ، كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ، ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر .

فإن قلت : فما الذي عطف عليه هذا الخبر ؟

قلت : جملة الشرط والجزاء . كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون .

فإن قلت : فما معنى التراخي في ثم ؟

[ ص: 939 ] قلت : التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار .

قال الناصر بن المنير : وهذا من الترقي في الوعد عما هو أدنى إلى ما هو أعلى ، لأنهم وعدوا بتولية عدوهم الأدبار عند المقابلة ، ثم ترقى الوعد إلى ما هو أتم في النجاح من أن هؤلاء لا ينصرون مطلقا ، ويزيد هذا الترقي بدخول ثم دون الواو . فإنها تستعار ههنا للتراخي في الرتبة لا في الوجود ، كأنه قال : ثم ههنا ما هو أعلى في الامتنان ، وأسمح في رتب الإحسان ، وهو أن هؤلاء قوم لا ينصرون البتة - والله أعلم - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 112 ] ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس أي : أحيط بهم الهوان والصغار كما يحيط البيت المضروب بساكنيه أينما وجدوا ، وقوله : إلا بحبل من الله في محل النصب على الحال بتقدير : إلا معتصمين أو متمسكين أو ملتبسـين بحبل من الله ، وهو استثناء من أعم عام الأحوال ، والمعنى : ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال ، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس ، يعني : ذمة الله وذمة المسلمين ، أي : لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية . كذا في ( الكشاف ) وباءوا بغضب من الله أي : استوجبوه : وضربت عليهم المسكنة أي : الفقر ، ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل : ذلك أي : ضربت المسكنة والذلة والغضب : بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله أي : استكبارا وعتوا : ويقتلون الأنبياء [ ص: 940 ] أي : الآتين من عند الله حقا . ولما كانوا معصومين دينا ودنيا قال : بغير حق أي : يبيح القتل : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون أي : ضرب الذلة والمسكنة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة ، كما هو معلل بكفرهم وقتلهم الأنبياء ، فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى . وقيل : ذلك إشارة إلى علة العلة ، وهو الكفر والقتل ، أي : حصلا منهم بسبب عصيانهم واعتدائهم ، فإن الإقدام على المعاصي ، والاستهانة بمجاوزة الحدود يهون الكفر . قال الأصفهاني : قال أرباب المعاملات : من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن . ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفرائض ، ومن ابتلي بترك الفرائض وقع في استحقار الشرعية ، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر .

قال برهان الدين البقاعي - رحمه الله تعالى - : والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا. وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم ، لأنه قال في السفر الثاني : وقال الله جميع هذه الآيات كلها أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق ولا يكون لك آلهة ، لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق ، وفي الأرض من تحت ، ومما في الماء أسفل الأرض ، لا تسجدن لها ولا تعبدنها ؛ لأني أنا الرب إلهك غيور آخذ الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحباري وحافظي وصاياي - انتهى - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 113 ] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون

ليسوا سواء جملة مستأنفة سيقت تمهيدا للثناء على من أقبل على الحق من أهل الكتاب ، وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا ، وتذكيرا لقوله تعالى : منهم المؤمنون أي : ليس أهل الكتاب متساوين ومتشاركين في المساوئ ، ثم استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم : [ ص: 941 ] من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون

في قوله تعالى : قائمة وجوه :

الأول : أنها قائمة في الصلاة ، وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى : والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما وقوله : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وقوله : قم الليل وقوله : وقوموا لله قانتين

والثاني : أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له ، غير مضطربة في التمسك به ، كقوله : إلا ما دمت عليه قائما أي : ملازما للاقتضاء ، ثابتا على المطالبة . ومنه [ ص: 942 ] قوله تعالى : قائما بالقسط

الثالث : أنها مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام ، بمعنى استقام ، والآناء : الأوقات ، واحدها ( إنا ) مثل ( معى ) و ( أمعاء ) و ( إنى ) مثل ( نحى ) و ( أنحاء ) وقوله تعالى : وهم يسجدون جملة مستقلة مستأنفة ، وليست حالا من فاعل : يتلون لما صح في السـنة من النهي عن التلاوة في السجود ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إلا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم » . فمعنى الآية أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى ، يبتغون الفضل والرحمة كقوله تعالى : والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما وقوله : أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ويحتمل أن يكون المعنى : وهم يصلون ، والصلاة تسمى سجودا وسجدة كما تسمى ركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة . وعليه فالجملة يجوز فيها الوجهان ، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده . ثم وصفهم تعالى بصفات أخر ، مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 114 ] يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين

يؤمنون بالله واليوم الآخر أي : على الوجه الذي نطق به الشرع . وظاهر أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله . والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من [ ص: 943 ] المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ، ولا يحترزون عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد : ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر تعريض بمداهنة اليهود في الاحتساب ، بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله ، فإنه أمر بالمنكر ونهي عن المعروف ، وقوله تعالى : ويسارعون في الخيرات صفة أخرى جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير . والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه . وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها ، بل بمبادرتهم إلى الشرور : وأولئك أي : المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة : من الصالحين أي : من عداد من صلحت أحوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه ، والوصف بالصلاح دال على أكمل الدرجات . فهو غاية المدح ، ولذا وصفت به الأنبياء في التنزيل : القول في تأويل قوله تعالى :

[ 115 ] وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين

وما يفعلوا من خير فلن يكفروه أي : لن يعدموا ثوابه . وإيثار صيغة المجهول للجري على سنن الكبرياء . وقرئ الفعلان بالخطاب : والله عليم بالمتقين فيوفيهم أجورهم وهؤلاء الموصوفون هم المذكورون في آخر السورة وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله الآية .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* ابر الحديد (محلول الحديد بالوريد)
* دفع التعارض عن كتاب سيبويه (pdf)
* ملخص لخصائص القصة الشعرية إلى عصر الدول المتتابعة
* مدارس الرسم: التجريدية والمستقبلية
* اسم الله (القدوس)
* زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
* {إن المتقين في مقام أمين}

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
"محاسن, متجدد, الله, التأويل"محمد, الدين, القاسمي, تفسير, جمال, شاء, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1829 يوم أمس 11:58 PM
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 517 07-13-2026 12:29 PM
"حيّ بن يقظان" .. مُلهم "ماوكلي" "كروزو" و"طرزان" ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 01-01-2026 09:23 PM
الدلالة البيانية للفظي"الوالدان"و"الأبوان"في تعبير القرآن الكريم-د.صالح التركي امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 11-14-2025 06:51 AM
فوائد مختارة من كتاب تفسير القاسمي " محاسن التأويل " امانى يسرى محمد ملتقى الكتب الإسلامية 0 09-16-2025 01:59 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009